حجّة الوداع
ها هي الوفود قد جاءت تترى من كل ناحية، وأضحت الجزيرة العربية مؤمنة موحّدة، وها هي دعائم الإسلام وشرائعه قد استقرت وبيّنها النبي بقوله وعمله، ولم يبق من أصول الإسلام ما هو في حاجة إلى البيان القولي والعملي من النبي ﷺ إلا الحج، وها هو الصديق قد مهّد بالحج سنة تسع للنبي أن يحج بالناس ليوقفهم على مناسكه كما شرعه الله من لدن الخليل إبراهيم ﵊، ولينفي عن الحج ما شابه من بدع ومستحدثات، وإنا لنلمس هذا المعنى جليا في قوله ﷺ : «كونوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم» «١» . وقوله في هذه الحجة وهو يرمي جمرة العقبة: «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» رواه مسلم.
وتسمى هذه الحجة حجة الوداع، لأن النبي ﷺ ودّع المسلمين بهذا القول، وحجة الإسلام لأنه لم يحج بعد الهجرة غيرها، وأما قبل الهجرة فقد حجّ مرارا قبل النبوة وبعدها، وحجة البلاغ لأن النبي بلّغ الناس شرع الله في الحج قولا وعملا، وذكّرهم بالمهم من شرائع الإسلام، وحقوق الإنسان، وأشهد الله والناس على ذلك.
الأذان بالحج
ولم يكد يحل شهر ذي القعدة من هذا العام حتى أخذ رسول الله في التجهز للحج، وأذّن في الناس بذلك، وأمرهم بالتجهز، فصادفت الدعوة هوى في
стр. 1122
النفوس، فجاء الناس من كل فج وصوب، من القرى والبوادي، والسهل والجبل، والوديان والصحاري، مشاة وركبانا، تحدوهم الرغبة الصادقة في حج بيت الله مهوى القلوب، ومثابة للناس، والحرص على أن يحظوا بالشرف الرفيع شرف مصاحبة الرسول، والنظر إليه، والسماع منه، وضرب حول المدينة الخيام لمائة ألف أو يزيدون، وحّد بينهم الإسلام، وربط قلوبهم على المحبة والإخاء، بعد أن كانوا أوزاعا متفرقين، وأعداء متنابذين.
الخروج للحج
وفي يوم السبت الخامس والعشرين من ذي القعدة خرج رسول الله ﷺ في هذه الألوف المؤلفة بعد أن صلى الظهر بالمدينة أربعا، وقد استخلف عليها أبا دجانة، وقيل: سباع بن عرفطة، حتى وصل إلى ذي الحليفة «١» ، فصلّى العصر بها ركعتين ثم بات بها، فلما أصبح اغتسل للإحرام، وتطيّب ولبّد «٢» رأسه، وصلى ركعتين.
وكان رسول الله قد ساق معه الهدي، قيل مائة، وقيل دون ذلك، فأشعر واحدة منها وقلّدها نعلين، وتولى إشعار الباقي وتقليده غيره، ثم ركب ناقته (القصواء) وأهلّ بالحج قائلا: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك» ، ولما أشرفت ناقته على البيداء أدخل العمرة على الحج قائلا: «لبيك بعمرة وحجة» ، وأما المسلمون فمنهم من أحرم بحج، ومنهم من أحرم بعمرة، ومنهم من أحرم بعمرة وحج معا، كما روي في الصحيحين.
وسار الرسول والمسلمون وهم يلبون ويكبرون ويهللون، لا ينفكون عن ذلك كلما علوا شرفا- مكانا عاليا- أو هبطوا واديا، وتجاوبت الأصداء بالتوحيد والتهليل، وشهدت الصحراء هذا المشهد الفريد الذي لم تشهد له مثيلا من قبل، ولن تشهد له مثالا من بعد.
стр. 1123
بم أحرم النبي ؟
وقد اختلفت الروايات في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث والسير في صفة إحرامه ﷺ في حجة الوداع اختلافا كثيرا، واختلف تبعا لذلك أئمة العلم والفقه والحديث: أكان رسول الله مفردا، أم قارنا، أم متمتعا «١» ؟. وليس من شأني هنا أن أعرض لذلك بالتفصيل، فذلك يحتاج إلى رسالة، ولكني أقول:
إن الذي عليه المحققون من العلماء أن رسول الله ﷺ أهلّ بالحج، ثم أدخل عليه الإحرام بالعمرة فصار قارنا، واستمر على ذلك لم يتحلل من عمرته حتى قضى النسكين، لأنه كان ساق معه الهدي كما ذكرنا. ثم إنه ﷺ أمر من أحرم بالحج ولم يسق الهدي أن يجعله عمرة ويتحلل منها، ثم يهل بالحج يوم التروية، فمن ثمّ حصل هذا الاختلاف، فمن روى أو رأى أنه أهل بالحج فقط أراد ما أهل به أولا، ومن قال: إنه كان قارنا أراد اخر أحواله، ومن قال إنه كان متمتعا أراد التمتاع اللغوي وهو الانتفاع بالجمع بين الحج والعمرة في أشهر الحج، أو أنه فهم من أمره بالاقتصار على العمرة والتحلل منها ثم الإحرام بالحج بعد أنه كان متمتعا «٢» .
وأحب أن يضع القارىء الفطن في اعتباره أنه من المستبعد أن تتفق عشرات الألوف هذه كلها على رواية أو رأي، إذ لم يسمع الكل من النبي أو يروا ما صنعه في وقت واحد، وبذلك لا يهوله هذا الاختلاف، ويستبعد من تفكيره أن يكون مبعثه التناقض، أو الهوى والتزيد.
وفي سرف- مكان قريب من مكة- أمر رسول الله من أحرم بالحج
стр. 1124
ولم يسق الهدي أن يجعل حجه عمرة، وفي (ذي طوى) على مشارف مكة بات الرسول وأصحابه حتى صلّى بهم الصبح، ثم اغتسل لدخول مكة.
في مكة
ودخلت هذه الجموع الحاشدة مكة من الثنية العليا نهارا جهارا، وكان ذلك في يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، فلما عاين الرسول البيت قال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحيّنا- ربنا- بالسلام. اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما، وتكريما ومهابة وبرا، وزد من حجّه أو اعتمره تكريما وتشريفا، وتعظيما وبرا» «١» .
الطواف بالبيت
وطاف رسول الله ﷺ وهو راكب ناقته، يستلم الحجر الأسود بمحجن في يده، لأجل أن يراه الناس فيقتدوا به ويسألوه، ولأجل ألايصرف عنه الناس فقد غشوه من كل جانب، وطاف بطوافه المسلمون، وأمرهم أن يضطبعوا ويرملوا في الأشواط الثلاثة الأولى «٢» ، ويمشوا على هيئتهم في الأربعة الباقية، حتى إذا فرغ من طوافة أتى مقام إبراهيم وهو يتلو قول الله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ «٣» إِبْراهِيمَ مُصَلًّى فصلى وراءه ركعتين، ثم استلم الحجر مرة أخرى.
إلى الصفا والمروة
ثم خرج من باب بني مخزوم إلى الصفا وهو يقرأ قول الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الاية، وقال: «أبدأ بما بدأ الله به» فصعد عليه حتى عاين البيت فاستقبله قائلا: «لا إله إلا الله واحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، أنجز وعده، وصدق عبده، وهزم
стр. 1125
الأحزاب واحده» ثم نزل إلى المروة، ثم رجع إلى الصفا وهكذا حتى أتم سبعة أشواط.
فلما فرغ من السعي بينهما أمر أصحابه بأن من لم يكن معه هدي فليجعل حجه عمرة وليتحلل منها، فتباطأ بعض الصحابة في ذلك تأسفا على عدم الاقتداء به، فطيب خاطرهم، وبين لهم السبب في عدم تحلله فقال:
«لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» فحلّ الناس كلهم وقصّروا، ولم يبق محرما إلا النبي ومن ساق معه الهدي.
إلى الأبطح
ثم سار رسول الله والناس معه حتى نزلوا بالأبطح- مكان فسيح شرقي مكة- وأقام هناك إلى يوم الأربعاء يصلّي بأصحابه، ولم يعد إلى الكعبة في تلك الأيام كلها.
قدوم علي
وقدم علي بن أبي طالب ﵁ من اليمن، فوافى النبي بهذا المكان، ووجد زوجته السيدة فاطمة قد أحلّت كما حلّ أزواج النبي، ولبست ثيابا مصبوغة، فقال: من أمرك بهذا؟ قالت: أبي، فأخبر الرسول بذلك فقال: «صدقت، صدقت» ثم قال له: «بم أهللت؟» قال: (بإهلال كإهلال النبي) وكان معه هدي ساقه معه، فقال له النبي: «امكث على إحرامك» ، وقدم أبو موسى الأشعري أيضا، ولم يكن ساق الهدي فأمره الرسول أن يفسخ حجه إلى العمرة ويتحلل منها «١» .
الخروج إلى منى
وفي يوم الخميس الثامن من ذي الحجة، ويقال له يوم التروية، خرج النبي وأصحابه إلى منى بعد أن أحرم بالحج الذين كانوا قد تحلّلوا من عمرتهم من الأبطح، وساروا حتى جاؤوا منى، فصلّى بهم النبي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.
стр. 1126
إلى عرفات
وبعد شروق الشمس خرج النبي قاصدا عرفات، وأمر أن تضرب له قبة (بنمرة) «١» ، فسار رسول الله ولا تشك قريش إلا أنه سيقف بالمشعر الحرام «٢» كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، ولكن النبي أخلف ظنهم، وسار حتى أتى عرفات ائتمارا بأمر الله في قوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ، فوجد القبة قد ضربت، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس ركب ناقته (القصواء) حتى أتى بطن الوادي (وادي عرنة) ، وهنالك خطب خطبته المشهورة الجامعة.
خطبة عرفة
قال ﷺ بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أيها الناس: اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلّغت، اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة، فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.
ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ موضوع «٣» ، وربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب.
وإنّ دماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أبدأ به دم ابن «٤» ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
وإنّ ماثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية «٥» .
والعمد قود «٦» ، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر، وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية.
стр. 1127
أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم.
أيها الناس: إنّ النسيء «١» زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما، ليواطئوا عدة ما حرم الله. وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإنّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد.
أيها الناس: إن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكم عليهن ألايوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، فإن فعلن فإن الله أذن لكم أن تعظوهن، وتهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرّح «٢» ، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان «٣» عندكم لا يملكن لأنفسهم شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله «٤» ، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرا، ألا هل بلّغت؟ اللهم اشهد.
أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرىء مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلّغت؟ اللهم اشهد، فلا ترجعنّ بعدي كفارا يضرب
стр. 1128
بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا:
كتاب الله، وسنة نبيه.
أيها الناس: إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لادم، وادم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلّغت؟ اللهم اشهد.
أيها الناس: إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، وإنه لا وصية لوارث، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث.
والولد للفراش، وللعاهر الحجر «١» ، ومن ادّعى إلى غير أبيه، أو تولّى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا «٢» . وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال بأصبعه السبّابة يرفعها إلى السماء ويقلبها على الناس:
اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، والسلام عليكم ورحمة الله» «٣» .
وكان جرير بن عبد الله البجلي يستنصت الناس، وكان ربيعة بن أمية بن خلف يبلّغ عن رسول الله ﷺ .
وبعد أن فرغ رسول الله من هذه الخطبة الجامعة أذّن بلال ثم أقام فصلى النبي بالناس الظهر، ثم أقام فصلّى بهم العصر، جامعا بينهما جمع تقديم، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب ناقته حتى جاء الصخرات التي في أسفل جبل الرحمة فوقف عندها مستقبلا القبلة، حتى غربت الشمس، وقال: «وقفت ههنا وعرفات كلها موقف» .
стр. 1129
وأكثر من الدعاء لأمته في هذا اليوم العظيم يوم عرفة، وكان يوم الجمعة، هذا اليوم الذي تسكب فيه العبرات، وتستجاب الدعوات، ويتجلى الله فيه على عباده فيباهي بهم الملائكة، ويقول: «يا ملائكتي هؤلاء عبادي جاؤوني شعثا غبرا «١» ، يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني، فكيف لو رأوني، فلو كانت ذنوبهم كعدد الرمل لغفرتها لهم، أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم فيه» «٢» .
وقد روي: «أن النبي لما أكثر من الدعاء لأمته بالمغفرة أوحى الله إليه أنه غفر كل شيء إلا ظلم بعضهم بعضا» «٣» .
ما نزل في يوم عرفة
وفي هذا اليوم المشهور نزل على النبي ﷺ قول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً. ولما نزلت هذه الاية بكى بعض الصحابة- ومنهم عمر بن الخطاب ﵁ وكأنهم فهموا منها الإشارة إلى قرب أجل الرسول، ولما قيل لسيدنا عمر:
ما يبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان.
خطأ مشهور
وهو ما يزعمه البعض من أن هذه الاية اخر ما نزل من القران، وهو غلط لم يقل به أحد من العلماء، والحق أن اخر اية نزلت هي قوله تعالى في سورة البقرة: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.
والمراد بإكمال الدين: إما إتمام حجهم على حسب ما شرع الله، وإذلال الشرك وأهله بحيث لم يشاركهم فيه أحد من المشركين، وهو تمام النعمة
стр. 1130
عليهم، وإما إكمال الحلال والحرام، وهذا لا ينافي نزول شيء بعدها لا يتعلق بالحلال والحرام «١» .
إلى المزدلفة
ثم ركب النبي ناقته بعد الغروب، وشد زمامها حتى لتكاد رأسها تمس مقدمة الرحل، وأردف وراءه أسامة بن زيد وهو يشير إلى الناس قائلا:
«السكينة، السكينة، ليس البر بالإيضاع» «٢» حتى أتى إلى «المزدلفة» «٣» ، فصلّى بها المغرب والعشاء جامعا بينهما جمع تأخير بأذان وإقامتين ولم يتنفل بينهما، ثم اضطجع ﷺ حتى صلّى الفجر، ثم ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، ودعا الله وأكثر من الدعاء وهلّل، وكبّر، وما زال واقفا حتى أسفر الصبح جدا.
وقد روي: «أن النبي عاود الدعاء لأمته في المزدلفة، فأكثر من الدعاء، فأوحى الله إليه: إني قد غفرت لهم إلا ظلم بعضهم بعضا، فقال: يا رب إنك قادر على أن تثيب المظلوم خيرا من مظلمته، وتغفر لهذا الظالم، فلم يجبه هذه العشية، فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء، فأوحى الله إليه أنه غفر لهم كل شيء، فجعل إبليس يدعو على نفسه بالويل والثبور، ويحثو التراب على رأسه» «٤» .
إلى منى
ثم دفع رسول الله ﷺ إلى منى قبل أن تطلع الشمس، مردفا وراءه الفضل بن العباس، حتى أتى وادي محسّر «٥» فأسرع بدابته، ثم قصد إلى الجمرة الكبرى «جمرة العقبة» فرماها بسبع حصيات صغار يكبر عند كل حصاة منها، حتى إذا
стр. 1131
فرغ من الرمي انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، وقال: «نحرت ههنا ومنى كلها منحر» ونحر سيدنا علي الباقي وهي تمام المائة، ثم أمر أن يؤخذ من كل بدنة بضعة «١» ، فجعلت في قدر فطبخت، فأكل من لحمها وشرب من مرقها.
ثم حلق ﷺ شعره والصحابة مطيفون به، ما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد واحد منهم، وبذلك أحلّ ﷺ ولبس ثيابه وتطيب قبل أن يطوف بالبيت، والمسلمون جميعا يقتدون به في كل ما يصنع من المناسك، ثم أمر عليا أن يتصدق بلحوم البدن وجلودها وجلالها، ففعل.
إلى الكعبة
ثم ركب ﷺ حتى جاء البيت ليطوف طواف الإفاضة، وهو ركن من أركان الحج بالإجماع، فطاف وصلّى بمكة الظهر، ولم يسع بين الصفا والمروة، ثم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون الناس على بئر زمزم وقال: «انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» فناولوه دلوا فشرب منه حتى تضلّع، وأتى السقاية «٢» التي يقوم بها العباس فقال: «اسقوني» فقال العباس: يا فضل، اذهب إلى أمك فأت رسول الله بشراب من عندها فإن هذا يجعل الناس أيديهم فيه، فقال النبي: «لا حاجة لي فيه، اسقوني مما يشرب الناس» .
وهكذا أبى النبي ﷺ أن يتميز على أمته حتى في الشراب، وهذا غاية العدل والمساواة، وهكذا فليكن الملوك والأمراء، والقادة والرؤساء. ثم عاد رسول الله ﷺ إلى منى بعد الظهر، فنزل حيث المسجد الموجود اليوم فيما يقال، وأنزل المهاجرين عن يمينه، والأنصار عن يساره، والناس حولهم من بعدهم.
стр. 1132
خطبة يوم النحر
وفي يوم النحر خطب النبي ﷺ وهو واقف على ناقته خطبة أخرى، أكد فيها بعض ما ذكره في يوم عرفات من حقوق الإنسان في الإسلام، والوصاة بالأخوة والواحدة. روى البخاري في صحيحه عن أبي بكرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر قال:
«أتدرون أي يوم هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: «أليس ذو الحجة» قلنا: بلى، قال: «أي بلد هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال:
«أليست بالبلدة الحرام» ؟ قلنا: بلى، قال: «فإن دماءكم، وأموالكم- وفي رواية أعراضكم- عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلّغت؟» قالوا: نعم قال: «اللهم اشهد.
فليبلغ الشاهد الغائب، فربّ مبلّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» «١» .
وكان سيدنا علي يبلّغ عن النبي هذه الخطبة، ثم سأله بعض الصحابة عن تقديم بعض المناسك على بعض، وتأخير بعضها عن مكانه نسيانا وسهوا، فما سألوه عن شيء من ذلك إلا وقال: «لا حرج، لا حرج» .
المقام بمنى
وأقام رسول الله ﷺ بمنى يوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة «٢» ، يرمي الجمرات «٣» في كل يوم إذا زاغت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة، ويقف بعد كل من الجمرتين الأوليين مستقبلا القبلة، ورافعا يديه يدعو ويطيل الوقوف، فإذا رمى الثالثة انصرف ولا يقف بعدها، وأقام النبي تلك المدة بمنى يصلّي بأصحابه ويقصر الرباعية، ولم يرخص إلا لعمّه العباس وأعوانه بالمبيت بمكة لأجل السقاية.
стр. 1133
خطبة أوسط أيام التشريق
وخطب رسول الله ﷺ بمنى خطبة أخرى أوسط أيام التشريق وهو يوم النفر الأول، روى الحافظان البزار والبيهقي بسندهما عن ابن عمر قال: نزلت هذه السورة: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ في أوسط أيام التشريق، فعرف رسول الله أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحّلت، ثم ذكر خطبته في هذا اليوم، وهي تأكيد لبعض ما جاء في خطبتي عرفة، ويوم النحر «١» .
وفي الحق أن تكرار الخطب في حجة الوداع كان أمرا لابد منه، فهي الحجة الوحيدة التي حجّها الرسول، وقد عزّ فيها الإسلام والمسلمون، وأصبحت كلمتهم هي النافذة في الجزيرة العربية، كما كانت الوداع الأخير، فما أشد حاجة المسلمين في هذا المشهد العظيم الفذ إلى التذكير والنصح والتوصية، وإلى تكرار القول والتأكيد عليه حتى يعوه ويحفظوه ولا ينسوه، وإلى تقريرهم بإبلاغ الرسالة، وأداء الأمانة، وإشهاد الله عليهم، حتى تقوم عليهم الحجة، وتنقطع المعذرة، وقد روي أيضا أن النبي خطبهم أيضا بمكة في اليوم السابع، والظاهر أنها كانت لتعليمهم المناسك والمشاعر.
فائدة
كان يقال لليوم السابع من ذي الحجة يوم الزينة، لأنه يزين فيه البدن التي تهدى بالجلال وغيرها. واليوم الثامن يقال له: يوم التروية لأنهم كانوا يروون فيه إبلهم من الماء، ويحملون منه ما يحتاجون إليه حال الوقوف وما بعده، لأن هذه الأماكن لم يكن فيها يومئذ ابار ولا عيون، أما الان ففيها الماء الكثير والحمد لله. واليوم التاسع: يوم عرفة للوقوف فيه بها. واليوم العاشر: يوم النحر ويوم الأضحى ويوم الحج الأكبر. واليوم الحادي عشر: يوم القر لأنهم يقرون فيه، ويقال له: يوم الرؤوس لأنهم يأكلون فيه رؤوس الأضاحي، وهو أول أيام التشريق. وثاني أيام التشريق يقال له: يوم النّفر الأول لجواز
стр. 1134
الخروج فيه إلى مكة لمن يريد التعجل. وثالث أيام التشريق يقال له: يوم النّفر الثاني. قال عزّ شأنه:
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ «١» .
إلى الأبطح بمكة
وفي اليوم الثالث من أيام التشريق، وكان يوم ثلاثاء ركب رسول الله ﷺ والمسلمون معه، فنفر بهم من منى حتى نزل بالأبطح، وهو (المحصّب) . وقد كان رسول الله ﷺ نزل به في الفتح وفي حجة الوداع، وهو الخيف: خيف بني كنانة، وقد قدمت السبب في نزوله به: فصلّى بهم في الأبطح الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وهجع هجعة استراح فيها من العناء.
وكان رسول الله بعث عائشة مع أخيها عبد الرحمن لتعتمر من التنعيم، لأنها لم تتمكن عند القدوم من أداء العمرة بسبب حيضتها، فلما قضت عمرتها ورجعت، أذّن النبي في المسلمين بالرحيل، فارتحل وطاف بالبيت طواف الزيارة، وصلّى بهم الصبح عند الكعبة، ثم خرجوا من البلد الحرام من (كدي) راجعين إلى البلد الطيب (المدينة) وهم يكبّرون ويهلّلون ويقولون: ايبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب واحده.
في غدير خمّ
وفي مرجعه ﷺ من مكة إلى المدينة خطب بمكان يسمى (غدير خم) «٢» مبينا فضل علي بن أبي طالب ﵁، وبراءة عرضه مما تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن، بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التي ظنّها
стр. 1135
بعضهم جورا وتضييقا عليهم وبخلا، والصواب كان معه في هذا لأنها أموال صدقات وخمس، وذكر من فضل علي وأمانته وعدله وقربه إليه ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه.
وكان مما قاله له النبي في هذه الخطبة ما رواه النسائي بسنده عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله ﷺ من حجة الوداع ونزل غدير خم قال: «كأني قد دعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي: أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض. ثم قال:
الله مولاي وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه» قال الإمام أبو عبد الله الذهبي:
هذا حديث صحيح، وقد استوفى الكلام على هذا الحديث الإمام الحافظ المؤرخ ابن كثير في بدايته مبينا الروايات الصحيحة من الحسنة من الضعيفة والموضوعة فليرجع إليه من يشاء «١» .
стр. 1136
أحداث في هذا العام
وفاة إبراهيم ابن النبي
وفي شهر ربيع الأول من هذا العام، وقيل: في رمضان، وقيل، في ذي الحجة مات إبراهيم ابن النبي ﷺ من مارية القبطية وهو ابن ستة عشر شهرا، وقيل: أكثر من ذلك، وقد كان النبي بمقتضى الفطرة البشرية قد فرح بمولده فرحا عظيما كما قدمنا، فلا عجب أن كان حزنه عليه شديدا، وقد دخل عليه وهو يجود بنفسه، فصارت عيناه تذرفان بالدموع، فقال عبد الرحمن بن عوف:
وأنت يا رسول الله؟! فقال: «يا ابن عوف، إنها رحمة» وقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون» «١» .
وقال أيضا: «لولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وإن اخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك حزنا أشد من هذا» ثم غسل وكفّن، وصلّى عليه النبي وأصحابه، ودفن بالبقيع «٢» بجوار السلف الصالح: عثمان بن مظعون.
وقد وافق يوم مات إبراهيم أن كسفت الشمس، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم!! فقال رسول الله ﷺ : «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما ايتان من ايات الله، فإذا رأيتموهما فقوموا وصلّوا وادعوا الله» «٣» .
стр. 1137
وإن المنصف ليقف خاشعا أمام هذا القول الحكيم الذي يدل على أن سيدنا محمدا نبي حقا، فلو لم يكن نبيا، وكان طالب ملك أو زعامة، أو شرف وجاه، أو مدعيا نبوة لاستغلّ اعتقاد الناس هذا، أو على الأقل يسكت.
ولم يزل الدجالون وأدعياء النبوة والمشعوذون، من لدن مسيلمة إلى يومنا هذا يستغلون سذاجة الناس وجهلهم في مثل هذا، بل ويحاولون ما استطاعوا التمويه على الناس والتلبيس عليهم، ولكنه النبي الذي لا ينطق عن الهوى!! وأي عظمة نفسية أعظم من ألاينسى الرسول رسالته في أشد المواقف التي تملأ النفس غما وحزنا وربما تذهل الشخص عما هو حق، لذلك لا تعجب إذا كان المستشرقون الذين كتبوا في سيرة النبي، وتناولوا هذه القصة وقفوا منها موقف الإجلال والإعظام، ولم يستطيعوا كتم إعجابهم وإكبارهم للنبي، وإعلان عرفانهم بصدق إنسان لم يرض في أدق المواقف إلا الصدق وإعلان الحق.
تنبؤ مسيلمة
قدمنا ما كان من قدوم مسيلمة الكذاب مع وفد بني حنيفة، وأنه عرض على النبي أن يشركه في الأمر أو يجعله له من بعده، فأبى عليه، وفي اخر سنة عشر، أرسل إلى النبي هذا الكتاب: (من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. سلام عليك. أما بعد: فإني قد أشركت في الأمر معك، فإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها، ولكن قريشا قوم يعتدون) .
وقدم بالكتاب رسولان، فقال لهما النبي: «وأنتما تقولان بمثل ما يقول؟» قالا: نعم، فقال: «أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» ثم كتب إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» .
وقد استغلّ مسيلمة تعصب بني حنيفة له، وصار يمخرق ويموه ويكذب،
стр. 1138
ويأتي بكلام يضحك الثكلى، يزعم أنه قران نزل عليه، حتى قضي على فتنته وقتل في عهد الصدّيق ﵁.
تنبؤ الأسود العنسي
وقد ظهر بصنعاء، وادّعى النبوة، واستعان على ذلك بالسحر والشعوذة، وكان «باذان» أميرا على صنعاء من قبل النبي ﷺ ، فلما مات باذان تزوج امرأته، وطرد من صنعاء المهاجر بن أبي أمية المخزومي عامل النبي على الصدقات، فكتب النبي إلى امرأته وعماله أن يحيطوا به ويقتلوه، وقد نجحوا في قتله بمساعدة (المرزبانة) زوجة باذان، فقد سقته الخمر حتى سكر، فدخل عليه فيروز واحتزّ رأسه، وجاء الخبر بذلك في أول خلافة الصدّيق، صبيحة دفن النبي ﷺ «١» .
стр. 1139
السّنة الحادية عشرة
استهلت هذه السنة والنبي ﷺ بالمدينة بعد أن عاد من حجة الوداع موفور الكرامة، مطمئن القلب، منشرح الصدر، أن بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، وأكمل الله الدين، وأتمّ النعمة، وظهر الإسلام على الأديان كلها.
وما كان النبي لينسى ما صنع الروم بالمسلمين في مؤتة، وقتل الأبطال:
زيد وجعفر وابن رواحة وغيرهم، وما هموا به من غزو المدينة حتى كانت غزوة تبوك، وإيثار الروم الانسحاب على القتال، فعزم على إرسال جيش للاقتصاص منهم، فكان بعث أسامة بن زيد .
بعث أسامة بن زيد
في اخر صفر من هذا العام ندب النبي الناس لغزو الروم، فانتدب لذلك ثلاثة الاف من خيار المسلمين فيهم كبار المهاجرين والأنصار، منهم:
أبو بكر، وعمر «١» ، وأبو عبيدة، وسعد، وسعيد، وسلمة بن أسلم.
ودعا النبي أسامة بن زيد وقال له: «سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، وأغر صباحا عليهم، وأسرع السير تسبق الخير، فإن ظفّرك الله بهم فأقلّ اللبث فيهم» . وكان أسامة شابا لم يبلغ العشرين من عمره، مما دعا بعض الصحابة إلى التكلم في إمارته، فلما نميت المقالة إلى رسول الله قال: «إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل، وايم
стр. 1140
الله إن كان لخليقا بالإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإنّ هذا لمن أحب الناس إلي بعده» «١» .
وعقد له اللواء بيده، وخرج أسامة وعسكر «بالجرف» خارج المدينة استعدادا للمسير، وإنهم لعلى ذلك بلغهم اشتداد المرض بالرسول، فلم يكن بدّ من التريث والانتظار، فقد كان بالجيش كبار المهاجرين والأنصار ممن تحتم الأحوال أن يكونوا بالمدينة في هذا الظرف العصيب.
وقد كان تأمير أسامة لحكمة بالغة من الرسول؛ إذ فيه حث له على التضحية في سبيل الله، والحرص على الاقتصاص من قاتلي أبيه، كما كان فيه قضاء على العنجهية العربية، والتفاخر بالأحساب والأنساب، وتقرير عملي لمبدأ المساواة في الإسلام، وأيضا فقد كان من التوجيهات النبوية الحكيمة إلى تهيئة الفرص للشباب الصالح، وإثارة عزائمهم، وهممهم إلى معالي الأمور، وتعويدهم الاضطلاع بالتبعات الجسام، والمهام العظام.
стр. 1141
مرض النّبيّ ﵇ ووفاته
النذر بقرب أجل النبي
إن الأرواح الشفافة الصافية القوية لتدرك بعض ما يكون مخبوا وراء حجب الغيب، والقلوب الطاهرة المطمئنة لتحدّث صاحبها بما عسى أن يحدث له فيما يستقبل من الزمان، والعقول الذكية المستنيرة بنور الإيمان لتدرك ما وراء الألفاظ والأحداث من إشارات وتلميحات، ولنبينا محمد من هذه الصفات الحظ الأوفر، وهو منها بالمحل الأرفع الذي لا يسامى ولا يطاول.
فلا تعجب إذا كان قد فهم من معارضة جبريل له بالقران مرتين في رمضان عام عشرة قرب انقضاء أجله، كما فهم ذلك من نزول سورة النصر، حتى روي أنه قال لجبريل: «لقد نعيت إليّ نفسي» «١» فقال جبريل: (وللاخرة خير لك من الأولى) ولعلك على ذكر لمعاذ حين أرسله إلى اليمن، وما قاله في حجة الوداع مودعا للناس، ولا تعجب أيضا إذا كان بعض الصحابة فهم ذلك عند ما نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ كما ذكرنا انفا، ومن سورة النصر أيضا، وقد روي ذلك في صحيح البخاري عن عمر وابن عباس ﵄ «٢» .
ابتداء المرض
وكان ابتداء مرض رسول الله ﷺ في أواخر شهر صفر أو أول شهر
стр. 1142
ربيع الأول، فقد أمر أن يستغفر لأهل البقيع، فانطلق ومعه مولاه أبو مويهبة فقال:
«السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنىء لكم ما أنتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع اخرها أولها» ثم أقبل على أبي مويهبة قائلا:
«إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلود فيها ثم الجنة، فخيّرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة» فقال أبو مويهبة: بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، قال: «لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي والجنة» ، ثم استغفر لأهل البقيع وانصرف.
وقد بدأ به وجعه فدخل على عائشة فوجدها تشتكي صداعا وتقول:
وا رأساه. فقال: «بل أنا- والله- يا عائشة وا رأساه» ، ثم قال مداعبا لها:
«وما عليك لو متّ قبلي، فقمت عليك، وكفّنتك، وصليت عليك، ودفنتك؟» وأثارت الكلمة الغيرة في نفسها، فقالت: والله لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه بإحدى نسائك، فسكت الرسول واعتبرها مداعبة بمداعبة.
اشتداد المرض
وكان رسول الله يطوف على نسائه، كما هو شأنه في تعهدهنّ، ورعاية غاية العدل بينهن، فاشتدّ به المرض وهو في بيت السيدة ميمونة، فدعا نساءه واستأذنهنّ أن يمرّض في بيت السيدة عائشة فأذنّ له، فخرج بين عمه العباس وابن عمه علي تخط رجلاه الأرض، حتى أتى بيتها.
وكان يعوده أهله وأزواجه، وهو ببيت عائشة، وفي ذات يوم زارته ابنته فاطمة فرحب بها وأجلسها بجانبه، ثم أسر إليها شيئا فبكت، ثم سارّها ثانيا فضحكت، فسألتها عائشة عن السر، فأجابت بأنه سر، ثم أخبرت فيما بعد أن النبي أعلمها بقرب انتهاء أجله، وأمرها بالتقوى والصبر فبكت. ثم أخبرها أنها أول أهله لحوقا به، وأنها سيدة نساء أهل الجنة فضحكت «١» .
стр. 1143
وقابل العباس عليا فقال له: إني لأرى رسول الله ﷺ سوف يتوفى من مرضه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت. ثم أشار عليه أن يذهبا إلى رسول الله يسألونه: فيمن هذا الأمر؟ يعني الخلافة. إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا أوصى بنا. فقال له علي: لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله ﷺ «١» .
وقد كان رسول الله يستشفي من ألم الحمى بالماء البارد، كما كانت ترقيه السيدة عائشة بالمعوذتين وقل هو الله أحد. وفي ذات مرة وقد غشي عليه لدّوه «٢» ، فلما أفاق أمر أن يصنع بكل من في البيت، مثل ما صنعوا به إلا عمه العباس.
صلاة أبي بكر بالناس
ولما اشتد برسول الله وجعه قال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس» فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل أسيف «٣» ، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، وأعاد النبي فأعادت، وما حملها على قولها إلا خشية أن يتشاءم الناس بأبيها، فقال: «إنكن صواحب «٤» يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس» .
فخرج أحد الصحابة ليخبر بذلك فلم يجد أبا بكر، ووجد عمر، فقال:
قم يا عمر فصلّ بالناس، فلما كبّر سمع النبي صوته فقال: «يأبى الله ذلك والمؤمنون» وكررها، فلم يصلّ أحد بعد هذا إلا أبو بكر، فلام عمر الرجل على ما فعل، فقال: والله ما أمرني رسول الله، ولكن حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر الصلاة «٥» .
стр. 1144
يوم الخميس
وفي يوم الخميس الذي قبيل وفاة الرسول خشي أن يموت قبل أن يعهد للناس في شأن الخلافة، فقال- وحوله رجال من أهل بيته وأصحابه-: «ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا» فقال بعضهم- إشفاقا-: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القران حسبنا كتاب الله. واختلفوا:
فمن قائل بإحضار الكتاب، ومن مانع، فلما كثر الاختلاف قال: «دعوني، فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه» وأوصاهم بثلاث: قال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم» وأما الثالثة فقيل الوصية بالقران وقيل: تجهيز جيش أسامة «١» .
وفي الصحيح أيضا أن رسول الله قال: «لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنون» وفي رواية الإمام أحمد أن رسول الله ﷺ قال: «يأبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر» .
تنبيه
في بعض روايات الصحيح «أهجر؟» استفهموه. والهمزة للإنكار والنفي، والهجر ما يقع من المريض من غير وعي، والمراد إنكار ونفي أن يحصل منه ذلك، أو أن يظن به ذلك، فحاشاه أن يكون منه ذلك، وفي بعضها «هجر» بغير الهمزة، وهي محمولة على الإنكار والنفي أيضا، والعرب في أساليبها قد تحذف حرف الاستفهام ويكون المعنى عليه «٢» .
خروج النبي إلى المسجد
وفي هذا اليوم عزم النبي ﷺ على الخروج إلى الناس كي يوصيهم ويخطبهم، فقال: «أهريقوا عليّ من سبع قرب لم تحلّ أوكيتهنّ «٣» ، لعلي أعهد
стр. 1145
للناس» قالت عائشة: فأجلسناه في مخضب «١» لحفصة، ثم طفقنا نصب عليه الماء حتى طفق يشير إلينا بيده «أن فعلتن» .
فوجد من نفسه خفة، فخرج على الناس، وهم يصلون الظهر وهو يهادى بين رجلين، فلما راه أبو بكر أراد أن يتأخر، فأومأ إليه أن مكانك، ثم جلس إلى جنب الصدّيق، فجعل أبو بكر يصلّي بالناس قائما، والرسول يصلّي وهو قاعد، فمن قائل أن رسول الله صلّى مأموما وراء أبي بكر، ومن قائل: إن رسول الله تولّى الإمامة، وصلّى أبو بكر بصلاة النبي، وصلى الناس بصلاة أبي بكر، ولعل الأول أرجح لأنه أدلّ على منزلة الصديق وأحقيته للخلافة «٢» .
وكانت هذه اخر صلاة صلاها رسول الله مع المسلمين، ثم صعد المنبر، فكان أول ما ذكر- بعد حمد الله والثناء عليه- أصحاب أحد، فاستغفر لهم ودعا ثم قال: «يا معشر المهاجرين، إنكم أصبحتم تزيدون، والأنصار على هيئتها لا تزيد، وإنهم عيبتي «٣» التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» ثم قال: «أيها الناس: إن عبدا خيّره الله بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله» ففهمها أبو بكر من دون الناس فبكى، وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا وأموالنا، فعجب الناس لبكائه، فكان المخيّر هو رسول الله، وكان أبو بكر أعلمهم بذلك فقال له رسول الله: «على رسلك يا أبا بكر» «٤» ثم قال: «إن أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر. ولو كنت متخذا من أمتي خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن خلة الإسلام ومودته «٥» . لا يبقى في المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبي بكر» .
ثم قال: «وإن قوما ممن قبلكم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد،
стр. 1146
فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» ثم قال: «أيها الناس أنفذوا بعث أسامة، فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله، وإنه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقا لها» .
وكان مما قاله: «ألا فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد «١» . ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه. ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد. ولا يقولن قائل: أخاف الشحناء من قبل رسول الله، ألا وإن الشحناء ليست من شأني ولا من خلقي، وإن أحبكم إليّ من أخذ حقا إن كان له عليّ، أو حلّلني فلقيت الله وليس لأحد عندي مظلمة» «٢» .
ألا فلتشهد الدنيا إلى أي حد وصل عدل الحاكم مع المحكومين، وإلى أي حد بلغت المساواة، وبلغ الاعتراف بالجميل لذويه، والإقرار بالفضل لأهله، وهل بعد هذا يدع مدع، أو يزعم زاعم أن أحدا أحق بالخلافة من أبي بكر.
إن للموت لسكرات
ثم اشتدت الحمى بعد برسول الله حتى قال له أبو سعيد الخدري: والله لا أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حماك، فيجيبه: «إنا معاشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء، كما يضاعف لنا الأجر» . وفي هذه الشدة كان يقول: «اللهم أعنّي على سكرات الموت» وكان كلما أفاق من غشيته قال: «اللهم الرفيق الأعلى» وكان رسول الله ﷺ حدثهم قبل ذلك أن النبي لا يموت حتى يخيّر بين الدنيا والاخرة، قالت عائشة: (فلما سمعته يقول ذلك، وقد أدركته بحة علمت أنه اختار الاخرة على الدنيا) «٣» .
стр. 1147
صحوة الموت
وفي صبيحة الاثنين والصدّيق أبو بكر يصلّي بالناس الفجر كشف النبي ستر الحجرة، فنظر إليهم وهو قائم على حال حسنة، ثم تبسّم لما رأى من اجتماعهم على رجل واحد، وألفتهم وتاخيهم، فنكص أبو بكر على عقبيه ظنا أن رسول الله يريد أن يخرج للصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة، وأرخى الستر فكان هذا اخر عهده بالمسلمين.
وفرح الصحابة غاية الفرح، ظنا أن رسول الله ﷺ أبلّ من مرضه، وما علموا أنها الصحوة التي تسبق الموت، وانصرف بعضهم إلى عمله، ودخل أبو بكر على ابنته عائشة وقال: ما أرى رسول الله إلا قد أقلع عنه الوجع، وهذا يوم بنت خارجة- إحدى زوجتيه- وكانت تسكن بالسّنح «١» ، فركب على فرسه، وذهب إلى منزله.
في الرفيق الأعلى
واشتدت سكرات الموت بالنبي، ودخل عليه أسامة بن زيد وقد صمت فلا يقدر على الكلام، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة، فعرف أنه يدعو له، وأخذت السيدة عائشة رسول الله وأوسدته إلى صدرها بين سحرها «٢» ونحرها، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده سواك، فجعل رسول الله ينظر إليه، فقالت عائشة: اخذه لك، فأشار برأسه أن نعم، فأخذته من أخيها ثم مضغته ولينته وناولته إياه، فاستاك به كأحسن ما يكون الاستياك، وكل ذلك وهو لا ينفك عن قوله: «في الرفيق الأعلى» «٣» .
стр. 1148
وكان اخر ما تكلم به ﷺ «لا يبقى بجزيرة العرب دينان» وقوله: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» حتى جعل يغرغر بها صدره، وما يفصح بها لسانه.
فلما اشتد الضحى، فاضت أطهر روح في الدنيا من جسدها، وصعدت إلى بارئها راضية مرضية، وخرج أكرم إنسان على الله في هذا الوجود من الدنيا كما جاء إليها، ولم يترك مالا ولا دينارا ولا درهما، ولا ولدا إلا فاطمة ﵂، وإنما ترك هداية وإيمانا، وشريعة عامة خالدة، وميراثا روحيا عظيما، وأمة هي خير الأمم وأوسطها.
وكان ذلك يوم الاثنين لهلال ربيع الأول، وقيل لليوم الثاني منه، وقيل لليوم الثاني عشر منه من العام الحادي عشر للهجرة. والأول هو الأرجح، ويليه الثاني، وأما الثالث فعليه مأخذ وإن اختاره ابن إسحاق والواقدي وابن سعد «١» .
هول الفاجعة
وشاع الخبر في المدينة، فإذا لهم ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج بالإحرام، وأذهل النبأ سيدنا عمر فصار يتوعد وينذر من يزعم أن النبي مات، ويقول: ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم، والله ليرجعنّ رسول الله كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه مات.
خطبة الصديق
وأقبل أبو بكر من السّنح على فرس له لما بلغه الخبر، فوجد عمر يكلم الناس، وينذر ويتوعد، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله ﷺ وهو مسجّى في البيت ببرد حبرة «٢» ، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه يقبله، ويقول: (ما أطيبك حيا وميتا) ، وخرج أبو بكر وعمر يتكلم فقال: اجلس
стр. 1149
يا عمر، وهو ماض في كلامه، وفي ثورة غضبه، فقام أبو بكر في الناس خطيبا فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
(أما بعد: فإن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الاية: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) .
قال عمر: فو الله ما إن سمعت أبا بكر تلاها فهويت إلى الأرض، ما تحملني قدماي، وعلمت أن رسول الله ﷺ قد مات «١» .
وكذلك استفاق الناس من غشيتهم لما سمعوا أبا بكر يتلوها.
في سقيفة «٢» بني ساعدة
في هذه الغمرة من الأسى والحزن، كاد أن يضطرب أمر المسلمين في مسألة الخلافة، فالأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ، واجتمع علي والزبير وطلحة في بيت فاطمة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، وانضم إليه أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل، فقال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطلقا حتى أتيا السقيفة، فإذا هم مجتمعون، وإذا بين أيديهم رجل مزمّل، فإذا هو سعد بن عبادة به وجع، فلما جلسوا قام خطيب الأنصار فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: (أما بعد: فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط نبينا، وقد دفّت منكم دافّة، تريدون أن تخزلونا من أصلنا، وتحصنونا من الأمر) .
فلما سكت أراد أن يتكلم عمر وكان قد زوّر «٣» في نفسه مقالة أعجبته، ولكن الصدّيق منعه لما يعلم فيه من حدّة قد لا تفيد في هذا الموقف، وقال له:
على رسلك يا عمر، ثم قام فتكلم، قال الفاروق: فو الله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل. قال:
стр. 1150
(يا أيها الناس، نحن المهاجرين أول الناس إسلاما، وأكرمهم أحسابا، وأوسطهم دارا، وأحسنهم وجوها، وأكثرهم ولادة في العرب، وأمسهم رحما برسول الله، أسلمنا قبلكم، وقدّمنا في القران عليكم، فقال ﵎:
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ فنحن المهاجرون وأنتم الأنصار إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدو، أما ما ذكر فيكم من خير فأنتم له أهل، فأما العرب فلن تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، فمنا الأمراء ومنكم الوزراء) .
فقام أحد الأنصار فقال: أنا جذيلها المحكك «١» ، وعذيقها المرجب «٢» ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش فكثر اللغط وارتفعت الأصوات.
بيعة الصديق
وفي هذا الموقف العاصف قام الفاروق- وكان جهوري الصوت- فقال:
ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعه. وقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر، ثم قام المهاجرون فبايعوا، ثم قام الأنصار فبايعوا، وهكذا وقى الله المسلمين شر الفرقة، وجمعهم على أفضلهم أبي بكر.
البيعة العامة
وفي اليوم الثاني غدا الصديق ومعه عمر والصحابة إلى المسجد النبوي ليبايع الناس المبايعة العامة، فصعد أبو بكر المنبر، وقام عمر خطيبا بين يديه، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: (أيها الناس، كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت ولا وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدا عهدها إليّ رسول الله، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ ، حتى يدبرنا- يكون اخرنا- فإن يك محمد قد مات فإن الله جعل بين أظهركم نورا تهتدون به، فاعتصموا به
стр. 1151
تهتدوا، وإن أبا بكر صاحب رسول الله ﷺ ثاني اثنين إذ هما في الغار، فإنه أولى المسلمين بأموركم، فقوموا إليه فبايعوه) ، فقام الناس كلهم فبايعوه البيعة العامة «١» .
ونظر الصديق في وجوه القوم فلم ير الزبير، فدعا به فلما جاء قال له: ابن عمة رسول الله وحواريّه أردت أن تشق عصا المسلمين؟! فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، فقام فبايعه. ثم نظر فلم يجد عليا فدعا به فجاء فقال له:
ابن عم رسول الله وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال:
لا تثريب يا خليفة رسول الله، فقام فبايعه.
وهذا هو الحق في مبايعة علي للصديق، وأنه بايع في اليوم الثاني، وأما ما يقال: إن بيعته كانت بعد ستة أشهر، فإنما كان تجديدا للبيعة وتوثيقا لها «٢» ، وهذا هو الظن بأبي الحسن والحسين، وفتى الإسلام علي ﵁.
خطبة الصديق
وخطب الصديق خطبة تعتبر من ايات الحكمة وفصل الخطاب، أوجز فيها أصول الحكم في الإسلام، قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
(أيها الناس: فإني قد ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني؛ الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى اخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل. ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم البلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله) .
стр. 1152
تجهيز رسول الله
وبعد هذه البيعة العامة انصرف المسلمون إلى تجهيز رسول الله، مقتدين في كل ما أشكل عليهم بالصدّيق ﵁ في تغسيله، وتكفينه، ودفنه.
وقد حضر غسله من ال البيت: العباس، وعلي، والفضل وقثم ابنا العباس، وأسامة بن زيد، وصالح مولى الرسول. ودخل معهم بعد الاستئذان أوس بن خولي الأنصاري، وقد أسند علي النبي إلى صدره وعليه قميصه، وتولى غسله يعاونه العباس وابناه، وكان أسامة وصالح يصبان الماء.
ولم ير علي من النبي ما يرى من الميت، فصار يقول: بأبي وأمي ما أطيبك حيا وميتا!! وكان يغسل بالماء والسّدر «١» ، فلما فرغوا من تغسيله كفّنوه في ثلاثة أثواب بيض يمانية من قطن، ولم يجعلوا في كفنه بردة حبرة كما زعم بعض كتاب السيرة المحدثين «٢» ، بل أبوا ذلك كما رواه مسلم وأبو داود «٣» .
وبعد أن كفّنوه وضعوه على سريره في الحجرة، ودخل الناس عليه أرسالا يصلون فرادى، لا يجتمعون على إمام، فلما فرع الرجال صلّى النساء ثم الصبيان.
وبعد أن فرغوا من الصلاة اختلفوا في أي مكان يدفن؟ أيدفن في مسجده، أم يدفن بالبقيع مع أصحابه، أم يدفن في بيته، وحسم الصدّيق
стр. 1153
الخلاف بما رواه عن النبي ﷺ أنه قال: «ما قبض نبي إلا ودفن حيث قبض» ، فقرّ رأيهم على أن يدفن في حجرة السيدة عائشة حيث مات.
وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح «١» لأهل مكة، وكان أبو طلحة الأنصاري- وهو الذي كان يحفر لأهل المدينة- يلحد «٢» . فأرسل إليهما العباس رسولين، فأما رسول أبي عبيدة فلم يجده، وأما الثاني فقد وجد أبا طلحة، فجاء به فلحد لرسول الله ﷺ كأهل المدينة، ونزل في الحفرة العباس، وعلي، وقثم، والفضل، وشقران، ومعهم أوس بن خولي أيضا، وأخذ شقران مولى رسول الله قطيفة كان يلبسها ففرشها للنبي في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك.
وبين الأسى والحزن والدموع، وتفطر القلب على الحبيب المغيب في اللحد، أهالوا التراب على القبر الشريف، ثم رشّوا عليه الماء، وكان ذلك في ليلة الأربعاء بعد يومين من وفاته ﷺ ، فلما توفي الصدّيق دفن بجانب صاحبه، وكان هناك موضع قبر كانت عائشة تدّخره لنفسها، فلما طعن الفاروق أوصاهم أن يستأذنوا عائشة في أن يدفن بجانب صاحبيه، فلما قبض استأذنوها، فأذنت واثرته على نفسها، وتحققت رؤياها، فقد كانت رأت أن ثلاثة أقمار سقطن في حجرتها، فكان الثلاثة هم الثلاثة أقمار الذين ملأوا الدنيا إيمانا وهدى، وعدلا ورحمة، ونورا وضياء، ووضعوا الأساس الصالح للحضارة الإسلامية الفذة التي أرسى قواعدها هؤلاء السادة الأخيار، وعزت عن أن يكون لها مثيل.
ولم تكن القبور الثلاثة داخل المسجد حتى كان عهد الوليد بن عبد الملك، فأمر نائبه على المدينة عمر بن عبد العزيز أن يوسع في المسجد من جميع جوانبه، فاضطروا إلى إدخال الحجر في المسجد ومنها حجرة عائشة، ومع هذا احتاطوا غاية الاحتياط، فأحاطوا القبور بحائط مرتفع كيلا تظهر في المسجد فيصلي إليها
стр. 1154
العوام، ثم بنوا جدارين من ركني الحجرة الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على هيئة رأس مثلث من الشمال، حتى لا يتمكن المصلي من استقبال القبور في الصلاة، عملا بتحذير رسول الله ﷺ حيث قال في مرض موته وأكثر من القول:
«لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» رواه الشيخان، وفي رواية لمسلم: «اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» «١» .
إنفاذ جيش أسامة
ولم يكد المسلمون يفرغون من دفن رسول الله ﷺ حتى كان أول ما أمر به الصدّيق خليفة رسول الله إنفاذ جيش أسامة تنفيذا لوصية النبي، ورفض الصدّيق أن يستمع إلى قول الذين رأوا ألايخرج الجيش في هذا الوقت العصيب، والذين أشاروا بتعيين قائد أسن منه، بل ولا إلى أسامة حينما رغب أن يكون بجانب الخليفة، وتم تجهيز الجيش عند الجرف، وأسامة على رأسه، وخرج الصدّيق مع الجيش يودعه وهو ماش وأسامة راكب، فقال: يا خليفة رسول الله لتركبنّ أو لأنزلنّ، فقال: لا نزلت ولا أركب!! وما عليّ أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله!!.
ثم قال له وهو راجع: إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل؟ فأذن له.
فلما رأى المتألمون من تأمير أسامة ما فعل الخليفة سكتوا، وطابت نفوسهم.
وسار أسامة حتى وصل إلى البلقاء وحدود الشام، فأغار عليهم وانتقم للمسلمين ولأبيه الذي قتل، ثم عاد إلى المدينة بجيشه مظفرا منصورا، بعد أن أرضى ربه، وأرضى نبيه، وأرضى خليفته.
стр. 1155
المثل الكامل
ها أنذا قد فرغت- ولله الحمد والمنة- من السيرة العطرة، ولم يبق إلا أن أكتب فصولا موجزة في صفاته ﷺ الخلقية، والخلقية، ليتجلّى للقارىء أنه كان مثلا في كل شيء، وأن الله سبحانه سوّاه على أحسن صورة، وجمّله ظاهرا وباطنا، وتعهده بالعناية والتربية قبل النبوة وبعدها، ثم توالت عليه فيوضات الوحي وإشراقات النبوة حتى صار مثلا أعلى في كل شيء، واستأهل ثناء الله عليه بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
ونحن لا ننكر أن في تاريخ البشرية- ولا سيما الصفوة من الخلق، وهم الأنبياء والمرسلون- أناسا فضلاء ذوي أخلاق ودين، وهداة ومصلحين، وعلماء وحكماء، ومشرعين وفقهاء، وملوكا وخلفاء، ملأوا الدنيا عدلا، بعد أن ملئت جورا ... ورجالا أوفياء أمناء لا يغدرون ولا يخونون؛ وسادة قادة، وساسة عباقرة، وقوادا شجعانا، وأبطالا لا يرهبون الموت، وأن البشرية لا تخلو في أي عصر من أمثال هؤلاء.
ولكن الذي نلاحظه أنه لا يوجد رجل اجتمعت فيه كل هذه الصفات والمميزات مثل ما اجتمعت في نبينا محمد، ولا نكاد نعرف أحدا كمّله الله بكل فضيلة، ونزهه عن كل رذيلة، مثل ما عرفنا ذلك لرسولنا محمد صلوات الله وسلامه عليه.
وليس العجب من اجتماع هذه الصفات فيه، وإنما العجب حقا أنها فيه على سواء، فلا صفة تطغى على أخرى حتى تكاد تطمسها، ولا خلق يربو على
стр. 1156
اخر حتى يكاد يخفي معالمه، وإنما هي صفات وزنت بميزان عادل لا يعول، وأخلاق حسبت بحسبان دقيق لا يضل، هداية في حكمة، وعلم في فقه، ورحمة في غير ضعف، وعدل في غير عنف، وحزم في حلم، وصرامة في رحمة، وغضب لله في غير جور ولا بطش، وكرم في غير إسراف، ودقة في غير فسولة؛ ورأفة في غير تفريط، وعقل كبير في سعة قلب، وجد في غير هزل، ومزح في غير باطل، وفصاحة في بلاغة، وكلم جوامع في حكم نوابغ، ورجولة في مروءة، وفحولة في عفة.
وهكذا لا يمكن لمنصف أن يجد في أخلاقه مغمزا، أو في سلوكه مطعنا، وهذا المعنى لا نجده في بشر أيا كان، وهذا هو سر الإعجاز في أخلاق هذا النبي العظيم، وهذا البشر العظيم!!
الفضيلة الإنسانية في ذروة كمالها في نبينا محمد
يقول الحكماء: إن الفضيلة وسط بين رذيلتين: فالشجاعة وسط بين الجبن وبين التهور. والقصد في الإنفاق وسط بين التقتير والإسراف. والعدل وسط بين البغي والظلم، وبين هضم الحق والتفريط فيه. والعفة وسط بين انتهاك حرمات الغير وبين حرمان النفس من متعتها المشروعة. والحكمة وسط بين الإسراف في استعمال العقل وتعدي أموره وبين البلادة والغافلة، وهكذا.
والفضيلة من الأمور التي تواطأت عليها العقول السليمة، ولا تختلف باختلاف الأشخاص والعصور. فالفضيلة لا يمكن أن تكون رذيلة، ولا تكون فضيلة عند إنسان ورذيلة عند اخر، وهذا أمر لا أعلم أحدا خالف فيه، إلا ما كان من السوفسطائيين «١» ومن على شاكلتهم كالوجوديين اليوم، فإنهم يخضعون الحق والفضيلة لأهوائهم، وشهوات أنفسهم.
стр. 1157
والناس يتفاضلون ويتمايزون بقدر ما يكون عندهم من الفضائل والأخلاق الكريمة، والفضيلة لا تختص بأناس دون أناس، ولا بجنس دون جنس، وإنما هي أمر مشاع بين البشر، يأخذ كل واحد منها بحسب فطرته واستعداده، وتربيته ونشأته، إلا أن هذه الفضيلة الإنسانية توجد أوفى ما تكون وأكمل ما تكون في أنبياء الله ورسله، فقد فطرهم الله سبحانه على أكمل الصفات، وخير الخلال، إلا أن بعض هذه الفضائل قد تكون عند نبي أوفى منها عند اخر، ومن ثم صارت هذه الصفات البالغة الكمال، عند بعض الأنبياء بمنزلة الخصائص، فالحلم والتسامح عند الخليل إبراهيم وعيسى أكثر منهما عند نوح وموسى، والشدة والأخذ بالعقوبة، عند نوح وموسى، أعظم منهما عند إبراهيم وعيسى عليهم جميعا الصلاة والسلام.
وكذلك فضلاء البشر كصحابة الأنبياء وحواريّيهم، ولا سيما صحابة سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، تقوى بعض الفضائل عند بعضهم حتى تصير كأنها خصوصية، فمنهم الذي يغلب عليه الحلم والرحمة والشفقة كالصدّيق ﵁، ومنهم من يغلب عليه الشدة والصرامة في الحق، حتى مع أحب الناس إليه، كالفاروق عمر ﵁، ومنهم من يغلب عليه الحياء كالسيّد الحييّ عثمان بن عفان ﵁ فيفرط في حق نفسه، ومنهم من تغلب عليه الشجاعة والمصارحة بالحق وعدم المداهنة، حتى ولو كان في ذلك تثبيت أمر الخلافة كسيدنا علي ﵁، ومنهم من يغلب عليه جانب الدهاء والسياسة، ومعرفة كيف تسترق النفوس كسيدنا معاوية ﵁.
وليس معنى هذا أن ما عدا هذه الصفات التي برزوا فيها ليس لهم فيما عداها حظ، كلا وحاشا، وليس أدل على هذا من الصدّيق الأكبر ﵁، فقد كانت سمته الغالبة في قصة أسارى بدر وغيرها الرحمة والشفقة، ومع هذا فلما جاور الرسول الرفيق الأعلى، وارتد بعض العرب كان أشجع من الشجاعة، وأشد من الشدة في محاربتهم، وحتى قال للفاروق وقد ناقشه في قتال مانعي الزكاة: أجبّار في الجاهلية خوّار في الإسلام؟!!
والفاروق عمر- وهو الشديد القوي في الحق- ما انتقم لنفسه، وكانت
стр. 1158
تقابله المرأة فتعظه، وتذكره، وتنصحه بتقوى الله في الخلق، فإذا به يتطامن لها ويبكي حتى تخضل لحيته!! وذلك كقصته مع السيدة خولة بنت ثعلبة بن حكيم، والمرأة الأعرابية التي كانت تعلل أولادها، وهم يتضاغون من الجوع حتى ناموا ...
والناس طبائع، ومعادن، وفطرتهم ليست واحدة، ومرد ذلك كله إلى الله ﷻ فسبحانه، سبحانه، تقدست أسماؤه، وتباركت صفاته ووسع علمه كل شيء، وجلّت حكمته، وعجزت العقول، مهما بلغت عن إدراك كنهه وأسراره، فله المثل الأعلى، وله الحكمة البالغة.
وقد أوحى إلى نفسي بما كتبت هذه المقارنة البديعة الصادقة التي صدع بها المثل الكامل ﷺ عقب استشارة أصحابه في أسارى غزوة بدر، فأدلى الصديق برأيه وهو أخذ الفداء وتركهم عسى أن يهداهم أو يخرج الله من أصلابهم من يرضي الله وينصر دينه، وكان رأي الفاروق أن يقتلوا ولا يؤخذ منهم فداء، فقال النبي: «إن الله ليلينّ قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدّد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة. وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال:
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» .
وكمثل عيسى قال:
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٢» .
وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «٣» . وكمثل موسى قال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ «٤» . أنتم اليوم عالة، فلا يفلتنّ
стр. 1159
أحد إلا بفداء أو ضربة عنق» وكان هذا اختيارا لما رأى الصديق ﵁.
وقد بلغت الفضيلة الإنسانية ذروة كمالها في نبينا محمد ﷺ ، ويدعوني المقام أن أقارن بين قولتي سيدنا نوح وسيدنا موسى الانفتين، وبين موقف حدث لرسول الله ﷺ مرجعه من ثقيف بعد أن عرض عليهم الدعوة الإسلامية فأبوا، فرجاهم أن يكتموا أمره ولا يبلّغوا قريشا، ولكن القوم كانوا لئاما، فما إن همّ بمغادرتهم حتى أغروا به الصبيان والسفهاء يقذفونه بالحجارة، وصاحبه ومولاه زيد بن حارثة يدرأ عنه ويدفع، ولكن ماذا يغني زيد في هذا السيل المنهمر من الحجارة، فأصيب جسمه ﷺ ودميت عقباه، وسال الدم الزكي على أرض الطائف ليكون شاهدا على لون من ألوان الكفاح في سبيل العقيدة، حتى ألجؤوه إلى بستان لابني ربيعة وبعد أن استراح قليلا، دعا الله بدعائه المشهور الذي ختمه بقوله: «إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي» . نعم، فالجراح والالام والمصاعب، كلها تهون ما دام في ذلك رضى الله، والنجاة من غضبه.
عاد وهو جريح الجسم، مكلوم الفؤاد، حزين النفس، فتبدى له عند «قرن الثعالب» ملك الجبال، وقال له: «إني رسول من الله إليك، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين «١» فعلت؟!» ولقد كانت فرصة مواتية للنيل من هؤلاء الذين اذوه، وأسالوا دمه، وليذهبوا مع الهالكين الغابرين، وإن ذهبوا ففي الباقين من ينصر الدعوة ويقيم الإسلام.
ولكن لو جاز هذا في حق بشر اخر مهما بلغ من الكمال العقلي والخلقي؛ فلن يجوز في عقل نبينا محمد ﷺ ، ولا في أخلاق نبينا محمد، ولا في منطقه ﷺ !! وهو الذي بلغت فيه الفضيلة ذروة كمالها.
وانتظر الملك الجواب، ولم يفكر النبي طويلا، لأن الأمر بالنسبة له لا يحتاج إلى تفكير، لأنه يتفق هو وفطرته التي فطره الله عليها، وأخلاقه التي
стр. 1160
جبل عليها، وجعلته سيد ولد ادم على الإطلاق، فقال ﷺ : «لا بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله واحده ولا يشرك به شيئا» !!
ودهش ملك الجبال لما سمع وقال: أنت- كما سمّاك ربك- رؤوف رحيم!! نعم- والله- لقد صدق من سماه الرؤوف الرحيم، ومن خاطبه هذا الخطاب الشريف الفذ: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ!!
وهذا هو سيدنا موسى ﵇ يدخل مدينة من المدن المصرية، فوجد فيها رجلين يقتتلان ويتضاربان، أحدهما إسرائيلي من شيعته، والاخر قبطي من عدوه، فاستنصر به الإسرائيلي على القبطي، فضربه بجمع يده، فقضى عليه فمات، وما كان موسى ﵇ يقصد قتله، وإنما قصد دفعه، وكثيرا ما يقصد الإنسان قصدا ويحصل خلافه، فلذلك ندم من فعلته وتاب إلى الله توبة نصوحا، وعزم على عدم العودة لمثل ذلك، وعاهد الله على ألايكون معينا لمجرم قط «١» .
ورأس الإجرام هو الكفر، ويليه المعاصي، وهذا الوكز وإن أفضى إلى الموت ليس بذنب، وإنما هو خلاف الأولى، وكان عليه أن يتثبت قبل الوكز أو يفصلهما عن بعضهما من غير وكز، وإنما عدّه موسى ذنبا واستغفر الله منه لمقام موسى وعلو منزلته على أن يحصل منه ذلك، وقد قيل: إن ذلك كان قبل نبوته فهو من الصغائر التي يجوز مثلها على الأنبياء، وهو الظاهر من قول موسى كما حكاه الله سبحانه في قوله:
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ «٢» .
ومهما يكن من شيء فهذا وأمثاله مما جاء به القران وجاءت به الأحاديث الصحيحة يدل على أن الأنبياء بشر، وأن الكمال المطلق إنما هو لله واحده، وعلى أنهم لشدة معرفتهم بالله وقربهم منه يستعظمون في حق أنفسهم ما ليس عظيما،