← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9885

مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر- ط مكتبة العلوم والحكم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (424 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يكون بعضها مجازاً وبعضها حقيقة، وعلاقته ان كانت المشابهة فهو استعارة تمثيلية، ومنها جميع الأمثال ال سائرة والمثل يحكي بلفظه الأول، ومثاله قولك لمن فرط في أمر وقت امكان فرصته، ثم بعد ان فات امكان فرصته جاء يطلبه (الصيف ضيعت اللبن) وأصل المثل أن إمرأة من تميم خطبها رجلان أحدهما كبير في السن وله مواشي كثيرة، والثاني شاب وماشيته قليلة، فاختارت الشاب، وكانت الخطبة زمن الصيف، ثم طلبت بعد ذلك من الكبير الذي ردت خطبته لبناً فقال لها: (الصيف ضيعت اللبن) وهذا الاستعمال لعلاقة المشابهة، بين مجموع الصورتين وان كانت علاقته غير المشابهة، سمي مجازاً مركباً مرسلاً كقوله: ... هواي مع الركب اليمانيين مصعد ... ... ... ... جنيب وجثماني بمكة موثق فالبيت كلام خبري أريد به انشاء التحسر والتأسف لان ما أخبر به عن نفسه هو سبب التحصر والتأسف، وهو مجاز مركب مرسل، علاقته السببية لانه لم يقصد بهذا الخبر فائدة الخبر، ولا لازم فائدته، والنوعان اللذان لم يدخلا في كلامه هما المجاز العقلي ومجاز النقص والزيادة. أما المجاز العقلي عندهم فالتجوز فيه في الاسناد خاصة لا في لفظ المسند إليه ولا المسند وسواء فيه كانا حقيقتين لغويتين أو مجازين مفردين أو أحدهما حقيقة والثاني مجازاً لأن التجوز فيه في خصوص الاسناد كقول المؤمن (أنبت الربيع البقل) فالربيع وانبات البقل كلاهما مستعمل في حقيقته، والتجوز انما هو في اسناد الانبات إلى الربيع وهو لله جل وعلا عند المتكلم وكذلك هو في الواقع وأنكر المجاز العقلي السكاكي ورده إلى الاستعارة المكنية، وأما مجاز النقص عندهم (واسأل القرية)

стр. 72

وهذا المثال ذكره المؤلف مع أنه لم يدخل في تعريفه للمجاز، لأن جميع ألفاظه مستعملة فيما وضعت له، والتجوز من جهة الحذف المغير للاعراب، ومثال مجاز الزيادة عندهم ليس كمثله شيء وقد بينا أنه لا ينبغي للمسلم أن يقول ان في كتاب الله مجازاً والتحقيق أن اللغة العربية لا مجاز فيها وانما هي أساليب عربية تكلمت بجميعها العرب، ولو كلفنا من قال بالوضع للمعنى الحقيقي أولاً ثم للمعنى المجازي ثانياً بالدليل على ذلك لعجز عن اثبات ذلك عجزاً لاشك فيه. قال المؤلف ﵀: قال القاضي ليس في القرآن لفظ بغير العربية إلى آخره، خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن العلماء اختلفوا هل في القرآن ألفاظ أصلها أعجمية ولكن عربت أو كله عربي، فحجة من قال كله عربي الآيات الدالة على ذلك كقوله: "انا جعلناه قرآناً عربياً" الآية. وقوله " وهذا لسان عربي مبين" وقوله " ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي، ونحو ذلك من الآيات وحجة من قال فيه عجمي معرب ادعاءه الوقوع قال: كناشئة الليل أصلها حبشية و (مشكاة) أصلها هندية (واستبرق) أصلها فارسية وقال هذا الوقوع لا يعارض الآيات المذكورة لأن اشتمال القرآن الكريم على كلمات قليلة عجمية لا يخرجه عن كونه عربياً أو لأن العرب لما نطقت به وعربته صار عربياً. قال مقيده عفا الله عنه: أظهر القولين عندي ما اختار بعض أهل العلم، كابن جرير من أن القرآن ليس فيه لفظ من غير العربية وأن بعض كلماته في النادر لا مانع منه. والدليل على هذا القول أن دعوى أن أصله عجمي ثم عرب معارضة

стр. 73

بمثلها وهو امكان كونه أصله عربياً ثم عجم في اللغات الأخرى. (تنبيه) أما الأعلام الأعجمية فهي في القرآن بلا خلاف لأن العلم يحكي بلفظه في جميع اللغات. المحكم والمتشابه قال المؤلف ﵀: ـ وفي كتاب الله محكم ومتشابه إلى آخره اعلم أن بعض الآيات دل على كون القرآن كله محكماً كقوله تعالى " كتاب أحكمت آياته " الآية وغيرها من الآيات وبعضها دل على كونه كله متشابهاً وهو قوله "كتاباً متشابهاً " الآية. ولا معارضة بين الآيات، لأن معنى كونه كله محكماً هو اتصاف جميعه بالاحكام الذي هو الاتقان لأن جميعه في غاية الاتقان في ألفاظه ومعانيه، أحكامه عدل وأخباره صدق، وهو في غاية الفصاحة والاعجاز والسلامة من جميع العيوب، ومعنى كونه كله متشابهاً ان آياته يشبه بعضها بعضاً في الاعجاز والصدق والعدل والسلامة من جميع العيوب، ومعنى أن منه آيات محكمات وأخر متشابهات، اختلف يه اختلافاً مبنياً على الاختلاف في معنى الواو في قوله: " والراسخون في

стр. 74

العلم " فمن قال ان الواو استئنافية والراسخون مبتدأ خبره جملة " يقولون آمنا به " والوقف تام على قوله الا الله، فانه يفسر المتشابه بأنه ما استأثر الله بعلمه، وعلى هذا القول أكثر أهل العلم وعليه درجة صاحب المراقي بقوله: وما به استأثر علم الخالق ... فذا تشابه عليه أطلق وهو على هذا القول واضح لأن الضمير في قوله "ومايعلم تأويله إلا الله" راجع إلى ما تشابه منه، وهو بعينه المتشابه ومن قال بأن الواو عاطفة فانه فسر المتشابه بما يعلمه الراسخون في العلم دون غيرهم كالآيات التي ظاهرها التعارض وهي غير متعارضة في نفس الأمر كقوله: " ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون " وقوله " فيومئذ لا يسألا عن ذنبه انس ولا جان" مع قوله "فوربك لنسألنهن أجمعين " الآية. وقوله " فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين " ونحو ذلك من الآيات. وقول من قال ان المتشابه القصص والأمثال، فسر المتشابه بما يشبه بعضه بعضاً لان قصص الامم الماضية يشبه بعضه بعضاً وكذلك الأمثال ورجح المؤلف ﵀ ان المتشابه ما استأثر الله بعلمه، وان الوقف تام على قول الا الله، أي وما يعلم تأويله الا الله وحده، بقرائن في الآية، فمن القرائن المعنوية اللفظية أنه لو أراد عطف الراسخين لقال ويقولون بالواو، ومن القرائن المعنوية أنه ذم مبتغى التأويل ولو كان ذلك معلوماً للراسخين لكان مبتغيه ممدوحاً لا مذموماً ولأن قولهم آمنا به يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه لا سيما اذا اتبعوه بقولهم كل من عند ربنا فذكرهم ربهم هنا يعطي الثقة به والتسليم لأمره وأنه من عنده كالمحكم ولأن لفظة

стр. 75

(أما) في قوله " فأما الذين في قلوبهم زيغ" لتفصيل الجمل، فذكره لها في الذين في قلوبهم زيغ مع وصفه اياهم باتباع المتشابه وابتغاء تأويله، يدل على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة وهم الراسخون، ولو كانوا يعلمون تأويله لم يخالفوا القسم الأول بابتغاء التأويل. قال مقيده عفا الله عنه: مراده أن قوله " فأما الذين في قلوبهم زيغ" الآية يفهم منه ما مضمونه وأما الراسخون في العلم فلا يتبعون ما تشابه منه ولا يبتغون تأويله. وقول المؤلف ﵀ في هذا المبحث والصحيح أن المتشابه ما ورد في صفات الله مما يجب الايمان به ويحرم التعرض لتأويله كقوله تعالى " الرحمن على العرش استوى " إلى آخره لا يخلو من نظر، لأن آيات الصفات لا يطلق عليها اسم المتشابه بهذا المعنى من غير تفصيل، لأن معناها معلوم في اللغة العربية وليس متشابهاً، ولكن كيفية اتصافه جل وعلا بها ليست معلومة للخلق، وإذا فسرنا المتشابه بأنه هو ما استأثر الله بعلمه دون خلقه كانت كيفية لاتصاف داخلة فيه لا نفس الصفة، وايضاحه أن الاستوى إذا عدى بعلى معناه في لغة العرب الارتفاع والاعتدال ولكن كيفية اتصافه جل وعلا بهذا المعنى المعروف عند العرب لا يعلمها إلا الله جل وعلا، كما أوضح هذا التفصيل أمام دار الهجرة مالك ابن أنس تغمده الله برحمته، بقوله الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول فقوله ﵀ الاستواء غير مجهول يوضح أن أصل صفة الاستواء ليست من المتشابه وقوله والكيف غير معقول، يبين أن كيفية الاتصاف تدخل في المتشابه بناء على تفسيره بما استأثر الله تعالى بعلمه كما تقدم، وهذا التفصيل لابد منه خلافاً لظاهر كلام المؤلف ﵀، وقد بسطنا الكلام بايضاح

стр. 76

هذه المسألة في كتابنا أضواء البيان في أول سورة آل عمران والعلم عند الله تعالى، فان قيل ان فسرنا المتشابه بأنه ما استأثر الله بعلمه فما الحكمة في خطاب الخلق بما لا يفهمونه، فالجواب ان الله تعالى يمتحن خلقه بما شاء فلا مانع من أن يكلفهم الايمان بما لا يعلمون معناه امتحاناً وابتلاء لهم، ويدل لهذا الوجه ما ذكره تعالى عن الراسخين في العلم من قولهم " آمنا به كل من عند ربنا " فانهم آمنوا به لأنهم علموا أنه من عند ربهم كالمحكم والله تعالى أعلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ (باب النسخ) النسخ في اللغة الرفع والازالة ومنه نسخت الشمس الظل ونسخت الريح الاثر وقد يطلق لارادة ما يشبه النقل كقولهم نسخت الكتاب، معنى كلامه ظاهر، وقوله ما يشبه النقل عبر بأنه يشبهه لأنه ليس نقلاً حقيقياً لأن ما في الكتاب المنقول منه لم ينقل بالكلية وانما نقلت صورته منه في الكتاب الثاني واعلم أن النسخ جاء في القرآن العظيم لثلاثة معاني وجاء بمعناه اللغوي وهو الرفع والابطال من غير تعويض شيء عن المنسوخ وهذا في قوله تعالى " فينسخ الله ما يلقي الشيطان". وجاء بمعناه الشرعي وهو رفع حكم شرعي بخطاب جديد، وذلك في قوله تعالى " ما ننسخ من آية أو ننسها " الآية. وجاء بمعنى نسخ الكتاب أي كتابته كقوله تعالى " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعلمون " وقوله " وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ".

стр. 77

قال المؤلف ﵀: فأما النسخ في الشرع فهو بمعنى الرفع والازالة لاغير، وحده رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه، ومعنى الرفع إزالة الحكم علىوجه، لولاه لبقي ثابتاً وقوله بخطاب متقدم متعلق بالثابت يعني أنه ثابت بخطاب شرعي متقدم لا بالبراءة الأصلية، وقوله بخطاب متراخ عنه متعلق برفع الحكم يعني أنه مرفوع بخطاب متراخ عنه لا متصل به، وايضاح تقريره أن النسخ هو أن يرفع بخطاب متراخ، حكم ثابت بخطاب متراخ، حكم ثابت بخطاب متقدم، واحترز بقوله رفع الحكم عما لم يرفع أصلاً كالأحكام التي لم يدخلها نسخ واحترز بقوله بخطاب متقدم عما كان ثابتاً بالبراءة الأصلية كعدم حرمة الربا وعدم وجوب الصيام والصلاة فان رفعه ليس بنسخ لأنه كان ثابتاً بالبراءة الأصلية لا بخطاب شرعي واحترز بخطاب ثان عن زوال الحكم بالجنونونحوه، فليس بنسخ، لأنه لم يرفع بخطاب ثان، واحترز بتراخيه عن المتصل بالخطاب الأول فانه تخصيص له، وبيان لا نسخ له كقوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً" فان بدل البعض من الكل فيه رفع حكم وجوب الحج عن غير المستطيع ولكنه متصل به فليس نسخاً لانه لم يتراخ عنه، وكقوله تعالى " والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيراً " فرفع حكم الامر بالكتابة في حق من لم يعلم فيه خيراً، المفهوم من الشرط ليس نسخاً لأنه متصل به، وستأتي ان شاء الله أمثلة كثيرة لهذا في مبحث المخصصات المتصلة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال قوم ان النسخ كشف مدة العبادة بخطاب ثان إلى آخره، حاصل

стр. 78

هذا القول الأخير ان النسخ بيان لانقضاء زمن الحكم الأول لأن ظاهر الخطاب الأول أن الحكم مؤبد والناسخ قد دل على انتهاء زمنه، وأشار إلى القولين في المراقي بقوله في تعريف النسخ: رفع لحكم أو بيان الزمن ... بمحكم القرآن أو بالسنن وعلى هذا القول الثاني فالنسخ يرجع إلى التخصيص في الأزمان وهو معترض، لأنه لا يشمل النسخ قبل التمكن من الفعل، واعلم أن حد المعتزلة للنسخ الذي ذكره المؤلف باطل، فلا حاجة له، وما أورد من الاعتراضات على حد النسخ الذي ذكرنا بأنه رفع الحكم كله ساقط، والحد صحيح. واعلم أن النسخ لا يلزمه البدل الذي هو الرأي المتجدد، لأن الله يشرع الحكم الأول وهو يعلم أنه سينسخه في الوقت الذي تزول مصلحته فيه وتصير المصلحة في الناسخ. فاذا جاء ذل الوقت نسخ الحكم الأول وعوض منه الحكم الناسخ على وفق ما سبق في علمه أنه سيفعله، كما أن المرض بعد الصحة وعكسه والموت بعد الحياة وعكسه والفقر بعد الغنى وعكسه ونحو ذلك ليس فيه بدءاً لسبق علمه تعالى بأنه سيفعل ذلك في وقته كما هو ظاهر. قال المؤلف: فان قيل فما الفرق بين النسخ والتخصيص إلى آخره. أعلم أن السلف يطلقون اسم النسخ على ما يطلقه عليه الأصوليون وعلى التخصيص والتقييد، فالجميع يسمونه نسخاً كما نبه عليه غير واحد. وأما الأصوليون فلا يطلقون النسخ على التخصيص ولا التخصيص على النسخ.

стр. 79

وحد النسخ عندهم هو ما تقدم. وحد التخصيص في اصطلاحهم هو قصر العام على بعض أفراده بدليل يقتضي ذلك كما سيأتي إن شاء الله. وبتعريف كل منها يظهر الفرق وذكر المؤلف الفرق بينهما من سبعة أوجه: الأول: أن التخصيص بيان أن المخصوص غير مراد باللفظ والنسخ يخرج ما أريد باللفظ الدلالة عليه وايضاحه أن مثل قوله تعالى " فلبث فيهم ألف سنة " الآية ظاهرة أنها ألف كاملة لكن قوله " إلا خمسين عاماً " بين أن هذه الخمسين غير مراد دخولها في الألف وأن المراد بالألف تسعمائة وخمسون بدليل قوله إلا خمسين عاما، وهذا المثال بناء على أن الاستثناء بالا ونحوها من العدد تخصيص وهو قول الأكثر كما أشار إليه في المراقي بقوله: وعدد مع كالا قد وجب ... له الخصوص عند جل من ذهب بخلاف النسخ فالذي يرفعه الناسخ كان قبل النسخ مقصوداً دخوله في معنى اللفظ وفي الحكم كما هو واضح. الثاني: أن النسخ يشترط تراخيه كما تقدم بخلاف التخصيص فانه يجوز اقترانه، وربما لزم كالتخصيص بالشرط والصفة والغاية والاستثناء وبدل البعض من الكل كما يأتي إيضاحه إن شاء الله في مبحث المخصصات. الثالث: أن النسخ يدخل في الشيء الواحد كنسخ استقبال بيت المقدس بيت الله الحرام، فالمنسوخ شيء واحد بخلاف التخصيص فلا يدخل إلا في عام له أفراد متعددة يخرج بعضها بالمخصص، ويبقى بعضها الآخر.

стр. 80

الرابع: أن النسخ لا يكون إلا بخطاب جديد، والتخصيص قد يقع بغير خطاب كالتخصيص بالقياس والعقل وبالعرف المقارن للخطاب وغير ذلك كما سيأتي إيضاحه في مبحث المخصصات المنفصلة. الخامس: أن النسخ لا يدخل الأخبار، وإنما هو في الإنشاء فقط بخلاف التخصيص فإنه يكون في الإنشاء وفي الخبر. السادس: أن النسخ لا يبقى معه دلالة اللفظ على ما تحته والتخصيص لا ينتفي معه ذلك، إيضاحه أن مثل قوله تعالى: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج " لما نسخ بقوله تعالى: " يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً " لم تبق دلالة الآية. الأولى على الحول من العدة، مقصودة في المستقبل بعد ورود الناسخ، بخلاف التخصيص وسيأتي أن التحقيق عند متأخري الأصوليين، أن العام المخصوص يراد فيه شمول جميع الأفراد، من حيث تناول اللفظ لها دون الحكم لها لوجود المخصص، أما العام المراد به الخصوص فالأفراد الخارجة بالمخصص لم ترد فيه تناولا ولا حكماً كما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى: السابع: أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد بخلاف التخصيص، فان المتواتر يخصص بالآحاد لأن النسخ رفع والتخصيص بيان، فقوله تعالى: " وأحل لكم ما وراء ذلكم " متواتر خصص عمومه بحديث (لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها) وهو آحاد، وقوله تعالى: " يوصيكم الله في أولادكم.. " الآية. خصص بقوله: " أنا معاشر الأنبياء لا نورث " الحديث. وهو آحاد وأمثلته كثيرة وسيأتي في مبحث التخصيص كثير منها إن شاء الله تعالى. وأشار في المراقي إلى جواز بيان التواتر بالآحاد وبيان المنطوق بالمفهوم

стр. 81

بقوله: وبين القاصر من حيث السند ... أو الدلالة على ما يعتمد تنبيه أعلم أن التخصيص إن لم يرد فيه المخصص بالكسر إلا بعد العمل بالعام، والتقييد إن لم يرد فيه المقيد بالكسر إلا بعد العمل بالمطلق، فكلاهما حينئذ نسخ، ولا يجوز أن يكونا تخصيصاً وتقيداً لأن التخصيص والتقيد بيان، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت العمل، فلما تأخر عن وقته تعين كونه نسخاً، وأشار إلى ذلك في المراقي في الأول بقوله: وأن أتى ما خص بعد العمل ... نسخ والغير مخصصاً جلي وفي الثاني بقوله: وأن يكن تأخر المقيد ... عن عمل فالنسخ فيه يعهد قال المؤلف ﵀: (فصل) وقد أنكر قوم النسخ وهو فاسد، إلى آخره لا شك أن إنكار النسخ فاسد وأن النسخ جائز عقلا كما قدمنا أنه لا يلزمه البداء وواقع شرعاً، والدليل قوله تعالى: " ما ننسخ من آية " الآية. وقوله تعالى: " وإذا بدلنا آية مكان آية " الآية. وإنكار أبي

стр. 82

مسلم الأصفهاني له معناه أنه يميل إلى أنه تخصيص في الزمن، لا رافع للحكم كما تقدمت الإشارة إليه. قال المؤلف: (فصل) يجوز نسخ تلاوة الآية دون حكمها، ونسخ حكمها دون تلاوتها ونسخها معاً. معنى طلامه ظاهر، ومثال نسخ التلاوة دون الحكم نسخ تلاوة آية الرجم وبقاء حكمها وهي قوله تعالى: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم " قيل كانت هذه الآية من برائه، وقبل من الأحزاب، ومنه نسخ تلاوة آية خمس رضعات عند الشافعي ومن وافقه، ومثال نسخ الحكم دون التلاوة آية العدة المذكورة آنفاً، وهو أغلب ما في القرآن من النسخ ومثال نسخها معاً، نسخ آية عشر رضعات، فقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن. (تنبيه) يتوجه على هذا الذي ذكر في هذا البحث ثلاثة أسئلة: ١ ـ الأول: أن يقال كيف ساغ نسخ الحكم دون التلاوة مع أن التلاوة دليل الحكم، فكيف يرفع المدلول مع بقاء دليله، لأن هذا يلزمه الدليل

стр. 83

بلا مدلول، وهو محال، إذ لا تعقل الدلالة بدون مدلول. ٢ ـ الثاني: أن يقال تقدم في حد النسخ أنه رفع الحكم إلى آخره فكيف يدخل نسخ التلاوة مع بقاء الحكم لأن الحكم فيه لم يرفع. ٣ ـ الثالث: أن يقال ما حكمة نسخ اللفظ مع أنه انما نزل ليتلى ويثاب عليه فكيف يرفع، اذ رفعه يقتضي انتقاء حكمته. ١ ـ ج ـ الجواب عن السؤال الأول هو أنا لا نسلم كون اللفظ دليلاً على الحكم بعد نسخ الحكم، بل هو انما يكون دليلاً علىه عند انفكاكه عما يرفع حكمه، فاذا جاء الخطاب الناسخ لحكمه زالت دلالته على الحكم بالكلية، كما قدمنا في الفوارق بين النسخ والتخصيص. وايضاحه أن الحكم الشرعي المنسوخ مع بقاء اللفظ الدال عليه سابقاً، وتلاوة ذلك اللفظ وكتابته في القرآن وانعقاد الصلاة به كلها أحكام شرعية من أحكام ذلك اللفظ، وكل حكم شرعي فهو قابل للنسخ. قال في المراقي: وكل حكم قابل له وفى ... نفي الوقوع لاتفاق قد قفى واذا عرفت ذلك عرفت أنه لا مانع من نسخ بعض أحكام اللفظ كالتحريم، والوجوب المفهوم منه، مع بقاء أحكام أخر من أحكامه لم تنسخ، كالتعبد به واجزائه في الصلاة ونحو ذلك. فآية الاعتداد بحول مثلاً، نسخ ما دلت عليه من ايجاب تربص الحول على المتوفى عنها، وبقيت أحكام أخر من أحكامها لم تنسخ، وهي قراءتها في الصلاة، وكتابتها مع القرآن في المصحف، وهو واضح كما ترى.

стр. 84

٢ ـ جـ ـ والجواب عن السؤال الثاني: هو أن نسخ التلاوة فقط معناه نسخ التعبد بلفظه والصلاة به وكتبه مع القرآن في المصحف وهذه أحكام من أحكامه، فلا مانع من نسخها مع بقاء حكم آخر لم ينسخ، وهو ما دل عليه اللفظ، فآية الرجم مثلاً لا مانع من نسخ التعبد بها والصلاة بها، وكتبها في المصحف مع بقاء حكم آخر من أحكامها لم ينسخ، وهو رجم الزانيين المحصنين كما تقدم مثله فان قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قولهم هذا منسوخ تلاوة لا حكماً لأنه يفهم منه أن نسخ التلاوة مناف لنسخ الحكم. فالجواب أن الحكم المنفى عنه النسخ في قولهم لا حكماً غير الحكم المثبت له النسخ بنسخ التلاوة لأنها أحكام قد نسخ بعضها دون بعض كما تقدم قريباً. ٣ ـ جـ ـ الجواب عن السؤال الثالث: هو انه لا مانع من أن يكون أصل المقصود من المنسوخ تلاوة لا حكماً انما هو الحكم دون التلاوة، لكنه أنزل على رسول الله ﷺ بلفظ معين ليثبت به الحكم ويستقر الحال، والحال أنه هـ والمقصود فلا مانع من نسخ اللفظ، لأن المقصود هو مجرد الحكم فانه قيل: فان جاز نسخ التلاوة فلينسخ الحكم معها لأن الحكم تبع للتلاوة فكيف يبقى الفرع مع نسخ الأصل. فالجواب: أن التلاوة حكم، وانعقاد الصلاة بها حكم آخر ودلالتها على ما دلت عليه حكم آخر، فلا يلزم من نسخ التعبد بها وعدم الصلاة بها نسخ حكمها الذي دلت عليه، فكم من دليل لا يتلى ولا تنعقد به صلاة، والآية المنسوخة تلاوتها مع بقاء حكمها دليل لنزولها وورودها، لا لكونها متلوة في القرآن والنسخ لا يرفع ورودها ونزولها، ولا يجعلها كأنها غير واردة بل يلحقها بالوارد الذي لا يتلى.

стр. 85

قال المؤلف: (فصل) يجوز نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال إلى آخره. حاصل ايضاح هذا البحث باختصار أن التحقيق هو جواز وقوع نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال، فان قيل فما حكمة الأمر الأول اذا كان ينسخ قبل التمكن من الفعل. فالجواب: أن الحكمة في الأمر الأول هي الابتلاء، هل يتهيأ للامتثال ويظهر الطاعة فيما أمر به أولاً، ودليل هذين الأمرين قصة أمر إبراهيم ﵇ بذبح ابنه، فانه نسخ عنه ذبحه قبل التمكن من فعله وبين الله تعالى أن الحكمة في ذلك هي ابتلاؤه هل يتهيأ لذبح ولده فتهيأ لذلك وتله للجبين، ولذا قال تعالى: " إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم" وهذا واضح كما ترى، وأقوال من منع هذا وحججهم ظاهرة البطلان فلا نطيل الكلام بها. (تنبيه) منشأ الخلاف في هذه المسألة هو هل حكمة التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء، وهو الحق أو هي الامتثال فقط، وهو قول القدرية، فعلى أن الحكمة مترددة بينهما فالمنسوخ بعد الفعل حكمته الامتثال، وقد امتثل بالفعل قبل النسخ. والمنسوخ قبل التمكن من الفعل حكمته الابتلاء، وقد حصل قبل

стр. 86

النسخ، والى هذا أشار في المراقي بقوله: للامتثال كلف الرقيب ... فموجب تمكنا مصيب أو بينه ولابتلاء ترددا ... شرط تمكن عليه انفقدا وأشار إلى المسألة التي نحن بصددها بقوله: ... والنسخ من قبل وقوع الفعل ... ... جاء وقوعا في صحيح النقل (تنبيه آخر) ذكر بعض أهل الأصول، أن هذه القاعدة المذكورة آنفاً التي هي هل حكمة التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء أو هي الامتثال فقط التي هي مبنى الخلاف في جواز النسخ قبل التمكن من الامتثال، ينبني عليها بعض الفروع الفقهية. من ذلك مثلاً من علمت بالعادة المطردة أنها تحيض في أثناء النهار غداً فبيتت الافطار ثم حاضت في أثناء النهار بالفعل كما كانت تعتقده، ومن تعتاده حمى الربع وعادته أن تأتيه غداً في أثناء النهار فبيت الأفطار لذلك ثم أصابته الحمى بالفعل في أثناء النهار كما كان يعتقد، فعلى أن الحكمة في التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء فتبيت الفطر ممنوع على كل منهما، وقيل فيه بالكفارة أن فعل موجبها قبل حصول الحيض أو الحما وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى ومن وافقه. وعلى أن الحكمة الامتثال فقط فلا كفارة ولا مانع من تبييت الافطار، لأنه غلب على ظنه انتفاء الحكمة المقصودة بوجود العذر والله تعالى أعلم.

стр. 87

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل) والزيادة على النص ليست بنسخ، وهي على ثلاثة مراتب أحدها ألا تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، كما اذا أوجب الصلاة ثم أوجب الصوم فلا نعلم خلافاً لأن النسخ رفع الحكم وتبديله ولم يتغير حكم المزيد عليه بل بقي وجوبه واجزاؤه إلى آخره. لا يخفى ان زيادة وجوب الصوم على وجوب الصلاة ليس نسخاً للصلاة كما ترى، وايضاح هذا المبحث أن فيه تفصيلاً لابد منه لم يذكره المؤلف، وهو أن الزيادة على النص لها حالتان: الأولى: أن تنفي ما أثبته النص الأول أو تثبت ما نفاه وهذه لا شك أنها نسخ، ولم يتعرض لها المؤلف ﵀ ومثالها تحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ونحو ذلك، فان تحريم هذه المحرمات ونحوها زادته السنة، على آية " قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه الا أن يكون ميتة " الآية، مع أن هذه الآية الكريمة تدل على اباحة الحمر الأهلية وما ذكر معها، بدليل حصر المحرمات في الأربع المذكورة في الآية بأقوى أدوات الحصر، وهي النفي والاثبات ونظير الآية حصر المحرمات في الأربع المذكورة في النحل والبقرة بقوله تعالى في النحل "إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به " وقوله تعالى في البقرة " إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله".

стр. 88

وقد تقرر في الأصول في مبحث دليل الخطاب أعني مفهوم المخالفة، وفي المعاني في مبحث القصر، إن (انما) من أدوات الحصر وهو الحق، فأحاديث تحريم الحمر الأهلية وذي الناب من السباع مثلاً، زادت تحريم شيء قد دل القرآن قبل ورود تحريمه على أنه مباح، فكونها نسخاً لا شك فيه، وان خالف فيه كثر من أهل العلم لوضوح النسخ فيه كما ترى، لأنه رفع حكم سابق دل عليه القرآن بخطاب جديد. الحالة الثانية هي التي ذكرها المؤلف ﵀ وقسمها إلى مرتبتين: المرتبة الأولى: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، على وجه لا يكون شرطاً فيه كزيادة تغريب الزاني البكر على جلده مائة. والمرتبة الثانية: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه، تعلق الشرط بالمشروط والتحقيق أن هاتين المرتبتين حكمهما واحد كما نصره المؤلف، وكما هو الحق وايضاحه أن الأولى منها زيادة جزء، والثانية زيادة شرط، وحكم زيادتهما واحد لأن التغريب جزء من الحد فزيادته على الجلد، زيادة جزء من الحد كما هو واضح، ومثله زيادة ركعتين في الرباعية بناء على أن الصلاة فرضت اثنتين، ثم زيد في صلاة الحضر وبقيت صلاة السفر على ما كانت عليه كما جاء به الحديث. ومثال زيادة الشرط زيادة وصف الايمان في صفة رقبة كفارة اليمين والظهار فمذهب الجمهور وهو الظاهر أن هذا النوع من الزيادات لا يكون نسخاً لأنه لم يرفع حكماً شرعياً، وانما رفع البراءة الأصلية التي هي الاباحة العقلية وهي استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل صارف عنه والزيادة في مثل هذا زيادة شيء سكت عنه النص الأول فلم يتعرض له بصريح اثبات ولا نفي وخالف في هذا الامام أبو حنيفة ﵀ فمنع كون التغريب جزءاً من الحد، وان جاء بذلك الحديث الصحيح قائلاً، ان الجلد كان مجزءاً

стр. 89

وحده وزيادة التغريب دلت على أنه لا يكفي وحده بل لابد معه من زيادة التغريب، وهذا نسخ لاستقلال الجلد بتمام الحد وهذا بناء على أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد لأن آية الجلد متواترة وأحاديث زيادة التغريب آحاد، والغرض عنده أن الزيادة نسخ والمتواتر لا ينسخ بالآحاد، فلم يقبل ثبوت التغريب بالآحاد بناء على ذلك ولأجل هذا بعينه لم يقل بالحكم بالشاهد واليمين في الأموال، الثابت عن النبي ﷺ بناء على أنه آحاد وأنه زيادة على آية " فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء" وأن الزيادة على النص نسخ وأن المتواتر لا ينسخ بالآحاد، وكذلك قال الجمهور ان شرط وصف الايمان في رقبة كفارة اليمين والظهار ليس نسخاً فيلزم القول به حملاً للمطلق وهو رقبة كفارة اليمين والظهار على المقيد بالإيمان وهو كفارة القتل خطأ. ومنع ذلك أبو حنيفة بأن الزيادة على النص نسخ وحمل المطلق على المقيد لا يصلح دليلاً على النسخ وايضاح هذا. ان الجمهور قالوا هذا النوع من الزيادة لا تعارض بينه وبين النص الأول، والناسخ والمنسوخ يشترط فيهما المنافاة بحيث يكون ثبوت أحدهما يقتضي نفي الآخر ولا يمكن الجمع بينهما فالمزيد في مثل هذا مسكوت عنه، فان قيل هو مدلول عليه بمفهوم المخالفة فالجواب أن الحنفية المخالفين في هذا لا يقولون بمفهوم المخالفة أصلاً ونحن لا نقول به هنا، مع أنا لا نسلم دلالة المفهوم عليه فقوله تعالى "فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " لا يدل على عدم وجوب شيء آخر بدليل آخر، اذ ليس فيه ما يدل على الحصر، فالمزيد مسكوت عنه في النص المتقدم والزيادة رافعة للبراءة الأصلية لا لحكم شرعي منصوص بدليل شرعي،

стр. 90

ثم تلك الدعوى انما تستقيم لو ثبت أنه ورد حكم المفهوم واستقر ثم وردت الزيادة بعده وهذا لا سبيل إلىمعرفته بل لعله ورد بياناً لاسقاط المفهوم متصلاً به أو قريباً منه كما أشار له المؤلف. وايضاحه أنا لا نسلم أن قوله تعالى " فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" دل بمفهومه على عدم التغريب، ثم استقر حكم هذا المفهوم بعدم التغريب ثم وردت الزيادة بالتغريب بعد ذلك حتى يقال أنها نسخ ن بل يمكن أن تكون زيادة التغريب ذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - متصلة بنزول آية الجلد بياناً لأنه لا مفهوم يراد به الاقتصار على الجلد دون التغريب ويدل لعدم الانفصال بينهما حديث " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً " لاحديث فالسبيل آية الحد، وقد ذكر النبي ﷺ التغريب مقترناً بذكره لها كما ترى، والعلم عند الله تعالى والى التفصيل المذكور آنفاً أشار في المراقي بقوله: وليس نسخاً كل ما أفادا ... فيما رسا بالنص لازديادا قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ (فصل) ونسخ جزء العبادة المتصل بها أو شرطها ليس نسخاً لجملتها على آخره. حاصل هذا المبحث، أن نسخ الجزء أو الشرط نسخ لنفس ذلك الجزء وذلك الشرط فقط، لا نسخ لجميع الحكم وهو واضح لأن هذا نسخ وهذا أبقى على ما كان عليه، فمثال نسخ الشرط أن استقبال بيت المقدس كان شرطاً في صحة الصلاة فنسخ هذا الشرط ولم يكن نسخه نسخاً لحكم

стр. 91

الصلاة من أصلها كما ترى، ومثال نسخ الجزء نسخ عشر رضعات بخمس ولا سيما عند من يقول ببقاء خمس رضعات إلى الآن كالشافعي وحجة من قال بأن نسخ الجزء أو الشرط نسخ لجملة الحكم هو أن الاقتصار على الحكم بدون ذلك الجزء أو ذلك الشرط كان ممنوعاً لا يعتد معه بذلك الحكم، وبعده كان الحكم تاماً، وهذا نسخ، وأجيب من جهة الجمهور، أن ذلك الشرط أو ذلك الجزء انما كان وقت تشريعه رافعاً للبراءة الأصلية، فلما نسخ رجع سقوطه إلى حكم البراءة الأصلية، والباقي كان مشروعاً ولم يزل كذلك وأشار إلى هذا في المراقي بقوله: ... والنسخ للجزء أو الشرط انتقى ... ... نسخه للساقط لا للذبقى قال المؤلف رحمه الله تعالى. (فصل) يجوز نسخ العبادة إلى غير بدل، وقيل لا يجوز لقوله تعالى: " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها " الآية. قال مقيده عفا الله عنه: هذا الذي حكاه ﵀ بصيغة التضعيف التي هي قيل، يجب المصير غليه، ولا يجوز القول بسواه البتة لأن الله جل وعلا صرح به في كتابه، والله يقول: " ومن أصدق من الله حديثاً "، "ومن

стр. 92

أصدق من الله قيلا"، " وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً، الآيات، أي صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام، فالعجب كل العجب من كثرة هؤلاء العلماء وجلالتهم من مالكية وشافعية وحنابلة وغيرهم، القائلين بجواز النسخ لا إلى بدل ووقوعه مع أن الله يصرح بخلاف ذلك في قوله تعالى "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها " فقد ربط بين نسخها وبين الاتيان بخير منها أو مثلها، بأداة الشرط ربط الجزاء بشرطه ومعلوم عند المحققين أن الشرطية انما يتوارد فيها الصدق والكذب على نفس الربط، ولا شك أن هذا الربط الذي صرح الله به بين هذا الشرط والجزاء في هذه الآية صحيح لا يمكن تخلفه بحال فمن ادعى انفكاكه وأنه يمكن النسخ بدون الاتيان بخير أو مثل فهو مناقض للقرآن مناقضة صريحة لا خفاء بها، ومناقض القاطع كاذب يقيناً لاستحالة اجتماع النقيضين، صدق الله العظيم، وأخطأ كل من خالف شيئاً من كلامه جل وعلا، وقول المؤلف ﵀: ولنا أنه متصور عقلاً ظاهر السقوط لأن صريح القرآن لا يناقض بالتجويز العقلي، وقوله قام دليله شرعاً ليس بصحيح، اذ لا يمكن قيام دليل شرعي على ما يخالف صريح القرآن، وقوله أن نسخ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي وتقديم الصدقة أمام المناجاة كلاهما نسخ إلى غير بدل، وأن ذلك دليل على النسخ لا إلى بدل، غير صحيح لأن النهي عن ادخار لحوم الأضاحي نسخ ببدل خير منه وهو التخيير في الادخار والانفاق المذكور في الأحاديث وتقديم الصدقة أمام المناجاة منسوخ ببدل خير منه وهو التخيير بين الصدقة تطوعاً ابتغاء لما عند الله وبين الامساك عن ذلك كما يدل عليه قوله: " فاذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم " الآية. وقول المؤلف ﵀ فأما الآية فانها وردت في التلاوة، وليس للحكم

стр. 93

فيها ذكر، ظاهر السقوط كما ترى، لأن الآية الكريمة صريحة في أنه مهما نسخ آية أو أنساها أتى بخير منها أو مثلها كما هو واضح، وقول المؤلف على أنه يجوز أن يكون رفعها خيراً منها في الوقت الثاني لكونها لو وجدت فيه لكانت مفسدة. يقال فيه ذلك الرفع الذي هو خير منها، هو عين البدل الذي هو خير منها، الذي هو محل النزاع، وما أجاب به صاحب نشر البنود شرح مراقي السعود تبعاً للقرافي من أن الجواب لا يجب أن يكون ممكناً فضلاً عن أن يكون واقعاً، نحو إن كان الواحد نصف العشرة، فالعشرة اثنان، ظاهر السقوط أيضاً، لأن مورد الصدق والكذب في الشرطية، إنما هو الربط فتكون صادقة لصدق ربطها ولو كانت كاذبة الطرفين لو حل ربطها ألا ترى أن قوله تعالى " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " قضية شرطية في غاية الصدق مع أنها لو أزيل منها الربط لكذب طرفاها، إذ يصير الطرف الأول كان فيهما آلهة إلا الله وهذا باطل قطعاً، ويصير الطرف الثاني فسدتا أي السماوات والأرض وهو باطل أيضاً والربط لا شك في صحته وبصحته تصدق الشرطية، فلو كان فيهما آلهة غير الله لفسد كل شيء بلا شك، وكذلك لو صح أن الواحد نصف العشرة لصح أن العشرة اثنان، لكنه لم يصح فيهما آلهة غير الله، ولا أن الواحد نصف العشرة، كما هو معروف بخلاف الشرط في الآية فقد صح وبصحته يلزم وجود المشروط، واعلم أن قول من قال أن أهل العربية يجعلون الصدق والكذب في الشرطية، إنما يتواردان على الجزاء والشرط إنما هو شرط ذلك غير صحيح، بل التحقيق أن الصدق والكذب عندهم يتواردان على الربط بينهما كما ذكرنا كما حققه السيد في حوشيه على المطول، وكما حققه البناني في شرح السلم، وهو الحق الذي لا شك فيه لصدق الشرطية مع كذب الطرفين كما بينا.

стр. 94

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل) ويجوز النسخ بالأخف والأثقل إلى آخره، حاصل هذا المبحث أنه يجوز نسخ الحكم الأثقل بالأخف منه، كما يجوز نسخ الأخف بالأثقل منه، ومثال نسخ الأثقل بالأخف، نسخ الاعتداد بالحول في قوله تعالى: " متاعاً إلى الحول غير اخراج " الآية. بأربعة أشهر وعشر في قوله تعالى: " يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " الآية. ومعلوم أن الأربعة أشهر وعشر ليال أخف من السنة وكنسخ مصابرة الواحد عشرة من الكفار، المنصوص في قوله تعالى: " إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين " الآية. بمصابرة أثنين المنصوص في قوله تعالى: " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين " الآية. فان مصابرة أثنين أخف من مصابرة عشرة: وكنسخ قوله تعالى: " وان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله " الآية. بقوله " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها " الآية. ومثال نسخ الأخف بالأثقل نسخ التخيير بين الصوم والاطعام، المنصوص في قوله تعالى: " وعلى الذين يطيقون فدية طعام مسكين " الآية. بقوله تعالى: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " الآية لأن ايجاب الصوم أثقل من التخيير بينه وبين الاطعام، ونسخ حبس الزواني في البيوت المنصوص عليه بقوله تعالى: " فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن

стр. 95

الموت " الآية. والرجم أثقل من الحبس في البيوت، ولو قبل أن آية الحبس في البيوت غير منسوخة لأنها كانت لها غاية، هي قوله تعالى: " حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا " الآية. وقد حصلت الغاية بجعل السبيل كما قال ﷺ : " خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا " الحديث، فذلك السبيل هو الجلد والرجم لكان حسنا متجهاً. ومن أمثلته نسخ إباحة الخمر المنصوص في قوله تعالى: " تتخذون منه سكراً ورزقاً حسنا " الآية. بقوله تعالى: " إنما الخمر والميسر - إلى قوله - فهل أنتم منتهون "، خلافاً لمن زعم أن تحريم الخمر رافع للبراءة الأصلية لا حكم شرعي، فليس عنده بنسخ، لأنه فسر قوله تعالى: " تتخذون منه سكراً " بأن المراد بالسكر الطعم أو الخل لا الخمر، وهو خلاف الصحيح، فان قيل كيف جاز نسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف مع أن الله يقول: " نأت بخير منها أو مثلها " فان كان الأثقل خيراً لكثرة الأجر فلم جاز نسخه بالأخف، وإن كان الأخف خيراً لسهولته فلم جاز نسخه بالأثقل. فالجواب أن الخيرية دائرة بين الأخف والأثقل فتارة تكون في الأخف فينسخ به الأثقل لسهولة الأخف، وتارة تكون في الأثقل لكثرة الأجر فيه فينسخ به الأخف، وانكار الظاهرية لنسخ الأخف بالأثقل محتجين بقوله تعالى: "يريد الله بكم اليسر" وقوله: "يريد الله أن يخفف عنكم "، ونحو ذلك من الآيات لا وجه له، لأن

стр. 96

المراد بالآيات التخفيف بالجملة، فلا ينافي أنه ربما شرع حكماً أثقل مما قبله كما أوجب الصوم بعد التخيير، ونحو ذلك والى هذه المسألة أشار في المراقي بقوله: وينسخ الخف بما له له ثقل ... وقد يجيء عارياً من البدل قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ (فصل) اذا نزل الناسخ فهل يكون نسخاً في حق من لم يبلغه الخ ... حاصل هذا المبحث أن الحكم اختلف فيه، هل يثبت بمجرد وروده، وان لم يبلغ المكلف أو لا يثبت بحق المكلف الا بعد بلوغه له، وقال القاضي أنه لا يكون نسخاً حتى يبلغ المكلف، لأن أهل قباء بلغهم نسخ استقبال بيت المقدس وهم في الصلاة فاعتدوا بما مضى من صلاتهم، ولو كان الحكم يستقر بمجرد وروده وان لم يعلم به المكلف لما اعتدوا بما مضى من الصلاة قبل العلم بالناسخ، قال أبو الخطاب يتخرج أن يكون نسخاً، بناء على قول الامام أحمد رحمه الله تعالى في الوكيل أنه ينعزل بعزل الموكل، وان لم يعلم الوكيل بالعزل ويتفرع على هذا الخلاف نسخ خمسة وأربعين صلاة ليلة الاسراء فعلى أن الحكم يثبت بمجرد الورود فهي منسوخة في حق الأمة، وعلى عكسه فلا، ومن الفروع المبنية عليه عزل الوكيل بموت موكله أو عزله له قبل العلم، وهل تصرفه بعد موت موكله، أو بعد عزله له، قبل علمه بذلك ماضي أو لا. الخلاف في ذلك مبني على الخلاف في هذه المسألة وينبني على الخلاف

стр. 97

في هذه المسألة أيضاً من أسلم في دار الكفر ولم يجد من يعلمه أمر دينه كالصلاة والصوم، ومن نشأ على شاهق جبل وهو على الفطرة ولم يجد من يعلمه، ثم بعد ذلك حصل العلم بأمور الدين لكل منهما فعلى أن الحكم يثبت بالورود فعليهما قضاء ما فاتهما من الصلاة والصوم، وعلى أنه لا يستقل الا ببلوغه للمكلف فلا قضاء عليهما، واحتج من قال لا يستقل الا ببلوغه للمكلف بأن الناسخ خطاب والخطاب يشترط فيه علم المخاطب به فلا يكون خطاباً في حق من لم يبلغه، ورد القائلون بثبوته بالورود وان لم يبلغ المكلف، الاحتجاج بقصة أهل قباء بأن الخطأ في القبلة يعذر فيه كمن صلى إلى غير القبلة يظن أنها القبلة، وكما يدل له قوله تعالى: " فأينما تولوا فثم وجه الله " على أحد التفسيرات وعليه أكثر أهل العلم والى هذه المسألة أشار في المراقي بقوله: هل يستقل الحكم بالورود ... أو ببلوغه الى الموجود فالعزل بالموت أو العزل عرض ... كذا قضاء جاهل للمفترض قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ (فصل) يجوز نسخ القرآن بالقرآن والسنة المتواترة بمثلها والآحاد بالآحاد، الخ. أعلم أن هذه الصور الثلاث لا خلاف فيها بين العلماء يعتد به كما حكى غير واحد عليها الاجماع، وخلاف من خالف في ذلك لا يعتد به ولا وجه له، فنسخ القرآن بالقرآن كنسخ الاعتداد بالحول بالاعتداد

стр. 98

بأربعة أشهر وعشر، ونسخ السنة بالسنة مساوية لها سنداً كقوله: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) الحديث، ويفهم مما ذكرنا أن نسخ الآحاد بالمتواتر جائز من باب أولي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ والسنة بالقرآن، يعني أن السنة تنسخ بالقرآن سواء كانت متواترة أو آحاد، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه لوقوعه، وروي عن الشافعي منع نسخ السنة بالقرآن قائلاً أن النسخ للسنة انما هو بسنة موافقة للقرآن. ومثال نسخ السنة المتواترة بالقرآن نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة المتواترة بقوله تعالى: " فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ". ومثال نسخ السنة الثابتة بالآحاد بالقرآن نسخ رد المسلمات الى الكفار الذي وقع عليه الصلح في صلح الحديبيية، في قوله تعالى: " فلا ترجعوهن إلى الكفار" ومن أمثلته تحريم المباشرة في ليالي رمضان الذي كان ثابتاً بالسنة فانه منسوخ بقوله تعالى: " فالآن باشروهن " وقوله: " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " الآية. هكذا ذكر المؤلف هذا المثال لنسخ السنة بالقرآن تبعاً للغزالي في المستصفى مع أن بعض العلماء جعل هذا المثال من نسخ القرآن قائلاً أنه هـ ومقتضى التشبيه في قوله: " كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم" أي وكان من قبلنا لا تحل لهم المباشرة في ليالي رمضان بعد النوم أو صلاة العشاء فعلى هذا فالآية ناسخة لما دل عليه التشبيه لنا بمن قبلنا والله أعلم ومن أمثلته

стр. 99

نسخ جوازتا خير الصلاة حالة الخوف الثابت بفعل النبي ﷺ في غزوة الأحزاب بقوله تعالى: " واذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك" الآية. قال المؤلف: فأما نسخ القرآن بالسنة المتواترة فقال أحمد ﵀ لا ينسخ القرآن الا قرآن يجيء بعده الخ، حاصل هذا القول منع نسخ القرآن بالسنة المتواترة وأحرى الآحاد لأن الله يقول: " نأتي بخير منها أو مثلها " والسنة لا تكون خيراً من القرآن ولا مثله وقد تمدح تعالى بأن ذلك لا يقدر عليه غيره بقوله بعده: "ألمتعلم أن الله على كل شيء قدير". قال مقيده عفا الله عنه: التحقيق جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة ووقوعه، ومثاله نسخ آية خمس رضعات بالسنة المتواترة ونسخ سورة الخلع وسورة الحفد بالسنة المتواترة. وأمثال ذلك كثيرة والجواب عن الاستدلال بالآية الكريمة هو أن كلا من الناسخ والمنسوخ من عند الله تعالى، فهو الناسخ للحقيقة ولا يقدر على ذلك غيره كما بينه بقوله تعالى: "قال الذين لا يرجون لقاءنا أئت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي أن أتبع الا ما يوحى إلي إني أخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم " ولكنه يظهر النسخ على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أتى بآية أخرى مثلها كان حقق وعده فلم يشترط فى اآية المذكورة أن تكون الآية هى الناسخة بعينها بل يجوز أن ينسخ الاولى على

стр. 100

لسان نبيه بوحي غير القرآن ثم بعد نسخها يأتي بآية أخرى مثلها ولا تنافي بين هذا وبين ظاهر الآية الكريمة كما ترى، وقد قال بعض العلماء ليس المراد الاتيان بنفس آية أخرى خير منها بل المراد نأتي بعمل خير من العمل الذي دلت عليه الاولى أو مثله والله تعالى أعلم. والحديث الذي أورد عن جابر ﵁ مرفوعاً (القرآن ينسخ حديثي وحديثي لا ينسخ القرآن) الظاهر أنه غير صحيح وثبوت نقيضه بالسنة الثابتة مما يدل على عدم صحته. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ (فصل) فأما نسخ القرآن والمتواتر من السنة بأخبار الآحاد فهو جائز عقلاً اذا لا يمتنع أن يقول الشارع تعبدناكم بالنسخ بخبر الواحد وغير جائز شرعاً إلى آخره حاصل ما ذكره في هذا المبحث أن نسخ المتواتر بالآحاد جائز عقلاً وأما شرعاً ففيه ثلاثة أقوال: الأول: ان المتواتر من كتاب أو سنة لا ينسخ بخبر الآحاد مطلقاً وهذا هو الذي نصره المؤلف، وعلى هذا القول جمهور أهل الأصول وعليه درج في المراقي بقوله: ... والنسخ بالآحاد للكتاب ... ... ليس بواقع على الصواب وحجة هذا القول أن المتواتر قطعي المتن وخبر الآحاد دونه رتبة والأقوى لا يرفع بما هو دونه في الرتبة واستدل له المؤلف بقول عمر ﵁ لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت.

стр. 101

قال مقيده عفا الله عنه: التحقيق الذي لا شك فيه هو جواز وقوع نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه والدليل الوقوع. أما قولهم أن المتواتر أقوى من الآحاد والأقوى لا يرفع بما هو دونه فانهم قد غلطوا فيه غلطاً عظيماً مع كثرتهم وعلمهم وايضاح ذلك أنه لا تعارض البتة بين خبرين مختلفي التاريخ لا مكان صدق كل منهما في وقته وقد أجمع جميع النظار أنه لا يلزم التناقض بين القضيتين الا اذا اتحد زمنهما أما ان اختلفا فيجوز صدق كل منهما في وقتها، فلو قلت النبي ﷺ إلى بيت المقدس وقلت أيضاً لم يصلي إلى بيت المقدس وعنيت بالأولى ما قبل النسخ وبالثانية ما بعده لكانت كل منهما صادقة في وقتها ومثال نسخ القرآن بأخبار الآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه نسخ اباحة الحمر الأهلية مثلاً المنصوص عليها بالحصر الصريح في آية " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه الا أن يكون ميتة " الآية. بالسنة الصحيحة الثابت تأخرها عنه لأن الآية من سورة الأنعام وهي مكية أي نازلة قبل الهجرة بلا خلاف وتحريم الحمر الأهلية بالسنة واقع بعد ذلك في خيبر ولا منافاة البتة بين آية الأنعام المذكورة وأحاديث تحريم الحمر الأهلية لاختلاف زمنهما، فالآية وقت نزولها لم يكن محرماً إلا الأربعة المنصوصة فيها وتحريم الحمر الأهلية طارئ بعد ذلك والطروء ليس منافاة لما قبله وانما تحصل المنافاة بينهما لو كان في الآية ما يدل على نفي تحريم شيء في المستقبل غير الأربعة المذكورة في الآية وهذا لم تتعرض له الآية بل الصيغة فيها مختصة بالماضي لقوله: " قل لا أجد فيما أوحي إلي" بصيغة الماضي ولم يقل فيما سيوحى إلي في المستقبل وهو واضح كما ترى والله أعلم. وأما آية الوصية

стр. 102

للوالدين والأقربين فالتحقيق أنها منسوخة بآية المواريث والحديث بيان للناسخ وبيان المتواتر لا يشترط فيه التواتر كما تقدم والحديث يشير إلى أن الناسخ لها آيات المواريث لأن ترتيبه ﷺ نفى الوصية للوارث بالفاء على اعطاء كل ذي حق حقه يعني الميراث في قوله ﷺ (ان الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) يدل على ذلك. وأما قول عمر ﵁ لا ندع كتاب ربنا الخ، فالحق في ذلك ليس معه ﵁ بل مع المرأة المذكورة وهي فاطمة بنت قيس ﵂ قالت ان زوجها طلقها آخر ثلاث تطليقات فلم يجعل لها رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنة وعندما سمعت قول عمر لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة الخ.. قالت بيني وبينكم كتاب الله قال الله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن" حتى قال: " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً " فأي أمر يحدث بعد الثلاث وصرح أئمة الحديث بأنه لم يثبت من السنة ما يخالف حديثها، فالسنة معها وكتاب الله معها فلا وجه للاستدلال بمخالفة عمر لما سمعته من النبي ﷺ لأن من حفظ حجة علي من لم يحفظ (والذي يظهر والله تعالى أعلم أن عمر لم يخالفها ولكنه لم يثق في روايتها وعلى هذا فلا منافاة اذاً) . قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ (فصل) فأما الاجماع فلا ينسخ ولا ينسخ به الخ، حاصل هذا المبحث أن

стр. 103

الاجماع لا يكونن اسخاً ولا منسوخاً، لأن الاجماع لا ينعقد إلا بعد وفاة النبي ﷺ ولا حجة معه لأحد ولا يعتبر للأئمة اجماع معه واذا كان لا ينعقد الا بعد وفاته ﷺ علمت أن بوفاته ينقطع التشريع والنسخ تشريع فلا يحصل بعدها نسخ أصلاً واذا وجد في كلام بعض العلماء ما يوهم النسخ بالاجماع فمرادهم النسخ بالدليل الذي هو مستند الاجماع كما أشار له المؤلف في هذا المبحث وأشار له في المراقي بقوله في النسخ: بالنسخ فلم يكن بالعقل أو مجرد ... الاجماع بل ينمي إلى المستند قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ (فصل) ما ثبت بالقياس ان كان منصوصاً على علته فهو كالنص ينسخ وينسخ به ومالم يكن منصوصاً على علته فلا ينسخ به الخ.. كلامه ظاهر وهو قول بعض الحنابلة وجمهور العلماء على أن القياس لا ينسخ به ولا ينسخ لأنه انما يعتبر فيما لا نص فيه والقياس مع وجود النص المخالف له فاسد الاعتبار لا يعتد به كما سيأي في القوادح والى عدم النسخ بالقياس أشار في المراقي بقوله: ومنع نسخ النص بالقياس ... هو الذي ارتضاه جل الناس ومثال ما ذكره المؤلف من نسخ النص بالقياس ما لو قال الشارع مثلا: أبحث لكم النبيذ المسكر المتخذ من الذرة ثم بعد ذلك قال:

стр. 104

حرمت عليكم النبيذ المتخذ من العنب لعلة الاسكار، فنص على العلة التي هي الاسكار، فقياس النبيذ المسكر المتخذ من التمر على نبيذ العنب بجامع العلة المنصوصة التي هي الاسكار فينسخ هذا القياس اباحة نبيذ الذرة المسكر لأن تحريم نبيذ التمر واباحة نبيذ الذرة حكمان متضادان مع اتحاد علتهما وهي الاسكار فكان المتأخر منهما ناسخاً للمتقدم، كما لو قال الشارع: أبحت المسكر ثم قال حرمته. واعلم أن القاعدة المقررة في الأصول أن المثال لا يعترض لأن المراد منه ايضاح معنى القاعدة ولذا جاز المثال بالمفروض المقدر والمحتمل كما أشار له في المراقي بقوله: والشان لا يعترض المثال ... اذ قد كفى الفرض والحتمال واعلم أن قياس النسخ على التخصيص في قول من قال: يجوز النسخ بما يجوز به التخصيص ظاهر البطلان، لأن التخصيص بيان وارشاد النسخ رفع للحكم كما قدمنا في الفوارق بين النسخ والتخصيص. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ (فصل) والتنبيه ينسخ وينسخ به الخ. اعلم أن مراده بكلمة التنبيه هنا وفي مبحث المفهوم والمنطوق هو مفهوم الموافقة، وضابط مفهوم الموافقة هو ما دل اللفظ لا في محل النطق على أن حكمه وحكم المنطوق به سواء وكان ذلك المدلول المسكوت عنه أولى من المنطوق به بالحكم أو مساوياً له، مثال ما هو أولى دلالة النهي عن التأفيف المنطوق به في قوله تعالى: " فلا تقل لهما أف" على النهي عن الضرب المسكوت عنه لأن الضرب أولى بالنهي من التأفيف لأنه

стр. 105

أبلغ في الايذاء منه، ومثال المساوي دلالة قوله تعالى "ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً " الآية. المنطوق به على تحريم احراق أموال اليتامى واغراقها المسكوت عنه مع أنه مساوي للمنطوق في الحكم لان الجميع اتلاف لمال اليتيم. وسيأتي ان شاء الله ايضاح أقسام المفاهيم في محله مع أمثلة كثيرة لكل قسم منها، واذا عرفت مراد المؤلف ﵀ بالتنبيه فاعلم أن معنى كلامه في هذا الفصل أن مفهوم الموافقة كالنهي عن الضرب المفهوم من النهي عن التأفيف، والنهي عن الاحراق والاغراق المفهوم من النهي عن الأكل في الأمثلة المذكورة يجوز أن ينسخ وينسخ به لأن اللفظ دل في محل السكوت على أنه كالمنطوق به في الحكم أو أولى منه وجمهور علماء الأصول على أنه مفهوم من نفس اللفظ وليس بقياس خلافاً للشافعي الذي يسميه القياس الجلي، والقياس في معنى الأصل كما يأتي ايضاحه وايضاح بقية الأقوال فيه في محله ان شاء الله تعالى، واذا كان مدلولاً عليه باللفظ فلا مانع من نسخه دون أصله والنسخ به وهذا قول الجماعة من أهل الأصول، قالوا: يجوز عقلاً أن ينسخ الضرب ويبقى التأفيف كعكسه مثلاً قالوا: ولا مانع علقاً من ذلك وقد يأمر بعض الملوك بقتل انسان محترم عنده جداً فينهي عن التأفيف في وجهه وغير ذلك من الازدراء به مع أنه أمر بقتله مع أن القتل أشد ايذاءاً من التأفيف وغيره من الازدراء، وأكثر علماء الأصول على تلازمهما أعني المنطوق والمفهوم فلا ينسخان الا معاً ولا يمكن نسخ أحدهما دون الآخر، لأن المفهوم تابع للمنطوق ولازم له ورفع اللازم يقتضي رفع الملزوم، ورفع المتبوع يقتضي رفع التابع ومثال نسخ الفحوي والنسخ بها يذكرونه عادة على سبيل الفرض والتقدير، ويمكن عندي أن يمثل للنسخ بمفهوم الموافقة بما لو فرضنا أن قوله ﷺ (لي الواجد ظلم يحل عرضه

стр. 106

وعقوبته) ورد قبل نزول آية " فلا تقل لهما أف" وعمل به قبل نزولها، لأن التخصيص بعد العمل بالعام نسخ كما قدمنا وايضاحه أن قوله في الحديث يحل عرضه، أي بقوله مطلني وعقوبته أي بالحبس، وعموم الحديث يشمل الوالد اذا مطل دين ولده وهو غني، وفحوى قوله " فلا تقل لهما أف" تدل على أنه لا يحبس الوالد في دين عليه لولده لأن الحبس أشد ايذاءاً من التأفيف، فإن ورد هذا المخصص قبل العمل بالعام فهو تخصيص، والا فهو نسخ وهو المقصود بالتقدير في المثال المذكور. وقال المؤلف رحمه الله تعالى في هذا المبحث: واذا نسخ الحكم في المنطوق بطل الحكم في المفهوم، وفيما يثبت بعلته أو بدليل خطابه وأنكر ذلك بعض الحنفية لأنه نسخ بالقياس وليس بصحيح، لأن هذه فروع تابعة لأصل فاذا سقط حكم الأصل سقط حكم الفرع، وعلى هذا الذي ذكره المؤلف درج في المراقي بقوله: ... ويجب الرفع لحكم الفرع ... ... أن حكم أصله يرى ذا رفع وايضاح معنى كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن منطوق اللفظ اذا نسخ بطل حكم ما تفرع عليه من مفهوم وما ألحق به بعلته، ومراده بدليل خطابه مفهوم مخالفته، فلو فرضنا نسخ قوله " كل مسكر حرام" لبطل قياس النبيذ على الخمر بجامع الاسكار، ولو فرضنا نسخ ايجاب الزكاة في السائمة لبطل مفهومه الذي هو عدم وجوبها في المعلوفة لبطلان أصله وهكذا، وخالف في هذا بعض الحنفية قائلين: ان الأصل حكم والفرع حكم آخر فيجوز نسخ هذا وبقاء هذا، ومثاله ما حكاه الباجي عن بعضهم من شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، قياساً على شهادتهم على المسلمين في الوصية في السفر المنصوص في قوله: أو آخران من غيركم بجامع العلة التي

стр. 107

هي تعذر وجود الشهود من المسلمين ثم نسخت شهادتهم على المسلمين في السفر على القول بذلك بقوله: " واشهدوا ذوي عدل منكم"، وقوله " ممن ترضون من الشهداء" والكفار غير مرضيين، وقوله: " ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون" أي وأحرى الكافرون برد الشهادة من الفاسقين، وبقي حكم شهادة بعضهم على بعض غير منسوخ مع نسخ الأصل المقيس عليه بناء على القول بذلك. تنبيهان الاول: قد قدمنا أن جماعة من الأصوليين قالوا ان مفهوم الموافقة بجواز نسخه دون أصله كالعكس، وصححه السبكي في جمع الجوامع وعليه فهذا الخلاف لم يعرج عليه المؤلف. الثاني: لم يتعرض المؤلف أيضاً لمفهوم المخالفة هل يمكن نسخه مع بقاء أصله أولا، والتحقيق جواز ذلك ووقوعه، ومثاله حديث (انما الماء من الماء) منطوق هذا الحديث ان من نزل منه الماء الذي هو المني وجب عليه استعمال الماء، أي غسل الجنابة، من نزول ذلك المني ومفهوم الحصر بانما أن من جامع وحصل من جماعه التقاء الختانين ولم ينزل منه مني أنه لا غسل عليه، فنسخ هذا المفهوم يوجب الغسل عند التقاء الختانين وان لم يحصل انزال الثابت عنه ﷺ وبقي المنطوق الذي هو وجوب الغسل من الانزال محكماً غير منسوخ، واعلم أنه لا يجوز النسخ بمفهوم المخالفة لضعفه ولاختلاف في اعتباره، واشار الى حكم مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة في النسخ صاحب المراقي بقوله:

стр. 108

وجاز بالفحوى ونسخه بلا ... أصل وعكسه جوازه انجلا ورأى لأكثرين لاستلزام ... وبالمخالفة لا يرام وهي عن الأصل لها تجرد ... في النسخ وانعكاسه مستبعد قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ (فصل) في ما يعرف به النسخ اعلم أن ذلك لا يعلم بدليل عقلي ولا بقياس، بل بمجرد النقل إلى آخره. حاصل هذا المبحث أن العقل والقياس لا يعرف بهما الناسخ من المنسوخ، وأن ذلك انما يعرف بمجرد النقل الدال على ذلك ولذلك طرق، منهما أن يكون في اللفظ ما يدل على النسخ كقوله ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) الحديث. الثاني: أن يذكر الراوي تاريخ سماعه نحو سمعت عام الفتح كذا وسمعت في حجة الوداع كذا، أي شيئاً يناقضه فيعرف الناسخ بتأخره، فما في حجة الوداع يكون ناسخاً لما في عام الفتح لتأخره عنه اذا لم يمكن الجمع بينهما. الثالث: اجماع الأمة على أن هذا الحكم منسوخ وأن ناسخه متأخر، ومثل له ابن السمعاني بنسخ وجوب الزكاة لغيرها من الحقوق المالية. ومنها أن ينقل الراوي الناسخ والمنسوخ فيقول رخص لنا في المتعة ومكثنا ثلاثة ثم نهانا عنها. ومنها أن يكون راوي أحد الخبرين أسلم في آخر حياة النبي - صلى الله

стр. 109

عليه وسلم - والآخر لم يصحب النبي ﷺ الا في أول الإسلام كرواية طلق بن علي وأبي هريرة في الوضوء من مس الفرج والله تعالى أعلم. هكذا ذكر المؤلف ﵀. قال مقيده عفا الله عنه: ـ اعلم أن محل التقديم لخبر متأخر الاسلام عمن أسلم قبله فيما اذا مات الأول قبل صحبة الثاني النبي ﷺ . أما ان عاش الأول حتى صحب الآخر النبي ﷺ فلا يكون حديث المتأخر ناسخاً لحديث متقدم الاسلام لاحتمال أن يكون متقدم الاسلام روى الحديث بعد متأخر الاسلام، اذ لا مانع من ذلك عقلاً ولا عادة ولا شرعاً، ولأجل هذا قال بعض العلماء: لا يقدم حديث أبي هريرة المذكور على حديث طلق من هذا الوجه بناء على أنه لم يثبت وفاة طلق قبل صحبة أبي هريرة، واعتمد هذا صاحب نشر البنود في شرح قوله في مراقي السعود عاطفاً على مالا يقبل النسخ به: ... وكون راويه الصحابي يقتفي ... ... ومثله تأخر في المصحف والله جل وعلا أعلم. وقوله يقتفي، أي يتبع الآخر في الاسلام، يعني أنه أسلم بعده فكان اسلامه يقتفي اسلامه وحديث أبي هريرة هو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من أفضى بيده الى ذكره وليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء) وحديث طلق هو ما روي عن النبي ﷺ انه سئل عن مس الذكر فقال: (وهل هو الا بضعة منك) مع أن حديث طلق مضعف، قال النووي في شرح المهذب أنه ضعيف باتفاق الحفاظ وقد بين البيهقي وجوهاً من وجوه تضعيفه

стр. 110

هذا هو مضمون الحديثين والله تعالى أعلم وصلى الله على محمد
следующие страницы →