فان قيل قد دل القرآن على تكليف السكران فى قوله تعالى: "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى" لأن قوله وأنتم سكارى جملة حالية العامل فيها لا تقربوا وصاحبها الضمير الذى هو الواو والمعروف فى علم العربية أن الحال ان كانت غير مقدرة، فوقتها هو بعينه وقت عاملها فيلزم من ذلك أن وقت النهى عن قربان الصلاة هو وقت السكر بعينه ونهى السكران في وقت سكره يدل على أنه مكلف، فالجواب عن هذا الاشكال من الجهتين اللتين ذكرهما المؤلف.
الاولى: أن المراد بالنهى، النهى عن شرب الخمر فى أول الأسلام قبل تحريمها قرب أوقات الصلاة بحيث يغلب على الظن أنها يدخل وقتها وهو سكران، لأن من شرب المسكر فى وقت يظن فيه أنه يأتى وقت الصلاة وهو سكران فكانه عالم بأن صلاته تكون فى وقت سكره، ودليل هذا الوجه أن الآية لما نزلت كانوا لا يشربونها الا فى وقتين بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح، وفيما بين الصبح والظهر، وأما فى غير ذينك الوقتين فلا يشربونها لأن وقت الصلاة فى غيرهما يدخل قبل صحو السكران وهو واضح.
стр. 37
(تنبيه)
قد أشار تعالى إلى ما يعرف به زوال السكر، وهو أن يكون فاهماً لما يتكلم به غير طائش عنه، وذلك فى قوله " حتى تعلموا ما تقولون..) الآية. وأما المكره فجزم المؤلف ﵀ بأنه مكلف واطلاقه تكليفه من غير تفصيل لا يخلو من نظر، اذ الاكراه قسمان:
قسم لا يكون فيه المكره مكلفاً بالاجماع كمن حلف لا يدخل دار زيد مثلا، فقهره من هو أقوى منه، وكبله بالحديد، وحمله قهراً حتى أدخله فيها فهذا النوع من الاكراه صاحبه غير مكلف كما لا يخفى، اذ لا قدرة له على خلاف ما أكره عليه.
وقسم هو محل الخلاف الذى ذكره المؤلف، وهو ما اذا قيل له افعل كذا مثلا والا قتلتك، جزم المؤلف بأن المكره هذا النوع من الاكراه مكلف، وظاهر كلامه أنه لو فعل المحرم الذى أكره عليه هذا النوع من الاكراه لكان آثماً والظاهر أن فى ذلك تفصيلا.
فالمكره على القتل بان قبل أقتله والا قتلتك أنت، لا يجوز له قتل غيره، وان أدى ذلك إلى قتله هو، وأما فى غير حق الغير الظاهر أن الاكراه عذر يسقط التكليف، بدليل قوله تعالى: "الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ".
وفى الحديث: (ان الله تجاوز لى عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)
والحديث وان أعله أحمد وابن أبى حاتم فقد تلقاه العلماء بالقبول وله شواهد ثابتة فى الكتاب والسنة، وأما خطاب الكفار بفروع الاسلام
стр. 38
فاختلف فيه، فقيل غير مخاطبين بها، واحتج من قال بأنهم لو فعلوها فى حال كفرهم لم تقبل منهم ولا يجب قضاؤها عليهم بعد الاسلام وما لم يقيل منهم فلا يخاطبون به، وهذا الاحتجاج مردود لأنهم مخاطبون بها وبما لا تصح الا به وهو الاسلام، كالمحدث يخاطب بالصلاة وبما لا تصح الصلاة الا به كالطهاره كما قدمنا من
أن ما لا يتم الواجب الا به واجب.
والحق أنهم مكلفون بها لدلالة النصوص على ذلك فمن الأدلة عليه قوله تعالى:
(ما سلككم سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين) . الآية. ففى الآية التصريح بأن من الاسباب النى سلكتم فى سقر عدم اطعام المسكين، وهو فرع من الفروع ونظيره قوله تعالى:
(خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم فى سلسة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه) .
ثم بين السبب بقوله تعالى:
(انه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين) . الآية.
ومن الادلة على ذلك قوله تعالى:
والذين لا يدعون مع الله الهآ آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق) إلى قوله تعالى:
(يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مهانا) . الآية. لان الآية نص فى مضاعفة العذاب
стр. 39
فى حق من جمع بين المحظورات.
واعلم أن المسألة فيها ثلاثة أقوال:
الأول: أنهم مخاطبون بها وهو الحق.
الثانى: أنهم غير مخاطبين بها مطلقاً.
الثالث: أنهم مخاطبون بالنواهى لصحة الكف عن الذنب منهم دون الأوامر وحجة من قال بالاطلاق أن الكف عن المنهى عنه وان صدر منهم فلا أجر لهم فيه، لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة.
وأما الجواب عن كونها لا تقضى بعد الاسلام، فهو أن الاسلام يجب ما قبله. قال المؤلف ﵀ فأما الشروط المعتبرة لفعل المكلف به فثلاثة، أحدهما أن يكون معلوماً للمأمور به حتى يتصور قصده إليه وأن يكون معلوماً كونه مأموراً به من جهة الله تعالى، حتى يتصور فيه قصد الطاعة والامتثال، وهذا يختص بما يجب ته قصد الطاعة والتقرب.
ايضاح معنى هذا الشرط الاول أن الفعل المكلف به يشترط فى صحة التكليف به شرعاً أن يكون المكلف يعلمه فيشترط لتكليفه بالصلاة علمه بحقيقة كيفية الصلاة لان التكليف بالمجهول من تكليف ما لا يطاق، اذ لو قيل للمكلف أفعل ما أضمره فى نفسى أنك تفعله والا عاقبتك، فقد كلف بفعل ما لا طاقة له به لأن اهتداءه إلى الفعل المطلوب من غير علم ليس فى طاقته كما هو واضح.
واعلم أن الأحكام الشرعية قسمان: قسم منها تعبدى محض، وقسم معقول المعنى. فالتعبد كالصلاة والزكاة والصوم، فيشترط فى التكليف به العلم بحقيقة الفعل المكلف به كما بينا، ويزاد على ذلك العلم بأنه مأمور
стр. 40
به من الله تعالى، اذ لا بد من نية التقرب به إلى الله تعالى ونية التقرب إليه لا تمكن الا بعد معرفة أن الأمر المتقرب به إليه أمر منه جل وعلا، وأما معقول المعنى فلا يشترط فى صحة فعله نية التقرب ولكن لا أجر له فيه البته الا بنية التقرب إلى الله تعالى.
ومثال ذلك رد الأمانة، والمغصوب وقضاء الدين، والانفاق على الزوجة. فمن قضى دينه وأدى الأمانة ورد المغصوب مثلا لا يقصد بشيء من ذلك وجه الله بل لخوفه من عقوبة السلطان مثلا ففعله صحيح دون النية وتسقط به المطالبة فلا يلزمه الحق فى الآخرة بدعوى أن قضاءه فى الدنيا غير صحيح لعدم نية التقرب بل القضاء صحيح والمطالبة ساقطة على كل حال ولكن لا أجر له الا بنية التقرب، وهذا هو مراد المؤلف بقوله وهذا يختص بما يجب به قصد الطاعة والتقرب.
قال المؤلف:
(الثانى) أن يكون معدوماً أما الموجود فلا يمكن ايجاده فيستحيل الأمر به.
ايضاح معنى هذا الشرط أنه يشترط فى المطلوب المكلف به أن يكون الفعل المطلوب معدوماً، فالصلاة والصوم المأمور بهما وقت الطلب لا بد أن يكونا غير موجودين، والمكلف ملزم بايجادهما على الوجه المطلوب، أما الموجود الحاصل فلا يصح التكليف به كما لو كان صلى ظهر هذا اليوم بعينه صلاة تامة من كل جهاتها، فلا يمكن أمره بايجاد تلك الصلاة بعينها التي أداها على أكمل وجه لأن الأمر بتحصيلها معناه أنها غير حاصلة والفرض أنها حاصلة فيكون تناقضاً،
ومن هنا قالوا تحصيل الحاصل محال لأن السعى فى تحصيله معناه أنه غير حاصل بالفعل وكونه حاصلا بالفعل ينافى ذلك فصار المعنى هو غير حاصل هو حاصل. وهذا تناقض واجتماع القيضين مستحيل.
стр. 41
(تنبيه)
مثل قوله تعالى: "يا أيها النبى اتق الله ". الآية. صريح فى الأمر بما هو حاصل وقت الطلب لأنه متق وقت أمره بالتقى.
والجواب أن أمره بالتقوى يراد به الدوام على ذلك أو أمر أمته بأمره لأنه قدوة لهم.
قال المؤلف _ ﵀ _:
(الثالث) أن يكون ممكنا فان كان محالا كالجمع بين الضدين ونحوه لم يجز الأمر به، وقال قوم يجوز ذلك بدليل قوله تعالى: " ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به "، والمحال لا يسأل دفعه، لأن الله تعالى، علم أن أبا جهل لا يؤمن وقد أمره بالايمان وكلفه اياه إلى آخر.
اعلم أن هذه المسألة هى المعروفة عند أهل الأصول بمسألة التكليف بما لا يطاق، وبعضهم يقول التكليف بالمحال وفيها تفصيل لا بد منه ولم ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، ولكنه أشار إليه اشارة خفيفة فى آخر كلامه.
اعلم أن حاصل تحقيق المقام فى هذه المسألة عند أهل الأصول أن البحث فيهل من جهتين:
الأولى: من جهة الجواز العقلى، أي هل يجوز عقلا أن يكلف الله عبده بما لا يطيقه أو يمتنع ذلك عقلا.
الثانية: هل يمكن ذلك شرعاً أو لا، اعلم أن أكثر الأصوليين على جواز التكليف عقلا بما لا يطاق، قالوا وحكمته ابتلاء الانسان، هل يتوجه إلى
стр. 42
الامتثال ويتأسف على عدم القدرة ويضمر أنه لو قدر لفعل، فيكون مطيعاً لله بقدر طاقته، أو لا يفعل ذلك فيكون حكم العاصى.
ومنهم من يقول لا يلزم ظهور الحكمة فى أفعال الله لأنهم يزعمون أن أفعاله لا تعلل بالأغراض والحكم وسيأتى ان شاء الله تعالى ايضاح ابطال ذلك فى الكلام على علة القياس، وأكثر المعتزلة وبعض أهل السنة منعوا التكليف بما لا يطاق لا فائدة فية فهو محال عقلا، قالوا لأن الله يشرع الأحكام لحكم ومصالح،
والتكليف بما لا يطاق لا فائدة فيه فهو محال عقلا. أما بالنسبة إلى الامكان الشرعى ففى المسألة التفصيل المشار إليه آنفاً وهو أن المستحيل أقسام. فالمستحيل عقلا قسمان: قسم مستحيل لذاته كوجود شريك لله عن ذلك علواً كبيراً، وكاجتماع النقيضين والضدين فى شيء واحد من جهة واحدة.
ويسمى هذا القسم المستحيل الذاتى، وايضاحه أن العقل اما أن يقبل وجود الشيء فقط، أي ولا يقبل عدمه أو يقبل عدمه فقط ولا يقبل وجوده أو يقبلهما معاً فان قبل وجوده فقط ولا يقبل وجوده أو يقبلهما معاً، فان قبل وجوده فقط ولم يقبل عدمه بحال فهو الواجب الذاتى المعروف بواجب الوجود كذات الله جل وعلا، متصفاً بصفات الكمال والجلال، وان قبل عدمه فقط دون وجوده فهو المستحيل المعروف بالمستحيل عقلا كوجود شريك لله عن ذلك علواً كبيراً.
وان قبل العقل وجودوه وعدمه، فهو المعروف بالجائز عقلا وهو الجائز الذاتى كقدوم زيد يوم الجمعة وعدمه. فالمستحيل الذاتى أجمع العلماء على أن التكليف به لا يصح شرعاً لقوله تعالى: " لا يكلف الله نفساً الا وسعها "، وقوله تعالى: " فاتقوا الله ما استطعتم " ونحو ذلك من أدلة الكتاب والسنة.
القسم الثانى من قسمى المستحيل عقلا هو ما كان مستحيلا لا لذاته
стр. 43
بل لتعلق علم الله بأنه لا يوجد، لأن ماسبق فى علم الله أنه لا يوجد مستحيل عقلا أن يوجد لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلى وهذا النوع يسمونه المستحيل العرضى، ونحن نرى أن هذه العبارة لا تنبغى لأن وصف استحالتة بالعرض من أجل كونها بسبب تعلق العلم الأزلى لا يليق بصفة الله، فالذى ينبغى أن يقال أنه مستحيل لأجل ما سبق فى علم الله من أنه لا يوجد ومثال هذا النوع ايمان أبى لهب فان ايمانه بالنظر إلى مجرد ذاته جائز عقلا الجواز الذاتى لأن
العقل يقبل وجوده وعدمه، ولو كان ايمانه مستحيلا عقلا لذاته لاستحال شرعاً تكليفه بالايمان مع أنه مكلف به قطعاً اجماعاً، ولكن هذا الجائز عقلا الذاتى، مستحيل من جهة أخرى، وهى من حيث تعلق الله فيما سبق أنه لا يؤمن لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلى، والتكليف بهذا النوع من المستحيل واقع شرعاً باجماع المسلمين لأنه جائز ذاتى لا مستحيل ذاتى، والأقسام بالنظر إلى تعلق العلم قسمان واجب ومستحيل فقط، لان العلم اما أن يتعلق بالوجود فهو واجب أو بالعدم فهو مستحيل ولا واسطة، والمستحيل العادى كتكليف
الانسان بالطيران إلى السماء بالنسبة إلى الحكم الشرعى كالمستحيل العقلى هذا هو حاصل كلام أهل الأصول فى هذه المسألة، والآية لا دليل فيها على جواز التكليف شرعاً بما لا يطاق لأن المراد بما لا طاقة به هى الآصار والأثقال التي كانت على من قبلنا، لان شدة مشقتها وثقلها تنزلها منزلة ما لا طاقة به.
(فصل)
قال المؤلف:
والمقتضى بالتكليف فعل وكف، فالفعل، فالفعل كالصلاة والكف كالصوم
стр. 44
وترك الزنا وشرب الخمر إلى آخره.
اعلم أن لله جل وعلا انما يكلف بالأفعال الأختيارية وهى باستقراء الشرع أربعة أقسام:
الاول: الفعل الصريح كالصلاة.
الثانى: فعل اللسان وهو القول والدليل على أن القول فعل قوله تعالى: (زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه) .الآية.
الثالث: الترك والتحقيق أنه فعل وهو كف النفس وصرفها عن المنهى عنه، خلافاً لمن زعم أن الترك أمر عدمى لا وجود له، والعدم عبارة عن لا شيء والدليل على أن الترك فعل الكتاب والسنة واللغة.
وأما دلالة الكتاب على أن الترك فعل ففى آيات من القرآن العظيم كقوله تعالى: " لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الاثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون "، فسمى الله جل وعلا عدم نهى الربانيين والأحبار لهم صنعاً والصنع أرخص مطلقاً من الفعل فدل على أن ترك الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فعل بدليل تسمية الله له صنعاً.
وكقوله تعالى:" كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " فسمى عدم تناهيهم عن المنكر فعلا وهو واضح ولم أر من الأصوليين من انتبه لدلالة هذه الآيات على أن الترك فعل، وقال السبكى فى طبقاته ان قوله تعالى
:" وقال الرسول يا رب ان قومى اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ".
يدل على أن الترك فعل، قال لان الأخذ التناول والمهجور المتروك فصار المعنى تناولوه متروكان أي فعلوا تركة هكذا قال.
وأما دلالة السنة ففى
стр. 45
أحاديث كقوله: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) فسمى ترك الأذى اسلاماً وهو يدل على أن الترك فعل أما اللغة فكقول الراجز.
لان قهدنا والنبى يعمل لذاك منا العمل المضلل
فمعنى قعدنا تركنا الاشتغال ببناء المسجد، وقد سمى هذا الترك عملا فى قوله لذاك منا العمل المضلل وبنبنى على الخلاف فى الترك هل هو فعل أو لا.
فروع كثيرة فى المذاهب كمن منع مضطراً فضل طعام أو شراب حتى مات، فعلى أن الترك فعل فانه يضمن ديته، وعلى أنه ليس بفعل فلا ضمان عليه، وكمن منع صاحب جدار خاف سقوطه عمدا عنه حتى سقط، ومن أمسك وثيقة حق حتى تلف الحق. وأمثال هذا كثيرة جداً فى الفروع فعلى أن الترك فعل فانه يضمن فى الجميع، وعلى أنه ليس بفعل فلا ضمان عليه، وأشار إلى هذا صاحب مراقى السعود بقوله:
ولا يكلف بغير الفعل باعث ... الأنبيا ورب الفضل
فكفنا بالنهى مطلوب النبى ... والكف فعل فى صحيح المذهب
له فروع ذكرت فى المنهج ... وسردها من بعد ذا البيت يجى
من شرب أو خيط ذكانة فضل ما ... وعمد رسم وشهادة وما
عطل ناظر وذو الرهن كذا ... مفرط فى العلف فادر المأخذا
الرابع: العزم المصمم على الفعل والدليل على أنه فعل قوله فى حديث أبى بكرة الثابت فى الصحيح اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار، قالوا يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول، قال انه كان حريصاً على قتل صاحبه،
стр. 46
فالحديث يدل دلالة لا لبس فيها على أ، عزم هذا المقتول المصمم على قتل صاحبه فعل، دخل بسببه النار لأنهم قالوا له: قد
عرفنا القاتل أي عرفنا الموجب الذى دخل بسببه النار، وهو قتل المسلم فما بال المقتول، أي ما تشخيص الذنب الذى دخل بسببه النار لانه لم يحصل منه قتل بالفعل، فأجابهم:
بأن سبب دخوله النار هو حرصه على قتل صاحبه فدل ذلك بدلالة الايماء والتنبيه على أن حرصه على قتل صاحبه هو الفعل الذى دخل بسببه النار كما هو واضح، وقول المؤلف ﵀ فى هذه المسألة، والمقتضى بالتكليف هو بفتح الضاد بصيغة اسم المفعول أي الشيء المقتضى بالتكليف فعل وكف كما أوضحناه.
قال المؤلف _ ﵀ _:
الضرب الثاني من الأحكام ما يتلقى من خطاب الوضع والأخبار وهو أقسام أيضاً:
اعلم أن ما ذكر من أقسام خطاب الوضع ستة أقسام:
القسم الأول: ما يظهر به الحكم هو نوعان: العلل والأسباب.
الثالث: الشرط. الرابع: الموانع الخامس: الصحة، السادس: الفساد وأنجر الكلام إلى الرخصة والعزيمة والقضاء والأداء والعادة، وهذه تفاصيل ذلك كله.
اعلم أولاً أن خطاب الوضع انما سمي خطاب الوضع لان الشرع وضع الخطاب بالاسباب والشروط والموانع مثلاً بمعنى أنه يقول اذا زالت الشمس مثلاً فقد وضعت وجوب الصلاة وإذا تم النصاب والحول فقد وضعت وجوب الزكاة، واذا حصل الحيض فقد وضعت سقوط الصلاة والصوم وقس على هذا.
стр. 47
واعلم أنه يفرق بين خطاب التكليف وخطاب الوضع بفارقين ظاهرين وهما أن خطاب الوضع علامته أنه اما ألا يكون في قدرة المكلف أصلاً كزوال الشمس والنقاء من الحيض أو يكون في قدرته، ولا يؤمر به كالنصاب للزكاة والاستطاعة للحج وعدم السفر للصوم، وبهذا
تعرف أن خطاب التكليف علامته أمران أن يكون في قدرة المكلف، ويؤمر به فعلاً كالوضوء للصلاة أو تركان كسائر المنهيات، وخطاب الوضع أعم من خطاب التكليف لأن كل تكليف معه خطاب وضع اذ لا يخلو من شرط أو مانع مثلاً، وقد يوجد خطاب الوضع حيث لا تكليف كلزوم غرم المتلفات وآروش الجنايات لغير المكلف كالصبي، وقيل بينهما عموم وخصوص من وجه واعتمده القرافي في الفروق.
أما العلة فهي في اللغة: عبارة عما اقتضى تغييراً ومنه سميت علة المريض لأنها اقتضت تغير الحال، ومنه قول زهير:
ان تلق يوماً على علاته هرما ... تلق السماحة منه والندى خلقا
أي ان تلقه على علاته أي حالاته المقتضية تغيير الوجود كالفقر والجدب تلقه متصفاً بالجود والسماحة على كل حال، والعلة العقلية عبارة عما يوجب الحكم لا محالة كتأثير حركة الاصبع في حركة الخاتم وتأثير الكسر في الانكسار والتسويد في السواد والفقهاء يستعملون العلة في ثلاثة أشياء:
الأول: ما يوجب الحكم لا محالة أي اذا وجد قطعاً وهو المجموع المركب من مقتضى الحكم، وشرطه ومحله وأهله كوجوب الصلاة فانه حكم شرعي ومقتضيه أمر الشارع بالصلاة وشرطه أهنية المصلي لتوجه الخطاب عليه بأن يكون بالغاً عاقلاً ومحله الصلاة وأهله المصلى، فاذا وجد هذا المجموع وجدت الصلاة ويطلق على هذا المجموع اسم العلة تشبيهاً بالعلة العقلية، وقول المؤلف في هذا البحث: والاهل والمحل: وصفان من
стр. 48
أوصافها إلى آخره صوابه أن يقول: ركنان من أركانها لان الأهل والمحل ركنان من أركانها على هذا التفسير لها.
الثاني: من الأشياء التي يطلقون عليها العلة هو العلة التي تخلف شرطها أو وجد مانعها كاليمين مع عدم الحنث بالنسبة لوجوب الكفارة، فاليمين علة الكفارة وشرط وجوبها بها الحنث فتسمى اليمين دون الحنث علة وهي علة تخلف شرطها، وهكذا في نحوه وهذا أولى عند المؤلف.
الثالث: من الأشياء التي يطلقون عليها اسم العلة هو: الحكمة وضابط الحكمة أنها هي المعنى الذي من أجله صار الوصف علة فعلة تحريم الخمر مثلاً الاسكار، وحكمته حفظ العقل لان حفظ العقل هو الذي صار من أجله الاسكار علة للتحريم في الخمر، قال صاحب مراقي
السعود في تعريف الحكمة:
وهي التي من أجلها الوصف جرى ... علة حكم عند كل من درى
وهذا هو معنى قول المؤلف ﵀ كقولهم المسافر يترخص لعلة المشقة لان علة الرخصة بالقصر وعدم الصوم هي السفر والحكمة رفع المشقة لأنها هي التي من أجلها صار السفر علة للرخصة.
واما السبب فهو كل ما توصلت به إلى شيء.
ومنه قوله زهير:
ومن هاب أسباب المنية يلقها ... ولو رام أسباب السماء بسلم
ويروي أسباب المنايا ينلنه أي طرقها الموصلة إليها.
والسبب يطلق عند الفقهاء على أربعة أشياء:
стр. 49
الأول: ما يقابل المباشرة كالحفر مع التردية فالحافر يسمى صاحب سبب والمردي الذي هو المباشر صاحب علة، وكمن قدم طعام شخص إلى آخر فأكله فالمقدم متسبب والآكل مباشر والقاعدة عند الفقهاء تقديم المباشر في الضمان فان تعذر تضمينه لموت أو فلس ضمن المتسبب ولا يخلو تضمينه من خلاف.
الثاني: علة العلة يسمونها علة كالرمي فانه علة لاصابة السهم بدن الشخص المرمي واصابته اياه علة لقتله، فالرمي علة لعلة القتل تسمى سببا.
الثالث: العلة التي تخلف شرطها كنصاب الزكاة بدون الحول.
الرابع: العلة الشرعية نفسها وعليه أكثر أهل الأصول قال في مراقي السعود:
ومع علة ترادف السبب ... والفرق بعضهم إليه قد ذهب
وسيأتي إن شاء الله تعالى زيادة ايضاح معنى العلة الشرعية في مبحث العلة من كتاب القياس.
وأما الشرط في اللغة فهو العلامة، ومنه قوله تعالى: " فقد جاء اشراطها " الآية. وقول أبي الاسود الدؤلي:
لان كنت قد أزمعت بالصرم بيننا ... فقد جعلت أشراط أوله تبدو
والشرط الشرعي في الاصطلاح عند أهل الاصول هو ما لا يلزم من وجوده لذاته وجود ولا عدم، ولكنه يلزم من عدمه عدم المشروط كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة، فان وجود الطهارة لا يلزم منه وجود الصلاة ولا عدمها لأن المتطهر قد يصلي وقد لا يصلي بخلاف عدم الطهارة فانه يلزم منه عدم الصلاة الشرعية، واعلم أن الشرط قسمان:
стр. 50
شرط وجوب، وشرط صحة:
فشرط الوجوب كالزوال لصلاة الظهر، وشرط الصحة كالوضوء للصلاة، وضابط الفرق بين شرط الوجوب وشرط الصحة هو عين الفرق المتقدم بين خطاب التكليف وخطاب الوضع لان شرط الوجوب من خطاب الوضع وشرط الصحة من خطاب التكليف الا أن صحة الواجب قد تشترط لها شروط الوجوب من حيث هي شروط في الوجوب وزاد بعض العلماء شرطاً ثالثاً وهو شرط الأداء، وقد قدمنا الاشارة إليه في أقسام التكليف واعلم أن الشرط من حيث هو شرط ثلاثة أقسام:
الأول: الشرط الشرعي وهو المذكور آنفاً وهو المقصود في الأصل.
الثاني: الشرط اللغوي كان دخلت الدار فأنت طالق وهو واضح.
الثالث: الشرط العقلي وهو مالا يمكن المشروط في العقل دونه ومثل له المؤلف بالحياة للعلم والعلم للإرادة.
المانع
وأما المانع فهو في اللغة اسم فاعل منعه وفي اصطلاح أهل الأصول هو ما لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم ولكنه يلزم من وجوده عدم الحكم كالحيض بالنسبة للصلاة والصوم مثلاً فان عدم الحيض لا يلزم منه وجودهما ولا عدمهما لان المرأة الطاهرة قد تصلي وتصوم وقد لا تفعل ذلك بخلاف وجود الحيض فانه مانع من الصلاة والصوم.
تنبيه
المانع ثلاثة أقسام:
стр. 51
١ ـ مانع للدوام والابتداء معاً كالرضاع بالنسبة إلى النكاح فانه مانع منه ابتداء ودواماً ومعنى منعه ابتداء أنه يمنع من ابتداء عقد النكاح اذ لا يجوز عقد النكاح ابتداء على امرأة هي أخته من الرضاعة ومعنى منعه الدوام أنه لو تزوج رضيعة ليست له بمحرم ثم بعد عقد النكاح أرضعتها أمه أو أخته مثلاً فان هذا الرضاع الطارئ على العقد يمنع من الدوام على العقد بل يجب فسخه حالاً.
٢ ـ مانع للابتداء فقط دون الدوام كالاحرام بالنسبة إلى النكاح فان الاحرام يمنع ابتداء عقد النكاح مادام محرماً ولا يمنع من الدوام على نكاح قبله.
٣ ـ مانع للدوام دون الابتداء كالطلاق فانه مانع من الدوام على النكاح الاول ولا يمنع ابتداء نكاح ثاني.
وأما الصحة فهي في اللغة السلامة وعدم الاختلال ومنه قوله:
وليل يقول المرء من ظلماته ... سواء صحيحات العيون وعورها
والصحة في اصطلاح الفقهاء تطلق في العبادات وفي المعاملات فالصحة عندهم في العبادات هي الأجزاء واسقاط القضاء فكل عبادة فعلت على وجه يجزئ ويسقط القضاء فهي صحيحة.
والصحة عندهم في المعاملات هي ترتب الأثر المقصود من العقد على العقد.
فكل نكاح أباح التلذذ بالمنكوحة فهو صحيح وكل بيع أباح التصرف في المبيع فهو صحيح وهكذا.
وأما عند المتكلمين فضابط الصحة مطلقاً في العبادات وغيرها هي موافقة ذي الوجهين الشرعي منهما، وايضاحه أن كل فعل، عبادة كان
стр. 52
أو معاملة، لا يخلو من أحد أمرين، اما أن يكون موافقاً للوجه الشرعي أو مخالفاً له فان وقع موافقاً له فهو الصحيح والقائلون بهذا القول منهم من قال ان الموافقة للوجه الشرعي لابد أن تكون واقعة في نفس الأمر ولا يكفي فيها ظن المكلف الموافقة، ان كانت غير حاصلة في نفس الأمر، ومنهم من قال تكفي الموافقة في اعتقاد المكلف وان لم تحصل في نفس الأمر كمن صلى يظن أنه متطهر وهو محدث،
فالموافقة للوجه الشرعي حاصلة في ظنه لا في نفس الأمر فمن قال يكفي في ذلك اعتقاده قال صلاته صحيحة وهو قول بعض المتكلمين وبعضهم يقول هي صحيحة ولكن يجب قضاؤها وبعضهم يقول هي صحيحة لا يجب قضاؤها وعامة الفقهاء على أنها باطلة لاختلال شرط الصحة وهو الطهارة وقول المؤلف في هذا المبحث وهذا يبطل بالحج الفاسد فانه يؤمر باتمامه وهو فاسد، ايضاح مراده أن قول المتكلمين أن الصحة موافقة ذي الوجهين الشرعي منهما يقدح فيه بأن اتمام الحج الفاسد بعد فساده مأمور به فتتميمه موافق للوجه الشرعي ولو كانت الصحة موافقته
لكان صحيحاً مع أنه فاسد ويجاب عن هذا بأن الحج انما فسد لانه وقع مخالفاً للوجه الشرعي بارتكاب ما يفسده أولاً وهو واضح.
وأما الفساد فهو في اللغة ضد الصلاح وهو في اصطلاح الفقهاء يعرف من تعريف الصحة المتقدم فالفساد في اصطلاح الفقهاء في العبادات هو عدم الأجزاء وعدم اسقاط القضاء وكل عبادة فعلت على وجه لم يجزئ ولم يسقط القضاء فهي فاسدة.
وفي المعاملات عدم ترتب الأثر المقصود من العقد على العقد فكل نكاح لم يفد اباحة التلذذ بالمنكوحة فهو فاسد وكل شراء لم يفد اباحة التصرف في المشترى فهو فاسد، وعند المتكلمين فالفساد هو مخالفة
стр. 53
ذي الوجهين الشرعي منهما (والفاسد والباطل مترادفان) فمعناهما واحد عند الجمهور وخالف في ذلك الامام أبو حنيفة النعمان بن ثابت فجعل الباطل هو ما منع بوصفه وأصله كبيع الخنزير بالدم وجعل الفاسد هو ما شرع بأصله ومنع بوصفه كبيع الدرهم بالدرهمين فهو مشروع بأصله وهو بيع درهم بدرهم ممنوع بوصفه الذي هو الزيادة التي سببت
الربا ولذا لو حذف الدرهم الزائد عنده صح البيع في الدرهم الباقي بالدرهم على أصل بيع الدرهم بالدرهم يداً بيد قال في مراقي السعود:
وقابل الصحة بالبطلان ... وهو الفساد عند أهل الشان
وخالف النعمان فالفساد ... ما نهيه بالوصف يستفاد
وأما الاعادة فهي في اللغة تكرير الفعل مرة أخرى ومنه قول توبة بن لحمير:
من الخفرات البيض وجليسها ... اذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
وهي في اصطلاحهم فعل العبادة مرة أخرى اما لبطلانها مثلاً فتعاد في الوقت وبعده واما لغير ذلك كاعادتها لفضل الجماعة في الوقت.
واما القضاء في اللغة فيأتي لمعاني كثيرة، ومنها فعل العبادة كيف ما كان في وقتها أم لا.
لقوله تعالى: " فاذا قضيتم الصلاة.. الآية ": " فاذا قضيتم مناسككم.. الآية ": " فاذا قضيت الصلاة.. الآية "، وهو في اصطلاح أهل الأصول فعل جميع العبادة المؤقتة خارج الوقت المقدر لها وقولنا جميع العبادة لأنها ان فعل بعضها في الوقت كانت أداء على الأصح.
стр. 54
وأما الأداء في اللغة فهو اعطاء الحق لصاحب الحق ومنه قوله تعالى: " ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " وقوله تعالى: " ومن أهل الكتاب من ان تأمنه بقنطار يؤده إليك ".
والأداء في الاصطلاح هو ايقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعاً لمصلحة تشتمل عليها في الوقت وعرفه صاحب مراقي السعود بقوله:
فعل العبادة بوقت عينا ... شرعا لها باسم الأداء قرنا
وكونه بفعل بعض يحصل ... لعاضد النص هو المعول
وقيل ما في وقته أداء ... وما يكون خارجا قضاء
وعرف القضاء بقوله:
وضده القضا تداركان لما ... سبق الذي أوجبه قد علما
وعرف الوقت بقوله:
والوقت ما قدره من شرعا ... من زمن مضيقا موسعا
وعرف الاعادة بقوله:
وانتفيا في النفل والعبادة ... تكريرها لو خارجا اعادة
(تنبيه)
قد يجتمع الأداء والقضاء في العبادة كالصلوات الخمس فانها تؤدي في وقتها وتقضي بعد خروجه وقد ينفرد الأداء دون القضاء كصلاة الجمعة فانها تؤدى في وقتها ولا تقضى بعد خروج الوقت بل يجب قضاؤها ظهراً.
стр. 55
وقد ينفرد القضاء دون الأداء كما في صوم الحائض فان أداءه حرام وقضاأه واجب، وقد ينتفيان معاً في النوافل التي ليس لها أوقات معينة ولا يخفى أن القضاء في الاصطلاح انما هو فيما فات وقته المعين له وقد سبق له وجوب في وقته فما لم يعين له وقت لا يسمى قضاء كالزكاة اذا أخرها عن وقتها وكمن لزمه قضاء صلاة على الفور فأخرها فلا يقال ان صلاته بعد التأخير قضاء القضاء.
وهنا سؤال معروف وهو أن يقال الحائض في بعض أيام رمضان يجب عليها القضاء اجماعاً مع أن الوقت فات والصوم عليها حرام فكيف يجب قضاء ما فات وقته وهو حرام.
وكذلك يقال في الناسي والنائم لأنهما فات عليهما وقت الصلاة وهي غير واجبه عليهما، بدليل الاجماع على سقوط الاثم عنهما، وقد تكلمنا فيما سبق على مسألة الناسي والنائم بما يغني عن اعادة الكلام هنا، وأما الحائض فقد اختلف في اطلاق وجوب الصوم عليها زمن الحيبض وعدمه فأكثر العلماء على أن انعقاد السبب مع وجود المانع يكفي في اطلاق الوجوب على العبادة المنعقد
سببها المانع منها مانع. وقال بعضهم انعقاد سبب الوجوب مع وجوب المانع لا اثر له فلا يوصف بوجوب الا ما توفرت شروطه وانتفت موانعه وعلى قول الجمهور أنه يكفي في اطلاق اسم الوجوب عليه انعقاد سببه وان منع منه مانع فالفعل الثاني قضاء للاول وعلى قول من قال انه لا يطلق عليه اسم الوجوب فالفعل الثاني أداء بأمر جديد وليس قضاء للأول.
وفرق بعض العلماء بين النائم والناسي والمسافر وبين الحائض فقال الفعل في غير زمن الحيض كزمن النوم والنسيان والسفر يوصف بالوجوب ففعله الثاني قضاء لذلك الواجب.
стр. 56
وأما الحيض فالصوم فيه حرام فلا يمكن وصفه بالوجوب فصوم الحائض عدة من أيام أخر على هذا أداء بأمر جديد لا قضاء. وذكر ابن رشد في المقدمات ان هذا التفصيل هو الراجح عند المالكية وعليه درج في المراقي بقوله:
هل يجب الصوم على ذي العذر ... كحائض وممرض وسفر
وجوبه في غير الأول رجح ... وضعفه فيه لديهمو وضح
وهذا القول بأن صوم الحائض ما فاتها من رمضان اذا طهرت أداءاً لا قضاءاً هو الذي رد المؤلف بقوله:
وهذا فاسد لوجوه ثلاثة:
١ ـ ما روى عن عائشة ﵂ (كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ ثم نطهر فيأمرنا بقضاء الصيام ولا يأمرنا بقضاء الصلاة) .
٢ ـ أنه لا خلاف بين أهل العلم في أنهم ينوون القضاء.
٣ ـ ان العبادة متى أمر بها في وقت مخصوص فلم يجب فعلها فيه لا يجب بعده.. إلخ.
هذه الأوجه الثلاثة التي رد بها المؤلف ذلك:
القول الأول منها لا دليل فيه لأن اطلاق عائشة ﵂ اسم القضاء على صوم الحائض ما فاتها من رمضان لا دليل فيه لأن القضاء يطلق في اللغة على فعل العبادة مطلقاً في وقتها أم لا.
وتخصيصه بفعلها بعد خروج الوقت اصطلاح خاص للأصوليين والفقهاء فلا دليل قطعاً في لفظ عائشة المذكور لأن الاصطلاح المذكور حادث بعدها.
стр. 57
وأما الوجه الثاني وهو الاجماع على أنهم ينوون القضاء فهو الدليل الجيد المعتمد في محل النزاع مع أن بعض أهل العلم ناقش هذا الدليل قائلاً انه لم ينعقد فيه اجما عوانه لا مانع من قصد الحائض الأداء بأمر جديد.
وعليه أي الخلاق في ذلك درج في المراقي بقوله:
وهو في وجوب قصد للأداء ... أو ضده لقائل به بدا
والاكتفاء بانعقاد سبب الصوم مثلاً في وجوب القضاء وان منع من تمام الوجوب مانع كالحيض هو مارد المؤلف بقوله:
ولا يمتنع وجوب العبادة في الذمة بناء على وجود السبب مع تعذر فعلها كما في النائم والناسي وكما في المحدث تجب عليه الصلاة مع تعذر فعلها منه في الحال وديون الآدميين تجب على المعسر مع عجزه عن أدائها وهذا واضح كما ترى.
وأما العزيمة فقد عرفها المؤلف ﵀ في اللغة بقوله: العزيمة في اللسان القصد المؤكد ومنه قوله تعالى: "ولم نجد له عزما".
"فاذا عزمت فتوكل على الله" وعرفها أيضاً ي عرف حملة الشرع بقوله: فالعزيمة الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي وقيل ما لزم بايجاب الله تعالى والتعريف الأول أكمل.
لأن العزيمة تشمل الواجب والمندوب والحرام والمكروه وكثير من أهل الأصول يطلق اسم العزيمة على كل ما ليس برخصة كما سيأتي:
وأما الرخصة ، فهي، في اللغة النعومة واللين، ومنه قول عمرو بن كلثوم:
стр. 58
ونديا مثل حق العاج رخصاً ... ... حصاناً من أكف اللامسين
وعرفها المؤلف لغة بأنها السهولة واليسر، قال ومنه رخص السعر اذا تراجع وسهل الشراء، وعرفها في اصطلاح أهل الأصول بأنها استبحاة المحظور مع قيام الحاظر. وقيل ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، وهذا التعريف الأخير الذي حكاه بقيل أجود من الأول. ومثاله اباحة الميتة للمضطر، ففيها استباحة المحظور الذي هو أكل الميتة مع قيام الحاظر أي المانع الذي هو خبث الميتة الذي حرمت من أجله، وهو أيضاً ثابت على خلاف دليل شرعي هو " حرمت عليكم الميتة" لمعارض راجح كقوله: " فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم "
الآية. ونحوها من الآيات ومن أجود تعاريف الرخصة، ما عرفها به بعض أهل الأصول من أنها هي الحكم الشرعي الذي غير من صعوبة إلى سهولة لعذر اقتضى ذلك مع قياس سبب الحكم الأصلي، فخرج بالتغيير ما كان باقياً على حكمه الأصلي كالصلوات الخمس وخرج بالسهولة نحو حرمة الاصطياد بالاحرام بعد اباحته قبله لأنه تغيير من سهولة إلى صعوبة، وكذلك الحدود والتعازير، مع تكريم (١) الآدمي المقتضي للمنع من ذلك قبل وروده وخرج بالعذر، ما تغير من صعوبة إلى سهولة، لا لعذر كترك تجديد الوضوء لكل صلاة، فان التجديد لكل صلاة كان لازماً ثم غير إلى سهولة، هي أنه يصلي بوضوء
واحد كل الصلوات مالم يحدث إلا أن هذا التغيير لا يسمى رخصة اصطلاحاً لأنه لم يكن لعذر جديد، وخرج بقيام سبب الحكم الأصلي النسخ، كتغير ايجاب مصابرة المسلم الواحد العشرة من الكفار بمصابرة إثنين منهم فقط المنصوص في أخريات الأنفال، لأن الحكم الأصلي الذي
стр. 59
هو مصابرة العشرة كان في أول الإسلام لقلة المسلمين وكثرة
الكافرين وفي وقت النسخ زال هذا السبب بكثرة المسلمين، وكذلك ما لو قطع من انسان، بعض أعضاء الوضوء فان غسله يسقط عنه وجوبه ولا يسمى رخصة، لأن سبب الحكم الأصلي وجود محله وقد زال هنا بقطعه، وعرف صاحب المراقي الرخصة والعزيمة بقوله:
للعذر والرخصة حكم غيرا ... الى سهولة لعذر قررا
مع بقاء علة الأصلي ... وغيرها عزيمة النبي
وقد ذكر المؤلف ﵀ في هذا المبحث، أن اباحة التيمم ان كانت مع القدرة على استعمال الماء لمرض أو لزيادة ثمن سميت رخصة، وان كانت مع العجز عنه، كعدم الماء فلا يسمى رخصة لأن سبب الحكم الاصلي وهو وجود الماء زائل هنا، فلا تكليف بمعجوز عنه، وهو ظاهر والأكثرون على أن اباحة الميتة للمضطر رخصة وان وجب عليه الأكل لاحياء نفسه، لأن الرخصة قد تجب كما هنا وسميت رخصة لما فيها من التسهيل عليه بالاذن في أكل الميتة، ولم يضيق عليه بالزامه ترك الأكلمنها حتى يموت، وقيل من جهة التوسيع رخصة ومن جهة وجوب
الأكل عزيمة، والواحد بالشخص له جهتان كما تقدم وذكر المؤلف في هذا المبحث أيضاً ما خلاصته أن الصورة المخرجة من العموم بمخصص ان كانت توجد فيها علة الحكم العام تسمى رخصة، مثال ما وجدت فيها علة الحكم العام تسمى رخصة، وان كانت لا توجد فيها لا تسمى رخصة، مثال ما وجدت فيه علة العام من صور التخصيص.
مسألة بيع العرايا، لأن بيع الرطب بالتمر اليابس فيها داخل في عموم أدلة النهي عن المزابنة، وعلة تحريم المزابنة التي هي عدم تحقق المماثلة الواجب تحققها في التمر بالتمر اجماعاً، موجودة في الصورة المخرجة من
стр. 60
حكم العام بدليل خاص وهي اباحة بيع العرايا المذكور، ومثال مالم توجد فيه علة العام، اباحة رجوع الأب فيما وهب لابنه فانه داخل في عموم المنع في حديث الواهب، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه.
ولكنه خرج بدليل خاص، وعلة المنع غير موجودة في الأب لأن الأبوة تجعل له من التسلط على ما تحت يد الولد، مالم يكن لغيره وناقش بعض العلماء في الفرق بينهما، وقال لا فرق بين المسألتين.
باب أدلة الأحكام
قال المؤلف:
الأدلة جمع دليل وهو فعل بمعنى فاعل، من الدلالة وهي فهم أمر من أمر أو كون أمر بحيث يفهم منه أمر فهم أو لم يفهم وهي مثلثة الدال والفتح أفصح.
والدليل في اصطلاح أهل الأصول هو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
وعرفه في المراقي بقوله:
وما به للخبر الوصول ... بنظر صح هو الدليل
والنظر في الاصطلاح، الفكر ال موصل إلى علم أو غلبة ظن وعرفه في المراقي بقوله:
والنظر الموصل من فكر الى ... ظن بحكم أو لعلم مسجلا
والفكر في الاصطلاح، حركة النفس في المعقولات أما حركتها في المحسوسات فتخييل. قال المؤلف رحمه الله تعالى الأصول أربعة كتاب الله
стр. 61
وسنة رسوله ﷺ والاجماع ودليل العقل المبقي على النفي الأصلي ن واختلف في قول الصحابي (وشرع من قبلنا) وسنذكر ذلك ان شاء الله، كلامه واضح.
واعلم أن المؤلف ترك مسائل كثيرة يذكرها الأصوليون في كتاب الاستدلال كتحكيم العرف والقضاء بسد الذرائع إلى المحرمات وفتحها إلى الواجبات وغير ذلك.
قال المؤلف ﵀ وأصل الأحكام كلها من الله سبحانه، اذ قول الرسول اخبار عن الله بكذا معنى كلامه ظاهر وهو الحق، فالحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه الله فالحكم له وحده جل وعلا، كما قال "فالحكم لله العلي الكبير" وقال " ان الحكم الا الله" الآية، وقال "وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله" الآية، وقال "فان تنازعتم في شيء فردوه
إلى الله" الآية، ونحو ذلك من الآيات، فكل من يتبع تشريع غير الله، معتقداً أن جعله عوضاً من تشريع الله جائز، أو أفضل منه، فهو كافر باجماع المسلمين وقد دلت على ذلك آيات كثيرة كقوله " وان أطعتموهم انكم لمشركون" وقوله " ألم أعهد اليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين"ونحو ذلك من الآيات.
وقد دل القرآن على أن من يحكم غير شرع الله، يتعجب من دعواه الايمان، واذا كان زعمه أنه مؤمن، مع تحكيم غير الشرع أمراً يتعجب منه، دل ذلك على أن دعواه الايمان، دعوى كاذبة وبعيدة وعجيبة، وذلك قوله تعالى:
стр. 62
﴿ألم تر على الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل اليك وما انزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان ان يضلهم ضلالاً بعيداً) .
وقول المؤلف الاجماع يدل على السنة إلى آخره.
يأتي اضاحه في الاجماع.
(فصل)
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
وكتاب الله سبحانه هو كلامه وهو القرآن الذي نزل به جبريل ﵇ على النبي ﷺ إلى آخره، اعلم أن هذا القرآن المكتوب في المصاحف الذي أوله سورة الفاتحة وآخره سورة الناس هو كلام الله تعال بألفاظه ومعانيه كما صرح تعالى بأن هذا المسموع هو كلام الله في قوله: " وان أحد المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله" فصرح بأن هذا الذي يسمعه هذا المشرك المستجير، هو كلام الله، فالكلام كلام الباري والصوت صوت القاري، وما يزعمه بعضهم من تجريد كلامه جل وعلا عن الحروف والألفاظ وأن
التوراة هي القرآن والانجيل وأن القرآن هو التوراة والانجيل، وأن الاختلاف انما هو يحسب التعلق فقط، كل ذلك باطل ومخالف لما عليه أهل الحق، فالقرآن هو بألفاظه ومعانيه كلام الله، ومن ادعى أن تأليف لفظه من فعل مخلوق عبر عن تلك المعاني القائمة بالذات بعبارة من نفسه وأن الله خلق له علما بذلك، فعبر عنه من تلقاء نفسه، فهذا من أبطل الباطل ولو كان اللفظ لمخلوق لما جاز التعبد به، والتقرب إلى الله بالصلاة به، ولجاز حمل
стр. 63
المحدث له كسائر كلام المخلوقين إلى غير ذلك.
فالحاصل أن هذا القرآن المحفوظ في الصدور، المقروء بالألسنة المكتوب في المصاحف هو كلام الله تعالى بألفاظه ومعانيه تكلم به الله تعالى فسمعه جبريل منه وتكلم به جبريل فسمعه النبي ﷺ منه، وتكلم به النبي ﷺ فسمعته منه أمته وحفظته عنه، فالكلام كلام الباري والصوت صوت القارئ. قال الله تعالى: " فأجره حتى يسمع كلام الله " الآية. وعرف القرآن في المراقي بقوله:
لفظ منزل على محمد ... لأجل الاعجاز وللتعبد
فصرح بأن القرآن لفظ، أي مشتمل على تلك المعاني العظيمة لا مجرد المعنى القائم بالذات، المجرد عن الألفاظ والحروف، والكتاب هو القرآن بلا شك، ومن ادعى أنه غيره كما نسبه المؤلف لقوم، فان مقصودهم بالتغاير تغاير المفهوم لا تغاير المصدوق، فإن ما يصدق عليه القرآن، هو ما يصدق عليه الكتاب، وهو هذا القرآن العظيم وان كان التغاير حاصلا في مفهومهما، فان مفهوم الكتابة هو اتصاف هذا القرآن بأنه مكتوب ومفهوم القرآن هو اتصافه بأنه مقروء، والكتابة غير القراءة بلا شك، ولكن ذلك الموصوف بأنه مكتوب هو بعينه
الموصوف بأنه مقروء، فهو شيء واحد موصوف بصفتين مختلفتين ومن هنا ظهر لك أن القرآن والكتاب واحد، باعتبار المصدوق وان تغاير باعتبار المفهوم.
وكتاب الله هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلاً متواتراً ولا خلاف بين العلماء في قراءة السبعة، نافع المدني وابن كثير المكي وابن عامر الشامي وابي عمرو البصري وعاصم وحمزة والكسائي والكوفيين وكذلك على الصحيح قراءة الثلاثة: أبي جعفر وخلف ويعقوب. قال في المراقي:
стр. 64
مثل الثلاثة ورجح النظر ... تواتراً لها لدى من قد غبر
تواتر السبع عليه أجمعوا ... ولم يكن في الوحي حشو يقع
(تنبيه)
اختلف العلماء في البسملة، هل هي آية من أول كل سورة، أو من الفاتحة فقط، أو ليست آية مطلقاً. أما قوله في سورة النمل " انه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم" فهي آية من القرآن اجماعاً.
وأما سورة براءة فليست البسملة آية منها اجماعاً، واختلف فيما سوى هذا، فذكر بعض أهلا الاصول أن البسملة ليست من القرآن وقال قوم هي منه في الفاتحة فقط، وقيل هي آية من أول كل سورة وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى.
قال مقيده عفا الله عنه:
ومن أحسن ما قيل في ذلك، الجمع بين الأقوال، بأن البسملة في بعض القراءات كقراءة ابن كثير آية من القرآن وفي بعض القرآن ليست آية، ولا غرابة في هذا.
فقوله في سورة الحديد " فان الله هو الغني الحميد" لفظة (هو) من القرآن في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وليست من القرآن، في قراءة نافع وابن عامر لأنهما قرءا " فان الله الغني الحميد" وبعض المصاحف فيه لفظة (هو) وبعضها ليست فيه وقوله " فأينما تولوا فثم وجه الله فان الله واسع عليم". " وقالوا اتخذ الله ولداً" الآية.
стр. 65
فالواو من قوله (وقالوا) في هذه الآية من القرآن، على قراءة السبعة غير ابن عامر، وهي في قراءة ابن عامر ليست من القرآن لأنه قرأ " قالوا اتخذ الله ولداً" بغير واو وهي محذوفة في مصحف أهل الشام، وقس على هذا وبه تعرف أنه لا اشكال في كون البسملة آية في بعض الحروف دون بعض، وبذلك تتفق أقوال العلماء. وأشار إلى هذا الجمع في المراقي بقوله:
وليس للقرآن تعزى البسملة ... وكونها منه الخلاف (١) نقله
وبعضهم الى القرآن نظر ... وذاك للوفاق رأي معتبر
(فصل)
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
فأما ما نقل نقلاً غير متواتر كقراءة ابن مسعود ﵁ (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) فقد قال قوم ليس بحجة، لأنه خطأ قطعاً إلى آخره.
خلاصة ما ذكره في هذا الفصل، أن ما نقل أحاداً كقراءة (متتابعات) المذكورة لا يكون قرآناً وهذا لا خلاف فيه وهل يجوز الاحتجاج به مع الجزم بأنه ليس قرآناً. قال جمع من أهل الأصول: لا يجوز الاحتجاج به لأنه رواه على أنه قرآن، فلما بطل كونه قرآناً بطل الاحتجاج به من أصله.
وقال قوم: يجوز الاحتجاج به كأخبار الآحاد، لأنه لا يخرج عن
стр. 66
كونه مسموعاً من النبي ﷺ ومروياً عنه، وهذا هو اختيار المؤلف، وعليه فلا مانع من أخذ لزوم التتابع في صوم كفارة اليمين من قراءة ابن مسعود متتابعات وان جزمنا أنها ليست من القرآن.
(تنبيه)
الأشياء التي لابدَ منها في ثبوت القرآن ثلاثة عند بعضهم. ومظمها ابن الجزري بقوله:
وكل ما وافق وجها نحوى ... وكان للرسم احتمالاً يحوي
وصح اسناداً هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان
(فصل)
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
والقرآن يشتمل على الحقيقة والمجاز، وهو اللفظ المستعمل في غير موضعه الأصلي، على وجه يصح كقوله:
(واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) ، (واسأل القرية) (جداراً يريد ان ينقض) ، (أو جاء أحد منكم من الغائط) ، (وجزاء سيئة سيئة مثلها) ، (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ، (ان الذين
стр. 67
يؤذون الله) أي أولياء الله، وذلك كله مجاز لأنه استعمال اللفظ في غير موضعه ومن منع فقد كابر ومن سلم وقال لا أسميه مجازاً فهو نزاع في عبارة لا فائدة في المشاحة فيه، معنى كلامه واضح ظاهر.
واعلم أن ممن منع القول بالمجاز في القرآن ابن خويز منداد من المالكية وأبا الحسن الخرزي البغدادي الحنبلي وأبا عبد الله بن حامد وأبا الفضل التميمي وداوود بن علي وابنه أبا بكر ومنذر بن سعيد البلوطي وألف فيه مصنفاً، وقد بينا أدلة منعه في القرآن في رسالتنا المسماة منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والاعجاز ومن أوضح الادلة في ذلك أن جميع القائلين بالمجاز متفقون على أن من الفوارق بينه وبين الحقيقة أن المجاز يجوز نفيه باعتبار الحقيقة، دون الحقيقة فلا يجوز نفيها، فتقول لمن قال رأيت أسداً على فرسه، هو
ليس بأسد وانما هو رجل شجاع، والقول في القرآن بالمجاز يلزم منه أن في القرآن ما يجوز نفيه، وهو باطل قطعاً، وبهذا الباطل توصل المعطلون إلى نفي صفات الكمال والجلال الثابتة لله تعالى في كتابه وسنة نبيه ﷺ ، بدعوى أنها مجاز كقولهم في استوى استولى. وقس على ذلك غيره، من نفيهم للصفات عن طريق المجاز. أما الآيات التي ذكرها المؤلف فلا يتعين في شيء منها أنه مجاز.
أما قوله: " واخفض لهما جناح الذل " فليس المراد به أن للذل جناحاً وان كان كلام العلامة ابن القيم ﵀ يقتضيه، وظن أبو تمام أنه معنى الآية لما قيل له صب في هذا الاناء من ماء الملام يعني قوله:
لا تسقني ماء الملام فانني ... صب قد استعذبت مات بكائي
فقال هات ريشة من جناح الذل، حتى أصب لك من ماء الملام، بل المراد بالآية الكريمة كما يدل عليه كلام جماعة أهل التفسير أنها من اضافة
стр. 68
الموصوف إلى صفته، أي واخفض لهما جناحك الذليل لهما من الرحمة، ونظيره من كلام العرب قولهم حاتم الجود، أي الموصوف
بالجود ووصف الجناح بالذل مع أنه صفة الانسان لأن البطش يظهر برفع الجناح، والتواضع واللين يظهر بخفضه، فخفضه كناية عن لين الجانب كما قال:
وأنت الشهير بخفض الجناح ... فلا تك برفعه أجدلا
وأنت الشهير بخفض الجناح ... فلا تك برفعه أجدلا
ونظيره في القرآن " مطر السوء" وعذاب الهون" أي المطر الموصوف بأنه يسوء من وقع عليه، والعذاب الموصوف بوقوع الهون على من نزل به، واضافة صفة الانسان لبعض أجزائه أسلوب من أساليب اللغة العربية كما قال هنا جناح الذل، مع أن الذليل صاحب الجناح، ونظيره قوله تعالى: " ناصية كاذبة
خاطئة " والمراد صاحب الناصية التي هي مقدم شعر الرأس، وقوله تعالى " وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة " مع أن تلك الصفات لأصحاب الوجوه وقوله تعالى " واسأل القرية" فيه حذف مضاف، وحذف المضاف واقامة المضاف إليه مقامه، أسلوب من أساليب اللغة معروف، عقده في الخلاصة بقوله:
وما يلي المضاف يأتي خلفا ... عنه في الاعراب إذا ما حذفا
والمضاف المحذوف مدلول عليه بدلالة الاقتضاء، وهي عند جماهير الأصوليين، دلالة الالتزام وليست من المجاز عندهم، كما هو معروف في محله، وقوله "جداراً يريد أن ينقض " لا مجاز فيه، اذ لا مانع من حمل الارادة في الآية على حقيقتها لان للجمادات ارادات حقيقية يعلمها الله جل وعلا، ونحن لا نعلمها ويوضح ذلك حنين الجذع الذي كان يخطب عليه ﷺ لما تحول عنه إلى المنبر، وذلك الحنين ناشئ عن ارادة يعلمها الله تعالى وقد ثبت في صحيح
стр. 69
مسلم أن النبي ﷺ قال اني لأعرف حجراً كان
يسلم علي في مكة وسلامه عليه، عن ارادة يعلمها الله ونحن لا نعلمها كما صرح تعالى بذلك في قوله جل وعلا " وان من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " فصرح بأننا لا نفقهه، وأمثال ذلك كثيرة في الكتاب والسنة، وكذلك لا مانع من كون الارادة تطلق في اللغة على معناها المعروف والسنة، وكذلك لا مانع من كون الارادة تطلق في اللغة على معناها المعروف، وعلى مقاربة الشيء والميل اليه فبكون معنى ارادة الجدار، ميله إلى السقوط وقربه منه، وهذا أسلوب عربي معروف، ومنه قول الراعي:
في مهمه قلت به هاماتها ... قلق الفؤس اذا أردن نصولا
وقول الآخر:
يريد الرمح صدر أبي براء ... ويعدل عن دماء بني عقيل
وكذلك قوله " أو جاء أحد منكم من الغائط" لامجاز فيه، بل اطلاق اسم المحل على الحال فيه وعكسه، كلاهما أسلوب معروف من أساليب اللغة العربية، وكلاهما حقيقة في محله، كما أقروا بنظيره في أن نسخ العرف للحقيقة اللغوية لا يمنع من اطلاق اسم الحقيقة عليه فيسمونه حقيقة عرفية، وكذلك قوله تعالى " وجزاء سيئة سيئة مثلها " وقوله " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه " الآية.
لا مجاز فيه، وبذلك اعترف أكثر علماء البلاغة، حيث عدوا هذا النوع من البديع وسموه باسم المشاكلة، ومعلوم أن المجاز من فن البيان، لا من فن البديع، فأكثرهم قالوا ان المشاكلة من البديع كقوله:
قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخة ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصاً
стр. 70
والحق أن هذا أسلوب من أساليب اللغة، ومنه الآيتان، نعم زعم قوم من علماء البلاغة أن المشاكلة من علاقات المجاز المرسل، فسموا ما استعمل في غير معناه عندهم للمشاكلة مجازاً، وأما تفسيره " يؤذون الله" بقوله يؤذون أولياءه فليس بصحيح، بل معنى ايذاءهم
الله كفرهم به وجعلهم له الأولاد والشركاء، وتكذيبهم رسله. ويوضح ذلك حديث (ليس أحد اصبر على أذى يسمعه " من الله انهم يدعون له ولداً وأنه ليعافيهم ويرزقهم) ، وأكثر المتأخرين على أن في الآيات التي ذكرها المؤلف مجازاً، كما هو معروف، وقد بينا منع القول بالمجاز في القرآن في رسالتنا التي ألفناها في ذلك، وقول المؤلف في تعريف المجاز، وهو اللفظ المستعمل في غير موضعه الاصلي على وجه يصح، يعني بقوله على وجه يصح أن تكون هناك علاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي، وأن تكون ثم أيضاً قرينة صارفة عن قصد
المعنى الأصلي، وتعريفه للمجاز لا يدخل فيه الا اثنان من أنواع المجاز الأربعة، وهما المجاز المفرد وهو عندهم الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة مع قرينة صارفة عن قصد المعنى الأصلي، والعلاقة ان كانت المشابهة كقولك رأيت أسداً يرمي سمي هذا النوع من المجاز استعارة، وحد الاستعارة مجاز علاقته المشابهة، وان كانت علاقته غير المشابهة كالسببية والمسببية ونحو ذلك سمي مجازاً مفرداً مرسلاً كقول الشاعر:
أكلت دماً ان لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
أطلق الدم وأراد الدية مجازاً مرسلاً علاقته السببية لأن الدية المعبر عنها بالدم سببها الدم وهي مسبب له.
الثاني من النوعين الذين دخلا في كلامه، المجاز المركب وضابطه أن يستعمل كلام مفيد في معنى كلام مفيد آخر، لعلاقة بينهما ولا نظر فيه إلى المفردات، فقد تكون حقائق لغوية، وقد تكون مجازات مفردة، وقد
стр. 71
يكون بعضها مجازاً وبعضها حقيقة، وعلاقته ان كانت المشابهة فهو استعارة تمثيلية، ومنها جميع الأمثال ال
سائرة والمثل يحكي بلفظه الأول، ومثاله قولك لمن فرط في أمر وقت امكان فرصته، ثم بعد ان فات امكان
فرصته جاء يطلبه (الصيف ضيعت اللبن) وأصل المثل أن إمرأة من تميم خطبها رجلان أحدهما كبير في السن وله مواشي كثيرة، والثاني شاب وماشيته قليلة، فاختارت الشاب، وكانت الخطبة زمن الصيف، ثم طلبت بعد ذلك من الكبير الذي ردت خطبته لبناً فقال لها: (الصيف ضيعت اللبن) وهذا الاستعمال لعلاقة المشابهة، بين مجموع الصورتين وان كانت علاقته غير المشابهة، سمي مجازاً مركباً مرسلاً كقوله:
... هواي مع الركب اليمانيين مصعد
... ... ... ... جنيب وجثماني بمكة موثق
فالبيت كلام خبري أريد به انشاء التحسر والتأسف لان ما أخبر به عن نفسه هو سبب التحصر والتأسف، وهو مجاز مركب مرسل، علاقته السببية لانه لم يقصد بهذا الخبر فائدة الخبر، ولا لازم فائدته، والنوعان اللذان لم يدخلا في كلامه هما المجاز العقلي ومجاز النقص والزيادة.
أما المجاز العقلي عندهم فالتجوز فيه في الاسناد خاصة لا في لفظ المسند إليه ولا المسند وسواء فيه كانا حقيقتين لغويتين أو مجازين مفردين أو أحدهما حقيقة والثاني مجازاً لأن التجوز فيه في خصوص الاسناد كقول المؤمن (أنبت الربيع البقل) فالربيع
وانبات البقل كلاهما مستعمل في حقيقته، والتجوز انما هو في اسناد الانبات إلى الربيع وهو لله جل وعلا عند المتكلم وكذلك هو في الواقع وأنكر المجاز العقلي السكاكي ورده إلى الاستعارة المكنية، وأما مجاز النقص عندهم (واسأل القرية)
стр. 72
وهذا المثال ذكره المؤلف مع أنه لم يدخل في تعريفه للمجاز، لأن جميع ألفاظه مستعملة فيما وضعت له، والتجوز من جهة الحذف المغير للاعراب، ومثال مجاز الزيادة عندهم ليس كمثله شيء وقد بينا أنه لا ينبغي للمسلم أن يقول ان في كتاب الله مجازاً والتحقيق أن اللغة العربية لا مجاز فيها
وانما هي أساليب عربية تكلمت بجميعها العرب، ولو كلفنا من قال بالوضع للمعنى الحقيقي أولاً ثم للمعنى المجازي ثانياً بالدليل على ذلك لعجز عن اثبات ذلك عجزاً لاشك فيه.
قال المؤلف ﵀:
قال القاضي ليس في القرآن لفظ بغير العربية إلى آخره، خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن العلماء اختلفوا هل في القرآن ألفاظ أصلها أعجمية ولكن عربت أو كله عربي، فحجة من قال كله عربي الآيات الدالة على ذلك كقوله: "انا جعلناه قرآناً عربياً" الآية.
وقوله " وهذا لسان عربي مبين" وقوله " ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي، ونحو ذلك من الآيات وحجة من قال فيه عجمي معرب ادعاءه الوقوع قال: كناشئة الليل أصلها حبشية و (مشكاة) أصلها هندية (واستبرق) أصلها فارسية وقال هذا الوقوع لا يعارض الآيات المذكورة لأن اشتمال القرآن الكريم على كلمات قليلة عجمية لا يخرجه عن كونه عربياً أو لأن العرب لما نطقت به وعربته صار عربياً.
قال مقيده عفا الله عنه:
أظهر القولين عندي ما اختار بعض أهل العلم، كابن جرير من أن القرآن ليس فيه لفظ من غير العربية وأن بعض كلماته في النادر لا مانع منه. والدليل على هذا القول أن دعوى أن أصله عجمي ثم عرب معارضة
стр. 73
بمثلها وهو امكان كونه أصله عربياً ثم عجم في اللغات الأخرى.
(تنبيه)
أما الأعلام الأعجمية فهي في القرآن بلا خلاف لأن العلم يحكي بلفظه في جميع اللغات.
المحكم والمتشابه
قال المؤلف ﵀: ـ
وفي كتاب الله محكم ومتشابه إلى آخره اعلم أن بعض الآيات دل على كون القرآن كله محكماً كقوله تعالى " كتاب أحكمت آياته " الآية وغيرها من الآيات وبعضها دل على كونه كله متشابهاً وهو قوله "كتاباً متشابهاً " الآية. ولا معارضة بين الآيات، لأن معنى كونه كله محكماً هو اتصاف جميعه بالاحكام الذي هو الاتقان لأن جميعه في غاية الاتقان في ألفاظه ومعانيه، أحكامه عدل وأخباره صدق، وهو في غاية الفصاحة والاعجاز والسلامة من جميع العيوب، ومعنى كونه كله متشابهاً ان آياته يشبه بعضها بعضاً في الاعجاز والصدق والعدل
والسلامة من جميع العيوب، ومعنى أن منه آيات محكمات وأخر متشابهات، اختلف يه اختلافاً مبنياً على الاختلاف في معنى الواو في قوله: " والراسخون في
стр. 74
العلم " فمن قال ان الواو استئنافية والراسخون مبتدأ خبره جملة " يقولون آمنا به " والوقف تام على قوله الا الله، فانه يفسر المتشابه بأنه ما استأثر الله بعلمه، وعلى هذا القول أكثر أهل العلم وعليه درجة صاحب المراقي بقوله:
وما به استأثر علم الخالق ... فذا تشابه عليه أطلق
وهو على هذا القول واضح لأن الضمير في قوله "ومايعلم تأويله إلا الله" راجع إلى ما تشابه منه، وهو بعينه المتشابه ومن قال بأن الواو عاطفة فانه فسر المتشابه بما يعلمه الراسخون في العلم دون غيرهم كالآيات التي ظاهرها التعارض وهي غير متعارضة في نفس الأمر كقوله: " ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون " وقوله " فيومئذ لا يسألا عن ذنبه انس ولا جان" مع قوله "فوربك لنسألنهن أجمعين " الآية. وقوله " فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين " ونحو ذلك من الآيات.
وقول من قال ان المتشابه القصص والأمثال، فسر المتشابه بما يشبه بعضه بعضاً لان قصص الامم الماضية يشبه بعضه بعضاً وكذلك الأمثال ورجح المؤلف ﵀ ان المتشابه ما استأثر الله بعلمه، وان الوقف تام على قول الا الله، أي وما يعلم تأويله الا الله وحده، بقرائن في الآية، فمن القرائن المعنوية اللفظية أنه لو أراد عطف الراسخين لقال ويقولون بالواو، ومن القرائن المعنوية أنه ذم مبتغى التأويل ولو كان ذلك معلوماً للراسخين لكان مبتغيه ممدوحاً لا مذموماً ولأن قولهم آمنا به يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم
يقفوا على معناه لا سيما اذا اتبعوه بقولهم كل من عند ربنا فذكرهم ربهم هنا يعطي الثقة به والتسليم لأمره وأنه من عنده كالمحكم ولأن لفظة
стр. 75
(أما) في قوله " فأما الذين في قلوبهم زيغ" لتفصيل الجمل، فذكره لها في الذين في قلوبهم زيغ مع وصفه اياهم باتباع المتشابه وابتغاء تأويله، يدل على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة وهم الراسخون، ولو كانوا يعلمون تأويله لم يخالفوا القسم الأول بابتغاء التأويل.
قال مقيده عفا الله عنه:
مراده أن قوله " فأما الذين في قلوبهم زيغ" الآية يفهم منه ما مضمونه وأما الراسخون في العلم فلا يتبعون ما تشابه منه ولا يبتغون تأويله.
وقول المؤلف ﵀ في هذا المبحث والصحيح أن المتشابه ما ورد في صفات الله مما يجب الايمان به ويحرم التعرض لتأويله كقوله تعالى " الرحمن على العرش استوى " إلى آخره لا يخلو من نظر، لأن آيات الصفات لا يطلق عليها اسم المتشابه بهذا المعنى من غير تفصيل، لأن معناها معلوم في اللغة العربية وليس متشابهاً، ولكن كيفية اتصافه جل وعلا بها ليست معلومة للخلق،
وإذا فسرنا المتشابه بأنه هو ما استأثر الله بعلمه دون خلقه كانت كيفية لاتصاف داخلة فيه لا نفس الصفة، وايضاحه أن الاستوى إذا عدى بعلى معناه في لغة العرب الارتفاع والاعتدال ولكن كيفية اتصافه جل وعلا بهذا المعنى المعروف عند العرب لا يعلمها إلا الله جل وعلا، كما أوضح هذا التفصيل أمام دار الهجرة مالك ابن أنس تغمده الله برحمته، بقوله الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول فقوله ﵀ الاستواء غير مجهول يوضح أن أصل صفة الاستواء ليست من المتشابه وقوله والكيف غير معقول، يبين أن كيفية الاتصاف تدخل في
المتشابه بناء على تفسيره بما استأثر الله تعالى بعلمه كما تقدم، وهذا التفصيل لابد منه خلافاً لظاهر كلام المؤلف ﵀، وقد بسطنا الكلام بايضاح