← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9885

مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر- ط مكتبة العلوم والحكم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (424 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدي للمتقين﴾ ، يهدي للتي هي أقوم، أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور وهداهم إلى صراط مستقيم. والصلاة والسلام على سيد المرسلين وامام المتقين بلغ الرسالة وأدى الامانة وبين للناس ما نزل إليهم وترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وقد أرسي قواعدها وقعد أصولها، ورضي الله تعالى عن أصحابه الأطهار الذين اقتدوا به وسمعوا منه وبلغوا عنه، ورضي الله عن التابعين الذين سلكوا منهجهم واهتدوا بهديهم ونقلوا هذا الدين عمن قبلهم لمن بعدهم. وقد تلقت الامة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ علما وعملا وسار الناس في ظل هذين الأصلين في حياة الرسول ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين وفي عصر الصحابة والتابعين حتى توالت الفتوحات وتمصرت الأمصار ودخل في الإسلام أمم وجماعات واتسعت ميادين الحياة ووجدت أمور لم تكن من قبل دفعت العلماء للاجتهاد في ايجاد أحكام لها ومعرفة أحكامها.

стр. 2

ومعلوم أن النصوص لن تلاحق الأحداث فكان على المجتهدين أن يبحثوا عن عمومات وكليات تندرج فيها تلك الجزيئات، وكان ذلك مبني على الإجتهاد والإستنباط ومعتمد على ذلك على الملكة والفكر والتحصيل ومعرفة مدارك النصوص. ولما كانت النصوص فيها العام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والمجمل والمبين، وما إلى ذلك كان لا بد من قواعد ومنهج ينظم هذا الإجتهاد، ويصنف مباحثه في أبواب وفصول فكان من ذلك علم الأصول. وكان أول من سارع إليه وكتب فيه الإمام الشافعي ﵀، ثم توالت على هذا الفن أقلام، وتناولته عقول حتى تطور واكتمل واستقل، ولكن دخلته اصطلاحات المتكلمين ليثبتوا بعض ما تناولوه بطريق العقل على زعمهم أن العقل مقدم على غيره. كما خالطته طرق الفقهاء ليؤيدوا به فروع مذاهبهم إذا تعارضت مع غيرها. وهكذا أصبح لكل مذهب قواعد ومنهج، وتعددت كتب الأصول بتعدد المذاهب. وأصبح من اللازم لكل ناظر في مذهب من مذاهب الأئمة أن يعرف قواعده وأصوله، وعلى كل دارس للكتاب والسنة أن يقرأ أصول هذا الفن وقواعده وخاصة إذا أراد معرفة استنباط الأحكام السابقة، أو تقديم بعض النصوص المتعارضة أو نحو ذلك، مما لا يتأتي الا عن طريق قواعد وأصول هذا الفن.

стр. 3

فكان أصول الفقه تبعا لذلك في مقدمة الفنون التي عني به العلماء في كل زمان ومكان، ولقد كانت هذه البلاد حافلة بهذا الفن آهلة بعلمائه طيلة وجود النهضة العلمية بها، ومنذ زمن غير قليل إنصرفت عنه الهمم لصعوبته، وتقاصر الناس عنه وقل المشتغلون به، وتقلصت دراسته، حتى خيف ان داسه، فيما عدا الحرمين الشريفين على قلة إلى أن قيض الله لهذه البلاد من يقوم بهذه النهضة العلمية الدينية الحديثة وأرسيت قواعدها في مدينة الرياض في تأسيس المعاهد العلمية سنة ١٣٧١هـ برعاية سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، واختير لهذه المؤسسة الجليلة أجلة العلماء من داخل البلاد وخارجها، وشملت مناهجها أهم العلوم الدينية والعربية وفى طليعتها علم الأصول، وسارت الدراسة النظامية في تلك المؤسسة وبجانبها دراسة الحلق في المساجد على العهد الأول بخيره وبركته، ولمسيس الحاجة لعلم الأصول رأي سماحة المفتى نشر هذا العلم على طلاب الحلق فى المساجد فقرر كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول في مسجد الشيخ (بدخنة) يدرسه فضيلة السيخ محمد الأمين حفظه الله فنفع الله به وكان بدء إحياء هذا العلم، وبدء عهد جديد له من سماحة المفتى ﵀ على يد فضيلة المؤلف حفظه الله. ثم فتحت الكليات سبة ١٣٧٤ هـ بدأت بكلية الشريعة وقرر فيها كتاب روضة الناظر للعلامة إبن قدامة من أشهر أئمة الحنابلة اختير لسعته وملاءمته وعنايته بقواعد مذهب الإمام أحمد ﵀ مع بيانه لأصول بقية المذاهب فيما فيه الخلاف.

стр. 4

ولما كانت دراسة هذا الفن آنذاك جديدة كان الطلاب يجدونه غريبا وصعبا، ولا سيما والكتاب المقرر بأسلوبه المتقدم، وتفريعاته الواسعة، كان لا بد للطلاب من مذكرة علمية تحل أشكاله وتكشف غموضه وتجمع شتاته، وتفصل مجمله. وكان الذى تولى تدريسه هو فضيلة المؤلف حفظه الله، فأملى هذه المذكرة التي نقدم لها وذلك فى السنوات الأولى من تدريسه في الرياض وظل الطلاب يتناقلونها فيما بينهم دون أن تطبع لهم إلى أن تخرجت الدفعة الأولى والثانية والثالثة والرابعة. وفي عام ١٣٨٠ هـ افتتحت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة تحت رئاسة سماحة المفتى بنيابة فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وانتقل فضيلة المؤلف إلى الجامعة منذ عامها الأول وتولى تدريس المادة في نفس الكتاب "روضة الناظر" وتناقل الطلبة هذه المذكرة. فكانت هذه المذكرة المباركة هي الأساس لجميع المتخرجين من كليات الإدارة العامة للمعاهد والكليات لآل الشيخ، وقد عم نفعها ولله الحمد حتى تصبح لطلابها المتخرجين عليها مؤلفات في هذا الفن ضمن مقررات المعاهد العلمية التي درسوا فيها ومعهد الجامعة الإسلامية ومعاهد اخرى ثانوية خارج هذه البلاد. وقد شملت هذه المذكرة روضة الناظر كلها ما عدا المقدمة المنطقية التي افتتح بها المؤلف كتابه وضمنها ما لا بد منه من إصطلاحات المتكلمين المداخلة لهذا الفن تسهيلا لفهمها، ومسايرة

стр. 5

لمنهج دراسة هذا الفن وقد شملت مباحث الحد والبرهان، وأنواع الدلالة، وأقسام القضايا ونحو ذلك، فلم تتعرض هذه المذكرة لها. وقد ألف فضيلة الشيخ حفظه الله رسالة مستقلة فى هذا الغرض أوسع وأشمل وأبسط وأسهل جعلها مقدمة لآداب البحث والمناظرة المقرر فى الجامعة الإسلامية. وقد كانت تلك المذكرة متناثرة الأطراف لدى الطلاب لا تكاد توجد مجتمعة عند أحدهم. وقد لمست فيها من مهام هذا الفن، وتوجيهات قضاياه ما حملنى على جمعها كلها والعناية بها. وقد رغبت الجامعة الإسلامية في طبعها مكتملة بعد تحقيقها، وتدقيقها وتصحيحها على فضيلة المؤلف حفظه الله لتكون أثرا من آثارها المجيدة. فكان ذلك نعمة متجددة لى بدراستها واتقانها. وها هى بين يدى الطلاب آمل أن يجدوا فيها أكثر ما تصبوا إليه نفوسهم وتتطلع إليه أفكارهم فى هذا الفن مما يمكن أن تغنيهم عن غيرها ولا يكاد يغنى غيرها عنها، ولا سيما في مواطن الترجيح والمباحث العقلية حيث يجدونها بعيدة عن تعقيد الفلسفة وخالصة من شوائب السفسطة، ناصعة بنور الحق على هدى الكتاب والسنة وعقيدة سلف الأمة يدرسونها مطمئنين ويتلقونها بيقين لما لفضيلة مؤلفها حفظه الله من يد طولى وأثر حميد في هذا الفن وما يتصل به من عقائد ونصوص وأحكام وعلوم اللسان والمنطق والبيان مما يجعل مباحثها وافية شاملة.

стр. 6

والجدير بالذكر أن الكتاب المقرر "روضة الناظر " متأثر كثيرا بكتاب المستصفى للغزالى فى أصول الشافعية وهذه المذكرة متاثرة ايضا بمراقى السعود فى أصول المالكية وبهذا التأثر المزدوج تكون المذكرة مفيدة أصالة فى المذاهب الثلاثة الحنبلى، والشافعى، والمالكى. وفى المذهب الحنفى فى مواطن الخلاف حينما تتعرض له. وأحب أن أوصي الطلاب الراغبين في هذا الفن أن يولوه عنايتهم وأن يكون إقدامهم عليه بقوة وعزيمة وأن يعيدوا فيه النظر ويعملوا فيه الفكرة وأن تكون دراستهم إياه بتدبر وتعقل. والله أسال أن يعم نفعها ويجزى بأحسن الجزاء مؤلفها ويفيد بوافر الثواب كل من سعى في طبعها ونشرها. وأن تاريخ العلم ليسجل للجامعة الإسلامية فضل هذا العمل على يد رئيسها العالم الفاضل محب العلم وأهله سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز حفظه الله كما سيحتفظ للمؤلف بيد بيضاء في هذا الأثر الدائم نفعه المتواصل أجره. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبها تلميذ المؤلف: عطية محمد سالم ١٢-٥-١٣٩١ هـ

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حقيقة الحكم وأقسامه اعلم أنه ﵀ ترجم هذه الترجمة التي لفظها (حقيقة الحكم وأقسامه) ولم يبين حقيقة الحكم ولا أقسامه، وانما ذكر منها الأقسام الشرعية فقط، ونحن نبين كل ذلك إن شاء الله تعالى. اعلم أن الحكم في اللغة هو المنع ومنه قيل للقضاء حكم لأنه يمنع من غير المقضي تقول حكمه كنصره وأحكمه كاكرمه وحكمه بالتضعيف بمعنى منعه. ومنه قول جرير: أبنى حنيفة احكموا سفهاءكم ... انى أخاف عليكمو أن أغضبا أبنى حنيفة إننى إن أهجكم ... أدع اليمامة لا توارى أرنبا وقول حسان بن ثابت رضى الله عنه: لنا في كل يوم من معد ... سباب أو قتال أو هجاء فنحكم بالقوافى من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء ومن الحكم بمعنى المنع حكمة اللجام وهى ما أحاط بحنكى الدابة سميت بذلك لأنها تمنعها من الجرى الشديد والحكمة أيضا حديدة فى اللجام تكون على أنف الفرس وحنكة تمنعه من مخالفة راكبه، وكانت العرب تتخذها من القد وهو الأبق وهو القنب ومنه قول زهير: القائد الخيل منكوباً دوابرها ... قد أحكمت حكمات القد والأبقا

стр. 8

والحكم فى الاصطلاح هو (اثبات أمر لأمر أو نفيه عنه) نحو زياد قائم وعمرو ليس بقائم وهو ينقسم بدليل الاستقراء إلى ثلاثة أقسام: حكم عقلى وهو ما يعرف فيه (العقل) النسبة ايجاباً أو سلباً نحو الكل أكبر من الجزء ايجاباً. الجزء ليس أكبر من الكل سلباً. حكم عادى: وهو ما عرفت فيه النسبة بالعادة نحو السيقمونيا مسهل للصفراء والسكنجبين مسكن لها. حكم شرعى: وهو المقصود وحده جماعة من أهل الأصول بأنه (خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث انه مكلف به) . فخرج بقوله (خطاب الله) خطاب غيره لأنه لا حكم شرعيا الا لله وحده جل وعلا فكل تشريع من غيره باطل، قال تعالى: ( ان الحكم الا لله) (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) (فان تنازعتم فى شيء فردوه إلى الله والرسول) الآية. وخرج بقوله (المتعلق بفعل المكلف ما تعلق بذات الله تعالى نحو "لا اله الا الله" وما تعلق بفعله نحو قوله تعالى: "خالق كل شيء " وما يتعلق بذوات المكلفين نحو "ولقد خلقناكم ثم صورناكم " الآية. وما تعلق بالجمادات نحو "ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة". وخرج بقوله (المتعلق بفعل المكلف) خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف لا من حيث انه مكلف به كقوله تعالى "يعلمون ما تفعلون" فأنه خطاب من الله متعلق بفعل المكلف من حيث ان

стр. 9

الحفظة يعلمونه لا من حيث انه مكلف به، واعلم أن عبارات الأصوليين اضطربت في تعريف الحكم الشرعى. وسبب اضطرابها أمران: أحدهما أنبعض المكلفين غير موجود وقت الخطاب والمعدوم ليس بشيء حتى يخاطب: ثانيهما زعمهم أن الخطاب هو نفس المعنى الازلى القائم بالذات المجرد عن الصيغة وسنين ان شاء الله تعالى غلطهم الذى سبب لهم تلك الاشكالات فى مبحث الأمر. واعلم أن الحكم الشرعى قسمان: أولهما تكليفى وهو خمسة أقسام - (الواجب والمندوب والمباح والحرام) . والثانى خطاب الوضع وهو أربعة أقسام (العلل والأسباب والشروط والموانع) وأدخل بعضهم فيه الصحة والفساد والرخصة والعزيمة وبعضهم بجعل الصحة والفساد من خطاب التكليف اذا علمت ذلك فهذه تفاصيل لأحكام الشرعية. قال المؤلف ﵀: أقسام أحكام التكليف خمسة (واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحظور) . التكليف لغة هو الزام ما فيه كلفة أي مشقة. ومنه قول الخنساء: يكلفه القوم ما نابهم ... وان كان أصغرهم مولدا وقول علقمة بن عبدة التميمى: تكلفنى ليلى وقد شط وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب وحده فى الاصطلاح قيل (الزام ما فيه مشقة) وقيل طلب ما فيه مشقة فعلى الاول لا يدخل فى حده الا الواجب والحرام اذ لا الزام بغيرهما وعلى

стр. 10

الثانى يدخل معهما المندوب والمكروه لان الاربعة مطلوبة، وأما الجائز فلا يدخل فى تعريف من تعاريف التكليف اذ لا طلب به أصلا، فعلا ولا تركان وانما أدخلوه في أقسام التكليف مسامحة وتكميلا للقسمة المشار إليها بقول المؤلف (وجه هذه القسمة أن خطاب الشرع اما أن برد باقتضاء الفعل أو الترك أو التخير بينهما فالذى سرد باقتضاء الفعل أمر فأن اقترن به اشعار بعدم العقاب على الترك فهو ندب والا فيكون ايجابا والذى يرد باقتتضاء الترك نهى فان أشعر بعدم العقاب على الفعل فكراهة والا فحظر) كلامه واضح. ثم قال وحد الواجب (ما توعد بالعقاب على تركه) وقيل (ما يعاقب تاركه) وقيل ما (يلزم تاركه شرعا العقاب) اعلم أولا أن الوجوب فى اللغة هو سقوط الشيء لازما محله كسقوط الشخص ميتا فأنه يسقط لازما محله لانقطاع حركته بالموت، ومنه قوله تعالى: "فاذا وجبت جنوبها" أي سقطت ميتة لازمة محلها، وقوله فى الميت: (فاذا وجب فلا تبكين باكية) . وقول قيس بن الخطيب: أطاعت بنو عوف أميراً نهاهم ... عن السلم حتى كان أول واجب ويطلق الوجوب على اللزوم وفى الاصطلاح عرفه المؤلف بأنه (ما توعد بالعقاب على تركه) والوعيد بالعقاب على تركه لا ينافى المغفرة كما بينه تعالى بقوله:"ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" وان شئت قلت فى حد الواجب (ما أمر به أمرا حازما) وضابطه أن فاعله موعود بالثواب وتاركه متوعد بالعقاب كالصلاة والزكاة والصوم.قال المؤلف ﵀ (والفرض هو الواجب على احدى الروايتين) . فحاصل كلامه أن الفرض هو الواجب على احدى الروايتين وهو قول

стр. 11

الشافعى ومالك. وعلى الرواية الأخرى فالفرض آكد من الواجب فالفرض ما ثبت بدليل قطعى كالصلاة، والواجب ما ثبت بدليل ظنى كالعمرة عند من أوجبها، وهو قول أبى حنيفة وقيل: (الفرض ما لا يسامح بتركه عمداً ولا سهواً) كاركان الصلاة، والواجب ما يسامح فيه ان وقع من غير عمد كالصلاة بالنجاسة عند من يقول بالمسامحة في ذلك واصطلح كثير من العلماء من مالكية وشافعية وحنابلة على اطلاق الواجب على السنة المؤكدة تأكيدا قويا. (فصل) قال المؤلف ﵀: (الواجب ينقسم إلى معين وإلى مبهم فى أقسام محصورة..) . اعلم أن الواحب ينقسم ثلاثة تقسيمات: ينقسم باعتبار ذاته إلى واجب معين لا يقوم غيره مقامه كالصوم والصلاة، وإلى مبهم فى أقسام محصورة فهو واجب لا بعينه كواحدة من خصال الكفارة فى قوله تعالى: "فكفارته اطعام عشرة مساكين". الآية. فالواجب واحد منها لا بعينه فأي واحد فعله الحانث أجزأه وزعم المعتزلة أن التخيير مطلقا ينافى ذلك الوجوب باطل، لانه لم يخير بين الفعل والترك تخييرا مطلقا حتى ينافى ذلك الوجوب، بل لا يجوز ترك بعضها الا مشروطا بفعل بعض آخر منها، فلو ترك جميعها لكان آثما ولا خيار له فى ترك الجميع، ولا يجب عليه فعل جميعها اجماعا فتبين أن الواجب واحد منها لا بعينه لان كل واحد منها يفى بالمقصود الشرعى ولا يحصل

стр. 12

دون واحد منها وكذلك غير المحصورة كاعتاق رقبة فى الظهار أو اليمين فان تزويج المرأة الطالبة للنكاح من أحد الكفأين الخاطبين وعقد الامامة لأحد الرجلين الصالحين فان كان ذلك يجب فيه واحد لا بعينه، ولا يمكن أن يقال فيه بايجاب الجميع ولا بسقوط ايجاب الجميع كما ترى. وينقسم الواجب أيضا باعتبار وقته إلى مضيق وموسع، فالواجب المضيق هو ما وقته مضيق وضابط ما وقاه مضيق واجبا كان أو غيره هو ما لا يسع وقته أكثر من فعله كصوم رمضان فى الواجب، وستة من شوال عند من يقول بأنها لا بد أن تكون متتابعة تلى يوم الفطر، وهو ظاهر حديث أبى أيوب، وحديث ثوبان، والأيام البيض فى غير الواجب، والواجب الموسع هو ما يسع وقته أكثر من فعله كالصلواة الخمس، ومثاله فى غير الواجب الوتر وركعتا الفجر والعيدان والضحى. والوقت في الاصطلاح هو الزمن الذى قدره الشارع للعبادة وما زعمه بعضهم من أن الواجب الموسع مستحيل زاعما أن التخيير فى فعل العبادة ذات الوقت الموسع فى أول الوقت ووسطه ينافى الوجوب اذ الواجب حتم لا تخيير فيه ولا يجوز تركه فهو باطل ـ أي الزعم بأن الواجب الموسع مستحيل ـ لان الواجب الموسع من قبيل الواجب المبهم فى واحد لا بعينه كالصلاة يجب أن تؤدى فى حصة من حصص الوقت من أوله أو وسطه أو آخره فعل فيها الصلاة أجزأته كما أن أي واحدة من خصال الكفارة فعلها أجزأته. وقد أجمع العلماء على أم من أدى الصلاة فى أول وقتها أنه يثاب ثواب الفرض وتلزمه نية الفرض ـ محل الاستدلال لزوم نية الفرض مع جواز

стр. 13

التأخير ـ فدل ذلك على بطلا قول من قال انها لو وجبت فى أول الوقت لما جاز ترك أدائها إلى وسط الوقت، لان التخيير فى ذلك الوقت إلى ما بعده ينافى الوجوب، ولا شك أن ذلك كله باطل كما بينا. وينقسم الواجب أيضا باعتبار فاعله إلى واجب عينى وواجب على الكفاية فالواجب العينى هو ما ينظر فيه الشارع إلى ذات الفاعل كالصلاة والزكاة والصوم، لان كل شخص تلزمه بعينه طاعة الله لقوله تعالى: (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) وأما الواجب على الكفاية فضابطه أنه ينظر فيه الشارع إلى نفس الفعل، بقطع النظر عن فاعله، كدفن الميت، وانقاذ الغريق ونحو ذلك، فان الشارع لم ينظر إلى عين الشخص الذى يدفن الميت أو ينقذ الغريق، اذ لا فرق عنده فى ذلك بين زيد وعمرو، وانما ينظر إلى نفس الفعل الذى هو الدفن والانقاذ مثلا وستأتى مسألة فرض الكفاية فى مباحث الامر ان شاء الله تعالى. (فصل) قال المؤلف: اذا أخر الواجب الموسع فمات فى أثناء وقته قبل ضيقه لم يمت عاصيا.. الخ. خلاصة ما ذكره المؤلف فى هذا الفصل أن المكلف اذا مات فى أول الوقت أو وسطه والحال أنه لم يؤد الصلاة لم يمت عاصيا لان الوقت الموسع يجوز للانسان أن يأتى بالصلاة فى أية حصة شاءها

стр. 14

من حصصه سواء كانت من أوله أو وسطه، كالمحكوم عليه بالقتل مع تعيين وقت التنفيذ، لأن الوقت يضيق فى حقه بسبب ظن الموت، فلو تخلف الظن وسلم من الموت وأدى الصلاة فى آخر الوقت فهل تكون صلاته أداء وهو الظاهر لوقوعها فى الوقت، ضاق فى حقه بسبب ظن الموت، بدليل أنه لو مات فى الوقت مع ظن الموت ولم يبادر بالصلاة مات عاصيا. (فصل) قال المؤلف: ما لا يتم الواجب الا به ينقسم إلى ما ليس داخل تحت قدرة المكلف كالقدرة واليد فى الكتابة وحضور الامام والعدد فى الجمعة فلا يوصف بوجوب. وإلى ما هو داخل تحت قدرة العبد فيما يتعلق باختيار العبد كالطهارة للصلاة، والسعى للجمعة، وغسل جزء من الرأس وامساك جزء من الليل مع النهار فى الصوم فهو واجب.. الخ.. حاصل معنى كلامه ﵀ أن ما لا يتم الواجب الا به قسمان: قسم ليس تحت قدرة العبد كزوال الشمس لوجوب الظهر وككون من تعينت عليه الكتابة مقطوع اليدين، وكحضور الامام والعدد الذى لا تصح الجمعة بدونه، فلا قدرة للمكلف على قهر الامام على الحضور إلى المساجد، فهذا النوع لا يوصف بوجوب الا على قول من جوز التكليف بما لا يطاق وهو مذهب باطل مردود.

стр. 15

وقسم تحت قدرة العبد، كالطهارة، والسعى للجمعة، وغسل جزء من الرأس، اذ لا يتحقق تعميم غسل الوجه الا بغسل جزء يسير من الرأس، وامساك جزء من الليل مع النهار اذ لا يتحقق الامساك فى جميع نهار رمضان الا بأمساك جزء يسير من الليل، بناء على أن الغاية فى قوله تعالى: (حتى يتبين لكم الخيط الابيض) . الآية. خارجة وهو الصحيح، لأن من أخر الامساك عن جميع أجزاء الليل بتمامها فهو متناول للفطر قطعا فى نهار رمضان، اذ لا واسطة بين الليل والنهار. وما جاء من الأحاديث موهما جواز تناول المفطر بعد الصبح فهو محمول على أن المراد به أنه فى آخر جزء من الليل لشدة قربه من النهار. وهذا القسم الاخير أعنى ما هو تحت قدرة المكلف قال المؤلف انه واجب هذا حاصل معنى كلامه ﵀، قال مقيده عفا الله عنه وهذا التقسيم غير جيد وحاصل تحرير المقام أن يقال: ما لا يتم الواجب الا به ثلاثة أقسام: قسم ليس تحت قدرة العبد كما مثلنا له آنفا. وقسم تحت قدرة العبد عادة الا أنه لم يؤمر بتحصيله كالنصاب ـ لوجوب الزكاة والاستطاعة لوجوب الحج والاقامة لوجوب الصوم، وهذان القسمان لا يجبان اجماعا. القسم الثالث ما هو تحت قدرة العبد مع أنه مأمور به كالطهارة للصلاة والسعى للجمعة.. الخ.. وهذا واجب على التحقيق وان شئت قلت: (ما لا يتم الواجب المطلق الا به فهو واجب) كالطهارة للصلاة و (ما لا يتم الواجب المعلق ـ على شرط كالزكاة معلقة على ملك النصاب، والحج على الاستطاعة ـ الا به فليس

стр. 16

بواجب) كالنصاب للزكاة والاستطاعة للحج، وأوضح من هذا كله أن نقول: (ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب كالطهارة للصلاة) وما لا يتم الوجوب الا به فليس بواجب كالنصاب للزكاة. (تنبيه) اعلم أن الطهارة للصلاة واجبة اجماعا كما لا يخفى، وحينئذ فعلى أن ما لا يتم الواجب المطلق الا به واجب، فجميع النصوص الموجبة للصلاة توجب الطهارة لأنها لا تتم الا بها. وما لا يتم الواجب الا به واجب، وان كانت الطهارة واجبة بأدلة أخرى اذ لا مانع من تعدد الأدلة، وعلى العكس فالطهارة واجبة بالنصوص الأخرى فقط دون النصوص الموجبة للصلاة. (فصل) قال المؤلف ﵀: (واذا اختلطت أخته بأجنبية أو ميتة بمذكاة حرمنا الميتة بعلة الموت والأخرى بعلة الاشتباه) . هذه المسألة يترجم لها علماء الأصول بقولهم: (ما لا يتم ترك الحرام الا بتركه فتركه واجب) فان اختلطت ميتة بمذكاة أو أخته بأجنبية فلا يتم ترك الحرام الذى هو أكل الميتة فى الاول ونكاح الأخت فى الثانى الا بترك الجميع، فترك الجميع واجب. وقول المؤلف ﵀ حرمنا الميتة بعلة الموت والأخرى بعلة الاشتباه فيه نظر لأن الميتة غير معروفة بعينها، فالجميع محرم لأنه لا يتم ترك الحرام الا بترك الجميع، فكل واحدة أكل منها احتمل أن تكون هى الميتة، وقول من قال ان المذكاة حلال لكن يجب الكف عنها ظاهر التناقض كما بينه المؤلف.

стр. 17

(فصل) قال المؤلف: الواجب الذى لا يتقيد بحد محدود كالطمأنينة فى الركوع والسجود ، الخ، اعلم أولا أن الزيادة على الواجب لها حالتان: (الاولى) : أن تكون الزيادة على الواجب متميزة عنه كصلاة النافلة بالنسبة إلى الصلوات الخمس، وهذه الزيادة غير واجبة كما هو واضح. (الثانية) : أن تكون الزيادة غير متميزة عن الواجب كالزائد على قدر الفرض من الطمأنينة فى الركوع والسجود ونحو ذلك، فقال قوم الزيادة هنا واجبة لأن الجميع امتثال للأمر الواجب ولم يتميز فيه واجب عن غيره فالكل واجب لانه امتثال للواجب والحق أن الزائد غير واجب، والدليل على ذلك جواز تركه والاقتصار على ما يحصل به الفرض فقط من الطمأنينة من غير شرط ولا بدل. قال المؤلف الثانى (المندوب) خلاصة ما ذكره المؤلف فى هذا المبحث أن المندوب هو ما فعله الثواب وليس فى تركه عقاب وهذا أجود التعريفين اللذين ذكرهما المؤلف، وان شئت قلت: (ما أمر به أمراً غير جازم والتحقيق أن المندوب مأمور به لان الأمر قسمان) : أمر جازم أي فى تركه العقاب وهو الواجب. وأمر غير جازم، أي لا عقاب فى تركه وهو المندوب. والدليل على شمول الأمر للمندوب قوله تعالى: "وافعلوا الخير"

стр. 18

أي ومنه المندوب وامر بالمعروف، أي ومنه المندوب: "ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذى القربى "، أي ومن الاحسان وايتاء ذى القربى ما هو مندوب، واحتج من قال ان الندب غير مأمور به بقوله: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب إليهم " قالوا فى الآية التوعد على مخالفة الأمر بالفتنة والعذاب الأليم، والندب لا يستلزم تركه شيئا من ذلك، والحديث: (لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) مع أنه ندبهم إلى السواك قالوا فدل ذلك على أن الندب غبر مأمور به والجواب أن الأمر فى الآية والحديث المذكورين يراد به الأمر الواجب، فلا ينافى أن يطلق الامر أيضا على غير الواجب، فلا ينافى أن يطلق الامر أيضا على غير الواجب، وقد قدمنا أن الامر يطلق على هذا وهذا وزعم من قال ان الندب تخيير بدليل جواز تركه والامر استدعاء وطلب. والتخيير والطلب متنافيان، زعم غير صحيح، لان الندب ليس تخييرا مطلقا بدليل أن الفعل فيه أرجح من الترك للثواب فى فعله وعدم الثواب فى تركه، ولان المندوب أيضا مطلوب الا أن طلبه غير جازم والندب فى اللغة الدعاء إلى الفعل، ومنه قوله: لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... فى النائبات على ما قال برهانا والثواب فى اللغة الجزاء مطلقا ومنه قوله: لكل أخى مدح ثواب علمته ... وليس لمدح الباهلى ثواب أي جزاء، وزعم أن الثواب يختص بجزاء الخير بالخير غير صحيح، بل يطلق الثواب أيضا على جزاء الشر بالشر فى اللغة، ومنه قوله تعالى: (قل هل انبؤكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير) . الآية.

стр. 19

وقوله تعالى (هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون) ، والعقاب فى اللغة التنكيل على المعصية، ومنه قول النابغة الذبيانى: ومن عصاك فعاقبة معاقبة ... تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد (المباح) قال المؤلف ﵀: القسم الثالث (المباح) وحده، ما أذن الله فى فعله وتركه غير مقترن بدم فاعله وتاركه ولا مدحه وهو من الشرع.. الخ.. كلامه. اعلم أن الاباحة عند أهل الأصول قسمان: الاولى: اباحة شرعية أي عرفت من قبل الشرع كانباحة الجماع فى ليإلى رمضان المنصوص عليها بقوله: " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " ونسمى هذه الاباحة الاباحة الشرعية. الثانية: اباحة عقلية وهى تسمى فى الاصطلاح البراءة الأصلية والاباحة العقلية وهى بعينها (استصحاب العدم الأصلى حتى يرد دليل ناقل عنه) ومن فوائد الفرق بين الاباحتين المذكورتين أن رفع الاباحة الشرعية يسمى نسخا كرفع اباحة الفطر فى رمضان، وجعل الاطعام بدلا عن الصوم المنصوص فى قوله: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) فانه منسوخ بقوله: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه". وأما الاباحة العقلية فليس رفعها نسخا لأنها ليست حكما شرعيا بل عقليا، ولذا لم يكن تحريم الربا ناسخا لاباحته فى أول الاسلام لأنها اباحة عقلية، وأمصال ذلك كثيره جدا.

стр. 20

والمباح فى اللغة: هو ما ليس دونه مانع يمنعه، ومنه قول عبيد بن الأبرص: ولقد أبحنا ما حميت ... ولا مبيح لما حمينا (تنبيه) قد دلت آيات من كتاب الله على أن استصحاب العدم الاصلي حجة على عدم المؤاخذة بالفعل حتى يرد دليل ناقل عن العدم الاصلى، من ذلك أنهم كانوا يتعاملون بالربا. فلما نزل تحريم الربا خافوا من أكل الاموال الحاصلة منه بأيديهم قبل تحريم الربا، فأنزل الله فى ذلك: "فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله من سلف وأمره إلى الله " فقوله تعالى: "فله ما سلف" يدل على أن ما تعاملوا به من الربا على حكم البراءة الاصلية قبل نزول التحريم لا مؤاخذة عليهم به، ونظير ذلك قوله: " وأن تجمعوا بين الأختين الا ما قد سلف " فان قوله تعالى "الا ما قد سلف" فى الموضعين استثناء منقطع، أي لكن ما سلف قبل التحريم على حكم البراءة الاصلية فهو عفو. ونظائر هذا فى القرآن الكريم كثيرة ومن أصرح الآيات فى ذلك قوله تعالى: (وما كان الله ليضل قوماً بعد اذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) . فانهم لما استغفروا لموتاهم المشركين فنزل قوله تعالى: (ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى) .

стр. 21

ندموا على استغفارهم للمشركين، فأنزل الله الآية مبينة أن ما فعلوه من الاستغفار لهم على حكم البراءه الأصلية قبل نزول التحريم، لا مؤاخذة عليهم به حتى يحصل بيان ما ينهى عنه. (فصل) قال المؤلف رحمه الله تعالى: واختلف فى الأفعال وفى الاعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها.. الخ.. اعلم أن خلاصة ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى فى هذا المبحث، أن حكم الأفعال والأعيان أي الذوات المنتفع بها قبل أن يرد فيهل حكم من الشرع فيها ثلاثة مذاهب: الاول: أنها على الاباحة وهو الذى يميل إليه المؤلف واستدل بقوله تعالى: " هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا" فانه تعالى امتن على خلقه بما فى الارض جميعا ولا يمتن الا بمباح، اذ لا منة فى محرم واستدل لاباحتها أيضا بصيغ الحصر فى الآيات كقوله: (قل انما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها ومابطن) وقوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحى إلى محرماً على طاعم يطعمه الا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير..) الآية.

стр. 22

(قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم..) الآية. واستدل لذلك أيضا بحديث (الحلال ما أحله الله فى كتابه والحرام ما حرمه الله فى كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه) . المذهب الثانى: أن ذلك على التحريم حتى يرد دليل الاباحة واستدل لهذا بأن الأصل منع التصرف فى ملك الغير بغير اذنه وجميع الاشياء ملك لله جل وعلا، فلا يجوز التصرف فيها الا بعد اذنه، ونوقش هذا الاستدلال بأن منع التصرف فى ملك الغير، انما يقبح عادة فى حق من يتضرر بالتصرف في ملكه، وأنه يقبح عادة المنع ممالا ضرر فيه كان لاستظلال بظل حائط انسان والانتفاع بضوء ناره والله جل وعلا لا يلحقه ضرر من انتفاع مخلوقاته بالتصرف فى ملكه. المذهب الثالث: التوقف عنه حتى يرد دليل مبين للحكم فيه. واعلم أن لعلماء الأصول فى هذا المبحث تفصيلا لم يذكره المؤلف ولكنه أشار إليه اشاره خفية وهو أنهم يقولون: الأعيان مثلا، لها ثلاث حالات: ١_ اما أن يكون فيها ضرر محض ولا نفع فيها البتة كان كل الأعشاب السامة القاتلة. ٢_ واما أن يكون فيها نفع محض ولا ضرر فيها أصلا. ٣_ واما أن يكون فيها نفع من جهة وضرر من جهة، فان كان فيها الضرر وحده، ولانفع فيها أو مساويا له فهى حرام لقوله: (لا ضرر ولا ضرار) ، وان كان نفعها خالصا لا ضرر معه أو معه ضرر خفيف والنفع أرجح منه، فأظهر الأقوال الجواز، وقد أشار المؤلف إلى هذا التفصيل بقوله (المنتفع بها) فمفهومه أن ما لا نفع فيه لا يدخل فى كلامه.

стр. 23

قال المؤلف ﵀: (المباح غير مأمور به..الخ..) من المعلوم أن المباح لم يؤمر به لا تركان ولا فعلا وقد قدمنا أنه لا يدخل فى تعريف التكليف بوجه من الوجوه وانما عدوه من أقسام الحكم التكليفى مسامحة وتكميلا للقسمة كما تقدم. (المكروه) قال المؤلف _ ﵀: القسم الرابع المكروه وهو (ما تركه خير من فعله وقد يطلق ذلك على المحظور، وعلى ما نهى تنزيه فلا يتعلق بفعله عقاب.. الخ..) كلامه واضح. والمكروه فى اللغة اسم مفعول كرهه اذا أبغضه ولم يحبه، فكل بغيض إلى النفوس فهو مكروه فى اللغة، ومنه قوله تعالى: "كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها" وقول عمرو بن الأطانبة: واقدامى على المكروه نفسى ... وضربى هامة البطل المشيح واعلم أن المكروه قد يطلق على الحرام لانه بغيض إلى النفوس العارفة وذلك هو معنى قول المؤلف: وقد يطلق ذلك على المحظور والحرام، ومراده أن الكراهة قد تطلق على كراهة التنزيه كما هو معروف فى كلام العلماء. وعرف المكروه فى الاصطلاح بأنه هو ما تركه خير من فعله، وان شئت قلت هو ما نهى عنه نهياً غير جازم.

стр. 24

(فصل) قال المؤلف ﵀: (و الأمر المطلق لا يتناول المكروه لان الامر استدعاء وطلب، والمكروه غير مستدعاً ولا مطلوب ولان الامر ضد النهى فيستحيل أن يكون الشيء مأموراً به ومنهياً عنه، واذا قلنا ان المباح ليس بمأمور فالنهى عنه أولى) . ايضاح معنى كلامه ﵀: أن المأمور به اذا كان بعض جزئياته منهياً عنه نهى تنزيه أو تحريم لا يدخل ذلك المنهى عنه منها فى المأمور به لأن النهى ضد الامر والشيء لا يدخل فى ضده خلافاً لبعض الحنفية القائلين بدخوله فيه، فتحية المسجد مثلا مأمور بها، فاذا دخل المسجد وقت نهى فتلك الصلاة المنهى عنها لوقت النهى لم تدخل فى الأمر للمضادة التي بين الأمر والنهى وهكذا. وقال الشافعى _ ﵀ _ ان الصلوات ذوات الأسباب الخاصة لم يتناولها النهى فهى داخلة فى الامر لانها لم تدخل فى النهى. (الحرام) قال المؤلف _ ﵀ _: القسم الخامس (الحرام ضد الواجب) اعلم أن الحرام صفة مشبهة باسم الفاعل لانه الوصف من حرم الشيء فهو حرام والحرام فى اللغة هو الممنوع ومنه قول امرئ القيس:

стр. 25

جالت لتضرعى فقلت لها اقصرى انى امرؤ صرعى عليك حرام وقول الآخر: حرام على عينى أن تطعما الكرى وأن ترقئا حتى ألاقيك يا هند وقوله تعالى: "وحرمنا عليه المراضع من قبل " وقوله تعالى: "فانها محرمة عليهم أربعين سنة" وقوله تعالى: "وحرام على قرية أهلكناها ". الآيات. وقوله ضد الواجب يعنى أن الحرام فى الاصطلاح هم (ما فى تركه الثواب وفى فعله العقاب) وان شئت قلت ما نهى عنه نهياً جازما. وقول المؤلف ﵀ (فيستحيل أن يكون الشيء الواحد واجبا حراما طاعة ومعصية من وجه واحد الا أن الواحد بالجنس ينقسم إلى واحد بالنوع وإلى واحد بالعين أي بالعدد.. الخ..) ايضاح معنى كلامه _ ﵀ _ أن الوحدة ثلاثة أقسام: وحدة بالجنس. وحدة بالنوع. وحدة بالعين. أما الوحدة بالجنس أو النوع فلا مانع من كون بعض أفراد الواحد بهما حراما وبعضها حلالا بخلاف الوحدة بالعين فلا يمكن أن يكون فيها بعض الافراد حراما وبعضها حلالا. مثال الوحدة بالجنس: وحدة البعير والخنزير لأنهما يشملهما جنس واحد هو الحيوان فكلاهما حيوان فهما متحدان جنساً ولا اشكال فى حرمة

стр. 26

الخنزير واباحة البعيرة ومثال الوحدة بالنوع السجود فانه نوع واحد فالسجود لله والسجود للصنم يدخلان فى نوع واحد هو اسم السجود ولا اشكال فى أن السجود للصنم كفر ولله قربة، كما قال تعالى: ( لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذى خلقهن ان كنتم اياه تعبدون) . ومثال الوحدة بالعين عند المؤلف _ ﵀ _: الصلاة فى الارض المغصوبة فلا يمكن عنده أن يكون بعض أفرادها حراما وبعضها مباحا. وايضاح مراده أن المصلى فى الدار المغصوبة اذا قام إلى الصلاة شغل بجسمه الفراغ الذى هو كانئن فيه وشغله الفراغ المملوك لغيره بجسمه تعدياً غصب فهو حرام، فهذا الركن الذى هو كائن فيه فى ركوعه، واذا سجد شغل الفراغ الذى هو كائن فيه فى سجوده وهكذا، وشغل الفراغ المملوك لغيره تعدياً غصب، فلا يمكن أن يكون قربة لامتناع كون الواحد بالعين واجبا حراما قربة معصية لاستحالة اجتماع الضدين فى سيء واحد من جهة واحده فيلزم بطلان الصلاة المذكورة ومنع هذا القائلون بصحة الصلاة فى الأرض المغصوبة وهم الجمهور، قالوا: الصلاة فى الارض المغصوبة فعل له جهتان، والواحد بالشخص يكون له جهتان هو طاعة من احداهما ومعصية من احداهما، فالصلاة فى الارض المغصوبة من حيث هي صلاة (قربة) ومن حيث هى غصب معصية، فله صلاته وعليه غصبه، فيقول من قال ببطلانها: الصلاة فى المكان المغصوب ليست من أمرنا فهى رد، للحديث الصحيح: (من أحدث فى أمرنا ما ليس منه فهو رد) فيقول خصمه الصلاة فى نفسها من أمرنا فلست برد وانما الغصب هو الذى ليس من أمرنا فهو رد.

стр. 27

واعلم أن حاصل أقوال العلماء فى الصلاة فى المكان المغصوب أربعة مذاهب. الأول: أنها باطلة يجب قضاؤها وهو أصح الروايتين عن الأمام أحمد _ ﵀ _. الثانى: أنها باطلة ولا يجب قضاؤها لان النهى يقتضى البطلان ولان السلف لن بكونوا يأمرون بقضاء الصلاة فى المكان المغصوب وممن قال به الباقلانى والرازى ولا يخفى بعده. الثالث: أنها صحيحة وهى رواية أخرى عن أخرى عن أحمد وعليه الجمهور منهم مالك والشافعى وأكثر أهل العلم وأكثرهم على أنها صحيحة لا أجر فيها كالزكاة اذا أخذت منه قهراً. الرابع: أنها صحيحة وله أجر صلاته وعليه اثم غصبه وهذا أقيس. (فصل) قال المؤلف رحمه الله تعالى: مصححوا الصلاة فى الدار المغصوبة قسموا النهى ثلاثة أقسام إلى آخره، اعلم أن حاصل كلام أهل الاصول فى هذه المسألة أن المنهى عنه اما أن تكون جهة النهى فيه منفردة، أعنى أنه لم تكن له جهة أخرى مأمور به منها كالشرك بالله والزنا، فان النهى عنهما لم يخالطه أمر من جهة أخرى، وهذا النوع واضح لا اشكال فى أنه باطل على كل حال، واما أن يكون له جهتان: جهة مأمور به منها وجهة منهى عنه منها، وهم يقولون ى مثل هذا ان انفكت جهة الامر عن جهة النهى، فالفعل صحيح وان لم تنفك عنها الفعل باطل لكنهم عند التطبيق يختلفون.

стр. 28

فيقول الحنبلى: الصلاة فى الارض المغصوبة منهى عنها من جهة الغصب مأمور بها من جهة الصلاة الا أن الجهة هنا غير منفكة لان نفس الحركة فى أركان الصلاة عين شغل الفراغ المملوك لغيره تعدياً، وذلك عين الغصب، فأفعال الصلاة لا تنفك عن كونها غصباً. والصلاة يشترط فيها نية التقرب وتلك الأفعال التي هى شغل الفراغ المملوك لغيره غصب لا يمكن فية نية التقرب اذ لا يمكن أن يكون متقربا بما هو عاص به، أما اذا انفكت الجهة فالفعل صحيح كالصلاة بالحرير فان الجهة منفكة لا لبس الحرير منهى عنه مطلقا فى الصلاة وغيرها، فالمصلى بالحرير صلاته صحيحة وعليه اثم لبسه الحرير، فيقول المالكى والشافعى مثلا: لا فرق البتة بين الصلاة فى المكان المغصوب وبين الصلاة بالحرير، فالغصب أيضا حرام فى الصلاة وفى غيرها، فصلاته صحيحة وعليه اثم غصبه. ويقول المالكى مثلا: مثال الجهة غير المنفكة، صوم يوم العيد أو الفطر لأن الصائم فيهما معرض عن ضيافة الله، لأن الأعراض عنهما هو الامتناع عن الأكل والشرب فلا يمكن انفكاك الجهة، فيقول الحنفى: الجهة منفكة أيضا لأن الصوم من حيث أنه صوم قربة ومن حيث كونه فى يوم العيد منهى عنه فالجهة منفكة ولذا لو نذر أحد أن يصوم يوم العيد فنذره عنده صحيح منعقد ويلزمه صيام يوم آخر غير يوم العيد ينائ على انفكاك الجهة عنده. وقول المؤلف ﵀ فى هذا المبحث: قسموا النهى إلى ثلاثة أقسام: ايضاح معناه أن المنهى عنه اما أن يكون النهى عنه لذاته أو لوصفه القائم به أو لخارج عنه، زاد بعض المحققين قسما رابعا وهو أن المنهى عنه لخارج عنه قد تكون فيه جهة النهى غير منفكة عن جهة الأمر وقد تكون منفكة عنها

стр. 29

فتكون الاقسام أربعة مثال المنهى عنه لذاته الشرك والزنا ومثال المنهى عنه لوصفه القائم به الخمر بالنسبة إلى الاسكار ومثل له المؤلف بالصلاة فى حالة السكر لانها منهى عنها لوصف السكر القائم بالمصلى، ومثال المنهى عنه لخارج غير لازم، الصلاة بالحرير، ومثال المنهى عنه لخارج لازم عند المؤلف، الصلاة فى المكان المغصوب والنهى يقتضى البطلان فى ثلاثة منها وهى ما نهى عنه لذاته أو لوصفه القائم به أو لخارج عنه لازم له لزوما غير منفك. أما الرابع فلا يقتضى البطلان وهو ما كان النهى عنه لخارج غير لازم وقد قدمنا اختلافهم فى انفكاك الجهة وقد بين صاحب مراقى السعود بعض المسائل التي اختلفوا فى انفكاك الجهة فيها وعدمه بقوله: مثل الصلاة بالحرير والذهب أو فى مكان الغصب والوضوء انقلب ومعطن ومنهج ومقبره كنيسة وذى حميم مجزره والمؤلف ﵀ يرى أن الصلاة فى الأمكنة المنهى عنها باطلة والخلاف فيها مشهور. (فصل) قال المؤلف _رحمه الله _: الأمر بالشىء نهى عن ضده من حيث المعنى فأما الصيغة فلا، فان

стр. 30

قوله (قم) غير قوله لا تقعد وانما النظر فى المعنى وهو أن طلب القيام هل هو بعينه طلب برك القعود إلى آخره. اعلم أن كون الأمر بالشيء نهياً عن ضده فيه ثلاثة مذاهب: الأول أن الأمر بالشىء هو عين النهى عن ضده وهذا قول جمهور المتكلمين، قالوا أسكن مثلا، السكون المأمور به فيه، هو عين ترك الحركة، قالوا وشغل الجسم فراغاً هو عين تفريغه للفراغ الذى انتقل عنه، والبعد من المغرب هو عين القرب من المشرق وهو بالنسية إليه أمر، وإلى الحركة نهى، والذين قالوا بهذا القول اشترطوا فى الأمر كون المأمور به معيناً وكون وقته مضيقاً ولم يذكر ذلك المؤلف، أما اذا كان غير معين كالأمر بواحد من خصال الكفارة فلا يكون نهياً عن ضده، فلا يكون فى آية الكفارة نهى عن ضد الاعتاق، مثلا، لجواز ترك الاعتاق من أصله والتلبس بضده والتكفير بالاطعام مثلا، وذلك بالنظر إلى ما صدقه أي فرده المعين كما مثلنا لا بالنظر إلى مفهومه وهو الأحد الدائر بين تلك الاشياء. ذى حميم: أي الحمام لوجود الماء الحار. ومنه قوله تعالى: (وسقوا ماء حميماً) . فان الأمر حينئذ نهى عن ضد الأحد الدائر، وضده هو ما عدا تلك الأشياء المخير بينها وكذلك الوقت الموسع فلا يكون الامر بالصلاة فى أول الوقت نهياً على التلبس بضدها في أول الوقت وتأخيرها إلى وسطه أو آخره بحكم توسيع الوقت. قال مقيده عفا الله عنه: الذى يظهر والله أعلم أن قول المتكلمين ومن وافقهم من الأصوليين أن الامر بالشىء هو عين النهى عن ضده، مبنى على زعمهم الفاسد أن الأمر قسمان: نفسى ولفظى، وأن الامر النفسى، هو المعنى القائم بالذات

стр. 31

المجرد عن الصيغة وبقطعهم النظر عن الصيغة، واعتبارهم الكلام النفسي، زعموا أن الامر هو عين النهى عن الضد، مع أن متعلق الأمر طلب، ومتعلق النهى ترك، والطلب استدعاء أمر موجود، النهى استدعاء ترك، فليس استدعاء شىء موجود، وبهذا يظهر أن الامر ليس عين النهى عن الضد وأنه لا يمكن القول بذلك الا على زعم أن الامر هو الخطاب النفسى القائم بالذات المجرد عن الصيغة، ويوضح ذلك اشتراطهم فى كون الامر نهياً عن الضد أن يكون الامر نفسياً يعنون الخطاب النفسى المجرد عن الصيغة، وجزم ببناء هذه المسألة على الكلام النفسي صاحب الضياء اللامع وغيره، وقد أشار المؤلف إلى هذا بقوله من حيث المعنى، وأما الصيغة فلا ولم ينتبه لان هذا من المسائل التي فيها النار تحت الرماد، لان أصل هذا الكلام مبنى على زعم باطل وهو أن كلام الله مجرد المعنى القائم بالذات المجرد عن الحروف والألفاظ، لان هذا القول الباطل يقتضى أن ألفاظ كلمات القرآن بحروفها لم يتكلم بها رب السموات والارض، وبطلان ذلك واضح وسيأتى له ان شاء الله زيادة ايضاح فى مباحث القرآن ومباحث الأمر. المذهب الثانى: ان الأمر بالشىء ليس عين النهى عن ضده، ولكنه يستلزمه، وهذا هو أظهر الأقوال لان قولك أسكن مثلا يستلزم نهيك عن الحركة لان المأمور به لا يمكن وجوده مع التلبس بضده لاستحالة اجتماع الضدين وما لا يتم الواجب الا به واجب كما تقدم، وعلى هذا القول أكثر أصحاب مالك، وإليه رجع الباقلانى فى آخر مصنفاته وكان يقول بالأول: المذهب الثالث: أنه ليس عينه ولا يتضمنه وهو قول المعتزلة والأبيارة من المالكية، وامام الحرمين والغزإلى من الشافعية، واستدل من قال بهذا بأن الآمر يجوز أن يكون وقت الأمر ذاهلا عن ضده واذا كان ذاهلا عنه

стр. 32

فليس ناهياً عنه اذ لا يتصور النهى عن الشىء مع عدم خطوره بالبال أصلا، ويجاب عن هذا بأن الكف عن الضد لازم لأمره مستلزم ضرورة للنهى عن ضده لاستحالة اجتماع الضدين قالوا ولا تشترط ارادة الآمر كما أشار إليه المؤلف ﵀. قال مقيده عفا الله عنه: قولهم هنا ولا تشترط ارادة الآمر فى هذا المبحث غلط، لان المراد بعدم اشتراط الارادة فى الامر ارادة الآمر وقوع المأمور به أما ارادته لنفس اقتضاء الطلب المعبر عنه بالامر، فلا بد منها على كل حال وهى محل النزاع هنا ومن المسائل التي تنبنى على الاختلاف فى هذه المسألة قول الرجل لأمرأته ان خالفت نهيى فأنت طالق، ثم قال قومى فقعدت فعلى أن الامر بالشيء نهى عن ضده، فقوله قومى هو عين النهى عن القعود فيكون قعودها مخالفة لنهيه المعبر عنه بصيغة الامر فتطلق وعلى أنه مستلزم له فيتفرع على الخلاف المشهور فى لازم القول هل هو قول أولا، وعلى أنه ليس عين النهى عن الضد ولا مستلزما له فانها لا تطلق، ومن المسائل المبينة عليها أيضاً ما لو سرق المصلى فى صلاته أو لبس حريراً أو نظر محرما، فعلى أن الامر بالشىء نهى عن ضده فيكون الامر بالصلاة هو عين النهى عن السرقة مثلا فتبطل الصلاة، بناء على أن النهى يستلزم الفساد، فعين السرقة منهى عنها فى الصلاة بنفس الامر بالصلاة، فعلى أن النهى يقتضى الفساد فالصلاة باطلة. وسيأتى لهذا زيادة ايضاح ان شاء الله تعالى وخلاف العلماء فى مثل هذه الفروع مشهور.

стр. 33

(تنبيه) تكلم المؤلف ﵀ على الأمر بالشيء الذى له أضداد متعددة وحكمها واحد فالأمر بالشيء نهى عن الضد الواحد أو مستلزم له إلى آخره، ونهى عن جميع الأضداد المتعددة أو مستلزم لها إلى آخره مثال الواحد ضد السكون، وهو الحركة ومثال المتعددة النهى عن القيام فضده القعود والإضطجاع. (فصل) قال المؤلف رحمه الله تعالى: التكليف فى اللغة الزام ما فيه كلفه أي مشقة قالت الخنساء: يكلفه القوم ما نابهم وان كان أصغرهم مولدا فقد عرفنا التكليف لغة واصطلاحاً فيما تقدم، وقوله وهو فى الشريعة الخطاب بأمر أو نهى قد بينا فيما تقدم وجه ادخال الجائز فى أقسام التكليف مع أنه ليس مكلفاً فعلا ولا تركان. قال المؤلف _ ﵀ _: وله شروط بعضها يرجع إلى المكلف وبعضها يرجع إلى نفس الفعل المكلف به إلى آخره، أما شروط التكليف الراجعة إلى المكلف فذكر منها العقل والبلوغ وعدم النسيان وعدم النوم فجعل السكران الذى لا يعقل غير مكلف ولم يجعل عدم الاكراه شرطا فالمكره عنده مكلف، وذكر الخلاف فى اشتراط عدم الكفر بالنسبة إلى فروع الاسلام، ولذا ذكر أن

стр. 34

الكفار اختلف فى خطابهم بفروع الاسلام، وذكر ثلاثة شروط راجعة إلى نفس الفعل المكلف به، وهى علم المكلف المأمور به، فلا يصح تكليفه بما لا يعلمه. الثانى: كون الفعل المأمور به معدوماً لان التكليف بتحصيل الموجود تحصيل حاصل وهو محال. الثالث: كونه ممكناً فلا يصح التكليف بالمجال. هذا حاصل ما ذكره من شروط التكليف ودونك تحقيق المقام فى الشروط المذكورة أما اشتراط العقل فى التكليف فلا خلاف فيه بين العلماء اذ لا معنى لتكليف من لا يفهم الخطاب، وأما لزوم قيم المتلفات وأروش الجنايات لمن لا عقل له، كالصبى الصغير والمجنون فهو من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف، وأما الصبى المميز فجمهور العلماء على أنه غير مكلف بشيء مطلقاً لأن القلم مرفوع عنه حتى يبلغ، وعن أحمد رواية مرجوحة بتكليف الصبى المميز، ومذهب مالك وأصحابه تكليف الصبى بالمكروه والمندوب فقط دون الواجب والحرام، قالوا للاجماع على أنه لا اثم عليه بترك واجب ولا بارتكاب حرام لرفع القلم عنه، وأما المكروه والمندوب، فاستدلوا لتكليفه بهما بحديث الخثعمية التي أخذت بضبعى صبى، وقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر. وأما النائم والناسى فاختلف فى تكليفهما، فقيل غير مكلفين كما درج عليه المؤلف، للاجماع على سقوط الاثم عنهما، ولو كانا مكلفين كانا آثمين بترك العبادة حتى فات وقتها لأجل النوم والنسيان، وقيل هما مكلفان بدليل الاجماع فلى وجوب القضاء عليهما، اذ لو كانت الصلاة غير واجبة عليهما فى وقت النوم أو النسيان لما وجب قضاءها عند اليقظة والذكر، لأن ما لم يجب لا يجب قضاءه، وجمع بعض محققى الأصوليين من المالكية بين

стр. 35

القولين بأن قال ان عدم النوم والنسيان شرط فى الأداء لا فى الوجوب، فالصلاة واجبة عليهما مع أنهما غير مكلفين بنفس أدائها فالتمكن من الأداء بعد النوم، والنسيان شرط فى الأداء فقط لا فى الوجوب ومرادهم بشرط الايجاب أنه شرط في الايجاب الأعلامى الذى المقصود منه اعتقاد وجوب ايجاد الفعل ومرادهم بشرط الأداء الايجاب الالزامى الذى المقصود منه الامتثال الذى لا بحصل الا بالاعتقاد والايجاد معاً، واعلم أن ما جزم به المؤلف ﵀ من كون الناسى والنائم غير مكلفين، يشكل عليه وجوب قضاء الصلاة والأجماع على أنها قضاء، وقد يجاب عنه بأن القضاء وجب بانعقاد سبب الوجوب، وان منع من تمامه مانع النوم أو النسيان والله تعالى أعلم. وأما السكران الذى لا يعقل فجزم المؤلف بأنه غير مكلف وبين أن لزوم الطلاق للسكران، ولزوم قيم المتلفات للنائم والناسى أن ذلك من خطاب الوضع وذلك هو مراده بقوله من قبيل ربط الأحكام بالأسباب لأن ذلك بعينه من خطاب الوضع، واعلم أن العلماء اختلفوا فيما يلزم السكران، ومما قيل فى ذلك التفصيل لأن السكر قد يذهب جميع عقله حتى يكون لا يعقل شيئاً، وهو المعروف بالسكران الطافح، وقد يذهب بعض عقله ويبقى معه بعضه، فالأظهر فى الطافح أنه لا يلزمه شيء من العقود ولا العتق ولا الطلاق ولا الجنايات الا ما كان من خطاب الوضع كغرم قيمة المتلف، وأما الذى لم يفقد جميع عقله فهو الذى فيه قول من قال: لا يلزم السكران اقرار عقود بل ما جنى عتق طلاق وحدود (١)

стр. 36

فان قيل قد دل القرآن على تكليف السكران فى قوله تعالى: "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى" لأن قوله وأنتم سكارى جملة حالية العامل فيها لا تقربوا وصاحبها الضمير الذى هو الواو والمعروف فى علم العربية أن الحال ان كانت غير مقدرة، فوقتها هو بعينه وقت عاملها فيلزم من ذلك أن وقت النهى عن قربان الصلاة هو وقت السكر بعينه ونهى السكران في وقت سكره يدل على أنه مكلف، فالجواب عن هذا الاشكال من الجهتين اللتين ذكرهما المؤلف. الاولى: أن المراد بالنهى، النهى عن شرب الخمر فى أول الأسلام قبل تحريمها قرب أوقات الصلاة بحيث يغلب على الظن أنها يدخل وقتها وهو سكران، لأن من شرب المسكر فى وقت يظن فيه أنه يأتى وقت الصلاة وهو سكران فكانه عالم بأن صلاته تكون فى وقت سكره، ودليل هذا الوجه أن الآية لما نزلت كانوا لا يشربونها الا فى وقتين بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح، وفيما بين الصبح والظهر، وأما فى غير ذينك الوقتين فلا يشربونها لأن وقت الصلاة فى غيرهما يدخل قبل صحو السكران وهو واضح.

стр. 37

(تنبيه) قد أشار تعالى إلى ما يعرف به زوال السكر، وهو أن يكون فاهماً لما يتكلم به غير طائش عنه، وذلك فى قوله " حتى تعلموا ما تقولون..) الآية. وأما المكره فجزم المؤلف ﵀ بأنه مكلف واطلاقه تكليفه من غير تفصيل لا يخلو من نظر، اذ الاكراه قسمان: قسم لا يكون فيه المكره مكلفاً بالاجماع كمن حلف لا يدخل دار زيد مثلا، فقهره من هو أقوى منه، وكبله بالحديد، وحمله قهراً حتى أدخله فيها فهذا النوع من الاكراه صاحبه غير مكلف كما لا يخفى، اذ لا قدرة له على خلاف ما أكره عليه. وقسم هو محل الخلاف الذى ذكره المؤلف، وهو ما اذا قيل له افعل كذا مثلا والا قتلتك، جزم المؤلف بأن المكره هذا النوع من الاكراه مكلف، وظاهر كلامه أنه لو فعل المحرم الذى أكره عليه هذا النوع من الاكراه لكان آثماً والظاهر أن فى ذلك تفصيلا. فالمكره على القتل بان قبل أقتله والا قتلتك أنت، لا يجوز له قتل غيره، وان أدى ذلك إلى قتله هو، وأما فى غير حق الغير الظاهر أن الاكراه عذر يسقط التكليف، بدليل قوله تعالى: "الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ". وفى الحديث: (ان الله تجاوز لى عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والحديث وان أعله أحمد وابن أبى حاتم فقد تلقاه العلماء بالقبول وله شواهد ثابتة فى الكتاب والسنة، وأما خطاب الكفار بفروع الاسلام

стр. 38

فاختلف فيه، فقيل غير مخاطبين بها، واحتج من قال بأنهم لو فعلوها فى حال كفرهم لم تقبل منهم ولا يجب قضاؤها عليهم بعد الاسلام وما لم يقيل منهم فلا يخاطبون به، وهذا الاحتجاج مردود لأنهم مخاطبون بها وبما لا تصح الا به وهو الاسلام، كالمحدث يخاطب بالصلاة وبما لا تصح الصلاة الا به كالطهاره كما قدمنا من أن ما لا يتم الواجب الا به واجب. والحق أنهم مكلفون بها لدلالة النصوص على ذلك فمن الأدلة عليه قوله تعالى: (ما سلككم سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين) . الآية. ففى الآية التصريح بأن من الاسباب النى سلكتم فى سقر عدم اطعام المسكين، وهو فرع من الفروع ونظيره قوله تعالى: (خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم فى سلسة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه) . ثم بين السبب بقوله تعالى: (انه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين) . الآية. ومن الادلة على ذلك قوله تعالى: والذين لا يدعون مع الله الهآ آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق) إلى قوله تعالى: (يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مهانا) . الآية. لان الآية نص فى مضاعفة العذاب

стр. 39

فى حق من جمع بين المحظورات. واعلم أن المسألة فيها ثلاثة أقوال: الأول: أنهم مخاطبون بها وهو الحق. الثانى: أنهم غير مخاطبين بها مطلقاً. الثالث: أنهم مخاطبون بالنواهى لصحة الكف عن الذنب منهم دون الأوامر وحجة من قال بالاطلاق أن الكف عن المنهى عنه وان صدر منهم فلا أجر لهم فيه، لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة. وأما الجواب عن كونها لا تقضى بعد الاسلام، فهو أن الاسلام يجب ما قبله. قال المؤلف ﵀ فأما الشروط المعتبرة لفعل المكلف به فثلاثة، أحدهما أن يكون معلوماً للمأمور به حتى يتصور قصده إليه وأن يكون معلوماً كونه مأموراً به من جهة الله تعالى، حتى يتصور فيه قصد الطاعة والامتثال، وهذا يختص بما يجب ته قصد الطاعة والتقرب. ايضاح معنى هذا الشرط الاول أن الفعل المكلف به يشترط فى صحة التكليف به شرعاً أن يكون المكلف يعلمه فيشترط لتكليفه بالصلاة علمه بحقيقة كيفية الصلاة لان التكليف بالمجهول من تكليف ما لا يطاق، اذ لو قيل للمكلف أفعل ما أضمره فى نفسى أنك تفعله والا عاقبتك، فقد كلف بفعل ما لا طاقة له به لأن اهتداءه إلى الفعل المطلوب من غير علم ليس فى طاقته كما هو واضح. واعلم أن الأحكام الشرعية قسمان: قسم منها تعبدى محض، وقسم معقول المعنى. فالتعبد كالصلاة والزكاة والصوم، فيشترط فى التكليف به العلم بحقيقة الفعل المكلف به كما بينا، ويزاد على ذلك العلم بأنه مأمور

стр. 40

به من الله تعالى، اذ لا بد من نية التقرب به إلى الله تعالى ونية التقرب إليه لا تمكن الا بعد معرفة أن الأمر المتقرب به إليه أمر منه جل وعلا، وأما معقول المعنى فلا يشترط فى صحة فعله نية التقرب ولكن لا أجر له فيه البته الا بنية التقرب إلى الله تعالى. ومثال ذلك رد الأمانة، والمغصوب وقضاء الدين، والانفاق على الزوجة. فمن قضى دينه وأدى الأمانة ورد المغصوب مثلا لا يقصد بشيء من ذلك وجه الله بل لخوفه من عقوبة السلطان مثلا ففعله صحيح دون النية وتسقط به المطالبة فلا يلزمه الحق فى الآخرة بدعوى أن قضاءه فى الدنيا غير صحيح لعدم نية التقرب بل القضاء صحيح والمطالبة ساقطة على كل حال ولكن لا أجر له الا بنية التقرب، وهذا هو مراد المؤلف بقوله وهذا يختص بما يجب به قصد الطاعة والتقرب. قال المؤلف: (الثانى) أن يكون معدوماً أما الموجود فلا يمكن ايجاده فيستحيل الأمر به. ايضاح معنى هذا الشرط أنه يشترط فى المطلوب المكلف به أن يكون الفعل المطلوب معدوماً، فالصلاة والصوم المأمور بهما وقت الطلب لا بد أن يكونا غير موجودين، والمكلف ملزم بايجادهما على الوجه المطلوب، أما الموجود الحاصل فلا يصح التكليف به كما لو كان صلى ظهر هذا اليوم بعينه صلاة تامة من كل جهاتها، فلا يمكن أمره بايجاد تلك الصلاة بعينها التي أداها على أكمل وجه لأن الأمر بتحصيلها معناه أنها غير حاصلة والفرض أنها حاصلة فيكون تناقضاً، ومن هنا قالوا تحصيل الحاصل محال لأن السعى فى تحصيله معناه أنه غير حاصل بالفعل وكونه حاصلا بالفعل ينافى ذلك فصار المعنى هو غير حاصل هو حاصل. وهذا تناقض واجتماع القيضين مستحيل.
следующие страницы →