Полный текст (208 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
مُقَدِّمَة المحَقِق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ خاتَمِ الأنبياء والمرسلين وبعد:
فهذا كتاب "جواهر القرآن" للإمام الغزالي ﵁، أبرز فيه رحمه الله تعالى جواهر القرآن، ونبَّهَ على الغَوْصِ في مُحيطه، والإفادة من جواهرِهِ، والالتقاط من دُرَرِه، والظَّفَرِ بنفائِسه، للفوز بِخَيْرِ الدُنيا والآخرة، فهو كتاب يدل عنوانُهُ على نفاسَةِ موضوعه وشرف مضمونه ورِفْعَةِ غايَتِهِ.
عملي في هذا الكتاب
عندما وقعت بين يدي نسخة هذا الكتاب وجدتُ غالبها متصل الأسطر، غير مُجَزَّأ الفَقَرات، فعمدت إلى تجزئَةِ الكتاب في فَقَرات، وضبَطتُ الشَّكل فيها، ورتبت سَرْدَ آياتِ القرآن، خصوصاًَ عند بيان الغزالي لِنَمَطِ جواهرِ القرآن ونَمَطِ دُرَرِه، فذكرت في أول السطر في كل نَمَط عدد آيات الجواهر من كل سورة، ثم أتبعتُ ذلك بالآيات نفسها، مُبْتَدِئاً بكل مجموعة منها في السورة من أول السطر أيضاً.
стр. 2
ثم عمدت إلى الأحاديث النبوية التي ذكرها الغزالي في مقدمة كتابه فَأشَرْتُ في هامش هذه الطبعة إلى موضع روايتها في كتب الحديث؛ كما عمدت إلى الآيات القرآنية فأشرت إلى رقم كل آية ومَوْضِعها من السورة؛ كما عمدتُ أيضاً إلى الكلمات الصعبة في الكتاب فشرحتُ معناها من كتب اللغة.
ولا أدعي الكمال في عملي ذلك كله، إنما هي محاولة لتقديم هذا الكتاب في صورة تُسَهِّل على القارئ مطالعة الكتاب والإفادة من موضوعه.
وقد اعتمدتُ في ضبط هذا الكتاب وإخراجه على النسخة المطبوعة بالمكتبة التجارية الكبرى لصاحبها مصطفى محمد، بأول شارع محمد علي بمصر - القاهرة، الطبعة الثانية ١٣٥٢ هـ = ١٩٣٣ م. والله وليُّ التوفيق.
بيروت أول رجب الخير ١٤٠٤ هجرية.
محمد رشيد رضا القباني
الموافق للأول من نيسان ١٩٨٤م.
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ترجمة حياة الإمام الغزالي رحمه الله تعالى
الإمام الغزالي هو أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الملقب حجة الإسلام، زين الدين الطوسي، الفقيه الشافعي، ولد بطوس، سنة خمسين وأربعمائة.
ويحكى أن والده كان صالحاً، لا يأكل إلا من كسب يده، يعمل في غزل الصوف ويبيعه في دكانه؛ ولما حضرته الوفاة أوصى به وبأخيه أحمد إلى صديق له متصوف ومن أهل الخير وقال له: إن لي لتأسُّفاً عظيماً على تعلم الخط، وأشتهي استدراك ما فاتني في ولديَّ هذين، فعلِّمهما، ولا عليك أن تُنفِذَ في ذلك جميع ما أخلفه لهما. فلما مات أقبل الصوفي على تعليمهما إلى أن فنيَ ذلك النزر اليسير الذي خلّفه لهما أبوهما، فقال لهما: إعلما أني قد أنفقت عليكما ما كان لكما، وأنا رجل من الفقر، لا مال لي أواسيكما به، فأرى أن تلجأا إلى مدرسة، فإنكما من طلبة العلم، فيحصل لكما قوت يعْينكما على وقتكما، ففعلا ذلك، وكان هو السبب في سعادتهما وعلو درجتهما. وكان
стр. 4
الغزالي يحكي ذلك ويقول: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله.
وقد كان والد الغزالي ﵀ يطوف على المتفقِّهة، ويجالسهم، ويتوفرَّ على خدمتهم، ويَجِدُّ في الإحسان إليهم، والنفقة بما يمكنه عليهم، وكان إذا سمع كلامهم بكى وتضرَّع، وسأل الله أن يرزقه ابناً واعظاً، ويجعله فقيهاً، فاستجاب الله دعْوَتَيه، أما أبو حامد فكان أفقه أقرانه، وإمام أهل زمانه؛ وأما أحمد فكان واعظاً، تلينُ الصُمُّ الصخور عند سماع تحذيره، وترتعد فرائِصُ الحاضرين في مجالس تذكيره.
قرأ الغزالي في صباه طرفاً من الفقه على أحمد محمد الراذكاني، ثم قدم بعد ذلك إلى نيسابور، ولازم إمام الحرَمَيْن أبي المعالي الجُوَيني، وجدَّ واجتهد حتى برع في المذهب، والخلاف، والجدل، والمنطق، وقرأ الحكمة، والفلسفة، وأحكَمَ كل ذلك، وفهم كلام أهل هذه العلوم، وتصدى للردّ عليهم وإبطال دعاويهم، وصنَّفَ في كل فن من هذه العلوم كُتباً أحسنَ تأليفها، وأجاد وضعها.
وكان الغزالي ﵁ شديد الذكاء، سديد النظر، قويَّ الحافظة، بعيد الغَوْر، غوَّاصاً على المعاني، مُناظِراً مِحْجاجاً.
ولما مات إمام الحرَمَيْن "الجُوَيْني" خرج الغزالي قاصداً الوزير "نظام الملك". وكان مجلسه مجمع أهل العلم، فناظر الأئمة العلماء في مجلسه، وظهر كلامه عليهم، واعترفوا بفضله، وتلقَّاه الصاحب بالتعظيم والتبجيل، وولاه تدريس مدرسته "النظّامية" ببغداد سنة أربعٍ وثمانين وأربعمائة، فقدمها
стр. 5
في تجمُّل كبير، وتلقَّاهُ الناس، ونفذت كلمته، وعظمت حشمته حتى غلبت على حشمة الأمراء والوزراء، وأعجب الخلقَ حسنُ كلامه، وكمالُ فضله، وفصاحةُ لسانه، ونُكَتُه الدقيقة، وإشاراته اللطيفة، وأحبوه. وأقام على تدريس العلم ونشره بالتعليم والفُتيا والتصنيف مُدةً. كان عظيم الجاه، عالي الرتبة، مسموع الكلمة، مشهور الاسم، تضرب به الأمثال، وتُشد إليه الرحال، حتى شَرُفَت نفسه عن كل جاه، وترك ذلك كله وراء ظهره ورحل إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة، فخرج إلى الحج في شهر ذي الحجة سنة ثمانٍ وثمانين وأربعمائة (٤٨٨ هجرية) واستناب أخاه في التدريس ببغداد.
ودخل دمشق بعد عودته من الحج في سنة تسعٍ وثمانين وأربعمائة (٤٨٩ هجرية) ، فلبث فيها أياماً يسيرة، ثم توجه إلى بيت المقدس، فجاور ربه مدةً، ثم عاد إلى دمشق، واعتكف بالمنارة الغربية من الجامع، وبها كانت إقامته.
وقد صادف دخوله يوماً المدرسة الأمينة فوجد المدرس يقول: قال الغزالي وهو يدرس كلامه فخشي الغزالي على نفسه العجَبَ ففارق دمشق، وأخذ يجول في البلاد، فدخل مصر، وتوجه إلى الإسكندرية، فأقام بها مدة، وقيل إنه عزم على المضي إلى السلطان يوسف بن تاشفين سلطان المغرب لِما بلغه من عدله، فبلغه موته، واستمر يجول في البلدان حتى عاد إلى خراسان ودرَّس بالمدرسة النظامية بنيسابور مدة يسيرة، ثم رجع إلى طوس، واتخذ إلى جانب داره مدرسة للفقهاء، وخانقاه للصوفية، ووزع أوقاته على وظائف من ختم القرآن، ومجالسة أرباب القلوب، والتدريس لطلبة العلم، وإدامة الصلاة والصيام وسائر العبادات، إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى ورضوانه. وكانت
стр. 6
وفاته بطوس، في يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة، سنة خمسٍ وخمسمائة (٥٠٥ هجرية) ؛ وعمره خمس وخمسون سنة.
قال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب "الثبات عند الممات": "قال أحمد أخو الإمام الغزالي: لما كان يوم الاثنين وقت الصبح، توضأ أخي أبو حامد وصلى وقال: عليَّ بالكفن، فأخذه وقبَّله، ووضعه على عينيه، وقال: سمعاً وطاعة للدخول على الملك، ثم مدَّ رجليه، واستقبل القبلة، ومات قبل الإسفار، قدَّس الله روحه".
هذا وقد رثاه الأديب أبو المظفر محمد الأبيوردي، الشاعر المشهور، بأبيات فائية منها:
مضى وأعظمُ مفقودٍ فُجِعْتُ بِه ... من لا نظيرَ لهُ في الناسِ يخلُفُه
وتمثَّل الإمام إسماعيل الحاكمي بعد وفاته بقول أبي تمام من جملة قصيدة مشهورة له:
عجبتُ لصبري بعدَهُ وهوَ ميتٌ ... وكنتُ امرءاً أبكي دماً وهوَ غائبُ
على أنها الأيامُ قد صِرْنَ كلُّها ... عجائبَ، حتى ليس فيها عجائبُ
وقد دُفن الغزالي ﵀ بظاهر الطابرّان، وهي قصبة طوس، رحمه الله تعالى.
стр. 7
باقة من كلماته
ومن كلماته المنثورة البديعة ﵀ ما نقله الزبيدي الشهير بمرتضى من طبقات المناوي في كتابه "إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين". وهي كلمات تعبر عن سعة علمه وإدراكه وفهمه:
- "أنوار العلوم لم تُحجب من القلوب لبُخلٍ ومنعٍ من جهة المُنعِمِ تعالى عن ذلك، بل لِخَبَثٍ وكدورةٍ وشغلٍ من جهة القلوب، فإنها كالأواني ما دامت مملوءة بالماء لا يدخلها الهواء، والقلب المشغول بغير الله لا تدخله المعرفة بجلاله".
- "جلاء القلوب والأبصار يحصل بالذكر، ولا يتمكن منه إلا الذين اتّقَوا، فالتقوى باب الذكر، والذكر باب الكشف، والكشف باب الفوز الأكبر".
- "قلب المؤمن لا يموت، وعلمه عند الموت لا ينمحي، وصفاؤه لا يتكدّر، وإليه أشار الحسن بقوله: التراب لا يأكل محل الإيمان".
- "مهما رأيت العلماء يتغايرون، ويتحاسدون، ولا يتآنسون، فاعلم أنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فهم خاسرون".
- "أشدُّ الناس حماقة أقواهم اعتقاداً في فضل نفسه، وأثبتُ الناس عقلاً أشدهم اتهاماً لنفسه".
- "مهما رأيتَ إنساناً سيِّء الظن بالله، طالباً للعيوب، فاعلم أنه خبيث في الباطن، والمؤمن سليم الصدر في حق كافة الخلق".
- "حقيقة الذكر لا تتمكن من القلب إلا بعد عمارته بالتقوى، وتطهيره من الصفات المذمومة، وإلا فيكون الذكر حديث نفس، ولا سلطان له على القلب، ولا يدفع الشيطان".
стр. 8
- "كما أنك تدعو ولا يُستجاب لك لفقد شرط الدعاء، فكذلك تذكر الله ولا يهرب الشيطان لفقد شروط الذكر".
- "النفس إذا لم تُمنَع بعضَ المباحات طمعت في المحظورات".
- "السعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه، والشقاوة في أن تملكه نفسه".
- "من عوَّد نفسه الفكرَ في جلال الله وعظمته، وملكوتِ أرضه وسمائه، صار ذلك عنده ألذّ من كل نعيم، فلذةُ هذا في عجائب الملكوت على الدوام، أعظم من لذة من ينظر إلى أثمار الجنة وبساتينها بالعين الظاهرة، وهذا حالهم في الدنيا، فما الظن بهم عند انكشاف الغطاء في العقبى؟ ".
- "لا يبقى مع العبد عند الموت إلا ثلاث صفات: صفاء القلب أعني طهارته من أدناس الدنيا؛ وأُنسه بذكر الله؛ وحبه لله. وطهارة القلب لا تحصل إلا بالكف عن شهوات الدنيا؛ والأُنس لا يحصل إلا بكثرة الذكر؛ والحُب لا يحصل إلا بالمعرفة، ولا تحصل معرفة الله إلا بدوام الفكر".
- "علماء الآخرة يُعرفون بسيماهم من السكينة والذلة والتواضع، أما التمشدق والاستغراق في الضحك، والحدّة في الحركة والنطق فمن آثار البطر والغفلة، وذلك من دأب أبناء الدنيا".
وله ﵀ دعاء عجيب جرَّبه أهل العرفان عند حلول الفاقة وهو:
- "اللهم يا غني، يا حميد، يا مبدئ، يا معيد، يا رحيم، يا ودود، أغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سِواك قال: من ذكره بعد صلاة الجمعة وداومَ عليه أغناه الله عن خلقه، ورزقه من حيث لا يحتسب".
* * *
وللإمام الغزالي مصنفات كثيرة منها:
стр. 9
كتاب "الوسيط" و "البسيط" و "الوجيز" في الفقه. و "إحياء علوم الدين". و "المُسْتَصْفَى" في أصول الفقه. و "تهافت الفلاسفة". و "المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحُسنى". و "مشكاة الأنوار". و "الاقتصاد في الاعتقاد". و "معارج القدس في أحوال النفس" و "مقاصد الفلاسفة". و "تنزيه القرآن عن المطاعن". و "المعارف العقلية". و "فضائح الباطنية". و "التبر المسبوك في نصيحة الملوك". و "منهاج العابدين". و "ياقوت التأويل في تفسير التنزيل" وهو تفسير يقع في نحو أربعين مجلداً. و "الحكمة في مخلوقات الله". و "مكاشفة القلوب المقرب إلى علاَّم الغيوب". و "جواهر القرآن" وهو الكتاب الذي بين أيدينا.
محمد رشيد رضا القباني
стр. 10
مُقَدّمَة الْمُؤلف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمد لله رب الْعَالمين، وَصلَاته وَسَلَامه على نبيه مُحَمَّد وَآله وَأَصْحَابه أَجْمَعِينَ [وَبعد] :
فصل فِي فهرست الْكتاب الَّذِي سميناه جَوَاهِر الْقُرْآن
اعْلَم هداك الله، أَنا رتبنا هَذَا الْكتاب على ثَلَاثَة أَقسَام:
١ - قسم فِي الْمُقدمَات والسوابق.
٢ - وَقسم فِي الْمَقَاصِد.
٣ - وَقسم فِي اللواحق.
стр. 11
الْقسم الأول: فِي الْمُقدمَات والسوابق
ويشتمل هَذَا الْقسم على تِسْعَة عشر فصلا:
الْفَصْل الأول: فِي أَن الْقُرْآن هُوَ الْبَحْر الْمُحِيط، وينطوي على أَصْنَاف الْجَوَاهِر والنفائس.
الْفَصْل الثَّانِي: فِي حصر مقاصده ونفائسه وَأَنَّهَا ترجع إِلَى سِتَّة أَقسَام: ثَلَاثَة مِنْهَا أصُول مهمة، وَثَلَاثَة تَوَابِع متمة.
الْفَصْل الثَّالِث: فِي شرح آحَاد الْأَقْسَام السِّتَّة، وَأَنَّهَا تتشعب فَتَصِير عشرَة.
الْفَصْل الرَّابِع: فِي كَيْفيَّة انشعاب الْعُلُوم كلهَا من الْأَقْسَام الْعشْرَة، وَأَن عُلُوم الْقُرْآن تَنْقَسِم إِلَى علم الصدف، وَإِلَى علم الْجَوَاهِر، وَبَيَان مَرَاتِب الْعُلُوم.
الْفَصْل الْخَامِس: فِي كَيْفيَّة انشغاب علم الْأَوَّلين مِنْهُ والآخرين.
الْفَصْل السَّادِس: فِي معنى اشْتِمَال القرآم على الكبريت الْأَحْمَر، والرياق الْأَكْبَر، والمسك الأذفر، وَسَائِر النفائس والدرر، وَأَن ذَلِك لَا يعرفهُ إِلَّا من عرف كَيْفيَّة الموازنة بَين عَالم الشَّهَادَة وعالم الملكوت.
الْفَصْل السَّابِع: فِي أَنه لم عبر عَن مَعَاني عَالم الملكوت فِي الْقُرْآن بأمثلة مَأْخُوذَة من عَالم الشَّهَادَة.
الْفَصْل الثَّامِن: فِيمَا يدْرك بِهِ وَجه العلاقة بَين عَالم الملكوت وعالم الشَّهَادَة.
الْفَصْل التَّاسِع: فِي حل الرموز الَّتِي تَحت الكبريت الْأَحْمَر والترياق الْأَكْبَر،
стр. 12
والمسك الأذفر، وَالْعود واليواقيت والدرر وَغَيرهَا.
الْفَصْل الْعَاشِر: فِي الْفَائِدَة الَّتِي تَحت هَذِه الرموز.
الْفَصْل الْحَادِي عشر: فِي أَنه كَيفَ يفضل بعض آيَات الْقُرْآن على بعض وَكله كَلَام الله تَعَالَى.
الْفَصْل الثَّانِي عشر: فِي أسرار الْفَاتِحَة، واشتمالها على ثَمَانِيَة أَصْنَاف من جملَة الْأَصْنَاف الْعشْرَة من نفائس الْقُرْآن، وَذكر طرف من مَعَاني الرَّحْمَن الرَّحِيم بِالْإِضَافَة إِلَى خلقَة الْحَيَوَانَات.
الْفَصْل الثَّالِث عشر: فِي أَن الْأَبْوَاب الثَّمَانِية للجنة مَفْتُوحَة بِالْفَاتِحَةِ، وَأَنَّهَا مِفْتَاح جَمِيعهَا.
الْفَصْل الرَّابِع عشر: فِي آيَة الْكُرْسِيّ، وَأَنَّهَا لم كَانَت سيدة آي الْقُرْآن، وَلم كَانَت أشرف من ﴿شهد الله﴾ و ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ وَأول الْحَدِيد، وَآخر الْحَشْر، وَسَائِر الْآيَات.
الْفَصْل الْخَامِس عشر: فِي تَحْقِيق أَن سُورَة الْإِخْلَاص لم تعدل ثلث الْقُرْآن.
الْفَصْل السَّادِس عشر: فِي أَن ﴿يس﴾ لم كَانَت قلب الْقُرْآن.
الْفَصْل السَّابِع عشر: فِي أَن النَّبِي ﷺ لم خصص الْفَاتِحَة بِأَنَّهَا فضل الْقُرْآن، وَآيَة الْكُرْسِيّ بِأَنَّهَا سيدة آي الْقُرْآن، وَأَن ذَلِك لم صَار أولى من عَكسه
стр. 13
الْفَصْل الثَّامِن عشر: فِي حَال العارفين، وَأَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا فِي جنَّة عرضهَا أكبر من السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَأَن جنتهم الْحَاضِرَة قطوفها دانية، وَلَيْسَت بمقطوعة وَلَا مَمْنُوعَة.
الْفَصْل التَّاسِع عشر: فِي سر السَّبَب الدَّاعِي إِلَى نظم جَوَاهِر الْقُرْآن فِي سلك وَاحِد، ونظم درره فِي سلك آخر، فَهَذِهِ تِسْعَة عشر فصلا.
الْقسم الثَّانِي: فِي الْمَقَاصِد
ويشتمل على لباب آيَات الْقُرْآن، وَهِي نمطان:
النمط الأول فِي الْجَوَاهِر: وَهِي الَّتِي وَردت فِي ذَات الله ، وَصِفَاته وأفعاله خَاصَّة، وَهُوَ الْقسم العلمي.
النمط الثَّانِي فِي الدُّرَر: وَهُوَ مَا ورد فِيهِ بَيَان الصِّرَاط الْمُسْتَقيم، والحث عَلَيْهِ، وَهُوَ الْقسم العلمي.
فصل فِي خَاتِمَة النمطين: فِي بَيَان الْعذر فِي الِاقْتِصَار فِي آيَات الْقُرْآن على هَذِه الْجُمْلَة.
الْقسم الثَّالِث: فِي اللواحق
ومقصودة حصر جمل الْمَقَاصِد الْحَاصِلَة من هَذِه الْآيَات، وَهُوَ منعطف على جملَة الْآيَات، وَهُوَ كتاب مُسْتَقل لمن أَرَادَ أَن يَكْتُبهُ مُفردا، وَقد سميناه
стр. 14
" كتاب الْأَرْبَعين فِي أصُول الدُّنْيَا " فَإِنَّهُ يَنْقَسِم إِلَى عُلُوم يرجع حاصلها إِلَى عشرَة أصُول وَإِلَى أَعمال، وَهِي تَنْقَسِم إِلَى أَعمال ظَاهِرَة، وَإِلَى أَعمال باطنة.
فالأعمال الظَّاهِرَة: ترجع جُمْلَتهَا إِلَى أصُول أَيْضا.
والأعمال الْبَاطِنَة: تَنْقَسِم إِلَى مَا يجب تَزْكِيَة الْقلب مِنْهُ من الصِّفَات المذمومة؛ وَترجع مذمومات الْأَخْلَاق أَيْضا إِلَى عشرَة أصُول، وَإِلَى مَا يجب تخلية الْقلب مِنْهُ من الصِّفَات والأخلاق، وَأَن محمودات الْأَخْلَاق ترجع إِلَى عشرَة أصُول [أَيْضا] .
فيشتمل قسم اللواحق على أَرْبَعَة أَقسَام:
١ - المعارف
٢ - والأعمال الظَّاهِرَة.
٣ - والأخلاق المذمومة.
٤ - والأخلاق المحمودة.
الْقسم الأول: فِي المعارف، وَهِي عشرَة أصُول:
١ - أصل فِي ذَات الله تَعَالَى.
٢ - وأصل فِي تقدسي الذَّات.
٣ - وأصل فِي الْقُدْرَة.
٤ - وأصل فِي الْعلم.
٥ - وأصل فِي الْإِرَادَة.
٦ - وأصل فِي السّمع وَالْبَصَر.
٧ - وأصل فِي الْكَلَام.
٨ - وأصل فِي الْأَفْعَال.
стр. 15
٩ - وأصل فِي الْيَوْم الآخر.
١٠ - وأصل فِي النُّبُوَّة.
وخاتمة فِي التَّنْبِيه على الْكتب الَّتِي يطْلب مِنْهَا حقائق هَذِه الْأُمُور.
الْقسم الثَّانِي: فِي الْأَعْمَال الظَّاهِرَة، وَهِي عشرَة أصُول:
١ - أصل فِي الصَّلَاة
٢ - وأصل فِي الزَّكَاة
٣ - وأصل فِي الصَّوْم
٤ - وأصل فِي الْحَج
٥ - وأصل فِي قِرَاءَة الْقُرْآن
٦ - وأصل فِي الْأَذْكَار
٧ - وأصل فِي طلب الْحَلَال.
٨ - وأصل فِي حسن الْخلق.
٩ - وأصل فِي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر.
١٠ - وأصل فِي اتِّبَاع السّنة.
وخاتمة: تنعطف على الْجَمِيع فِي تَرْتِيب الأوراد.
الْقسم الثَّالِث: فِي أصُول الْأَخْلَاق المذمومة، وَهِي الَّتِي يجب تَزْكِيَة النَّفس مِنْهَا وَهِي عشرَة أصُول:
١ - أصل فِي شَره الطَّعَام
٢ - وأصل فِي شَره الْكَلَام
٣ - وأصل فِي الْغَضَب
٤ - وأصل فِي الْحَسَد
стр. 16
٥ - وأصل فِي حب المَال
٦ - وأصل فِي حب الجاه
٧ - وأصل فِي حب الدُّنْيَا
٨ - وأصل فِي الْكبر
٩ - وأصل فِي الْعجب
١٠ - وأصل فِي الرِّيَاء
وخاتمة: تنعطف على جملَة فِي جَوَامِع الْأَخْلَاق ومواقع الْغرُور مِنْهَا.
الْقسم الرَّابِع: فِي أصُول الْأَخْلَاق المحمودة، وَهِي عشرَة أصُول:
١ - أصل فِي التَّوْبَة
٢ - وأصل فِي الْخَوْف والرجا
٣ - وأصل فِي الزّهْد
٤ - وصل فِي الصَّبْر
٥ - وأصل فِي الشُّكْر
٦ - وأصل فِي الْإِخْلَاص والصدق
٧ - وأصل فِي التَّوَكُّل
٨ - وأصل فِي الْمحبَّة
٩ - وأصل فِي الرِّضَا بِالْقضَاءِ
١٠ - وأصل فِي الْمَوْت وَحَقِيقَته، وأصناف الْعقَاب الروحانية، وَبَيَان نَار الله الموقدة، الَّتِي تطلع على الأفئدة.
وخاتمة: تنعطف على الْجَمِيع فِي التفكر والمحاسبة. ثمَّ أبتدئ وَأَقُول:
стр. 17
القسم الأول / في المقدمات والسوابق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الفصل الأول
في أن القرآن هو البحر المحيط وينطوي على أصناف الجواهر والنفائس
أما بعدَ حَمْدِ اللهِ الذي هو فاتحةُ كُلِّ كتاب، والصلاةِ على رُسُلِهِ التي هي خاتمةُ كل خطاب. فإِني أُنَبِّهك على رَقْدَتك، أيُّها المُستَرسِلُ في تِلاوَتِك، المُتَّخِذُ دراسة القرآن عملاً، المُتَلقِّفُ من معانيه ظواهر وجُمَلاً، إلى كم تطوف على ساحل البحر مُغَمَّضاً عينيك عن غرائبها؟ أَوَمَا كان لك أن تركب مَتْنَ لُجَّتِها لِتُبْصِرَ عجائبَها؟ وتسافَر إلى جزائرها لآِجتِنَاء أطَايِبِها؟ وتغوصَ في عمقها فتستغني بِنَيْلِ جواهِرها؟ أوَما تُعَيِّر نفسكَ في الحرمان عن دُرَرِها وجواهرها بإدمان النظر إلى سواحلها وظواهرها؟ أوَما بَلغك أن القرآن هو البحر المحيط؟ ومنه يتشعَّب علمُ الأَوَّلينَ والآخرِينَ كما يتشعب عن سواحل
стр. 18
البحر المحيط أنهارُها وجداوِلُها؟ أوَما تَغْبِطُ أقواماً خاضوا في غَمرة أمواجها فظفروا بالكبريت الأحمر؟ وغاصوا في أعماقها فاستخرجوا الياقوتَ الأحمرَ، والدُرَّ الأزهَرَ، والزَّبَرْجَدَ الأخضر؟ وسَاحوا في سواحلها، فَالتَقَطُوا العَنبرَ الأشهَب، والعودَ الرَّطب الأَنضرَ؟ وتعلقوا إلى جزائرها واستَدَرُّوا من حيواناتها التِّرياقَ الأكبر، والمسك الأذْفَر؟ وها أنا أُرشدك قاضِياً حقَّ إخائِك، ومُرتَجياً بَرَكة دعائك إلى كيفية سياحتهم وغَوْصهم وسباحتهم.
стр. 19
الفصل الثاني
في حصر مقاصد القرآن ونفائسه
سِرُّ القرآن، ولُبَابُه الأصفى، ومقصدُهُ الأقصى، دعوَةُ العباد إلى الجَبَّار الأعلى، ربِّ الآخرةِ والأولى، خالق السماوات العُلَى، والأرَضين السُلفى، وما بينهما وما تحت الثَّرَى، فلذلك انحصرت سُوَرُ القرآن وآياتُه في ستة أنواع:
- ثلاثة منها: هي السوابق والأصول المُهِمِّة.
- وثلاثة: هي الرَّوادف والتوابع المُغنِيَة المُتِمَّة.
أما الثلاثة المُهِمَّة فهي:
(١) تعريف المدعو إليه.
(٢) وتعريف الصراط المستقيم الذي تجب ملازمته في السلوك إليه.
(٣) وتعريف الحال عند الوصول إليه.
وأما الثلاثة المُغْنِيَة المُتِمَّة:
- فأحدها: تعريف أحوال المُجيبين للدعوة ولطائف صُنع الله
стр. 20
فيهم؛ وسِرُّهُ ومقصودُه التشويقُ والترغيبُ، وتعريفُ أحوال النَّاكبين والنَّاكلين عن الإجابة وكيفيةُ قمعِ الله لهم وتنكيلِهِ لهم؛ وسِرُّهُ ومقصوده الاعتبار والترهيب.
وثانيها: حكاية أحوال الجاحدين، وكَشْفُ فضائحهم وجهلهم بالمجادلة والمُحاجَّة على الحق، وسِرُّه ومقصوده في جنب الباطل الإِفضاحُ والتَّنْفير، وفي جَنب الحق الإيضاحُ والتَّثْبيتُ والتَّقهير.
وثالثها: تعريف عمارة منازل الطريق، وكيفية أخذ الزاد والأُهبة والاستعداد.
فهذه ستة أقسام.
стр. 21
الفصل الثالث: في شرح مقاصد القرآن
القسم الأول
في تعريف المدعو إليه
وهو شرح معرفة الله تعالى، وذلك هو الكبريت الأحمر. وتشتمل هذه المعرفة على:
(١) معرفة ذات الحق ﵎.
(٢) ومعرفة الصفات.
(٣) ومعرفة الأفعال.
وهذه الثلاثة: هي الياقوت الأحمر، فإِنها أخصُّ فوائد الكبريت الأحمر، وكما أن لليواقيت درجات، فمنها الأحمر والأَكْهَبُ والأصفر، وبعضُها أنفس من بعض، فكذلك هذه المعارف الثلاثة ليست على رتبة واحدة، بل أَنْفَسُها:
стр. 22
(١) معرفة الذات: فهو الياقوت الأحمر؛ ثم يليه معرفة الصفات وهو الياقوت الأَكْهَب؛ ويليه معرفة الأفعال، وهو الياقوت الأصفر. وكما أن أنْفَسَ هذه اليواقيت أجلُّ وأعزُّ وجوداً، ولا تظفر منه الملوك لِعِزَّته إلا باليسير، وقد تظفر مما دونَه بالكثير، فكذلك معرفة الذَّات أضيَقُها مجالاً وأعسَرُها منالاً وأعصَاها على الفكر، وأبعَدُها عن قبول الذِّكر؛ ولذلك لا يشتمل القرآن منها إلا على تلويحاتٍ وإشارات، ويرجع ذِكْرُها إلى ذكر التَّقديس المطلق كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وسورة الإخلاص وإلى التعظيم المطلق كقوله تعالى ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السماوات والأرض﴾ .
(٢) وأما الصفات: فالمجال فيها أفسح، ونطاق النُّطق فيها أوسع، ولذلك كَثُرَت الآيات المشتملة على ذكر العلم والقدرة والحياة، والكلام والحكمة، والسمع والبصر وغيرها.
(٣) وأما الأفعال: فبحرٌ مُتَّسِعَةٌ أَكنافُه، ولا تُنَال بالاستقصاء أطرافُه، بل ليس في الوجود إلا اللهُ وأفعالهُ، وكل ما سواه فِعْلهُ، لكن القرآن يشتمل على الجليِّ منها الواقع في عالم الشهادة، كَذِكْر السماوات والكواكب، والأرض والجبال، والشجر والحيوان، والبحار والنبات، وإنزال الماء الفُرات، وسائر أسباب النبات والحياة، وهي التي ظهرت للحِسّ. وأشرفُ أفعاله وأعجَبُها وأدلُّها على جلالة صانعها
стр. 23
ما لم يظهر للحِسّ، بل هو من عَالمَ المَلَكُوت، وهي الملائكةُ والرُّوحانِيَّات، والروحُ والقلب أعني العارف بالله تعالى من جملة أجزاء الآدَمِيّ، فإنهما أيضاً من جملة عَالَم الغَيْب والملكوت، وخارجٌ عن عالم المُلْكِ والشهادة، ومنها الملائكة الأرضية المُوَكَّلَة بجنس الإنس، وهي التي سجدت لآِدمَ ﵇، ومنها الشياطينُ المُسَلَّطة على جنس الإنس، وهي التي امتنعت عن السجود له، ومنها الملائكة السَماوِيَّة، وأعلاهم الكُروبِيُّون، وهم العاكفون في حَظيرة القُدُس، لا التِفاتَ لهم إلى الآدَمِيين، بل لا التِفاتَ لهم إلى غير الله تعالى، لاِستِغْراقهم بجمال الحضرةِ الرُّبوبِيَّةِ وجلاَلها، فهم قاصرون عليه لِحَاظَهم، يُسَبِّحون الليلَ والنهارَ لا يفترون، ولا تستبعد أن يكون في عباد الله من يشغله جَلالُ الله عن الالتفات إلى آدَمَ وذُرِيَّته، ولا يَسْتَعْظِم الآدَمِيُّ إلى هذا الحد، فقد قال رسول الله ﷺ : "إن للهِ أرضاً بيضاء، مسيرةُ الشمس فيها ثلاثون يوماً، مِثلُ أيام الدنيا ثلاثين مرة، مشحونةٌ خلقاً لا يعلمون أن الله تعالى يُعْصَى في الأرض، ولا يعلمون أن الله تعالى خلق آدَمَ وإبليس". رواه ابن عباس ﵁ وَاسْتَوْسَعَ مملكةَ الله تعالى.
واعلم أن أكثر أفعال الله وأشرفها لا يعرفها أكثر الخلق، بل إدراكُهم مقصور على عالَم الحِسِّ والتَّخْيِيل، وأنهما النتيجة الأخيرة من نتائج عالَم المَلكوت وهو القشر الأقصَى عن اللُّب الأصفَى، ومَن لم يجاوز هذه الدرجة فكأنه لم يشاهد من الرُّمان إلا قِشرَته، ومن عجائب الإنسان إلا بَشَرَته، فهذه جملة القسم الأول، وفيها أصناف
стр. 24
اليواقيت، وسنتلو عليك الآيات الواردة فيهاعلى الخصوص جملةً واحدة، فإنها زُبْدَةُ القرآن وقلبُهُ ولُبَابُه وسِرُّه.
القسم الثاني
في تعريف طريق السلوك إلى الله تعالى
وذلك بِالتَّبَتُّل كما قال الله تعالى ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي انقَطِعْ إليه، والانْقِطاع إليه يكون بالإقبال عليه، والاعراضِ عن غيره، وتَرجمَتُهُ قوله ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ فاتخذه وَكِيلاً﴾ . والإقبالُ عليه إنما يكون بملازمة الذِّكر، والإِعراضُ عن غيره يكون بمخالفة الهَوَى والتَّنَقِّي عن كدورات الدنيا وتزكيةِ القلب عنها، والفلاحُ نتيجتها كما قال الله تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى وَذَكَرَ اسم رَبِّهِ فصلى﴾ .
فعُمدَةُ الطريق أمران: الملازمة، والمخالفة؛ الملازمة لِذِكْرِ الله تعالى، والمخالفة لما يشغل عن الله، وهذا هو السفرُ إلى الله، وليس في هذا السفر حركة، لا من جانب المُسافِر، ولا من جانب المُسافَرِ إليه، فإنهما معاً، أَوَمَا سمعتَ قوله تعالى وهو أصدق القائلين ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد﴾ ؟
стр. 25
بل مثلْ الطالب والمطلوب مثل صورة حاضرة مع مرآة، ولكن ليست تَتَجَلَّى في المرآة لِصَدأ في وجه المرآة، فمتى صَقَلْتَها تجلَّت فيه الصورة، لا بِارتِحَال الصورة إلى المرآة، ولا بحركة المرآة إلى الصورة، ولكن بزوال الحِجَاب، فإن الله تعالى مُتَجَلٍّ بذاته لا يحتفي، إذْ يستحيل اختفاء النور، وبالنور يظهر كلُّ خفاء، والله نور السماوات والأرض، وإنما خفاء النور عن الحَدَقَةِ لأحد أمرَيْنِ: إما لِكُدورَةٍ في الحَدَقَة، وإما لِضَعفٍ فيها، إذْ لا تُطيق احتمالَ النورِ العظيمِ الباهر، كما لا يطُيق نورَ الشمس أبصارُ الخفَافيش، فما عليك إلا أن تُنَقِّي عن عين القلب كُدورَتَه، وتقوِّي حَدَقَته، فإذا هو فيه كالصورة في المِرآة، حتى إذا غَافَصَكَ في تجلِّيه فيها بادرتَ وقلتَ إنه فيه، وقد تَدَرَّع باللاَّهوت ناسوتي، إلى أن يُثَبِّتَكَ الله بالقول الثابت، فتعرفَ أن الصورة ليست في المرآة بل تجلَّت لها، ولو حلَّت فيها لما تُصُوِّرَ أن تتجلى صورة واحدةٌ بِمرَايا كثيرةٍ في حالة واحدة، بل كانت إذا حلَّت في مرآة ارْتَحَلَتْ عن غيرها، وهَيْهَاتَ فإنه يتجلَّى لجملة من العارفين دفعة واحدة، نعم يتجلى في بعض المَرايا أصحَّ وأظهرَ وأَقْوَمَ وأَوضح، وفي بعضها أخفَى وأمْيَلَ إلى الاعوجاج عن الاستقامة، وذلك بحسب صفاء المرآة وصَقالَتِها وصحة استدارتها، واستقامة بَسْطِ وجهها، فلذلك قال ﷺ : "إن الله تعالى يتجلَّى للناس عامة ولأبي بكر خاصة".
стр. 26
ومعرفة السلوك والوصول أيضاً بحر عميق من بحار القرآن، وسنجمع لك الآيات المرشدةَ إلى طريق السلوك، لِتَتَفَكَّرَ فيها جملةً، فَعَساك ينفتح لك ما ينبغي أن ينفتح، فهذا القسم هو الدُرُّ الأَزهر.
القسم الثالث
في تعريف الحال عند ميعاد الوِصَال
وهو يشتمل على ذِكر الرَّوْحِ والنعيم الذي يلقاه الواصِلون، والعبارة الجامعة لأنواع رَوْحِها الجنة، وأعلاها لذةُ النظر إلى الله تعالى، ويشتمل [أيضاً] على ذكر الخِزْيِ والعذاب الذي يلقاه المَحْجوبونَ عنه بإِهمال السلوك، والعبارة الجامعة لأصناف آلامِها الجَحيم، وأشدُّها ألماً أَلمُ الحجاب والإبعاد، أعاذَنا الله منه، ولذلك قَدَّمه في قَوله تعالى ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ الجحيم﴾ . وَيشتمل أيضاً على ذكر مقدمات أحوال الفريقين وعنها يعبر بالحَشر والنَّشر والحساب والميزان والصِّراط، ولها ظواهر جليَّة تجري مجرَى الغذاء لعموم الخلق، ولها أسرارٌ عامضة تجري مجرى الحياة لخصوص الخَلق، وثُلُثُ آيات القرآن وسُوَرِه يرجع إلى تفصيل ذلك، ولَسْنا نَهُمُّ بجمعها فهي أكثر من أن تُلْتَقط وتُحْصَى، ولكن للفكر فيه مجال وبحث، وهذا القسم هو الزُّمُرُّدُ الأخضر.
стр. 27
القسم الرابع
في أحوالِ السَّالكين والنَّاكبين
أما أحوال السَّالكين: فهي قَصَصُ الأنبياء والأَوْلياء، كقصة آدمَ ونوح، وإبراهيمَ وموسى وهَارون، وزكريا ويحيى، وعيسى ومريَم، وداودَ وسُليمان، ويونُسَ ولوط، وإدريسَ والخَضِر، وشُعَيْبَ وإِلياس، ومحمدٍ ﷺ ، وجبريلَ وميكائيلَ والملائكةِِِ وغيرِهم.
وأما أحوالُ الجاحدين والنَّاكبين: فهي كقَصَصِ نمرودَ وفرعون، وعادٍ وقَومِ لوط، وقَومِ تُبَّع، وأصحابِ الأَيْكَة، وكفارِ مَكَّة، وعَبَدَةِ الأوثان، وإبليسَ والشياطينَ وغَيرِهم؛ وفائدةُ هذا القسم التَّرهيب والتنبيه والاعتبار، ويشتمل أيضاً على أسرارٍ ورُموزٍ وإشارات مُحْوِجَة إلى التفكرُّ الطويل، وفيهما يوجد العَنبر الأَشهَب، والعودُ الرَّطْبُ الأَنْضَر، والآيات الواردة فيهما كثيرة لا يُحتاجُ إلى طلبها وجمعها.
القسم الخامس
في مُحاجَّةِ الكفار ومجادَلَتِهم وإيضاحِ مَخازيهم بالبُرهان الواضح وكَشْفِ تَخَايِيلِهِم وأباطيلهم
[وذلك] ثلاثة أنواع:
أَحَدُهَا: ذِكْرُ الله تعالى بما لا يليق به، مِن أنَّ الملائكة بناتُه وأنَّ له ولداً وشريكاً، وأنه ثالث ثلاثة.
стр. 28
والثاني: ذِكْرُ رسول الله ﷺ بأنه ساحرٌ وكاهِنٌ وكذَّاب، وإنكارُ نبوَّته، وأنه بشرٌ كسائر الخلق فلا يستحق أن يُتَّبع.
وثالثها: إِنكارُ اليوم الآخِر، وجَحْدُ البَعْثِ والنُّشور، والجنةِ والنار، وإنكارُ عاقبة الطاعة والمعصية. وفي مُحاجَّةِ الله تعالى إياهم بالحُجَج لطائفُ وحَقائق، ويوجد فيها التِّرْياقُ الأكبر، وآياتُه أيضاً كثيرة ظاهرة.
القسم السادس
في تعريف عمارة منازل الطريق وكيفية التَّأهُّب لِلزَّاد، والاستعداد بإِعداد السلاح الذي يَدفعُ سُرَّاقَ المنازل وقُطَّاعَها
وبيانُه: أن الدنيا منزل من منازل السائرين إلى الله تعالى، والبَدَنُ مَرْكَب، فمن ذَهَل عن تدبير المنزل والمَرْكَب لم يَتِمَّ سفرهُ، وما لم ينتظم أمرُ المعاش في الدنيا لا يَتِمُّ أمرُ التَّبَتُّلُ والانقطاع إلى الله تعالى الذي هو السلوك، ولا يتمُّ ذلك حتى يبقى بدنُه سالماً ونسلُه دائماً، ويَتِمُّ كلاهما بأسباب الحفظ لوجودهما وأسباب الدفع لِمُفسِداتِهما ومُهلِكاتِهما.
وأما أسباب الحفظ لوجودهما: فالأكل والشرب وذلك لبقاء
стр. 29
البدن، والمُنَاكَحَةُ. وذلك لبقاء النسل، فقد خُلِقَ الغذاءُ سبباً للحياة، وخُلق الإِناث محلاً للحراثة، إلا أنه ليس يختص المأكول والمنكوح ببعض الآكلين بحكم الفطرة، ولو تُرِكَ الأمر فيه مُهْمَلاً من غير تعريفِ قانونٍ في الاختصاصات لتَهاوَنوا وتقاتلوا، وشَغَلَهُم ذلك عن سلوك الطريق، بل أفضَى بهم إلى الهلاك. فَشَرَحَ القرآنُ قانونَ الاختصاص بالأموال في آياتِ المُبَايَعات والرِّبوِيَّات، والمُدايَنات، وقَسْمِ المواريث، ومَواجِب النفقات، وقسمةِ الغنائمِ والصدقات، والمُنَاكَحات، والعِتْقِ والكتابةِ والاسْتِرقَاقِ والسَّبي. وعرَّفَ كيفيةَ ذلك التخصيص عند الاتِّهام بالإقرارِيَّات وبالأيمان والشهادات. وأما الاختصاص بالإناث فقد بَيَّنَتْه آياتُ النكاح والطلاق والرجعة والعدة، والخُلعِ والصداقِ والإيلاءِ والظهارِ واللِّعان، وآياتُ مُحَرَّماتِ النَّسَبِ والرَّضاع والمُصَاهَرات.
وأما أسبابُ الدفع لمُفسِداتهما: فهي العقوبات الزاجرة عنها، كقتالِ الكفار وأهل البَغْي والحثِّ عليه، والحدودُ والغراماتُ والتَّعزيرات، والكفاراتُ والدِّيَاتُ والقِصاص.
أما القصاصُ والدِّيَات فدفعاً للسَّعي في إهلاك الأنفس والأطراف؛ وأما حَدُّ السرقة وقطع الطريق فدفعاً لما يَستهلِكُ الأموالَ التي هي أسباب المعاش؛ وأما حَدُّ الزِّنا واللِّواطِ والقَذْفِ فدفعاً لما يُشَوِّش أمرَ النسل والأنساب، ويُفسد طريق التَّحارُث والتَّناسل؛ وأما جهاد الكفار وقِتالهم فدفعاً لما يَعرِض من الجاحدين للحق من تشويش أسباب المعيشة والدِّيانة اللتين بهما الوصول إلى الله تعالى؛ وأما قتال
стр. 30
أهل البَغْيِ فدفعاً لما يظهر من الاضطراب، بسبب انْسِلالِ المارِقين عن ضبط السياسات الدينية، التي يَتَوَلاَّها حارسُ السَّالكين وكافلُ المُحِقِّين نائباً عن رسولِ ربِّ العالمين، ولا يخفى عليك الآياتُ الواردة في هذا الجنس، وتحتَهُ أسياساتٌ ومصالحُ وحِكَم وفوائد يدركها المتأمل في محاسن الشريعة المبيِّنة لحدود الأحكام الدنيوية، ويشتمل هذا القسم على ما يسمى الحلالُ والحرامُ وحدودُ الله، وفيها يوجد المسك الأَذفر، فهذه مَجامع ما تنطوي عليه سُوَر القرآن وآياتُها.
وإن جمعتَ الأقسامَ [السِتَّة المذكورة] مع شُعَبها المقصودة في سلك واحد ألْفَيْتَها عشرةَ أنواع: ذِكرُ الذات، وذِكرُ الصفات؛ وذكر الأفعال؛ وذِكرُ المَعاد؛ وذِكرُ الصِّراط المستقيم، أعني جانِبيَ التَّزكيَة والتَّحليَة؛ وذِكرُ أحوال الأَوْلياء؛ وذِكرُ أحوال الأعداء، وذِكرُ مُحاجَّةِ الكفار؛ وذِكرُ حدود الأحكام.
стр. 31
الفصل الرابع
في كيفية انْشِعَاب العلوم الدينية كلها عن الأقسام العشرة المذكورة
وأظنك الآن تشتهي أن تعرف كيفية انْشِعَاب هذه العلوم كلها عن هذه الأقسام العشرة، ومراتبَ هذه العلوم في القُرب والبُعد من المقصود.
[ويتمُّ لكَ ذلك إذا عرفتَ انقسامَها إلى: علوم الصَّدَف، وعلوم الجوهر واللُّباب] :
المبحث الأول
علوم الصَّدَف
اِعلم أن لهذه الحقائق التي أشرنا إليها أسراراً وجواهر، ولها أصْداف، والصَّدَف أول ما يظهر، ثم يقف بعض الواصلين إلى الصَّدَف على الصَّدَف، وبعضُهم يفتُق الصَّدَفَ ويطالع الدُرّ، فكذلك
стр. 32
صَدَفُ جواهر القرآن وكِسْوَتُه اللغة العربية، فانشَعَبَت منه خمسُ علوم وهي: علم القِشر والصَّدَف والكِسْوَة (١) إذْ انشَعَبَ من ألفاظه علم اللغة (٢) ومن إعراب ألفاظه علم النحو (٣) ومن وجوه إعرابه علم القِراءات (٤) ومن كيفية التصويت بحروفه علم مخارج الحروف، إذْ أولُ أجزاء المعاني التي منها يَلْتَئِمُ النطق هو الصوت، ثم الصوت بالتَّقطيع يصير حرفاً، ثم عند جمع الحروف يصير كلمة، ثم عند تَعَيُّنِ بعض الحروف المجتمعة يصير لغة عربية، ثم بكيفية تقطيع الحروف يصير مُعْرَباً، ثم بِتَعَيُّن بعض وجوه الإعراب يصير قراءةً منسوبةً إلى القِراءات السبع (٥) ثم إذا صار كلمة عربية صحيحة مُعْرَبَةً صارت دالة على معنى من المعاني فَتَتَقَاضَى للتفسير الظاهر وهو العلم الخامس.
فهذه علوم الصدف والقشر، ولكن ليست على مرتبةٍ واحدة، بل للصَّدف وجهٌ إلى الباطن مُلاقٍ لِلدُّر، قريبُ الشَّبَهِ به لقرب الجِوار ودوام المُمَاسَّة، ووجه إلى الظاهر الخارج قريب الشَّبَهِ بسائر الأحجار، لبعد الجوار وعدم المُماسَّة، فكذلك صَدَفُ القرآن ووجهه البَرَّاني الخارج هو الصوت، والذي يتولَّى علم تصحيح مَخارِجِه في الأداء والتَّصويت صاحبُ علم الحروف، فصاحبه صاحبُ علم القشر البَرَّاني البعيد عن باطن الصدف فضلاً عن نفس الدُّرَّة، وقد انتهى الجهل بطائفة إلى أن ظنوا أن القرآن هو الحروفُ والأصوات، وبَنَوْا عليها أنه مخلوق، لأن الحروف والأصوات مخلوقة، وما أجدرَ هؤلاء بأن يُرْجَموا أو تُرْجَمَ عقولُهم، فإما أن يُعَنَّفوا أو يُشَدَّدَ عليهم، فلا يكفيهم مصيبة أنه لم يَلُحْ من عَوالهم القرآن وطبقاتِ
стр. 33
سَماواتِهِ
إلا القشرُ الأقصى، وهذا يعرفك منزلةَ علم المُقرِىء، إذْ لا يعلم إلاَّ بصحة المخارج.
ثم يليه في الرُتبة علم لغة القرآن، وهو الذي يشتمل عليه مثلاً تُرْجُمان القرآن وما يقاربه من علم غريبِ ألفاظ القرآن.
ثم يليه في الرتبة إلى القُرب علم إعراب اللغة وهو النحو، فهو من وجه يقع بعده لأن الإعراب بعد المُعْرَب، ولكنه في الرتبة دونه بالإضافة إليه لأنه كالتابع للغة.
ثم يليه عِلْمُ القِراءات وهو ما يُعرَف به وجوهُ الإعراب وأصنافُ هيئاتِ التصويت، وهو أخصُّ بالقرآن من اللغة والنَّحو، ولكنه من الزوائد المُستَغْنَى عنها دون اللغة والنحو فإنهما لا يُستغنَى عنهما. فصاحب علم اللغة والنحو أرفع قدراً ممن لا يعرف إلا علم القراءات، وكلهم يدورون على الصَّدف والقِشر وإن اختلفت طبقاتهم.
ويليه علمُ التفسير الظاهر، وهو الطبقة الأخيرة من الصَّدفة القريبة من مُمَاسَّة الدُّرّ، ولذلك يشتد به شَبَهُهُ حتى يظن الظَانُّون أنه الدُّرّ وليس وراءَه أنفسُ منه، وبه قنع أكثر الخلق، وما أعظمَ غُبْنَهُم وحِرمانَهم، إذ ظنوا أنه لا رتبة وراء رُتبتهم، ولكنهم بالإضافة إلى من سواهم من أصحاب علوم الصدف على رتبة عالية شريفة، إذ علم التفسير عزيزٌ بالنسبة إلى تلك العلوم، فإنه لا يُراد لها بل تلك العلوم تُراد للتفسير، وكلا هؤلاء الطبقات إذا قاموا بشرط علومهم فحفظوها وأَدَّوْها على وجهها، فيشكرُ الله سعيَهم ويُنَقِّي وجوهَهم كما قال رسول
стр. 34
الله ﷺ : "نضَّرَ اللهُ امرأً سمع مَقالتي فواعاها فأدَّاها كما سمعها، فَرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى غير فقيه، وَرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقَه منه"؛ وهؤلاء سمعوا وأَدَّوْا، فلهم أجرُ الحمل والأداء، أدَّوْها إلى من هو أفقه منهم أو إلى غير فقيه. والمفسر المقتصر في علم التفسير على حكاية المنقول سامع ومُؤَدٍّ، كما أن حافظ القرآن والأخبار حامل ومُؤَدٍّ.
وكذلك علم الحديث يتشعب إلى هذه الأقسام سوى القراءَةِ وتصحيحِ المخارج، فدرجةُ الحافظ الناقل كدرجة معلم القرآن الحافظ له، ودرجةُ من يعرف ظاهر معانيه كدرجة المُفَسِّر، ودرجةُ من يعتني بعلم أسامي الرجال كدرجة أهل النحو واللغة، لأن السَّنَدَ والرِّوَاية آلة النقل، وأحوالهم في العدالة شرط لصلاح الآلة للنقل، فمعرفتهم ومعرفة أحوالهم ترجع إلى معرفة الآلة وشرط الآلة، فهذه علوم الصدف.
المبحث الثاني
علومُ اللُّباب
وهي على طبقتين:
أ- الطبقة السُّفْلى من علوم اللُّبَاب وهي علوم الأقسام الثلاثة التي سمَّيناها التوابع المتِمَّة:
- فالقسم الأول: معرفةُ قَصص القرآن، وما يتعلق بالأنبياء، وما يتعلق بالجاحدين والأعداء، ويتكفل بهذا العلم القُصَّاص والوُعَّاظ
стр. 35
وبعض المُحَدِّثين، وهذا علم لا تَعُمُّ إليه الحاجة.
- والقسم الثاني: هو مُحاجَّةُ الكفار ومجادَلتُهم، ومنه يتشعب علم الكلام المقصود لردِّ الضَلالاتِ والبِدَع، وإزالة الشُّبُهات، ويتكفل به المُتَكَلِّمون، وهذا العلم قد شرحناه على طبقتين، سمينا الطبقة القريبةَ منهما " الرسالة القُدْسِيَّة"؛ والطبقة التي فوقها "الاقتصاد في الاعتقاد". ومقصود هذا العلم حراسة عقيدةِ العَوَامّ عن تشويش المُبتَدِعَة، ولا يكون هذا العلم مَليًّا بكشف الحقائق، وبجنسه يتعلق الكتاب الذي صنفناه في "تهافُت الفلاسفة" والذي أوردناه في الرد على الباطنِيَّة في الكتاب الملقبُ "المُستَظْهِري" وفي كتاب "حُجَّةُ الحَقّ وقَواصِمُ الباطنية". وكتاب "مُفَصَّل الخلاف في أصول الدين". ولهذا العلم آلة يَعرِفُ بها طريق المجادلة بل طرق المُحاجَّة بالبرهان الحقيقي، وقد أَوْدعناه كتاب "محكُّ النظر" وكتاب "معيارُ العلم" على وجه لا يُلْفى مثله للفقهاء والمتكلمين، ولا يثق بحقيقة الحُجَّة والشُّبهة من لم يُحِطْ بهما علماً.
- والقسم الثالث: عِلمُ الحدود الموضوعة للاختصاص بالأموال والنساء، للاستعانة على البقاء في النفس والنسل، وهذا العلم يتولاَّه الفقهاء، ويشرح الاختصاصات المالية رُبْعُ المعاملات من الفقه؛ ويشرح الاختصاصات بمحل الحراثة أعني النساء ربعُ النكاح؛ ويشرح الزَّجْرَ عن مفسدات هذه الاختصاصات ربعُ الجنايات، وهذا علم تعمُّ إليه الحاجة لتعلقه بصلاح الدنيا أولاً، ثم بصلاح الآخرة، ولذلك تميز صاحب هذا العلم بمزيد الاشتهار والتَّوقير، وتقديمِهِ على غيره من
стр. 36
الوُعَّاظ والقُصَّاص ومن المتكلمين، ولذلك رُزِقَ هذا العلمُ مزيدَ بحثٍ وإطناب على قدر الحاجة فيه، حتى كَثُرَت فيه التصانيف، لا سيما في الخِلافِيَّات منه، مع أن الخلافَ فيه قريب، والخطأَ فيه غيرُ بعيد عن الصواب، إذ يَقْرُبُ كل مجتهد من أن يُقال له مُصيب، أو يُقال إن له أجراً واحداً إن أخطأ ولصاحبه أجران، ولكن لما عَظُمَ فيه الجاهُ والحِشمة، تَوَفَّرت الدواعي على الإفراط في تفريعه وتشعيبه، وقد ضيعنا شطراً صالحاً من العمر في تصنيف الخلاف منه، وصرفنا قدراً صالحاً منه إلى تصانيف المذهب وترتيبه إلى "بسيط" و"وسيط" و"وجيز" مع إيغالٍ وإفراطٍ في التَّشعيب والتفريع، وفي القدر الذي أودعناه كتاب "خلاصة المختصر" كفاية، وهو تصنيف رابع وهو أصغر التصانيف، ولقد كان الأولون يُفتون في المسائل وما على حفظهم أكثر منه، وكانوا يُوَفَّقون للإصابة أو يتوقفون ويقولون لا ندري، ولا يستغرقون جملةَ العمر فيه، بل يشتغلون بالمهم ويُحيلون ذلك على غيرهم، فهذا وجهُ انْشِعاب الفقه من القرآن، ويتولَّد من بين الفقه والقرآن والحديث علم يسمى أصول الفقه، ويرجع إلى ضبط قوانين الاستدلال بالآيات والأخبار على أحكام الشريعة.
ثم لا يخفى عليك أن رتبة القُصَّاص والوُعَّاظ دونَ رتبة الفقهاء والمتكلمين ما داموا يقتصرون على مجرد القَصَص وما يَقْرُب منها، ودرجة الفقيه والمتكلم متقاربة، لكن الحاجة إلى الفقيه أعم، وإلى المتكلم أشدُّ وأشدّ، ويُحتاج إلى كِلَيْهما لمصالح الدنيا، أما الفقيه فَلحفظ أحكام الاختصاصاتِ بالمآكلِ والمنَاكِح؛ وأما المتكلم فلدفع
стр. 37
ضرر المُبتَدِعة بالمُحاجَّة والمجادلة، كيلا يستطيرَ شَرَرُهم ولا يعمَّ ضَرَرُهم، أما نسبتهم إلى الطريق والمقصد فنسبة الفقهاء كنسبة عُمَّار الرِّباطات والمصالح في طريق مكة إلى الحج، ونسبة المتكلمين كنسبة بَدْرَقَةِ طريق الحج وحارسه إلى الحجاج، فهؤلاء إن أضافوا إلى صناعتهم سلوكَ الطريق إلى الله تعالى بقطعِ عَقَبَات النفس، والنُّزوعِ عن الدنيا، والإقبالِ على الله تعالى، فَفَضْلُهم على غيرهم كفضل الشمس على القمر؛ وإن اقتصروا فدرجتهم نازلةٌ جداً.
ب- الطبقة العُليا من عُلومِ اللُّبَاب
وأما الطبقة العليا من نَمَطِ اللُّباب فهي السوابقُ والأصولُ من العلوم المُهِمَّة، وِأشرَفُها العلمُ باللهِ واليوم الآخر لأنه علم المَقْصِد، ودونَهُ العلم بالصراط المستقيم وطريق السلوك، وهو معرفةُ تزكية النفس، وقطعُ عقبات الصفات المُهلِكات، وتَحْلِيَتُها بالصفات المُنَجِّيَات، وقد أودعنا هذه العلوم بِكُتُب "إحياء علوم الدين" ففي رُبْعِ المُهلِكات ما تجب تزكية النفس منه، من الشَّرَهِ والغضب، والكِبر والرِّياءِ والعجب، والحسد وحب الجاه وحب المال وغيرها، وفي رُبع المُنجيات يظهر ما يتحلَّى به القلب من الصفات المحمودة كالزهد والتوكل والرضا والمحبة والصدق والإخلاص وغيرها.
وبالجملة يشتمل كتاب "الإحياء" على أربعين كتاباً، يرْشدك كل كتاب إلى عَقَبةٍ من عقبات النفس، وأنها كيف تُقْطَع، وإلى حجابٍ من حُجُبِهَا، وأنه كيف يُرفَع، وهذا العلم فوقَ علم الفقه والكلام وما قبله،
стр. 38
لأنه علم طريق السلوك، وذلك علم آلة السلوك وإصلاح منازله ودفع مُفسداته كما يظهر، والعلم الأعلى الأشرفُ عِلمُ معرفة الله تعالى، فإن سائر العلوم تُرادُ له ومن أجله وهو لا يُراد لغيره، وطريق التدريج فيه التَّرَقِّي من الأفعال إلى الصفات، ثم من الصفات إلى الذات، فهي ثلاث طبقات:
أعلاها علم الذَّات، ولا يحتملها أكثر الأفهام، ولذلك قيل لهم "تفكَّروا في خَلق الله ولا تفكَّروا في ذات الله". وإلى هذا التدريج يشير تَدَرُّج رسولِ الله ﷺ في ملاحظته ونَظَرِهِ حيث قال: "أعوذُ بِعَفْوِكَ من عقابك" فهذه ملاحظة الفعل ثم قال وأعوذ برضاك من سخطك وهذه ملاحظة الصفات؛ ثم قال: "وأعوذُ بك منك" وهذه ملاحظة الذات؛ لم يزل يترقَّى إلى القُرب درجةً درجة، ثم عند النهاية اعترف بالعجز فقال: "لا أُحصِي ثناءً عليكَ أنتَ كما أثنَيْتَ على نفسك" فهذا أشرف العلوم.
стр. 39
ويتلوه في الشَّرف عِلمُ الآخرة وهو علم المَعَاد كما ذكرناه في الأقسام الثلاثة وهو متصل بعلم المعرفة، وحقيقته معرفة نسبة العبد إلى الله تعالى عند تحقُّقِهِ بالمعرفة، أو مصيرهِ محجوباً بالجهل. وهذه العلوم الأربعة، أعني (١) عِلمَ الذات (٢) والصفات (٣) والأفعال (٤) وعلم المَعاد، أَوْدَعنا من أوائله ومَجامِعِهِ القدرَ الذي رُزِقنا منه، مع قِصَرِ العُمر وكثرة الشَواغل والآفات، وقلة الأَعْوان والرُفقاء، بعضَ التَّصانيف لكنا لم نُظِهره، فإنه يَكَلُّ عنه أكثرُ الأفهام، ويَسْتَضِرُّ به الضعفاء، وهم أكثر المُتَرَسِّمينَ بالعلم، بل لا يصلح إظهاره إلا على من أتقنَ علم الظاهر، وسلك في قَمع الصفات المذمومة من النفس وطُرقِ المجاهدة، حتى ارتَاضَت نفسُهُ واستقامت على سواء السبيل، فلم يبقَ له حظٌ في الدنيا، ولم يبق له طلبٌ إلاّ الحق، ورُزِقَ مع ذلك فطنة وَقَّادة، وقريحةً مُنقادَة، وذكاءً بليغاً، وفهماً صافياً، وحرام على من يقع ذلك الكتاب بيده أن يُظهره إلاَّ على من استَجْمَعَ هذه الصفات، فهذه هي مجامع العلم التي تتشعب من القرآن ومراتبها.
стр. 40
الفصل الخامس
في انْشِعَابِ سائرْ العلوم من القرآن
ولعلَّكَ تقول: إن العلوم وراءَ هذه كثيرة، كعلم الطب والنجوم، وهيئة العالم، وهيئة بَدَنِ الحيوان وتشريح أعضائه، وعلم السِّحر والطِّلَّسْمات، وغير ذلك.
فاعلم: أنَّا إنما أشرنا إلى العلوم الدينية التي لا بد من وجود أصلها في العالم، حتى يتيسر سلوكُ طريق الله تعالى والسفر إليه. أما هذه العلوم التي أشرتُ إليها فهي علوم، ولكن لا يتوقف على معرفتها صلاح المَعَاش والمَعَاد، فلذلك لم نذكرها، ووراءَ ما عَدَدْتهُ علومٌ أُخرَ يُعلَم تَراجِمُها ولا يخلو العالم عمن يعرفها، ولا حاجة إلى ذكرها.
بل أقول: ظهر لنا بالبصيرة الواضحة التي لا يُتَمَارى فيها أن في الإمكان والقوة أصنافاً من العلوم بعد لم تخرج من الوجود، وإن كان في قوة الآدَمِيِّ الوصول إليها؛ وعلومٌ كانت قد خرجت إلى الوجود وانْدَرَسَت الآن، فَلَنْ يوجد في هذه الأعصار على بسيط الأرض من
следующие страницы →