← Сира

Сира · id 9896

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

محمد أبو شهبة

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الباب الثالث من البعثة إلى الهجرة الفصل الأول: النبوّة. الفصل الثاني: أطوار الدعوة إلى الإسلام. الفصل الثالث: الجهر بالدعوة وما صاحبه من إيذاء وإغراء. الفصل الرابع: أحداث هامة في العهد المكيّ. الفصل الخامس: الذهاب إلى الطائف. الفصل السادس: الإسراء والمعراج. الفصل السابع: عرض رسول الله نفسه على قبائل العرب في موسم الحج. الفصل الثامن: الهجرة إلى المدينة.

стр. 247

الفصل الأوّل النّبوّة ولما بلغ رسول الله ﷺ الأربعين من عمره المبارك نبّأه الله، وأوحى إليه، وكان ذلك في ربيع الأول. وكان أول ما بدىء به النبي من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا تحقق صدقها، ورؤيا الأنبياء وحي، وقد مكث على هذه الحال ستة أشهر حتى نزل عليه جبريل الأمين بالوحي القراني، وذلك في السابع عشر من رمضان من هذا العام على ما عليه المحققون من العلماء، قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ «١» يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) «٢» . وكان التقاء الجمعين في بدر في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة بالإجماع. ابتداء نزول القران وقد كان أول ما نزل من القران في هذا اليوم المشهود الفذّ خمس ايات من صدر سورة اقرأ، وهي:

стр. 248

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) «١» . وكان ذلك في رمضان حسبما قال : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ (١٨٥) «٢» . وكان ذلك في ليلة القدر كما قال عز شأنه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) ... «٣» . وهي الليلة المباركة التي ذكرها الله في قوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) «٤» . وقد كانت طلائع الوحي الإلهي فيها إشادة بالقلم وخطره، وبالعلم ومنزلته في بناء الشعوب والأمم، فما أصدقها من طلائع تجعل العلم والمعرفة من أخص خصائص الإنسان.

стр. 249

رجوع النبي لخديجة وبعد نزول هذه الايات الخمس في قصة مثيرة التقت فيها البشرية بالملائكية على غير عهد سابق رجع النبي ﷺ وهو يرتعد من شدة الخوف، حتى أتى السيدة خديجة فأخبرها بما جرى، وقال لها: «لقد خشيت على نفسي» فطمأنته وأكدت له أنه ما كان الله ليخزيه أبدا، وقالت له: «أبشر يا ابن عم، فو الذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة» «١» . إلى ورقة بن نوفل ثم انطلقت به خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان ممن تنصّر في الجاهلية، وعنده علم بالتوراة والإنجيل، وكان ممن يعبد الله ويواحده، فقص عليه النبي قصته فبشره بالنبوة، وقال له: هذا هو الناموس «٢» الذي كان ينزل على موسى، وأخبره بما سيجده من قومه من عنت وأذى، وأنهم سيخرجونه من بلده مكة، وتمنى لو أدركته الرسالة لينصره نصرا مؤزرا، ولكن ورقة لم يلبث أن توفي بعد أن امن بالنبي وصدق به. قصة بدء الوحي كما رواها الشيخان وإليك ما رواه الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحيهما «٣» بسندهما واللفظ للبخاري- عن عائشة- ﵂ قالت: «أول ما بدىء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة «٤» في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح «٥» ، ثم حبّب إليه الخلاء، وكان

стр. 250

يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه- وهو التعبد- «١» الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع «٢» إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارىء» قال: فأخذني، فغطّني «٣» ، حتى بلغ مني الجهد «٤» ، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: «ما أنا بقارىء» فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: «ما أنا بقارىء» فأخذني فغطّني الثالثة «٥» ثم أرسلني، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) . فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده «٦» فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: زمّلوني «٧» ، زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع «٨» ، فقال لخديجة- وأخبرها الخبر-: لقد خشيت على نفسي «٩» ، فقالت

стр. 251

خديجة: كلا، والله ما يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ «١» ، وتكسب المعدوم «٢» وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق «٣» - وفي بعض الروايات زيادة- وتصدق الحديث- وفي بعضها- وتؤدي الأمانة «٤» . فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى ابن عم خديجة، وكان امرا قد تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزله الله على موسى «٥» ، يا ليتني فيها جذعا» ، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : «أو مخرجيّ هم» ؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا «٧» . ثم لم ينشب «٨» ورقة أن توفي، وفتر الوحي. رواية لابن إسحاق وفي رواية ابن إسحاق عن عبيد بن عمير مرسلا: قال النبي ﷺ :

стр. 252

«جاءني جبريل، وأنا نائم بنمط من ديباج «١» فيه كتاب فقال: اقرأ ... » الخ، فظاهر هذا أنه كان مناما. والمعوّل عليه ما في الصحيحين، وأن ذلك كان في اليقظة لا في المنام، وإن ثبت ما ذكره ابن إسحاق فيكون ما حدث في المنام كان قبل ذلك توطئة لما حدث في اليقظة، ففي مغازي موسى بن عقبة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: «أرأيتك الذي كنت حدثتك أني رأيت في المنام، فإنه جبريل استعلن إلي، أرسله إلي ربي وأخبرها بالذي جاءه من الله، وما سمع منه، فقالت: أبشر فو الله لا يفعل الله بك إلا خيرا» «٢» . فترة الوحي وقد فتر الوحي بعد ذلك فترة، وقد اختلف في مقدارها فقيل: كانت أياما، روى هذا ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس، وروي أن أقصاها أربعون يوما، وقيل: ستة أشهر، وقيل: سنتان ونصف، وقيل: ثلاث سنين، ونسب هذا إلى ابن إسحاق، والذي في السيرة لابن هشام عن ابن إسحاق عدم التحديد بمدة «٣» . والذي أرجّحه وأميل إليه هو الأول، وأن أقصاها أربعون يوما، ويليه القول الثاني، وأما القولان الأخيران فإني أستبعدهما، فالفترة إنما كانت ليسترد النبي ﷺ أنفاسه مما حدث له من ضغط جبريل، وما عراه من الهول والفزع لأول لقاء بين بشر وملك، وليحصل للنبي الشوق إلى لقاء جبريل بعد هذه الفترة. أما أن يقضي النبي ثلاث سنين أو سنتين ونصف سنة من عمر الدعوة الإسلامية من غير وحي ودعوة فهذا ما لا تقبله العقول، ولا يدل عليه نقل صحيح، وفي هذه الفترة كان النبي يداوم الذهاب إلى حراء، وإلى ما جاوره

стр. 253

من الجبال عسى أن يجد هذا الذي جاءه بحراء حتى وصل جبريل ما انفصم، وعاد الوحي وتتابع. رواية موهمة وفي بعض روايات صحيح البخاري «١» : «ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا «٢» - حزنا غدا منه مرارا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدّى له جبريل، فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل فقال له مثل ذلك» . وهذه الرواية ليست على شرط الصحيح لأنها من البلاغات، وهي من قبيل المنقطع، والمنقطع من أنواع الضعيف، والبخاري لا يخرج إلا الأحاديث المسندة المتصلة برواية العدول الضابطين، ولعل البخاري ذكرها لينبهنا إلى مخالفتها لما صح عنده من حديث بدء الوحي، الذي لم تذكر فيه هذه الزيادة. ولو أن هذه الرواية كانت صحيحة لأوّلناها تأويلا مقبولا، أما وهي على هذه الحالة فلا نكلف أنفسنا عناء البحث عن مخرج لها. وأيضا فإن ما استفاض من سيرته ﷺ يرد ذلك، فقد حدثت له حالات أثناء الدعوة إلى ربه أشد وأقسى من هذه الحالة، فما فكر في الانتحار بأن يلقي نفسه من شاهق جبل أو يبخع نفسه، وسترى فيما يأتي أنه لما عرض عليه عمه أن يكف عن قريش، ويبقي عليه وعلى نفسه، وكان عمه هو ناصره الوحيد من

стр. 254

أهله قال هذه القولة: «والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه، ما تركته» !! ونحن لا ننكر أنه ﷺ قد حصلت له حالة أسى وحزن عميقين على انقطاع الوحي خشية أن يكون ذلك عدم رضا من الله، وهو الذي كان يهون عليه كل شيء من لأواء الحياة وشدائدها ما دام ذلك في سبيل الله، وفيه رضا الله، وهو القائل في ساعة من ساعات الكرب، والضيق، والشدة، لما ناله ما ناله من سفهاء ثقيف مخاطبا ربه: «إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي!!» . كان يمكننا أن نقول: إنّ ظن حدوث غضب الله وسخطه تجوّز للمخلصين من عباد الله أن يهلكوا أنفسهم ويذهبوها ترضية لله، وخوفا منه، ولكنا لا نرى هذا لأن حالة الرواية كما سمعت، ولأنها تخالف المعروف المشهور من سيرته ﷺ . والتعليل الصحيح لكثرة غشيانه ﷺ في مدة الفترة رؤوس الجبال وشواهقها، أنّ الإنسان إذا حصل له خير أو نعمة في مكان ما فإنه يحب هذا المكان، ويتلمس فيه ما افتقده، فلما انقطع الوحي صار ﷺ يكثر من ارتياد قمم الجبال، ولا سيما حراء، رجاء أنه إن لم يجد جبريل في حراء، فليجده في غيره، فراه راوي هذه الزيادة وهو يرتاد الجبال، فظن أنه يريد هذا، وقد أخطأ الراوي المجهول في ظنه قطعا. وليس أدل على ضعف هذه الزيادة وتهافتها من أن جبريل كان يقول للنبي كلما أو فى بذروة جبل: «يا محمد إنك رسول الله حقا» وأنه كرر ذلك مرارا، ولو صح هذا لكانت مرة واحدة تكفي في تثبيت النبي وصرفه عما حدّثته به نفسه كما زعموا، وقد نحا إلى ما نحوت بعض كتاب السيرة المحدثين المسلمين «١» .

стр. 255

الوحي وأنواعه الوحي في اللغة: يطلق على الإعلام الخفي السريع وهو أعم من أن يكون بإشارة، أو كتابة، أو رسالة، أو إلهام غريزي أو غير غريزي، وهو بهذا المعنى اللغوي لا يختص بالأنبياء، ولا بكونه من عند الله «١» . وأما معناه الشرعي: فهو إعلام الله أنبياءه ورسله بما يريد أن يبلغه إليهم من شرع، أو كتاب، بواسطة أو بغير واسطة «٢» ، فهو أخص من المعنى اللغوي لخصوص مصدره ومورده «٣» . وقد يعرّف بأنه (عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين أنه من عند الله) «٤» . وقد يعرّف بأنه: (ما أنزله الله على أنبيائه، وعرفهم به من أنباء الغيب، والشرائع) «٥» . إمكان الوحي ووقوعه مبنى الوحي ومداره على أمرين: الأول: وجود موح وهو الله ، ووجود الملك الذي يبلّغ الوحي وينقله من الله إلى الأنبياء والرسل، والملك جسم نوراني لا يرى، ولكنه قادر على التشكل بالأشكال المختلفة الحسنة، والتنقل بالسرعة الفائقة، وقد يراه على حقيقته بعض أنبياء الله ورسله. الثاني: وجود نفس بشرية صافية عندها استعداد خاص لتلقي الوحي من الله مباشرة، أو من الملك.

стр. 256

أما الأول: فالله قام على وجوب وجوده الدلائل العقلية، والافاقية، والأنفسية والتنزيلية. وأما الملائكة فقد أخبر بوجودهم الأنبياء، وتواترت على ذلك الكتاب السماوية كلها بما لا يدع مجالا للشك في وجودهم، وأجمع على وجودهم أهل الأديان جميعا. والفلاسفة قديما وحديثا- إلا الشرذمة المادية- يقرون بوجود عالم غير محسوس وراء هذا العالم المحسوس، وأن الإنسان ليس جسما ماديا فحسب، وإنما هو جسم وروح. وإذا ثبت وجود عالم وراء هذا العالم المحسوس لم يبق مجال إذا- وقد أخبر بوجودهم الأنبياء والرسل، والكتاب السماوية- لإنكار وجود الملائكة. وأما الثاني: وهو استعداد النبي أو الرسول للتلقّي عن الله، أو عن الملك، فهو أمر ممكن؛ إذ الأنبياء والرسل لهم من سمو فطرتهم، وصفاء أرواحهم وإعداد الله سبحانه لهم إعدادا خاصا: جسمانيا، وروحيا ما يؤهلهم لتلقي الوحي من الله، أو الملك الموكل بذلك، والفهم منه، وليس لنا في هذا أن نقيس الغائب على الشاهد، أو عالم الروح على عالم الحس والمادة، وإلا ضللنا عن الصراط المستقيم. وإذا ثبت هذان الأمران فقد ثبت- ولا محالة- إمكان الوحي، وأنه لا استحالة فيه، ومن ادّعى الاستحالة فعليه البيان، وأن يقيم على ذلك البرهان، ثم إن بعض المخترعات الحديثة، كاللاسلكي، والمذياع، والتليفزيون، ونحوها تمكن الإنسان بوساطتها أن يبلغ الكلام أو الصورة إلى من هو أبعد من مصدره بألوف الأميال، فإذا توصل الإنسان- على عجزه- إلى هذه الوسائل، أفنستبعد على خالق القوى والقدر، العليم الخبير، أن يبلّغ رسله ما يريد بوساطة أو بغيرها؟! وأن يهيىء للموحى إليه من الوسائل ما يجعله مستعدا لتلقّي الوحي؟! وإذا ثبت أن الوحي ممكن، وأن كل ممكن أخبر بوقوعه الصادق المصدوق ﷺ فهو واقع كانت النتيجة: أن الوحي ثابت، وواقع لا محالة.

стр. 257

أقسام الوحي الشرعي للوحي أنواع كثيرة أهمها: ١- تكليم الله نبيه بما يريد من وراء حجاب ، إما في اليقظة، وذلك مثل تكليم الله موسى ﵇، ومثل ما حدث لنبينا محمد ﵊ ليلة الإسراء والمعراج. وإما في المنام كما في حديث ابن عباس ومعاذ عن النبي ﷺ قال: «أتاني ربي، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ ... » «١» رواه أحمد في مسنده، والترمذي في سننه، وقال: حسن صحيح، وعبد الرزاق، والطبراني عن ابن عباس، والترمذي، وابن مردويه، والطبراني من حديث معاذ. والذي عليه السلف الصالح من أهل السنة والجماعة أن نبي الله موسى، ونبينا محمدا عليهما الصلاة والسلام سمعا كلام الله الأزلي القديم الذي هو صفة من صفاته، وليس المسموع الكلام النفسي كما زعم الأشاعرة، وليس المسموع الكلام الذي خلقه الله في الشجرة كما زعم المعتزلة. ٢- إعلام الله أنبياءه بوساطة جبريل ، وهذا هو ما يعرف «بالوحي الجلي» ولذلك حالات: (أ) أن يبدو جبريل في صورته التي خلقه الله عليها وهي حالة نادرة، ولم ير النبي ﷺ جبريل على هذه الحالة إلا مرتين: مرة وهو نازل بعد فترة الوحي من غار حراء، ومرة وهو في السماء ليلة الإسراء والمعراج. (ب) أن يأتي جبريل في صورة رجل، وكان يأتي غالبا في صورة دحية الكلبيّ «٢» ، ويراه الحاضرون، ويسمعون قوله، ولا يعرفون حقيقته، أو في صورة رجل غير معروف، وذلك كما في حديث جبريل المشهور في السؤال عن الإيمان، والإسلام، والإحسان رواه الشيخان وغيرهما.

стр. 258

(ج) أن يأتي في صورته الملكية، وفي هذه الحالة لا يرى، ولكن يصحب مجيئه صوت كصوت الجرس، أو كدوي النحل، وفي هذه الحالة يتحوّل النبي من حالته البشرية الخالصة إلى حالة يحصل فيها استعداد للتلقي عن الملك، وهي أشد الحالات على النبي ﷺ «١» ، فتأخذه حالة كحالة الرحضاء «٢» ، فيربدّ وجهه، ويغطّ غطيط «٣» النائم، ويتصبب عرقه، ويثقل جسمه، حتى إنه إن كان راكبا ناقة تزم من الثقل، وإن جاءت فخذه على فخذ إنسان تكاد ترضّها. ٣- القذف في القلب: بأن يلقي الله أو جبريل في قلب النبي ما يريد من الوحي مع تيقنه أن ما ألقي إليه من قبل الله تعالى، وذلك مثل ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن روح القدس «٤» نفث في روعي «٥» : لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنّ أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته» رواه ابن أبي الدنيا في كتاب «القناعة» ، وابن ماجه، والحاكم في المستدرك وصححه، والطبراني، وأبو نعيم في الحلية. ٤- الإلهام: وهو العلم الذي يلقيه الله تعالى في قلب نبيه، وعلى لسانه عند الاجتهاد في الأحكام، ويدل عليه قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) «٦» . إذ المراد بالوحي في الاية الإلهام أو المنام لمقابلته للقسمين الاخرين:

стр. 259

التكليم من وراء حجاب، أو بوساطة رسول وهو جبريل. وبالتأمل في الاية نرى أنها تدل على جميع الأنواع التي ذكرتها، والفرق بين إلهام الأنبياء وإلهام غيرهم، أن الأول يكون مصحوبا بالعلم أنه من عند الله، ولا كذلك غيرهم. ٥- الرؤيا في المنام: ورؤيا الأنبياء وحي، وذلك مثل رؤيا الخليل إبراهيم- ﵇ أنه يذبح ولده إسماعيل، ورؤيا نبينا محمد ﷺ أنهم سيدخلون المسجد الحرام امنين محلّقين رؤوسهم ومقصّرين «١» ، وفي حديث بدء الوحي السابق: «أول ما بدىء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم» . والوحي بجميع أنواعه يصحبه علم يقيني ضروري من الموحى إليه بأن ما ألقي إليه حق من عند الله، ليس من خطرات النفس، ولا نزغات الشيطان، وهذا العلم اليقيني لا يحتاج إلى مقدمات، وإنما هو من قبيل إدراك الأمور الوجدانية كالجوع والعطش ونحوهما. بطلان فكرة الوحي النفسي لقد حاول الماديون الذين لا يؤمنون بوجود قوى روحية غيبية وراء المادة، ومن على شاكلتهم ممن يحملون الحقد والضغن للإسلام والنبي ﷺ أن يشككوا في الوحي المحمدي، فنفوا أن يكون وحيا من خارج نفس النبي، وقالوا: إنه وحي من داخل نفسه، وليس هناك ملك ألقى شيئا من الله، فإن عالم الغيب الذي تقولون: إنه وراء عالم المادة والطبيعة لم يثبت عندنا وجوده، كما أنه لم يثبت عندنا ما ينفيه ويلحقه بالمحال، ونحن نفسر الظواهر غير المعتادة بما عرفنا وثبت عندنا دون ما لم يثبت، فهذا الوحي الذي أخبر به محمد إنما هو إلهام كان يفيض من نفس النبي الموحى إليه لا من الخارج. ذلك أن منازع نفسه العالية، وسريرته الطاهرة، وقوة إيمانه بالله وبوجوب عبادته، وترك ما سواها من عبادة وثنية، وتقاليد وراثية رديئة يكون لها في جملتها

стр. 260

من التأثير ما يتجلّى في ذهنه، ويحدث في عقله الباطن الرؤى والأحوال الروحية، فيتصور ما يعتقد وجوبه إرشادا إلهيا نازلا عليه من السماء، وقد يسمعه يقول ذلك، وإنما يرى ويسمع ما يعتقده في اليقظة، كما يرى ويسمع مثل ذلك في المنام الذي هو مظهر من مظاهر الوحي عند الأنبياء، فكل ما يخبر به النبي من كلام ألقي في روعه، أو عن ملك ألقاه على سمعه فهو خبر صادق عنده، ولكن تفسيره عندنا ما ذكرنا من أن ما تخيله إنما هو نابع من نفسه ومن عقله الباطن. ولأجل أن يؤيدوا فكرتهم الباطلة هذه ذكروا مقدّمات زعموا أنها كانت أساس هذا العلم النفسي الباطني الذي فاض على لسان النبي وقال إنه وحي، فزعموا أنه استفاد من رحلاته مع عمه أبي طالب التي لقي فيها الأعراب وسمع منهم، وأحبار اليهود والنصارى وأخذه عنهم، وأنه استفاد أيضا معلوماته عن اليهودية والنصرانية بسبب انتشار هاتين الديانتين في بلاد العرب، وما سمعه من متنصّرة العرب: كقس، وأمية بن أبي الصلت، وورقة بن نوفل، وأنه استفاد أيضا من رحلتي الشتاء والصيف، ومن الخلوة بغار حراء، وانقطاعه إلى عبادة الله، والتأمل والتفكير في خلق السموات والأرض، حتى خيّل إليه أنه النبي المنتظر الذي سيبعثه الله لهداية البشر، بل وسمع الكثير من القصص من اليهود والنصارى الذين كانوا يسكنون جزيرة العرب ولا سيما مكة التي كان فيها جالية كبيرة من النصارى، ولقد حاول درمنغم أن يثبت تعرّف النبيّ بكثير من النصارى بمكة، حتى ليخيل لقارىء ما كتب أن النبي كان يعيش في بيئة نصرانية «١» . تفنيد هذه الفكرة أما هذه الأمور التي استندوا إليها فهي من خيالهم، وقد قدّمت الرد عليهم في كثير من هذه الادعاات، وأنهم تقوّلوا على التاريخ وعلى الواقع حينما زعموا هذه المزاعم، وأن النبي لم يأخذ عن أحد من أهل الكتاب، ولا عن متنصّرة العرب شيئا، وإلا لواجهوه بالحقيقة حينما جادلهم وفند مذاهبهم، وأبطل عقائدهم، ثم إن النصرانية كما شهد بذلك الأحرار من النصارى كانت فاسدة،

стр. 261

محرّفة، مبدّلة، فغير معقول أن تكون مصدرا لما جاء به النبي ﷺ من عقيدة صحيحة، وتوحيد خالص لله. والنصارى الذين كانوا في مكة كانوا خدما أو صنّاعا، ولم يكونوا من أهل العلم والمعرفة حتى يأخذ النبي عنهم، ولما ادّعى بعض المشركين مثل هذه الدعوى، وزعموا أن النبي تعلم من (جبر) الرومي النصراني رد الله عليهم بقوله: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ، لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ «١» . وإذا ثبت بطلان المقدمات التي ذكروها ثبت بطلان ما أدّت إليه من نتيجة. ثم إنّ فكرة الوحي النفسي كما صوّروه مبنية على وجود معلومات وأفكار مدّخرة في العقل الباطن وأنها تظهر في صورة رؤى، ثم تقوى فيخيّل إلى صاحبها أنها حقائق خارجية، فهل كان الدين الذي جاء به نبينا محمد بعقائده وتشريعاته: في العبادات والمعاملات، والحدود والجنائيات، والاقتصاد والسياسة والأخلاق والاداب مركوزا مدّخرا في نفس النبي؟!. هذا ما تنكره العقول بداهة لأن ما جاء به النبي في العقائد يعتبر مناقضا لكل ما كان سائدا في العالم حينئذ من عقائد كالوثنية، والمجوسية، والثنوية «٢» ، والتأليه، والتثليث والصلب، وإنكار البعث واليوم الاخر، وكذلك جاء النبي بتشريعات لم تأت بها شريعة أخرى، واشتمل القران على أسرار في الكون والأنفس ما كانت تخطر على بال بشرقط، ولم يظهر تأويلها إلا بعد تقدم العلوم في العصر الحديث، فكيف تكون هذه الأسرار والعلوم من داخل نفس النبي ﷺ ؟! وأيضا فإن الوحي قد انقطع فترة بعد نزول صدر سورة «اقرأ» فكيف سكت النبي طوال هذه المدة، وهو هو صاحب العقل الباطن المملوء بالمعارف، والوجدان الملتهب، والنفس المتوثبة للإصلاح؟!!

стр. 262

ثم إن العقل الباطن- على ما يقول علماء النفس- إنما يفيض بما فيه في غفلة من العقل الظاهر، ولذلك لا يظهر ما فيه إلا عن طريق الرؤى والأحلام والأمراض كالحمّى مثلا، والقران الكريم نزل على النبي ﷺ وهو في اليقظة، وفي اكتمال من عقله وبدنه، ولم ينزل منه شيء في الرؤى والنوم، وهكذا ترى أن ما استندوا إليه من فكرة العقل الباطن لا تساعدهم بل ترد عليهم. بطلان ما زعموا أنه صرع وقد أسفّ بعض المبشّرين والمستشرقين، فزعموا أن الحالة التي كانت تعتري النبي عند تلقي الوحي من جبريل، وهو على حالته الملكية، وهي الحالة التي كان يغيب فيها النبي عن الناس، وعما حوله، ويسمع له غطيط، ويتصبّب عرقه، ويثقل جسمه- هي حالة صرع تتمخض عما يخبر به أنه وحي. وإليك رد هذه الفرية لترى أنهم طعنوا في غير مطعن: ١- إن النبي ﷺ بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء كان أصح الناس بدنا، وأقواهم جسما، وأوصافه التي تناقلها الرواة الثقات تدل على البطولة الجسمانية، وقد بلغ من قوته أنه صارع ركانة بن عبد يزيد فصرعه، وكان ركانة هذا مصارعا ماهرا، ما قدر أحد أن يأتي بجانبه إلى الأرض، ولما عرض عليه النبي الإسلام قال: صارعني فإن أنت غلبتني امنت أنك رسول الله، فتصارعا، فصرعه النبي، فقيل: إنه أسلم عقب ذلك «١» . والمصاب بالصرع لا يكون على هذه القوة، وقد شهد للنبي رجل غريب عن الإسلام، ولكنه منصف، قال الكاتب الأجنبي (بودلي) في كتابه «الرسول، حياة محمد» مفندا هذا الزعم: (لا يصاب بالصرع من كان في مثل الصحة التي كان يتمتاع بها محمد، حتى قبل وفاته بأسبوع واحد، وأن كل من تنتابه حالات الصرع كان يعتبر مجنونا، ولو كان هناك من يوصف بالعقل ورجاحته فهو محمد) !!

стр. 263

٢- إن مريض الصرع يصاب بالام حادة في كافة أعضاء جسمه، يحس بها إذا ما انتهت نوبة الصرع ويظل حزينا كاسف البال بسببها، وكثيرا ما يحاول مرضى الصرع الانتحار من قسوة ما يعانون من الام في النوبات، فلو كان ما يعتري النبي عند الوحي صرعا لأسف لذلك وحزن لوقوعه، ولسعد بانقطاع هذه الحالة عنه، ولكن الأمر كان على خلاف ذلك. لقد انقطع الوحي عن الرسول مدة فحزن لذلك حزنا شديدا، وكان يذهب إلى غار حراء وقمم الجبال عسى أن يعثر على الملك الذي جاءه بحراء، وبقي محزون النفس من هذه الحالة، حتى سرّى عنه ربه بوصل ما انفصم من الوحي، وعادت المياه إلى مجاريها. ٣- إن الوحي لم يكن يأتي النبي ﷺ على هذه الحالة التي قالوا عنها إنها صرع إلا أحيانا، وأحيانا كان يأتيه وهو في حالته الطبيعية، فلا غيبوبة، ولا عرق، ولا غطيط، وذلك حينما كان يأتيه جبريل في صورة رجل، وذلك كما حدث في حديث جبريل المشهور. ويدل على هاتين الحالتين الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟» ، قال رسول الله ﷺ : «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» «١» قالت عائشة: «ولقد رأيته حين ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصّد «٢» عرقا» «٣» . ٤- إن الثابت علميا أن المصروع أثناء الصرع يتعطل تفكيره وإدراكه تعطلا تاما، فلا يدري المريض في نوبته شيئا عما يدور حوله، ولا ما يجيش في

стр. 264

نفسه، كما أنه يغيب عن صوابه وتعتريه تشنجات تتوقف فيها حركة الشعور، ويصبح المريض بلا إحساس. ولكن النبي ﷺ كان بعد الوحي يتلو على الناس ايات بيّنات، وتشريعات محكمات، وعظات بليغات، وأخلاقا عالية، وكلاما بلغ الغاية في الفصاحة والبلاغة، تحدّى به الناس أن يأتوا بأقصر سورة منه فعجزوا وما استطاعوا، فهل يعقل من المصروع أن يأتي بشيء من هذا؟! اللهم إن هذا أمر لا يجوز إلا في عقول المجانين إن كانت لهم عقول!! ٥- لما تقدّمت وسائل الطب، واستخدمت الأجهزة والكهرباء في التشخيص والعلاج، إذا بالطب يقدّم دليلا لا ينقض، ويقيم حجة لا تحتاج إلى مناقشة على كذب فرية الصرع، ويؤكد أن ما كان يعتري رسول الله ﷺ إنما هو وحي من الله ، ولا يمكن أن يكون شيئا اخر، لقد ثبت أن نوبات الصرع ناتجة عن تغيرات فسيولوجية عضوية في المخ، والدليل على ذلك أنه أمكن تسجيل تغيرات كهربائية في المخ في أثناء النوبات الصرعية مهما كان مظهرها الخارجي، وعلى أية صورة كانت هذه النوبات، ومهما ضعفت حدة هذه النوبات، ولقد أثبت الطب الحديث أخيرا بعد الاستعانة بالأجهزة والرسم الكهربائي على أن هناك مظاهر عديدة ومختلفة للنوبات الصرعية، وذلك تبعا لمراكز المخ التي تبدأ فيها التغيرات الكهربائية، وطريقة وسرعة انتشارها، وأهم أنواع الصرع ما يسمى بالنوبات الصرعية النفسية، وهو ما يشبه أن يكون النوع الذي افتراه الخصوم على الرسول بأنه مصاب به، وفي هذه الحالة تمر بذهن المريض ذكريات، أو أحلام مرئية، أو سمعية، أو الاثنان معا، وتسمى «بالهلاوس» ، وقد أثبت الطب أيضا أن الذكريات التي تمر بالمريض لا بدّ أن يكون قد عاش فيها المريض نفسه حتما إذ أن النوبة الصرعية ما هي إلا تنبيه لصورة أو صوت مرّ بالإنسان ثم احتفظ به في ثنايا المخ، وقد أمكن طبيا إجراء عملية التنبيه هذه بوساطة تيار كهربائي صناعي سلّط على جزء خاص في المخ، فشعر المريض بنفس «الهلاوس» التي تنتابه في أثناء نوبة الصرع، وكلما تكررت نوبة الصرع تكررت نفس الذكريات أو الهلاوس. فهذا مريض يسمع أغنية،

стр. 265

أو قطعة من شعر، أو حديثا من أي نوع كان في نوبة صرعه، ويتكرر سماعه لها في كل نوبة، ولا بدّ أن يكون ما سمعه من النوبة قد سمعه يوما ما في طفولته، أو شبابه، أو قبل مرضه، وكذلك إذا كانت النوبة تثير منظرا لا بدّ أن يكون قد مرّ عليه. وبتطبيق ما قرره الطب الحديث في حقائق الصرع على ما كان يعتري النبي ﷺ نجده يردّد ايات لا يمكن إطلاقا أن يكون قد سمعها من قبل في حياته، فهي ايات واردة من عند الحق قبل أن يعمر البشر الأرض، مثل قوله سبحانه: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) «١» . وايات أخرى فيها قول الله يوم القيامة مثل: حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) «٢» . وقوله سبحانه: قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) » . وكذلك الايات التي تحكي عصور ما قبل الإسلام، والمقاولات، والمحاورات التي جرت بين أقوام عاشوا قبل الرسول بالاف السنين وذلك مثل قوله سبحانه:

стр. 266

كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧) «١» . وقوله سبحانه: قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٢٥) «٢» . إلى غير ذلك من الايات التي تحكي قصص الأولين، أو تصف أحوال القيامة واليوم الاخر. ولما كانت هذه الأحاديث والأحوال لم تمر بالرسول قطعا فهي لم تختزن بالتالي في المخ لتثيرها نوبات صرعية فيتذكرها، وبذلك يقرر الطب الحديث في أحدث اكتشافاته بالنسبة للصرع أن الرسول ﷺ لا يمكن أن يكون هناك أدنى شبهة في إصابته بالصرع إطلاقا، وأن ما كان إنما هي حالة نفسية وجسدية لتلقّي الوحي الإلهي، هذا الوحي الذي أخبر الله فيه عما مضى، وعما يستقبل «٣» . ٦- ثم ما رأي هؤلاء الطاعنين، وفيهم من ينتمي إلى بعض الأديان في أنهم لا ينالون من نبي الله محمد واحده، وإنما ينالون من جميع أنبياء الله ورسله الذين كانت لهم كتب أو صحف أوحي بها من عند الله سبحانه!! فهل تطيب نفوسهم أن يخربوا بيوتهم قبل أن يخربوا بيوت غيرهم؟!! وما رأيهم فيما جاء في كتب العهد القديم والجديد من إيحاات ونبوات؟! وهل يقولون في وحي نبي الله موسى وعيسى- ﵉ ما يقولون في وحي خاتم الأنبياء محمد؟

стр. 267

اللهم إن هذا الطعن لا يفوه به إلا أحد رجلين: إما رجل مادي مخرّف، وإما رجل مخرّب مدمر يريد هدم الأديان!! إن الرسول ﷺ ليس ببدع من الرسل في باب الوحي، وإنه أوحي إليه كما أوحي إليهم، وصدق الحق ﵎ حيث يقول: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) «١» . وقال: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) «٢» . الرسالة أول ما نزل بعد فترة الوحي وفي أثناء فترة الوحي كان النبي يذهب إلى غار حراء، فيخلو فيه، ويتعبد به، وبينا هو نازل ذات يوم إذ سمع صوتا من السماء، فرفع رأسه فإذا جبريل في صورته التي خلقه الله عليها سادا ما بين الأفق، فرعب منه ثم رجع

стр. 268

إلى السيدة خديجة- ﵂ فقال: «زملوني، زملوني» فزملوه فأنزل الله عليه: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) «١» . فكانت أول ايات نزلت بعد فترة الوحي امرة بالإنذار، وداعية إلى توحيد الله، وتعظيمه، وعبادته واحده وترك عبادة غيره. يدل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يحدّث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: «فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء- أي جهتها- فرفعت بصري قبل السماء، فإذا الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت «٢» منه حتى هويت على الأرض، فجئت أهلي فقلت: «زملوني، زملوني، فزملوه، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ.. إلى قوله: فَاهْجُرْ ثم حمي الوحي وتتابع» . نزول سورة «الضحى» ويرى ابن إسحاق أنه نزل بعد فترة الوحي سورة «والضحى» ، قال في سيرته: ثم فتر الوحي عن رسول الله ﷺ فترة من ذلك حتى شقّ ذلك عليه، فأحزنه، فجاءه جبريل بسورة الضحى، يقسم له ربه، وهو الذي أكرمه بما أكرمه به: ما ودّعه ربه، وما قلاه، فقال تعالى:

стр. 269

وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى «١» (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) . ما صرمك أي قطعك فتركك، وما أبغضك منذ أحبك: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) . أي لما عندي في مرجعك إلي خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) . من الفلج «٢» في الدنيا، والثواب في الاخرة: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨) . يعرّفه الله ما ابتدأه به من كرامته في عاجل أمره، ومنّه عليه في يتمه، وعيلته «٣» ، وضلالته «٤» ، واستنقاذه من ذلك كله برحمته: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) . أي لا تكن جبارا، ولا متكبرا، ولا فحاشا فظا على الضعفاء من عباد الله: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) .

стр. 270

أي بما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوة «١» أي اذكرها، وادع إليها، فجعل رسول الله ﷺ يذكر ما أنعم الله به عليه وعلى العباد به من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله «٢» . وذكر الطبري في تفسيره نحو ذلك عن ابن عباس، وكذلك ذكر بعض كتاب السير قديما وحديثا، والحق أن أول ما نزل بعد فترة الوحي هي الايات من صدر سورة «المدثر» كما ذكرنا أولا، لأن ما في السيرة لا ينهض من جهة قوة السند لمقاومة ما في الصحيح، لأن هذه الروايات- كما قال الحافظ في الفتح- لا تثبت، وتكون سورة الضحى من أوائل ما نزل بعد فترة الوحي وليست أول ما نزل، والمؤلفون في علوم القران وترتيب السور في النزول لم يذكر أحد منهم أنها ثاني سورة نزلت من القران، وإنما قالوا: إنها من أوائل السور نزولا «٣» . والحق في سبب نزول «والضحى» هو ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن جندب «٤» بن سفيان البجلي قال: «اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلة، أو ليلتين، أو ثلاثا، فجاءت امرأة «٥» فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك «٦» منذ ليلتين أو ثلاثا، فأنزل الله : وَالضُّحى. وَاللَّيْلِ إِذا سَجى، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى.... وعلى هذا فتكون السورة نزلت في فترة أخرى غير هذه الفترة التي كانت بعد ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أكثر من ذلك كما ذكرت انفا، وأما هذه فلم تكن أكثر من ليلتين أو ثلاث، فاختلطتا واستبهمتا على بعض العلماء «٧» ، فكن على بيّنة من هذا التحقيق، وشدّ عليه بيديك.

стр. 271

الفصل الثاني أطوار الدّعوة الى الإسلام بدء الدعوة السرية وبعد نزول ايات المدثّر قام رسول الله ﷺ يدعو إلى الله وإلى الإسلام سرا، وكان طبعيا أن يبدأ بأهل بيته، وأصدقائه، وألصق الناس به. إسلام السيدة خديجة وكان أول من امن به من النساء، بل أول من امن به على الإطلاق زوجه السيدة خديجة- ﵂ ومن تأمل في حديث بدء الوحي الذي سقته انفا لا يشك في هذا، وكانت وزيرة صدق للنبي، ومسرّية عنه ما يجده من قومه، لا يسمع شيئا يكرهه من ردّ عليه، وتكذيب له، فيحزنه ذلك إلا فرّج الله عنه بها، إذا رجع إليها تثبته، وتخفف عنه، وتصدقه، وتهوّن عليه أمر الناس، وهكذا كانت تصل إلى شغاف قلبه بعطفها، وحبها، وتزيل عنه اثار الأذى بيديها، وتمسح ما عسى أن يكون علق بنفسه من الناس بحديثها المؤمن العذب. إسلام أبي بكر وأول من امن به من الرجال الأحرار، الأشراف، صديقه الحميم أبو بكر: عبد الله «١» بن عثمان- المعروف بأبي قحافة التّيمي- من بني تيم بن

стр. 272

مرة، شيخ الإسلام، والوزير الأول لرسول الله، والذي واساه بنفسه وماله، وأفضل الأمة الإسلامية بعد رسولها، وفيه قال رسول الله ﷺ : «ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة، وتردد، ونظر، إلا أبا بكر، ما عكم «١» حين دعوته، ولا تردّد فيه» . إسلام علي وأول من امن به من الصبيان ابن عمه، والمتربّي في حجره علي بن أبي طالب- ﵁ وكانت سنه إذ ذاك عشر سنين على أرجح الأقوال، وهو قول الطبري وابن إسحاق، وقد صار فيما بعد ختن رسول الله على ابنته السيدة فاطمة الزهراء، وهو أبو الحسن والحسين- ﵄. إسلام زيد بن حارثة وأول من امن به من الموالي «٢» حبّه، ومولاه، ومتبنّاه: زيد بن حارثة الكلبي الذي اثر رسول الله ﷺ على والده وأهله. إسلام بلال وأول من امن به من العبيد «٣» بلال بن رباح الحبشي مولى الطاغية أمية بن خلف، والذي صار فيما بعد مؤذن رسول الله ﷺ . بنات النبي وكذلك سارع إلى الإسلام بنات النبي ﷺ ، لأنه لا شك في تمسكهن قبل البعثة بما كان عليه أبوهن من الاستقامة وحسن السيرة، والتنزه عما كان يفعله أهل الجاهلية، من عبادة الأصنام والوقوع في الاثام، وفي اقتدائهن بأمهن في المسارعة إلى الإيمان، والبنت غالبا ما تتأثر بوالديها ولا سيما في مثل هذا السن، روى ابن إسحاق عن عائشة- ﵂ قالت: «لما أكرم الله نبيه بالنبوة أسلمت خديجة، وبناته» .

стр. 273

أول من أسلم وقد اختلف في أول من أسلم اختلافا كثيرا، فقيل: خديجة، وقيل: أبو بكر، وقيل: علي، وقيل غير ذلك، وذهب إلى كلّ فريق، وقد اثرت عدم الإفاضة في هذا هنا، وفصّلت القول فيه في كتابي «علوم الحديث» «١» . وهذا الذي اثرته هنا في التوفيق بين الأقوال المتضاربة هو ما روي عن الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان «وهو توفيق حسن، وهو الذي عليه بعض المحققين كابن الصلاح، والنووي حيث قال: والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال» «٢» . السابقون الأولون من أسلم من الصحابة بدعوة أبي بكر وكان أبو بكر- ﵁ رجلا مألفا «٣» لقومه، محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها، وبما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا ميسورا ذا خلق كريم، وصاحب معروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لهذه المعاني والصفات وغيرها. ولم يكتف بالمسارعة إلى الإيمان والتصديق بالنبي، بل قام بالدعوة إلى الإسلام سرا، وكان له فضل كبير في إسلام كثير من أشراف قريش وكبرائها، فأسلم بدعوته جماعة منهم:

стр. 274

عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي «١» . والزبير بن العوام بن خويلد، بن أسد، بن عبد العزى، بن قصي بن كلاب، ابن عمة النبي صفية. وعبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب. وسعد بن أبي وقاص واسمه: مالك بن أهيب «٢» ، بن عبد مناف، بن زهرة بن كلاب. وطلحة بن عبيد الله بن عثمان، بن عمرو، بن كعب، بن سعد، بن تيم، بن مرة. فجاء بهم أبو بكر إلى رسول الله ﷺ حين استجابوا له، فأسلموا وأصبحوا من جنود الإسلام المخلصين لدعوته. ولما أسلم الصديق وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية- وكان يدعى أسد قريش- فشدهما في وثاق «٣» واحد، ولم يمنعهما بنو تيم، فلذلك كان يقال لأبي بكر وطلحة «القرينان» . الرعيل الثاني ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، بن هلال، بن أهيب، ابن ضبة، بن الحارث، بن فهر. وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد، بن هلال، بن عبد الله، بن عمرو،

стр. 275

ابن مخزوم، بن يقظة، بن مرة، ابن عمة رسول الله ﷺ برة بنت عبد المطلب وأخوه من الرضاع. والأرقم بن أبي الأرقم، واسمه: عبد مناف، بن أسد، بن عبد الله، ابن عمر، بن مخزوم، بن يقظة، بن مرة، بن كعب، بن لؤي. وعثمان بن مظعون، بن حبيب، بن وهب، بن حذافة، بن جمح، ابن عمرو، بن هصيص، بن كعب، بن لؤي، وأخواه: قدامة، وعبد الله، ابنا مظعون بن حبيب. وعبيدة بن الحارث، بن المطلب، بن عبد مناف، بن قصي. وسعيد بن زيد، بن عمرو، بن نفيل، بن عبد العزّى، بن عبد الله، ابن قرط، بن رياح، بن رزاح، بن عدي، بن كعب، بن لؤي، وامرأته فاطمة بنت الخطاب بن نفيل أخت عمر بن الخطاب، فهي ابنة عم أبيه. وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وقد ذكر ابن إسحاق وغيره أختها عائشة أيضا، وهو وهم، لأن عائشة لم تكن ولدت، فكيف تكون أسلمت؟! وكان مولدها سنة أربع، وقيل سنة خمس بعد النبوة. وخباب بن الأرت «١» حليف بني زهرة، قال ابن هشام: خباب بن الأرت من بني تميم، ويقال: هو من خزاعة. الرعيل الثالث ثم أسلم عمير بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص. وعبد الله بن مسعود، بن الحارث، بن شمخ، بن مخزوم، بن صاهلة، ابن كاهل- بفتح الهاء-، بن الحارث، بن تميم، بن سعد، بن هذيل. ومسعود بن القاري، وهو مسعود بن ربيعة، بن عمرو، بن سعد، بن عبد العزّى، بن حمالة من القارة «٢» .

стр. 276

وسليط بن عمرو، وأخوه حاطب بن عمرو، وعيّاش بن أبي ربيعة، وامرأته أسماء بنت سلامة، وخنيس بن حذافة السهمي، وعامر بن ربيعة حليف ال الخطاب، وعبد الله بن جحش وأخوه أبو أحمد: عبد بن جحش من بني أسد حليفا بني أمية بن عبد شمس، وجعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت عميس، وحاطب بن الحارث، وامرأته فاطمة بنت المجلل، وأخوه خطاب بن الحارث، وامرأته فكيهة بنت يسار، وأخوهما، معمر بن الحارث، والسائب بن عثمان بن مظعون، والمطلب بن أزهر، وامرأته رملة بنت أبي عوف، والنحام بن عبد الله بن أسيد. وعامر بن فهيرة «١» مولى أبي بكر، وفهيرة أمه، وكان عبدا للطفيل بن الحارث بن سخبرة، فاشتراه الصديق وأعتقه، وخالد» بن سعيد بن العاص ابن أمية، بن عبد شمس، بن عبد مناف، بن قصي، وامرأته أمينة بنت خلف ويقال: همينة، وأبو حذيفة بن عتبة، بن ربيعة، بن عبد شمس، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف، وخالد وعامر وعاقل وإياس بنو البكير بن عبد ياليل، وعمار بن ياسر حليف بني مخزوم بن يقظة، وقال ابن هشام: عنسي من مذحج. وصهيب بن سنان أحد النمر بن قاسط حليف بني تيم بن مرة، ويقال: مولى عبد الله بن جدعان، فعلى أنه عربي يقال: إنه أسر وهو صغير، فنشأ ببلاد الروم، فصار ألكن «٣» ، فابتاعته منهم كلب ثم قدمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان، ويقال: إنه رومي وقد جاء في الحديث: «صهيب سابق الروم» .

стр. 277

ومن السابقين إلى الإسلام: أبوذر الغفاري، وأخوه أنيس، وأمه، وقصة إسلامه مبسوطة في صحيح البخاري، وفي صحيح مسلم «١» . وهكذا نجد أنه دخل في الإسلام أرسال من الرجال والنساء حتى فشا الإسلام بمكة، وتحدث به الناس في كل مكان. في دار الأرقم بن أبي الأرقم وكان الأرقم- ﵁ من السابقين الأولين كما رأيت، وكانت داره منتدى يجتمع فيه المسلمون، ويعبدون الله سرا، ويلقنهم النبي ﷺ الإسلام وأصوله، ويتعهّدهم بالتربية حتى كوّن منهم أناسا يستهينون بكل الالام والبلاء في سبيل دينهم وعقيدتهم، وكان من يريد الإسلام يأتي إليها مستخفيا خشية أن يناله أذى قريش، وكانت هذه الدار عند الصفا. ومكث رسول الله ﷺ وأصحابه في هذه الدار حتى أسلم الفاروق عمر بن الخطاب- ﵁ فاستعلنوا بعبادتهم وراغموا أهل مكة، وأذلوهم، وقد أعطى رسول الله الأرقم دارا بالمدينة، ولعل هذا مكافأة له على ما أدته داره بمكة من خدمة جليلة للإسلام في أول عهده، فلله هذه الدار التي فاقت أعظم مدارس العالم، وجامعات الدنيا، وخرّجت أعظم رجال عرفهم التاريخ، ولا تزال هذه الدار مفخرة خالدة للأرقم، وشذى يتضوّع إلى يوم القيامة. شجاعة للصديق ومحنة وعرض الصدّيق أبو بكر على رسول الله ﷺ وقد وصل عدد المسلمين حوالي ثمانية وثلاثين رجلا- أن يظهروا ويستعلنوا، فقال له: «يا أبا بكر إنا قليل» ولم يزل الصدّيق برسول الله حتى أذن لهم في الخروج إلى المسجد الحرام، وتفرق المسلمون فيه كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول الله جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله، وإلى رسول الله، وثار المشركون على أبي بكر والمسلمين، فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا،

стр. 278

ووطىء أبو بكر، وضرب ضربا مبرّحا، وجعل عتبة بن ربيعة يضربه بنعلين مخصوفتين، ويحرفهما لوجهه حتى فقد وعيه، فحمله بنو تيم إلى منزله، وقالوا: لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، وجعل أبو قحافة والد الصديق وقومه يكلمونه حتى أفاق، وأجاب اخر النهار «١» . فماذا كان من أبي بكر وقد أفاق؟ لقد كان أول ما قال: ما فعل رسول الله؟ فمسّوه بألسنتهم وعذلوه، فلما خلت به أمه قال لها: ما فعل رسول الله؟ فقالت: والله ما لي علم بصاحبك، فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه- وكانت تخفي إسلامها- فذهبت إليها وقالت: إن أبا بكر يسألك عن صاحبه محمد بن عبد الله؟ فقالت: ما أعرف أبا بكر، ولا محمد بن عبد الله!! وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك فعلت، قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا، دنفا، فدنت منه أم جميل، وصاحت قائلة: والله إن قوما نالوا منك هذا لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم، قال: فما فعل رسول الله؟ قالت: هذه أمك تسمع؛ قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سالم صالح! قال: أين هو؟ قالت: في دار الأرقم، قال: فإن لله عليّ ألاأذوق طعاما، ولا أشرب شرابا، أو اتي رسول الله ﷺ . فأمهلتاه حتى إذا هدأت الرجل «٢» ، وسكن الناس خرجتا به يتكىء عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله، فأكب عليه رسول الله فقبله، وقبله المسلمون، ورقّ له رسول الله ﷺ رقة شديدة، فقال: بأبي أنت وأمي ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برّة بولدها، وأنت مبارك، فادعها إلى الله، وادع لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار، فدعا لها رسول الله ﷺ ، ودعاها إلى الله، فأسلمت «٣» .

стр. 279

الفصل الثالث: [أطوار الدعوة] الجهر بالدّعوة وما صاحبه من إيذاء وإغراء ثم أمر الله رسول الله ﷺ بأن يصدع بالدعوة إلى الله، وكان ذلك بعد مضي ثلاث سنين من عمر الدعوة، فأنزل الله ﵎ قوله: فَاصْدَعْ «١» بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) «٢» . فجهر النبي بالدعوة، واستعلن بها هو وأصحابه، فلم يبعد منه قومه، ولم يردوا عليه، حتى عاب الهتهم، وسفّه أحلامهم، وبين لهم ما هم فيه من الضلالة والجهل والخرافات، فجاهروه وصحبه بالعداوة، وعزموا على مخالفته، عصبية وجهلا، ولمّا لم يمكنهم أن يقرعوا الحجة بالحجة، وأفحموا، لجأوا إلى السباب والشتم، والإيذاء، والتعذيب؛ ومن ثم بدأ دور المحنة والبلاء، وكان دورا طويلا شاقا أوذي فيه النبي ﷺ على الرغم من حدب عمه أبي طالب عليه، ومنعه له، وأوذي المسلمون غاية الإيذاء، ولا سيما الأعبد والضعفاء. دعوة النبي عشيرته الأقربين ولما نزل قوله تعالى:

стр. 280

وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) «١» . صعد النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي، يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما الأمر؟ فجاء أبو لهب، وقريش، فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقيّ؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا!! قال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا «٢» لك، ألهذا جمعتنا» فأنزل الله في الرد عليه: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) «٣» . عداوة أبي لهب وامرأته للنبي ومن المفارقات العجيبة أن أبا لهب «٤» هذا عم النبي، وهو الذي أعتق جاريته (ثويبة) لما بشرته بميلاد ابن أخيه محمد، ومع هذا كان من أشد الناس عداوة له، وقد سمعت انفا ردّه على النبي وسبه له، وكان من موجبات رعاية الرحم أن يسكت ولا يسب. وكذلك كانت امرأته أم جميل «٥» من أشد الناس عداوة للنبي: كانت

стр. 281

تسعى بالإفساد بينه وبين الناس بالنميمة، وتضع الشوك في طريقه، والقذر على بابه، فينحيه ويقول: «أي جوار هذا يا بني عبد مناف» ؟! فلا عجب إذا كان الله عز شأنه توعدها بالنار، كما توعد زوجها. ولما سمعت امرأة أبي لهب ما نزل فيها وفي زوجها من القران أتت رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر الصديق، وفي يدها فهر «١» من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن النبي، فلا ترى إلا أبا بكر!! فقالت: يا أبا بكر أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله إني لشاعرة، ثم قالت: مذمما عصينا، وأمره أبينا، ودينه قلينا وانصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأتك؟ فقال: «ما رأتني، لقد أخذ الله ببصرها عني» وكانت قريش، إنما تسمي رسول الله ﷺ لشدة بغضهم له، وكراهيتهم ذكر اسمه على لسانهم: «مذمّما» بدل (محمد) ثم يسبون مذمما، فكان رسول الله ﵊ يقول: «ألا تعجبون لما يصرف الله عني من أذى قريش، يسبون ويهجون مذمّما، وأنا محمد» !! ويعتبر هذا من منن الله عليه، وهكذا صرف الله عنه وصول السباب باللسان، كما صرف عنه وصول الأذى بالفعال، فسبحان الله الكبير المتعال. إيغال أبي لهب في العداوة وقد بلغ من أمر أبي لهب أنه كان يتبع رسول الله ﷺ في الأسواق، والمجامع، ومواسم الحج ويكذّبه. روى الإمام أحمد في مسنده عن رجل «٢» قال: «رأيت رسول الله ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: «يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا» والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه

стр. 282

أحول ذو غديرتين «١» يقول: إنه صابىء «٢» كاذب!! يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه، فقالوا: عمه أبو لهب. منع أبي طالب النبي وحبه له وكان على الضد من ذلك عمه أبو طالب شيخ قريش، وسيدها، فقد كان ابن أخيه أحب الناس إليه طبعا ورحما، وكان يحنو عليه، ويحسن إليه في صغره، ويدافع عنه ويحامي في كبره، ويخالف قومه في ذلك مع أنه على دينهم، وقد كان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى، ومما صنعه لرسوله من الحماية؛ إذ لو كان أسلم لما كان له عند قريش وجاهة ولا كلمة، ولا كانوا يهابونه، ويحترمونه، ولا جترأوا عليه، ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه، وربك يخلق ما يشاء ويختار، ويدبر الخلق على حسب الحكمة والمصلحة، وقد قسم خلقه أنواعا وأجناسا فهذان أخوان كافران: أحدهما محب منافح، والاخر مبغض مؤذ مكابر. وأيضا فلو كان أسلم هذان الكبيران الشريفان من بني هاشم لقال المتقوّلون ذوو العصبية: إن بني هاشم يريدون أن يستأثروا بالرئاسة والزعامة والملك، وربما ضرّ هذا أكثر مما ينفع. وقد شاء الله- وله الحكمة البالغة- أن يسارع أحد أعمامه وهو حمزة إلى الإسلام، وقد كان ذلك لمصلحة الدعوة كما سترى، وأن يتأخر إسلام الاخر وهو العباس إلى ليلة الفتح، وقد كان ذلك في مصلحة الدعوة أيضا، فقد كان العباس- ﵁ بمثابة العين لرسول الله ﷺ على قريش. من مساات قريش للرسول ومع منع أبي طالب لابن أخيه، وصدّه عنه، وحمايته له لم يسلم ﷺ من الإساات والإيذاء، ومحاولة القتل، والسباب والفحش، والهزء والسخرية،

стр. 283

وابتلي في هذا أشد الابتلاء، ولكن كل ذلك لم ينل من نفسه، ولا وهن من عزيمته، وتصميمه على أداء رسالته، وتحمل في ذلك ما تنوء به الجبال الراسيات، فكان في ذلك القدوة الحسنة لأصحابه، والسلوى إذا حزبهم الأمر، واشتد بهم الكرب، وعظم البلاء. قصة أبي جهل والفحل من الإبل وقد حمل كبر هذا الإثم أبو جهل فرعون هذه الأمة، فقد قال: يا معشر قريش، إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم ابائنا، وتسفيه أحلامنا، وسبّ الهتنا، وإنّي أعاهد الله لأجلسنّ له غدا بحجر، فإذا سجد في صلاته فدخت به رأسه. فليصنع بنو عبد مناف ما بدا لهم. فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا، ثم جلس لرسول الله ينتظره، وغدا رسول الله يصلّي بين الركنين: الأسود واليماني، وغدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون، فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه متلصصا، حتى إذا دنا منه رجع منبهتا، منتقعا لونه، مرعوبا قد يبست يداه على حجره من الخوف حتى قذف الحجر من يده، فقام إليه رجال من قريش، فقالوا له: ما بك يا أبا الحكم؟! قال: قمت إليه لأفعل ما صممت عليه البارحة، فلما دنوت منه عرض لي فحل من الإبل، والله ما رأيت مثل هامته، ولا قصرته «١» ولا أنيابه لفحل قط، فهمّ أن يأكلني. قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: «ذلك جبريل، ولو دنا منه لأخذه» . مرة أخرى: وفي مرة أخرى قال: إنّ لله عليّ إن رأيت محمدا ساجدا لأطأنّ عنقه، ولأعفرنّ وجهه بالتراب، فأتى رسول الله ليطأ رقبته، فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه خندقا من نار، وهولا، وأجنحة، فقال النبي ﷺ : «لو دنا مني لاختطفته الملائكة» .

стр. 284

مرة ثالثة: وفي مرة ثالثة مرّ بالنبي وهو يصلي، وقد جبن بعد ما رأى من حماية الله لنبيه، فقال: ألم أنهك أن تصلي يا محمد؟ لقد علمت ما بها أكثر ناديا مني، ولكن النبي انتهره، فرجع خاسئا وهو حسير، وقد أنزل الله- عز شأنه- في أبي جهل وسفاهاته ومسااته قوله: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ «١» (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ «٢» (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ «٣» (١٨) كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) «٤» . أشقى القوم عقبة بن أبي معيط وفي ذات يوم كان النبي ﷺ يصلي عند الكعبة وصناديد قريش جلوس، فقال بعضهم: من ينطلق إلى سلا «٥» جزور بني فلان، فيأتي به فيضعه على ظهر محمد وهو ساجد؟ فذهب أشقى القوم عقبة بن أبي معيط، فجاء به ووضعه على ظهر رسول الله، وهم يتضاحكون، ويميل بعضهم على بعض، فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة، وهي فتاة صغيرة، فأخذته عن ظهره. ثم أقبلت عليهم فسبتهم ووبختهم، فدعا عليهم رسول الله قائلا: «اللهمّ عليك بهذا الملأ من قريش، اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، اللهمّ عليك بشيبة بن ربيعة، اللهمّ عليك بأبي جهل بن هشام، اللهمّ عليك بعقبة بن أبي معيط، اللهمّ عليك بأمية بن خلف» ، وقد استجاب الله الدعاء فقتلوا جميعا يوم بدر. وبينما النبي ﷺ يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع

стр. 285

ثوبه في عنقه، فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر- ﵁ حتى أخذ بمنكب عقبة، ودفعه عن النبي ﷺ وقال: «أتقتلون رجلا أن يقول: ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم» «١» . وفي مرة ثالثة جاء عقبة هذا والنبي يصلي عند الكعبة، فوضع رجله على عنق رسول الله- ﵊ حتى كادت عيناه تندران «٢» . النضر بن الحارث وممن كان شديد العداوة والإيذاء للرسول: النضر بن الحارث، وكان شيطانا من شياطين قريش وسفهائهم، وكان قدم الحيرة وتعلّم بها أحاديث ملوك فارس، وأحاديث رستم، واسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله ﷺ مجلسا فذكّر فيه بالله، وحذّر قومه أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله وعذابه، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلمّ إلي، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم قصص ملوك فارس، وأخبارهم، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا مني؟ عظمة شخصية النبي ﷺ قد سمعت بعض ما نال رسول الله ﷺ من قومه من إيذاء، وعداوة رؤسائهم له، ولا سيما رأس الكفر أبو جهل، وقد كان فيما عصم الله به نبيه، وما راه أبو جهل حينما همّ بفدخ رأس النبي بحجر ما زرع في قلبه الخوف من النبي، وقد كان له ﷺ من الاكتمال الجسمي وعظمة الشخصية ما جعله مهيبا في نفوسهم على رغم عداوتهم له، وإليك ما يدل على ذلك: قصة الإراشي روى ابن إسحاق قال: قدم رجل من إراش «٣» بإبل له إلى مكة، فابتاعها
следующие страницы →