← Сира

Сира · id 9896

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

محمد أبو شهبة

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

اخر حتى يكاد يخفي معالمه، وإنما هي صفات وزنت بميزان عادل لا يعول، وأخلاق حسبت بحسبان دقيق لا يضل، هداية في حكمة، وعلم في فقه، ورحمة في غير ضعف، وعدل في غير عنف، وحزم في حلم، وصرامة في رحمة، وغضب لله في غير جور ولا بطش، وكرم في غير إسراف، ودقة في غير فسولة؛ ورأفة في غير تفريط، وعقل كبير في سعة قلب، وجد في غير هزل، ومزح في غير باطل، وفصاحة في بلاغة، وكلم جوامع في حكم نوابغ، ورجولة في مروءة، وفحولة في عفة. وهكذا لا يمكن لمنصف أن يجد في أخلاقه مغمزا، أو في سلوكه مطعنا، وهذا المعنى لا نجده في بشر أيا كان، وهذا هو سر الإعجاز في أخلاق هذا النبي العظيم، وهذا البشر العظيم!! الفضيلة الإنسانية في ذروة كمالها في نبينا محمد يقول الحكماء: إن الفضيلة وسط بين رذيلتين: فالشجاعة وسط بين الجبن وبين التهور. والقصد في الإنفاق وسط بين التقتير والإسراف. والعدل وسط بين البغي والظلم، وبين هضم الحق والتفريط فيه. والعفة وسط بين انتهاك حرمات الغير وبين حرمان النفس من متعتها المشروعة. والحكمة وسط بين الإسراف في استعمال العقل وتعدي أموره وبين البلادة والغافلة، وهكذا. والفضيلة من الأمور التي تواطأت عليها العقول السليمة، ولا تختلف باختلاف الأشخاص والعصور. فالفضيلة لا يمكن أن تكون رذيلة، ولا تكون فضيلة عند إنسان ورذيلة عند اخر، وهذا أمر لا أعلم أحدا خالف فيه، إلا ما كان من السوفسطائيين «١» ومن على شاكلتهم كالوجوديين اليوم، فإنهم يخضعون الحق والفضيلة لأهوائهم، وشهوات أنفسهم.

стр. 1157

والناس يتفاضلون ويتمايزون بقدر ما يكون عندهم من الفضائل والأخلاق الكريمة، والفضيلة لا تختص بأناس دون أناس، ولا بجنس دون جنس، وإنما هي أمر مشاع بين البشر، يأخذ كل واحد منها بحسب فطرته واستعداده، وتربيته ونشأته، إلا أن هذه الفضيلة الإنسانية توجد أوفى ما تكون وأكمل ما تكون في أنبياء الله ورسله، فقد فطرهم الله سبحانه على أكمل الصفات، وخير الخلال، إلا أن بعض هذه الفضائل قد تكون عند نبي أوفى منها عند اخر، ومن ثم صارت هذه الصفات البالغة الكمال، عند بعض الأنبياء بمنزلة الخصائص، فالحلم والتسامح عند الخليل إبراهيم وعيسى أكثر منهما عند نوح وموسى، والشدة والأخذ بالعقوبة، عند نوح وموسى، أعظم منهما عند إبراهيم وعيسى عليهم جميعا الصلاة والسلام. وكذلك فضلاء البشر كصحابة الأنبياء وحواريّيهم، ولا سيما صحابة سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، تقوى بعض الفضائل عند بعضهم حتى تصير كأنها خصوصية، فمنهم الذي يغلب عليه الحلم والرحمة والشفقة كالصدّيق ﵁، ومنهم من يغلب عليه الشدة والصرامة في الحق، حتى مع أحب الناس إليه، كالفاروق عمر ﵁، ومنهم من يغلب عليه الحياء كالسيّد الحييّ عثمان بن عفان ﵁ فيفرط في حق نفسه، ومنهم من تغلب عليه الشجاعة والمصارحة بالحق وعدم المداهنة، حتى ولو كان في ذلك تثبيت أمر الخلافة كسيدنا علي ﵁، ومنهم من يغلب عليه جانب الدهاء والسياسة، ومعرفة كيف تسترق النفوس كسيدنا معاوية ﵁. وليس معنى هذا أن ما عدا هذه الصفات التي برزوا فيها ليس لهم فيما عداها حظ، كلا وحاشا، وليس أدل على هذا من الصدّيق الأكبر ﵁، فقد كانت سمته الغالبة في قصة أسارى بدر وغيرها الرحمة والشفقة، ومع هذا فلما جاور الرسول الرفيق الأعلى، وارتد بعض العرب كان أشجع من الشجاعة، وأشد من الشدة في محاربتهم، وحتى قال للفاروق وقد ناقشه في قتال مانعي الزكاة: أجبّار في الجاهلية خوّار في الإسلام؟!! والفاروق عمر- وهو الشديد القوي في الحق- ما انتقم لنفسه، وكانت

стр. 1158

تقابله المرأة فتعظه، وتذكره، وتنصحه بتقوى الله في الخلق، فإذا به يتطامن لها ويبكي حتى تخضل لحيته!! وذلك كقصته مع السيدة خولة بنت ثعلبة بن حكيم، والمرأة الأعرابية التي كانت تعلل أولادها، وهم يتضاغون من الجوع حتى ناموا ... والناس طبائع، ومعادن، وفطرتهم ليست واحدة، ومرد ذلك كله إلى الله ﷻ فسبحانه، سبحانه، تقدست أسماؤه، وتباركت صفاته ووسع علمه كل شيء، وجلّت حكمته، وعجزت العقول، مهما بلغت عن إدراك كنهه وأسراره، فله المثل الأعلى، وله الحكمة البالغة. وقد أوحى إلى نفسي بما كتبت هذه المقارنة البديعة الصادقة التي صدع بها المثل الكامل ﷺ عقب استشارة أصحابه في أسارى غزوة بدر، فأدلى الصديق برأيه وهو أخذ الفداء وتركهم عسى أن يهداهم أو يخرج الله من أصلابهم من يرضي الله وينصر دينه، وكان رأي الفاروق أن يقتلوا ولا يؤخذ منهم فداء، فقال النبي: «إن الله ليلينّ قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدّد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة. وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» . وكمثل عيسى قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٢» . وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «٣» . وكمثل موسى قال: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ «٤» . أنتم اليوم عالة، فلا يفلتنّ

стр. 1159

أحد إلا بفداء أو ضربة عنق» وكان هذا اختيارا لما رأى الصديق ﵁. وقد بلغت الفضيلة الإنسانية ذروة كمالها في نبينا محمد ﷺ ، ويدعوني المقام أن أقارن بين قولتي سيدنا نوح وسيدنا موسى الانفتين، وبين موقف حدث لرسول الله ﷺ مرجعه من ثقيف بعد أن عرض عليهم الدعوة الإسلامية فأبوا، فرجاهم أن يكتموا أمره ولا يبلّغوا قريشا، ولكن القوم كانوا لئاما، فما إن همّ بمغادرتهم حتى أغروا به الصبيان والسفهاء يقذفونه بالحجارة، وصاحبه ومولاه زيد بن حارثة يدرأ عنه ويدفع، ولكن ماذا يغني زيد في هذا السيل المنهمر من الحجارة، فأصيب جسمه ﷺ ودميت عقباه، وسال الدم الزكي على أرض الطائف ليكون شاهدا على لون من ألوان الكفاح في سبيل العقيدة، حتى ألجؤوه إلى بستان لابني ربيعة وبعد أن استراح قليلا، دعا الله بدعائه المشهور الذي ختمه بقوله: «إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي» . نعم، فالجراح والالام والمصاعب، كلها تهون ما دام في ذلك رضى الله، والنجاة من غضبه. عاد وهو جريح الجسم، مكلوم الفؤاد، حزين النفس، فتبدى له عند «قرن الثعالب» ملك الجبال، وقال له: «إني رسول من الله إليك، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين «١» فعلت؟!» ولقد كانت فرصة مواتية للنيل من هؤلاء الذين اذوه، وأسالوا دمه، وليذهبوا مع الهالكين الغابرين، وإن ذهبوا ففي الباقين من ينصر الدعوة ويقيم الإسلام. ولكن لو جاز هذا في حق بشر اخر مهما بلغ من الكمال العقلي والخلقي؛ فلن يجوز في عقل نبينا محمد ﷺ ، ولا في أخلاق نبينا محمد، ولا في منطقه ﷺ !! وهو الذي بلغت فيه الفضيلة ذروة كمالها. وانتظر الملك الجواب، ولم يفكر النبي طويلا، لأن الأمر بالنسبة له لا يحتاج إلى تفكير، لأنه يتفق هو وفطرته التي فطره الله عليها، وأخلاقه التي

стр. 1160

جبل عليها، وجعلته سيد ولد ادم على الإطلاق، فقال ﷺ : «لا بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله واحده ولا يشرك به شيئا» !! ودهش ملك الجبال لما سمع وقال: أنت- كما سمّاك ربك- رؤوف رحيم!! نعم- والله- لقد صدق من سماه الرؤوف الرحيم، ومن خاطبه هذا الخطاب الشريف الفذ: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ!! وهذا هو سيدنا موسى ﵇ يدخل مدينة من المدن المصرية، فوجد فيها رجلين يقتتلان ويتضاربان، أحدهما إسرائيلي من شيعته، والاخر قبطي من عدوه، فاستنصر به الإسرائيلي على القبطي، فضربه بجمع يده، فقضى عليه فمات، وما كان موسى ﵇ يقصد قتله، وإنما قصد دفعه، وكثيرا ما يقصد الإنسان قصدا ويحصل خلافه، فلذلك ندم من فعلته وتاب إلى الله توبة نصوحا، وعزم على عدم العودة لمثل ذلك، وعاهد الله على ألايكون معينا لمجرم قط «١» . ورأس الإجرام هو الكفر، ويليه المعاصي، وهذا الوكز وإن أفضى إلى الموت ليس بذنب، وإنما هو خلاف الأولى، وكان عليه أن يتثبت قبل الوكز أو يفصلهما عن بعضهما من غير وكز، وإنما عدّه موسى ذنبا واستغفر الله منه لمقام موسى وعلو منزلته على أن يحصل منه ذلك، وقد قيل: إن ذلك كان قبل نبوته فهو من الصغائر التي يجوز مثلها على الأنبياء، وهو الظاهر من قول موسى كما حكاه الله سبحانه في قوله: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ «٢» . ومهما يكن من شيء فهذا وأمثاله مما جاء به القران وجاءت به الأحاديث الصحيحة يدل على أن الأنبياء بشر، وأن الكمال المطلق إنما هو لله واحده، وعلى أنهم لشدة معرفتهم بالله وقربهم منه يستعظمون في حق أنفسهم ما ليس عظيما،

стр. 1161

ويعتبرونه ذنبا يستغفرون الله تعالى منه، وإن لم يكن ذنبا في الحقيقة ونفس الأمر. وأما نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى اله فقد استأذنه سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه- أن ينزع ثنيتي سهيل بن عمرو- أحد أسرى بدر- حتى يدلع لسانه فلا يقوم خطيبا بعد ذلك ضد النبي ودعوته، فماذا كان جواب الرؤوف الرحيم؟: «لا أمثل فيمثل الله بي ولو كنت نبيا» !! يالسمو الرحمة، ويا لعظمة البشرية!! ثم يغري النبي سيدنا عمر بالعفو عنه، وعدم النيل منه فيقول: «وعسى أن يقوم مقاما لا تذمه» وقد كان، وصدقت نبوءة الرسول الكريم فقد وقف بعد الردّة موقفا كريما حمده الناس له، وحفظه له التاريخ «١» . ومثل اخر أسوقه لبيان كمال الفضيلة الإنسانية في نبينا محمد ﷺ ، لقد كان عمر ﵁ مشهورا بالزهد وبلغ فيه مبلغا، صار مضرب الأمثال. عمر هذا الزاهد، الذي كان يداوم لبس المرقّع، وكان ينام على الحصى والتراب، والذي كان يضرب اللبن «٢» بنفسه، ويهنأ إبل الصدقة بالقار بيديه «٣» والذي كان يعيش الكفاف، ويأتدم الزيت بالعيش الجاف، عمر الذي حرم على نفسه أكل السمن عام الرمادة حتى يخصب الناس، وحتى صارت تكركر بطنه وتغير لونه، وهو لا يهتم بذلك. عمر الزاهد هذا دخل على رسول الله ﷺ لما اعتزل نساءه بسبب تظاهر بعضهن عليه، وكان في مشربة له «٤» يرقى إليها بدرج، وعلى الباب غلام اسمه رباح، فقال: يا رباح استأذن لي على رسول الله ﷺ ، فلم يأت رباح بجواب،

стр. 1162

فرفع رأسه وقال استأذن لي على رسول الله، فإني أظن أن رسول الله ﷺ ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله بضرب عنقها لأضربنّ عنقها!! فأشار إليه الغلام: أن أذن لك، فدخل على رسول الله، وما زال يلاطفه حتى تبسم، ثم نظر عمر في المشربة فوجد رسول الله ﷺ على حصير قد أثر في جنبيه، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف، وفيها قرظ مجموع وأهب «١» معلقة وفرق من شعير، فبكى. فقال رسول الله ﷺ : «ما يبكيك يا عمر» ؟! فذكر عمر كسرى وقيصر وما هما فيه من ألوان النعيم وما رأى في المشربة، أي- والله- عمر الزاهد يبكي لما رأى النبي في هذه الحالة، ولو أن البكاء كان من غير عمر لجاز، أما وهو من عمر فهذا موضع العبرة والعجب!!. ترى أيها القارىء ماذا سيكون جواب الرسول؟! وماذا سيكون حال الرسول؟ أيبكي، كما بكى عمر الزاهد، أم يسكت على مضض وضجر؟! لو أن النبي فعل هذا وشارك عمر في بكائه أو سكت وتحسر، لكان قصارى أمره أنه عبقري، أو أنه رجل مصلح، ولكنه فوق ذلك: فوق العبقري وفوق المصلح، إنه النبي بكل ما في «أل» من كمال النبوة الذي بلغت به الذروة في الفضيلة الإنسانية، وإليك جواب النبوة الكاملة: «يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الاخرة؟! أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا» !!. ويقف الزاهد المتقشف مدهوشا أمام هذا الجواب فيزداد يقينا إلى يقين أنه النبي حقا، بعد أن أخذ من النبي ﷺ درسا في زهد البطولة، أو إن شئت فقل بطولة الزاهد.

стр. 1163

صفاته الخلقية وها هي صفاته ﷺ كما جاء في الأحاديث الصحيحة والحسنة والاثار المشهورة عن جماعة من الصحابة ﵃، يزيد بعضهم عن بعض فيها، ومن مجموعها نستخلص أن رسول الله ﷺ كان أزهر اللون «١» ، أدعج «٢» ، أنجل «٣» ، أشكل «٤» ، أهدب الأشفار «٥» ، أبلج «٦» ، أزجّ «٧» ، أقنى «٨» ، أفلج «٩» ، مدوّر الوجه، واسع الجبين، ضخم الرأس، كث اللحية «١٠» تملأ صدره. سواء البطن والصدر، واسع الصدر، عظيم المنكبين «١١» ، ضخم العظام. عبل «١٢» العضدين والذراعين والأسافل، رحب «١٣» الكفين والقدمين، سائل «١٤»

стр. 1164

الأطراف، أنور المتجرد «١» ، دقيق المسربة «٢» ، ربعة القد، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير المتردد، ومع ذلك فلم يكن يماشيه أحد ينسب إلى الطول إلا طاله ﷺ ، رجل الشعر «٣» . إذا افتر ضاحكا افتر عن مثل سنا البرق، وعن مثل حب الغمام، إذا تكلم رئي كالنور يخرج من ثناياه، أحسن الناس عنقا، ليس بمطهم «٤» ، ولا مكلثم «٥» ، متماسك البدن، ضرب اللحم «٦» ، إذا مشى تكفّأ كأنما ينحط من صبب «٧» ، وإذا التفت التفت معا. قال البراء: ما رأيت من ذي لمّة في حلة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ . وقال أبو هريرة: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ كأن الشمس تجري في وجهه، وإذا ضحك يتلألأ في الجدر. وقال جابر بن سمرة- وقال له رجل: أكان وجهه مثل السيف- فقال: لا، بل مثل الشمس والقمر، وكان مستديرا. وقالت أم معبد في بعض ما وصفته به: أجمل الناس من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، وفي حديث ابن أبي هالة: يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر!! وقال علي ﵁ في اخر وصفه له: من راه بديهه هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله، ولا بعده مثله ﷺ «٨» .

стр. 1165

وهذه الأوصاف تنم عن الذكاء والفطنة وكبر العقل، والقوة والبطولة والهيبة والجلال، والرزانة والوقار، وقد أملاها عليهم واقع الحال، لا مجرد الحب والخيال. ومن ثم نرى أن رسول الله ﷺ كان يحظى بالكمال الجسماني، وسمات البطولة الجسدية الحقة، ولو أنك اطلعت على ما يشترط اليوم من الصفات لتحقيق «كمال الأجسام» لوجدتها لا تزيد عما ذكر في صفات النبي الخلقية، وهذا أمر كان لازما، فإن نبينا بعث بخاتم الأديان والشرائع، لأمم الأرض كلها، وشرع الله له الجهاد في سبيل حماية العقيدة، ونشر هذا الدين، لابدّ أن يكون متهيئا غاية التهيؤ للجهاد، وأن يكون له من بسطة الجسم ما يهيّئه للجهاد والقيادة، والشجاعة والإقدام. وهكذا نرى أن رسول الله ﷺ جمع الله سبحانه له البطولة الجسمانية، إلى البطولة النفسية. نظافة جسمه وطيب ريحه هذا إلى نظافة جسمه، وطيب ريحه وعرقه، ونزاهته عن الأقذار، والروائح الكريهة، وقد خصه الله بذلك، ثم تممها وزادها بنظافة الشرع، وخصال الفطرة، والمداومة على التطيب والتطهر، ومجانبة الأطعمة الكريهة الرائحة. عن أنس ﵁ قال: (ما شممت عنبرا قط، ولا مسكا، ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله ﷺ ، ولا مسست شيئا قط ديباجا، ولا حريرا ألين مسا من رسول الله ﷺ «١» . وعن جابر بن سمرة: (أنه ﷺ مسح خده، قال: فوجدت ليده بردا وريحا كأنما أخرجها من جونة «٢» عطار) . وكانت تلك رائحته سواء مس طيبا أولم يمس، وكان يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان

стр. 1166

بريحها، وكان إذا مرّ في طريق يعرف أنه سلكه مما يخلفه فيه من طيبه. وثبت في صحيح مسلم أنه نام في دار أنس فعرق، فجاءت أمه بقارورة فجمعت فيها عرقه، فسألها رسول الله ﷺ عن ذلك، فقالت: نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطيب. وفي رواية أخرى لمسلم: (فقالت: يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا) . قال: «أصبت» . كمال عقله وأما كمال عقله، وأصالة تفكيره، وبعد نظره فيتجلّى في كثير من تصرفاته ومواهبه السياسية قبل النبوة وبعدها، وذلك كما حدث حينما حكّموه في قصة وضع الحجر الأسود، وفي إعداد الجيوش، ومباغتته للأعداء قبل أن يبغتوه في بلده، وموقفه في القضاء على الفتنة التي كادت تقع بين الأوس والخزرج بسبب تأليب اليهود، وبين المهاجرين والأنصار أثناء غزوة بني المصطلق، ومواهبه الفائقة في عقد المعاهدات والصلح، وفي معاملة الأصدقاء والأعداء، حتى كان سببا في دخول الكثيرين منهم الإسلام، وفي ترضية الأنصار بعد قسمة غنائم حنين، إلى غير ذلك مما لا يحصيه العد. وقد عرضنا لذلك بالتفصيل في هذه السيرة العطرة. فصاحة لسانه وكان ﷺ فصيح اللسان، قوي العارضة، يفصّل الكلام تفصيلا، مع سلاسة طبع ونصاعة لفظ، وقلة تكلف، وجزالة معنى. وليس هذا بعجيب ممن كان في الذؤابة من قريش، واسترضع في بني سعد، ونشأ بمكة، وأنزل عليه القران بلسان عربي بلغ أعلى درجات الفصاحة والبلاغة. وكان مما اتاه الله العلم بلغات العرب ولهجاتها، فكان يخاطب كل قوم بلغتهم مما كان يدهشهم ويدهش الحاضرين من الصحابة، حتى قالوا له: ما رأينا الذي هو أفصح منك!! فقال: «وما يمنعني وإنما أنزل القران بلسان

стр. 1167

عربي مبين» وقال مرة أخرى: «أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد» «١» . فجمع الله له بذلك قوة عارضة البادية وجزالتها، ورقّة ألفاظ الحاضرة ورونقها، إلى المدد الإلهي بالوحي المتتابع، ولا سيما وحي القران الذي لا يحيط بعلمه وأسراره إنسي ولا جني، فلا عجب إذا قال: «أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارا» رواه النسائي في سننه وأبو يعلى، ورويت الفقرة الأولى من حديث للبخاري ومسلم. وإليك ما قاله في وصف كلام رسول الله ﷺ ، أديب من أكبر أدباء العربية غير منازع وهو الجاحظ قال: (وأنا ذاكر بعد هذا فنا اخر من كلامه ﷺ ، وهو الكلام الذي قلّ عدد حروفه وكثر عدد معانيه! وجلّ عن الصنعة، ونزّه عن التكلف، وكان كما قال الله ﵎: قُلْ- يا محمد- وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ «٢» فكيف وقد عاب التشديق، وجانب أصحاب التقعيب «٣» ، واستعمل المبسوط في موضع البسط والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حفّ بالعصمة، وشيّد بالتأييد، ويسر بالتوفيق. وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة، وغشّاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام، وقلة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته، لم تسقط له كلمة، ولا زلّت به قدم،

стр. 1168

ولا بادت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذّ الخطب الطوال بالكلم القصار، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق ولا يطلب الفلج «١» إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة «٢» ، ولا يستعمل المواربة «٣» ، ولا يهمز، ولا يلمز «٤» ، ولا يبطىء ولا يعجّل، ولا يسهب ولا يحصر «٥» ، ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا، ولا أقصد لفظا، ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح معنى، ولا أبين في فحوى «٦» من كلامه ﷺ كثيرا ... ثم قال: قال محمد: قال يونس بن حبيب: ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام ما جاءنا عن رسول الله ﷺ . وقد جمعت لك في هذا الكتاب جملا التقطناها من أفواه أصحاب الأخبار، ولعل بعض من لم يتسع في العلم، ولم يعرف مقادير الكلم، يظن أنّا قد تكلفنا له في الامتداح والتشريف ومن التزيين والتجويد ما ليس عنده، ولا يبلغه قدره، كلا، والذي جرّم «٧» التزيد عند العلماء وقبح التكلف عند الحكماء، وبهرج الكذابين عند الفقهاء، لا يظن هذا إلا من ضلّ سعيه. فمن كلامه ﷺ حين ذكر الأنصار: «أما والله ما علمتم إلا لتقلّون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع» وقال: «الناس سواسية كأسنان المشط» «٨» ...

стр. 1169

وقال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم» «١» فتفهّم- رحمك الله- قلة حروفه، وكثرة معانيه. وقال ﵊: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» «٢» ... وقال: «خير المال سكة مأبورة، وفرس مأمورة» «٣» ... «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» «٤» ... وقال: «الناس كالإبل المائة لا تجد فيها راحلة» «المستشار مؤتمن» «٥» «رحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم» «٦» وقال: «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبله جميعا ولا تفرّقوا، وأن تناصحوا من ولّاه الله أمركم، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» «٧» . وقال: «يقول ابن ادم: مالي مالي، وإنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» «٨» وقال: «لو كان لابن ادم واديان من ذهب لابتغى ثالثا، ولا يملأ عين ابن ادم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» «٩» . وقال: «إن أحبكم إليّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا، الذين يألفون، ويؤلفون. وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني

стр. 1170

مجالس يوم القيامة الثرثارون المتشدّقون، المتفيهقون» «١» إلى غير ذلك مما ذكره «٢» هذا العالم الأديب الأريب. وقد ذكر هذا الإمام الخبير بكلام البلغاء جملة صالحة من كلام رسول الله ﷺ إلا أن منها ما ليس من كلام الرسول ﷺ ، وذلك مثل قوله: «الناس بأزمانهم أشبه منهم بابائهم» فالصحيح أنه من كلام علي، وقيل من كلام عمر، ومنها ما هو موضوع كما نصّ على ذلك أئمة النقد في الإسلام وهو «إن الأحاديث ستكثر عني كما كثرت عن الأنبياء من قبلي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فهو عني، قلته أولم أقله» وهو كلام باطل لا يصدر مثله عن الرسول ﷺ ، وكتاب «البيان والتبيين» ونحوه من كتب الأدب، لا يعوّل عليها في معرفة الأحاديث ما ثبت منها، وما لم يثبت، ولذلك حرصت على تخريج الأحاديث التي ذكرها الجاحظ في الهامش. ومما ذكره الجاحظ من كتبه ﷺ التي تدل على مخاطبته كل قوم بلسانهم ولغتهم ما رواه سعيد بن عفير عن ابن لهيعة عن أشياخه أن النبي ﷺ كتب إلى وائل بن حجر الحضرمي ولقومه: «من محمد رسول الله ﷺ إلى الأقيال العباهلة من أهل حضرموت، امركم بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، على التيعة «٣» شاة والتيمة لصاحبها «٤» ، وفي السبوب الخمس «٥» ، لا خلاط، ولا وراط «٦» ، ولا شناق،

стр. 1171

ولا شغار «١» ، فمن أجبني فقد أربى «٢» » وهي خصيصة عجيبة لرسول الله. وأزيد على ما ذكره الجاحظ فأقول: ومن جوامع كلمه ﷺ قوله: «إن المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع» رواه البخاري ومسلم، وقوله: «اتقوا النار ولو بشقّ تمرة» رواه البخاري، وقوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» رواه الشيخان، وقوله: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا» متفق عليه، «ما ملأ ابن ادم وعاء شرا من بطنه، فإن كان ولابدّ، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وقوله: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى» متفق عليه، وقوله: «وهل يكبّ الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم» رواه الترمذي، وقوله: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه» رواه الإمام مسلم في صحيحه، وقوله: «المسلمون عند شروطهم، والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا» رواه أحمد، وأبو داود، والدارقطني، وقوله: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ» رواه البخاري، وقوله: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» رواه البخاري. وقوله: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين» رواه البخاري، وقوله: «الحياء من الإيمان» رواه الشيخان، وقوله: «إنّ مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما تشاء» رواه البخاري، وقوله: «من يحفظ لي ما بين لحييه، وما بين رجليه «٣» ، أضمن له الجنة» متفق عليه، وقوله: «الرحم

стр. 1172

شجنة «١» من الرحمن» رواه البخاري، وقوله: «في كل ذات كبد رطبة أجر» متفق عليه، وقوله: «من لا يرحم لا يرحم «٢» » رواه البخاري، وقوله: «من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» رواه مسلم. إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي فاضت بها كتب الأحاديث والسنن. ومن هذه الأحاديث التي هي من جوامع كلمه ﷺ ، ما اعتبر من المبتكرات التي لم يسبق إليها النبي ﷺ ، وسارت مسار الأمثال في شيوعها وذيوعها، وذلك مثل حديث «لا يلدغ ... » السابق، وقوله: «الحرب خدعة» وقوله: «الان حمي الوطيس» وقوله: «إنّ من البيان لسحرا» «وإن من الشعر لحكما» أي لحكمة. وقوله في فرس أبي طلحة: «وجدناه بحرا «٣» » وقوله: «كما تدين تدان» ولا يفوتني أن أوصي الشباب والطلاب- ولا سيما المتأدّبين منهم- أن يكثروا من قراءة كتاب الله، وأحاديث رسول الله، وسيكتسبون بذلك إيمانا وعلما وعملا، وفصاحة وبلاغة، وجزالة ألفاظ، وقوة أسلوب، وإشراق بيان. شرف نسبه وكرم محتده وهذا أمر معروف غير منكور، أقرّ به المخالف والموافق، وليس من شك في أنه نخبة بني هاشم، وسلالة قريش، وخلاصة مضر، وإليه انتهى شرفها، ومصاص البشرية كلها، وقد أفصح ﷺ عن ذلك فقال: «إن الله اصطفى من ولد ابراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» رواه مسلم

стр. 1173

والترمذي «١» ، وقال: «بعثت من خير قرون بني ادم قرنا فقرنا، حتى كنت من القرن الذي كنت منه» رواه البخاري، وقال: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إلا أن الله خلق خلقه، فجعلني من خير خلقه، ثم فرّقهم فرقتين فجعلني من خير الفرقتين، ثم جعلهم قبائل فجعلني من خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا فجعلني من خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا، وخيركم نفسا» رواه أحمد واللفظ له والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وليس من شك في أن النسب الزكي إذا انضم إليه الخلق الرضي كان خيرا وأزكى، و «الناس معادن: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» رواه البخاري «٢» .

стр. 1174

النبي الزوج لقد خصّ رسول الله ﷺ بأن أباح الله له من الزوجات ما لم يبح لغيره، فقد تزوج إحدى عشرة ودخل بهن، منهن اثنتان ماتتا في حياته وهما السيدتان: خديجة، وزينب أم المساكين، وتوفي عن تسع، وهن: عائشة بنت الصدّيق، وسودة بنت زمعة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، وصفية بنت حيي النضيرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية. وتسرى جاريتين: مارية القبطية، وريحانة بنت زيد اليهودية، وقد ماتت في حياته. وإذا كان الإسلام جعل للمرأة حقوقا لم تكن تحلم بها، ورفع من شأنها، فقد حظي بالنصيب الأوفى من ذلك نساء النبي ﷺ ، ولمّا أنكر الفاروق عمر على زوجته أن تراجعه في أمر قالت له: عجبا لك يا ابن الخطاب، أما تحب أن تراجع في شيء، إن بنتك لتراجع رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان. فذهب إلى ابنته يسألها، فإذا هي تؤكد له ذلك. وكان كثيرا ما يوصي بالنساء خيرا ويقول: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» «١» ، وفي حجة الوداع أوصى بهن خيرا كما أسلفنا. وإن الإنسان ليعجب كيف وفّق النبي ﷺ بين هؤلاء التسع وهنّ مختلفات في السن، والطبائع، والأخلاق والمشارب؟! ولكن النبي بسعة عقله، ورحابة صدره، وكرم أخلاقه أمكنه أن يحسن عشرتهنّ ويعدل بينهن، وأن يوفق

стр. 1175

بين رغباتهن، وأن يعشن عيشة الأخوات لا عيشة الضرائر، وإنها لبطولة حقا أن يكون عنده هذا العدد من الزوجات، ويقوم بأعباء الرسالة، وتكوين خير أمة، وأول دولة في الإسلام على خير ما يكون!!. والواحد منا تكون عنده الزوجة الواحدة، والعدد القليل من الأولاد، ومع هذا يكون في شغل شاغل، وفي حيرة من التوفيق بين حقوق زوجته وولده، والقيام بواجبات عمله على وجه مرضي، ولكنه النبي الذي وسع الناس جميعا بعقله وصدره وبره. وهن خيار نساء هذه الأمة، الحريصات على رضاء الله ورسوله. ومع كونهن بهذه المنزلة فلم تخل معاشرتهن للنبي ﷺ من بعض مضايقات ومؤامرات، بسبب ما ركز في فطرة المرأة من الغيرة، وحب الاستئثار بالزوج. فمن ذلك أنهن اجتمعن على النبي ورغبن إليه أن يوسّع عليهن، وأن يكون لهن ما لنساء الملوك وأصحاب الثراء، وكان النبي قد أخذ نفسه وأهله وولده بالتقشف والتقلل من طيبات الحياة وزخارفها، وفرض على نفسه وعليهن لونا من ألوان المعيشة لا يتميز عن معيشة عامة الأمة، إن لم يقلّ، وهو ﷺ قدوة المسلمين جميعا فليكن نساؤه كذلك قدوة لنساء الأمة، لذلك تألم النبي لمطالبهن، فاعتزلهن شهرا. ولما اعتزل النبي نساءه شاع ذلك، وعظم الأمر على الصحابة، فذهب الصدّيق أبو بكر إلى المشربة التي اعتزل فيها رسول الله، فإذا الناس جلوس محزونون، فاستأذن على رسول الله، فأذن له، ثم جاء الفاروق فاستأذن له، فوجدا النبي واجما ساكتا وحوله نساؤه، فقال أبو بكر: لأقولنّ شيئا أضحك به النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة- زوجته- سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت «١» عنقها! فضحك رسول الله وقال: «هنّ حولي كما ترى يسألنني النفقة» .

стр. 1176

فقام أبو بكر وعمر إلى ابنتيهما يزجرانهما ويقولان: لا تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده، فتعهدتا بذلك، وبعد مضي مدة الاعتزال أنزل الله ايتي التخيير، قال عز شأنه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً «١» . فبدأ رسول الله بعائشة وقال: «يا عائشة، إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب ألاتعجلي فيه حتى تستشيري أبويك» قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الايتين. قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟! بل أختار الله ورسوله والدار الاخرة، وأسألك ألاتخيّر امرأة من نسائك بالذي قلت، فأبى وقال: «لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها. إن الله لم يبعثني متعنتا، ولكن بعثني معلّما ميسرا» !! «٢» ، ثم خيّرهنّ فكلهن اخترن الله ورسوله، ﵅. وحادثة أخرى ذلك أن رسول الله ﷺ كان إذا صلّى العصر دار على نسائه يلاطفهن ويؤانسهن بالمحادثة، وربما يطيل المكث عند بعضهن، فتأخذ الغيرة بنفوس بعضهن. فدخل ذات يوم على السيدة زينب بنت جحش، فمكث عندها وشرب عسلا، فتواطأت عائشة وحفصة أن أيتنا دخل عليها رسول الله فلتقل له: إني أجد منك ريح مغافير «٣» - وكان النبي يكره الرائحة الخبيثة- فدخل على حفصة فقالت له ذلك، فقال: «بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، فلن أعود إليه، وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا» «٤» .

стр. 1177

ولكنها لم تعمل بما أوصاها به وأخبرت بذلك عائشة، وفي رواية عند مسلم أن التي شرب عندها العسل حفصة، وأن اللاتي تظاهرن عائشة، وسودة، وصفية، وأنه لما أخبرهن بشرب العسل عند حفصة قالت كل واحدة منهن: جرست نحله «١» العرفط، وأنه لما عرضت عليه حفصة أن تسقيه عسلا مرة أخرى امتنع وقال: «لا حاجة لي به» والأول هو الأصح «٢» ، وهو الأليق بسياق الاية. وفي الصحيحين عن عمر: أن المتظاهرتين هما عائشة وحفصة، وقد كانت هذه المؤامرة سببا في اعتزال النبي نساءه شهرا. وفي الصحيحين أن عمر لما أخبره جاره الأنصاري أن رسول الله اعتزل نساءه قال: رغم أنف حفصة وعائشة، وذهب إلى عائشة فذكّرها وحذّرها؛ ثم ذهب إلى ابنته فوبّخها وعنّفها، وقال لها: والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك، ولولا أنا لطلقك، فبكت أشد البكاء. ثم قصد إلى رسول الله في مشربة له يرقى إليها بدرج وعلى الباب غلام اسمه رباح، فقال: يا رباح استأذن لي على رسول الله، فلم يأت رباح بجواب، فرفع صوته وقال: استأذن لي على رسول الله فإني أظن أن رسول الله ﷺ ظنّ أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله بضرب عنقها لأضربن عنقها!! فأشار إليه الغلام: أن أذن لك، فدخل على رسول الله وما زال يلاطفه حتى تبسم. ثم نظر عمر في المشربة فوجد رسول الله على حصير قد أثر في جنبه، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وفيها قرظ مجموع، وأهب «٣» معلّقة، وفرق من شعير، فبكى فقال رسول الله: «ما يبكيك يا عمر؟» فذكر كسرى

стр. 1178

وقيصر وما هما فيه، وما رأى في المشربة فقال له: «يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الاخرة، أولئك قوم قد عجّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا» «١» . فلما انقضى الشهر نزل رسول الله ﷺ فأنزل الله سبحانه- معاتبا نبيه، ومخوفا ومحذرا نساءه- قوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ. إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ. عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً «٢» . فكفّر رسول الله عن يمينه. وتاب نساؤه إلى الله ورسوله. وكان عمر ﵁ لما دخل على رسول الله فوجده مغضبا قال له: يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. وقال لنسائه: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن) فنزلت الاية على ذلك، وعدّ هذا من موافقات عمر ﵁. وذكر النسائي وابن جرير وابن مردويه وغيرهم أن نزول صدر سورة التحريم كان بسبب تحريم مارية القبطية، ذلك أن حفصة كانت استأذنت رسول الله ﷺ في زيارة أبيها فأذن لها، فأرسل إلى جاريته مارية وباشرها في يوم حفصة وعلى فراشها، فلما عادت وعلمت بما كان صارت تبكي وتقول: أما رأيت

стр. 1179

لي حرمة؟ ما كنت لتصنع هذا بامرأة من نسائك!! فقال رسول الله: «أليست هي جاريتي أحلّها الله لي» ؟ ثم ترضّاها فأخبرها بأنها حرام عليه، وبأن الصدّيق وأباها سيتوليان الخلافة بعده وقال: «لا تخبري بذلك أحدا» . فلما خرج رسول الله قالت حفصة لعائشة: ألا أبشرك؟ إن رسول الله قد حرم أمته عليه، وقد أراحنا منها، وأخبرتها بما سيكون من شأن الخلافة، فلما علم رسول الله بما أفشته من سر غضب. واعتزل نساءه شهرا، ثم أنزل الله قوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ... الايات. والراجح ما في الصحيح، وأن ذلك كان بسبب تحريم العسل، وإن كان سياق الايات أليق بمسألة تحريم مارية، ويمكن أن تكون الايات قد نزلت بسبب تحريم العسل وتحريم مارية «١» ، فقد يكون سبب النزول حادثتين أو أكثر كما هو مقرر في أسباب النزول. هذه هي أهم الأحداث التي عكرت صفو حياة النبي الزوجية، وقد كانت أسبابا لتشريعات حكيمة في قران يتلى إلى يوم الدين، وفيما عدا هذه فقد كنّ مؤمنات، قانتات، تائبات، عابدات، صوّامات، وكن خير معينات له على طاعة ربه وتأدية رسالته، كما كنّ مصابيح إشعاع وهداية وعلم في حياة النبي وبعد وفاته، فرضي الله عنهن. وقد كان رسول الله ﷺ يلاطفهن ولا ينفك عن مؤانستهن والتبسّط معهن. ومن رفقه بهن أنه أتى عليهن وسواق يسوق بهن يسمى أنجشة، وكان يحدو للإبل فتنشط وتسرع بالسير، فربما يؤلمهن ويتعبهن، فقال له: «ويحك يا أنجشة، رويدك، سوقك بالقوارير» «٢» .

стр. 1180

وروي أن من اخر ما نطق به قبل اللحوق بالرفيق الأعلى الوصية بالنساء. وقال: «حبّب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» «١» . وحب الزوجة حب فطري، لأن فيه سكن النفس، وغذاء العاطفة، ورضا القلب، ومبعث هذا الحب الرحمة والشفقة، والرفق بالضعيف، لا مبعثه إرضاء الغريزة الجنسية، وإشباع الشهوة؛ وإلا فقد قضى شبابه مع زوجة واحدة مسنة تكبره بخمسة عشر عاما. وسئلت عائشة عما كان يصنع النبي في بيته قالت: (كان يكون في مهنة «٢» أهله) يعني خدمتهم «٣» . فكان يساعدهم ويعاون خدمه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويذهب إلى السوق ويحضر لهم طعامهم، ولا يرى في ذلك منقصة، ولا ما يغضّ من شرفه وقدره، ولم يؤثر عنه ﷺ أنه ضرب امرأة، أو عبدا، أو خادما، أو شق عليه في شيء.

стр. 1181

النبي الأب وكما كان رسول الله الزوج المثالي المتسامح المتغاضي عن الهفوات، كان الأب الحاني العطوف الشفيق، وقد قدّمنا طرفا من حبه لبناته، وأبنائه، وحزنه لفقدهن، وبكائه عليهن بكاء الرحمة والشفقة، وتعهده لابنه إبراهيم، وذهابه إليه خارج المدينة كل يوم فيحمله ويشمه ويقبله. وكذلك كان يقبّل ولدي ابنته فاطمة ويشمهما ويقول: «هما ريحانتاي من الدنيا» «١» . ولما راه الأقرع بن حابس وهو يقبل الحسن قال: إن لي عشرة أبناء ما قبلت واحدا منهم فقال رسول الله ﷺ : «إنه من لا يرحم لا يرحم» وقدم على النبي ﷺ أحد الأعراب فوجد النبي والصحابة يقبلون الأولاد فقال: أتقبلون أولادكم؟ فقالوا: نعم، فقال: والله ما نقبلهم، فقال الرؤوف الرحيم: «أو أملك لك أن الله نزع الرحمة من قلبك» !!. (وقد كان يصلي بأمامة بنت بنته زينب- ﵄ يحملها على عاتقه، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها) «٢» . فأي مثل أروع من هذا في بيئة كانت تحب الذكور، وتبغض الإناث بل وتئدهن؟!. وكان النبي يخطب ذات يوم على المنبر فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران، يمشيان ويتعثران، فنزل النبي فحملهما ووضعهما بين يديه.

стр. 1182

وروي عن عبد الله بن الزبير أنه رأى الحسن بن علي يجيء والنبي ساجد فيركب رقبته، أو قال ظهره، فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل، ولقد رأيته يجيء وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الاخر. وروي أن رسول الله كان إذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم: «أن دعوهما» «١» كما كان يلاعبهما إذا فرغ لهما. فهل رأيت في باب العطف والشفقة على الأبناء، وإشباع رغباتهم في اللهو واللعب أفضل وأسمح من هذا؟!. وكان إذا دخلت عليه ابنته فاطمة يقوم لها ويقبلها ويقول لها: «مرحبا بابنتي» «٢» ويجلسها على يمينه. وربما بسط لها ثوبه. فأي إكرام واحترام للأولاد يداني هذا؟! وكان يقول: «فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها فقد أغضبني» «٣» فأي تأكيد لأواصر الحب والقربى فوق هذا؟!.

стр. 1183

النبي الإنسان لقد اتسمت حياته ﷺ بالإنسانية، وقد قدمنا الكثير من المثل لإنسانيته الفائقة حتى مع الكفار والأعداء، وذلك في معرض الحديث عن العبر في غزوة بدر، وفي غزوة خيبر غنم المسلمون فيما غنموا صحائف من التوراة، فطلبها اليهود، فأمر بإعطائها إياهم وهو يعلم ما بها من تحريف وتبديل. وهذا غاية الإنسانية في احترام الشعور الديني للأعداء. وروى البخاري في صحيحه أنه مرّ عليه بجنازة فقام لها، فقالوا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي!! فقال: «أليست نفسا منفوسة» «١» ؟! فأي تكريم لبني ادم يسامي هذا؟!. وفي إحدى الغزوات وجد امرأة مقتولة فغضب وقال: «ما كانت هذه لتقاتل» ! ونهى عن قتل النساء والصبيان. وكان إذا بعث بعثا أو جيشا أوصاهم قائلا: «لا تغلّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا» «٢» . وكان له خادم يهودي فكان إذا مرض عاده، فعاده مرة فعرض عليه الإسلام وأبوه حاضر فقال له: أطع أبا القاسم فأسلم فقال: «الحمد لله الذي أنقذه من النار» «٣» إلى غير ذلك مما تجده في ثنايا كتب الأحاديث والسيرة.

стр. 1184

النبي المربّي المعلّم وقد ذكرنا انفا قوله ﷺ : «إن الله لم يبعثني متعنتا، وإنما بعثني معلّما ميسّرا» وقال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال» «١» . وقد كانت حياته ﷺ حياة تربية وتعليم، وتأديب وتهذيب، وبحسبنا شاهدا على هذا أنه بعث إلى قوم يعبدون الأصنام، ويسفكون الدماء، ويعتدون على الأعراض والأموال، ويتظلمون، ويتعاملون بالربا، ويشربون الخمر، ويغشون الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ويتفاخرون بالأحساب والأنساب، فلم يزل بهم يربيهم ويتعهداهم حتى صيّر منهم مواحدين أتقياء، وحكماء علماء، وحلماء رحماء، وإخوانا متحابين أصفياء، وكانوا بحق خير أمة أخرجت للناس في عقيدتها وعبادتها، وعلمها وعملها، وأخلاقها وسلوكها. من كان يظن أن معاقل الوثنية في الجزيرة العربية تصبح منارات للتوحيد الخالص؟ ومن كان يظن أن العرب- وهم أشد الناس اعتزازا وتفاخرا بالأحساب والأنساب- يصبحون أكثر الأمم اعترافا بالمساواة وتطبيقا لها؟ حتى لقد تسنّى لبلال الحبشي العبد الأسود أن يكون أول مؤذن في الإسلام!! وحتى قال عمر بن الخطاب العدوي القرشي في الصدّيق ومولاه بلال: (هو سيدنا، وأعتق سيدنا) «٢» ، وحتى عقل بلال خالد بن الوليد المخزومي القرشي بعمامته، تنفيذا لأمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، واستسلم خالد له!! فلما أجاب عما

стр. 1185

طلبه سيدنا عمر أطلقه وأعاد إليه قلنسوته، ثم عمّمه بيده وقال: (نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخم ونخدم موالينا) «١» أي ساداتنا. بل من كان يظن أن المرأة تخرج من اليمن إلى الكعبة فلا يعرض لها أحد بسوء؟ وأن الخمر التي كانت ممتزجة بلحوم العرب ودمائهم «٢» يتركونها أبدا بعد التحريم؟ وأن الربا الذي كان شائعا بين العرب يقضى عليه هذا القضاء؟!! إنّ هذا سر من أسرار إعجاز الرسالة المحمدية. لقد كان للنبي ﷺ في تربية الأمة وسائل من أهمها القدوة، فقد كان أسوة حسنة في نفسه، وفي أهله وفي بيته، وفي كل تصرفاته، فمن ثمّ أثمرات تربيته أيما إثمار. وكان رسول الله يربّيهم تارة بالقول، وتارة بالعمل، وتارة بهما معا، فقد قال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» «٣» ، وقال: «خذوا عني مناسككم ... » «٤» ، وقال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبّك بين أصابعه تبيينا للقول بالفعل. ولم تكن هذه التربية قصرا على الرجال، فقد رغب إليه النساء أن يجعل لهن يوما خاصا يعظهن ويعلمهن فيه، ففعل، وقد تخرج في مدرسة النبوة نساء بلغن الغاية في العلم، والعمل، والحكمة. وكذلك لم تكن قصرا على الكبار، بل استفاد منها ونشأ عليها الصبيان والفتيان والفتيات، وكان في تربيته يتدرج معهم، ويتخولهم بالموعظة والتعليم أياما دون أيام، كراهية السامة منهم والمشقة عليهم، روى ذلك البخاري في الصحيح «٥» .

стр. 1186

وكان من أساليب رسول الله ﷺ أن يلقي عليهم بعض الأسئلة التي تحتاج الإجابة عنها إلى علم وذكاء وفطنة، شحذا لأذهانهم على التفكير، واختبارا لذكائهم، وتنشيطا لهم، وذلك مثل قوله: «إنّ من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، ولا ينقطع نفعها، وإنها مثل المسلم، حدّثوني ما هي؟» قال ابن عمر: (فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة) ولكنه استحيى أن يجيب احتراما لكبار الصحابة، ولما أخبر أباه بهذا بعد قال له: لأن كنت قلتها أحب إليّ من أن يكون لي حمر النّعم. وقد استرعى انتباه الكاتبين من فلاسفة الغرب في تاريخ الحضارات وارتقاء الشعوب، أن الأمة الإسلامية طفرت طفرة واحدة في زمن وجيز على خلاف العادة والمعروف، وعجبوا لهذا، ولو أنهم وضعوا في حسبانهم أن المربّي هو النبي المؤيد بالايات، والمثل الأعلى للمربين، والهداة والمرشدين، وأن عماد هذه التربية هو القران معجزة المعجزات- لزال العجب، ولعلموا أن هذا من إعجاز القران الاجتماعي والأخلاقي، إلى جانب إعجازه العلمي والبياني، وإلا فلن يستطيعوا أن يعلّلوا ذلك بمقتضى النظر المادي. لقد رفع النبي ﷺ من شأن العلم والعلماء حينما قال كما قال الله: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً وقال: «العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» «١» . ورفع من شأن المربين والمصلحين حينما قال لعلي ﵁: «فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النّعم» «٢» . وبحسب العلماء والمربين والمعلمين هذا التقدير من إمام العلماء وقدوة المربين.

стр. 1187

النبي مع ربه وكان ﷺ أعرف الناس بربه، وأعلمهم بجلاله وكماله وصفاته، فمن ثمّ كان أشدهم تقوى، وأكثرهم عبادة، وقياما لليل. عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي يقوم من الليل حتى تتفطّر قدماه، فقلت: يا رسول الله لم تصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) ؟! فقال: «أفلا أكون عبدا شكورا» «١» ؟! وقالت: (كان عمل رسول الله ديمة «٢» ، وأيكم يستطيع) وقالت: (كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم) «٣» . وكان الله سبحانه أمره في مبدأ أمره أن يقوم الليل إلا قليلا، قال تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا «٤» . فكان قيام الليل واجبا محتوما، قيل عليه، وقيل: عليه وعلى أمته، ثم خفّف عنه، فنسخ الوجوب وصار مندوبا. ولم يحدد للقيام وقت محدود، بل ترك ذلك إلى القدرة والاستطاعة، قال عز شأنه:

стр. 1188

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ الاية «١» . وقال: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً «٢» . ومع هذا كان دائم العبادة والتهجد، وكان دائم التذكر لله، والتفكر في خلق الله والائه، لا يغيب قلبه عن الله، فإن حصل من ذلك شيء بسبب شواغل الدنيا وهمومها استغفر الله تعالى، وهذا هو المراد بقوله: «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» رواه مسلم، وفي رواية البخاري: «أكثر من سبعين مرة» . ومع عبادته وتقواه كان أبعد الناس عن التشدد والمغالاة، فعن عائشة ﵂ قالت: صنع رسول الله ﷺ أمرا فترخّص فيه، فبلغ ذلك ناسا من أصحابه فكأنهم كرهوه، وتنزّهوا عنه فبلغه ذلك، فقام خطيبا فقال: «ما بال رجال بلغهم عني أمر ترخّصت فيه فكرهوه، وتنزّهوا عنه، فو الله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية» «٣» ، وفي حديث اخر له قال: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا، وهم المتشددون في غير موضع التشديد. وكان دائم الدعاء لله ولا سيما إذا اشتد الكرب، وتأزمت الأمور، وقد قدمنا لك دعاءه في بدر وأحد والأحزاب وغيرها، كما كان دائم الشكر لله، لا يطغيه النصر، ولا تبطره النعمة. وما كانت تشغله عبادته عن دنياه، ولا دنياه عن عبادته، وهكذا راعى رسول الله الفضيلة والوسطية في العبادة، وكان الأنموذج الكامل للمسلم السمح

стр. 1189

الكريم، وليس أدل على هذا من هذه القصة: روى الشيخان في صحيحيهما بسندهما- واللفظ للبخاري- عن أنس بن مالك ﵁ قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالّوها «١» ، فقالوا: وأين نحن من رسول الله ﷺ ، قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا «٢» !! وقال اخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر!! وقال اخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا!! فجاء إليهم رسول الله ﷺ فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي «٣» فليس مني» ) . وفي رواية مسلم: (فقال بعضهم: لا اكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش) ، وفي الصحيحين أيضا عن سعد بن أبي وقاص قال: (ردّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل «٤» ، ولو أجاز له لاختصينا) «٥» . وهذا هو المنهج الوسط، الذي جاءت به الشريعة الوسط؛ للأمة الوسط التي هي خير أمة أخرجت للناس. والإسلام ليس دين رهبانية، فالرهبانية لا تليق بعمارة الكون، وليست من سنن الأنبياء، والذين اتبعوا الرهبانية من اليهود والنصارى ابتدعوها من عند أنفسهم، قال تعالى:

стр. 1190

وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها «١» . فهم مع ابتداعهم لها قصدوا ابتغاء رضوانه بالمبالغة في العبادة، فلم يقوموا بحقها ولم يلتزموا بما ألزموا به أنفسهم. والإسلام- وهو الدين العام الخالد الصالح لكل زمان ومكان، ولإصلاح الدنيا والاخرة- لا يتفق والرهبانية، وهي نوع من التنطّع في الدين، وقد نبههم رسول الله كما سمعت، وفي رواية الطبراني أن عثمان بن مظعون ﵁ لمّا قال للنبي: ائذن في الخصاء، قال له: «إن الله قد أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة» وفي رواية أخرى أرشده إلى علاج ما يعاني من مشقة العزوبة فقال له: «لا، ولكن عليك بالصوم» وصدق الله في وصف الأمة المحمدية حيث قال: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً «٢» .

стр. 1191

النبي مع أصحابه وكان ﷺ رؤوفا رحيما بهم، يتعهد حاضرهم، ويسأل عمن غاب منهم، ويسلّم عليهم، ويشمّت عاطسهم، ويواسي فقيرهم، ويعين ضعيفهم، ويشاركهم في السراء والضراء، ويعود مريضهم، ويشيّع ميتهم، ويكسو عاريهم، ويشبع جائعهم، ويرعى أراملهم، وأيتامهم، ويجالس فقراءهم والأعبد منهم، ويحنّك أطفالهم، ويبارك عليهم، ويداعب صبيانهم ليدخل السرور على نفوسهم. ما رؤي مادّا رجليه بينهم، ولا عابسا في وجه أحد منهم، ولا استأثر عليهم بشيء لنفسه ولا لأهله، ولما عرض عليه صاحباه في ركوب البعير في غزوة بدر أن يعفياه من نوبته في المشي أبى، وقال: «ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما» . وكان مع أصحابه في سفر، فذبحوا شاة، فقال واحد منهم: عليّ ذبحها، وقال الاخر: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، فقال رسول الله: «وعليّ جمع الحطب» فقالوا: يا رسول الله نحن نكفيك العمل، فقال: «علمت أنكم تكفوني، ولكني أكره أن أتميز عليكم، وإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه» ، وفي حجة الوداع ذهب ليشرب من السقاية، فأراد عمه العباس أن يميزه بشراب خاص من البيت، فأبى وقال: «لا أشرب إلا مما يشرب منه الناس» . وكان كذلك لا يميز أهله بشيء، ففي قصة المخزومية التي سرقت، وأرادوا أن يشفعوا في عدم إقامة الحد عليها قال: «وايم الله: لو أن فاطمة بنت

стр. 1192

محمد سرقت لقطع محمد يدها» «١» ، ولما جاءت ابنته فاطمة تطلب منه خادما من السبي وقد مجلت «٢» يداها من الرحى والعمل، أبى وعلّمها وزوجها دعوات يدعوان بها عند النوم وقال: «لا أعطيكم وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم» «٣» . وروى أصل القصة البخاري «٤» . وكان يستعين بالخاصة على العامة ويقول: «أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغي، فإنه من أبلغ حاجة من لا يستطيع إبلاغها امنه الله يوم الفزع الأكبر» وكان لا يأخذ أحدا بذنب أحد، ولا يصدّق أحدا على أحد، وروي عنه أنه قال: «لا يبلّغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» . فهل رأيت في باب الحرص على الوقوف على أحوال الأمة، وإزالة شكاواها، وقطع باب السعاية والوشاية بالرعية أبلغ من هذا؟!! فلا عجب وهذا بعض ما كان يعامل به أصحابه أن أحبوه أكثر من حبهم أنفسهم، وأن فدوه بابائهم وأمهاتهم وأنفسهم، حتى شهد بذلك الأصدقاء والأعداء.

стр. 1193

النبي الرؤوف الرحيم وأما رحمته وشفقته على جميع الخلق فحدّث عنها ولا حرج، وبحسبه شرفا أن الله وصفه باسمين من أسمائه فقال: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ، وقد اذاه قومه وعشيرته أشد الإيذاء، فوضعوا الشوك في طريقه، والقذر على بابه، وحاولوا خنقه وقتله، ووطئوا رأسه وهو يصلي، ووضعوا سلا الجزور على ظهره، ومع ذلك كان يقول: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» . ولما ذهب إلى ثقيف داعيا إلى الإسلام، فأبوا وأغروا به الصبيان والسفهاء حتى أدموا عقبه، أرصد الله له في الطريق وهو راجع ملكا من ملائكته، وعرض عليه أن يهلكهم، فأبى وقال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا» «١» ، وفي رواية: فقال له جبريل: «صدق من سمّاك الرؤوف الرحيم» . ومن المثل الرائعة في هذا ما رواه البزار بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ يستعينه في شيء- قال عكرمة أراه قال في دم يعني دية- فأعطاه رسول الله ﷺ شيئا، ثم قال: «أحسنت إليك؟» قال الأعرابي: لا، ولا أجملت!! فغضب بعض المسلمين، وهمّوا أن يقوموا إليه، فأشار رسول الله ﷺ : أن كفّوا، فلما قام رسول الله ﷺ وبلغ إلى منزله دعا الأعرابي إلى البيت، وزاده شيئا، وقال: «أأحسنت إليك؟» فقال الأعرابي:

стр. 1194

نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا!! فقال له النبي ﷺ : «إنك قلت ما قلت وفي نفسي أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك» قال: نعم، فلما كان الغد أو العشية جاء، فقال ﷺ : «إن هذا الأعرابي قال ما قال، فزدناه، فزعم أنه رضي، أكذلك» قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا!! فقال ﷺ : «إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل له ناقة شردت عليه، فاتّبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفورا، فناداهم صاحبها: خلّوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها منكم وأعلم، فتوجه إليها وأخذ لها من قمام الأرض ودعاها، حتى جاءت واستناخت، وشدّ عليها رحلها، واستوى عليها، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال، فقتلتموه دخل النار «١» » وسند القصة وإن كان فيه راو ضعيف إلا أنه يؤخذ به في باب الفضائل. وفي الحق أن هذا الحديث فيه نور من نور النبوة، وروعة في التمثيل لا يقدر عليها، ولن يكون مصدرها إلا النبي صلوات الله وسلامه عليه، ومع كون المثل ليس بالأمر الغريب عن البيئة العربية، إلا أن النبي الفصيح البليغ ألبسه ثوبا قشيبا حتى بدا غاية في الروعة وغاية في التأثير، هذا إلى ما بين الممثّل به، والممثّل له من التطابق البديع، والتوافق العجيب!!. ومن رحمته بأمته تخفيفه وتسهيله عليهم وكراهته المواظبة على بعض السنن كالتراويح مخافة أن تفرض عليهم، وكراهته كثرة سؤالهم حتى لا يكون سببا في تحريم ما سكت الله عنه رحمة بهم، وقد شملت رحمته المؤمن والكافر، والصديق والعدو، والإنسان والحيوان والطير، ولما قالوا له: إنّ لنا في البهائم لأجرا؟ قال: «في كل كبد رطبة أجر» ونهى، بل (لعن من اتخذ الحيوان غرضا) «٢» ، وكان من رحمته أنه يميل الإناء للهرة لتشرب منه، ومرض ديك له فقام على تمريضه،

стр. 1195

وقال: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت، فلا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» «١» ، وكذلك شملت رحمته الإنس والجن وصدق الله حيث يقول: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ. ومن كل ذلك- وغيره أكثر منه- يتبيّن لنا شفقته ﷺ على الأمة، وحرصه البالغ على حياتهم، وإرشادهم إلى الصراط المستقيم، وإلى تحصيل السعادتين الدينية والدنيوية، وإنا لنلمس هذا المعنى الجليل في قوله ﷺ : «إن مثلي ومثل أمتي، كمثل رجل استوقد نارا، فجعل الفراش والدواب يقعن فيها، وجعل يحجزهن، ويغلبنه، ويتقحّمن فيها، فهذا مثلي ومثلكم، فأنا اخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقحّمون فيها» «٢» وإنها لروعة في التمثيل مع البساطة لا ينقضي منها العجب!!.
следующие страницы →