← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9885

مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر- ط مكتبة العلوم والحكم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (424 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

يتخلف فيه الحكم بتخلف الحكمة نظراً إلى إناطة الحكم بالمظنة وإلى هذا الخلاف أشار في مراقي السعود بقوله: وفي ثبوت الحكم عند الانتفا ... ... ... للظن والنفي خلاف عرفا وقال في شرحه لمراقي السعود المسمى بنشر البنود: لكن الفروع المبنية على هذه القاعدة، منها ما رجح فيه ثبوت الحكم كاستبراء الصغيرة، فان حكمة الاستبراء تحقق براءة الرحم وهي متحققة بدون الاستبراء وكمن مسكنه على البحر ونزل منه في سفيتة قطعت به مسافة القصر في لحظة فإنه يجوز له القصر في سفره هذا، ومنها ما يرجح فيه انتفاء الحكم لانتفاء حكمته قطعاً الغاء للمظنة من أصلها أو بدليل مخصوص اقتضى الغاء المظنة فيها، وعلى هذا يتخرج كثير من المسائل كشرع الاستنجاء من حصاة لا بلل معها والغسل من موضع الولد جافاً، وعدم نقض الوضوء إذا لم تجد اللذة في اللمس بباطن الكف أو الأصابع، والنقض بالقبلة على الفم إذا لم توجد اللذة. هـ منه. ومن المسائل التي تتخرج على القاعدة المذكورة ما لو قال لأمرئته أنت طالق مع آخر جزء من الحيض، فهذا طلاق صادف الحيض وهو علة لتحريم الطلاق، ولكن يستعقب العدة فلا تطويل فيه فالحكمة الموجبة للمنع التي هي التطويل منتفية هنا، فمنهم من نظر إلى المعنى وقال وهو سني، ومنهم من نظر إلى مظنة التطويل وهو الحيض فقال وهو بدعي، وكذلك لو قال لها أنت طالق مع آخر جزء من الطهر فعلى أن هذه المسائل المذكورة وأمثالها الكثيرة ينتفي فيها الحكم لانتفاء حكمته فتخلف الحكمة عن الحكم فيما باق مع انتفاء حكمته. فعلى قول من يقول أن هذا النوع من الكسر غير قادح فلا اشكال وعلى قول من يقول انه قادح فالجواب عنده أن هذه

стр. 352

المسائل علق الحكم فيها بمظنة وجود الحكمة والمعروف أن المعلل بالمظان لا يتخلف الحكم فيه بتخلف الحكمة لأن الحكم فيها منوط بالمظنة وأشار بعض أهل العلم إلى هذا القول: ان علل الحكم بعلة غلب ... ... ... ... وجودها اكتفى بذا عن الطلب لها بكل صورة. . الخ. . وعليه فالمانع من القدح بهذا النوع من الكسر اناطة الحكم بمظنة الحكمة لا بنفس الحكمة، وذلك لأن نفس الحكمة ربما لا يمكن انضباطها، فلو علقنا حكم قصر الصلاة واباحة الفطر في رمضان مثلا بحصول المشقة لم تنضبط هذه الحكمة لاختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال فأنيط بسفر أربعة برد مثلا لأنه مظنة المشقة، ومن هنا لم ينظر الا للمظنة عند من يقول بذلك. ومن أنواع الكسر ابطال المعترض جزءاً من المعنى المعلل به، ونقضه ما بقي من أجزاء ذلك المعنى المعلل به فعلم أنه إنما يكون في العلة المركبة من وصفين فأكثر. والقدح به مقيد بأن يعجز المستدل عن الاتيان ببدل من الوصف الذي أبطله المعترض، فان ذكر بدلا يصلح أن يكون علة للحكم ألغى الكسر واستقام الدليل. وابطال الجزء بأن يبين المعترض أنه ملغي بوجود الحكم عند انتفائه. والمراد بنقض الباقي عدم تأثيره في الحكم وله صورتان: الصورة الأولى: أن يأتي المستدل ببدل الوصف المسقط عن الاعتبار كما يقال في وجوب أداء صلاة الخوف هي صلاة يجب قضاؤها لو لم تفعل فيجب أداؤها قياساً على صلاة الأمن، فإنها كما يج قضاؤها لو لم تفعل يجب أداؤها. فوجوب القضاء هو العلة، ووجوب الأداء هو الحكم المعلل

стр. 353

بتلك العلة. فيعترض بأن خصوص الصلاة بوصف عام هو العبادة بأن يقول: عبادة يجب قضاؤها لو لم تفعل. . الخ. . فينقض عليه المعترض أيضاً هذا البدل بصوم الحائض، فانه عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها بل يحرم. والصورة الثانية: أن لا يبدل المستدل الوصف الذي أبطله المعترض فلا يبقى للمستدل علة في المثال المذكور الا قوله يجب قضاؤها فينقضه المعترض بأن يقول ليس كل ما يجب قضاؤه يجب أداؤه بدليل صوم الحائض في رمضان فنها يجب عليها قضاؤه ولا يجب عليها أداؤه بل يحرم. هـ. فعلم مما ذكرنا أن الكسر يصدق بأنواع: منها ما لا ينبغي أن يختلف في أنه قادح. ومنها ما اختلف فيه والأظهر في بعض صوره عدم القدح: وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى أنه قادح مع ذكر بعض صوره بقوله في مبحث القوادح: والكسر قادح ومنه ذكرا ... ... ... ... تخلف الحكمة عنه من درى ومنه ابطال لجزء والحيل ... ... ... ... ضاقت عليه في المجئ بالبدل وضابط الكسر المنطبق على جميع جزئياته أنه اظهار خلل في بعض العلة فيصدق بوجود حكمتها بدونها، وبوجودها دون حكمتها، وبابطال بعض أجزائها مع العجز عن بدل منه صالح. وقد تقدم ايضاح ذلك كله بأمثلته. وبما ذكرنا تعرف ما في كلام المؤلف ﵀ كما أشرنا إليه. التنبيه الثاني: أظهر قولي أهل الأصول عندي وجوب الاحتراز في الدليل على صورة

стр. 354

النقض بأن يذكر في دليله ما تخرج به الصورة التي يرد عليها النقيض كأن يقول في علة القصاص " قتل عمد عدوان واقع من غير والد لولده فيجب فيه القصاص " فقوله واقع من غير والد لولده احترز به عن صورة النقض، فلو لم يحترز بذلك عنها لقال المعترض هذه العلة منتقضة بقتل الوالد ولده. فهو قتل عمد عدوان ولا قصاص فيه، وهكذا في الأمثلة السابقة خلافاً لمن قال من الأصوليين لا يجب الاحتراز المذكور بل يستحب. ... وقال المؤلف ﵀ في هذا المبحث والأليق وجوب الاحتراز فانه أقرب إلى الضبط وأجمع لنشر الكلام وهو هين وان اختار وجوبه غير واحد، واختار ابن الحاجب في مختصره الأصولي أن الاحتراز المذكور ليس بلازم وفيه أقوال وتفصيل معروف عند الأصوليين أشار إليه ابن الحاجب، وقال صاحب جمع الجوامع ويجب الاحتراز منه على المناظر مطلقاً، وعلى الناظر فيما اشتهر من المستثنيات فصار كالمذكور، وقيل يجب مطلقاً وقيل إلا في المستثنيات (مطلقاً) انتهى محل الغرض منه ومراده بالمستثنيات العرايا ونحوها. ... والذين لم يوجبوا الاحتراز المذكور وجهوا ذلك بأن النقض سؤال خارج عن القياس فلا يجب إدخاله في صلب القياس بل إذا أورده المعترض لزم جوابه بما يدفعه كسائر الأسئلة ولأن فيه تنبيهاً للمعترض على موضع النقض وقد يدعي أن الوصف الذي به الاحتراز طردي وذلك يؤدي إلى انتشار الكلام وهو خلاف المطلوب من المناظرة. ... وأما الذين أوجبوا الاحتراز المذكور فقد وجهوا ذلك بأن فيه حسم مادة الشغب وانتشار الكلام وسداً لبابه فكان واجباً لما فيه من صيانة الكلام عن الانتشار. ... وهذا الأخير أظهر عندنا وقد أجاب القائلون به بأن سؤال النقض وان

стр. 355

كان خارجاً عن القياس فهو مصحح له ومانع من اظهار خلل النقض فيه. ... وأجابوا من كونه فيه تنبيه للمعترض على موضع النقض بأن ذلك لا يمنع وجوب الاحتراز لأن المناظرة المشروعة مبنية على العدل والانصاف وقصد ظهور الحق لا على المشاغبة وقصد غلبة الخصم. التنبيه الثالث: ... قد قدمنا أن من أجوبة المستدل عن النقض منعه وجود الوصف الذي هو العلة في صورة النقض، فلو أراد المعترض اثبات وجوده بالدليل فقد اختلف أهل الأصول هل يمكن من ذلك إلى أربعة مذاهب. الأول: وبه قال الأكثر أنه ليس له ذلك لأن فيه نقل الكلام إلى مسألة أخرى وبذلك يصير المعترض مستدلاً والمستدل معترضاً، وكل ذلك على خلاف ما تقتضيه طريقة الجدل. الثاني: أن له ذلك لأنه متمم للنقض. الثالث: وبه قال الآمدي أن تعين ذلك طريقاً للمعترض في دفع كلام المستدل وجب قبوله وإن أمكن القدح بطريق أخرى هي أقرب للمقصود فلا يقبل منه ذلك. الرابع: وحكاه ابن الحاجب واختاره بعضهم هو أن العلة إن كانت حكماً شرعياً لم يقبل منه ذلك لما فيه من الانتشار، وان كانت حكماً عرفياً أو عقلياً فله ذلك لقرب المأخذ في العقليات والعرفيات دون الشرعيات، ولم يذكر صاحب جمع الجوامع هذا القول الأخير لأنه لم يره لغير ابن الحاجب كما ذكره عنه المحلى.

стр. 356

التنبيه الرابع: ... قد قدمنا أن من أجوبة النقض منع المستدل تخلف الحكم، فان منعه وقال بل الحكم موجود فلا نقض، فأراد المعترض إقامة الدليل على عدم الحكم، فقال بعضهم له ذلك إذ به يحصل مطلوبة وهو النقض بتخلف الحكم عن الوصف. وقال بعضهم له ذلك إن لم يكن طريق آخر أولى بالقدح نظير ما تقدم، والقول بمنعه من الاستدلال مطلقاً صححه صاحب جمع الجوامع، وقال صاحب الضياء اللامع وعزاه ولي الدين لأكثر النظار. التنبيه الخامس: ... لو أقام المستدل الدليل على وجود العلة في محل التعليل، وذلك الدليل موجود في محل النقض فنقض المعترض العلة، فقال المستدل لا نسلم وجوده في محل النقض، فقال المعترض ينتقض دليلك، لوجوده في محل النقض دون مدلوله وهو وجود العلة فاختلف هل يسمع منه ذلك أو لا فقال الجدليون: لا يسمع واختاره صاحب جمع الجوامع وغير واحد لأنه انتقال. وقال بعضهم يسمع منه ذلك ومثل له بعضهم بقول الحنفي يصح صوم رمضان بنية قبل الزوال للامساك والنية، فينقضه الشافعي بالنية بعد الزوال فانها لا تكفي فيمنع الحنفي وجود العلة في هذه الصورة، فيقول الشافعي ما أقمته دليلاً على وجود العلة في هذه الصورة، فيقول الشافعي ما أقمته دليلاً على وجود العلة في محل التعليل دال على وجودها في صورة النقض أيضاً. أما لو قال المعترض يلزمك أحد الأمرين أما نقض العلة أو نقض دليلها وأياً ما كان فلا تثبت العلية كان مسموعاً يفتقر إلى الجواب ولا نزاع في ذلك.

стр. 357

السؤال الثامن: القلب -: وضابطه أن يثبت المعترض نقيض حكم المستدل بعين دليل المستدل فيقلب دليله حجة عليه لا له وهو قسمان: ... أحدهما ما صحح فيه المعترض مذهبه وذلك التصحيح فيه ابطال مذهب خصمه سواء كان مذهب الخصم المستدل مصرحاً به في دليله أو لا. ... ومثال ما كان مصرحاً به فيه: قول الشافعي في بيع الفضولي، عقد في حق لغير بلا ولاية عليه فلا يصح قياساً على شراء الفضول فانه لا يصح لمن سماه، فيقول المعترض كالمالكي والحنفي: عقد فيصح كشراء الفضول فانه يصح لمن سماه إذا رضي المسمى له، وإلا لزم الفضولي. ... ومثال غير المصرح فيه: قول من يشترط الصوم في الاعتكاف كالمالكي " لبث فلا يكون بنفسه قربة كوقوف عرفة " أي فانه قربة بضميمة الإحرام أليه، فكذلك الاعتكاف إنما يكون قربة بضميمة عباده إليه وهي الصوم في الاعتكاف المتنازع فيه، ومذهبه وهو اشتراط الصوم في الاعتكاف غير مصرح به في دليله، فيقول المعترض كالشافعي: الاعتكاف لبث فلا يشترط فيه الصوم كوقوف عرفة، أي فانه لا يشترط فيه الصوم. ... القسم الثاني من قسمي القلب: هو ما كان لابطال مذهب الخصم من غير تعرض لتصحيح مذهب المعترض سواء كان الابطال المذكور مدلولاًَ عليه بالمطابقة أو الالتزام. ... مثال الأول: قول الحنفي في مسح الرأس: عضو وضوء فلا يكفي في مسحه أقل ما يطلق عليه اسم المسح قياساً على الوجه فاذن لا يكفي في غسله ذلك فيقول المعترض كالشافعي ك فلا يقدر بالربع كالوجه لا يتقدر بالربع.

стр. 358

.. ومثال الثاني ك وهو ما أبطل فيه مذهب المستدل بالالتزام قول الحنفي في جواز بيع الغائب: عقد معاوضة يصح مع الجهل بالعوض كالنكاح يصح مع الجهل بالزوجة أي عدم رؤيتها. فيقول كالمالكي: فلا يثبت خيار الرؤية كالنكاح. فقد أبطل مذهب الحنفي بلالتزام لأن ثبوت خيار الرؤية لازم عنده شرطاً للصحة، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم وعرف في المراقي القلب بنوعيه بقوله: ... والقلب اثبات الذي حكم نقض ... ... بالوصف والقدح به لا يعترض ... فمنه ما صحح رأي المعترض ... ... مع أن رأي الخصم فيه منتقض ... ومنه ما يبطل بالتزام ... ... ... أو الطباق رأي ذي الخصام ... ولم يذكر المؤلف قلب المساواة ولذا تركناه، وأعلم أن القلب نوع من المعارضة إلا أنه نزع خاص لأن المعترض فيه يعارض المستدل بنفس دليله كما تقدمت أمثلته، والجواب عنه كالجواب عن المعارضة إلا أن يستثني من ذلك منع وجود الوصف فلا يصح في القلب لاتفاق الخصمين عليه كما يتضح من الأمثلة السابقة. السؤال التاسع: المعارضة - وهي قسمان: معارضة في الأصل. ومعارضة في الفرع. وأحسنها المعارضة في الأصل لأنه لا يحتاج إلى ذكر غير صلاحية ما يذكره للعلة. وأعلم أن ضابط المعارضة هو إقامة الدليل على خلاف ما أقام الخصم عليه دليله وترد على جميع الأدلة قياساً أو غيره وهذا الذي ذكره المؤلف " المعارضة في القياس ".

стр. 359

وضابط المعارضة في الأصل: أن يبدي المعترض وصفاً آخر صالحاً للتعليل كأن يقول الشافعي علة تحريم الربا في البر الطعم، فيعارض الحنبلي بابداء وصف آخر صالح للتعليل وهو الكيل، ولا يخفى أن هذا النوع من المعارضة مبني على القول بمنع تعدد العلل المستنبطة، لأنه على القول بجواز تعددها فلا مانع من أن تكون كلتا العلتين صحيحة، أما العلل المنصوصة، فلا خلاف في جواز تعددها، كالبول، والنوم لنقض الوضوء، ولا يرد عليها هذا النوع من المعارضة، وأشار إلى هذا في المراقي بقوله: وعلة منصوصة تعدد ... ... في ذات الاستنباط خلف يعهد ... وهذا النوع المذكور من المعارضة في الفرع ابداء وصف مانع من الحكم في الفرع منتف عن الصل كقياس الهبة على البيع في منع الغرر فيقال المعترض: البيع عقد معاوضة، والمعاوضة مكايسة يخل بها الغرر، والهبة محض احسان لا يخل بها الغرر، فان لم يحصل شيء لم يتضرر الموهوب له، فكون الهبة محض احسان معارضة في الفرع ليست موجودة في الأصل مانعة من الحاقه به، وكقول الحنفي: يقتل المسلم بالذمى كغير المسلم بجامع القتل العمد العدوان، فيقول المعترض: الاسلام في الفرع مانع من القود. ... وذكر المؤلف أن من المعارضة في الفرع فساد الاعتبار المتقدم، وهو واضح، لأنك لو قلت كالحنفي يمنع السلف في الحيوانات لعد انضباطها كسائ المختلطات، فللمعترض أن يقول: أن في هذا الفرع وصفاً مانعاً من الحاقه بالأصل وهو أن النبي ﷺ استلف بكراً ورد رباعياً، وهذا النص الموجود في الفرع منتف عن الأصل الذي هو سائر المختلطات. ... وذكر المؤلف في جواب المعارضة في الأصل أربعة طرق:

стр. 360

.. الأولى: أن يبين المستدل أن مثل الحكم المتنازع فيه ثبت بدون ما ذكره المعترض فيستقل به ما ذكره المستدل ومثاله قول الشافعي: علة تحريم الربا في البر الطعم، فيعارضه الحنفي مثلاً بوصف الكيل، فيقول الشافعي أن ملء الكف من البر ينتفي عنه الكيل لقلته ومنع الربا موجود فيه فيستقل الطعم بالعلة. والقصد المثال لا مناقشة أدلة الأقول. الثانية: أن يبين المستدل الغاء ما ذكره المعترض في جنس الحكم المختلف فيه كالذكورة والأنوثة بالنسبة على العتق، فان في الحديث من أعتق شركاً له في عبد. الحديث. فيقول المستدل الآمة كالعبد في سراية العتق الواردة في الحديث بجامع الرق فيقول المعترض: أن في الأصل - وصفاً مانعاً من الحاق الفرع به وهو الذكورة لأن عتق الذكر تلزمه مصالح كالشهادة والجهاد وجميع المنصب المختصة بالرجال لا توجد في الفرع الذي هو الأمة. فيجيب المستدل على هذا الاعتراض بأن الذكورة لا توجد بالنسبة إلى العتق وصفا " طردياً " لا يترتب عليهما شيء من أحكام العتق كما تقدم ايضاحه. الثالثة: أن يبين أن العلة ثابتة بنص أو ايماء وتنبيه. ومثاله في الايماء والتنبيه قول الشافعي العلة في تحريم الربا في البر الطعم فيعارضه المالكي بالاقتيات والادخار فيقول الشافعي: أن كون الطعم هو العلة تثبت بمسلك الايماء والتنبيه في حديث معمر بن عبد الله في صحيح مسلم: كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: الطعام بالطعام مثلا بمثل. الحديث. فترتيب اشتراط المثلية على وصف الطعم يدل بمسلك الايماء والتنبيه على أن العلة الطعم. والقصد المثال لا مناقشة أدلة الأقوال ومثاله في النص أن يقول الحنبلي: علة الربا في البر الكيل فيعارضه المالكي بوصف الاقتيات والادخار فيقول الحنبلي أن كون العلة الكيل ثبت بالنص، ففي حديث حيان ابن عبيد الله عند الحاكم عن أبي سعيد بعد أن ذكر السنة

стр. 361

المنصوص على تحريم الربا فيها أن النبي ﷺ قال: (وكذلك كل ما يكال أو يوزن) وفي الصحيحين بعد ذكر الربويات أن النبي ﷺ قال: (وكذلك الميزان بعد ذكر الكيل في الحديث) . الرابعة: أن يبين رجحان ما ذكره على أبداه المعترض. ومثاله قول المالكي والحنفي: أن علة كفارة الجماع في نهار رمضان انتهاك حرمة رمضان فتجنب الأكل والشرب كالجماع فيعارضه الحنبلي والشافعي بخصوص وصف الجماع الذي رتب النبي ﷺ عليه حكم الكفارة، فيجيب المالكي والحنفي بأن الوصف المتعدي إلى غيره أرجح من الوصف الذي لم يتعد إلى غيره، لأن التعدية من المرجحات وكون العلة هي انتهاك حرمة رمضان يتعدى بها الحكم من الجماع إلى ألكل والشرب فتجنب الكفارة في الجميع. وكون العلة خصوص الجماع تكون به قاصرة على محلها فلا يتعدى حكمها إلى شيء والقصد المثال لا مناقشة أدلة الأقوال. ورد قوم القدح بالمعارضة بدعوى أن القدح هدم، والمعارضة بناء، والتحقيق خلافه لأنها هدم للدليل. السؤال العاشر: عدم التأثير - أي عدم تأثير الوصف في الحكم: وضابطه أن يذكر في الدليل ما يستغني عنه وهو عند الأصوليين ثلاثة أقسام: الأول: وهو المسمى بعدم التأثير في الوصف، وضابطه أن يكون الوصف طردياً لا مناسبة فيه أصلاً كقول الحنفي في صلاة الصبح مثلاً، صلاة لا تقصر فلا يقدم أذانها على الوقت كالمغرب فعدم القصر طردي

стр. 362

في تقديم الأذان، وحاصل هذا القسم: انكار علة الوصف بكونه طردياً. الثاني: هو المسمى بعدم التأثير في الأصل، وضابطه: ابداء المعترض علة لحكم الأصل غير علة المستدل بشرط كون المعترض يرى منع تعدد العلة لحكم واحد، أما إذا كان يرى جواز التعدد فلا يقدح في هذا القسم، مثاله، أن يقال في بيع الغائب: بيع غير مرئي فلا يصح بيعه كالطير في الهواء، فيقول المعترض لا أثر لكونه غير مرئي في الأصل، فان العجز عن التسليم كاف في عدم الصحة وعدمها واقع مع الرؤية. وهذا النوع من هذا القادح الذي هو عدم التأثير يتداخل مع المعارضة في الأصل كما تقدم. الثالث: وهو المسمى بعدم التأثير في الحكم وأضربه ثلاثة: أن لا يكون لذكره فائدة أصلاً كقول الحنفي في المرتدين: مشركون أتلفوا مالا بدار الحرب فلا ضمان عليهم كالحربي، ودار الحرب عندهم لا أثر لذكرها في الأصل ولا في الفرع، لأن من أوجب الضمان ومن نفاه لم يفرق أحد منهم بين دار الحرب وغيرها. وهذا راجع إلى القسم الأول وهو كون الوصف طردياً، فالمعترض يطالب المستدل بتأثير كون الاتلاف في دار حرب، والذي عليه المحققون فساد العلة بذلك، وذهب بعضهم إلى صحة التمسك به، ولا يخفي ضعفه. أن يكون لذكرها فائدة ضرورية كأن كقول معتبر العدد في الاستجمار بالأحجار: عبادة متعلقة بالأحجار لم تتقدمها معصية فاعتبر فيها العدد قياساً على رمي الجمار. فقوله لم تتقدمها معصية عديم التأثير في الأصل والفرع. لكنه مضطر إلى ذكره ليحترز به عن الرجم لأنه عبادة متعلقة بالأحجار ولم يعتبر فيها العدد. أن يكون لذكرها فائدة غير ضرورية كأن يقول: الجمعة صلاة

стр. 363

مفروضة فلا تفتقر في اقامتها إلى أذن الامام الأعظم كالظهر، فقوله مفروضة لو حذف لما ضر، لكنه ذكر لفائدة تقريب الفرع من الأصل بتقوية الشبهة بينهما إذا الفرض بالفرض أشبه منه منه بغيره، ومنع قوم رد ما ذكر لفائدة وله اتجاه. تنبيهان: أعلم أن التأثير في هذا المبحث يراد به معنى أعم من معناه المقابل للملائم والغريب. أعلم أنه يشترط في القدح بعد التأثير أن يكون القياس قياس علة فلا يقدح به قياس الشبه، ولا في الطرد، على القول باعتباره ويشترط فيه أيضاً أن تكون العلة مستنبطة مختلفاً فيها فلا يقدح به في علة منصوصة ولا مستنبطة مجمع عليها. وأشار في المراقي إلى تعريف هذا القادح وشروطه وأقسامه بقوله: الوصف أن يعدم له تأثير ... ... فذاك لانتقاضه يصير خص بذي العلة بائتلاف ... ... وذات الاستنباط والخلاف يجئ في الطردي بائتلاف ... ... به وقجئ فيما أصلا وذا بابدا علة للحكم ... ... ممن يرى تعدداً ذا سقم ... ... وقد يجئ في الحكم وهو أضرب ... ... فمنه ماليس لفيد يجلب ... ... وما لفيد عن ضرورة ذكر ... ... أولا وفي العفو خلاف قد سطر السؤال الحادي عشر: التركيب: ... وهو القياس المركب.. الخ.. ... أعلم أن القياس المركب هو مركب الأصل ومركب الوصف، وهما

стр. 364

داخلان في المنع كما قدمناه واضحاً، لأن مركب الأصل ومركب الوصف، وهما داخلان في المنع كما قدمناه واضحاً، لأن مركب الأصل يمنع المعترض فيه كون الوصف علة. ... ومركب الوصف يمنع فيه وجود الوصف كما تقدم. فذكر هذا القادح تكرار مع ذكر قادح المنع. السؤال الثاني عشر: القول بالموجب -: ... وضابطه تسليم المعترض دليل الخصم مع بقاء النزاع في الحكم أي وذلك يجعل الدليل الذي سلمه ليس هو محل النزاع كقوله تعالى: " يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " الآية. فابن أبي في هذه الآية استدل على أنه يخرج الرسول ﷺ وأصحابه من المدينة بأن الأعز قادر على إخراج الأذل، والله سلم له هذا الدليل مبيناً أنه لا يجديه لأنه هو الأذل. حيث قال تعالى: " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " الآية. ... وأعلم أن القول بالموجب عند الأصوليين يقع على أربعة أوجه: ... الوجه الأول: أن يرد لخلل في طرف النفي وذلك أن يستنتج المستدل من الدليل ابطال أمر يتوهم منه أنه مبنى مذهب الخصم في المسألة، والخصم يمنع كونه مبنى مذهبه، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبه، وأكثر القول بالموجب من هذا النوع، كأن يقال في وجوب القصاص بالقتل بالمثقل التفاوت في الوسيلة من آلات القتل وغيره لا يمنع القصاص كالمتوسل إليه من قتل أو قطع أو غيرهما لا يمنع التفاوت فيه القصاص، فتفاوت الآلات ككونه بسيف أو برمح أو غيرهما. وتفاوت القتل ككونه بحز المفصل من جهة واحدة أو من جهتين أو بغير ذلك. فيقول المعترض كالحنفي: سلمنا أن التفاوت

стр. 365

في الوسيلة لا يمنع القصاص، ولكن لا يلزم من إبطال مانع انتفاء جميع الموانع ووجود جميع الشروط بعد قيام المقتضي. وثبوت القصاص متوقف على جميع ذلك. فقول المستدل " لا يمنع القصاص " نفي ولأجل ما وقع فيه من الخلل ورد القول بالموجب، فكأن الحنفي يقول للمستدل: " ما توهمت أنه مبنى مذهبي، بل مبنى مذهبي شيء آخر لم تتعرض له في اعتراضك. ... ومعلوم أن موجب منع الحنفي القصاص في القتل بالمثقل عدم تحقق العلة التي هي قصد القتل فهو عنده من الخطأ شبه العمد. إذ لا يلزم من قصده ضربه بالمثقل قصده ازهاق روحه عنده. ... الوجه الثاني: أن يقع على ثبوت، وضابطه أن يستنتج المستدل من الدليل ما يتوهم منه أنه محل النزاع أو ملازمة، ولا يكون كذلك، كأن يقال في القصاص بالقتل بالمثقل.. قتل بما يقتل غالباً لا ينافي القصاص فيجب فيه القصاص قياساً على الإحراق بالنار. فيقول المعترض كالحنفي: سلمنا عدم المنافاة بين القتل بمثقل وبين ثبوت القصاص ولكن لم قلت أن القتل بمثقل يستلزم القصاص وذلك هو محل النزاع ولم يستلزمه دليلك وهو العلة التي هي قوله: قتل بما يقتل غالباً لا ينافي القصاص، ثبوت ولأجل ما ورد فيه من الخلل عنده وقع عليه القول بالموجب المذكور. ... الوجه الثالث: أن يقع لشمول لفظ المستدل صورة متفقاً عليها فيحمله المعترض على تلك الصورة ويبقى النزاع فيما عداها كقول الحنفي في وجوب زكاة الخيل: حيوان يسابق عليه فتجب فيه الزكاة كالابل فيقول المعترض أقول به إذا كانت الخيل للتجارة، وهذا أضعف أنواعه، لأن المستدل يقول عنيت وجوب الزكاة في رقابها.

стр. 366

الوجه الرابع: أن يقع لأجل سكوت المستدل عن مقدمة غير مشهورة مخافة منع الخصم لها لو صرح بها، كقول مشترط النية في الوضوء والغسل: كل ما هو قربة تشترط فيه النية كالصلاة، وسكت عن الصغرى وهي " الوضوء والغسل قربة " فيقول المعترض كالحنفي مثلاً نسلم أن كل ما هو قربة تشترط فيه النية، ولا يلزم من ذلك اشتراطها في الوضوء والغسل، فلو صرح المستدل بالصغرى لمنعها المعترض (١) ، وخرج عن القول بالموجب وبعضهم يقول في هذا المثال: " السكوت عن مقدمة مشهورة " وما تقدم أظهر لأن المشهورة كالمذكورة فكأنها غير مسكوت عنها لشهرتها، وهذا النوع من القول بالموجب إنما ورد على السكوت عنها، ووجه من قال السكوت عن مقدمة مشهورة لأن الشهرة هي التي تبيح الحذف لأن حذف غير المشهورة يؤدي إلى عدم فهم الكلام. تنبيهان: - الأول: منشأ الخلاف في اشتراط النية في الوضوء والغسل هو أهما وسيلة إلى صحة الصلاة فمن أعطى الوسيلة حكم ما يقصد بها جعلها قربة فأوجب النية فيهما وهذا هو الأظهر. ومن لم يعط الوسيلة حكم مقصدها لم يجعلها قربة فلم يوجب فيهما النية. الثاني: قال بعض أهل الأصول: القول: بالموجب والقلب معارضة في الحكم لا قدح في العلة. وجعلهما الفخر الرازي من القوادح في العلة: وأشار في المراقي إلى تعريف القول بالموجب وأقسامه فقال: والقول بالموجب قدحه جلا ... وهو تسليم الدليل مسجلا من مانع أن الدليل استلزما ... لما من الصور فيه اختصما

стр. 367

يجئ في النفي وفي الثبوت ... ولشمول اللفظ والسكوت عما من المقدمات قد خلا ... من شهرة لخوفه أن تحظلا ... وأعلم أن الذي بيناه هنا هو القول بالموجب في اصطلاح أهل الأصول، أما القول بالموجب الذي هو نوع من أنواع البديع المعنوي عند البلاغيين فقد تركنا ايضاحه هنا لأن محله في فن البلاغة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل) (في حكم المجتهد) ... أعلم أن الاجتهاد في اللغة بذل المجهود في استفراغ الوسع في فعل، ولا يستعمل إلا فيما فيه جهد أي مشقة، يقال اجتهد في حمل الرحا، ولا يقال اجتهد في حمل النواة. والجهد بالفتح المشقة، وبالضم الطاقة، ومنه قوله تعالى: " والذين لا يجدون إلا جهدهم " قاله القرافي. ... والاجتهاد في اصطلاح أهل الأصول: بذل الفقيه وسعه بالنظر في الأدلة لأجل أن يحصل له الظن أو القطع بأن حكم الله في المسألة كذا، والأصل في الاجتهاد قوله تعالى: " يحكم به ذوا عدل منكم ". وقوله وداودود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ". وقوله ﷺ : (إذا أجتهد الحاكم فأصاب. الحديث.) وقوله ﷺ لمعاذ: (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ ,

стр. 368

وشروط المجتهد: احاطته بمدارك الأحكام المثمرة لها من كتاب وسنة واجماع واستصحاب، وقياس. ومعرفة الراجح منها عند ظهور التعارض وتقديم ما يجب تقديمه منها كتقديم النص على القياس. والعدالة ليست شرطاً في أصل الاجتهاد، وإنما هي شرط في قبول فتوى المجتهد ولا يشترط حفظ آيات الأحكام، وأحاديثها، بل يكفي علم مواضعها في المصحف وكتب الحديث ليراجعها عند الحاجة. ويشترط علمه بالناسخ والمنسوخ، ومواضع الاجماع والاختلاف، ويكفيه أن يعلم أن ما يستدل به ليس منسوخاً، وأن المسألة لم ينعقد فيها اجماع من قبل، ولا بد من معرفته للعام والخاص، والمطلق والمقيد، والنص والظاهر والمؤول، والمجمل والمبين، والمنطوق والمفهوم، والمحكم والمتشابه. ولا بد من معرفة ما يصلح للاحتجاج به من الأحاديث، من أنواع الصحيح والحسن، والتمييز بين ذلك، وبين الضعيف الذي لا يحتج به لمعرفته بأسباب الضعف المعروفة في علم الحديث والأصول. وكذلك القدر اللازم لفهم الكلام من النحو واللغة. تجزئ الاجتهاد: والصحيح جواز تجزيء الاجتهاد. ... التعبد بالقياس: واختلف في جواز التعبد بالقياس في زمنه ﷺ فمنعه قوم لا مكان الحكم بالوحي، وأجازه قوم لقصة معاذ. ... اجتهاده ﷺ : واختلف في اجتهاده صلى الله

стр. 369

عليه وسلم فمنعه قوم لقوله تعالى: " إن هو إلا وحي يوحى " وأجازه قوم لقوله تعالى: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " ونحوها. وأجازه قوم في الأمور الدنيوية دون الدينية. ... واختلف هل المصيب واحد من المجتهدين المختلفين أو كل مصيب؟ .. والأول هو اختيار المؤلف وهو الصحيح كما يدل عليه حديث " إذا أجتهد الحاكم فأخطأ.. الحديث " فهو نص صريح في أن المجتهدين، منهم المخطئ ومنهم المصيب. ... ومعلوم أن المخطئ في الفروع مع استكماله الشروط معذور في خطئه، مأجور باجتهاده كما في الحديث. وقصة بني قريظة تدل على أنه قد يكون الكل مصيباً في الجملة لأنه ﷺ لم يخطئ من صلى العصر قبل ببني قريظة، ولا من لم يصلها إلا في بني قريظة، وهو لا يقر على باطل. ... وإذا لم يترجح عند المجتهد أد الدليلين المتعارضين وجب عليه التوقف. وقيل يخير، وقيل يأخذ بالأحوط منهما، وهو أظهرها لحديث: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ". ... وليس للمجتهد أن يقول قولين في المسألة في حال واحدة في قول عامة الفقهاء. ... واتفقوا على أن المجتهد إذا اجتهد فغلب على ظنه الحكم لم يجز له تقليد غيره، أما القاصر في فن فهو كالعامي فيه. ... وأعلم أنه إذا نص المجتهد على حكم في مسألة لعلة بينهما فكل وصف توجد فيه تلك العلة فحكمه حكم ما نص عليه، فلأصحابه العارفين بمذهبه

стр. 370

أن يحكموا عليها أنها كمذهبه نظراً للعلة الجامعة كما يفعله المجتهد المطلق بالنسبة إلى نصوص الشرع العامة. ... ولأجل هذا القاعدة أوجب بعض المالكية الزكاة في التين مع أن مالكاً لم يذكر في التين زكاة. ومعلوم أن علة الزكاة في الثمار عنده إنما هي " الاقتيات والادخار " فلما كان الاقتيات والادخار موجوداً في التين جعل بعض أصابة الزكاة فيه كالزبيب بمقتضى علته المذكورة، ولذا قال ابن عبد البر: أظن مالكاً ما كان يعلم أن التين ييبس ويقتات ويدخن، ولو كان يعلم ذلك لجعله كالزبيب، ولما عده مع الفواكه التي لا تيبس ولا تدخر كالرمان والفرسك. ... فان لم يبين المجتهد العلة لم يجعل ذلك الحكم مذهباً له في مسألة أخرى وأن أشبهتها شبهاً يجوز خفاء مثله على بعض المجتهدين، إذ لا يدري أنها لو خطرت بباله صار فيه إلى ذلك الحكم بل قد يظهر له فرق بينهما مع المشابهة. ... وأن نص المجتهد في مسألة واحدة على حكمين مختلفين فان عرف الأخير منهما فهو مذهبه على الصحيح. وإن لم يعلم الأخير، اجتهد في أشبههما بأصوله وأقواله دليلاً فتجعل مذهباً له، وتكون الأخير كالمشكوك فيها ومثل لذلك محشى الروضة بمثالين: ما لو اختلف نص احمد في أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر لكان الأشبه بأصلة أنهم لا يملكونها بناء على تكليفهم بالفروع، وهو أشبه بقاعدته لأن الأسباب المحرمة لا تفيد الملك، ولذلك رجحه أبو الخطاب ونصره في تعليقه، وإن كان مخالفاً لنصوص أحمد على أنهم يملكونها. هو أنه لما اختلف نصه في بيع النجش وتلقي الركبان ونحو ذلك هل

стр. 371

هو باطل أو لا كان الأشبه بنصه البطلان بناء على اقتضاء النهي الفساد مطلقاً. هو منه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل) (في التقليد) التقليد في اللغة وضع القلادة في العنق، ويستعمل في تفويض الأمر إلى الشخص كأن الأمر مجمول في عنقه كالقلادة ومنه قول لقيط الأبادي: ... وقلدوا أمركم لله دركمو ... ... رحب الذراع بأمر الحرب مطلعا وهو في اصطلاح الفقهاء قبول قول الغير من غير معرفة دليله. وأعلم أن قول الغير لا يطلق إلا على اجتهاده، أما ما فيه النصوص فلا مذهب فيه لأحد ولا قول فيه لأحد لوجوب اتباعها على الجميع، فهو اتباع لا قول حتى يكون فيه التقليد. والاجتهاد إنما يكون في شيئين: أحدهما: ما لا نص فيه أصلاً. والثاني: ما فيه نصوص ظاهرها التعارض، فيجب الاجتهاد في الجمع بينها، أو الترجيح. فالأخذ يقول النبي ﷺ ، أو بالاجماع لا يسمى تقليداً لأن ذلك هو الدليل نفسه ولم يخالف في جواز التقليد للعامي

стр. 372

إلا بعض القدرية، والأصل في التقليد قوله تعالى: "ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم " وقوله: " فاسألوه أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " واجماع الصحابة عليه، ولا يستفتي العامي إلا من غلب على ظنه أنه من أهل الفتوى، وإذا كان في البلد مجتهدون فله سؤال من شاء منهم، ولا يلزمه مراجعة الأعلم لجواز سؤال المفضول، وقيل يلزمه سؤال الأفضل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل) (في ترتيب الأدلة، ومعرفة الترجيح) ... أما ترتيب الأدلة فقد ذكر أن المقدم منها الاجماع، ثم المتواتر من الكتاب أو السنة، فتواتر السنة مرتبة القرآن ثم أخبار الآحاد. ... وأعلم إن الاجماع الذي يذكر الأصوليين تقديمه على النص هو الاجماع القطعي خاصة وهو الاجماع القولي المشاهد أو المنقول بعدد التواتر، أما غير القطعي من الاجماعات كالسكوتي والمنقول بالآحاد فلا يقدم على النص. ... وأعلم أن تقدم الاجماع على النص إنما هو في الحقيقة تقديم النص المستند إليه الاجماع على النص الآخر المخالف للاجماع، وتارة يكون النص معروفاً وتارة يكون غير معروف إلا أنا نجزم أن الصحابة لم يجمعوا

стр. 373

على ترك ذلك النص إلا لنص آخر هو مستند الاجماع. ... فمثال الأول: ما لو تنازع خصمان في الأخت من الرضاع هل يحل وطؤها بملك اليمين؟ فقال أحدهما: لا يحل ذلك لقوله تعالى: " وأخواتكم من الرضاعة " وظاهرة يشمل النكاح وملك اليمين، فقال خصمه: يحل وطؤها بملك اليمين لعموم قوله تعالى: " والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ... " الآية في قد أفلح وسأل سائل وظاهرها الاطلاق في الأخت من الرضاع وغيرها. ... فيقول خصمه: أجمع جميع المسلمين على منع وطء الأخت من الرضاع بملك اليمين، فهذا الاجماع مقدم على قوله تعالى: " أو ما ملكت أيمانهم ". ... والمقدم في الحقيقة النص المستند إليه الاجماع وهو قوله تعالى: " وأخواتكم من الرضاعة ". ... ومثال الثاني: المضاربة المعروفة في اصطلاح بعض الفقهاء بالقراض. فان ظاهر النصوص العامة منعها لأن الربح المجعول للعامل جزء منه لا يدري هل يحصل منه قليل أو كثير أو لا يحصل شيء. وهذا داخل في عموم الغرر، ولم يثبت نص صحيح يجب الرجوع إليه من كتاب ولا سنة بجواز المضاربة، والحديث الوارد فيها ضعيف لا يحتج به، إلا أن الصحابة أجمعوا على جواز المضاربة وكذلك من بعدهم فقدم هذا الاجماع على ظاهر تلك النصوص الدالة على منع الغرر لعلمنا بأنهم استندوا في اجماعهم إلى شيء علموه منه ﷺ يدل على اباحة ذلك. والله أعلم. ... وأعلم أن التعارض لا يكون بين قطعيين ولا بين قطعي وظني وإنما يكون

стр. 374

بين ظنيين فقط. ... وأعلم أن تعادل الدليلين الظنيين بحسب ما يظهر للمجتهد جائز اتفاقاً، أما تعادلهما في نفس الأمر فاختلف فيه فنقل الامام أحمد والكرخي أنه لا يمكن تعادلهما في نفس الأمر وصححه صاحب جمع الجوامع، والأكثرون على جوازه، ومنهم من قال: هو جائز غير واقع. الترجيح ... والترجيح في الاصطلاح تقوية أحد الدليلين المتعارضين. ... وأعلم أنه إن حصل التعارض وجب الجمع أولاً إن أمكن كتنزيلهما على حالين كما أكثرنا من أمثلته القرآنية في كتابنا (دفع ايهام الاضطراب عن آيات الكتاب) ومن أمثلته في الحديث، الحديث الوارد بذم الشاهد قبل أن تطلب منه الشهادة ن مع الحديث الوارد بمدحه. فيجمع بينهما بأن ينزل كل منهما على حال، فيحمل حديث المدح على من شهد في حق الله، ومن يعلم أن المشهود له لا يعلم أنه شاهد له، ويحمل حديث الذم على الشاهد في حق الآدمي العالم بأن الشاهد يعلم ما يشهده به ولم يطلبه، فان لم يمكن الجمع فالمتأخر ناسخ للمتقدم، فان لم يعرف المتأخر فالترجيح. ... والترجيح في الأخبار من ثلاثة أوجه الأول يتعلق بالسند وهو خمسة: ... أولا: كثرة الرواية. ... ثانيا: ثقة الراوي، وضبطه وقلة غلطه. ... ثالثا: ورع الراوي وتقاه لشدة تحرزه من رواية من يشك فيه. ... رابعا: أن يكون صاحب القصة كحديث ميمونة أنه ﷺ .

стр. 375

تزوجها وهو حلال ... خامسا: أن يكون مباشراً للقصة كحديث أبي رافع بذلك، لأنه هو السفير بينه وبين ميمونة. فكلاهما يرجح على حديث ابن عباس أنه تزوجها وهو محرم. وللأصوليين في الترجيح باعتبار السند أمور كثيرة زائدة على ما ذكره المصنف. ... منها: علو السند، فالسند الذي هو أعلى يقدم على غيره لأن قلة الوسائط بين المجتهد وبين الرسول ﷺ أرجح من كثرتها لأن قلة الوسائط يقل معها احتمال النسيان والاشتباه والزيادة والنقص. ... ومنها: السلامة من البدع فالراوي غير البدعي أرجح من الراوي البدعي. ... ومنها: فقهه في الباب المتعلق به المروي، فالفقيه في البيوع مثلا يقدم خبره على غير الفقيه فيها. وكذا يقدم زائد الفقه على غيره، ولذا قالت المالكية يقدم خبر رواه ابن وهب في الحج على ما رواه ابن القاسم فيه لأنه أفقه منه فيه، وان كان ابن القاسم أفقه منه في غيره. ... ويقدم عندهم العالم باللغة على غير العالم بها، والعالم بالنحو على غير العالم به، لأن الخطأ منهما في فهم مقاصد الكلام أقل، ويقدم الفطن على من دونه. ... ويقدم المشهورة بالعدالة على المعدل بالتزكية. ... ويقدم الراوي الذي زكاه المجتهد باختباره اياه على المزكى عنده بالاخبار إذ ليس الخبر كالعيان. ... ويقدم من زكى تزكية صريحة على من زكى تزكية ضمنية كالحكم

стр. 376

بشهادته والعمل براويته. ... ويقدم من زكاه جماعة كثيرون على من زكاه واحد مثلا. ... ويقدم غير المدلس على المدلس. ... ويقدم الحر على العبد لأن الحر لشرف منصبه يتحرز على ما لا يتحرز عنه العبد، وضعف بعضهم الترجيح بالحرية. ... ويقدم حافظ الخبر الذي يسرده متتابعاً على من ليس كذلك، وهو من يتخيل اللفظ ثم يتذكره ويؤديه بعد تفكر وتكلف، ومن لا يقدر على التأدية أصلاً لكن إذا سمع اللفظ علم أنه مويه عن فلان. ... ويقدم الراوي الذي يعرف نسبه على الراوي الذي لم يعرف نسبه لأن الوثوق بالأول أشد. ... ويقدم عندهم الذكر عن الأنثى إلا إذا علم أنها أضبط من الذكر, فتقدم عليه، وكذلك أن كانت صاحبة القصة قدمت على الذكر، قال بضعهم: الأنثى والذكر على السواء، ولا يرجح عليها إلا بما يرجح به الرجل على الرجل، وفصل بعض العلماء فقال: يرجح الذكر في غير أحكام النساء بخلاف أحكامهن كالحيض والعدة فيرجحن فيها على الذكور لأنهن أضبط فيها. ... ويقدم الذي كانت روايته أوضح في إفادة المروي على الذي في روايته خفاء كالأجمال، ولأجمل ذلك يقدم الروي بالسماع على الروي بالإجازة لأن السماع طريق واضح في إفادة المروي بيان تفصيله بخلاف الإجازة لما فيها من الأحمال. ويقدم من علمت جهة تحمله من سماع لفظ الشيخ أو القراءة عليه ونحو ذلك على رواية نم لم تعلم جهة تحمله.

стр. 377

.. وتقدم رواية المكلف وقت التحمل على رواية من هو صبي وقت التحمل. والحال أنه أدى بعد البلوغ للاختلاف في المحتمل قبل البلوغ، وقدم الاختلاف في التحمل بعد البلوغ لأن ما لا خلاف فيه يقدم على ما فيه خلاف وان كان المشهور المعروف قبول رواية من تحمل قبل البلوغ إذا كانت التأدية بعد البلوغ. ... ويقدم راوي الحديث بلفظه على الراوي بالمعنى لسلامة المروي باللفظ عن احتمال وقوع الخلل في المروي بالمعنى ويقدم خبر الراوي الذي لم ينكر شيخه أنه حدثه على خبر من أنكر شيخه الذي روى عنه روايته له عنه، وان قلنا بأن إنكاره لا يضر. ... ويقدم ما في الصحيحين أو أحدهما على ما ليس فيهما إلى غير ذلك. وكثير ما ذكرنا من المرجحات باعتبار السند لا يخلو من خلاف، ولكن له كله وجه من النظر. الوجه الثاني من الترجيح بأمر بعود إلى المتن كاعتضاد أحد الدليلين المتعارضين بكتاب أو سنة غير ذلك من الأدلة، كأحاديث صلاة الصبح فإن في بعضها التغليس بها أي فعلها في بقية الظلام، وفي بعضها الأسفار بها، فتعضد أحاديث التغليس بعموم فوله تعالى: " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم "، وكان يختلف في وقف أحد الخيرين على الراوي والآخر يتفق على رفعه، وكأن يكون راوي أحدهما قد نقل عنه خلافه فتتعارض روايتاه، ويبقى الآخر متصلاً، فالمتصل أولى لأنه متفق على الاحتجاج به وذلك مختلف فيه. ... هذا حاصل ما ذكره المؤلف وللأصولين باعتبار حال المتن مرجحات

стр. 378

كثيرة، ما كرها المؤلف: ... منها كثرة الأدلة فالخير الذي اعتضد بأدلة كثيرة مقدم على ما اعتضد بأقل من ذلك من الأدلة. ... ومنها أن يكون المتن قولاً فهو مقدم على الفعل كما أن الفعل مقدم على التقرير. وإنما كان القول أقوى من الفعل لاحتمال الفعل الاختصاص به ﷺ . ويفهم منه أن ليس كل قول أقوى بل إذا احتمل القول الاختصاص فلا يكون أقوى من الفعل، فلا يرد قولهم: أن الإحرام بالعمرة من الجعرانة أفضل منه من التنعيم لأن أمره وأن كان قولاً يحتمل الخصوصية لعائشة، فلي أقوى من فعله بل هو دونه كما قالوا، لاحتمال أنه إنما أمرها بذلك لضيق الوقت لا لأنه أفضل، ويمكن على هذا أن يقاس على عائشة كل من له عذر، وإنما كان الفعل مقدماً على التقرير لأن التقرير كالفعل الضمني، والفعل الصريح مقدم على الضمني. قال بعضهم: ويقدم تقريره ما وقع بحضرته على ما بلغه فأقره. ... ومنها الفصاحة، فالخبر يقدم على غير الفصيح يقدم على غير الفصيح للقطع بأن غير الفصيح مروي بالمعنى لفصاحته ﷺ ولا عبرة بزيادة الفصاحة، فلا يقدم الخبر الأفصح على الفصيح. وقيل يقم عليه لأنه ﷺ أفصح العرب فيعد نطقه بغير الأفصح فيكون مرياً بالمعنى فيتطرق إليه الخلل وأجيب بأنه يعد في نطقه بغير الأفصح لأنه كان يخاطب العرب بلغاتهم. ... ومنها الزيادة، فالخير المشتمل على الزيادة يقدم على غيره لما فيه من زيادة العلم كخبر التكبير في العيد سبعاً مع خبر التكبير فيه أربعاًًً، خلافاً لمن قدم الأقل كالحنفية.

стр. 379

.. ومنها ورود أحد الخبرين على علو شأن الرسول ﷺ وقوته، ودلالة الآخر على الضعف وعدم القوة ﷺ وعلو شأنه كان يتجدد شيئاً فشيئاً فما اشعر بعلو شأنه مقدم على غيره لأن الشعر بعلو شأنه معلوم أنه هو المتأخر. ... ومنها أن يتضمن الخبر قصة مشهورة بأنه يقدم على المتضمنة قصة خفية لأن القصة المشهورة يبعد الكذب فيها، قال القرافي. ... ومنها ذكر السبب فالخبر المذكور فيه السبب مقدم على ما ليس كذلك لاهتمام راوي الأول به، واهتمامه دليل على كمال ضبطه للمروي لأنه يترتب عليه عادة. ... وأيضاً فان علم السبب يعين على فهم المراد، ولأجل ذلك اعتنى المفسرون بذكر أسباب نزول الآيات. ... ومنها أن يكون أحد الخبرين رواه رواية عن شيخة بدون حجاب مع أن الثاني رواه من وراء حجاب كرواية القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ أن بريرة عتقت في حال كون زوجها عبداً على رواية الأسود بن يزيد عنها أنه حراً، لأن القاسم كان محرما لها لكونها عمته، وكان يسمع منها بدون حجاب بخلاف الأسود. ... ومنها الخبر المدني فانه مقدم على الخبر المكي لتأخره عنه. ومعلوم أن المدني ما روى بعد الشروع في الهجرة، والمكي ما روى قبل الشروع فيها، فيشمل المدني ما ورد بعد الخروج من مكة وقبل الوصول إلى المدينة في سفر الهجرة. هذا هو الاصطلاح المشهور في المدني والمكي ولذا كان

стр. 380

المشهور عندهم في آية: " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " إنها مدنية مع أنها نزلت بالجحفة في سفر الهجرة كما قاله غير واحد. ... ومنها كون أحد الخبرين جامعاً بين الحكم وعلته، مع أن الآخر ليس كذلك لأن الجامع بين الحكم والعلة أقوى في الاهتمام بالحكم من الخبر الذي فيه الحكم دون علته كحديث البخاري " من بدل دينه فاقتلوه " فهذا الحديث يدل بمسلك الايماء والتنبيه على أن علة القتل هنا هي تبديل الدين فيشمل الذكر والأنثى مع الحديث الصحيح الآخر أنه ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان، ففيه الحكم دون ذكر العلة فيقدم عليه الأول لذكر العلة مع الحكم. فيكون الأرجح قتل المرتدة خلافاً لمن منع قتل النساء مطلقاً بالكفر مرتدات كن أو حربيات كالحنفية. ... ومعلوم أن النصين المذكورين بينهما عموم وخصوص من وجه، والأعمان من وجه يظهر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها فيجب الترجيح، وهي هنا في المثالين النساء المرتدات فانهن يدخلن في عموم " من بدل دينه فاقتلوه " بناء على ما هو الحق من شمول لفظه (من) للأنثى كقوله تعالى: " ومن يقنت منكن.. " الآية. " يانساء النبي من يأت منكن ... " الآية. " ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى ... " الآية. كما أنهن يدخلن في عموم النهي عن قتل النساء الكافرات وإلى الترجيح بين الأعمين من وجه أشار في مراقي السعود بقوله: ... ... وان يك العموم من وجه ظهر ... ... فالحكم بالترجيح حتم معتبر ... ومنها تأكيد الخبر، فالخبر المشتمل على تأكيد يقدم على الخبر الذي لم

стр. 381

يشتمل عليه مثال المشتمل على توكيد حديث " أيما امرأة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل باطل " مع حديث "الأيم أحق بنفسها" على تسليم ما فسرته به الحنفية لأن القصد مطلق المثال لا مناقشة أدلة الأقوال، فتكرار البطلان في الخبر الأول توكيد لحكمه فيرجع حكمه على الخبر الذي لم يؤكد حكمه. ... ومنها التهديد، فالخبر الذي فيه تهديد وتخويف مقدم على ما ليس كذلك، ومثل له بعضهم بحديث عمار ﵁، من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ . ففي الحديث تخويف من صوم يوم الشك بأنه معصية للرسول ﷺ فيقدم هذا الحديث على الأحاديث المرغبة في صوم النفل. فان قيل: التخويف المذكور من كلام الراوي فليس ترجيحاً باعتبار حال المتن، فالجواب أن حكمه الرفع، إذ لا يقال من جهة الرأي، نعم للناظر أن يقول: في التمثيل المذكور نظر، لأنه تقديم خاص على عام فلا تعارض أصلاً، ويمكن أن يجاب بان الخاص إنما رجح على العام في خصوص ما تعارضا فيه فقط والله تعالى أعلم. ... ومنها اطلاق العام عن ذكر السبب، فالعام المطلق الذي لم يذكر له سبب، يقدم عمومه على العام الذي ذكر سببه لأن هذا أضعف، لا احتمال الخصوص بصورة السبب. والخلاف في ذلك معروف أما صورة السبب فهي مقدمة على العام المطلق لأنها قطعية الدخول على الأصح. ... أما صيغ العموم فيقدم ما دل منها على الشرط كمن، وما، الشرطتيتين، على النكرة في سياق النفي على ما صححه بعضهم محتجاً بأن الشرطي من العام يفيد التعليل غالباً، نحو، من جامع فعليه الكفارة، من بدل دينه فاقتلوه. ويفهم من هذا انه إن لم يفد التعليل فلا يقدم على النكرة

стр. 382

كقوله: " فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه ... " الآية. وقال بعضهم: أن النكرة في سباق النفي تقدم على أدوات الشروط العامة كمن، وما. قال مقيدة عفا الله عنه: ... الظاهر أن النكرة في سياق النفي إذا كانت نصاً صريحاً في العموم كالمبنية مع لا نحو " لا إله إلا الله " أو المزيد قبلها (من) نحو ما من اله إلا الله. ما أرسلنا من قبلك من رسول. لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير، إنها أقوى مرتبة في العموم من صيغ الشرط، والله أعلم. ... وباقي أدوات العموم تقدم عليه النكرة في سياق النفي إلا لفظة " كل " ونحوها. فلا شك أنها مقدمة على النكرة في سياق النفي، والجمع المعرف بالألف واللام أو بالاضافة، يقدم عومه على (من، وما) الاستفهاميتين، لأنها أقوى منها في العموم لامتناع تخصيص الجمع إلى الواحد دونهما على ما رجحه بعض أهل الأصول. ... والثلاثة المذكورة التي هي: الجمع المعرف: ومن. وما , المذكورتان، مقدمة على المفرد الذي هو اسم جنس المعرف بأل نحو والعصر أن الانسان لفي خسر: أي كل انسان. لأنه يحتمل فيه أن أل عهدية، بخلاف من وما، فلا يحتمل فيهما ذلك. والجمع المعرف يبعد فيه. ... ومنها عدم التخصيص، فالعام الذي لم يدخله تخصيص، مقدم على العام الذي دخله تخصيص، وهذا رأي جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحداً خالف فيه إلا صفي الدين الهندي، والسبكي.

стр. 383

.. وحجة الجمهور أن العام المخصص اختلف في كونه حجة في الباقي بعد التخصيص، والذين قالو اهو حجة في الباقي قال جماعة منهم هو مجاز في الباقي، بخلاف الذي لم يدخله تخصيص، فهو سالم من ذلك، وما اتفق على أنه حجة وأنه حقيقة أولى مما اختلف في حجيته وهل هو حقيقة أو مجاز. وان كان الصحيح أنه حجة وحقيقة في الباقي بعد التخصيص، لأن مطلق الخلاف يكفي في ترجيح غيره عليه. ... وحجة الصفي الهندي والسبكي أن الغالب في العام التخصيص، والحمل على الغالب أولى، وأن ما دخله التخصيص يبعد تخصيصه مرة أخرى بخلاف الباقي على عمومه. ... ومثال هذه المسألة قوله تعالى: " وان تجمعوا بين الأختين " الآية. فانه عام في كل أختين سواء كان الجمع بينهما بنكاح أو بملك يمين، وهذا العام لم يدخله تخصيص فهو مقدم على عموم قوله تعالى: " والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ... " الآية. فان قوله تعالى: " أو ما ملكت أيمانهم " شامل بعمومه للأختين إلا أن عموم أو ما ملكت أيمانهم يخصصه عموم. وأخواتكم من الرضاعة، فلا تحل الأخت من الرضاعة بملك اليمين اجماعاً، ويخصصه أيضاً عموم. ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء.. الآية. فلا تحل موطوءة الأب بملك اليمين اجماعاً. فان قيل:عموم وأن تجمعوا بين الأختين مخصص بعموم أو ما ملكت أيمانهم. فالجواب أن ذلك التخصيص هو محل النزاع، والاستدلال بصورة النزاع ممنوع بأطباق

стр. 384

النظار، كما هو معلوم في محله. ... فان كان كل واحد من العامين دخله تخصيص فالأقل تخصيصاً مقدم على الأكثر تخصيصاً، ومثال هذا ما لو ذبح الكتابي ذبيحة، ولم يسم عليها الله، ولا غيره، فعموم قوله تعالى: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " يقتضي اباحتها. وعموم: " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " يقتضي تحريمها، وكل من العمومين دخله تخصيص إلا أن الأول خصص مرة واحدة، والثاني خصص مرتين، فالأول أقوى لأنه أقل تخصيصاً لأن قوله تعالى: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم " لم يخصص إلا تخصيصه واحدة وهي بما إذا لم يسم الكتابي على ذبيحته غير الله كالصليب، أو عيسى، فان سمى على ذبيحته غير الله، دخلت في عموم وما أهل لغير الله به، على الأصح الذي لا ينبغي العدول عنه. أما الآية " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه " فقد خصصت تخصيصتين، خصصها الجمهور بغير الناسي، فتارك التسمية نسياناً تؤكل ذبيحته عند الجمهور، وحكى عليه ابن جرير الاجماع مع أنه خالف فيه اثنان. وخصصه الشافعي وأصحابه بما ذبح لغير الله. ... ويقدم الدال بدلالة الاقتضاء على الدال بدلالة الإيماء والدال بدلالة الإشارة والظاهر تقديم الدال بالإيماء على الدال بالإشارة. ووجه تقديم الدال بالاقتضاء أنه مقصود للمتكلم يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عقلاً أو شرعاً كما تقدم إيضاحه. ووجه تقديم الدال بالإيماء على الدال بالإشارة، لأن دلالة الإيماء مقصودة للمتكلم، وإن لم يتوقف عليها الصدق أو الصحة، والمدلول عليه بالإشارة ليس بمقصود ولكنه لازم للمقصود كما تقدم إيضاح ذلك كله بأمثلته. وقال صاحب الضياء اللامع: ويقدم ما كان في دلالة الاقتضاء لضرورة صدق المتكلم على ما كان لضرورة صحة

стр. 385

الملفوظ به عقلاً أو شرعاً. ... ويتقدم الدال بالإشارة والإيماء على المفهوم بنوعيه لما تقدم من أن دلالة الإيماء والإشارة كدلالة الاقتضاء في كون الجميع من المنطوق غير الصريح على ما صححه بعضهم، والمنطوق ولو غير صريح مقدم على المفهوم. ... ويقدم مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة على الصحيح لضعف مفهوم المخالفة بالخلاف في حجتيه كما تقدم. وشذ من قال بتقديم مفهوم المخالفة، ولا يخفى ضعف قوله وبعده عن الصواب. ... الوجه الثالث: الترجيح بأمر خارجي ككون أحد الخبرين ناقلاً عن حكم الأصل، ومثاله حديث من مس ذكره فليتوضأ. مع حديث " وهل هو إلا بضعة منك بأن هذا الأخير نافياً لوجوب الوضوء موافق للبراءة الأصلية، والخبر الموجب له ناقل عن حكم الأصل، وعكس بعضهم فرجح المبقي على الأصل بالبراءة الأصلية، والمشهور عند الأصوليين الأول، وكذلك رواية الإثبات، فإنها مقدمة على رواية النفي ن ومثاله: حديث أنه ﷺ صلى في الكعبة مع حديث أنه لم يصل فيها، وحديث أن المتمتعين مع النبي ﷺ سعوا لحجهم وسعوا لعمرتهم مع حديث أنهم لم يسعوا إلا سعي العمرة الأول، ولم يسعوا للحج. ... والظاهر أن المثبت والنافي إذا كانت رواية كل منهما في شيء معين في وقت معين واحد أنهما يتعارضان. فلو قال أحدهما: دخلت الكعبة مع النبي ﷺ في وقت كذا ولم أفارقه ولم يغب عن عيني حتى خرج منها ولم يصل فيها، وقال الآخر رأيته في ذلك الوقت بعينه صلى فيها فانهما يتعارضان فيطلب الترجيح من جهة أخرى والله أعلم. وهذا أصوب من قول من قدم المثبت مطلقاً ومن قدم النافي مطلقاً. ووجه

стр. 386

تقديم رواية المثبت أن معه زيادة علم خفيت على صاحبه، وقد عرفت أن ذلك لا يلزم في جميع الصور مما ذكرناه آنفاً. ... ويقدم عنده الحاظر على المبيح، وقبل: لا. والحظر المنع، ومثال تقديم الحاظر على المبيح تقديم عموم قوله: وأن تجمعوا بين الأختين، المقتضي بعمومه منع الأختين بملك اليمين على عموم.. أو ما ملكت أيمانهم الشامل بعمومه للأختين بملك اليمين، وهذا مبيح وذلك حاظر فقد الحاظر على المبيح. ... ومن فروع تعارض الحاظر والمبيح عند بعضهم المتولد بين المأكول وغيره كولد الذئب من الضبع عند من يمنع أكل الذئب ويبيح أكل الضبع، فعلى تقديم الحاظر على المبيح لا يؤكل وعلى القول بالعكس يؤكل. وقيل: الحاظر والمبيح لا يرجح أحدهما على الآخر، فيطلب الترجيح بسواهما. ... ووجه تقديم الحاظر على المبيح، أن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام، وزاد بعض الأصوليين تقديم الخبر الدال على الأمر على الدال على الإباحة. ... ووجه ذلك هو الاحتياط في الخروج من عهدة الطلب، وأن الخبر الدال على النهي مقدم على الدال على الأمر، ووجهه عندهم أن درئ المفاسد مقدم على جلب المصالح، ومن أمثلته عند القائل به: ترك تحية المسجد في وقت النهي. ... أما الخبر المسقط للحد فلا يرجح على الخبر الموجب له عند المؤلف. وكذلك عنده الخبر الموجب للحرية لا يرجح على الخبر المقتضي للرق. قال: لأن ذلك لا يوجب تفاوتاً في صدق الراوي فيما ينقله من لفظ الإيجاب والإسقاط. وذهب المالكية وغيرهم إلى أن الخبر النافي للحد مقدم على الخبر الموجب له، قالوا: لما في الخبر النافي للحد من اليسر الموافق

стр. 387

لقوله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج ... " الآية. وقوله: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ". قالو: ولأن الحد يدرأ بالشبهات، وتعارض الأدلة في وجوبه وسقوطه شبهة، وهو مستثني عندهم من تقديم المثبت على النافي. والتعزير عندهم كالحد فيما ذكره. وقال المتكلمون بتقديم الموجب للحد أو التعزير على النافي لذلك لأنه ناقل عن الأصل، لأن النفي مستفاد من البراءة الأصلية وايجاب الحد ناقل عن الأصل، لأن النفي مستفاد من البراءة الأصلية وإيجاب الحد ناقل عنها فهو مقدم. وأجاب بعضهم بأن النفي الشرعي هنا مستفاد من الحكم الشرعي لا من البراءة الأصلية، وقال بعض أهل العلم: أن الخبر الموجب للحرية مقدم على الخبر المقتضي للرق لرجحانه بشدة تشوف الشارع للحرية، ومثال تعارض الخبر الموجب للحد والنافي له ما لو سرق سارق مجنا قيمته ثلاثة دراهم، فحديث ابن عمر المتفق عليه يوجب قطعه والأحاديث التي تمسكت بها الحنفية ومن وافقهم في أنه لا قطع في أقل من عشرة دراهم، وأن المجن على عهد رسول الله ﷺ كانت قيمته عشرة دراهم فسقط الحد عنه، فرجحوا الروايات بعشرة دراهم على الروايات الأخرى المتفق عليها بأن الحد يدرأ بالشبهات وأن النافي للحد مقدم على الموجب له وقصدنا مطلق المثال لا مناقشة أدلة الأقوال. ... وعلى ما ذهب إليه المصنف فلا ترجيح باسقاط الحد، وحينئذ يترجح موجب الحد في المثال المذكور لأن أدلته أصح. ... ومثال تعارض الخبر الموجب للحرية والموجب للرق حديث ابن عمر المتفق عليه (من أعتق شركاً له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل فأعطى شركاؤه خصصهم، وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق عليه ما عتق) . فظاهر هذا الحديث الصحيح أن الشريك المعتق

стр. 388

نصيبه من العبد إن كان فقيراً لا مال له بقي ما لشركائه من العبد رقيقاً. وظاهره أن العبد لا يستسعي ليحصل قيمة الباقي فيخلص نفسه من الرق، فهذا الحديث موجب لرق الباقي في حالة فقر معتق نصيبه من العبد المشترك، مع الحديث الآخر المتفق عليه عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: من أعتق شخصاً له من مملوكه فعليه خلاصه من ماله، فان لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل ثم استسعى في نصيب الذي لم يستق غير مشقوق عليه. فهذا الحديث موجب للحرية باستسعاء العبد ليحصل قيمة الباقي من نفسه. فعلى ما ذهب إليه المؤلف لا يرجح أحد الخبرين على الآخر بايجاب الحرية ولا باسقاطها، وعلى قول من قال يرجح موجب الحرية يجب استسعاء العبد لتحصيل قيمة الباقي ليتخلص من الرق. والحديثان صحيحان. ودعوى الادراج فيهما لا يخفى سقوطها كما هو واضح من صنيع الشيخين، والقصد مطلق المثال لا مناقشة الأقوال. مع أن بعض العلماء جمع بين الحديثين، ونحن مثلنا بهما للتعارض نظراً لأن الجمع المذكور لا يجب الرجوع إليه والعلم عند الله تعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل) (ترجيح المعاني) " يعني بذلك الترجيح بين علل المعاني " ... ثم قال: قال أصحابنا أن العلة ترجح بما يرجح به الخبر من موافقتها لدليل آخر من كتاب أو سنة أو قول صحابي أو خبر مرسل.

стр. 389

.. ومن أمثلة ذلك قول المالكي: علة تحريم الربا في البر الاقتيات والادخار، مع قول الشافعي: علة تحريم الربا فيه الطعم، لأن علة الشافعي هنا قد ترجح بموافقتها لحديث معمر بن عبد الله في صحيح مسلم: " كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: (الطعام بالطعام مثلا بمثل) .. الحديث ". وقصدنا مطلق المثال لا مناقشة الأقوال. ... ... والشأن لا يعترض المثال ... ... إذ قد كفى الفرض والاحتمال ... وترجح العلة أيضاً بكونها ناقلة عن الأصل كالخبر فقوله في حديث عدم نقض الوضوء بذلك إذ لا ينقض الوضوء بمس عضو لعضو من انسان واحد. وحديث " من مس ذكره فليتوضأ " يدل بمسلك الإيماء والتنبيه على أن علة الوضوء فيه مس الذكر. فهذه العلة ناقلة عن الأصل، والعلة المقتضية البقاء على الأصل في عدم وجوب الوضوء التي هي " وهل هو إلا بضعة منك؟ " موافقة للبراءة الأصلية. فتقدم عليها الناقلة عن الأصل فيجب الوضوء من مس الذكر. ... وهذان الحديثان صالحان لمثال الحكم الناقل عن الأصل ن والعلة الناقلة عن الأصل معاً، ولذا مثلنا لهما بهما. ... ثم ذكر المؤلف ﵀ أنه إذا تعارضت علتان احداهما حاظرة والأخرى مبيحة، أو علتان احداهما مسقطة للحد والأخرى موجبة له، أو علتان أحدهما موجبة للعتق والأخرى نافية له، فقد اختلف أهل العلم في ترجيح الحاظرة والمسقطة للحد، والموجبة للعتق على مقابلاتها، فرجح بذلك قوم احتياطياً للحظر ونفي الحد ن ولأن الخطأ في نفي هذه الأحكام أسهل من الخطأ في إثباتها، ومنع آخرون الترجيح بذلك من حيث أنهما حكمان شرعيان فيستويان، ولأن سائر العلل لا ترجح بأحكامها فكذا

стр. 390

هنا. هكذا قال المؤلف. ... ثم ذكر أن كل هذه الترجيحات مع الاختلاف فيها ضعيفة. قال مقيده عفا الله عنه: ... الذي يظهر لي أن العلة الحاظرة مع غير الحاظرة، كالنص الحاظر مع غيره إلى آخره فالأظهر اجراء العلل في الترجيح بما ذكره مجرى أحكامها، لأن الجميع أدلة، والأظهر عندي تقديم الحاظر على المبيح ن لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام. وتقديم المقتضية لنفي الحد لأن الخلاف شبهة والحدود تدراً بالشبهات كما عليه جماعة من الأصوليين ما لم يقم مرجح آخر أقوى يترجح به جانب الحد، وأن الموجبة للحرية أرجح لشدة تشوف الشارع للحرية، وترغيبه فيها ما لم يقم مرجح آخر أقوى يترجح به جانب الرق. ... ثم ذكر المؤلف أنه إن تعارضت علتان احداهما أخف حكماً أن قوماً رجحوا التي هي اخف حكماً والأخرى حكماً أن قوماً رجحوا التي هي أخف حكماً لأن الشريعة خفيفة مرفوع فيها الحرج، وأنه قال آخرون بالعكس لأن الحق ثقيل. قال مقيدة عفا الله عنه: ... لا يمكن الحكم مطلقاً في هذه المسألة لأن التخفيف يكون ارجح تارة، والتثقيل يكون أرجح أخرى ومما يوضح ذلك أن الله تعالى قال: " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها، ولا خلاف أنه تارة ينسخ الأثقل بالأخف لأن الأخف خير في ذلك المحل، وتارة ينسخ الأخف بالأثقل لأن الأثقل خير في ذلك المحل كم أوضحناه في النسخ.
следующие страницы →