← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9885

مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر- ط مكتبة العلوم والحكم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (424 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

اعتبار الشارع له في بعض الأحكام، كالجمع بين مسح الرأس ومسح الخف في نفي التكرار بجامع كونه مسحاً. والجمع بينه وبين الأعضاء المغسولة في التكرار بكونه عضواً من أعضاء الوضوء كالوجه، وهذا هو قياس الشبه وهو مختلف فيه، واختلفت فيه الرواية بالصحة وعدمها عن الإمام أحمد، وأكثر الأصوليين على قبوله لأنه يثير ظناً بثبوت الحكم. قال مقيده عفا الله عنه: - الذي يظهر لي في كلام المؤلف ﵀ في هذا المسلك أنه لا يخلو من بعض نظر الله تعالى أعلم، وذلك لأن مثاله للقول الثاني من القولين اللذين ذكرهما في نفسير الشبه وهو بعينه مثال الأول، لأن قضية تكرار مسح الرأس في الوضوء راجعة إلى غلبة الأشباه، لأن تكرار مسح الرأس في الوضوء دائر بين أصلين فيلحق بأكثرهما شبهاً. أحدهما: أنه مسح فلا يتكرر كغيره من المسح كمسح الوجه واليدين في التيمم ومسح الخف في الوضوء. ثانيهما: أنه ركن من أركان الوضوء الأربعة المذكورة في الآية فيكرر كما يكرر غسل الوجه واليدين فمن قال بعدم تكرار مسحه قال أنه أكثر شبها بالأول، ومن قال: بتكراره قال أنه أكثر شبهاً بالثاني، والقول الأخير في تفسير الشبه مثل له صاحب المستصفى بأمثلة متعددة منها قول الشافعي رحمه لله في مسألة اشتراط النية في طهارة الحدث: طهارة موجبها (١) في غير محل موجبها فتفتقر إلى النية قياساً على التيمم وهذا يوهم الاجتماع في

стр. 317

مناسب هو مأخذ النية وإن لم يطلع على ذلك المناسب. ومنها تشبيه الأرز والزبيب بالتمر والبر لكونهما مطعومين أو قوتين فان ذلك إذا قوبل بالتشبيه بكونهما مقدرين أو مكيلين ظهر الفرق، إذ يعلم أن الربا ثبت لسر ومصلحة والطعم والقوت وصف ينبئ عن معنى به قوام النفس والأغلب على الظن أن تلك المصلحة في ضمنها لا في ضمن الكيل الذي هو عبارة عن تقدير الأجسام إلى غير ذلك من أمثلته لهذا النوع المذكور. وقد أوضح مسلك الشبه جماعة من أهل الأصول بأنه هو ما كان الوصف الجامع ليس مناسباً بالذات ولكنه مناسب بالتبع أي مستلزم للوصف المناسب. وقد شهد الشرع بتأثير الجنس القريب لذلك الوصف في الجنس القريب لذلك الحكم ومثلوا لذلك بأمثلة، ومنها قولهم في الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه فلا تحصل به الطهارة قياساً على الدهن فقولهم: لا تبنى القنطرة على جنسه، ليس مناسباً في ذاته، لكنه مستلزم للمناسب، لأن العادة أن القنطرة لا تبنى على الأشياء القليلة بل على الكثيرة كالأنهار فالقلة مناسبة لعدم مشروعية المتصف بها من المائعات للطهارة العامة، لأن الشرع العام يقتضي أن تكون أسبابه عامة الوجود، أما تكليف جميع لناس بما لا يجده الا بعضهم فبعيد عن قواعد الشرع، فقولهم: لا تبنى القنطرة على جنسه ليس بمناسب وهو مستلزم للمناسب وقد شهد الشرع بتأثير جنس القلة والتعذر في عدم مشروعية الطهارة بدليل أن الماء إذا قل واشتدت إليه الحاجة فانه تترك الطهارة به وينتقل إلى التيمم. ومنها تعليلهم بوجوب النية في التيمم بكونه طهارة، فيقاس عليه الوضوء بجامع أنه طهارة، فإن الطهارة من حيث هي لا تناسب اشتراط

стр. 318

النية لعدم اشتراطها في طهارة الخبث. ولكن تناسبه من حيث أنها عبادة وقربة، والعبادة مناسبة لاشتراط النية لقوله: " وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " الآية. فان قيل: ان كان المناسب لاشتراط النية جهة العبادة لزم اشتراطها في الطهارة من النجاسة لتحقق تلك الجهة فيها إذ لا تكون الا واجبة أو مندوبة، والواجب والمندوب كلاهما عبادة مع أن عدم اشتراطها فيها مجمع عليه. فجواب المخالفين هو أن الطهارة من النجاسة من حيث هي لم توضع لمحض التعبد، فقد تكون غير واجبة ولا مندوبة كأزالتك لها عن أرضك دفعاً للاستقذار، بخلاف الوضوء مثلا فانه لا يقع إلا عبادة، ولا ينافي ذلك غسل الأعضاء لمجرد التنظيف لأن غسلها على الوجه والترتيب الخاصين لا يكون الا للتعبد. (تنبيه) اعلم أن من الفوارق التي ذكرها بعض أهل الأصول بين الشبه والمناسب أن صلاحية الشبه لما يترتب عليه من الأحكام لا يدركها العقل لو قدر عدم ورود الشرع، قالوا فاشتراط النية في الوضوء لو لم يرد الشرع باشتراطها في التيمم لما أدرك العقل اعتبارها فيه بخلاف المناسب فان صلاحيته لما يترتب عليه من الأحكام قد يدركها العقل قبل ورود الشرع. ولذلك حرم بعض رجال العرب الخمر على نفسه قبل ورود الشرع بتحريمها لأن عقله أدرك قبح زوال العقل وما يلزم عليه من القبائح، حرمها على نفسه للموجب المذكور قيس بن عاصم المنقري التميمي كما ذكره عنه بعض المؤرخين وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب وفي ذلك يقول:

стр. 319

رأيت الخمر صالحة وفيها ... ... ... خصال تفسد الرجال الحليما فلا والله أشربها صحيحاً ... ... ... ولا أشفى بها أبداً سقيما ولا أعطى بها ثمناً حياتي ... ... ... ولا أدعو لها أبداً نديما لأن الخمر تفضح شاربيها ... ... ... وتجنيهم بها الأمر العظيما فقوله لأن الخمر تفضح شاربيها البيت دليل على أنه أدرك بعقله مناسبة الأسكار للتحريم كما لا يخفى. (تنبيه) فان قيل ذكرتم أن عبارات الأصوليين في تعريف الشبه يدور غالبها على أن الوصف الجامع فيه مرتبة بين الطردي والمناسب. وأن غلبة الأشباه لا تخرج عن الشبه المذكور، فما وجه كون الوصف في غلبة الأشباه مرتبة بين الطردي والمناسب. فالجواب أن ذلك واقع فيه بالنظر إلى اعتبارين مختلفين فشبه العبد بالمال مناسب للزوم القيمة طردي بالنسبة إلى لزوم الدية وشبهه بالحر مناسب بالنسبة إلى لزوم الدية طردي بالنسبة إلى لزوم القيمة. وهكذا فصار الوصف في غلبة الأشباه مناسباً باعتبار طردياً باعتبار آخر. والله تعالى أعلم.

стр. 320

قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) (في قياس الدلالة) وهو أن يجمع بين الفرع والأصل بدليل العلة ليدل اشتراكهما فيه على اشتراكهما في العلة فيلزم اشتراكهما في الحكم كأن نقول في اجبار البكر البالغة جاز تزويجها وهي ساكتتة فجاز وهي ساخطة قياساً على الصغيرة فإن أباحه تزويجها مع السكوت تدل على عدم اعتبار رضاها ولو اعتبر لاعتبر دليله وهو النطق لأن السكوت محتمل متردد، وإذا لم يعتبر رضاها جاز تزويجها حالة السخط. فقد جمع في هذا القياس بين الصغيرة والبكر والكبيرة في جواز الاجبار على النكاح عند من يقول بذلك بدليل عدم اعتبار رضاهما أي وهو السكوت بناء على ما قاله من أنه محتمل متردد فعدم اعتبار الرضا وهو علة الإجبار، وقد جمع في هذا المثال بين الفرع والأصل بدليله الذي هو التزويج حالة السكوت هذا حاصل ما ذكره المؤلف في قياس الدلالة. وقد أوضح قياس الدلالة جماعة من الأصوليين بأنه الجمع بين الأصل والفرع بملزوم العلة أو أثرها أو حكمها. فمثال الجمع بملزومها: الحاق النبيذ بالخمر في المنع بجامع الشدة المطربة لأنها ملزومة للأسكار الذي هو العلة. ومثال الجمع بأثر العلة: الحاق القتل بالمثقل بمحدد في القصاص بجامع الإثم، لأن الإثم أثر العلة التي هي القتل العمد العدوان.

стр. 321

ومثال الجمع بحكم العلة: الحكم بحياة شعر المرأة قياساً على سائر شعر بدنها بجامع الحلية بالنكاح والحرمة بالطلاق، وكقولهم بجواز رهن المشاع قياساً على جواز بيعه بجامع جواز البيع. (تنبيه) اعلم أن القياس من حيث الجمع بنفس العلة أو غيرها ينقسم ثلاثة أقسام: الأول: ما كان الجمع فيه بنفس العلة كالاسكار وهو المسمى بقياس (العلة) . الثاني: ما جمع فيه بدليل العلة كملزومها أو أثرها أو حكمها وهو (قيا سالدلالة) كما مر آنفاً. الثالث: ما جمع فيه ينفي الفارق وهو القياس في معنى الأصل وهو مفهوم الموافقة، وتنقيح المناط، والأكثر على أنه ليس من القياس، وقد قدمنا في سلك الشبه أنه ينقسم أيضاً باعتبار تحقق المناسبة وعدمه إلى قياس علة، وطردي، وشبه. (أركان القياس) قال المؤلف رحمه الله تعالى: - باب أركان القياس ن وهي أربعة: أصل، وفرع، وعلة، وحكم، فالأول له شرطان. .الخ. .

стр. 322

ظاهر كلامه أن الشرطين في الأصل، ولا يخفى أن الشرطين المذكورين، شرطان في حكم الأصل لا في نفس الأصل، ويمكن أن يكون كلام المؤلف مبنياً على ما قاله جماعة من أن الأصل هو الحكم لا محل الحكم فمشى في عبارته الأولى على أحد القولين، وفي الثانية على الآخر. إذا علمت ذلك فالأول من الشرطين هو أن يكون حكم الأصل ثابتاً بنص أو اتفاق الخصمين. الشرط الثاني: هو أن يكون الحكم معقول المعنى كتحريم الخمر لا إن كان تعبدياً كأوقات الصلاة واعداد الركعات ووجه اشتراط الأول أن الحكم إن كان مختلفاً فيه لم يصح التمسك به لأن كونه أصلا مقيساً عليه ليس بأولى من كونه فرعاً مقيساً، فلو أراد المستدل أن يثبت حكم الأصل بالقياس على محل آخر فقيل لم يجز له ذلك، وهو اختيار المؤلف، وقيل يجوز وعزاء المؤلف لبعض الأصحاب من الحنابلة، وهو مذهب مالك وعليه درج في المراقي قوله: وحكم الأصل قد يكون ملحقا ... ... ... لما من اعتبار الأدنى حققا ومثاله قياس الأرز على البر في تحريم الربا فيكون الأرز أصلا ثابتاً بالقياس الذرة عليه مثلا، وقد يظهر لك أن هذا تطويل لا فائدة فيه لا مكان قياس الكل على الأصل الأول كما احتاج به من قال بالمنع والقائلون به يقولون: قد تكون فيه فائدة ككون المقيس الثاني أقرب إلى الأصل الثاني منه إلى الأول واعتبار الأدنى مقصد صحيح وإليه الإشارة بقول صاحب المراقي المذكور آنفاً: " لما من اعتبار الأدتى حققا " فيجوز مثلا أن يكون الأرز أقرب إلى الذرة منه إلى البر فيقاس على الذرة لأنها أقرب له من البر بعد قياس الذرة على البر.

стр. 323

والحاصل أن المؤلف استدل لمنع اثبات حكم الأصل بالقياس على محل آخر بأنه لا يخلو الحال من أحد أمرين: الأول: أن تكون علة الأصل موجودة في الفرع الثاني. الثاني: أن تكون غير موجودة فيه. فان كانت موجود فيه، فاللازم قياس كل من الفرعين على الأصل الأول، كأن تقييس كلا من الذرة والأرز على البر الذي هو الأصل الأول بجامع الكيل مثلا، لأن قياس الذرة على البر مثلا ثم قياس الأرز على الذرة تطويل لا فائدة فيه. وأما عن كانت غير موجودة فيه فلا يصح القياس فيه لأنه قد تبين ثبوت حكم الأصل الأول بعلة غير موجودة في الفرع. ومن شرط القياس تساوي الفرع والأصل في العلة. قال: ولا يمكن تعليل الحكم في الأصل الأول بغير ما علله به في قياسه الأصل الثاني عليه، لأن ابداء تلك العلة الثانية فيه يقدح فيه كما سيأتي في القوادح، واستدل أيضاً لقول بعض أصحابه بجواز القياس على ما ثبت بالقياس، بأنه لما ثبت بالقياس صار أصلا ثابتاً في نفسه فجاز القياس واتفق عليه الخصمان. وقوله في هذا المبحث: فانه لا يعتبر كون الأصل متفقاً عليه بين الأمة، فانه ان لم يكن مجمعاً عليه فللخصم أن يعلل الحكم في الأصل، بمعنى مختص به لا يتعدى إلى الفرع، وإن لم يساعده منع الحكم في الأصل فبطل القياس، وسموه القياس المركب، ومثاله قياسنا العبد على المكاتب فنقول:

стр. 324

العبد منقوص بالرق ولا يقتل به الحر كالمكاتب. فيقول المخالف: العلة في المكاتب أنه لا يعلم هل المستحق لدمه الوارث أو السيد فان سلمتم ذلك امتنع قياس العبد عليه لأن مستحقه معلوم، وإن منعنا الحكم في المكاتب فذهب الأصل فبطل القياس. . الخ. . لا يخلو من نظر فيما يظهر. والله تعالى أعلم. لأن قوله وإن لم يساعده منع الحكم في الأصل فبطل القياس وسموه القياس المركب فيه نظر لأنه لا يعرف عند الأصوليين تسمية منع الحكم في الأصل " بالقياس المركب " وليس القادح فيه التركيب، وإنما هو أحد أقسام المنع الأربعة الآتية، والقدح به يسمى منعاً لا تركيباً وليس من قسمي المنع اللذين هما قسما القياس المركب كما يأتي ايضاحه. واعلم ان ايضاح القياس المركب في اصطلاح أهل الأصول أنه قسمان أحدهما يسمى مركب الأصل والثاني يسمى مركب الوصف. (القياس المركب) أما مركب الأصل فهو أن يتفق الخصمان على حكم الأصل وعلى كون الوصف المدعي أنه علة موجوداً فيه، ولكن كل واحد منهما يدعي له علة غير علة الآخر، كالاتفاق على تحريم الربا في البر وعلى وجود وصف الكيل والطعم فيه، مع أن بعضهم يقول: العلة الكيل، والآخر يقول: العلة الطعم مثلاً. . الخ. . أما مركب الوصف: فهو أن يتفق الخصمان أيضاً على حكم الأصل، ولكن العلة التي يثبته بها المستدل يقول الخصم أنها غير موجود في الأصل. ومثاله: قياس الشافعي والحنبلي: أن تزوجت فلانة فهي طالق

стр. 325

على فلانة التي أتزوجها طالق في عدم لزوم الطلاق بعد التزوج، فان المالكي يوافقهم في عدم الطلاق في الأصل، وهم يقولون: العلة تعليق الطلاق قبل ملك محله، فيمنع المالكي وجود هذه العلة في الأصل فيقول: هو تنجيز طلاق أجنبية وهي لا ينجر عليها الطلاق، ولو كان فيه التعليق على زواجها لطلقت بعد التزوج. فالحاصل: أن الاتفاق ثابت بين الخصمين في الحكم في نوعي المركب، فان منع الخصم كون الوصف علة الحكم مع اعترافه بوجود الوصف في الأصل فهو مركب الأصل، وإن منع وجود الوصف في الأصل فهو مركب الوصف سواء اعترف بأن ذلك الوصف المزعوم نفيه عن الأصل هو العلة أولا وبما ذكرنا تعلم أن قول المؤلف ﵀ وسموه القياس المركب لا يخلو من نظر. والله أعلم. وقياس العبد على المكاتب الذي مثل به يصح أن يكون مثالا للمركب ولكن أول الكلام لا يساعد على ذلك. ووجه اشتراط الثاني واضح لأن ماليس بمعقول لا تمكن فيه التعدية إلى محل آخر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - الركن الثاني الحكم: وله شرطان: - الأول: أن يكون حكم الفرع مساوياً لحكم الأصل كقياس الأرز على البر في تحريم الربا، فلا يصح قياس واجب على مندوب، ولا مندوب على واجب مثلا لعدم مساواتهما في الحكم. الثاني: كون الحكم شرعياً أي فرعياً لا ان كان عقلياً أو من الأصول أعني العقائد فلا يثبت ذلك بالقياس.

стр. 326

الركن الثالث: الفرع: - ويشترط فيه وجود علة الأصل فيه لأن وجودها فيه هو مناط تعدية الحكم إليه، واختلف في اشتراط تقدم الأصل على الفرع فعلى أنه شرط لا يقاس الوضوء على التيمم مثلا في وجوب اشتراط النية لأن التيمم شرع متأخراً عن الوضوء، وعلى عدم اشتراطه فلا مانع من قياسه عليه. واختار المؤلف اشتراط ذلك في قياس العلة دون قياس الدلالة لأن العلة لا يجوز تأخيرها عن المعلول لئلا يلزم وجوده بدون علة، أو بعلة غير المتأخرة بخلاف قياس الدلالة، لجواز تأخير الدليل عن المدلول ومنع غير واحد ظهور حكم الفرع للمكلفين قبل ظهور حكم الأصل مطلقاً وعليه درج صاحب المراقي بقوله: منع الدليلين وحكم الفرع ... ... ... ظهوره قبل يرى ذا منع الركن الرابع: العلة: - وهي الجامع بين الفرع والأصل، وهو الوصف المشتمل على الحكمة الباعثة على تشريع الحكم. فتعريف المؤلف لها بأنها مجرد علامة لا يخلو من نظر. وقد تبع فيه غيره، وهو مبني على قول المتكلمين أن الأحكام الشرعية لا تعلل بالأغراض قائلين: أن الفعل من أجل غاية معينة يتكمل صاحبه بوجود تلك الغاية، والله جل وعلا منزه عن ذلك لأنه غني لذاته الغني المطلق، والتحقيق أن الله يشرع الأحكام من أجل حكم باهرة ومصالح عظيمة، ولكن المصلحة في جميع ذلك راجعة إلى المخلوقين الذين هم في غاية الفقر والحاجة إلى ما يشرعه لهم خالقهم من الحكم والمصالح وهو جل وعلا غني لذاته الغني المطلق عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله.

стр. 327

اعلم أولا أن العلة قد تكون حكماً شرعياً كما تقدم في قياس الدلالة. وتكون وصفاً عارضاً كالشدة في الخمر. وتكون وصفاً لازماً كالأنوثة في ولاية النكاح. وقد تكون فعلا للمكلف كالقتل والسرقة. وتكون وصفاً مجرداً كالكيل عند من يعلل به تحريم الربا في البر. وقد تكون مركبة من أوصاف كالقتل العمد العدوان، وكالاقتيات والادخار وغلبة العيش عند من يعلل بذلك تحريم الربا في البر. وقد تكون نفياً نحو لم ينفذ تصرفه لعدم رشده، وتكون وصفاً مناسباً وغير مناسب، فالمناسب كالاسكار لتحريم الخمر. والظاهر أن المراد بغير المناسب يشمل أمرين: الأول: هو ما لم يتحقق فيه المناسبة ولا عدمها كما تقدم في الدوران وقياس الشبه من أن الوصف المدار في الدوران والوصف الجامع في قياس الشبه لا يشترط في واحد منهما تحقق المناسبة فيه بل يكفي في الدوران احتمال المناسبة ويكفي في الشبه أن يشبه المناسب من جهة ولو كان يشبه الطردي من جهة أخرى. وكذلك الوصف المومى إليه في مسلك الايماء والتنبيه فالأكثرون من الأصوليين لا يشترطون فيه المناسبة. والثاني: هو ما تخلفت فيه الحكمة عن العلة في بعض الصور مع كون وجودها هو الغالب ومثاله المسافر سفر ترفه كالنائم على محمل فان أكثر أهل العلم على أن له أن يترخص بسفره ذلك فيقصر الصلاة ويفطر في رمضان لأن العلة التي هي السفر موجودة، ووصف السفر في هذا المثال ليس مناسباً لتشريع الحكم لتخلف الحكمة لأن حكمة التخفيف بالقصر والافطار هي تخفيف المشقة على المسافر، وهذا المسافر المذكور لا مشقة عليه أصلا، ووجه بقاء الحكم هنا مع انتفاء حكمته هي أن السفر مظنة

стр. 328

المشقة غالباً، والمعلل بالمظان لا يتخلف بتخلف حكمته اعتباراً بالغالب والغاء للنادر. ومما يوضح ذلك أن الوصف الطردي المحض لا يعلل به قولا واحداً. وربما كانت العلة وصفاً غير موجود في محل الحكم الا أنه يترقب وجوده كتحريم نكاح الأمة لعلة خوف رق الولد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - قال بعض أصحابنا من شرط العلة أن تكون متعدية فان كانت قاصرة على محلها كتعليل الربا في الأثمان بالثمينة لم يصح وهو قول الحنفية. . الخ. . اعلم أن علة الحكم إذا كانت لا تتعداه إلى غيره أجمع العلماء على منع القياس بها لعدم تعديها إلى الفرع واختلفوا في صحة تعليل محلها القاصرة عليه بها، فذكر المؤلف عن الأصحاب عدم صحته وعزاه للحنيفة واستدل له بثلاثة أمور: الأول: أن علل الشرع أمارات، والقاصرة ليست كذلك. الثاني: أن الأصل عدم العمل بالظن وإنما جوز لضرورة العمل بالأدلة الظنية، والقاصرة لا عمل بها. الثالث: أن القاصرة لا فائدة فيها، وأجاز التعليل بها أكثر المالكية والشافعية وصححه صاحب جمع الجوامع واختاره أبو الخطاب وعليه درج في المراقي بقوله: وعللوا بما خلت من تعدية ... ... ... ليعلم امتناعه والتقوية وذكروا لها فوائد. . منها:

стр. 329

أنها تقوي الحكم بإظهار حكمته، وذلك أدعى إلى القبول والطمأنينة. ومنها أنها يعلم بسببها امتناع القياس عليه لكونها قاصرة على محلها، ومن أمثلتها جعل شهادة خزيمة كشهادة رجلين لعلة سبقه إلى ذلك النوع من تصديقه ﷺ ، ومناقشات الأصوليين في قبول العلة القاصرة وردها كثيرة جداً. والأظهر بحسب النظر جواز التعليل بها مع منع القياس بها قولا واحداً قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) في اطراد العلة . وهو استمرار حكمها في جميع محالها. حكى أبو حفص البرمكي في كون ذلك شرطاً لصحتها وجهين: أحدهما أنه شرط فمتى تخلف الحكم عنها مع وجودها استدللنا على أنها ليست العلة إن كانت مستنبطة أو على أنها بعض العلة أن كانت منصوصة وقد نصر هذا الوجه القاضي أبو يعلى وبه قال بعض الشافعية. الوجه الآخر: تبقى حجة فيما عدا المحل المخصوص كالعموم إذا خص، واختار هذا الوجه أبو الخطاب وبه قال مالك والحنيفة وبعض الشافعية. . الخ. . اعلم أن هذا المبحث الذي هو هل يشترط في العلة الأطراد أي وجود الحكمكلما وجدت العلة هو بعينه مبحث النقض هل هو قادح في العلة أو مخصص لعمومها لأن النقض هو وجود العلة دون الحكم كما تقدم،

стр. 330

فعلى اشتراط اطراد العلة فالنقض قادح فيها، وعلى عدمه فهو تخصيص لعمومها. إذا علمت ذلك فاعلم أن خلاصة ما ذكره االمؤلف في هذا المبحث أنه راجح إلى أربعة أضرب: الأول: ما علم أنه مستثنى من قاعدة القياس كايجاب الدية على العاقلة مع أن جناية الشخص علة لوجوب الضمان عليه هو دون غيره، وكايجاب صاع من تمر في لبن المصراة مع أن علة ايجاب المثل في المثليات التماثل بينهما، وكبيع العرايا مع وجود المزابنة فيها أي الربا وورودها على علة كل معلل (١) هذا لا ينقض العلة اجماعاً. الضرب الثاني: تخلف الحكم عن العلة من أجل معارضتها بعلة أخرى، واختيار المؤلف في هذا أنه أيضاً ليس نقضاً للعلة، ومثاله تعليل رق الولد برق أمه، فولد المغرور بحرية جارية فتزوجها يكون حراً مع وجود العلة التي هي رق الأم لأنها عورضت بعلة أخرى وهي الغرور الذي صار سبباً لحرية الولد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - فهذا لا يكون نقضاً للعلة أيضاً ولا يفسدها لأن الحكم ههنا كالحاصل تقديراً يعني أن رق الولد كالحاصل بدليل لزوم القيمة فيه، ولا يخفى أن هذا إنما هو على القول بلزوم القيمة وعلى القول بعدم لزومها فالظاهر أنه من قبيل العلة التي منع من تأثيرها مانع فالغرور مانع من تأثير رق الأم

стр. 331

في رق الولد. الضرب الثالث: أن يتخلف الحكم عنها لعدم مصادفتها لمحلها أو لفوات شرطها كالسرقة م غير حرز، وسرقة أقل من نصاب، وكوجود الزنا دون الاحصان بالنسبة إلى الرجم، ومن هذا القبيل وجود المانع كتخلف القصاص عن القتل لمانع الأبوة. الضرب الرابع: هو ما كان تخلف الحكم فيه لغير أحد هذه الأضرب الثلاثة، وهو الذي قدمنا فيه الوجهين عن أبي حفص البرمكي في أول هذا البحث. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) والمستثنى من قاعدة القياس منقسم إلى ما عقل معناه، وإلى ما لم يعقل. . الخ. . فالأول: يصح أن يقاس عليه ما وجدت فيه العلة كاستثناء العرايا للحاجة، فلا يبعد قياس العنب على الرطب في ذلك إذا تبين أنه في معناه، وكاباحة أكل الميتة للمضطر صيانة لحياته يقاس عليه بقية المحرمات إذا اضطر إليها. والثاني: لا يصح فيه القياس كشهادة خزيمة وقوله ﷺ لأبي بردة: (اذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك) وكتفريقه ﷺ بين بول الجارية وبول الغلال ونحو ذلك هذا حاصل ما ذكره المؤلف مع أن القياس على الأول خالف فيه كثير

стр. 332

من العلماء كما أشار إليه صاحب المراقي بقوله: وقس على الخراج للمصالح ... ... ... ورب شيخ لامتناع جانح قال المؤلف رحمه الله تعالى: - قال أبو الخطاب: يجوز أن تكون العلة نفي صورة أو اسم أو حكم على قول أصحابنا. . . . الخ. . مثال نفي الصورة قولهم ليس بمكيل ولا موزون فلا يمتنع فيه ربا الفضل. ومثال نفي الاسم قولهم ليس بتراب فلا يجوز التيمم به. ومثال نفي الحكم قولهم في الخمر لا يجوز بيعه فلا يجوز رهنه. وخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الفصل أنه يجوز تعليل الوجودي بالعدمي خلافاً لمن منع ذلك. ومثاله: ترك الصلاة فان عدم فعلها علة للقتل، والقتل وجودي، وعدم مال القريب علة لوجوب النفقة عليه، وعدم المال في حق المسكين والفقير علة لكونهما من مصارف الزكاة. قال مقيده عفا الله عنه: - حاصل هذا المبحث راجع إلى أربعة أقسام: لأن العلة إما وجودية وإما عدمية والمعلل بها إما وجودي أو عدمي فالمجموع أربعة من ضرب اثنتين باثنين، ثلاثة منها لا خلاف في التعليل بها. وهي: تعليل الوجودي بالوجودي وتعليل العدمي بالعدمي وتعليل العدمي بالوجودي. والرابعة هي محل الخلاف وهي تعليل الوجودي بالعدمي، وقد عرفت الراجح منها آنفاً.

стр. 333

مثال تعليل الوجودي بالوجودي كتعليل عدم الميراث بالكفر. (تنبيه) اختلف في الصفات الاضافية كالأبوة البنوة هل هي وجودية أو عدمية، وعلى أنها عدمية يجري فيها الخلاف المذكور. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) (يجوز تعليل الحكم بعلتين) اعلم أن لهذا المبحث صورتين: احداهما أن يعلل الحكم الواحد بعلتين أو أكثر بأن يثبت الحكم بكل واحدة منفردة عن الأخرى كالبول والغائط والتقبيل بالنسبة إلى نقض الوضوء وهذا لا اختلاف فيه في العلل المنصوصة، واختلف في جوازه في العلل المستنبطة وقد أشار إليه في الراقي بقوله: وعلة منصوصة تعدد ... ... ... في ذات الاستنباط خلف يعهد الصورة الثانية وهي التي يعنيها المؤلف: أن يكون الحكم معللا بمجموع العلتين لا احداهما بعينها كمن لمس وبال في وقت واحد فعلة نقض وضوئه بمجموعهما لا أحدهما بعينه. وكذلك إذا اجتمع لبان أختك لبان زوجة أخيك ووصل المجموع دفعة واحدة إلى حلق المرأة فانك تكون عماً لها وخالا في وقت واحد. والمجموع هو علة التحريم

стр. 334

لعدم تميز واحد بعينه. ولا يمكن أن يقال هما تحريمان لأن التحريم حقيقة واحدة، وهذه الصورة اختلف في التعليل بها واختيار المؤلف جواز ذلك. وشرطه عنده أن تكون منصوصة لا مستنبطة بدليل قوله في هذا المبحث، وإن كانت ثابتة بالاستنباط فسدت. . الخ. . ومنع التعليل بهذه الصورة الباقلاني وإمام الحرمين وغيرهما، والظاهر بحسب النظر هو ما درج عليه المؤلف لأن العلة لا تعدو تلك الأوصاف المجتمعة ولا تميز لواحد منها بعينه فيتعين اعتبار مجموعها. والله أعلم. ولا يرد على ما ذكره المؤلف القدح بعدم العكس أي ملازمة المعلول للعلة في الانتفاء كما لو قلت قد ينتفي البول والغائط ولا ينتفي نقض الوضوء لوجود على أخرى كالنوم مثلا: وكقولك قد ينتفي رضاع الأخت وزوجة الأخ ولا ينتفي تحريم النكاح لوجوده بعلة أخرى كالمصاهرة أو ارضاع من غير من ذكر لأن عدم العكس على القول بأنه قادح محله في الحكم المعلل بعلة واحدة دون المعلل بعلل فلا يقدح فيه قولا واحداً. قال في المراقي: وعدم العكس مع اتحاد ... ... ... ... يقدح دون النص بالتماد قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) (قال قوم يجوز إجراء القياس في الأسباب) خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الفصل أن الأصوليين اختلفوا في اجراء القياس في الأسباب واختيار المؤلف جواز ذلك، وحاصل كلامه

стр. 335

فيه: أن يجعل الشارع وصفاً سبباً لحكم فيقاس عليه وصف آخر فيحكم بكونه سبباً أيضاً، فالنبي ﷺ جعل الغضب سبباً لمنع الحكم من القضاء فيقاس على الغضب الجوع والحزن مثلا فتجعل أسباباً لمنع القضاة أيضاً. واعلم أن أكثر الأصوليين على منع القياس في الأسباب والشروط والموانع وجعلوا المثال الذي ذكرناه ونحوه من تنقيح المناط وهو مفهوم الموافقة والأكثرون على أنه ليس قياساً كما تقدم، خلافاً للشافعي وطائفة. وعللوا بأن القياس في الأسباب يفضي إلى ما لا ينبغي فلا يحسن قياس طلوع الشمس على غروبها في كونه سبباً لوجوب الصلاة مثلاً، وعللوا منعه في الأسباب أيضاً بكونه يخرجها عن أن تكون أسباباً لاستلزام القياس نفي السببية عن خصوص الأصل المقيس عليه، فيكون السبب المقيس عليه بالمقياس غبر سبب مستقل، وهكذا في المانع والشرط. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) ويجري القياس في الكفارات والحدود وهو قول الشافعية وأنكره الحنفية. . الخ. . خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أن دخول القياس في الكفارات والحدود اختلف فيه واختار هو جوازه واستدل له بأنه يجري فيه قياس التنقيح كما تقدم في السبب ولأنهما أحكام شرعية عقلت عللها فجاز فيها القياس.

стр. 336

(تنبيه) اعلم أن المسائل التي اختلف في جريان القياس فيها سبع: وهي: ١- الحدود، ٢- الكفارات، ٣- التقادير، ٤- الرخص، ٥- الأسباب، ٦- الشروط، ٧- الموانع. واختيار المؤلف جوازه في الرخص كما تقدم في جواز قياس العنب على الرطب في بيع العرايا ونحو ذلك، ولم يتعرض للباقي، وقد أجازه في الباقي قوم ونعه آخرون وهم الأكثر ومنهم المالكية كما هو ممنوع عندهم أيضاً في الرخص، ومثال القياس في الأسباب قد تقدم، ومثاله في الحدود قياس اللائط على الزاني في وجوب الحد بجامع ايلاج الفرج في فرج مشتهي طبعاً محرماً شرعاً، وقياس النباش على السارق في القطع بجامع أخذ مال الغير من حرز مثله. ومثاله في الكفارات اشتراط الايمان في رقبة كفارة الظهار واليمين قياساً على كفارة القتل خطأ بجامع أن الكل كفارة، ومثاله في التقديرات جعل أقل الصداق ربع دينار عند من اشترط ذلك قياسا على اباحة قطع اليد في السرقة بجامع أن كلا منهما فيه استباحة عضو. ومثاله في الشروط قياس استقصاء الأوصاف في بيع الغائب على الرؤية عند من يقول بذلك ومثاله في المانع قياس نسيان الماء في الرحل على المانع مع استعماله حساً كالسبع واللص في صحة الصلاة عند من يقول بذلك.

стр. 337

قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) (القوادح) قال بعض أهل العلم يتوجه على القياس اثنا عشر سؤالا. . الخ. . اعلم أن هذا المبحث هو المعروف ببحث القوادح وأوصلها بعضهم إلى خمسة وعشرين وبعضهم إلى ثمانية وعشرين. وأصل هذا المبحث من فن الجدل، وإنما يذكره الأصوليون لأنه من مكملات الدليل كالقياس. واعلم أن القوادح منها ما يقدح في العلة فقط، كالنقض، والتركيب، ومنها ما يقدح في الدليل علة أو غيرها كالقول بالموجب وهذه هي الأسئلة التي ذكرها المؤلف: الأول: الاستفسار: - وهو طلب تفسير اللفظ إذا كان فيه اجمال أو غرابة، ولا يرد هذا السؤال الا على ما فيه غرابة، ومثال الاجمال ما لو قال الحنبلي: يقاس الأرز على البر في تحريم الربا بجامع الوصف القائم بالبر الموجود في الأرز. فيقول المعترض: فسر لنا مرادك بالوصف ليمكننا النظر فيه أصحيح أم لا. ومثال الغرابة ما لو قال: من قتل بالزخيخ قتل به قياساً على السيف. فيقال: ماالزخيخ؟ (وهو النار) . وعلى المعترض في هذا السؤال اثبات الاجمال أو الغرابة، ويكفيه في

стр. 338

اثبات الاجمال بيان احتمالين في اللفظ، كما لو قال: يجب أخذ العين بالعين قياساً على غيره من سائر الانتصافات. فيقول: ما مرادك بالعين؟ فيجيب: ليس في قولي اجمال، فيثبت خصمه الاجمال بأن العين تطلق على الباصرة، والجارية، والنقد. وجوابه بمنع تعدد الاحتمال أو بترجيح أحدهما. ومثال منع تعدد الاحتمال كما لو قيل: يجوز لك أن تمنع الشرب من عينك قياساً على قربتك فيقول: ما مرادك بالعين فيجيب ليس في كلامي اجمال لأنه لا يحتمل الا معنى واحداً، فيقول: أليست العين مشتركة بين الباصرة والجارية مثلا، فيجيب: لفظ الشرب قرينة تعين الجارية دون الباصرة، فلا يحتمل اللفظ غير الجارية. ومثال الترجيح أن نقول: إذا حال الأسد بينك وبين الماء والماء قريب منك جاز لك التيمم قياساً على عادم الماء، فيقول: الأسد يطلق على الحيوان المفترس وعلى الرجل الشجاع، فأيهما تريد؟ فيجيب: هو في الحيوان المفترس أظهر عند التجرد من القرينة، واحتماله أرجح من غيره فيجب الحمل عليه دون الاحتمال المرجوح. وهذا السؤال ليس بقادح في الحقيقة وإنما هو مطالبة باظهار المراد من الدليل ليمكن المعترض الحكم عليه بابطال أو تسليم. السؤال الثاني: فساد الاعتبار: - وهو مخالفة الدليل لنص أو اجماع، فمخالفته للنص كقياس لبن المصراة على غيره من المثليات في وجوب المثل، فانه فاسد الاعتبار لمخالفته نص الرسول ﷺ على أن فيه صاعاً من تمر. وكالقول بمنع السلف في الحيوان لعدم انضباطه قياساً على غيره من المختلطات،

стр. 339

فيعترض بأنه مخالف لما ثبت عنه ﷺ من أنه استلف بكراً ورد رباعياً وقال: إن خير الناس أحسنهم قضاء، ومثال مخالفة الاجماع، قول الحنفي: لا يغسل الرجل زوجته الميتة لحرمة النظر إليها قياساً على الأجنبية، فيعترض بأن علياً غسل فاطمة ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. فصار اجماعاً سكوتياً وعرفه في المراقي بقوله: والخلف للنص أو اجماع دعا ... ... ... فساد الاعتبار كل من وعا وجواب المستدل عن فساد الاعتبار من وجهين: أحدهما: أن يبين أن النص لم يعارض دليله. الثاني: أن يبين أن دليله أولى بالتقديم من نص المعارض. فمثال الأول أن يقال: شرط الصوم النية في رمضان فلا تصح نيته في النهار قياساً على القضاء، فيقول الحنفي هذا فاسد الاعتبار لمخالفته لقوله تعالى: " والصائمين والصائمات " إلى قوله تعالى: " أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيما " فانه يدل على ثبوت الأجر العظيم لكل من صام وذلك مستلزم للصحة. فيقول المستدل: الآية لا تعارض دليلا ولا تدل على الصحة لأن عمومها مخصص بحديث: (لا صيام لمن لا يبيت النية من الليل) . ومثال الثاني: أن يقال: قياس العبد على الأمة في تشطير حد الزنا بالرق فاسد الاعتبار لمخالفة عموم قوله تعالى: " الزانية والزاني فاجلدوا " لأننا تقول هذا القياس مقدم على ذاك العموم ومخصص له لأنه أخص منه في محل النزاع.

стр. 340

فائدة: - اعلم أن أول من قاس قياساً فاسد الاعتبار ابليس حيث عارض النص الصريح الذي هو السجود لآدم بأن قياس نفسه على عنصره، وقاس آدم على عنصره، فأنتج من ذلك أنه خير من آدم وأن كونه خيراً من آدم يمنع سجوده له المنصوص عليه من الله. وقياس ابليس هذا مردود من ثلاثة أوجه: الأول: هو ما ذكر من كونه فاسد الاعتبار لمخالفة النص. والثاني: منع كون النار خيراً من الطين، بأن النار طبيعتها الخفة، والطيش والافساد والتفريق، وأن الطين طبيعته الرزانة والاصلاح، تودعه الحبة فيعطيكها سنبلة والنواة فيعطيكها نخلة، وإذا نظرت إلى ما في البساتين الجميلة من أنواع الفواكه والحبوب والزهور عرفت أن الطين خير من النار. الثالث: أنا لو سلمنا جدلياً أن النار خير من الطين، فشرف الأصل لا يستلزم شرف الفرع فكم من أصل رفيع وفرعه وضيع. إذا افتخرت بآباء لهم شرف ... ... ... قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا السؤال الثالث - فساد الوضع: - وضابطه أن يكون الدليل على غير الهيئة الصالحة لأخذ الحكم منه كأن يكون صالحاً لضد الحكم أو نقيضه كأخذ التوسع من التضييق والتخفيف من التغلظ، والنفي من الاثبات أو الاثبات من النفي. فمثال أخذ التوسيع من التضييق قول الحنفي: الزكاة واجبة على وجه الارفاق لدفع حاجة المسكين فكانت على التراخي كالدية على العاقلة، فالتراخي الموسع ينافي دفع الحاجة المضيق.

стр. 341

ومثال أخذ التخفيف من التغليظ قول الحنفي: القتل العمد العدوان جناية عظيمة فلا تجب فيه الكفارة كالردة. . فعظم الجناية يناسب تغليظ الحكم لا تخفيفه بعد الكفارة. ومثال أخذ النفي من الاثبات قول الشافعي في معاطاة المحقرات: لم يوجد فيها سوى الرضا فلا ينعقد بها البيع كغير المحقرات فالرضا يناسب الانعقاد لا عدمه. ومثال أخذ الاثبات من النفي قول من يرى صحة انعقاد البيع في المحقرات وغيرها بالمعاطاة كالمالكية، بيع لم توجد فيه الصيغة فينعقد فان انتفاء الصيغة يناسب عدم الانعقاد لا الانعقاد. واعلم أن من صور فساد الوضع كون الوصف الجامع ثبت اعتباره بنص أو اجماع، الهر سبع ذو ناب فيكون سؤره نجساً كالكلب فيقال: وصف السبعية اعتبره الشارع علة للطهارة حيث دعى إلى دار فيها كلب فامتنع، وإلى دار فيها سنور فلم يمتنع فسئل عن ذلك فقال: الهر سبع، مثل بهذا بعض الأصوليين والظاهر أنه على تقدير ثبوت الحديث، قد يكون الامتناع عن دار فيها كلب من أجل أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب. والله أعلم. وعرف في المراقي فساد الوضع بقوله: من القوادح فساد الوضع أن ... ... ... يجي الدليل حائداً عن السنن كالأخذ للتوسع والتسهيل ... ... ... والنفي والاثبات من عديل والجواب عن فساد الوضع بأحد أمرين: الأول: أن يدفع قول الخصم أنه يقتضي نقيض الحكم، كقول الحنفي: قولكم أن القتل عمداً يقتضي نقيض نفي الكفارة الذي هو وجوبها مدفوع فان جناية القتل لعظمها تستدعي أمراً أغلظ من الكفارة وهو القصاص،

стр. 342

فلا يقتضي عظمها نقيض نفي الكفارة. الثاني: أن يبين أن ما ذكره يقتضيه دليله من جهة أخرى كقول الحنفي في مسألة الزكاة المتقدمة: إنما قلت بالتراخي لمناسبته للرفق بالمالك. فالمستدل نظر إلى الرفق بالمالك والمعترض نظر إلى حاجة المسكين. تنبيهان: - اعلم أن فساد الاعتبار وفساد الوضع يقدح بهما في كل دليل قياساً كان أو غيره. اعلم أن النسبة بينهما اختلف فيها: (أ) فقيل فساد الاعتبار أعم مطلقاً وبه صرح الآمدي في أحكامه وهو ظاهر قول السبكي في جمع الجوامع. (ب) والحق في ذلك ما حققه بعض المتأخرين من أن النسبة بينهما الموم والخصوص من وجه، يجتمعان فيما هو مخالف للنص مع كونه على غير الهيئة الصالحة لأخذ الحكم. وينفرد فساد الاعتبار بما خالف النص وكان على الهيئة الصالحة لأخذ الحكم منه. السؤال الرابع: المنع: - ومواقعه أربعة: منع حكم الأصل. منع وجود ما يدعيه علة في الأصل. منع كونه علة. منع وجوده في الفرع.

стр. 343

ومثال منع حكم الأصل - قول الحنبلي: جلد الميتة نجس فلا يطهر بالدباغ كجلد الكلب، فيقول الحنفي: " لا أسلم حكم الأصل وهو أن جلد الكلب لا يطهر بالدباغ بل هو يطهر به عندي. وأما منع وجود ما يدعيه علة، ومنع كونه علة: فهما مركب الوصف ومركب الأصل وقد أوضحناهما سابقاً، وعدهما في القوادح بناء على أن المركب بنوعيه مردود وهو المختار كما أشار إليه في المراقي بقوله: وان يكن لعلتين اختلفا ... ... ... تركب الأصل لدى من سلفا مركب الوصف إذا الخصم منع ... ... ... وجود ذا الوصف في الأصل المتبع ورده انتقى وقيل يقبل ... ... ... وفي التقدم خلاف ينقل ومحل الشاهد منه قوله: ورده انتقى: أي اختير. ومثال منع وجوده في الفرع: قول الجمهور بقطع يد النباش قياساً على السارق بجامع السرقة. فيقول الحنفي: وجود العلة التي هي السرقة ممنوع في الفرع لأن النباش ليس بسارق، بل هو آخذ مال عارض للضياع كالملتقط. واعلم أنه اختلف في تةجيه المنع على حكم الأصل هل ينقطع به المستدل أو لا؟ واختيار المؤلف أنه لا ينقطع به بل له اقامة الدليل على الحكم، ووجه منعه انتشار الكلام والانتقال إلى مسألة أخرى لأن ذلك قد يتسلسل. السؤال الخامس: التقسيم: - وهو قادح عند الجمهور في الدليل ومنع قوم القدح به، وضابط التقسيم

стр. 344

أن يحتمل لفظ مورد في الدليل معنيين أو أكثر بحيث يكون متردداً بين تلك المعاني، والمعترض بمنع وجود علة الحكم في واحد من تلك المحتملات كأن يقول مشترط النية في الوضوء: " الطهارة قربة فتشترط فيها النية كغيرها من القرب، فيقول الحنفي: الطهارة النظافة أو الأفعال المخصوصة التي هي الوضوء شرعاً. والأول ممنوع كونه قربة التي هي علة في وجوب النية. ومن أمثلته: أن يستدل على ثبوت الملك للمشتري في زمن الخيار بوجود سبب الملك فيقول المعترض: السبب مطلق البيع أو البيع الذي لا شرط فيه، والأول ممنوع، والثاني مسلم ولكنه مفقود في محل النزاع. فالجواب عن التقسيم كالجواب عن الاستفسار المتقدم وهو أن يبين أن لفظه لا يحتمل الا ذلك المعنى أو أنه أظهر فيه، وعرفه في الراقي وعرف جوابه والخلف فيه بقوله: ويقدح التقسيم أن يحتملا ... ... ... لفظ لأمرين ولكن حظلا وجود علة بأمر واحد ... ... ... وليس عند بعضهم بالوارد جوابه بالوضع في المراد ... ... ... أو الظهور فيه باستشهاد شروط صحة التقسيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: - ويشترط لصحة التقسيم شرطان: الأول: أ، يكون ما ذكره المستدل منقسماً إلى ما يمنع وما يسلم. فلو زاد المعترض وصفاً لم يذكره المستدل لم يقبل منه.

стр. 345

الثاني: أن يكون التقسيم حاصراً لجميع الأقسام فان لم يحصرها فللمستدل أن يبين أن مورده غير ما عينه المعترض بالذكر، ووجه قبول القدح بالتقسيم أن اللفظ إذا احتمل أمرين: أحدهما باطل فهو محتمل للطلان فلا تنتهض به حجة ووجه رد القدح به أن احتمال البطلان لا يبطل الدليل. السؤال السادس: المطالبة: - اعلم أن حقيقة المطالبة في الاصطلاح هي منع كون الوصف علة الحكم وهي بعينها أحد أقسام المنع الأربع المتقدمة، وقد قدمنا أن هذا النوع من المنع هو مركب الأصل في موضعين ان ادعى الخصم المانع علة أخرى. ومثال المطالبة قول الحنبلي للشافعي: أثبت دليلك على أن علة الربا في البر الطعم. ولما ذكر القدح في المراقي بمنع وجود الوصف وبمنع كونه علة في قوله: من القوادح كما في النقل ... ... ... منع وجود علة في الأصل ومنع علية ما يعلل ... ... ... به وقدحه هو المعول قال في شرحه: وهذا الأخير هو المسمى بالمطالبة. السؤال السابع: النقض: - وقد قدمنا حده مراراً وقلنا بأنه وجود الوصف المعلل به دون الحكم وقسمناه في الكلام على اشتراط اطراد العلة إلى أربعة أقسام، وأوضحناها سابقاً، ونزيد هنا ذكر أقوال العلماء فيه، وأوجه الجواب عن القدح به بناء على أنه قادح. اعلم أن بيع العرايا ونحوه لا يقدح به في علة الربا بالنقض اجماعاً كما

стр. 346

تقدم بل هو تخصيص لحكم العلة كالعموم، أما غيره فقال قوم هو قادح مطلقاً، وقال قوم هو تخصيص لحكم العلة لا قدح فيها وعليه الأكثر. وروي عن مالك أنه تخصيص في المستنبطة وقدح في المنصوصة، وقال قوم بالعكس وعزاه امام الحرمين في البرهان للأكثر وهو أوجه عندي مما قبله، لأن النص على صحة العلة أقوى من النقض بتخلف الحكم عنها فلا يبطل الأقوى بالأضعف. واختار ابن الحاجب في مختصره الأصولى: أن النقض قادح في المنصوصة الثابتة بدلالة قطعية بخلاف الثابتة بظاهر عام، فهو تخصيص لها، وأنه يقدح في المستنبطة أن لم يكن تخلف الحكم عنها لوجود مانع أو فقد شرط. وذكر في المراقي هذا الخلاف مع تعريف النقض بقوله: منها وجود الوصف دون الحكم ... ... ... سماه بالنقض وعاة العلم والأكثرون عندهم لا يقدح ... ... ... بل هو تخصيص وذا مصحح وقد روى عن مالك تخصيص ... ... ... ان يك الاستنباط لا التنصيص وعكس هذا قد رآه البعض ... ... ... ومنتقى ذي الاختصار النقض ان لم تكن منصوصة بظاهر ... ... ... وليس فيما استنبطت بضائر ان جا الشرط أو لما منع ... ... ... والوفق في مثل العرايا قد وقع (تنبيه) والجواب عن النقض بناء على أنه قادح من أوجه خمسة: الأول: منع وجود الوصف أي العلة في صورة النقض فيصير تخلف الحكم لعدم وجود علته وجود علته فلا نقض إذاً ومثاله أن يقال فيما لو رمى الوالد ولده بحديدة مثلا فقتله قتل عمد عدوان، وهذه علة القصاص في هذه

стр. 347

الصورة وفد تخلف الحكم عنها مع وجودها فهذا نقض للعلة. فيقول المالكي مثلا: العلة غير موجودة في هذه الصورة، فعدم القصاص فيها لعدم وجود العلة ففيها دليل على صحة انعكاس العلة الذي هو عدم الحكم عند عدمها بل رمى الوالد لولده بحديدة أو نحوها أن يقصد به التأديب ولا يقصد به القتل، فلم يتحقق وجود القتل العمد العدوان في هذه الصورة، وقد قدمنا مراراً أن المثال يصح على شطر خلاف وأنه يكفي فيه الفرض والاحتمال لأن المراد منه فهم القاعدة. الثاني من أجوبة النقض: منع تخلف الحكم عن العلة بأن يقول: الحكم موجود لوجود علته، ومثاله: ما لو ذبح الوالد ولده أو شق بطنه، أو قطع رأسه أو نحو ذلك مما لا يحتمل التأديب بحال وإنما هو صريح في قصد قتله عمداً عدواناً فان المالكية يقولون بوجوب القصاص من الأب في هذه الصورة فلو قال غيرهم في الصورة المذكورة: قتل عمد عدوان وهذه هي علة القصاص وقد تخلف عنها الحكم الذي هو القصاص وذلك نقض للعلة، فانهم يجيبون (أي المالكية) عن هذا النقض بمنع تخلف الحكم بل يقولون الحكم غير متخلف هنا والقصاص واجب من الأب في هذه الصورة. وقولكم الوالد سبب في وجود الولد فلا يصح أن يكون الولد سبباً في اعدامه منتقض بما لو زنى الأب بابنته فانه يرجم اتفاقاً، فقد كان سبباً في وجودها، وكانت سبباً في اعدامه وجناية الزنا ليست أعظم من جناية القتل. وشرط صحة الجواب بهذا أن لا يكون انتفاء الحكم في صورة النقض مذهب المستدل. فالذي يرى عدم القصاص من الأب في الصورة المذكورة لا يمكنه أن يجيب عن النقض المذكور بوجود الحكم الذي

стр. 348

هو القصاص لأنه يرى عدم وجوبه. الثالث من أجوبة النقض: بيان مانع من تأثير العلة في الحكم أو نقد شرط تأثيرهما فيه عند من يرى ذلك مانعاً من النقض. ومثال بيان مانع من تأثيرها أن يقال في قتل الوالد قتل عمد عدوان وهو علة القصاص، والحكم الذي هو القصاص متخلف هنا عن علته اذ لا قصاص من الوالد لولده فالعلة منتقضة لوجودها بدون حكمها، فيجاب عن هذا بأن القتل العمد العدوان علة للقصاص ولكن هذه العلة منع من تأثيرها في الحكم في هذه الصورة مانع هو الأبوة. ومن أمثلته المغرور بحرية الأمة، فتزوجها يظنها حرة لغرور سيدها له بدعواه أنها حرة على قول من يقول أن ولده منها حر ولا يلزمه دفع قيمته لسيدها الذي غره، فيقال: رق الأم علة لرق ولدها لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها، وقد وجدت في هذه الصورة علة رق الولد التي هي رق أمه مع تخلف الحكم لأن ولد المغرور حر فهذا نقض للعلة. . فيجاب عن هذا بأن رق الأم علة لرق الولد ولكن هذه منع من تأثيرها في حكمها في هذه الصورة مانع هو الغرور. . ومثال فقد شرط تأثير العلة في حكمها ما لو سرق أقل من نصاب أو سرق نصاباً من غير حرز مثله، فيقال: هذا قد وجدت منه السرقة وهي علة القطع ولكن شرط تأثير هذه العلة في حكمها مفقود هنا لأنه يشترط في تأثيرها في حكمها أن يكون المسروق نصاباً وأن يكون السارق أخرجه من حرز مثله. الرابع من أجوبة النقض: كون الصورة الوارد فيها النقض مستثناة بالنص من القاعدة الكلية بأن يقول في بيع العرايا، بيع رطب بتمر وعلة التحريم التي هي المزابنة موجودة فيه، وقد تخلف حكمها عنها وهو منع

стр. 349

البيع، فهو نقض للعلة. فيجاب عن هذا بأن الصورة أخرجها دليل خاص مع بقاء علتها معتبرة في تحريم الرطب بالتمر في ماسواها. وقد يقول المستدل للمعترض بالنقض في الصورة المذكورة، هذا وارد عليك وعلي، فليس بطلان مذهبي به أولى من بطلان مذهبك، ومثل هذا لا خلاف بين العلماء في أنه تخصيص لحكم العلة لا نقض لها، فهو تخصيص العام بقصره على بعض الأفراد بدليل خاص. الخامس من أجوبة النقض: هو أن تكون المصلحة المشتملة عليها العلة معارضة بمفسدة أرجح منها مساوية لها، كأن يقال في أكل المضطر الميتة: قذارة الميتة علة لحرمة أكلها، والعلة التي هي قذارتها موجودة في هذه الصورة مع أن الحكم الذي هو منع الأكل متخلف عنها فيجاب عن هذا بأن مصلحة تجنب المستقذرات معارضة في هذه الصورة بمفسدة أرجح منها هي هلاك المضطر ان لم يأكل الميتة، فالقذارة علة لمنع الأكل ولكنها عورضت بما هو أقوى منها. . تنبيهات: - الأول: قول المؤلف ﵀ في هذا المبحث " وأما الكسر " وهو ابداء الحكمة بدون الحكم فغير لازم. . الخ. . فيه نظر من جهتين: الأولى: أنه عرف الكسر بأنه ابداء الحكمة بدون الحكم، والكسر يشمل أعم مما ذكره. الثانية: أنه قال: لا يلزم به قدح وبه قال بعض الأصوليين واختاره ابن الحاجب في بعض المواضيع من مختصره. مع أن جماعة من أهل الأصول صححوا أنه قادح. قال ابن الحاجب وهو اسقاط وصف من العلة. . . الخ. . فالظاهر أن الكسر كالنقض، فعلى أن النقض قادح فالكسر كذلك. والجواب عنه كالجواب عنه.

стр. 350

وقال صاحب الضياء اللامع في شرح جمع الجوامع، واتفق أهل العلم على صحته وافساد العلة به. انتهى محل الغرض منه. واعلم أن من أنواع الكسر ما ذكره المؤلف وهو ابداء الحكمة بدون الحكم وجزم بأنه غير قادح واختاره ابن الحاجب في بعض المواضع من مختصره، ومثل له بقول الحنفي في المسافر العاصي بسفره: مسافر فيترخص في سفره كغير العاصي. فاذا قيل له: ولم قلت ان السفر علة للترخيص قال بالمناسبة لما فيه من المشقة المقتضية للترخص لأنه تخفيف وهو نفع للمترخص، فيعترض عليه بصنعة شاقة في الحضر كحمل الأثقال وضرب المعاول وما يوجب قرب النار في ظهيرة القيظ في القطر الحار. فهنا قد وجدت الحكمة وهي المشقة، ولم يوجد الحكم الذي هو قصر الصلاة واباحة الفطر مثلا. والجواب عن هذا أن الشرع انما اعتبر مشقة السفر فالعلة في الترخص السفر فالعلة في الترخص السفر وحكمتها رفع المشقة فأصل العلة لم يوجد في الصنعة الشاقة في الحضر، فلم يقع كسر في العلة، وسفر العاصي بسفره علة للترخص والمانع من تأثيرها هنا عند من يقول به أن الترخيص تخفيف والتخفيف على العاصي إعانة له على معصيته، والله يقول: " ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ". ومن أنواع الكسر: تخلف الحكمة مع وجود الحكم اختلف فيه هل ينتفي فيه الحكم لانتفاء حكمته، أولا ينتفي بناء على أن المعلل بالمظان لن

стр. 351

يتخلف فيه الحكم بتخلف الحكمة نظراً إلى إناطة الحكم بالمظنة وإلى هذا الخلاف أشار في مراقي السعود بقوله: وفي ثبوت الحكم عند الانتفا ... ... ... للظن والنفي خلاف عرفا وقال في شرحه لمراقي السعود المسمى بنشر البنود: لكن الفروع المبنية على هذه القاعدة، منها ما رجح فيه ثبوت الحكم كاستبراء الصغيرة، فان حكمة الاستبراء تحقق براءة الرحم وهي متحققة بدون الاستبراء وكمن مسكنه على البحر ونزل منه في سفيتة قطعت به مسافة القصر في لحظة فإنه يجوز له القصر في سفره هذا، ومنها ما يرجح فيه انتفاء الحكم لانتفاء حكمته قطعاً الغاء للمظنة من أصلها أو بدليل مخصوص اقتضى الغاء المظنة فيها، وعلى هذا يتخرج كثير من المسائل كشرع الاستنجاء من حصاة لا بلل معها والغسل من موضع الولد جافاً، وعدم نقض الوضوء إذا لم تجد اللذة في اللمس بباطن الكف أو الأصابع، والنقض بالقبلة على الفم إذا لم توجد اللذة. هـ منه. ومن المسائل التي تتخرج على القاعدة المذكورة ما لو قال لأمرئته أنت طالق مع آخر جزء من الحيض، فهذا طلاق صادف الحيض وهو علة لتحريم الطلاق، ولكن يستعقب العدة فلا تطويل فيه فالحكمة الموجبة للمنع التي هي التطويل منتفية هنا، فمنهم من نظر إلى المعنى وقال وهو سني، ومنهم من نظر إلى مظنة التطويل وهو الحيض فقال وهو بدعي، وكذلك لو قال لها أنت طالق مع آخر جزء من الطهر فعلى أن هذه المسائل المذكورة وأمثالها الكثيرة ينتفي فيها الحكم لانتفاء حكمته فتخلف الحكمة عن الحكم فيما باق مع انتفاء حكمته. فعلى قول من يقول أن هذا النوع من الكسر غير قادح فلا اشكال وعلى قول من يقول انه قادح فالجواب عنده أن هذه

стр. 352

المسائل علق الحكم فيها بمظنة وجود الحكمة والمعروف أن المعلل بالمظان لا يتخلف الحكم فيه بتخلف الحكمة لأن الحكم فيها منوط بالمظنة وأشار بعض أهل العلم إلى هذا القول: ان علل الحكم بعلة غلب ... ... ... ... وجودها اكتفى بذا عن الطلب لها بكل صورة. . الخ. . وعليه فالمانع من القدح بهذا النوع من الكسر اناطة الحكم بمظنة الحكمة لا بنفس الحكمة، وذلك لأن نفس الحكمة ربما لا يمكن انضباطها، فلو علقنا حكم قصر الصلاة واباحة الفطر في رمضان مثلا بحصول المشقة لم تنضبط هذه الحكمة لاختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال فأنيط بسفر أربعة برد مثلا لأنه مظنة المشقة، ومن هنا لم ينظر الا للمظنة عند من يقول بذلك. ومن أنواع الكسر ابطال المعترض جزءاً من المعنى المعلل به، ونقضه ما بقي من أجزاء ذلك المعنى المعلل به فعلم أنه إنما يكون في العلة المركبة من وصفين فأكثر. والقدح به مقيد بأن يعجز المستدل عن الاتيان ببدل من الوصف الذي أبطله المعترض، فان ذكر بدلا يصلح أن يكون علة للحكم ألغى الكسر واستقام الدليل. وابطال الجزء بأن يبين المعترض أنه ملغي بوجود الحكم عند انتفائه. والمراد بنقض الباقي عدم تأثيره في الحكم وله صورتان: الصورة الأولى: أن يأتي المستدل ببدل الوصف المسقط عن الاعتبار كما يقال في وجوب أداء صلاة الخوف هي صلاة يجب قضاؤها لو لم تفعل فيجب أداؤها قياساً على صلاة الأمن، فإنها كما يج قضاؤها لو لم تفعل يجب أداؤها. فوجوب القضاء هو العلة، ووجوب الأداء هو الحكم المعلل

стр. 353

بتلك العلة. فيعترض بأن خصوص الصلاة بوصف عام هو العبادة بأن يقول: عبادة يجب قضاؤها لو لم تفعل. . الخ. . فينقض عليه المعترض أيضاً هذا البدل بصوم الحائض، فانه عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها بل يحرم. والصورة الثانية: أن لا يبدل المستدل الوصف الذي أبطله المعترض فلا يبقى للمستدل علة في المثال المذكور الا قوله يجب قضاؤها فينقضه المعترض بأن يقول ليس كل ما يجب قضاؤه يجب أداؤه بدليل صوم الحائض في رمضان فنها يجب عليها قضاؤه ولا يجب عليها أداؤه بل يحرم. هـ. فعلم مما ذكرنا أن الكسر يصدق بأنواع: منها ما لا ينبغي أن يختلف في أنه قادح. ومنها ما اختلف فيه والأظهر في بعض صوره عدم القدح: وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى أنه قادح مع ذكر بعض صوره بقوله في مبحث القوادح: والكسر قادح ومنه ذكرا ... ... ... ... تخلف الحكمة عنه من درى ومنه ابطال لجزء والحيل ... ... ... ... ضاقت عليه في المجئ بالبدل وضابط الكسر المنطبق على جميع جزئياته أنه اظهار خلل في بعض العلة فيصدق بوجود حكمتها بدونها، وبوجودها دون حكمتها، وبابطال بعض أجزائها مع العجز عن بدل منه صالح. وقد تقدم ايضاح ذلك كله بأمثلته. وبما ذكرنا تعرف ما في كلام المؤلف ﵀ كما أشرنا إليه. التنبيه الثاني: أظهر قولي أهل الأصول عندي وجوب الاحتراز في الدليل على صورة

стр. 354

النقض بأن يذكر في دليله ما تخرج به الصورة التي يرد عليها النقيض كأن يقول في علة القصاص " قتل عمد عدوان واقع من غير والد لولده فيجب فيه القصاص " فقوله واقع من غير والد لولده احترز به عن صورة النقض، فلو لم يحترز بذلك عنها لقال المعترض هذه العلة منتقضة بقتل الوالد ولده. فهو قتل عمد عدوان ولا قصاص فيه، وهكذا في الأمثلة السابقة خلافاً لمن قال من الأصوليين لا يجب الاحتراز المذكور بل يستحب. ... وقال المؤلف ﵀ في هذا المبحث والأليق وجوب الاحتراز فانه أقرب إلى الضبط وأجمع لنشر الكلام وهو هين وان اختار وجوبه غير واحد، واختار ابن الحاجب في مختصره الأصولي أن الاحتراز المذكور ليس بلازم وفيه أقوال وتفصيل معروف عند الأصوليين أشار إليه ابن الحاجب، وقال صاحب جمع الجوامع ويجب الاحتراز منه على المناظر مطلقاً، وعلى الناظر فيما اشتهر من المستثنيات فصار كالمذكور، وقيل يجب مطلقاً وقيل إلا في المستثنيات (مطلقاً) انتهى محل الغرض منه ومراده بالمستثنيات العرايا ونحوها. ... والذين لم يوجبوا الاحتراز المذكور وجهوا ذلك بأن النقض سؤال خارج عن القياس فلا يجب إدخاله في صلب القياس بل إذا أورده المعترض لزم جوابه بما يدفعه كسائر الأسئلة ولأن فيه تنبيهاً للمعترض على موضع النقض وقد يدعي أن الوصف الذي به الاحتراز طردي وذلك يؤدي إلى انتشار الكلام وهو خلاف المطلوب من المناظرة. ... وأما الذين أوجبوا الاحتراز المذكور فقد وجهوا ذلك بأن فيه حسم مادة الشغب وانتشار الكلام وسداً لبابه فكان واجباً لما فيه من صيانة الكلام عن الانتشار. ... وهذا الأخير أظهر عندنا وقد أجاب القائلون به بأن سؤال النقض وان

стр. 355

كان خارجاً عن القياس فهو مصحح له ومانع من اظهار خلل النقض فيه. ... وأجابوا من كونه فيه تنبيه للمعترض على موضع النقض بأن ذلك لا يمنع وجوب الاحتراز لأن المناظرة المشروعة مبنية على العدل والانصاف وقصد ظهور الحق لا على المشاغبة وقصد غلبة الخصم. التنبيه الثالث: ... قد قدمنا أن من أجوبة المستدل عن النقض منعه وجود الوصف الذي هو العلة في صورة النقض، فلو أراد المعترض اثبات وجوده بالدليل فقد اختلف أهل الأصول هل يمكن من ذلك إلى أربعة مذاهب. الأول: وبه قال الأكثر أنه ليس له ذلك لأن فيه نقل الكلام إلى مسألة أخرى وبذلك يصير المعترض مستدلاً والمستدل معترضاً، وكل ذلك على خلاف ما تقتضيه طريقة الجدل. الثاني: أن له ذلك لأنه متمم للنقض. الثالث: وبه قال الآمدي أن تعين ذلك طريقاً للمعترض في دفع كلام المستدل وجب قبوله وإن أمكن القدح بطريق أخرى هي أقرب للمقصود فلا يقبل منه ذلك. الرابع: وحكاه ابن الحاجب واختاره بعضهم هو أن العلة إن كانت حكماً شرعياً لم يقبل منه ذلك لما فيه من الانتشار، وان كانت حكماً عرفياً أو عقلياً فله ذلك لقرب المأخذ في العقليات والعرفيات دون الشرعيات، ولم يذكر صاحب جمع الجوامع هذا القول الأخير لأنه لم يره لغير ابن الحاجب كما ذكره عنه المحلى.
следующие страницы →