← Сира

Сира · id 9896

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

محمد أبو شهبة

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

بعض من مات في هذا العام موت النجاشي وفي رجب من هذا العام مات أصحمة بن أبجر النجاشي ملك الحبشة، أسلم على عهد النبي ﷺ ، ولم يهاجر إليه، وقد أحسن إلى المسلمين الذين هاجروا غاية الإحسان، ولما مات نعاه النبي إلى أصحابه في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلّى وكبر عليه أربع تكبيرات «١» ، وهذا هو الأصل في مشروعية صلاة الجنازة على الغائب. موت السيدة أم كلثوم بنت سيد البشر رسول الله ﷺ ، وكانت وفاتها في شعبان من هذا العام، وكان سيدنا عثمان تزوجها سنة ثلاث بعد موت أختها رقية، ولم تنجب له أولادا، وقد اشتركت في تغسيلها أم عطية والسيدة صفية بنت عبد المطلب، وأسماء بنت عميس، وصلّى عليها رسول الله والمسلمون، ولما ذهبوا لدفنها وقف النبي على قبرها وعيناه تذرفان بالدموع، فقال: «هل فيكم أحد لم يقارف الليلة» ؟ فقال أبو طلحة: أنا، فقال: «انزل في قبرها» فنزل ونزل معه علي، والفضل، وأسامة بن زيد. وبموتها لم يبق من بنات النبي إلا السيدة فاطمة ﵅. موت عبد الله بن أبيّ وفي شوال من هذا العام مرض عبد الله بن أبي المنافق ومات في ذي القعدة، وكان النبي يعوده في مرضه، وفي اليوم الذي مات فيه دخل عليه

стр. 1087

وهو يجود بنفسه فقال له: «قد نهيتك عن حب يهود» فقال: يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبخني، ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه فأجابه، قال الحافظ ابن حجر: وهذا مرسل مع ثقة رجاله. وكان قد عهد ابن أبيّ إلى ابنه بذلك «١» ، فلما توفي جاء ابنه إلى النبي ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أتصلّي عليه وقد نهاك «٢» ربك أن تصلي عليه، فقال رسول الله ﷺ : «إنما خيّرني الله فقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، وسأزيده على السبعين، قال: إنه منافق، فصلّى رسول الله عليه فأنزل الله: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً، وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ الاية «٣» . وفي رواية أخرى له عن عمر نفسه أن النبي لما قام ليصلي عليه قام عمر فقال: يا رسول الله أتصلّي عليه وقد قال كذا وكذا يعدد مساوئه، فتبسم الرسول وقال: «أخّر عني يا عمر» فلما أكثرت عليه قال: «إني خيّرت فاخترت، لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها» ثم صلّى عليه فلم يلبث إلا قليلا حتى نزلت الاية «٤» . وإنما صلّى عليه رسول الله ﷺ إجراء له على حكم الظاهر وهو الإسلام، ولما فيه من إكرام ولده عبد الله- وكان من خيار الصحابة وفضلائهم- وهو الذي عرض على النبي أن يقتل أباه لما قال مقالته يوم غزوة بني المصطلق كما ذكرنا، ولما فيه من مصلحة شرعية، وهو استئلاف قومه ومتابعيه، فقد كان يدين له بالولاء فئة كبيرة من المنافقين، فعسى أن يرعووا عن نفاقهم ويعتبروا ويخلصوا

стр. 1088

لله ولرسوله، ولو لم يجب ﷺ ابنه وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح لكان سبة وعارا على ابنه وقومه، فالرسول الكريم اتبع أحسن الأمرين في السياسة إلى أن نهي فانتهى. وهو لم يفعل ذلك لاعتقاده أنه يغفر له، وليس أدل على ذلك مما رواه أبو الشيخ عن قتادة: أنهم ذكروا القميص بعد نزول الاية فقال ﵊: «وما يغني عنه قميصي، إني لأرجوا أن يسلم به أكثر من ألف من بني الخزرج» أي يتخلصوا من نفاقهم، وينقادوا ظاهرا وباطنا لله ولرسوله، وأما إعطاؤه القميص فلأن الضن به يخل بالكرم، وقد كان من خلق رسول الله ألايرد طالب حاجة قط، على أنه كان مكافأة له على إعطائه العباس عم الرسول قميصه لما جيء به أسيرا يوم بدر «١» ، وكان من خلق رسول الله وال بيته رد الجميل بخير منه. وقد استشكل بعض العلماء حديث عمر وابنه، واستبعدوا أن يفهم النبي من الاية التخيير لأن الظاهر أن «أو» للتسوية في عدم النفع، وأن يفهم من ذكر السبعين التحديد لأن ظاهر السياق أنها للتكثير، فقال بعضهم: إنه خبر احاد لا يعوّل عليه، وأنكر بعضهم صحته «٢» ، وكل هذا وذاك غير سديد، فالحديث صحيح رواه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، وكفى بهم أئمة. والذي ظهر لي- والله أعلم- بعد النظر والتأمل في الاية والأحاديث وما قاله الأئمة: أن الاية تحتمل التسوية، وهو الأظهر، وأن المراد بالسبعين التكثير لا التحديد وهو الأظهر أيضا، وفي رواية عمر السابقة ما يدل على أن النبي كان يرى ذلك فقد قال: «لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له، لزدت» وتحتمل أيضا التخيير في «أو» ، وتحتمل التحديد في لفظ السبعين وهما مرجوحان قطعا.

стр. 1089

والرسول ﷺ وهو أفصح العرب، وأعرفهم بأساليب البيان- ما كان يخفى عليه ذلك، ولكنه رجّح أحد الاحتمالين وإن كان مرجوحا للحكم السياسية، والأغراض التي ذكرناها انفا، وقد أطلت النفس في هذا، وعرضت لما يعرض له المؤرخون غالبا، لأن دراستنا للسيرة من جوانبها التحليلية من القران والسنة، وهذا هو السر في عنايتي بالتشريعات وتواريخها، وحكم التشريع فيها، وإعطائي للقارىء صورة واضحة لكل تشريع، وعنايتي بتفسير الايات القرانية في كل موضوع، وهو المهيع الذي سلكه إمام أهل المغازي محمد بن إسحاق، وابن هشام، والدراسات على هذا المنهج هي أجدى الدراسات وأنفعها، والحمد لله الذي هدانا لهذا.

стр. 1090

حج الصديق أبي بكر بالناس لما رجع النبي ﷺ من تبوك تواردت عليه الوفود، ودخل الناس في دين الله من كل فج، فلما حلّ موسم الحج أراد الحج ولكنه قال: «إنه يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك» . فأرسل الصدّيق أميرا على الحج سنة تسع، وبعث معه بضعا وثلاثين اية من صدر سورة براءة ليقرأها على أهل الموسم «١» . فلما خرج دعا النبي ﷺ عليا ﵁ وراءه، وقال له: «اخرج بهذه الايات من صدر سورة براءة، فأذّن- أعلم- بها في الناس إذا اجتمعوا» فخرج علي على ناقة رسول الله ﷺ «العضباء» حتى أدرك الصديق أبا بكر بذي الحليفة، فلما راه الصدّيق قال له: أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم سارا، فأقام أبو بكر للناس الحج على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية، وكان الحج في هذا العام في ذي الحجة كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة لا في شهر ذي القعدة كما قيل. وقد خطب الصدّيق قبل يوم التروية معلّما الناس مناسكهم، ثم خطب يوم عرفة، ويوم النحر، وكان كلما خطب أمير الحج «الصدّيق» قام أبو الحسن «علي» فقرأ على الناس صدر سورة براءة، ثم ينادي في الناس بهذه الأمور الأربعة.

стр. 1091

روى الترمذي في جامعه عن زيد بن يثيع، قال: سألت عليا بأي شيء بعثت في الحج؟ قال: (بعثت بأربع: ألايطوف بالبيت عريان. ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة «١» أشهر. ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة. ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا) . قال الترمذي: «حديث حسن صحيح» وخرّجه النسائي أيضا، وفيه قال علي: (فكنت أنادي حتى صحل «٢» صوتي) . وقد أمر الصدّيق أبا هريرة في رهط اخرين أن يؤذّنوا في الناس يوم النحر بهذه الأمور مساعدين لعلي حتى يصل البلاغ إلى الناس جميعا، فلم يكن ثم افتيات عليه، وإنما هي معاونة على الخير. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة قال: (بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمّره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) فكان حميد بن عبد الرحمن بن عوف يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر من أجل حديث أبي هريرة. وبيان ذلك: أن هذا الحديث مع الاية القرانية وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ... يدلان على أن يوم النحر «٣» هو يوم الحج الأكبر. وقد ذكر ابن إسحاق أن قريشا ابتدعت قبل الفيل أو بعده ألايطوف

стр. 1092

أحد ممن يقدم عليهم من غيرهم أول ما يطوف إلا في ثياب أحدهم، فإن لم يجد طاف عريانا، فإن خالف وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ، ثم لم ينتفع بها، فلما جاء الإسلام هدم ذلك كله فيما هدم من العقائد والخرافات، وقال العلامة ابن كثير: كانت العرب ما عدا قريشا لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش- وهم الحمس- «١» يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسي ثوبا طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه، ومن لم يجد ثوبا جديدا ولا أعاره أحمسي ثوبا طاف عريانا، وربما كانت امرأة، فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئا ليستره بعض الستر، وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كلّه ... وما بدا منه فلا أحلّه وأكثر ما كان الناس يطوفون عراة بالليل، وكان هذا ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه أهواءهم، ويعتقدون أن فعل ابائهم مستند إلى أمر من الله وشرع، فأنكر الله عليهم ذلك فقال: وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ «٢» . وقد كان المشركون يجتمعون مع المسلمين في الحج، فأراد الله ألايكون ذلك، فقد دالت دولة الشرك والأوثان، وأصبحت كلمة الله هي العليا، وقد امتثل المشركون فلم يأت مشرك عام حجة الوداع، وانفرد المسلمون بالبيت لا يشاركهم فيه أحد، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ

стр. 1093

الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «١» . والمراد من نجاسة المشركين النجاسة المعنوية، وهي نجاسة المعتقدات، أو المراد أنهم لا يتنزهون عن النجاسات غالبا، ولا يغتسلون من الجنابات، وجمهور العلماء على عدم تمكينهم من دخول الحرم كله، وبعضهم حملها على المسجد الحرام خاصة دون الحرم وبقية المساجد، وبعضهم قال: المراد عدم تمكينهم من أداء الحج والعمرة استنادا إلى سبب النزول، والحق ما ذهب إليه الجمهور. شبهة والجواب عليها وهنا شبهة نرى لزاما أن نعرض لها ونبين الحق فيها، وهي: لم عدل النبي عن تبليغ أبي بكر صدر سورة براءة ووكل ذلك إلى عليّ؟ والجواب: أن صدر سورة براءة تضمن نقض العهود المطلقة غير المقيدة بوقت، أو التي مدتها فوق أربعة أشهر فيما زاد عن أربعة أشهر، وكان العرب تعارفوا فيما بينهم في عقد العهود ونقضها ألايتولّى ذلك إلا سيد القبيلة أو رجل من رهطه، فأراد الله أن يكون المبلّغ عن النبي رجلا من أهله حتى يقطع ألسنة العرب بالاحتجاج على أمر هو من تقاليدهم، ولا سيما أنه ليس فيه منافاة للإسلام، فلذلك تدارك النبي ﷺ الأمر. روى الترمذي- وحسّنه- وأحمد من حديث أنس قال: (بعث النبي ﷺ براءة مع أبي بكر، ثم دعا عليا فأعطاه إياها وقال: «لا ينبغي لأحد أن يبلّغ هذا إلا رجل من أهل بيتي» ) . وفي رواية الطبراني أن جبريل ﵇ هو الذي قال للنبي ﷺ : «إنه لن يؤديها عنك إلا أنت أو رجل منك» .

стр. 1094

فهذا هو السبب لا ما زعمته الرافضة من أن ذلك للإشارة إلى أن عليا أحق بالخلافة من أبي بكر، ولا أدري كيف غفلوا عن قول الصديق له: أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، وكيف يكون المأمور أحق بالخلافة من الأمير. وقد كانت هذه الحجة بمثابة التوطئة للحجة الكبرى وهي حجة الوداع.

стр. 1095

عام الوفود لما فتح رسول الله ﷺ مكة وأسلمت هوازن، وعاد من تبوك وقد أظهر هيبة الإسلام، وجاءت ثقيف إليه مسلمة- تواردت عليه الوفود من كل ناحية، وفي حديث عمرو بن سلمة في قصة الفتح عند البخاري قال: «كانت العرب تلوّم- تنتظر- بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم ... » . واتفقوا على أن توارد الوفود كان سنة تسع. قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة قال: كانت سنة تسع تسمى سنة الوفود «١» . وقد ذكر هذه الوفود ابن إسحاق وابن هشام في السيرة، والواقدي في مغازيه، وكاتبه محمد بن سعد في طبقاته «٢» ، وهو أوفى ما جمع في ذلك، والبخاري في صحيحه «٣» ، وتابعهم معظم الكاتبين في السيرة. قال الحافظ في الفتح: ومجموع ما ذكروه يزيد على الستين. ومما ينبغي أن يتنبه إليه أن الذين تعرضوا لذكر الوفود لم يقتصروا على الوفود سنة تسع، بل استطردوا إلى ذكر بعض الوفود قبلها وبعدها، فقد ذكر ابن إسحاق وفد ضمام بن ثعلبة مع أنه كان في رجب سنة خمس «٤» ، وابن سعد

стр. 1096

وفد مزينة مع أنه قال إنه كان في رجب سنة خمس. وذكر البخاري في الوفود وفد عبد القيس مع أنه كانت وفادتهم سنة خمس أو قبلها، ولم يتعرض لوفادتهم الثانية وهي المرادة هنا. وكذلك ذكر ابن سعد وفد محارب مع أنه قال: إن قدومه كان سنة عشر في حجة الوداع؛ وقد نبه إلى هذا الحافظ المؤرخ ابن كثير في بدايته «١» ، والحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري «٢» ، وقد تابع بعض الكتاب المتأخرين في السيرة السابقين فيما ذكروا من غير تحرّ وتحقيق. وقد رأيت أن أذكر أهم هذه الوفود لما في أخبارها من فقه وعلم، وخلق وأدب، وحسن سياسة النبي ﷺ ، وغاية كياسته في معاملة هذه الوفود، وإجاباته لهم ومحاوراته معهم. وفد بني تميم وكان السبب في قدومهم- كما ذكر الواقدي- أنهم أغاروا على قوم من خزاعة، فبعث إليهم رسول الله ﷺ عيينة بن حصن الفزاري في خمسين رجلا ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري، فأسر منهم أحد عشر رجلا، وإحدى عشرة امرأة، وثلاثين صبيا، فقدم رؤساؤهم وأشرافهم بسبب أسراهم في وفد عظيم منهم: عطارد بن حاجب بن زرارة، والأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، وقيس بن عاصم، فدخلوا المسجد، وقد أذن بلال الظهر والناس ينتظرون رسول الله ﷺ ليخرج إليهم، فتعجل هؤلاء، فصاروا ينادون من وراء حجرات نساء النبي ﷺ : اخرج يا محمد فإنّ مدحنا زين، وذمنا شين. وأكثروا من هذا النداء الجافي العاري عن الأدب في مخاطبة الرسول. فخرج رسول الله ﷺ مغضبا وقال: «ذاك الله » . فأنزل الله بسببهم هذا التأديب الإلهي، موبخا لهم على ما فعلوا فقال عز شأنه:

стр. 1097

إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» . ولما خرج إليهم قالوا: يا محمد جئناك نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، فقال: «قد أذنت لخطيبكم فليقل» . فقام عطارد بن حاجب فخطب خطبته ثم جلس، فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس وكان يعرف بخطيب رسول الله ﷺ : «قم فأجب الرجل في خطبته» فقام ثابت فقال أحسن مما قال عطارد، ثم قام الزبرقان بن بدر شاعرهم فقال قصيدته، فقال رسول الله ﷺ لحسان: «قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال» فقال حسان قصيدة مطلعها: إنّ الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سنة للناس تتّبع يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوّهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك فيهم غير محدثة ... إنّ الخلائق- فاعلم- شرّها البدع «٢» فلما فرغ حسان من قصيدته قال الأقرع بن حابس: وأبي إن هذا لمؤتى له- أي مؤيد مستهل له- لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا. فأسلموا وجوّزهم «٣» رسول الله ﷺ ، فأحسن جوائزهم، وقال قيس بن عاصم- وكان يبغض عمرو بن الأهتم-:

стр. 1098

يا رسول الله، إنه كان رجل منا في رحالنا وهو غلام حدث، وأزرى به، ولكن رسول الله أعطاه مثل ما أعطى القوم. ومما يستطرف ما رواه البيهقي أنهم لما قدموا سأل رسول الله عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر فقال: مطاع في أدنيه، شديد العارضة «١» ، مانع لما وراء ظهره، فقال الزبرقان: لقد علم مني أكثر مما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد، فقال عمرو: أنا أحسدك؟ فو الله إنك للئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مضيّع في العشيرة، ولقد صدقت فيما قلت أولا، وما كذبت فيما قلت اخرا، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، فقال رسول الله: «إن من البيان لسحرا» «٢» . وفد بني عبد القيس وكانت لهم وفادتان: الأولى قبل الفتح وهي التي قالوا فيها: بيننا وبينك كفار مضر (قريش) ، وكان ذلك قديما سنة خمس أو قبلها، وكانوا ثلاثة عشر رجلا وفيهم الأشج «٣» الذي قال له النبي: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم «٤» ، والأناة» ، وفيها سألوا عن الإيمان والأشربة، وعلى هذه اقتصر الإمام البخاري عن ابن عباس قال: أول جمعة جمعت- بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجواثى- قرية بالبحرين- وهذا يدل على تقدّم إسلامهم. الثانية: كانت في سنة الوفود، وكانوا أربعين رجلا، وهي التي اقتصر عليها ابن إسحاق، وهي المرادة هنا. قال ابن إسحاق: وقدم على رسول الله ﷺ الجارود بن عمرو في وفد عبد القيس، وكان نصرانيا، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ عرض عليه الإسلام ورغّبه فيه، فقال: إني كنت على دين، وإني

стр. 1099

تارك ديني لدينك أفتضمن لي ديني؟ فقال رسول الله: «نعم أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه» فأسلم وأسلم أصحابه. فخرج الجارود راجعا إلى قومه، وكان حسن الإسلام صلبا في دينه، وقد أدرك الردّة، فلما رجع من قومه من رجع منهم قام الجارود فتشهّد ودعا إلى الإسلام فقال: (أيها الناس، إني أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأكفّر من لم يشهد) . وإنها لمكرمة له. ويؤيد تعدد وفادتهم ما روي أن النبي ﷺ قال لهم: «ما لي أرى ألوانكم تغيّرت» ؟ ففيه إشعار بأنه كان راهم قبل هذا «١» . وفد بني حنيفة وقدم وفد بني حنيفة وفيهم مسيلمة الكذاب، فنزلوا في دار رملة بنت الحارث وكانت معدة للوفود، فجعل يقول: (إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته) فأتاهم رسول الله ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد رسول الله ﷺ قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال له: «لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنّك الله، وإني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني» ، ثم انصرف عنه. قال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله ﷺ : (إنك أرى الذي أريت فيه ما رأيت) فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «بينا أنا نائم رأيت في يديّ سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما، فأوحي إليّ في المنام أن انفخهما، فنفختهما فذهبا، فأوّلتهما كذابين يخرجان» «٢» . والكذابان: أحدهما الأسود العنسي الذي ادعى النبوة بصنعاء وقد قتل قبل وفاة النبي بيوم وليلة، وجاء الخبر بذلك صبيحة دفن النبي. والاخر مسيلمة: ادّعى النبوة في بني حنيفة حتى قتل في خلافة الصديق.

стр. 1100

وفي رواية أخرى للبخاري أن مسيلمة قال للنبي: (إن شئت خلّينا بينك وبين الأمر، ثم جعلته لنا بعدك) فأجابه النبي بما أجاب به. وسياق هذه القصة في الصحيح يخالف ما ذكره ابن إسحاق وهو أن مسيلمة وفد مع قومه، وأنهم تركوه في رحالهم يحفظها لهم، وذكروه لرسول الله ﷺ ، وأخذوا منه جائزته، وأنه قال لهم: «إنه ليس بشركم» وأن مسيلمة لما ادّعى أنه أشرك في النبوة مع رسول الله احتجّ بهذه المقالة؛ وهذا مع شذوذه ضعيف السند لانقطاعه، وأمر مسيلمة كان عند قومه أكثر من ذلك، فقد كان يقال له: رحمان اليمامة لعظم قدره فيهم، فالمعول عليه ما في صحيح البخاري «١» . وفد أهل نجران «٢» وقد روي أن رسول الله ﷺ كتب لهم كتابا يدعوهم فيه إلى عبادة الله واحده ونبذ عبادة العباد، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا فالحرب. والظاهر أن هذا الكتاب كان سنة تسع «٣» بعد نزول قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ «٤» . فكان أنهم لما جاءهم كتاب رسول الله خرجوا إليه في أربعة عشر من أشرافهم، وقيل في ستين راكبا، منهم ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم: العاقب، وهو أميرهم وصاحب مشورتهم والذي يصدرون عن رأيه، والسيد وهو صاحب رحلتهم، وأبو الحارث أسقفهم، وحبرهم وصاحب مدراسهم. فقدموا على

стр. 1101

النبي ﷺ ، فدخلوا المسجد عليهم ثياب الحبرة، وأردية مكفوفة بالحرير، وفي أيديهم خواتيم الذهب، فقاموا يصلّون في المسجد نحو المشرق، فقال رسول الله ﷺ : «دعوهم» ثم أتوا النبي ﷺ ، فأعرض عنهم ولم يكلمهم، فقال لهم عثمان: من أجل زيّكم هذا، فانصرفوا يومهم هذا، ثم غدوا عليه بزي الرهبان فسلّموا عليه، فردّ عليهم ودعاهم إلى الإسلام، فأبوا وقالوا: كنا مسلمين قبلكم، فقال النبي ﷺ : «يمنعكم من الإسلام ثلاث: عبادتكم الصليب، وأكلكم لحم الخنزير، وزعمكم أن لله ولدا» . وكثر الجدال والحجاج بينه وبينهم، والنبي يتلو عليهم القران ويقرع باطلهم بالحجة، وكان مما قالوه لرسول الله: ما لك تشتم صاحبنا وتقول إنه عبد الله، فقال: «أجل، إنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول» فغضبوا، وقالوا: هل رأيت إنسانا قط من غير أب فإن كنت صادقا فأرنا مثله؟ فأنزل الله في الرد عليهم قوله سبحانه: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ «١» فكانت حجة دامغة شبه فيها الغريب بما هو أغرب منه. فلما لم تجد معهم المجادلة بالحكمة والموعظة الحسنة دعاهم إلى المباهلة «٢» امتثالا لقول الله عزّ شأنه: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ: تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ، وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ «٣» . وخرج النبي ومعه علي، والحسن، والحسين، وفاطمة وقال: «وإذا أنا دعوت فأمّنوا» فائتمروا فيما بينهم، فخافوا الهلاك لعلمهم أنه نبي حقا، وأنه

стр. 1102

ما باهل قوم نبيا إلا هلكوا، فأبوا أن يلاعنوه وقالوا: احكم علينا بما أحببت، فصالحهم على ألفي حلة، ألف في رجب، وألف في صفر، وعلى عارية ثلاثين درعا، وثلاثين رمحا، وثلاثين بعيرا، وثلاثين فرسا إن كان باليمن كيد، واشترط عليهم ألايتعاملوا بالربا، وأمّنهم على أنفسهم ودينهم وأموالهم وكتب لهم كتابا جاء فيه: «ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم، وملتهم، وأرضهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهداهم وبيعهم، لا يغير أسقف على سقيف، ولا راهب عن رهبانيته، ولا واقف عن وقفانيته» وأشهد على ذلك بعض المسلمين، ثم رجعوا إلى بلادهم فلم يلبث العاقب والسيد إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي فأسلما، وأنزلهما دار أبي أيوب الأنصاري وأقام أهل نجران على ذلك حتى توفّى الله نبيّه. وتولى الصدّيق الخلافة فأحسن معاملتهم وأوصى بهم عند وفاته، وفي عهد الفاروق عمر تعاملوا بالربا، فأخرجهم من أرضهم وكتب لهم: (هذا ما كتب عمر أمير المؤمنين لنجران من سار منهم أنه امن بأمان الله، لا يضرهم أحد من المسلمين، وفاء لهم بما كتب رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، أما بعد: فمن وقعوا به من أمراء الشام، وأمراء العراق فليوسعهم من جريب الأرض فاعتملوا من ذلك فهو لهم صدقة، وعقبة لهم بمكان أرضهم لا سبيل عليهم فيه لأحد، ولا مغرم. أما بعد: فمن حضرهم من رجل مسلم فلينصرهم على من ظلمهم فإنهم أقوام لهم الذمة، وجزيتهم عنهم متروكة أربعة وعشرين شهرا بعد أن تقدموا، ولا يكلفوا إلا من ضيعتهم التي اعتملوا غير مظلومين ولا معنوف عليهم) وأشهد على ذلك عثمان بن عفان واخر، فوقع أناس منهم بالعراق فنزلوا النجرانية التي بناحية الكوفة، وذهب بعضهم إلى الشام «١» . وما حدث من النبي وخليفته هو غاية العدل والإحسان والتسامح مع النصارى، ولولا أنهم تعاملوا بالربا، وأصبحوا يكونون خطرا اجتماعيا

стр. 1103

واقتصاديا في بلاد اليمن لما أجلاهم الفاروق، ولكنهم هم الذين أساؤوا لأنفسهم بنقض العهد الذي عاهداهم عليه رسول الله ﷺ . بعث أبي عبيدة معهم ولما عزموا على الرجوع إلى بلادهم قالوا للنبي: ابعث معنا رجلا أمينا ليقبض منهم مال الصلح، فقال لهم: «لأبعثنّ معكم رجلا أمينا حق أمين» فاستشرف له أصحاب رسول الله ﷺ فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح» فلما قام قال: «هذا أمين هذه الأمة» . وفد طيّىء وعدي بن حاتم قدمنا أن رسول الله ﷺ منّ على سفّانة أخت عدي لما جيء بها في سبايا طيّىء، وأن عديا كان هرب بأهله وولده لما سمع بخيل المسلمين، فذهبت أخته إليه بالشام، وأشارت عليه أن يقدم على رسول الله فيسلم. فذهب إلى المدينة حتى جاء المسجد النبوي فسلم عليه فقال: «من الرجل» ؟ فقلت: عدي بن حاتم فقال لي: «يا عدي أسلم تسلم» ثلاثا، فقلت: إني على دين قال: «أنا أعلم بدينك منك!! ألست ركوسيا، وأنت تأكل مرباع قومك «١» » ؟ قلت: بلى، قال: «هذا لا يحل لك في دينك» قلت: نعم، وكان رأى من تواضع النبي مع الناس ومعه ما جعله يعتقد أنه نبي مرسل، يعلم ما يجهل، وليس بملك. ثم قال النبي: «لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فو الله ليوشكنّ المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخولك فيه ما ترى من كثرة عدوّهم وقلة عددهم، فو الله ليوشكنّ أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت، ولعلك إنما يمنعك من دخولك فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكنّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم» .

стр. 1104

فأسلم وحسن إسلامه، وشارك في فتح بلاد فارس، ورأى المرأة تخرج من أقاصي البلاد إلى الكعبة وهي امنة، وكان يقول: وايم الله ولتكونن الثالثة. وفد زيد الخيل وقدم وفد من طيّىء على رسول الله وفيهم زيد الخيل «١» وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلموه، فعرض عليهم الإسلام، فأسلموا وحسن إسلامهم، وقد أجاز رسول الله كل رجل خمس أواق فضة، وأجاز زيدا اثنتي عشرة أوقية ونشّا وقال: «ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ الذي فيه» . ثم سمّاه زيد الخير، وقطع له قيد «٢» ، وأرضين، وكتب له بذلك كتابا، ثم رجع مع قومه، فلما كان بالطريق مات، فعمدت امرأته إلى كل ما كان معه من الكتب فحرقتها ومنها كتاب رسول الله بما أقدمه إياه!!. وفد بني عامر وقدم على رسول الله ﷺ وفد بني عامر وفيهم عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس، فلما انتهوا إلى رسول الله قال عامر: يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت؟ فقال: «لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم» قال عامر: أتجعل لي الأمر- إن أسلمت- من بعدك؟ فقال رسول الله: «ليس ذلك لك ولا لقومك، ولكن لك أعنّة الخيل» قال: أنا الان في أعنّة خيل نجد، اجعل لي الوبر ولك المدر، فقال رسول الله: «لا» قال: أما والله لأملأنّها عليك خيلا ورجالا، فقال النبي ﷺ : «اللهم اكفني عامر بن الطفيل» . وكان هو وأربد قد تواطا على اغتيال النبي فعصمه الله منهما، فلما خرجا راجعين إلى بلادهم نزل عامر في بيت امرأة من بني سلول، فأصيب بغدّة «٣» في

стр. 1105

عنقه، فصار يقول: أغدة كغدة الإبل، وموت في بيت سلولية، فوثب على فرسه، وأخذ رمحه، وصار يعدو بفرسه حتى سقط عنه ميتا!!. وأما أربد فقد وصل إلى أرض بني عامر فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا شيء، والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الان فأرميه بالنبل حتى أقتله. فخرج بعد ذلك بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما، وفي شأن عامر وأربد أنزل الله سبحانه قوله: اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ ... إلى قوله تعالى: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ «١» . قدوم رسول ملوك حمير إلى رسول الله وفي شهر رمضان سنة تسع مرجع رسول الله ﷺ من تبوك وفد عليه مالك بن مرارة الرهاوي رسول ملوك حمير بكتابهم وإسلامهم، فأمر بلالا أن ينزله ويكرمه، وكتب رسول الله ﷺ إلى الحارث بن عبد كلال، وإلى نعيم بن عبد كلال، وإلى النعمان قيل ذي رعين، ومعافر، وهمدان: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله النبي إلى الحارث بن عبد كلال..: أما بعد ذلكم: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا الله، فإنه قد وقع بنا رسولكم منقلبنا من أرض الروم، فلقينا بالمدينة، فبلّغ ما أرسلتم به، وخبّرنا ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، وأن الله قد هداكم بهداه أن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة، واتيتم الزكاة، وأعطيتم من المغانم خمس الله وسهم النبي ﷺ وصفيه ... » . ثم ذكر زكاة الزرع والإبل والبقر والغنم، وكذلك أرسل إلى زرعة ذي يزن يوصيه برسله وعماله إليهم خيرا «٢» .

стр. 1106

وفد أهل اليمن وقدم على النبي ﷺ في سنة تسع وفد اليمن، وقد جاؤوا فوجدوا وفد بني تميم عند النبي، ولكنهم كانوا أفقه منهم وأرق، روى البخاري في صحيحه أنه لما جاء بنو تميم إلى رسول الله ﷺ قال: «أبشروا بني تميم» فقالوا: أما إذ بشرتنا فأعطنا، فتغيّر وجه رسول الله ﷺ ، فجاء ناس من أهل اليمن فقال النبي: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم» قالوا: قد قبلنا يا رسول الله جئناك لنتفقّه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر «١» ما كان؟ قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله- وفي رواية غيره- وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء» «٢» . وفي شأن هذا الوفد روى البخاري في صحيحه أيضا عن النبي ﷺ قال: «أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة، وألين قلوبا. الإيمان يمان، والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم» . وقد ترجم البخاري في باب الوفود «باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن» وليس معنى هذا أن قدوم الأشعريين كان سنة تسع، فالثابت في الصحيح والسير أن قدومهم كان سنة سبع عقب خيبر، وهذا يشهد لما ذكرته في صدر فصل الوفود من عدم التقيد بالوفود التي وفدت عام تسع. وفود أخرى وفد وائل بن حجر وقدم وائل بن حجر بن ربيعة أحد ملوك اليمن، وقد بشّر النبي به أصحابه فقال: «يأتيكم بقية أبناء الملوك» ، فلما دخل رحّب به، وأدناه من نفسه، وبسط له رداءه وقال: «اللهم بارك في وائل وولده، وولد ولده» واستعمله على الأقيال من حضرموت.

стр. 1107

وفد الأزد وقد وفد الأزد من اليمن، فأعجب الرسول ما رأى من زيهم وسمتهم، ثم سألهم «ما أنتم» ؟ فقالوا: مؤمنون، فسألهم عن حقيقة قولهم وإيمانهم، فذكروا خمس عشرة خصلة: خمس أمرتنا بها رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئا، فقال رسول الله ﷺ : «ما الخمس التي أمرتكم بها رسلي أن تؤمنوا بها» ؟ قلنا: أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، قال: «وما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها» ؟ قلنا: أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت من استطاع إليه سبيلا، فقال: «وما الخمس التي تخلّقتم بها في الجاهلية؟» قالوا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضا بمرّ القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء. فقال لهم الرسول: «حكماء علماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء» «١» . وقدم الأشعث بن قيس في ثمانين راكبا من أشراف كندة وكان من ملوكهم، وقد رجّلوا جممهم «٢» ، وتكحّلوا، عليهم جبب الحبرة قد كفّفوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله ﷺ مسجده قال لهم: «ألم تسلموا؟» قالوا: بلى، قال: «فما بال هذا الحرير في أعناقكم؟» فشقّوه منها فألقوه، وأسلموا. ثم ارتدّ الأشعث فيمن ارتد من الكنديين بعد وفاة النبي، ثم أسر وجيء به إلى الصدّيق، فندم، ورجع إلى الإسلام، وزوّجه الصدّيق أخته أم فروة، وقد حسن حاله وشارك في الفتوحات الإسلامية، وقد اتفق الذين كتبوا في تاريخ الصحابة على عده من الصحابة.

стр. 1108

وفد الداريّين وقدم وفد الداريين «١» على رسول الله منصرفه من تبوك، وهم عشرة نفر فيهم تميم الداري وأخوه نعيم، وكانوا نصارى فأسلموا، وأقاموا بالمدينة حتى توفي رسول الله، وكان النبي أقطع تميما أرضا بالشام، فلما تولّى الخلافة الصدّيق أعطاه ذلك. وفد تغلب وقدم وفد تغلب ستة عشر رجلا مسلمين ونصارى عليهم صلب الذهب، فنزلوا دار رملة بنت الحارث- وكانت معدّة للوفود- فصالح رسول الله ﷺ النصارى منهم على أن يقرهم على دينهم، على ألايصبغوا أولادهم في النصرانية «٢» ، وأجاز المسلمين منهم بجوائزهم. وبذلك أظهر الله دينه على الأديان كلّها، ودانت الجزيرة من بلاد الشام إلى بلاد حضرموت لله ولرسوله، إلا بعض بطون من قبائل العرب لم تلبث أن أسلمت وأذعنت سنة عشر.

стр. 1109

السّنة العاشرة من الهجرة سرية خالد بن الوليد في ربيع الاخر أو جمادى الأولى من سنة عشر أرسل رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن استجابوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم، فخرج خالد حتى قدم إليهم ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتاب الله، وسنة نبيه، ثم أرسل إلى رسول الله كتابا يخبره خبرهم، فكتب إليه أن يبشرهم وينذرهم وأن يقبل، ويقبل معه وفدهم. فأقبل خالد ومعه وفدهم، منهم قيس بن الحصين، فكلّمهم وسألهم: «بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية» ؟ قالوا: إنا كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدا بظلم، قال «صدقتم» ، ثم أمّر عليهم قيس بن الحصين وعادوا إلى قومهم في شوال أو صدر ذي القعدة. بعث عمرو بن حزم ثم بعث إليهم رسول الله ﷺ بعد أن ولّى وفدهم عمرو بن حزم ليفقههم في الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب له كتابا عهد إليه فيه عهده، وأمره بأوامره، وبين له المنهج الذي يتبعه معهم في الحكم، والتربية، والتعليم، والتأديب، ثم ختمه بما يأخذه من المغانم وهو الخمس، وبيّن له أنصبة الزكاة في الزروع وفي الإبل والبقر والغنم. وقد ذكر الكتاب بطوله الإمام محمد بن إسحاق «١» في سيرته، والنسائي في سننه، والبيهقي في السنن.

стр. 1110

سرية علي بن أبي طالب وفي رمضان أرسل رسول الله ﷺ عليا في جمع إلى بني مذحج، وهي قبيلة يمانية، وعمّمه بيده، وقال: «سر حتى تنزل بساحتهم، فادعهم إلى قول: لا إله إلا الله، فإن قالوا: نعم فمرهم بالصلاة، ولا تبغ غير ذلك، ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس، ولا تقاتلهم حتى يقاتلوك» . فلما انتهى إليهم لقي جموعهم، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا المسلمين بالنبل، فصفّ عليّ أصحابه وأمرهم بالقتال، فقاتلوا حتى هزموا عدوّهم، فكفّ عن طلبهم قليلا، ثم لحقهم ودعاهم إلى الإسلام، فأجابوا وبايعه رؤساؤهم، وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا، فخذ منها حق الله ففعل. وفد بجيلة «١» وقدم جرير بن عبد الله البجلي في رمضان سنة عشر على النبي ومعه من قومه مائة وخمسون رجلا، وكان رسول الله ﷺ قال: «يطلع عليكم من هذا الفج من خير ذي يمن، على وجهه مسحة ملك» ، فطلع جرير على راحلته ومعه قومه، فأسلموا وبايعوا. وروي أن رسول الله بسط عليه كساء ثم التفت إلى أصحابه وقال: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» وفي الصحيحين عن جرير قال: «بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» . وفد أحمس وقدم قيس بن عزرة الأحمسي في مائتين وخمسين رجلا من أحمس- أخوة بجيلة- فقال لهم رسول الله ﷺ : «من أنتم» ؟ فقالوا: نحن أحمس الله، وكان يقال لهم ذاك في الجاهلية، فقال لهم: «وأنتم اليوم لله» ، وقال لبلال: «أعط ركب بجيلة وابدأ بالأحمسيين» ففعل.

стр. 1111

ولما أسلم جرير قال له رسول الله: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟» «١» ، فانطلق في مائة وخمسين من أحمس وكانوا أصحاب خيل، فاشتكى إلى رسول الله أنه لا يثبت على الخيل، فضرب في صدره ودعا له قائلا: «اللهم ثبّته، واجعله هاديا مهديا» ، فلم يسقط بعد عن فرس، ثم ذهب ومن معه حتى جاء إليها فخرّبها وحرّقها، وأرسل إلى رسول الله من يبشر بذلك، فبارك رسول الله على خيل أحمس ورجالها (خمس مرات) «٢» .

стр. 1112

بعث العمال والقضاة والأمراء إلى اليمن بعث معاذ بن جبل إلى اليمن بعث رسول الله ﷺ معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي الإمام المقدّم في علم الحلال والحرام إلى اليمن قاضيا ومفقّها، وأميرا، ومصدّقا «١» ، وجعله على أحد مخلافيها «٢» وهو الأعلى، وفي طبقات ابن سعد أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن لما بعث معاذا: «إني بعثت لكم خير أهلي» . ولما خرج معاذ متوجها إلى اليمن خرج معه رسول الله ﷺ يودعه ويوصيه، ومعاذ راكب، ورسول الله يمشي تحت راحلته، فأوصاه بوصايا كثيرة، منها: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» «٣» . وقال له- وقد وضع رجله في الغرز «٤» -: «حسّن خلقك للناس» «٥» رواه مالك في الموطأ، وقال له أيضا: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا ألاإله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات كل يوم وليلة، فإن هم

стр. 1113

أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أنّ الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» «١» . وما أجلّه من منهج يجب أن يسلكه المربون والمعلمون، والهداة والمصلحون. وكذلك أراد النبي أن يعرف علمه بالقضاء حين بعثه فقال له: «كيف تصنع إن عرض لك قضاء» ؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: «فإن لم يكن في كتاب الله» ؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ ، قال: «فإن لم يكن في سنة رسول الله» ؟ قال: أجتهد- وإني لا الو- أي لا أقصر، قال: فضرب رسول الله صدره ثم قال: «الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله» «٢» . وهذا يدلّ على فقه معاذ، وعلمه بأصول القضاء. فلما فرغ رسول الله من وصاياه قال له: «يا معاذ، إنك عسى ألاتلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري» فبكى معاذ خشعا لفراق الرسول. وكذلك وقع الأمر كما أشار الرسول، فقد أقام معاذ باليمن، ولم يقدم إلا بعد وفاة الرسول ﷺ . بعث أبي موسى الأشعري وكذلك بعث رسول الله ﷺ أبا موسى الأشعري اليمني إلى مخلاف اليمن الاخر وهو الأسفل، قاضيا ومفقها وأميرا ومصدّقا، وأوصاه ومعاذا فقال: «يسّرا ولا تعسرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا» «٣» . وقد عملا بوصية النبي، وانطلق كل واحد منهما إلى عمله، وصارا يتزاوران ويتحابان في الله، وقد سأل أبو موسى رسول الله فقال: يا نبي الله،

стр. 1114

إن أرضنا بها شراب من الشعير- المزر- وشراب من العسل- البتع- فقال: «كل مسكر حرام» . وقد دلّ بعث النبي لأبي موسى على أنه كان عالما فطنا حاذقا، ولولا ذلك لم يولّه النبي ﷺ الإمارة والقضاء، ولو كان فوّض الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيته بما وصاه به، ولذلك اعتمد عليه عمر، ثم عثمان، ثم علي. وأما الخوارج والروافض فطعنوا فيه ونسبوه إلى الغافلة وعدم الفطنة لما صدر منه في التحكيم بصفين، قال ابن العربي وغيره: والحق أنه لم يصدر منه ما يقتضي وصفه بذلك، وغاية ما وقع منه أن اجتهاده أداه إلى أن يجعل الأمر شورى بين من بقي من أكابر الصحابة من أهل بدر ونحوهم، لما شاهد من الاختلاف الشديد بين الطائفتين بصفّين، وال الأمر إلى ما ال إليه «١» . بعث علي بن أبي طالب وبعث رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب إلى اليمن ليقبض خمس الغنائم التي غنمها خالد بن الوليد، وهو يجاهد في اليمن وليخلفه في الجهاد، فذهب واستلمه واصطفى منه جارية لنفسه، فأثار ذلك نفس أحد الصحابة عليه وهو بريدة الأسلمي، وكان في نفسه من علي شيء، فلما قدم على النبي ذكر ذلك له فقال: «يا بريدة أتبغض عليا؟» ، قال: نعم. قال: «لا تبغضه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك» «٢» . قال بريدة: فما كان أحد من الناس أحبّ إلي من علي. وفي صحيح البخاري أن عليا بعث إلى رسول الله ﷺ من الخمس بذهيبة لم تخلص من تبرها من الخمس، فقسمها النبي بين أربعة: عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، وعلقمة بن علاثة العامري، وكذلك بعثه مصدّقا كما رواه البيهقي «٣» .

стр. 1115

وقد وكل إليه القضاء أيضا. روى أحمد وأبو داود والترمذي عن علي قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، فقلت يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسنّ مني وأنا حديث السن لا أبصر القضاء؟ فوضع يده على صدري وقال: «اللهم ثبت لسانه، واهد قلبه» ، وقال: «يا علي، إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الاخر، فإنك إن فعلت ذلك تبيّن لك» . قال علي: فما أشكل علي قضاء بعد «١» . ثم رجع علي ﵁ إلى رسول الله فوافاه بمكة في حجة الوداع. أمراء وعمال اخرون قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ قد بعث أمراءه وعماله على الصدقات (الزكاة) إلى كل ما أوطأ الإسلام من البلدان. فبعث المهاجر بن أبي أمية بن المغيرة إلى صنعاء، فخرج عليه الأسود العنسي وهو بها. وبعث زياد بن لبيد الأنصاري إلى حضرموت وعلى صدقاتها. وبعث عديّ بن حاتم على طيىء وصدقاتها، وعلى بني أسد. وبعث مالك بن نويرة اليربوعي على صدقات بني حنظلة. وفرّق صدقة بني سعد على رجلين منهم: فبعث الزبرقان بن بدر على ناحية منها، وقيس بن عاصم على ناحية. وكان قد بعث العلاء بن الحضرمي على البحرين. وفي صحيح البخاري أن النبي استعمل ابن اللّتبيّة- وقد سماه ابن سعد وغيره عبد الله- على صدقات بني سليم، وممن استعملهم النبي يزيد بن أبي سفيان على صدقات بني فراس وكانوا أخواله «٢» .

стр. 1116

جملة المغازي، والسرايا، والبعوث ها نحن قد انتهينا- ولله الحمد والمنة- من غزوة تبوك، وهي اخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ وأصحابه، فلنذكر جملة المغازي والسرايا والبعوث، فأقول وبالله التوفيق: روى الشيخان في صحيحيهما بسندهما «١» عن أبي إسحاق السّبيعي قال: كنت إلى جنب زيد بن أرقم، فقلت له: كم غزا النبي ﷺ من غزوة؟. قال: تسع عشرة، فقلت: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة، قلت: فأيهن كانت أول؟ قال: العشير، أو العسيرة «٢» ، فذكرت لقتادة قال: العشيرة «٣» . وروى مسلم في صحيحه بسنده عن بريدة قال: (غزا رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، قاتل في ثمان منهن) ، وعلى هذا يتفق ما رواه زيد بن أرقم، وما رواه بريدة في العدة، ويكون مرادهما الغزوات التي خرج فيها رسول الله ﷺ بنفسه سواء قاتل أولم يقاتل، وأما قوله: (قاتل في ثمان منهن) ، فلعله لم يعدّ الفتح- كما قال الإمام النووي- ويكون مذهبه أنها فتحت صلحا، كما قال

стр. 1117

الشافعي وموافقوه، أو لعله اعتبر الخندق وبني قريظة غزوة واحدة، وبقول بريدة ﵁ قال موسى بن عقبة وهو من أئمة أهل المغازي «١» . ولا يعكّر على هذا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (غزوت مع رسول الله ﷺ تسع عشرة غزوة، قال جابر: لم أشهد بدرا ولا أحدا؛ منعني أبي- وذلك ليكون مع أخواته البنات- فلما قتل عبد الله يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة قط) ، ومقتضى هذا أن عدد غزوات الرسول ﷺ إحدى وعشرون. وذلك لأن زيدا فاته ذكر اثنتين منها وهما: الأبواء، وبواط، فقد كانتا قبل العشيرة قطعا؛ وكأن ذلك خفي عليه لصغره، ولعلهما خفيتا أيضا على بريدة أو نسيهما، على أن ذكر الأقل لا ينفي ذكر الأكثر، والعبارة في الروايتين غير حاصرة. والذي ذكره ابن إسحاق في سيرته أنها سبع وعشرون غزوة، قال: (وكان جميع ما غزا رسول الله ﷺ بنفسه سبعا وعشرين غزوة، منها: غزوة ودّان، وهي غزوة الأبواء، ثم غزوة بواط من ناحية رضوى؛ ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الأولى بطلب كرز بن جابر، ثم غزوة بدر الكبرى، التي قتل فيها صناديد قريش، ثم غزوة بني سليم حتى بلغ الكدر ثم غزوة بحران- معدن بالحجاز- ثم غزوة أحد، ثم غزوة حمراء الأسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نخل، ثم غزوة بدر الاخرة، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان من هذيل، ثم غزوة الحديبية، لا يريد قتالا، فصده المشركون، ثم غزوة تبوك. قاتل منها في تسع غزوات: بدر، وأحد، والخندق، وقريظة، والمصطلق، والفتح، وحنين، والطائف «٢» .

стр. 1118

أقول: ولم يذكر ابن إسحاق «غزوة بني قينقاع» مع أنها أولى بتسميتها غزوة من عمرة القضاء، وهذا يدل على أن المسألة اعتبارية، وهي مما تختلف فيها الأنظار، ولا أدري السبب في عدم ذكر غزوة بني قينقاع إلا أن يكون سهوا، والكمال لله والعصمة لرسوله، كذلك خالفت ابن إسحاق في ترتيبه للغزوات بناء على الدليل والبرهان، وقد بينت ذلك ثم قال ابن إسحاق: وكانت بعوثه ﷺ وسراياه ثماني وثلاثين من بين بعث وسرية. ثم شرع- ﵀ في تفصيل ذلك. وقال موسى بن عقبة في مغازيه: (قاتل رسول الله ﷺ بنفسه في ثمان: بدر، ثم أحد، ثم الأحزاب، ثم المصطلق، ثم خيبر، ثم مكة، ثم حنين، ثم الطائف) ، فأهمل غزوة قريظة لأنه اعتبرها والأحزاب غزوة واحدة، بينما أفردها ابن إسحاق، وعلى هذا لا تنافي بين ما ذكره موسى بن عقبة، وما ذكره ابن إسحاق. وكذلك عدّ ابن سعد في «الطبقات» المغازي سبعا وعشرين، وتبع في ذلك الواقدي، وهو موافق لما ذكره ابن إسحاق كما قدمنا. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: إلا أنه لم يفرد وادي القرى من خيبر، أشار إلى ذلك السهيلي، وكأن الستة الزائدة من هذا القبيل، وعلى هذا يحمل ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيّب قال: (غزا رسول الله ﷺ أربعا وعشرين غزوة) وأخرجه يعقوب بن سفيان عن سلمة بن شبيب عن عبد الرزاق، فزاد فيه: أن سعيدا قال أولا ثماني عشرة، ثم قال أربعا وعشرين. قال الزهري فلا أدري أوهم- غلط- أو كان شيئا سمعه بعد؟ قلت- أي الحافظ-: وحمله على ما ذكرته يدفع الوهم ويجمع الأقوال، والله أعلم. وأما البعوث والسرايا فقد عدها ابن إسحاق ثماني وثلاثين، وعدّها الواقدي ثماني وأربعين، وعدها ابن سعد ستا وخمسين، وحكى ذلك

стр. 1119

ابن الجوزي في «التلقيح» ، وعدها المسعودي ستين، وبلغها الحافظ العراقي في نظم السيرة زيادة على السبعين، ووقع عند الحاكم في «الإكليل» أنها تزيد على مائة؛ فلعله أراد ضم المغازي إليها، كما قال الحافظ في الفتح. فلا يهولنّك- أيها القارىء الفطن- ما ترى من اختلاف في العدة، فالعبارات ليست حاصرة، والعدد كما يقول بعض الأصوليين لا مفهوم له؛ فذكر الأقل لا ينفي ذكر الأكثر، والمسألة كما قلت لك اعتبارية، فمن ثمّ اختلفت العبارات في العدة لاختلاف الاعتبارات؛ وكلّ أخبر بما علم، وقد يكون عند الواحد من صحابة رسول الله ﷺ ما ليس عند الاخر، وقد يشهد الواحد منهم ما لا يشهد الاخر. وهذا هو اللائق بصحابة رسول الله ﷺ والرعيل الأول من المسلمين، الذين نشروا الإسلام وضحوا في سبيله بالنفس والنفيس، والأهل والولد، وكان الواحد منهم لأن يخر من أعلا جبل، أهون عليه من أن يكذب على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، أو يصفه بما ليس فيه، أو ينسب إليه ما لم يصدر عنه. وكانوا من العدالة، ومن الصدق، والضبط بالمحل الأرفع، وكيف لا وقد أثنى الله عليهم بالثناء المستطاب في القران الكريم، وضرب بهم الأمثال في التوراة والإنجيل، وأثنى عليهم الرسول الكريم غاية الثناء؟ ولا تعجب- يا قارئي الحصيف- إذا كنت أعنى بالتوفيق بين الايات القرانية، والأحاديث والمرويات، لأن هذا من جلّ مقاصدي في هذا الكتاب أن أبين أن ايات الله يصدّق بعضها بعضا، وتتعارف ولا تتناكر، وتتالف ولا تتخالف، وأن الأحاديث الصحيحة الثابتة لا يرد بعضها بعضا، ولا يناقض بعضها البعض الاخر، وأن لهذه وتلك مخارج صحيحة لمن أعمل الذهن، وقدح الفكر، وتناولها بالقلب المؤمن، والعقل المتئد البصير، رزقني الله وإياك إيمانا ثابتا لا يتزعزع، وقلبا بصيرا تقيا، من الشكوك نقيا، وعلما نافعا، ولسانا ذاكرا،

стр. 1120

وبالحق قوالا، وعن الإسلام ورجالاته منافحا، وأتم عليّ وعليك نعمة الإسلام. ولسان حالي يقول: أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم

стр. 1121

حجّة الوداع ها هي الوفود قد جاءت تترى من كل ناحية، وأضحت الجزيرة العربية مؤمنة موحّدة، وها هي دعائم الإسلام وشرائعه قد استقرت وبيّنها النبي بقوله وعمله، ولم يبق من أصول الإسلام ما هو في حاجة إلى البيان القولي والعملي من النبي ﷺ إلا الحج، وها هو الصديق قد مهّد بالحج سنة تسع للنبي أن يحج بالناس ليوقفهم على مناسكه كما شرعه الله من لدن الخليل إبراهيم ﵊، ولينفي عن الحج ما شابه من بدع ومستحدثات، وإنا لنلمس هذا المعنى جليا في قوله ﷺ : «كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم» «١» . وقوله في هذه الحجة وهو يرمي جمرة العقبة: «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» رواه مسلم. وتسمى هذه الحجة حجة الوداع، لأن النبي ﷺ ودّع المسلمين بهذا القول، وحجة الإسلام لأنه لم يحج بعد الهجرة غيرها، وأما قبل الهجرة فقد حجّ مرارا قبل النبوة وبعدها، وحجة البلاغ لأن النبي بلّغ الناس شرع الله في الحج قولا وعملا، وذكّرهم بالمهم من شرائع الإسلام، وحقوق الإنسان، وأشهد الله والناس على ذلك. الأذان بالحج ولم يكد يحل شهر ذي القعدة من هذا العام حتى أخذ رسول الله في التجهز للحج، وأذّن في الناس بذلك، وأمرهم بالتجهز، فصادفت الدعوة هوى في

стр. 1122

النفوس، فجاء الناس من كل فج وصوب، من القرى والبوادي، والسهل والجبل، والوديان والصحاري، مشاة وركبانا، تحدوهم الرغبة الصادقة في حج بيت الله مهوى القلوب، ومثابة للناس، والحرص على أن يحظوا بالشرف الرفيع شرف مصاحبة الرسول، والنظر إليه، والسماع منه، وضرب حول المدينة الخيام لمائة ألف أو يزيدون، وحّد بينهم الإسلام، وربط قلوبهم على المحبة والإخاء، بعد أن كانوا أوزاعا متفرقين، وأعداء متنابذين. الخروج للحج وفي يوم السبت الخامس والعشرين من ذي القعدة خرج رسول الله ﷺ في هذه الألوف المؤلفة بعد أن صلى الظهر بالمدينة أربعا، وقد استخلف عليها أبا دجانة، وقيل: سباع بن عرفطة، حتى وصل إلى ذي الحليفة «١» ، فصلّى العصر بها ركعتين ثم بات بها، فلما أصبح اغتسل للإحرام، وتطيّب ولبّد «٢» رأسه، وصلى ركعتين. وكان رسول الله قد ساق معه الهدي، قيل مائة، وقيل دون ذلك، فأشعر واحدة منها وقلّدها نعلين، وتولى إشعار الباقي وتقليده غيره، ثم ركب ناقته (القصواء) وأهلّ بالحج قائلا: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك» ، ولما أشرفت ناقته على البيداء أدخل العمرة على الحج قائلا: «لبيك بعمرة وحجة» ، وأما المسلمون فمنهم من أحرم بحج، ومنهم من أحرم بعمرة، ومنهم من أحرم بعمرة وحج معا، كما روي في الصحيحين. وسار الرسول والمسلمون وهم يلبون ويكبرون ويهللون، لا ينفكون عن ذلك كلما علوا شرفا- مكانا عاليا- أو هبطوا واديا، وتجاوبت الأصداء بالتوحيد والتهليل، وشهدت الصحراء هذا المشهد الفريد الذي لم تشهد له مثيلا من قبل، ولن تشهد له مثالا من بعد.

стр. 1123

بم أحرم النبي ؟ وقد اختلفت الروايات في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث والسير في صفة إحرامه ﷺ في حجة الوداع اختلافا كثيرا، واختلف تبعا لذلك أئمة العلم والفقه والحديث: أكان رسول الله مفردا، أم قارنا، أم متمتعا «١» ؟. وليس من شأني هنا أن أعرض لذلك بالتفصيل، فذلك يحتاج إلى رسالة، ولكني أقول: إن الذي عليه المحققون من العلماء أن رسول الله ﷺ أهلّ بالحج، ثم أدخل عليه الإحرام بالعمرة فصار قارنا، واستمر على ذلك لم يتحلل من عمرته حتى قضى النسكين، لأنه كان ساق معه الهدي كما ذكرنا. ثم إنه ﷺ أمر من أحرم بالحج ولم يسق الهدي أن يجعله عمرة ويتحلل منها، ثم يهل بالحج يوم التروية، فمن ثمّ حصل هذا الاختلاف، فمن روى أو رأى أنه أهل بالحج فقط أراد ما أهل به أولا، ومن قال: إنه كان قارنا أراد اخر أحواله، ومن قال إنه كان متمتعا أراد التمتاع اللغوي وهو الانتفاع بالجمع بين الحج والعمرة في أشهر الحج، أو أنه فهم من أمره بالاقتصار على العمرة والتحلل منها ثم الإحرام بالحج بعد أنه كان متمتعا «٢» . وأحب أن يضع القارىء الفطن في اعتباره أنه من المستبعد أن تتفق عشرات الألوف هذه كلها على رواية أو رأي، إذ لم يسمع الكل من النبي أو يروا ما صنعه في وقت واحد، وبذلك لا يهوله هذا الاختلاف، ويستبعد من تفكيره أن يكون مبعثه التناقض، أو الهوى والتزيد. وفي سرف- مكان قريب من مكة- أمر رسول الله من أحرم بالحج

стр. 1124

ولم يسق الهدي أن يجعل حجه عمرة، وفي (ذي طوى) على مشارف مكة بات الرسول وأصحابه حتى صلّى بهم الصبح، ثم اغتسل لدخول مكة. في مكة ودخلت هذه الجموع الحاشدة مكة من الثنية العليا نهارا جهارا، وكان ذلك في يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، فلما عاين الرسول البيت قال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحيّنا- ربنا- بالسلام. اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما، وتكريما ومهابة وبرا، وزد من حجّه أو اعتمره تكريما وتشريفا، وتعظيما وبرا» «١» . الطواف بالبيت وطاف رسول الله ﷺ وهو راكب ناقته، يستلم الحجر الأسود بمحجن في يده، لأجل أن يراه الناس فيقتدوا به ويسألوه، ولأجل ألايصرف عنه الناس فقد غشوه من كل جانب، وطاف بطوافه المسلمون، وأمرهم أن يضطبعوا ويرملوا في الأشواط الثلاثة الأولى «٢» ، ويمشوا على هيئتهم في الأربعة الباقية، حتى إذا فرغ من طوافة أتى مقام إبراهيم وهو يتلو قول الله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ «٣» إِبْراهِيمَ مُصَلًّى فصلى وراءه ركعتين، ثم استلم الحجر مرة أخرى. إلى الصفا والمروة ثم خرج من باب بني مخزوم إلى الصفا وهو يقرأ قول الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الاية، وقال: «أبدأ بما بدأ الله به» فصعد عليه حتى عاين البيت فاستقبله قائلا: «لا إله إلا الله واحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، أنجز وعده، وصدق عبده، وهزم

стр. 1125

الأحزاب واحده» ثم نزل إلى المروة، ثم رجع إلى الصفا وهكذا حتى أتم سبعة أشواط. فلما فرغ من السعي بينهما أمر أصحابه بأن من لم يكن معه هدي فليجعل حجه عمرة وليتحلل منها، فتباطأ بعض الصحابة في ذلك تأسفا على عدم الاقتداء به، فطيب خاطرهم، وبين لهم السبب في عدم تحلله فقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» فحلّ الناس كلهم وقصّروا، ولم يبق محرما إلا النبي ومن ساق معه الهدي. إلى الأبطح ثم سار رسول الله والناس معه حتى نزلوا بالأبطح- مكان فسيح شرقي مكة- وأقام هناك إلى يوم الأربعاء يصلّي بأصحابه، ولم يعد إلى الكعبة في تلك الأيام كلها. قدوم علي وقدم علي بن أبي طالب ﵁ من اليمن، فوافى النبي بهذا المكان، ووجد زوجته السيدة فاطمة قد أحلّت كما حلّ أزواج النبي، ولبست ثيابا مصبوغة، فقال: من أمرك بهذا؟ قالت: أبي، فأخبر الرسول بذلك فقال: «صدقت، صدقت» ثم قال له: «بم أهللت؟» قال: (بإهلال كإهلال النبي) وكان معه هدي ساقه معه، فقال له النبي: «امكث على إحرامك» ، وقدم أبو موسى الأشعري أيضا، ولم يكن ساق الهدي فأمره الرسول أن يفسخ حجه إلى العمرة ويتحلل منها «١» . الخروج إلى منى وفي يوم الخميس الثامن من ذي الحجة، ويقال له يوم التروية، خرج النبي وأصحابه إلى منى بعد أن أحرم بالحج الذين كانوا قد تحلّلوا من عمرتهم من الأبطح، وساروا حتى جاؤوا منى، فصلّى بهم النبي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.
следующие страницы →