← Сира

Сира · id 9896

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

محمد أبو شهبة

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

النبي مع أصحابه وكان ﷺ رؤوفا رحيما بهم، يتعهد حاضرهم، ويسأل عمن غاب منهم، ويسلّم عليهم، ويشمّت عاطسهم، ويواسي فقيرهم، ويعين ضعيفهم، ويشاركهم في السراء والضراء، ويعود مريضهم، ويشيّع ميتهم، ويكسو عاريهم، ويشبع جائعهم، ويرعى أراملهم، وأيتامهم، ويجالس فقراءهم والأعبد منهم، ويحنّك أطفالهم، ويبارك عليهم، ويداعب صبيانهم ليدخل السرور على نفوسهم. ما رؤي مادّا رجليه بينهم، ولا عابسا في وجه أحد منهم، ولا استأثر عليهم بشيء لنفسه ولا لأهله، ولما عرض عليه صاحباه في ركوب البعير في غزوة بدر أن يعفياه من نوبته في المشي أبى، وقال: «ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما» . وكان مع أصحابه في سفر، فذبحوا شاة، فقال واحد منهم: عليّ ذبحها، وقال الاخر: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، فقال رسول الله: «وعليّ جمع الحطب» فقالوا: يا رسول الله نحن نكفيك العمل، فقال: «علمت أنكم تكفوني، ولكني أكره أن أتميز عليكم، وإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه» ، وفي حجة الوداع ذهب ليشرب من السقاية، فأراد عمه العباس أن يميزه بشراب خاص من البيت، فأبى وقال: «لا أشرب إلا مما يشرب منه الناس» . وكان كذلك لا يميز أهله بشيء، ففي قصة المخزومية التي سرقت، وأرادوا أن يشفعوا في عدم إقامة الحد عليها قال: «وايم الله: لو أن فاطمة بنت

стр. 1192

محمد سرقت لقطع محمد يدها» «١» ، ولما جاءت ابنته فاطمة تطلب منه خادما من السبي وقد مجلت «٢» يداها من الرحى والعمل، أبى وعلّمها وزوجها دعوات يدعوان بها عند النوم وقال: «لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم» «٣» . وروى أصل القصة البخاري «٤» . وكان يستعين بالخاصة على العامة ويقول: «أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغي، فإنه من أبلغ حاجة من لا يستطيع إبلاغها امنه الله يوم الفزع الأكبر» وكان لا يأخذ أحدا بذنب أحد، ولا يصدّق أحدا على أحد، وروي عنه أنه قال: «لا يبلّغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» . فهل رأيت في باب الحرص على الوقوف على أحوال الأمة، وإزالة شكاواها، وقطع باب السعاية والوشاية بالرعية أبلغ من هذا؟!! فلا عجب وهذا بعض ما كان يعامل به أصحابه أن أحبوه أكثر من حبهم أنفسهم، وأن فدوه بابائهم وأمهاتهم وأنفسهم، حتى شهد بذلك الأصدقاء والأعداء.

стр. 1193

النبي الرؤوف الرحيم وأما رحمته وشفقته على جميع الخلق فحدّث عنها ولا حرج، وبحسبه شرفا أن الله وصفه باسمين من أسمائه فقال: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ، وقد اذاه قومه وعشيرته أشد الإيذاء، فوضعوا الشوك في طريقه، والقذر على بابه، وحاولوا خنقه وقتله، ووطئوا رأسه وهو يصلي، ووضعوا سلا الجزور على ظهره، ومع ذلك كان يقول: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» . ولما ذهب إلى ثقيف داعيا إلى الإسلام، فأبوا وأغروا به الصبيان والسفهاء حتى أدموا عقبه، أرصد الله له في الطريق وهو راجع ملكا من ملائكته، وعرض عليه أن يهلكهم، فأبى وقال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا» «١» ، وفي رواية: فقال له جبريل: «صدق من سمّاك الرؤوف الرحيم» . ومن المثل الرائعة في هذا ما رواه البزار بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ يستعينه في شيء- قال عكرمة أراه قال في دم يعني دية- فأعطاه رسول الله ﷺ شيئا، ثم قال: «أحسنت إليك؟» قال الأعرابي: لا، ولا أجملت!! فغضب بعض المسلمين، وهمّوا أن يقوموا إليه، فأشار رسول الله ﷺ : أن كفّوا، فلما قام رسول الله ﷺ وبلغ إلى منزله دعا الأعرابي إلى البيت، وزاده شيئا، وقال: «أأحسنت إليك؟» فقال الأعرابي:

стр. 1194

نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا!! فقال له النبي ﷺ : «إنك قلت ما قلت وفي نفسي أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك» قال: نعم، فلما كان الغد أو العشية جاء، فقال ﷺ : «إن هذا الأعرابي قال ما قال، فزدناه، فزعم أنه رضي، أكذلك» قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا!! فقال ﷺ : «إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل له ناقة شردت عليه، فاتّبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفورا، فناداهم صاحبها: خلّوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها منكم وأعلم، فتوجه إليها وأخذ لها من قمام الأرض ودعاها، حتى جاءت واستناخت، وشدّ عليها رحلها، واستوى عليها، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال، فقتلتموه دخل النار «١» » وسند القصة وإن كان فيه راو ضعيف إلا أنه يؤخذ به في باب الفضائل. وفي الحق أن هذا الحديث فيه نور من نور النبوة، وروعة في التمثيل لا يقدر عليها، ولن يكون مصدرها إلا النبي صلوات الله وسلامه عليه، ومع كون المثل ليس بالأمر الغريب عن البيئة العربية، إلا أن النبي الفصيح البليغ ألبسه ثوبا قشيبا حتى بدا غاية في الروعة وغاية في التأثير، هذا إلى ما بين الممثّل به، والممثّل له من التطابق البديع، والتوافق العجيب!!. ومن رحمته بأمته تخفيفه وتسهيله عليهم وكراهته المواظبة على بعض السنن كالتراويح مخافة أن تفرض عليهم، وكراهته كثرة سؤالهم حتى لا يكون سببا في تحريم ما سكت الله عنه رحمة بهم، وقد شملت رحمته المؤمن والكافر، والصديق والعدو، والإنسان والحيوان والطير، ولما قالوا له: إنّ لنا في البهائم لأجرا؟ قال: «في كل كبد رطبة أجر» ونهى، بل (لعن من اتخذ الحيوان غرضا) «٢» ، وكان من رحمته أنه يميل الإناء للهرة لتشرب منه، ومرض ديك له فقام على تمريضه،

стр. 1195

وقال: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت، فلا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» «١» ، وكذلك شملت رحمته الإنس والجن وصدق الله حيث يقول: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ. ومن كل ذلك- وغيره أكثر منه- يتبيّن لنا شفقته ﷺ على الأمة، وحرصه البالغ على حياتهم، وإرشادهم إلى الصراط المستقيم، وإلى تحصيل السعادتين الدينية والدنيوية، وإنا لنلمس هذا المعنى الجليل في قوله ﷺ : «إن مثلي ومثل أمتي، كمثل رجل استوقد نارا، فجعل الفراش والدواب يقعن فيها، وجعل يحجزهن، ويغلبنه، ويتقحّمن فيها، فهذا مثلي ومثلكم، فأنا اخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقحّمون فيها» «٢» وإنها لروعة في التمثيل مع البساطة لا ينقضي منها العجب!!.

стр. 1196

النبي البطل الشجاع وأما الشجاعة والنجدة، والقوة والثبات في وجه الموت، فقد كان ﷺ منها بالمكان الذي لا يجهل، والمنزلة التي لا تدفع، وقد بلغ من قوته أنه صارع ركانة ابن يزيد فصرعه، وما صرعه أحد قط، فكان هذا سبب إسلامه. وقد حضر المواقف المشهورة، وفرّ الكماة والأبطال عنه غير مرة وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، وما من شجاع إلا وقد أحصيت له فرّة، وحفظت عنه جولة «١» سواه. ولعلك على ذكر مما ذكرناه عن ثباته في أحد، وحنين، ووقوفه في فم الموت في بدر وغيرها. عن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت، فاستقبلهم رسول الله ﷺ راجعا وقد سبقهم إلى الصوت على فرس لأبي طلحة في عنقه السيف وهو يقول: «لم تراعوا، لم تراعوا» ) «٢» . وقال علي ﵁: (إنا كنا إذا حمي البأس، واحمرت الحدق اتقينا برسول الله ﷺ ، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي ﷺ وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس بأسا) «٣» وأعظم بها من شهادة من مثل علي!!.

стр. 1197

وقد جمع رسول الله ﷺ إلى شجاعته وبطولته الجسمانية الشجاعة النفسية والبطولة الروحية، وإنا لنلمس هذا في قوله لعمه أبي طالب وقد قال له: (يا ابن أخي أبق علي وعلى نفسك) فظنّ أن عمه خاذله، فقال قولته المشهورة: «والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته» وأخذت هذه العظمة النفسية بنفس أبي طالب وبهرته، فما كان منه إلا أن قال له: (اذهب فقل ما أحببت، فو الله لن أسلمك لشيء أبدا!!) وفيما قدمناه في كتابنا من شجاعة النبي وبطولته الشيء الكثير. ومع هذه الشجاعة الفائقة قد كان رؤوفا رفيقا بالناس رحيما بهم، رقيق القلب، تجري دموعه رقة ورحمة، فقد كان إذا رأى سيدنا مصعب بن عمير، وهو يلبس خلق الثياب، مع أنه ترعرع في أحضان النعيم، ولكن اثر الشقاء مع الإيمان، على النعيم في الكفر- بكى!!. ولما أذن الله في زيارة قبر أمه، «بالأبواء» بكى وأبكى من حوله، ولما مات ولده إبراهيم بكى وقال: «العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون» ، ولما قال له عبد الرحمن بن عوف، وقد راه يبكي: (وأنت يا رسول الله؟!) قال: «يا ابن عوف، إنها رحمة» !! ولما ذهب النبي وأصحابه إلى سعد بن عبادة يعوده في مرضه، وقد غشي عليه، فبكى، وبكى معه أصحابه، وقال: «إن الله لا يؤاخذ بدمع العين، ولا بحزن القلب، وإنما يؤاخذ بهذا» وأشار إلى لسانه، وقال في موقف اخر: «إنها- الدمعة- رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» «١» .

стр. 1198

النبي الوفي بالعهد وكان ﷺ أوفى الناس بالوعد، وأرعاهم للعهد، وأوصلهم للرحم قبل النبوة وبعدها، وقد عاهد اليهود والمشركين فما نقض العهد، ولا عرف منه الغدر، ولما توفيت السيدة الجليلة خديجة كان دائم الذكر لها، والثناء عليها حتى كانت عائشة تغار من ذلك، وكان يحب حبيباتها ويبرّهنّ، فكان يذبح الشاة، ويقطعها، ويقول: «أرسلوا إلى صديقات خديجة» «١» . وكانت تستأذن عليه هالة بنت خويلد أخت خديجة فيهش لها، وترتاح نفسه، لأن صوتها يذكره بصوت الحبيبة الغائبة خديجة، وجاءته ذات يوم امرأة عجوز من صويحبات خديجة، فصار يسألها عن أحوالها، وما صارت إليه، ولما خرجت قالت له عائشة: تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟! فقال: «إنها كانت تأتينا زمان خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان» «٢» . وكان يوصي بالوفاء ورعاية العهد حتى للحيوان، وقد قدمنا لك قصة المرأة التي ركبت ناقة فنذرت إن نجاها الله عليها لتذبحنها، فلما أخبرته قال: «بئسما جزيتيها أن حملك الله عليها ونجاك بها، ثم تنحرينها» !! فهل رأيت مثيلا لهذا في تاريخ البشرية؟!.

стр. 1199

وكما وفى للأحبّاء والأصدقاء، وفى للأعداء، فقد عاهد اليهود ووفى لهم، ولكنهم هم الذين نقضوا العهد، ولا سيما لما تحزّب الأحزاب، وعاهد المشركين في الحديبية ووفى لهم، ولقد جاءه أبو جندل وأبو بصير مسلمين، فردّهما تنفيذا لشروط العهد على كره منهما ومن المسلمين، حتى جعل الله لهما فرجا ومخرجا. ولما دخل مكة عام عمرة القضاء، وقضى بها ثلاثة أيام ليس معهم إلا السيوف في الأغماد، جاء المشركون إليه كي يخرج، فأبى بعض المسلمين عليهم، ورغب إليهم الرسول أن يدعوه حتى يعرس بالسيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية، فيأكل المسلمون ويأكلون معهم، فأبوا، فأمر رسول الله أصحابه بالانصراف وفاء بالعهد، ودخل بها «بسرف» «١» . بل بلغ به وفاؤه أن أمر بدفن عمرو بن الجموح وعبد الله بن حرام، والد جابر، شهيدي أحد في قبر واحد، لأنهما كانا متصادقين في حياتهما الدنيا. وقد كان هذا الوفاء الذي وثّقه الإسلام وزاده امتدادا لوفائه في الجاهلية، لقد عاهد رجلا أن يلقاه في مكان كذا، فمكث ثلاثة أيام يذهب إلى هذا المكان ثم قال: «لقد شققت علي يا رجل، أنا أنتظرك هنا منذ ثلاث» . وكان ﷺ أوصل الناس لرحمه وذوي قرابته، ولكن ما كان يؤثرهم على من هم أولى منهم، وكان يقول: «إنّ ال أبي فلان ليسوا بأوليائي، إنما وليي الله، وصالح المؤمنين، غير أن لهم رحما سأبلّها ببلالها» «٢» .

стр. 1200

النبي العفو الحليم وأما الحلم والاحتمال، والصبر على ما يكره، والعفو والصفح والإغضاء، فكل ذلك مما أدّب الله نبيه ﷺ به، قال له: خُذِ الْعَفْوَ، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وقد فسرها جبريل عن رب العالمين فقال: «إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك» . وقال سبحانه: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ «١» . وقال عز شأنه: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ «٢» . فلا عجب أن كان كالبحر العذب الذي لا يعكره ما يلقى فيه من أحجار، ولا تنزفه الدلاء، وما من حليم صبور إلا وقد عرفت عنه زلة، وحفظت عنه هفوة ما عداه ﷺ ، لا يزيده كثرة الأذى إلا صبرا، ولا إسراف الجاهل إلا حلما، «وما انتقم لنفسه قط، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله ، فينتقم لله» «٣» . وقد قدمنا في فصل رحمته طرفا من عفوه، كما قدمنا في السيرة عفوه عن غورث بن الحارث حتى كان سببا في إسلامه، وعفوه عن أهل مكة الذي صار

стр. 1201

مثلا فريدا في الأولين والاخرين، وإبائه على من عرض عليه قتل ابن أبيّ رأس النفاق أن يقتله قائلا: «كيف يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» ، بل وإبائه على ابنه عبد الله أن يقتل أباه قائلا له: «بل نحسن صحبته ما دام بيننا» . ومن القصص الرائعة في هذا ما روي أن زيد بن سعنة جاءه قبل إسلامه يتقاضاه دينا عليه لم يحن أجل أدائه، فجبذ ثوبه عن منكبه، وأغلظ له في القول ثم قال: إنكم يا بني عبد المطلب مطل «١» فانتهره سيدنا عمر وشدّد له القول، وسيدنا رسول الله ﷺ يبتسم، ثم قال: «أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر، تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي» ، ثم قال: «لقد بقي من أجله ثلاث» ، ثم أمر عمر أن يقضيه ما له ويزيده عشرين صاعا لما روّعه. وقد أثر هذا الموقف الفريد، وهذا الحلم الفائق في نفس زيد فكان سبب إسلامه، وكان يقول: ما بقي من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في محمد إلا اثنتين لم أخبرهما: يسبق حلمه جهله «٢» ، ولا تزيده شدة الجهل إلا حلما، فاختبرته بهذا فوجدته كما وصف!!. وهذا شيء فوق العدل، لأن العدل أن يقتص منه، وأن يفعل بزيد مثل ما فعل بالرسول الكريم، والعدل- أيضا- أن يقضيه حقه فحسب، لا أن يزيده عشرين صاعا، وليس ترويع الفاروق عمر ﵁ زيدا بأعظم من ترويع زيد النبي صلوات الله وسلامه عليه، على الفرق الشاسع ما بين مقام النبي ومقام زيد، ولكنه النبي الحليم الذي يسبق حلمه غضبه، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما!!.

стр. 1202

وجاءه أعرابي ذات يوم فجبذه جبذة شديدة حتى أثّرت حاشية «١» الثوب في صفحة عاتقه. ثم قال: يا محمد، احمل لي على بعيريّ هذين من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك، ولا من مال أبيك!! فسكت النبي ﷺ ثم قال: «المال مال الله وأنا عبده» !! ثم قال: «ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي» قال: لا، قال: «لم» ؟ قال: لأنك لا تكافىء السيئة بالسيئة، فضحك النبي ﷺ ، وسرّ من جوابه، وأمر أن يحمل له على بعير شعير، وعلى الاخر تمر.

стр. 1203

النبي الكريم الجواد وأما الجود والكرم والسخاء والسماحة فكان ﷺ لا يوازى في هذه الصفات ولا يبارى، عن ابن عباس قال: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس. وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القران، فإذا لقيه جبريل كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) «١» . وما سئل شيئا قط فقال: لا. وكان جوده عن كرم في الطبع، وسماحة في النفس، وثقة في سعة خزائن الله، روى الإمام مسلم عن أنس (أن رجلا سأل النبي ﷺ غنما بين جبلين فأعطاه إياها، فأتى قومه فقال: أي قوم أسلموا، فو الله إن محمدا ليعطي عطاء من لا يخشى فاقة الفقر) . وكان رسول الله يعلم أن بعض الناس عبيد إحسان، فكان يعطيهم يتألفهم بذلك، ثم لم يلبثوا أن يصيروا من خيار المسلمين. روي عن أنس قال: (إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها) ، ويوم حنين تألف بعض حديثي العهد بالإسلام حتى أضحوا من المخلصين. وقد روي أنه (أعطى صفوان بن أمية وهو مشرك، وما زال يعطيه حتى صار رسول الله أحب الناس إليه) «٢» . ويوم حنين أعطى النبي ﷺ الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن الفزاري، وأبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية كل واحد مائة من الإبل، ومالك بن عوف مائة، وأعطى اخرين، وأعطى العباس بن مرداس دون المائة

стр. 1204

فأنشأ يقول في ذلك شعرا ذكرناه فيما سبق، فقال النبي ﷺ : «اقطعوا عني لسانه» فأكملوا له المائة. وما كان هذا- علم الله- إسرافا، ولكنها سياسة شرعية قصد بها النبي تأليف هؤلاء الذين لم يلبثوا أن صاروا من أخلص الخلصاء للإسلام، وكان لهم في نشره جهاد مشكور، وقد أراد النبي صلوات الله وسلامه عليه أن يبين لهم أن المال أهون شيء عليه، فهو ليس بطالب مال، وإنما طالب إيمان، ومقيم دين، وصانع رجال، وأنه لا أرب له في اكتناز الأموال، ولو كان عنده مال بعدد رمال الصحراء لما بخل به عليهم، لأنه ليس من خلقه الشح، عسى أن يعتبروا، ويستعفوا عن مال المسلمين. ومن قبل أعطى حكيم بن حزام فاستزاد فأعطاه، فاستزاد ثم قال له: «يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع..) وقد أثر الدرس في نفس حكيم، فالى ألايأخذ من أحد شيئا بعد الرسول حتى توفاه الله، وكان أبو بكر وعمر ﵄ يعرضان عليه عطاءه، فيأبى أخذه. وجاءه ﵊ رجل فسأله فقال: «ما عندي شيء، ولكن ابتع علي «١» فإذا جاءنا شيء قضيناه» فقال له عمر: ما كلّفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي ذلك، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «بهذا أمرت» «٢» . وكذلك كان شأنه ﷺ قبل النبوة، مما يدل على أن خلق الكرم والسخاء متأصل فيه، ففي حديث عائشة في بدء الوحي أن خديجة ﵂ قالت له: (ما كان الله ليفعل بك، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الدهر) «٣» والأخبار عن جوده أكثر من أن تحصى.

стр. 1205

النبي الزاهد حقيقة الزهد في الدنيا إنما هو في الترفع عن زخارفها، وعصمة النفس من التوسع فيها مع القدرة على ذلك، لا عن تعنت وتحريم لما أحل الله من الطيبات، ولكن عن تنزه أن يكون الإنسان عبد أهوائه وأسير شهواته وملذاته، وهذا هو زهد الأنبياء والمرسلين، والصدّيقين والصالحين. أما عدم التمتاع والتوسع فيها عن عجز وفاقة فلا يسمى زهدا. وقد كان زهد رسول الله في الدنيا زهد القادر المستطيع، فقد أوتي مفاتيح خزائن الأرض، وأحلّت له الغنائم ولم تحل لأحد من الأنبياء قبله، وفتح عليه في حياته بلاد الحجاز واليمن، وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق، وجلب إليه من أخماسها وجزيتها وصدقاتها ما لا يحصى، وهاداه جماعة من الملوك، والأمراء، فما استأثر بشيء منه، ولا خرج عن طبيعته من التقشف والتقلّل في المأكل والمشرب، والملبس، والمسكن، إلى غير ذلك مما لا يعتبر التوسع فيه فضيلة. روي عن عائشة: (أنه ربما يمر بهم الهلال والهلالان ولا يوقد لهم نار في بيت، وليس لهم طعام إلا الأسودان: الماء، والتمر) «١» . (وخرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، وما أكل خبزا مرقّقا حتى مات) «٢» .

стр. 1206

ومع هذا فقد كان يأكل اللحم، ويؤتى له بالشاة المصلية- المشوية- فيجتز منها بالسكين، ويحب الحلواء والعسل، ويذهب إلى بئر عذبة لأبي طلحة فيشرب منها، بل كان يستعذب له الماء من بيوت السّقيا على أميال من المدينة، وكان يلبس الغليظ والخشن من الثياب، ومع هذا يلبس البرود اليمنية، والجبب الشامية، وكانت له حلّة حسنة يستقبل بها الوفود ويحضر بها الأعياد والجمع. وكل ذلك من غير سرف ولا مخيلة، فقد كان الغالب من أحواله التقلل والقصد، وهذه هي الفضيلة حقا، والنفوس الكبيرة هي التي تفرض سلطانها وإراداتها على الحياة، وتأبى أن يكون لشيء في الدنيا سلطان عليها، والتي تجد غناها من أنفسها لا من شيء خارج عنها، وفي القمة من هؤلاء أولو العزم من الرسل ولا سيما خاتمهم عليه وعليهم الصلاة والسلام. ومع كثرة ما جلب إليه من الفتوح والنصر لم يتحول عن خلقه، ولم يحتجز لنفسه ولا لأهله إلا ما يقوم بالضرورة، ولم يتأثّل مالا، بل صرفه في مصارفه، وأغنى به غيره، وقوّى به المسلمين، وكان يقول: «ما يسرني أن لي أحدا ذهبا يبيت عندي منه دينار، إلا دينارا أرصده لديني» «١» ، وأتته دنانير مرة فقسمها، وبقيت منها ستة فدفعها لبعض نسائه فلم يأخذه نوم حتى قام وقسمها، وقال: «الان استرحت» ، فلا تعجب إذا كان «مات ودرعه مرهونة عند يهودي نظير ثلاثين صاعا من شعير» «٢» . وهكذا زهد في التوسع في الماكل والمشارب، ليشبع الناس، ولبس الخشن والغليظ ليكتسي الناس، وسكن في حجر من الطين واللبن ليجد الناس المسكن الذي يؤويهم، ويقيهم الحر والبرد، ولو أراد أن يكون له إيوان كإيوان كسرى، أو قصور كقصور الروم بالشام، أو التبابعة باليمن لفعل ولكن كيف؟! وهو المثل

стр. 1207

الأعلى لكل من يأتي بعده من الخلفاء والملوك والأمراء، والقدوة الحسنة لكل من يقصد العدل والفضيلة في الحكم، والرخاء للأمم والشعوب. وإذا كان رسول الله ﷺ وهو القدوة- مات على ما سمعت، وها هم ملوك المسلمين ورؤساؤهم وحكامهم يعيشون عيشة البذخ والإسراف، فما بالك لو أن رسول الله توسّع ولو بعض التوسع، وترك ولو بعض المال؟! لو كان لكان الحال أدهى وأعظم، والأمر أطمّ وأمرّ.

стр. 1208

النبي الحييّ كان رسول الله ﷺ أشد الناس حياء وأكثرهم عن العورات إغضاء، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: (كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها «١» ، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه) ، وقالت عائشة ﵂: (لم يكن رسول الله فاحشا ولا متفحّشا، ولا سخابا بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح) . وكان لا يواجه أحدا بما يكره حياء وكرم نفس، عن أنس قال: (دخل عليه رجل به أثر صفرة، قال: وكان رسول الله لا يكاد يواجه أحدا بشيء يكرهه، فلما قام قال للقوم: «لو قلتم له يدع هذه الصفرة» ) . «٢» وكان إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل ما بال فلان قال كذا أو فعل كذا ولكن يقول: «ما بال أقوام يقولون كذا أو يفعلون كذا» وهذا لعمر الحق أسلوب جليل في التربية واستماع النصيحة، وكان يقول: «الحياء من الإيمان» و «الحياء لا يأتي إلا بخير» «٣» . ومع هذا فقد كان يغضب ويواجه بالحق إذا انتهكت حرمات الشرع، وينتصر لدين الله، عن عائشة ﵂ قالت: (ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه

стр. 1209

شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى، فينتقم لله تعالى) «١» وعنها قالت: (ما خيّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط، إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى) وهذا يدل على أن حياءه عن المواجهة فيما عدا ذلك مما تركه أفضل وأورع، أو فيما كان من حق نفسه تسامحا وتغاضيا، وأما حق الله وحق العباد فلا.

стр. 1210

النبي المتواضع وكان رسول الله ﷺ أشد الناس تواضعا وأبعدهم عن الكبر والخيلاء، وحسبك في هذا أنه خيّر بين أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا فاختار الثاني، وخرج على أصحابه ذات يوم فقاموا له، فقال لهم: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا» ، وقال: «إنما أنا عبد، اكل كما يأكل العبيد، وأجلس كما يجلس العبيد» «١» ، ويقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله» «٢» . وكان يأكل مع العبد والخادم ويحمل حاجته من السوق، ولما أراد أبو هريرة أن يحمل عنه شيئا اشتراه قال له: «صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله» وكانت تقابله المرأة في سكك المدينة فتستوقفه فيقف حتى يقضي لها حاجتها. وعن أنس قال: (إن كانت الأمة- الجارية- من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فتنطلق به حتى يقضي حاجتها) «٣» . وكان يركب البعير، والحمار، ويردف وراءه غيره، ولا يقبل أن يسير أحد وراءه وهو راكب، وحجّ على رحل رثّ، وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، وقال: «اللهم اجعله حجا لا رياء فيه ولا سمعة» «٤» . ودخل عليه رجل فأصابته

стр. 1211

من هيبته رعدة فقال له: «هوّن عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» أي اللحم المشقّق المجفف. وقد فتحت عليه الدنيا ودانت له الجزيرة كلها فما أخرجه ذلك عن تواضعه وخلقه، ولما دخل مكة فاتحا منتصرا طأطأ رأسه حتى لتكاد تمس مقدمة الرّحل تواضعا لله تعالى، إلى غير ذلك من الأخبار الصحاح والحسان، التي زخرت بها كتب الحديث، والسير، والشمائل المحمدية. وشيء اخر لا نكاد نجد له مثيلا في تاريخ الدنيا، وهو أدبه ﷺ مع إخوانه الأنبياء والمرسلين، فقد بلغ به التواضع، وهضم النفس، والإقرار بالفضل لذويه أن يظهر بعضهم بمنزلة فوق منزلته، مع أنه أفضلهم جميعا بشهادة القران والحديث، والتاريخ الصادق، والواقع الذي لا ينكر، ففي الكتاب الكريم يقول الله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ «١» . فقد كاد يجمع المفسرون على أن المراد بقوله: «ورفع بعضهم درجات» هو نبينا محمد ﷺ قال الزمخشري في تفسيره: (أي ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم بدرجات كثيرة، والظاهر أنه أراد محمدا ﷺ ، لأنه هو المفضّل عليهم، حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الايات المتكاثرة المرتقية إلى الألف اية، أو أكثر، ولو لم يؤت إلا القران واحده لكفى به فضلا منيفا على سائر ما أوتي الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر، دون سائر المعجزات، وفي هذا

стр. 1212

الإبهام من تفخيم فضله، وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس) «١» . وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره: «أنا سيد ولد ادم يوم القيامة ... » ورواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه بزيادة: «ولا فخر» وإذا كان سيدا في الاخرة فهو سيد في الدنيا من باب أولى. ومن ذلك قوله ﷺ تعليقا على قول سيدنا يوسف ﵇ لرسول الملك: قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ «٢» . قال: «لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي» «٣» ، وقوله لما أوذي من بعض المنافقين، وضعفاء الإيمان: «رحم الله أخي موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» «٤» ، وفيه ما فيه من الإشادة بصبر سيدنا موسى وتحمله للأذى من سفهاء قومه، ما لم يتحمله غيره. وكذلك كان ﷺ يحاول ما استطاع تبرئة ساحة بعض الأنبياء مما يحتمل أن ينسب إليهم مما لا يليق بحالهم، كقوله في الدفاع عن جدّه «إبراهيم» ﵊: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» ، يعني في قوله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي «٥» .

стр. 1213

يريد نفي ما عسى أن يدل عليه السؤال من احتمال الشك، يعني أنه لم يكن شاكا قط، لأني وأنتم لسنا شاكين في قدرة الله على البعث، ولو جوّزناه على الخليل لجاز عليّ وعليكم، ونفي الشك عني وعنكم أمر مسلم، ففيه نفي للشك عن إبراهيم بطريق برهاني. وكقوله في حق أخيه «لوط» ﵇ لما قال: أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ «١» يريد عشيرة قوية تحميه: «رحم الله أخي لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد» «٢» يريد الله ﵎. فأين من هذه المثل الفذة الفريدة ما يفعله الملوك، والرؤساء، والأمراء، ودهاقنة السياسة، والزعماء وأمثالهم- قديما وحديثا- من محاولة كل واحد منهم تنقيص من قبله، والنيل منه، والارتفاع على أنقاضه، وإظهار نفسه بمظهر البطولة التي تعز عن النظير، وأنه المتفرد في كل شيء؟!! ثم أليس هذا من أقوى الأدلة، وأظهر البراهين على أنه النبي حقا، وأنه العلم الفرد في سمو أخلاقه، وكبر قلبه، وعظم نفسه، وأنه ﷺ لا يبارى، ولا يسامى؟!!.

стр. 1214

النبي العادل وكان رسول الله ﷺ أعدل الناس، وأبعدهم عن الظلم، ما ظلم أحدا في، دم، أو عرض، أو مال، ولا جار في حكم. وكان من أخلاقه العدل في الرضا والغضب، وكان مثالا للعدل مع نفسه وأهله، وولده، وصحابته، ولقد بلغ من عدله أنه كان ينصف الناس من نفسه. وقد قدمنا لك في بدر ما كان من قصته مع سواد بن غزية، ورضائه أن يقتص منه طعنة طعنه إياها، وهو يعدّل الصفوف. وما ذكره في اخر خطبة خطبها في مرض موته: «من جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه ... » ولما قال له أحد المنافقين بعد قسمة غنائم حنين: (هذه قسمة ما أريد بها وجه الله) قال له: «ويحك فمن يعدل إن لم أعدل؟! خبت وخسرت إن لم أعدل» وقد سمعت انفا قوله: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» وامتناعه أن يعطيها خادما مع شدة حاجتها، وإيثار مصلحة أهل الصفّة على مصلحتها، وعدله البالغ مع زوجاته في القسم بينهن مع أن الله فوض إليه ذلك وخيّره فيه بقوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ «١» .

стр. 1215

ولم يقف الأمر في العدل عند ما هو من حق المرأة في النفقة، والكسوة والبيتوتة، بل شمل ذلك العدل في المباسطة والمؤانسة والتعهد، وكان يفعل ذلك بعد صلاة العصر غالبا، وقد يكون بعد صلاة الصبح كما في الصحيح، أما العدل والمساواة في الحب والميل القلبي فهذا لم يكلّف به النبي، ولم تكلّف به الأمة، لأنه أمر لا يدخل تحت الاختيار، ولا تحت الوسع، قال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وهذا هو المراد من قوله سبحانه: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ، فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وكان النبي يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» .

стр. 1216

النبي الصادق الأمين العفيف وكذلك كان ﷺ مثالا كاملا للأمانة وأداء الحقوق لأربابها، والصدق في الحديث، لم تحص عنه خيانة ولا كذبة قط، ولقد اشتهر بأمانته منذ صغره حتى لقب بالأمين، ولما بلغ هرقل ملك الروم كتاب النبي داعيا له إلى الإسلام طلب ناسا من قومه يسألهم عنه، فجيء له برهط فيهم أبو سفيان بن حرب فكان مما قال له: (هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟) قال: لا، قال هرقل: (ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله!!) ولما هاجر إلى المدينة ترك عليا بمكة ليرد الودائع التي كانت عنده إلى أصحابها. وأما عفته فكان أطهر الناس ذيلا، وأعفهم عن الحرم، ما مسّت يده قط يد امرأة لا يملك عصمتها، ولا امتدت عينه إلى محاسن امرأة قط، وقد عاش في مجتمع كانت تتوفر فيه مسارح الهوى واللهو، فما عرفت عنه صبوة، ولا أحصيت عليه هفوة، على ما كان يتمتاع به من قوة وشباب، وفتوة وجمال، ومن شرف الأسرة.

стр. 1217

ادابه الاجتماعية وأما ادابه الاجتماعية فقد أوفى فيها على الغاية، وكان ادب الناس وأحسنهم عشرة، وألينهم عريكة، وأرعاهم لشعور الناس وكراماتهم، فقد كان دائم البشر، لا يطوي عن أحد من أصحابه بشره، ولا تبسمه، ويعطي كل جليس من جلسائه نصيبه من الترحاب والرعاية، حتى لا يظن أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه. وكان أحسن الناس إجابة، ما دعاه أحد من أصحابه إلا قال: لبيك، وإذا حدّثه أحد مال إليه بأذنه، ولا ينحّي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحّي رأسه، وكان يبدأ من لقيه ولو صبيا بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، وما صافح أحدا فيرسل يده حتى يرسلها الرجل الاخر، ويكرم من يدخل عليه، وربما بسط له ثوبه، ويؤثره بالوسادة التي تحته، ويعزم عليه في الجلوس عليها ويكنّي أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يفرغ منه وكان لا يجلس إليه أحد يصلّي إلا خفف صلاته، وسأل عن حاجته، فإذا فرغ عاد إلى صلاته. وكان يخدم ضيفه، ويكرم الوافد عليه، ولما قدم وفد النجاشي قام يخدمهم، فقال له أصحابه: إنا نكفيك هذا، فأبى وقال: «إنهم كانوا لإخواننا مكرمين» ، وكان يقبل الهدية، ويكافىء عليها، وما صنع معه أو مع أهله

стр. 1218

أحد معروفا إلا كافأه عليه، ومن قوله في هذا: «من أسدى إليكم معروفا فكافئوه عليه، فإن لم تستطيعوا فادعوا له» «١» . وكان من أدبه في الطعام أن يغسل يديه، ويسمي الله في أوله، ويحمده في اخره ويأكل بيمينه، ويأكل من جانب القصعة، وينهى عن الأكل من وسطها أو تتبع أطيب ما فيها، وعن النفخ في الطعام، وما عاب طعاما قط: إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه. وكان من أدبه في الشراب أن يشرب على دفعات، ويبين فمه من الإناء عند التنفس، وكان ينهى عن التنفس في الإناء، والنفخ في الشراب، ويسمّي في أول الشرب، ويحمد الله في اخره، ويشرب بعدما يشرب ضيوفه، وكان يقول: «ساقي القوم اخرهم شربا» . وكان من أدبه في الطعام والشراب تقديم أهل اليمين على أهل اليسار، وذلك لأنه كان يحب التيامن في كل شيء، وتقديم الكبار على الصغار، لأنه الأمر الفطري الطبعي، وكان يقول: «ليس منا من لم يوقّر كبيرنا، ويرحم صغارنا» ، وكل ذلك ثابت بالأحاديث الصحاح والحسان، فهل رأيت في باب الاداب الاجتماعية أفضل وأجمل من هذا؟!.

стр. 1219

عظمة الشخصية المحمدية وأثرها في الدعوة إنّ الناظر في التاريخ، وسير الرسل، والأنبياء، والملوك، والأمراء، وأصحاب المذاهب والدعوات الإصلاحية يجد أنهم يتمتعون بشخصيات قوية تفرض اراءهم على من حولهم، وتجعل كلامهم مسموعا، وأمرهم مطاعا. وقد يكون من أسباب هذه الشخصية القوية التجبر، والتكبر، والبطش بمن يخالفهم، أو يحاول أن يخالفهم في الاراء، أو يساميهم في المركز والسلطان، وقد يكون من أسبابها ما يكون عليه الإنسان من بسطة في الجسم، وما يمتاز به من قوة وشجاعة وبطولة، ولا سيما في مواطن الحروب وعند لقاء الأبطال. وقد يكون مبعثها ما أسبغ الله على صاحبها من هيبة ووقار، وما يمتاز به من عظمة الخلق، وما يتحلّى به من الفضائل التي تفرض احترامه على الناس، وما يتمتعون به من عدل ورحمة، وبر وإحسان. وقد يكون مبعثها أنه من بيت عريق، يتوارثون المجد صاغرا عن كابر إلى غير ذلك من الأسباب والبواعث. ورسل الله- ولا سيما أولو العزم منهم- قد أضفى الله عليهم من الهيبة والوقار والكمال الخلقي، واختارهم من أوساط الناس وأشرافهم، ما جعل لهم شخصيات عظيمة مهيبة. وفي الذروة من كمال الشخصية وعظمتها نبينا محمد ﷺ ، فقد حاز ﷺ من الشرف، وكرم النسب وزكاء الأصل، والكمال الجسماني، والكمال الخلقي، ما لم يحزه أحد قط.

стр. 1220

لقد كانت له شخصية فذة فريدة على ما كان عليه من رقة القلب، ولين الجانب، وسماحة النفس، والحياء الفائق حتى كان أشد حياء من العذراء في خدرها، وعلى ما كان عليه من بغض العجب، والتكبر، والتجبر على الناس، والتنكيل بهم، وهذا مما لا يقضي منه العجب!! ولا يسعنا إلا أن نقول: إنه فضل من الله يؤتيه من يشاء. لقد كان الصحابة- رضوان الله عليهم- لا يحدّون النظر إليه، ويغضون أبصارهم حياء منه، ورضي الله عن أبي الحسن علي ﵁ حيث قال: (من راه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ . وقد كان لهذه العظمة الشخصية، وهذه الهالة التي تحيط به، والمهابة التي تعلوه اثارها في ردّ بعض المشركين خاسئا وهو حسير حينما يريد به شرا، بل كان في بعض الأحيان يأمر أعدى أعدائه بالشيء فلا يكون منه إلا الإذعان والخضوع، وكانوا كثيرا ما يتواعدون على النيل منه فيواجههم، فإذا بهم يخورون، وتنهار قواهم، وتضعف معنوياتهم، وكان يأتيه الرجل وبيده السيف، أو تحت ثيابه الخنجر يبغي به شرا فإذا به يضطرب، ويسقط سلاحه من يده، ثم يكون التسليم والإسلام وسأذكر مثلا من ذلك: ١- روى ابن إسحاق في سيرته قال: قدم رجل من إراش «١» بإبل له إلى مكة، فابتاعها- أي اشتراها- منه أبو جهل، فمطله بأثمانها، فأقبل الإراشي حتى وقف على نادي قريش، ورسول الله جالس في ناحية من المسجد، فقال يا معشر قريش من رجل يعديني «٢» على أبي الحكم بن هشام؟ فإني غريب، وابن سبيل، وقد غلبني على حقي.

стр. 1221

فقال أهل المجلس: ترى هذا؟ وأشاروا إلى رسول الله ﷺ لما يعلمون ما بينه وبين أبي جهل من العداوة، اذهب إليه فهو يعديك عليه، يريدون الاستهزاء والسخرية منه ﷺ ، فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فقام معه، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم: اتبعه فانظر ما يصنع؟!. فخرج رسول الله ﷺ حتى جاءه فضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ قال: «محمد، فاخرج» فخرج إليه وما في وجهه قطرة دم، وقد انتقع لونه! فقال: «أعط هذا الرجل حقه» . قال: لا تبرح حتى أعطيه الذي له، فخرج إليه بحقه، فدفعه له!! ثم انصرف رسول الله ﷺ ، وقال للإراشي: «الحق لشأنك» فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس، فقال: جزاه الله خيرا، فقد أخذت الذي لي!!. ولما جاء الرجل الذي أرسلوه ليرى ما يصنع أبو جهل، قالوا له: ويحك ماذا رأيت؟! قال: عجبا من العجب!! والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه، فخرج وما معه روحه!! فقال له: «أعط هذا الرجل حقه» فأعطاه!!. ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فلاموه، وقالوا- ساخرين منه-: فو الله ما رأينا مثل الذي فعلت؟!! فقال أبو جهل: ويحكم، والله ما هو إلا أن ضرب على بابي، وسمعت صوتا فملئت رعبا!! وإن فوق رأسه فحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته «١» ولا أنيابه لفحل قط!! فو الله لو أبيت لأكلني!!. ٢- وإليك مثلا اخر: اجتمع أشراف قريش في الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ما رأينا مثل صبرنا على هذا الرجل قط: سفّه أحلامنا، وشتم اباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب الهتنا، وصرنا منه على أمر عظيم!!.

стр. 1222

فبينما هم في ذلك طلع رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا بالبيت فغمزوه ببعض القول، فعرف ذلك في وجهه فمضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها!! ثم مر بهم الثالثة ففعلوا مثل ذلك، فأقبل عليهم قائلا: «أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح» فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع «١» حتى إن أشدهم فيه وصاة بإيذائه ليرفؤه «٢» ، ويلاطفه، ويقول له: انصرف أبا القاسم راشدا، فما كنت بجهول «٣» . وهكذا كان الواحد منهم يأتي إلى رسول الله ﷺ قاصدا الشر، أو أن ينال منه بالسب، أو يغمزه ويلمزه، فإذا واجهه النبي اضطرب وتلعثم وخارت قواه وتملكه الخوف. ٣- لما وقعت غزوة بدر الكبرى كان النصر فيها للفئة القليلة المؤمنة، على الفئة الكثيرة الكافرة، فقد قتل فيها الكثير من المشركين، وأسر من أسر، وكان من الأسرى وهب بن عمير بن وهب الجمحي، وكان أبوه شيطانا من شياطين قريش وسفهائهم، كما كان شديد الإيذاء للرسول ﷺ وأصحابه بمكة، جلس يوما بعد الموقعة مع صفوان بن أمية يتذاكران مصابهم في بدر، وما نزل بهم من الهزيمة الساحقة الماحقة، فقال عمير: والله لولا دين علي ليس عندي قضاؤه، وعيال أخشى عليهم الضّيعة بعدي لركبت إلى محمد فأقتله، فإن ابني أسير عنده، فاغتنمها صفوان بن أمية، فقال له: عليّ دينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا، لا يسعني شيء ويعجز عنهم، فقال له عمير: فاكتم علي، قال: سأفعل. ثم أمر عمير بن وهب بسيفه فشحذ له، وسمّ، ثم انطلق حتى وصل

стр. 1223

المدينة، فبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، وما أكرمهم الله به- إذ نظر إلى عمير بن وهب، وقد أناخ بعيره على باب المسجد متوشحا سيفه. فقال: هذا عدو الله عمير بن وهب، ما جاء إلا لشر «١» ، وهو الذي حرّش بيننا، وحزرنا «٢» للقوم يوم بدر، ثم دخل على رسول الله ﷺ فأخبره. فقال له النبي: «أدخله علي» فأقبل إليه عمر فأخذ بحمالة سيفه في عنقه، فلبّبه بها «٣» ، وقال لمن كان معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله ﷺ ، فلما راه رسول الله، وعمر اخذ بحمالة سيفه في عنقه قال: «أرسله يا عمر، ادن يا عمير» ، فدنا فقال له: «فما جاء بك يا عمير» ؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه، قال: «اصدقني ما الذي جئت له؟» قال: ما جئت إلا لذلك، فقال النبي: «بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمّل لك صفوان بن أمية بدينك وعيالك أن تقتلني، والله حائل بينك وبين ذلك» . فإذا عمير تنهار قوته، ويضعف أمام نظرات النبي الثاقبة، وتذهله المفاجأة، فما كان منه إلا أن أقر، وأذعن وقال: أشهد أنك رسول الله!! قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فو الله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق، ثم شهد شهادة الحق،

стр. 1224

فقال رسول الله ﷺ : «فقّهوا أخاكم في دينه، وعلّموه القران، وأطلقوا له أسيره» ففعلوا. ثم قال: يا رسول الله: إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله ورسوله، وإلى الإسلام، لعل الله يهداهم، وإلا اذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم، فأذن له رسول الله فلحق بمكة. خيبة أمل صفوان وكان صفوان حين خرج عمير يمني نفسه الأماني، ويقول: أبشروا بوقعة تأتيكم الان في أيام تنسيكم وقعة بدر، وكان يخرج، فيتلقّى الركبان يسألهم عن عمير ليتأكد من نجاح المؤامرة، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه!! فسقط في يده، وحلف ألايكلمه أبدا، ولا ينفعه بنفع أبدا!!. أما عمير فلما قدم مكة أقام بها يدعو إلى الله، وإلى الإسلام، ويؤذي من خالفه أذى شديدا، فأسلم على يديه ناس كثير، وهكذا نجده خرج كافرا جاهدا على قتل النبي، فإذا هو يعود مؤمنا صادق الإيمان!!. ٤- وفي غزوة من الغزوات ذهب النبي ﷺ إلى ظل شجرة ليستريح، ولم يكن معه أحد، فتسلل إليه وهو نائم رجل من شجعان المشركين، فانتبه النبي ﷺ ، فإذا الرجل واقف على رأسه رافعا سيفه، فما رعب ولا خاف، وإنما نظر إليه نظرات المؤمن بربه، الواثق من حمايته، فيقول الرجل: من يمنعك مني يا محمد؟ فقال النبي ﷺ : «الله» !! فإذا الرجل يضطرب، ويرعب، ويسقط السيف من يده!!. ويأخذ الرسول ﷺ السيف، ويعلو الرجل به قائلا: «من يمنعك مني؟» قال: عفوك، فعفا عنه!!.

стр. 1225

ولم يكن رسول الله ﷺ يتخذ من عظمة شخصيته، وما كان يعلوه من المهابة والهالة وسيلة إلى تخويف الناس، أو ترويعهم أو الحط من كرامتهم، وإنما كان على العكس من ذلك يهوّن على الناس، ويخفف من رعبهم، لقد دخل عليه ذات يوم رجل فأصابته من هيبته رعدة، وخاف واضطرب، وإذا بالمتواضع الرؤوف الرحيم يقول له: «هوّن عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» «١» !!. نعم- والله- ليس بملك، ولكنه أعظم وأهيب من الملوك، وليس متجبرا ولا طاغيا، وإنما هو الرحمة المهداة للخلق أجمعين. صلوات الله وسلامه عليك- يا سيدي يا رسول الله- يوم ولدت، ويوم بعثت، ويوم هاجرت، ويوم يقوم الناس لرب العالمين.

стр. 1226

عالم في فرد هذه صور موجزة تحدد- إلى جانب ما درسنا من سيرة تحليلية- بعض معالم الشخصية المحمدية، ولا أقول كل المعالم، فإن ذلك مما لا يدركه جنان، ولا يستطيعه بيان، فهو ﷺ كالوجود، وستنتهي هذه الحياة ولا يزال ثمّ أشياء من أسرار هذا الوجود، لا يحوم حولها عقل إنسان، ولا يفصح عنها لسان. وصدق القائل: وعلى تفنّن واصفيه بحسنه ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف ومن البدهي أن في الخلق صفوة، وصفوة هؤلاء الصفوة أنبياء الله ورسله، وفي الذروة منهم أولو العزم من الرسل، وذروة الذرى هو نبينا محمد خلاصة البشر وسلالة ولد ادم، وقد يوجد الكثير من هذه الصفات والاداب أو بعضها عند الصفوة من نبي، أو رسول، أو صدّيق، ولكن لم نعلم أحدا جمع الله له كل ما ذكرنا من الفضائل والخصائص مثل ما عرفنا ذلك لنبينا محمد، وهو بهذا المعنى نسيج واحده، وفريد في البشرية كلها، ولا غرو فقد كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعث هو إلى الناس عامة، فكان من الطبعيّ أن يجمع الله له ما تفرق من خلق المصطفين الأخيار. وقصارى القول وحماداه أنه ﷺ كان «عالما» في فرد، أو إن شئت فقل: «فردا» في عالم، بنفسي وأهلي وولدي، وأبي وأمي، هو ﷺ . وبعد فهذا هو سيدنا محمد رسول الله صاحب أطهر سيرة عرفتها الدنيا، وناشر اخر رسالة اتسمت بالعموم والخلود، ومربّي أفضل جيل في تاريخ البشرية، ومنشىء خير أمة أخرجت للناس، ومحقق أول دولة في تاريخ الإسلام. وكان الفراغ من تأليف هذه السيرة العطرة في ليلة الجمعة المباركة، لخمس خلون من صفر لعام ١٣٨٦ هـ، قربى إلى الله ورسوله. والحمد لله في النهاية كما حمدناه في البداية، وصلى الله ﵎ وسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحابته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. انتهى الجزء الثاني، وبه ينتهي الكتاب والحمد لله أولا واخرا

стр. 1227

ثبت بأهم مراجع الكتاب (١) القران الكريم. (٢) تفاسير: ابن جرير الطبري، والزمخشري، والبغوي، وابن كثير، والقرطبي، والألوسي، وأسباب النزول للسيوطي. (٣) الصحيحان: صحيح البخاري، وصحيح مسلم. (٤) سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ومسند أحمد، والموطأ. (٥) المستدرك للحاكم، السنن للبيهقي، سنن الدارقطني. (٦) السيرة النبوية لابن إسحاق وابن هشام، ط الحلبي. (٧) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للإمام الحافظ ابن حجر طبعة البهية. (٨) الشفا في التعريف بحقوق المصطفى، للإمام القاضي عياض، ط استانبول. (٩) الطبقات الكبرى، للإمام ابن سعد، ط بيروت. (١٠) الإصابة في تاريخ الصحابة، للإمام ابن حجر، ط الأولى. (١١) الاستيعاب في تاريخ الأصحاب، ابن عبد البر على هامش الإصابة. (١٢) شرح المواهب اللدنية، للإمام الزرقاني، ط بولاق. (١٣) زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية، ط أنصار السنة. (١٤) البداية والنهاية، للإمام الحافظ ابن كثير، ط الاستقامة. (١٥) الروض الأنف شرح السيرة لابن هشام، للإمام السهيلي، ط الجمالية ١٣٣٢ هـ ١٩١٤ م. (١٦) السيرة الحلبية، للشيخ العلامة علي بن برهان الدين الحلبي. (١٧) نور اليقين في سيرة سيد المرسلين، للعلامة الشيخ محمد الخضري. (١٨) حياة محمد، للدكتور محمد حسين هيكل، ط الأولى. (١٩) حياة محمد، لدرمنغم ترجمة الأستاذ عادل زعيتر. (٢٠) حياة محمد ورسالته، لمولانا محمد علي.

стр. 1228

(٢١) الدين، للدكتور الشيخ محمد عبد الله دراز. (٢٢) التاريخ الإسلامي والحضارة العربية، للدكتور أحمد شلبي. (٢٣) جزيرة العرب في القرن العشرين، للشيخ حافظ وهبة. (٢٤) دائرة معارف القرن العشرين، للأستاذ محمد فريد وجدي. (٢٥) مكة والمدينة في عصر الجاهلية، للأستاذ أحمد الشريف. (٢٦) معجم البلدان، للشيخ العلامة ياقوت الحموي. (٢٧) الأصنام، لابن الكلبي. (٢٨) أدلة اليقين في الرد على مطاعن المبشرين، للعلامة الشيخ عبد الرحمن الجزيري. (٢٩) الرد على المنطقيين، للإمام أحمد بن تيمية الحراني. (٣٠) مدخل لدراسة القران الكريم، للدكتور الشيخ محمد أبو شهبة. (٣١) الإسراء والمعراج، للدكتور الشيخ محمد أبو شهبة. (٣٢) تفسير سورة الفاتحة وملحقاتها، للإمام الشيخ محمد عبده. (٣٣) زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم، لأستاذنا الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي، ط الحلبي. (٣٤) البيان والتبيين، للإمام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، ط ثالثة. (٣٥) عبقرية محمد، للأستاذ العقاد، ط الهلال. (٣٦) حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، للأستاذ العقاد، ط الهلال. (٣٧) أم النبي ﷺ ، للدكتورة عائشة عبد الرحمن، ط الهلال. (٣٨) الملل والنحل، للإمام الشيخ محمد الخضر حسين، ط خاصة بكلية أصول الدين قديما. (٣٩) الملل والنحل، للأستاذ حامد عبد القادر، ط خاصة بكلية أصول الدين قديما. (٤٠) التاريخ الإسلامي، للدكتور محمد مصطفى زيادة، ط خاصة بكلية أصول الدين قديما. (٤١) التاريخ الإسلامي، للأستاذ محمد حبيب أحمد، ط خاصة بكلية أصول الدين قديما. (٤٢) كتب العهد القديم، والعهد الجديد أو التوراة والأناجيل، ط جمعية التوراة الأميركانية. (٤٣) كتب اللغة: القاموس المحيط، والمصباح المنير.

стр. 1229

فهارس الجزء الثاني صنع فهارسه العلمية عبد الستّار الشيخ ١- فهرس الايات القرانية. ٢- فهرس الأحاديث النبوية. ٣- فهرس الأعلام. ٤- فهرس القبائل والأمم والجماعات والدول والممالك والحضارات. ٥- فهرس الأيام والغزوات والوقائع. ٦- فهرس الأماكن والبلدان والبحار والأنهار والأصنام. ٧- فهرس تأريخي متسلسل لأحداث السيرة والتشريعات ونحو ذلك. ٨- فهرس الشعر. ٩- فهرس الموضوعات.

стр. 1230

١- فهرس الايات القرانية * الاية رقمها الصفحة [سورة البقرة] وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ ... (٥٨) ٣٢٧ وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ... (٨٩) ٤٦، ٣٩٣ وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ... (١٠١) ٣٩٣ ... وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ... (١٢٥) ٥٧٠ سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ... (١٤٢) ١٠٤، ١٠٦ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ... (١٤٣) ١٠٤، ١٠٥، ١٠٦، ٥١٨، ٦٣٦ قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ... (١٤٤) ١٠٣، ١٠٥ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ... (١٤٦) ٤٦ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ ... (١٤٩) ١٠٥ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ ... (١٥٠) ١٠٥ إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ... (١٥٨) ٥٧٠ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ... (١٨٣) ١٠٧ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً ... (١٨٤) ١٠٧، ١٠٨ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ... (١٨٥) ١٠٧ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ... (١٨٧) ١٠٨ وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ... (١٩٠) ٧٥، ٨٨، ٩٥ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ... (١٩١) ٨٨
следующие страницы →