خلقك، ومن قائل «١» : إنها أرسلت إليه نفيسة بنت منية «٢» ولعل هذا هو الأقرب، وسأدع نفيسة تقص علينا القصة قالت:
كانت خديجة امرأة حازمة جلدة شريفة، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسط قريش نسبا، وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكلّ قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك. قد طلبوها، وبذلوا لها الأموال، فأرسلتني دسيسا إلى محمد بعد أن رجع في عيرها من الشام، فقلت:
يا محمد ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: «ما بيدي ما أتزوج به» ، قالت: فإن كفيت ذلك، ودعيت إلى المال، والجمال، والشرف، والكفاءة، ألا تجيب؟ قال: «فمن هي» ؟ قالت: قلت: خديجة، قال: «وكيف لي بذلك؟» ، قالت: قلت: علي، قال: «فأنا أفعل» ، فأعلمت خديجة أهلها، فوجدت منهم قبولا وترحيبا، وحدّدت للنبي وأهله موعدا يحضرون فيه، وذكر النبي ذلك لأعمامه، فخرج معه عمّاه: أبو طالب، وحمزة حتى جاؤوا بيت خديجة، فوجدوا عندها عمها عمرو بن أسد حاضرا، فخطبها منه أبو طالب لابن أخيه محمد، فوافق ورحّب وقال: هذا الفحل لا يقدع أنفه «٣» ، وخطب أبو طالب خطبة الإملاك «٤» ، وهي تنم عن فضائل النبي وخصائصه، وشرفه، وشرف ابائه، وهي قطعة من بليغ الكلام، وفصيح القول.
وهذا الذي ذكرناه من أن الذي ولي تزويجها هو عمها هو الذي عليه أكثر علماء السير، وهو الصحيح كما قال السهيلي، فإن أباها كان قد مات قبل ذلك.
стр. 212
قال الواقدي: الثّبت عندنا المحفوظ عن أهل العلم أن أباها مات قبل حرب الفجار، وأن عمها عمرو بن أسد هو الذي زوجها لمزيد حفظ الثبت وهو الزّهري، خصوصا وقد رواه عن صحابي من السابقين «١» ، وكذلك ذكر الطبري- وهو من ثقات المؤرخين- أن عمها عمرا هو الذي أنكحها رسول الله ﷺ ، وأن خويلدا مات قبل الفجار «٢» ، ويرى ابن إسحاق أن أباها هو الذي زوجها وهو رأي ضعيف.
بطلان بعض المرويات
ومن ثمّ يتبين لنا تهافت ما روي أن أباها امتنع من تزويجها، وأنهم سقوه الخمر حتى ثمل فرضي، وأنهم ألبسوه المزعفر، فلما صحا من سكره أخبروه فأنكر عليهم ذلك، فما زالت به خديجة حتى رضي، وهي رواية باطلة مدسوسة لمخالفتها للنقل الصحيح على ما ذكرنا.
ثم هي مخالفة للواقع، وللظروف، والبيئة، فبنو هاشم في الذروة من قريش نسبا وشرفا، وقد صدع بها أبو طالب في مجمع حافل بالسادات فما نازعه فيها منازع، ثم إن مثل النبي في شبابه الغض، ورجولته النادرة، وخلقه الكامل ممّن تطّاول إلى مصاهرته أعناق الأشراف، وهذا أبو سفيان بن حرب وهو من هو في عداوته للنبي وبني هاشم، لما بلغه أن النبي تزوج السيدة أم حبيبة ابنته، ولم يكن أسلم بعد قال: «هذا الفحل لا يقدع أنفه» .
دسّ المستشرقين
ومن العجيب حقا أن رجلا مثل (درمنغم) لم يذكر في كتابه غير هذه الرواية المتهافتة، وقدّم لذلك بكلام يشعر أن النبي في منزلة دون منزلة خديجة، وأن عشيرته دون عشيرة بني مخزوم (كذا) ، وجعل النبي أجيرا لخديجة فلا يليق أن يكون زوجا، إلى اخر ما تخيل من تخيلات، وافترض من ترّهات «٣» ، مع أنه
стр. 213
أنحى باللائمة في مقدمة كتابه على المتعصبين والمتغالين في نقد النبي، حتى كانت كتبهم عامل هدم، على الخصوص وأنه سلك مسلكا وسطا بين المتقدمين، ومغالاة بعض المستشرقين المغالين في النقد، وأنه سيعول في كتابه على المصادر القديمة والنقد الحديث «١» ، وقد وقع فيما اخذ غيره عليه، وهل من التعويل على المصادر القديمة ذكر الضعيف المتهافت، وترك الصحيح؟! وهل من النقد الحديث تجاهل البيئة والظروف والأعراف التي كانت سائدة وتجاهل الواقع الملموس؟ الحق أن المستشرقين مهما ادّعوا الأنصاف فكتاباتهم تنقض ما يدّعون.
خطبة أبي طالب
قال: «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضىء معدّ، وعنصر مضر «٢» ، وجعلنا حضنة بيته «٣» ، وسوّاس حرمه «٤» ، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما امنا، وجعلنا الحكّام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل من قريش شرفا ونبلا وفضلا إلّا رجح به، وهو وإن كان في المال قل «٥» ، فإن المال ظل زائل «٦» ، وأمر حائل «٧» ، وعارية «٨» مسترجعة، ومحمد من عرفتم قرابته، وهو- والله- بعد هذا له نبأ «٩» عظيم، وخطر جليل جسيم «١٠» ، وله في خديجة بنت خويلد رغبة،
стр. 214
ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق «١» فعلي» .
وقد أمهرها أبو طالب اثنتي عشرة أوقية ونشّا «٢» ، يعني خمسمائة درهم، وأصدقها رسول الله زيادة على ذلك عشرين بكرة.
الوليمة والعرس
وبنى النبي بخديجة، وأولم عليها: نحر جزورا أو جزورين، وأطعم الناس، وأمرت خديجة جواريها أن يغنّين، ويضربن بالدفوف، فقد بلغت مناها، وتم الفرح والسرور، ولله در البوصيري حيث قال:
ورأته خديجة والتقى والزه ... د فيه سجية والحياء
وأتاها أنّ الغمامة والسّرح «٣» ... أظلته منهما أفياء
وأحاديث أن وعد رسول اللّ ... هـ بالبعث حان منه الوفاء
فدعته إلى الزواج وما ... أحسن أن يبلغ المنى الأذكياء
وكان عمر النبي حينئذ خمسا وعشرين سنة، وكان عمرها أربعين أو تزيد قليلا، ونعمت خديجة بالزواج الذي لم تعرف له الدنيا مثيلا في تاريخ الأزواج، ونعم النبي بهذا الزواج الميمون المبارك، فقد كانت خديجة حازمة، عاقلة، طاهرة، عروبا لزوجها، وواست النبي بالنفس والمال، ورزقه الله منها البنين والبنات، فولدت له: القاسم وبه كان يكنى، وعبد الله «٤» ، وقيل: ثلاثة بزيادة الطيب، وقيل: أربعة بزيادة الطاهر. وولدت له زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة- ﵅. أما الذكور فقد ماتوا في الجاهلية صغارا، وأما الإناث فقد عشن حتى تزوجن، وكلهن متن في حياة النبي ما عدا فاطمة فقد توفيت بعده بستة أشهر، ومن ثمّ نرى أن النبي ﷺ ذاق مرارة فقد الأبناء، كما ذاق من قبل مرارة فقد الأبوين.
стр. 215
وقد شاء الله- وله الحكمة البالغة- ألايعيش له ﷺ أحد من الذكور حتى لا يكون ذلك مدعاة لافتتان بعض الناس بهم، وادّعائهم لهم النبوة، فأعطاه الذكور تكميلا لفطرته البشرية وقضاء لحاجات النفس الإنسانية، ولئلا يتنقّص النبي في كمال رجولته شانىء، أو يتقوّل عليه متقول، ثم أخذهم في الصغر، وأيضا ليكون في ذلك عزاء وسلوى للذين لا يرزقون البنين، أو يرزقونهم ثم يموتون، كما أنه لون من ألوان الابتلاء، وأشد الناس بلاء الأنبياء، فالأمثل فالأمثل، وقد كان مما نبزه به سفهاء المشركين، أنهم قالوا فيه:
إنه أبتر أي لا عقب له.
خديجة قبل النبي
وكانت السيدة خديجة تدعى في الجاهلية الطاهرة لشدة عفافها وصيانتها وشرفها وكمالها، وقد تزوجها وهي بكر أبو هالة «١» بن زرارة التميمي فولدت له هندا «٢» ، وقد أسلم وحسن إسلامه، وهو راوي حديث صفة النبي ﷺ ، شهد بدرا وقيل وأحدا، وروى عنه الحسن بن علي فقال: حدثني خالي، لأنه أخو فاطمة لأمها، وكان- ﵁ فصيحا، بليغا، وصّافا، وكان يقول: «أنا أكرم الناس أبا، وأما، وأخا، وأختا: أبي رسول الله ﷺ «٣» ، وأمي خديجة، وأخي القاسم، وأختي فاطمة» قتل مع علي يوم الجمل.
وولدت له هالة «٤» ، قال ابن عبد البر: له صحبة، وروي عن عائشة قالت: قدم ابن لخديجة يقال له هالة والنبي ﷺ قائل، فسمعه فقال: «هالة، هالة، هالة» !! وروى الطبراني بسنده عن هالة بن أبي هالة أنه دخل على
стр. 216
النبي ﷺ وهو راقد، فاستيقظ فضم هالة إلى صدره وقال: «هالة، هالة، هالة» .
ثم بعد وفاة أبي هالة تزوجها عتيق بن عابد «١» بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي، فولدت له هندا وهي أنثى، أسلمت وصحبت النبي، ولم ترو شيئا. قاله الدارقطني، وهي أم محمد بن صيفي المخزومي، ويقال لولد محمد هذا بنو الطاهرة، لمكان خديجة «٢» .
стр. 217
الفصل الخامس تجديد قريش بنيان الكعبة
ولما بلغ ﷺ خمسا وثلاثين سنة جاء سيل عارم فصدع جدران الكعبة، وأوهن أساسها، وكان قد أصابها من قبل حريق بسبب امرأة كانت تجمّرها، فأرادت قريش هدمها، ولكنهم تهيّبوا ذلك لمكانتها في قلوبهم، وخوفهم أن يصيبهم الأذى، فقال لهم الوليد بن المغيرة: أتريدون بهدمها الإصلاح أم الإساءة؟ قالوا: بل الإصلاح، فقال: إن الله لا يهلك المصلحين، وأخذ المعول، وشرع يهدم، وتربص الناس تلك الليلة وقالوا: ننتظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء هدمنا، فقد رضي الله ما صنعنا.
فأصبح الوليد من ليلته عائدا إلى عمله، فهدم، وهدم الناس معه، حتى إذا انتهوا إلى أساس إبراهيم- ﵇ أفضوا إلى حجارة خضر اخذ بعضها ببعض، فتركوا الأساس كما هو، وشرعوا في البناء، واتفقوا فيما بينهم بمشورة أحد أشرافهم ألايدخلوا في بنائها من كسبهم إلا طيبا، لا يدخل فيه مهر بغيّ «١» ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس «٢» .
وقد تجزّأت قريش الكعبة، فكان جانب الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود واليماني لبني مخزوم، وقبائل من قريش انضموا
стр. 218
إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جمح، وسهم، وكان جانب الحجر لبني عبد الدار، ولبني أسد بن عبد العزّى، ولبني عدي.
وقد شارك رسول الله ﷺ أعمامه في البناء، ونقل الحجارة. روى الشيخان في صحيحيهما عن جابر قال: «لما بنيت الكعبة ذهب النبي ﷺ والعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبي: اجعل إزارك على رقبتك يقك الحجارة، ففعل، فخرّ إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء، ثم أفاق فقال:
«إزاري إزاري» فشدّ عليه إزاره فما رؤي بعد ذلك عريانا» «١» .
وكان الذي يلي البناء رجل رومي يسمّى «باقوم» يقال: إنه كان في سفينة محملة بالخشب قاصدة اليمن لترميم كنيسة «القليس» ، ولما كانت السفينة قبالة مكة هبّ عليها إعصار فدمرها، فقصدت قريش إلى ساحل البحر، فاشتروا بقايا السفينة وما كان فيها، واستصحبوا معهم باقوم، وهكذا أراد الله سبحانه أن تستعمل الأخشاب التي أرسلت للكنيسة في بناء الكعبة بيت الله الحرام!!
ولما وصلوا في البناء إلى موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يضعه؟ فكل قبيلة تريد أن تحظى بهذا الشرف حتى كادت الحرب تقع بينهم، وقرّب بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسمّوا (لعقة الدم) ، واستمروا على ذلك أربع ليال أو خمسا.
عرض لحل المشكلة
ثم ألهم الله سبحانه أحد عقلائهم وهو أبو أمية بن المغيرة المخزومي، والد السيدة أم سلمة، وكان عائذ أسن رجل في قريش، فقال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد «٢» ، فرضوا وقبلوا، فأشخصوا أبصارهم إلى باب المسجد، واشرأبت الأعناق إلى من يا ترى
стр. 219
يكون هذا الداخل، فإذا به الأمين محمد أرسلته العناية الإلهية ليخلص العرب من هذا الشر المستطير، فلما رأوه قالوا: «هذا الأمين رضيناه، هذا محمد!!» .
العقل الكبير
فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، فكّر وقدّر، ولم يلبث أن تفتّق العقل الكبير- عقل النبي- عن هذا الحل البارع حقا، فبسط رداءه، ثم أخذ الحجر ووضعه عليه، ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة بطرف» ثم أمرهم برفعه، فرفعوه جميعا حتى وصلوا إلى مستوى وضعه، فأخذه بيده المباركة، ووضعه موضعه، وبنى عليه، وبهذا وقى الله قريشا شر حرب ربما أفنتهم، وقد ازداد النبي بهذا منزلة فوق منزلته، وقدرا إلى قدر، وأصبح أحدوثة العرب في كل ناد ومجلس.
ضيق النفقة بقريش
وكانت النفقة الطيبة قد ضاقت بقريش عن إتمام البيت على قواعد إبراهيم، فاضطروا إلى أن اقتطعوا منه قطعة من جهته الشمالية، وبنوا على هذا الجزء الذي احتجزوه جدارا قصيرا للإعلام أنه من البيت وهو ما يعرف (بالحجر) «١» . وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال لعائشة: «لولا أنّ قومك حديثو عهد بالكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم» .
وكان الكعبة ارتفاعها تسعة أذرع على عهد إبراهيم وإسماعيل- ﵉ وكان لها بابان: باب شرقي وباب غربي ليدخل الداخل من باب، ويخرج من الاخر، فلما بنتها قريش زادوا في ارتفاعها تسعة أذرع أخرى، واقتصروا على باب واحد، ورفعوا بابها عن الأرض، فصار لا يصعد إليها إلا على درج أو سلّم ليدخلوا من يشاؤون، ويمنعوا من يشاؤون، ونقصوا من طولها مقدار الحجر.
стр. 220
عمارة ابن الزبير
وقد استمرت الكعبة على هذا حتى كان عهد عبد الله بن الزبير، وحوصر من قبل يزيد بن معاوية، وأصيبت الكعبة بسبب الرمي بالمنجنيق، فهدمها ابن الزبير في مدة خلافته، وبناها على قواعد إبراهيم، وجعل ارتفاعها على ما هي عليه الان وهو سبع وعشرون ذراعا، وأدخل الحجر في البيت، وجعل لها بابا غربيا.
إعادة الحجاج لها على ما كانت في عهد قريش
فلما قتل عبد الله بن الزبير، واستتب الأمر لبني أمية، وكان عهد عبد الملك بن مروان، شاور الحجاج عبد الملك في نقض ما فعله ابن الزبير، فكتب إليه: أمّا ما زاده في طولها «١» فأبقه، وأما ما زاده في الحجر فردّه إلى بنائه «٢» ، وسدّ بابه الذي فتحه، ففعل ذلك، رواه مسلم في صحيحه عن عطاء. وذكر الفاكهي أن عبد الملك ندم على إذنه للحجّاج في هدمها، ولعن الحجّاج، وفي صحيح مسلم نحوه من وجه اخر وبذلك أعاد الحجاج الكعبة إلى ما كانت عليه في عهد قريش والنبي، واستمر إلى وقتنا هذا.
محاولة لبني العباس
وقد أراد الرشيد أو أبوه أن يعيد البيت على ما كان عليه في عهد ابن الزبير، فناشده الإمام مالك أن يكف عن ذلك، وقال له: أخشى أن يصير البيت ملعبة للملوك، ولم يحدث تغيير شيء مما كان في عهد عبد الملك بن مروان إلا في الميزاب «٣» ، والباب، وعتبته، وكذلك وقع الترميم في الجدران والسقف، وسلم السطح غير مرة، وجدد فيها الرخام، وقد قيل: إن أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك، وسيبقى البيت محفوظا بعناية الله إلى ما شاء الله.
стр. 221
كفالة النبي لعلي
كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب، وما أراده الله له من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، ولم يكن على ثراء من المال، وإن كان ذا ثراء من الشرف والمكانة في قريش، فقال رسول الله ﷺ للعباس عمه- وكان من أيسر بني هاشم-:
«يا عم إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه، فلنخفف عنه من عياله، اخذ من بنيه واحدا، وتأخذ أنت واحدا» ، فقال العباس: نعم.
فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا، فاصنعا ما شئتما، فأخذ النبي عليا، فضمّه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل علي مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله، فكان من أوائل من امن به وصدق، بل قيل: إنه أول من أسلم، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه.
ولقد كان لنشأة الفتى عليّ في بيت النبوة، وتعهد النبي له بالتربية والرعاية أكبر الأثر فيما كان يتمتاع به من صفاء الروح، وقوة الجنان، وفصاحة اللسان، وبلاغة البيان، وغزارة العلم، والشجاعة والبطولة، إلى غير ذلك من الصفات والاداب.
أحداث في حياة الرسول
وعاش النبي هذه الفترة من حياته قبل النبوة، وهو في طمأنينة وراحة نفسية، وذلك بفضل السيدة الودود الولود خديجة ﵂، ورزقه الله منها البنين والبنات، لولا ما شاب هذه الفترة من حياتهما من أحداث كان لبعضها وقع أليم في نفس النبي وزوجه.
стр. 222
فقد الأبناء
فقد مات ولداه: القاسم، وعبد الله وهما لا يزالان في المهد، وليس من شك في أن فقدهما ترك في نفس النبي وزوجه أسى وحزنا.
زواج البنات
وقد تزوجت كبراهن زينب بابن خالتها أبي العاص بن الربيع من أشراف قريش وكبار تجارها، هذا إلى ما كان يتصف به من كريم الخلال مما حبّبه إلى خالته خديجة، فأشارت على النبي بتزويج زينب منه، وسيأتيك من أخبار هذا الرجل شيء غير قليل.
وأما رقية وأم كلثوم فقد تزوجتا من ابني عمهما: عتبة، وعتيبة ابني أبي لهب، ولم يكونا بالزوجين الكريمين، فقد أمرهما أبوهما أبو لهب بعد أن نبىء النبي بتسريحهما، كي يشغل النبي بمشاكل أسرته عن التفرغ لأداء رسالته، ففارقاهما، على حين أن أبا العاص لما كلمته قريش في تطليق زينب، وتزويجه أي فتاة يريد من بنات قريش أبى، وقال: والله ما أحب أن لي بها امرأة من قريش!! ثم كان من أمر رقية، وأم كلثوم أن تزوجهما ذو النورين عثمان بن عفان واحدة بعد الاخرى، ولم يعرف أن أحدا أرخى ستره على بنتي نبيّ غير عثمان، فمن ثمّ لقب بذي النورين.
وأما فاطمة فلم تكن إلا فتاة صغيرة، فبقيت في بيت أبيها، وشاهدت ما ناله من البلاء والأذى من قريش بعد النبوة، حتى بلغت المحيض، وصارت أهلا للزواج، فتزوج بها فتى الفتيان علي بعد بدر، ورزقها الله منه البنين والبنات، ومن نسلها كانت العترة الطيبة من ال النبي.
تبني زيد بن حارثة
هو زيد بن حارثة، بن شرحبيل، بن كعب، بن عبد العزّى الكلبي، وكان زيد في سفر مع أمه، وهو طفل صغير، فأغار عليهما جماعة من الأعراب، فأسروا زيدا وباعوه، فاشتراه حكيم بن حزام فأهداه إلى عمته السيدة خديجة بعد زواجها من النبي بقليل، وكان عمر زيد إذ ذاك نحو عشرين سنة،
стр. 223
فاستوهبه النبي من زوجه خديجة، فوهبته له، فرعاه النبي وأحسن إليه غاية الإحسان، فلما علم أبوه به حضر وبعض أهله إلى مكة، وعرضوا على النبي ما يريد من الفداء، فقال النبي ﷺ :
«أو خير من ذلك» ؟ قالوا: وما هو؟ قال: «خيّروه، فإن اختاركم فهو لكم دون فداء، وإن اختارني فدعوه» ، فخيروه فاختار النبي!! فجذبه عمه وقال له: يا زيد اخترت العبودية على أبيك وعمك؟! فقال: إي والله العبودية عند محمد أحبّ إلي من أن أكون عندكم!! فقال النبي ﷺ عند ذلك: «يا معشر قريش، اشهدوا أن زيدا ابني يرثني وأرثه» وطاف على حلق قريش يشهداهم على ذلك، فرضي أهله وانصرفوا، ومن ذلك الوقت أصبح يقال له زيد بن محمد حتى أبطل الإسلام التبني، وأمر أن ينسبوا إلى ابائهم فصار يسمّى زيد بن حارثة.
وقد زوّجه النبي من حاضنته أم أيمن. وكانت أكبر منه سنا، فأنجبت أسامة بن زيد: الحب ابن الحب «١» لشدة حب النبي لهما، وكان النبي يسوّي بينه وبين الحسن ابن ابنته فاطمة، فيجلس الحسن على فخذه وأسامة على فخذ اخر، وقد استشهد زيد في غزوة «مؤتة» كما سيأتي.
стр. 224
الفصل السّادس حياة النّبيّ ﵇ قبل البعثة
كانت حياة النبي ﷺ قبل البعثة حياة فاضلة شريفة، لم تعرف له فيها هفوة، ولم تحص عليه فيها زلّة، لقد شبّ رسول الله يحوطه الله بعنايته، ويحفظه من أقذار الجاهلية؛ لما يريده له من كرامته ورسالته، حتى صار أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، تنزّها وتكرما حتى صار معروفا «بالأمين» .
لقد كان في المجتمع العربي حنيفيون وحّدوا الله ودعوا إلى توحيده، وكان هناك كرماء، وكان هناك أوفياء، وكان هناك أناس عرفوا بالعفة وطهارة الذيل، والبعد عن الماثم، والتنزّه عن الفواحش، ولكن كان عزيزا جدا أن تجد في هذه البيئة إنسانا جمع الله فيه كل هذه الصفات وغيرها مثل ما جمع الله ذلك في النبي محمد ﷺ .
لقد نشأ سليم العقيدة، صادق الإيمان، عميق التفكر، غير خاضع لترّهات الجاهلية، فما عرف عنه أنه سجد لصنم قط، أو تمسح به، أو ذهب إلى عرّاف أو كاهن، بل بغّضت إليه عبادة الأصنام، والتمسح بها، ولما لقي «بحيرى» الراهب قال له: أسألك بحقّ اللّات والعزّى إلّا أخبرتني عما أسألك عنه، وكان بحيرى سمع قومه يحلفون بهما، فقال له النبي: «لا تسألني بحق اللّات والعزّى شيئا، فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما «١» » وروى البيهقي
стр. 225
بسنده عن زيد بن حارثة قال: كان صنم من النحاس يقال له: إساف ونائلة يتمسح بهما المشركون إذا طافوا «١» ، فطاف رسول الله وطفت معه، فلما مررت تمسحت به، فقال رسول الله ﷺ : «لا تمسّه» قال زيد: فطفنا فقلت في نفسي:
لأمسّنه حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال رسول الله ﷺ : «ألم تنه» قال زيد:
فو الذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنما قط حتى أكرمه الله تعالى بالذي أكرمه، وأنزل عليه «٢» .
وأما ما روي من أنه كان يشهد مع المشركين مشاهداهم، فسمع ملكين خلفه وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله ﷺ ، قال:
كيف نقوم خلفه، وإنما عهده باستلام الأصنام، قال: فلم يعد بعد ذلك يشهد مع المشركين مشاهداهم- فهو حديث منكر واه ساقط عن الاعتبار «٣» .
ومثل ذلك ما روي زورا أنه تمسح «بالصفراء» كما ذكر هيكل «٤» ، أو أهدى إلى العزّى شاة بيضاء كما زعم «درمنغم» «٥» ، إلى غير ذلك من الروايات الباطلة المختلقة التي هي من وضع وتزوير أعداء النبي وأعداء الإسلام، وهي من البلايا والطامات التي اشتملت عليها بعض الكتاب التي لا يعتمد عليها في الرواية، وجاء بعض المستشرقين والذين تابعوهم من الكتاب المسلمين فنقلوها في كتبهم من غير تمحيص، وتحقيق.
وكذلك بغّض إليه قول الشعر فلم يعرف عنه أنه قال شعرا، أو أنشأ قصيدة، أو حاول ذلك، لأن ذلك لا يتلاءم ومقام النبوة، فالشعر شيء، والنبوة شيء اخر، ولم يكن الشعراء بذوي الأخلاق والسير المرضية، فلا عجب أن
стр. 226
نزّهه الله سبحانه عن الشعر، والرسالة تقتضي انطلاقا في الأسلوب والتعبير، والشعر تقيد والتزام، وصدق الله حيث يقول: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ.
ومع هذا فقد كان يتذوق ما في الشعر من جمال وحكمة وروعة، ويستنشده أصحابه أحيانا، ولا عجب فهو القائل: «إنّ من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكما» رواه البخاري.
ولم يشرب خمرا قط، ولا اقترف فاحشة، ولا انغمس فيما كان ينغمس فيه المجتمع العربي حينئذ من اللهو، واللعب، والميسر «القمار» ، ومصاحبة الأشرار، ومعاشرة القيان، والجري وراء الغيد الكواعب «١» ، على ما كان عليه من فتوة وشباب، وشرف نسب، وعزة قبيلة، وكمال وجمال وغيرها من وسائل الإغراء.
ولقد كان ﷺ يذكر ذلك وهو كبير، ويعدّه من نعم الله عليه، وعصمته له، فقد روي عنه أنه قال: «ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمّون به «٢» إلا مرتين، وكلتاهما عصمني الله فيهما، قلت ليلة لبعض فتيان قريش، ونحن في رعي غنم أهلها، قلت لصاحبي: أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة، فأسمر «٣» فيها كما يسمر الفتيان، فقال: نعم، فدخلت حتى جئت أول دار من مكة، فسمعت عزفا بالغرابيل «٤» ، والمزامير، فقلت: ما هذا؟ قالوا: تزوج فلان فلانة، فجلست أنظر، وضرب الله على أذني، فو الله ما أيقظني إلا مسّ الشمس، فرجعت إلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ قلت: ما فعلت شيئا! ثم أخبرته بالذي رأيت. ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر ففعل، فدخلت، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة، فسألت،
стр. 227
فقيل: نكح فلان فلانة، فجلست أنظر، فضرب الله على أذني فو الله ما أيقظني إلا مسّ الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فقلت: لا شيء، ثم أخبرته الخبر، فو الله ما هممت، ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمني الله بنبوته» «١» .
حتى الأمور التي قد يتسامح فيها في عهد الطفولة أثناء اللعب قد صانه الله تعالى منها، قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ فيما ذكر لي- يحدّث عما كان الله يحفظه به في صغره أنه قال: «لقد رأيتني في غلمان من قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب الغلمان، كلنا قد تعرّى وأخذ إزاره وجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإني لأقبل معهم وأدبر إذ لكمني لاكم ما أراه لكمة وجيعة، ثم قال: شدّ عليك إزارك، قال: فأخذته وشددته علي، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي، وإزاري علي من بين أصحابي» وقد سمعت فيما سبق ما حدث له أثناء نقله الحجارة مع أعمامه في بناء الكعبة.
بل كان من توفيق الله له أنه كان يقف مع الناس بعرفات قبل أن يوحى إليه، ولا يصنع ما تصنع قريش من عدم وقوفها مع الناس بعرفات، ووقوفها بالمزدلفة، فعن جبير بن مطعم قال: «لقد رأيت رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه «٢» ، وإنه لواقف على بعير له مع الناس بعرفات حتى يدفع معهم، توفيقا من الله له» «٣» . رواه أحمد.
وكان النبي محل ثقة الناس وأماناتهم، لا يأتمنه أحد على وديعة من الودائع إلا أدّاها له، ولا يأتمنه أحد على سر أو كلام إلا وجده عند حسن الظن به، فلا عجب أن كان معروفا في قريش قبل النبوة «بالأمين» .
وقد استمرت هذه الثقة إلى ما بعد النبوة، ولذلك لما هاجر ﷺ أبقى عليا
стр. 228
كي يردّ ودائع الناس التي كانت عنده، وكان لا يعاهده أحد عهدا إلا وجد عنده حسن الوفاء، ولا يعد وعدا إلا صدق فيه، وقد روي أنه عاهد رجلا أن يلقاه في مكان كذا، فمكث ثلاثة أيام يذهب إلى هذا المكان، والرجل لا يذهب فقال له: «لقد شققت علي» .
وكان الصدق من صفاته البارزة، شهد له بذلك العدو والصديق، ولما بعثه الله إلى الناس جميعا وأمره أن ينذر عشيرته الأقربين صار ينادي بطون قريش، فلما حضروا قال لهم: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا وراء هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدّقيّ» ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبا قط.
ولما قابل هرقل ملك الروم أبا سفيان بن حرب- وكان لم يزل مشركا- قال له:
هل جرّبتم عليه كذبا؟ قال: لا، قال هرقل: ما كان ليدع الكذب على الناس، ويكذب على الله!!
وكان النبي إلى ذلك كله وصولا للرحم، عطوفا على الفقراء وذوي الحاجة، ويقري الضيف، ويعين الضعيف، ويمسح بيديه بؤس البائسين، ويفرّج كرب المكروبين، وقد وصفته بهذا السيدة العاقلة، الحازمة خديجة وهي أعرف الناس به- في بدء النبوة، فقالت: «ما كان الله ليخزيك أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق» «١» !!.
ومن هذا العرض الموجز نرى أن حياة النبي قبل البعثة كانت أمثل حياة وأكرمها، وأحفلها بمعاني الإنسانية والشرف، والكرامة، وعظمة النفس، ثم نبّأه الله وبعثه، فنمت هذه الفضائل وترعرعت، وما زالت تسمو فروعها، وترسخ أصولها، وتتسع أفياؤها حتى أضحت فريدة في تاريخ الحيوات في هذه الدنيا.
إن هذه الحياة الفاضلة المثلى لمن أكبر الدلائل على ثبوت نبوته ﷺ ، فما سمعنا في تاريخ الدنيا قديمها وحديثها أن حياة كلها فضل وكمال، وهدى ونور،
стр. 229
وحق وخير، كحياة نبينا محمد، ولم يعهد في تاريخ البشر أن شخصا يسمو على كل مجتمعه وهو يعيش فيه، وينشأ مبرا من كل نقائصه ومثالبه وهو نابع منه!! ولا أن نورا ينبعث من وسط ظلمات، ولا طهارة تنبع من وسط أدناس وأرجاس، ولا أن علما يكون من بين جهالات وخرافات، اللهم إلا إذا كان ذلك لحكمة، وأمرا جرى على غير المعهود والمألوف، وما ذلك إلا لإعداد النبي للنبوة، واللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ وصدق الإمام البوصيري حيث يقول:
كفاك بالعلم في الأميّ معجزة ... في الجاهلية والتأديب في اليتم
لقد قرأنا سير الحكماء، والفلاسفة، والعباقرة والمصلحين، وأصحاب النحل والمذاهب قديما وحديثا، فما وجدنا حياة أحد منهم تخلو من الشذوذ عن الفطرة السليمة، والتفكير الصحيح، والخلق الرضي، إما من ناحية العقيدة والتفكير وإما من ناحية السلوك والأخلاق، وغاية ما يقال في أسماهم وأزكاهم:
كفى المرء نبلا أن تعد معايبه!! حاشا الأنبياء والمرسلين، فقد نشّأهم الله سبحانه على أكمل الأحوال، وعظيم الأخلاق، وقد بلغ الذروة في الكمال خاتمهم وسيد البشر كلهم نبينا محمد ﷺ .
стр. 230
الفصل السّابع حالة العالم قبل البعثة
لقد أتى على العالم حين من الدهر فسدت فيه العقائد، وانتشرت الوثنية، وانتكست فيه الأخلاق، وسادت فيه الجهالات والخرافات، وعم التقليد حتى كادت تتعطل فيه ملكة العقل والتفكير، وتغيّرت فيه القيم الخلقية والمعاني الإنسانية، وأهدر فيه الكثير من حقوق الإنسان، وتغلبت فيه قوى الشر والبغي والضلال على دعاة الحق والخير والهدى، وساد العالم ألوان من الترف والإغراق في الملذات والشهوات، سواء في ذلك البيئات المتحضرة أم البدوية.
ذلكم الحين هي الفترة التي سبقت ميلاد نبينا محمد ﷺ وبعثته. فقد كانت أحوال العالم الدينية، والاجتماعية، والأخلاقية، والسياسية على أسوأ ما تكون، حتى إن أعظم المتفائلين كان يشك في أن يكون لهذا الفساد إصلاح!!
الأحوال الدينية
فمن وثنية في شبه الجزيرة العربية وغيرها، إلى عبادة للشمس والكواكب في بلاد سبأ، وبابل، وكلدانيا، وغيرها، ومن مجوسية في بلاد فارس وما جاورها، إلى ثنوية تقول بإله النور وإله الظلمة، إلى صابئة ليس لهم دين، ومن برهمية وعبادة للحيوان ولا سيما البقرة في بلاد الهند وما جاورها، إلى بوذية تقوم على تأليه بوذا وعبادته في بلاد الصين وما جاورها، ومن يهودية محرّفة مبدلة يزعم أهلها أن عزيرا ابن الله، إلى نصرانية مثلّثة «١» في بلاد الروم وغيرها، حتى بلاد
стр. 231
اليونان، ومصر الفرعونية كانت تسودها الوثنية، وتعدد الالهة، وعبادة الحيوان مع أنها مهد الحضارة، وهكذا نرى أن توحيد الله وعبادته واحده أمر يكاد يكون معدوما في الأرض. وإليك ما قاله مولانا محمد علي في كتابه «حياة محمد» عن النصرانية التي كانت أكثر الديانتين: اليهودية، والنصرانية انتشارا في ذلك الوقت قال:
(وكان عيسى أقرب الأنبياء إلى الرسول محمد ﵇ من وجهة النظر الزمنية، وطبعي أن يتوقع المرء أن يجد في الديار النصرانية على الأقلّ بعض اثار الفضيلة والأخلاق، ولكن كيف كانت حالة النصرانية في ذلك العهد؟
فلنرجع إلى شهادات الكتاب النصارى أنفسهم في هذا الموضوع، فقد رسم أحد الأساقفة صورة لتلك الأيام فقال: «إن المملكة الإلهية كانت في اضطراب كلي، بل إن حالة جهنمية حقيقية كانت قد أقيمت على سطح الأرض نتيجة للفساد الداخلي» . وقد عالج السير (وليم موير) هذا الموضوع فانتهى إلى النتيجة نفسها، قال:
«وفوق هذا فقد كانت نصرانية القرن السابع نفسها متداعية فاسدة، كانت معطلة بعدد من الهرطقات المتنازعة، وكانت قد استبدلت بإيمان العصور الوسطى السمح صغارات الخرافة وصبياناتها» تلك صورة للنصرانية تمثل وضعها العام، كانت عقيدة واحدة الذات الإلهية قد احتجبت منذ عهد بعيد، وكانت عقيدة التثليث قد أدت إلى نشوء تعقيدات متعددة، وتنافست الفرق والهرطقات المختلفة في قدح زناد الفكر لتفسير هذه العقيدة، وأدّى ذلك إلى إنشاء جمهرة من المؤلفات أبعدت الإنسان عن هدف الدين الحقيقي.
стр. 232
والمؤرخ (جيبون (Gibbon) (في تعليقه على حادثة حرق مكتبة الإسكندرية الشهيرة من قبل المتعصبين من النصارى يبدي هذه الملاحظة الهامة: «ولكن إذا صحّ أن ركام الجدل الاريوسي والقائل بطبيعة المسيح الواحدة قد أحرق فعلا في الحمامات العمومية، فإن في ميسور الفيلسوف أن يذهب إلى القول- في ابتسامة- بأن ذلك كان في مصلحة الجنس البشري.
وكانت الشرور التي سادت العالم المسيحي كالخمر، والميسر، والفسوق غالبة حتى في تلك الأيام، ويروي «١» دوزي (Dozy) عن الخليفة علي قوله في حق تغلب وهي قبيلة نصرانية: «إن كل ما اقتبسته عن تلك الكنيسة هو معاقرة الخمر» وبكلمة مختصرة فإن النصرانية وهي اخر ديانات العالم المنزلة- كانت في ذلك الحين في حكم المفقودة، كانت قد فقدت كل قدرتها الدافعة التي تمكنها من إحداث إصلاح أخلاقي، وإلى هذا فإن الدّرك الذي تردّى فيه المجتمع الإنساني كله في طول العالم وعرضه، ليقيم الدليل على صحة التوكيد القراني) «٢» .
الأحوال الاجتماعية
ولم تكن الأوضاع الاجتماعية بأحسن حالا من سابقتها، فهنالك كان أشراف وسوقة: أشراف يعتقدون أنهم من طينة أخرى غير طينة البشر، وسوقة يضن عليهم بأدنى حقوق الإنسان، وسادة وعبيد: سادة يتمتعون بكل خيرات هذه الأرض وطيباتها، وعبيد يعاملون معاملة الحيوان، وليس لهم من كدّهم وتعبهم إلا العرق والدماء، وما تجود به نفوس السادة عليهم من فتات الموائد.
وهنالك اعتزاز لا حدّ له بالأنساب والأحساب، والتفاخر بهما، وإضاعة الوقت في الاشتغال بذلك، حتى بلغ من العرب أنهم كانوا حين يفرغون من موسم الحج يعقدون الندوات لذكر الاباء والأحساب. وخلاصة القول أنه كانت هناك فوارق طبقية، وعصبيات جنسية، ونسبية، ولونية، ولغوية، وسواء في
стр. 233
ذلك البيئات المتحضرة أم المتبدية، ولقد بلغ ببعض رجال الفلسفة اليونانية المشهورين أن قسم الناس إلى حر بالطبع، وعبد بالطبع!!.
وكان هنالك إسراف في النكاح، وإسراف في الطلاق، وكانت المرأة غالبا- مهضومة الحقوق، لا يقام لها وزن، ولا يسمع لها رأي، وتورث كما يورث المتاع، كما كانوا يتزوجون نساء الاباء ويجمعون بين الأختين، بل قيل:
إن اليهود بلغ من سفههم وبغيهم أنهم كانوا ينكحون المحارم، وكانت بعض القبائل تئد البنات خشية العار، وتقتل الأولاد خشية الفقر، حتى جاء الإسلام فقضى على كل هذه المساوىء الاجتماعية، وجعل الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى.
الأحوال الخلقية
أما الجانب الخلقي وما اعتراه من فساد وانحلال وانتكاس وتدلّ إلى الحضيض فحدّث عن ذلك ولا حرج، فمن انتهاك للأعراض، وسطو على الأحرار، وإغراق في المباذل الخلقية، إلى معاقرة للخمر، واقتراف للاثام، ومن معاشرة للبغايا والقيان، إلى اتخاذ الأخدان، ومن استهانة بالدماء، واغتصاب للأموال إلى تعامل بالربا، وأكل أموال الناس بالباطل.
وكانت المباذل والمفاسد الخلقية أكثر ما تكون في بلاط الأكاسرة، وقصور القياصرة، والملوك والأمراء، وقد كانت هذه المفاسد الخلقية من أكبر الأسباب في انحلال الدولتين الكبيرتين انذاك: فارس والروم، وأن سارع إليهما الهرم، فالفناء والزوال.
الأحوال السياسية
وكان التعدّي والإغارة على الغير أمرا يكاد يكون سائدا بين قبائل العرب، وكانت تثور بينهم الحرب لأتفه الأسباب، من أجل ناقة، أو سباق فرس، فتستمر السنين، وتأكل الشباب والشيب، ولم تكن الحروب تفتر أيضا بين الدولتين اللتين كانتا تقتسمان العالم في هذا الوقت: دولتي فارس والروم، وقد كان هذا من العوامل التي جعلتهما تهويان تحت ضربات الجيوش الإسلامية المظفّرة، وقد زالت دول البغي والطغيان، وانتشرت شريعة السلام، والحق،
стр. 234
والخير، والرحمة بقيام دولة الإسلام، ولم تكن الحروب انذاك حروبا مشروعة يقصد بها حماية دين، أو إقامة عدل، أو نصر فضيلة؛ وإنما كانت استجابة للأهواء، وحبا في الغلب، والتسلط، واستعباد الشعوب وإذلالهم!!.
ومن هذه الصورة المصغّرة يتبين لنا أن العالم حينئذ كان عالما مضطربا لا أمان فيه، ولا سلام، وشمل الفساد جميع أحواله، ونواحيه، وحقت عليه كلمة الله:
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) «١» .
حاجة العالم إلى مخلص ومنقذ
ترى- أيها القارىء- هل يترك الله سبحانه- وهو الرحمن الرحيم- العالم يتخبط في هذه الدياجير المظلمة، ووسط هذه الأمواج الهائجة، التي تتقاذفه ذات اليمين وذات الشمال، وهذه الأوضاع السيئة الجائرة التي ذكرنا لك ذروا منها؟!!.
لا، ما كان الله ليدع العالم هكذا، فيا ترى من ذا الذي اختارته العناية الإلهية والرحمة الربانية ليخلص هذا العالم الحائر المضطرب المظلم، الخائف الذي أمسى على شفا جرف هار؟
إنه نبي التوحيد، ونبي البر، ونبي الرحمة، ونبي العدل، ونبي الملحمة، إنه نبينا محمد ﷺ .
لماذا اختار الله خاتم أنبيائه من العرب ؟
قلت فيما سبق إن العرب هم أفضل الجنس السامي، وإن لغتهم هي أسمى اللغات السامية، وأثراها، وأكثرها خصائص، وأصلحها لأن ينزل بها كتاب معجز باق على وجه الدهر.
ولئن كان الفساد والاضطراب قد ساد العالم المعروف قبل البعثة المحمدية
стр. 235
- عربا وغير عرب-، إلا أنه- والحق يقال- لم يكن هناك شعب من الشعوب له رصيد من الفضائل النفسية، والذاتية، والخصائص الجسدية، والعقلية، والأخلاقية مثل ما كان للشعب العربي، كالمحافظة على الأنساب، وسلامة اللغة، والذكاء، والفطنة، وصفاء النفس، وإرهاف الحس، والشجاعة، والمروءة، والنجدة، وحماية الجار، والعزة، والحرية، وإباء الضيم، والوفاء بالعهد، والقدرة على البيان، وفصاحة اللسان، وتملك نواصي فنون القول، والتأثر بالكلمة، والغيرة على الأعراض، والتضحية بالنفس والأهل والمال في سبيل ما يعتقد، أو يقتنع به، واقتحام المخاطر ومواطن الأهوال من غير تهيب ولا وجل، إلى غير ذلك من الصفات التي كانت متأصلة في العرب، وقد علمت فيما سبق عزم عبد المطلب على ذبح أحب أبنائه إليه وفاء بنذره، وما كان من السموأل حينما ضحّى بابنه وفاء بوعده، وما كان من النعمان بن المنذر حينما أنف- وهو التابع- أن يزوج ابنته من كسرى- وهو المتبوع الغالب- وتحمّل في سبيل ذلك ما تحمل، إلى غير ذلك مما لا يتسع المقام لبسط القول فيه، وهي أحداث تدل على معان كبيرة، وعلى خصائص أصيلة لهذا الجنس العربي.
لهذا- ولغيره- اختار الله خاتم أنبيائه ورسله من العرب برسالة عامة خالدة، واستأهل العرب أن يكونوا أحق الشعوب بحمل هذه الرسالة، وتبليغها إلى الناس جميعا، ولم يمض قرن من الزمان حتى بلغ الإسلام ما بلغ الليل والنهار، وامتدت دولته من المحيط إلى المحيط.
ومن هذا العرض الموجز نرى أن بعثة النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه كانت ضرورة بشرية لإنقاذ العالم مما تردّى فيه من مهاوي الضلال، والمفاسد، والاثام، وصدق الحق ﵎ حيث يقول:
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) «١» .
وها هو العالم اليوم في جاهلية دونها الجاهلية الأولى، ولا مخلّص له مما يعانيه إلا اتباع شريعة الحق والعدل، والخير والسلام: شريعة الإسلام.
стр. 236
الفصل الثامن البشارة بالنّبيّ ﷺ في الكتاب السّماويّة السّابقة
الرسل جميعا إخوة لعلّات «١» ، تجمعهم عقيدة واحدة، ودين واحد، والأديان السماوية كلها تتفق في الأصول، وإن اختلفت في الشرائع والفروع، قال عز شأنه:
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (١٣) «٢» .
وقال:
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً (٤٨) «٣» .
فالاية الأولى في الأصول التي لا تختلف اختلاف العصور والأزمان، والثانية في الفروع التي تتغير بتغير الأزمنة والأحوال.
وقد أخذ الله العهد على الأنبياء إذا جاءهم رسول الله مصدّق لما معهم أن يؤمنوا به ولا يكذبوه: قال عز شأنه:
стр. 237
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) «١» .
وإذا كان هذا حال الأنبياء بعضهم مع بعض فأحرى بالأقوام أن يكونوا أشد انقيادا للحق إذا ظهر، ومسارعة إلى الإيمان بالرسل متى قام الدليل، وظهرت الحجة.
وقد توافرت البراهين والايات الدالة على نبوة خاتم الأنبياء ما لم تتوفر لغيره من الأنبياء، لأنه جاء بالدين العام الخالد، والشريعة التي لا تنسخها شريعة.
وبشّر به وبرسالته من سبقه من الأنبياء ولا سيما موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، قال تعالى:
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) «٢» .
وقال تعالى مقيما الحجة على النصارى الذين جحدوا رسالة خاتم الأنبياء:
стр. 238
وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) «١» .
والقران الكريم هو الشاهد والمهيمن على الكتاب السماوية السابقة، فما جاء به هو الحق، وما خالفه باطل.
ومع أن اليهود والنصارى قد حرّفوا التوراة والإنجيل ولا سيما فيما يتصل بالنبي من أوصاف وبشارة، فقد بقي من نصوصهما نبوات تدل على البشارة بالنبي، وبعضها يكاد يكون نصا في هذا.
ففي التوراة وردت نبوءة على لسان موسى ﵇: «أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به» «٢» . وهذا واضح وضوح الشمس في رابعة النهار أن المراد به نبينا محمد ﵊، وأن المراد بإخوتهم أبناء إسماعيل ﵇، وليس في الأنبياء الذين جاؤوا من بعد موسى في تعاقب مستمر، حتى ظهور عيسى من ادّعى أنه النبي الموعود في هذه النبوءة، ولا يمكن أن يحمل على أحد من خلفائه من أنبياء بني إسرائيل الذين جاؤوا لتنفيذ شريعته، لأنهم ليس فيهم أحد مثله، وقد نص في اخر سفر التثنية على أنه لم يقم في بني إسرائيل نبي مثله.
وكان أمر النبوءة معروفا لدى الخاصة والعامة من اليهود الذين انتظروا جيلا بعد جيل ظهور نبي مثل موسى، ويؤيد هذا تأييدا قويا ذلك الحوار الذي دار بين يوحنا المعمدان «٣» وأولئك الذين وفدوا عليه ليسألوه: من أنت؟ فاعترف ولم ينكر، وأقر أني لست المسيح، فسألوه: إذن ماذا؟ إيليا أنت؟ فقال: لست
стр. 239
أنا؟ ذلك النبي أنت؟ فأجاب: لا، فقالوا: ما بالك إذن تعمد إذ كنت لست إيليا، ولا المسيح، ولا النبي «١» .
فهذا النص يدل على نحو يقيني أن اليهود كانوا يترقبون ظهور ثلاثة أنبياء مختلفين: أولهم (إيليا) الذي اعتقدوا أنه سوف يظهر بشخصيته كرة أخرى على هذه الأرض، وثانيهم المسيح، وثالثهم نبي ذو شهرة إلى درجة رأوا معها أنه ليس من الضروري نعته بأي وصف مميز، كأن قولهم: «ذلك النبي» كاف للدلالة على ما يعنون، وبذلك تعيّن أن يكون المراد بالنبي هو نبينا محمدا ﷺ .
وإذا قلبنا صفحات التاريخ لم نجد أيما نبي غير نبينا محمد أعلن أنه النبي الذي بشر موسى بظهوره، ولم نجد أيما كتاب مقدس غير القران أشار إلى تحقيق النبوءة في شخص امرىء ما.
ثم إن الواقع يؤيد هذا، فقد كان موسى- ﵇ صاحب شريعة، وكذلك كان محمد ﵊ صاحب شريعة مستقلة، وليس بين الأنبياء الإسرائيليين نبي جاء قومه بشريعة جديدة، ومن هنا كان النبي محمد بوصفه النبي الوحيد الذي أعطي شريعة، هو واحده النبي الذي هو مثل موسى.
وهناك نبوءة أخرى تكاد تكون صريحة أيضا في البشارة بالنبي، ففي التوراة: «جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من ساعير، وتلألأ من جبل فاران» «٢» ، فالمجيء من سيناء يشير إلى ظهور موسى، والإشراق من ساعير إشارة إلى ظهور عيسى، وتلألئه من جبل فاران إشارة إلى ظهور نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، إذ إن التوراة تطلق فاران على أرض الحجاز (مكة) حيث ظهر نبينا محمد ﵊.
стр. 240
وثمة نبوءة رابعة تدل على أن أرض النبي الموعود هي بلاد العرب وهي: «وحي من جهة بلاد العرب، في الوعر من بلاد العرب، تبيتين يا قوافل الدادانيين، هاتوا ماء لملاقاة العطشان، يا سكان أرض تيماء وافوا الهارب بخبزة، فإنهم من أمام السيوف قد هربوا، من أمام السيف المسلول، ومن أمام القوس المشدودة، ومن أمام شدة الحرب» «١» .
فكلمة بلاد العرب لها مغزى خاص كاف، والإشارة إلى من هاجر يلقي ضوا على من المراد بالنبوة، فتاريخ العالم لم يدوّن غير هجرة واحدة قدّر لها أن تكتسب الحدث الحاسم هي هجرة رسولنا محمد من مكة إلى المدينة، وفي هذه الكلمات «من أمام السيوف قد هربوا» لشهادة أبلغ على أنه هو المقصود بالنبوءة، فقد تواطأت كتب الأحاديث والسير على أن النبي ليلة الهجرة كان محاطا بأعدائه الشاهرين سيوفهم فعلا، المتعطشين للدماء، المستعدين تمام الاستعداد للانقضاض عليه بجمعهم حينما يخرج من بيته، وبحسبنا هذه النبوات الأربع من التوراة.
وكان اليهود قبل مجيء النبي ﷺ يبشرون به ويقولون لعرب المدينة إذا قاتلوهم: (لقد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا، وسنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم) ، فلما بعث جحدوا رسالته، وحسدوه، وحاربوه قال تعالى:
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) «٢» .
وكذلك بشّر الإنجيل بالنبي، وهذه الأناجيل الموجودة اليوم وإن كانت
стр. 241
محرفة، كما أقر بذلك الأحرار المفكرون من علماء النصرانية، إلا أنها قد بقي فيها ما يدل على البشارة بالنبي ﷺ .
فمن ذلك ما جاء في إنجيل يوحنا، قال يسوع: «إن كنتم تحبوني فاحافظوا وصاياي، وأنا أطلب من الاب فيعطيكم معزيا اخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق، الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه، ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم فيكون فيكم» «١» ويقول: «وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الاب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم» «٢» ويقول: «ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الاب، روح الحق الذي من عند الله الاب ينبثق فهو يشهد لي» «٣» .
ويقول: «لكني أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله لكم» «٤» ويقول: «إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم، ولكنكم لا تستطيعون أن تحتملوا الان، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق» «٥» وهي بشارات تكاد تكون نصا في الإخبار بنبوة خاتم الأنبياء، ومع وضوح هذه البشارات فقد أرهق اللاهوتيون النصارى أنفسهم- وما يزالون- ابتغاء العدول بها عن قصدها بحيث تنطبق على الروح القدس، وفي الحق أن صيغة النبوءة لا تجيز قط هذا الاستنتاج لقوله:
«إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي» كلام من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تعليق «٦» .
وقد كان في الأصل الأول للإنجيل التعبير في البشارات عن اسم النبي بكلمة «البارقليط» ولكنه لما ترجم إلى العربية فسرها بعضهم (بالمخلص) ،
стр. 242
وفسرها اخرون (بالمعزي) ، وقد سأل المرحوم الأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار المستشرق الإيطالي (نلينو) - وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في اداب اللغة اليونانية، وكان يدرس في الجامعة المصرية القديمة- عن معنى (البارقليط) فقال:
إن القسس يقولون إن هذه الكلمة معناها المعزي، فقال له: أنا أسأل الدكتور (نلينو) الحاصل على الدكتوراه في الاداب اليونانية القديمة، ولا أسأل قسيسا!! فقال نلينو: معناها الذي له حمد كثير، فقال له: هل ذلك يوافق أفعل التفضيل من حمد؟ فقال: نعم «١» وصدق الله حيث قال: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ وقد سبق المستشرق (نلينو) الإمام الالوسي فقد قال: إنه لفظ يؤذن بالحمد.
يقول العلامة الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه القيم «إظهار الحق» : «إنه قبل أن يقدّم أوجه الاستدلال بهذه الفقرات- يريد الفقرات التي نقلها من الأناجيل للاستدلال بها على بشارة السيد المسيح بالنبي الخاتم محمد عليهما الصلاة والسلام- يود أن ينبه إلى أن السيد المسيح كان يتحدّث باللغة الارامية، وهي مشتقة من اللغة العبرية، وأنه مما لا شك فيه أن الإنجيل الرابع إنجيل يوحنا- ترجم اسم المبشّر به باللغة اليونانية حسب العادة، ثم جاء مترجمو اللغة العربية، فترجموا اللفظ اليوناني ب «فارقليط» ، وقد ذكرت من قبل تصرفهم في الأسماء، وقد حاول «اردو» صرف المسلمين عن الاستدلال بهذه البشارة، فذكر أن لفظ «فارقليط» معرب من اللفظ اليوناني ثم قال: فإن قلنا:
إن هذا اللفظ اليوناني الأصل «باراكلي طوس» فيكون بمعنى المعزي والمعين والوكيل.
وإن قلنا: إن اللفظ الأصلي «بيركلي طوس» فيكون قريبا من معنى محمد، أو أحمد، ولكن الصحيح أن اللفظ «باراكلي طوس» وليس «بيركلي طوس» .
وقد ردّ عليه الشيخ رحمة الله الهندي، فقال: إنه من الواضح أن التفاوت بين اللفظين يسير جدا، وأن الحروف اليونانية كانت متشابهة، وأن استبدال
стр. 243
«باراكلي طوس» ب «بيركلي طوس» في بعض النسخ من الكاتب قريب القياس، ثم رجح أهل التثليث هذه النسخة على النسخ الاخرى.
أقول: وما دامت الكلمة محتملة لأن تكون «بيركلي طوس» وأن تكون «باراكلي طوس» فلنلجأ إلى الترجيح كما هي قواعد البحث العلمي الصحيح، وليس من شك في أن «بپركلي طوس» هي الراجحة لأنها يوافقها القران الكريم الذي هو الشاهد والمهيمن على الكتاب السماوية، لأنه الكتاب السماوي الذي سلّم من التحريف، والتبديل بإجماع المسلمين، وشهادة العقلاء وأحرار الفكر من المسيحيين، والله ﵎ يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
وقد ورد في «إنجيل برنابا» الذي كان في طي الخفاء وظهر منذ زمن قريب ما يدل على البشارة بالنبي صراحة، ولم يسع القسس إلا الطعن فيه، وقالوا:
إنه من وضع العرب، وهي دعوى لم يقم عليها دليل، فقد أثبت بعض الباحثين أنه موجود من قبل ميلاد النبي ﷺ .
وقد تواترت الأخبار قبل النبوة المحمدية بقرب ظهور نبي من العرب بشّرت به التوراة والإنجيل على لسان الأحبار والرهبان، وحدث سلمان الفارسي الصحابي الجليل أنه صحب قسيسا، فكان يقول له: «يا سلمان إن الله سوف يبعث رسولا اسمه أحمد من جبال تهامة «١» ، علامته أن يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة» وكان هذا من أسباب إسلام سلمان لما بلغته الدعوة المحمدية.
وكان هذا أيضا من أسباب مسارعة الأنصار إلى قبول الإسلام، ذلك أنهم لما عرض عليهم النبي الإسلام قال بعضهم لبعض: هذا الذي حدثتكم عنه يهود فلا يستبقنكم إليه!!
стр. 244
بين يدي النبوة
فترة الخلوة
وقبيل النبوة حبّب إلى رسول الله ﷺ الخلوة عن الخلق، والانصراف إلى الخالق، لما في الخلوة من صفاء النفس، وهدوء البال، والتفكر في ملكوت الله، وعظيم خلقه، وجليل قدرته، فكان يخلو ب غار حراء «١» في رمضان من كل عام، ويطعم من جاءه من الفقراء والمساكين، فإذا قضى جواره من شهره كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعا، أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، وكانت السيدة خديجة- ﵂ تعينه على هذه الخلوة وتعدّ له الزاد والطعام، وكان رسول الله يرجع إليها في أثناء الخلوة ليتعهدها، ويأخذ زاده، وما زال يخلو ويتعبد»
بهذا الغار حتى أكرمه الله بالنبوة، ونزل عليه الوحي.
غار حراء
وحراء جبل في أعلى مكة على ثلاثة أميال منها، عن يسار المار إلى منى، له قنة مشرفة على الكعبة منحنية. والغار في تلك الحنية. قال رؤبة بن العجاج:
فلا وربّ الامنات القطن ... وربّ ركن من حراء منحني
وسمي الغار باسم هذا الجبل، وكان هذا الغار معروفا عند العرب في الجاهلية، وكان بعضهم يخلو فيه ويتعبد، وقد ذكره أبو طالب في قصيدته المشهورة فقال:
وثور ومن أرسى ثبيرا «٣» مكانه ... وراق ليرقى في حراء ونازل
стр. 245
وللغار مدخل يتسع للرجل البدين، ويقف فيه الرجل الفارع، ويتسع لبضعة رجال يصلون ويجلسون، وقد صعدت إليه وأنا في سن الشباب في أكثر من ساعة، وجلست فيه، وصليت ركعتين، فلله الحمد والمنة.
والغار في مكان يبعث على التأمل والتفكر، تنظر إلى منتهى الطرف فلا ترى إلا جبالا كأنها ساجدة متطامنة لعظمة الله، وإلا سماء صافية الأديم، وقد يرى من يكون فيه مكة إذا كان حاد البصر.
بعض ما أكرم الله به نبيه قبيل النبوة «١»
فمن ذلك ما ذكره ابن إسحاق في سيرته بسنده عن أهل العلم الثقات أن رسول الله ﷺ حين أراده الله بكرامته، وابتدأه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت «٢» ، ويفضي إلى شعاب «٣» مكة، وبطون أوديتها، فلا يمر رسول الله بحجر، ولا شجر إلا قال: «السلام عليك يا رسول الله» «٤» فيلتفت الرسول حوله، وعن يمينه، وعن شماله، فلا يرى إلا الشجر والحجارة، فمكث رسول الله ﷺ كذلك يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث، ثم جاءه جبريل- ﵇ بما جاءه من كرامة الله، ووحيه وهو بحراء في شهر رمضان. وفي صحيح مسلم: «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الان» «٥» .
стр. 246
الباب الثالث من البعثة إلى الهجرة
الفصل الأول: النبوّة.
الفصل الثاني: أطوار الدعوة إلى الإسلام.
الفصل الثالث: الجهر بالدعوة وما صاحبه من إيذاء وإغراء.
الفصل الرابع: أحداث هامة في العهد المكيّ.
الفصل الخامس: الذهاب إلى الطائف.
الفصل السادس: الإسراء والمعراج.
الفصل السابع: عرض رسول الله نفسه على قبائل العرب في موسم الحج.
الفصل الثامن: الهجرة إلى المدينة.
стр. 247
الفصل الأوّل النّبوّة
ولما بلغ رسول الله ﷺ الأربعين من عمره المبارك نبّأه الله، وأوحى إليه، وكان ذلك في ربيع الأول. وكان أول ما بدىء به النبي من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا تحقق صدقها، ورؤيا الأنبياء وحي، وقد مكث على هذه الحال ستة أشهر حتى نزل عليه جبريل الأمين بالوحي القراني، وذلك في السابع عشر من رمضان من هذا العام على ما عليه المحققون من العلماء، قال تعالى:
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ «١» يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) «٢» .
وكان التقاء الجمعين في بدر في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة بالإجماع.
ابتداء نزول القران
وقد كان أول ما نزل من القران في هذا اليوم المشهود الفذّ خمس ايات من صدر سورة اقرأ، وهي:
стр. 248
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) «١» .
وكان ذلك في رمضان حسبما قال :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ (١٨٥) «٢» .
وكان ذلك في ليلة القدر كما قال عز شأنه:
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) ... «٣» .
وهي الليلة المباركة التي ذكرها الله في قوله:
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) «٤» .
وقد كانت طلائع الوحي الإلهي فيها إشادة بالقلم وخطره، وبالعلم ومنزلته في بناء الشعوب والأمم، فما أصدقها من طلائع تجعل العلم والمعرفة من أخص خصائص الإنسان.
стр. 249
رجوع النبي لخديجة
وبعد نزول هذه الايات الخمس في قصة مثيرة التقت فيها البشرية بالملائكية على غير عهد سابق رجع النبي ﷺ وهو يرتعد من شدة الخوف، حتى أتى السيدة خديجة فأخبرها بما جرى، وقال لها: «لقد خشيت على نفسي» فطمأنته وأكدت له أنه ما كان الله ليخزيه أبدا، وقالت له: «أبشر يا ابن عم، فو الذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة» «١» .
إلى ورقة بن نوفل
ثم انطلقت به خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان ممن تنصّر في الجاهلية، وعنده علم بالتوراة والإنجيل، وكان ممن يعبد الله ويواحده، فقص عليه النبي قصته فبشره بالنبوة، وقال له: هذا هو الناموس «٢» الذي كان ينزل على موسى، وأخبره بما سيجده من قومه من عنت وأذى، وأنهم سيخرجونه من بلده مكة، وتمنى لو أدركته الرسالة لينصره نصرا مؤزرا، ولكن ورقة لم يلبث أن توفي بعد أن امن بالنبي وصدق به.
قصة بدء الوحي كما رواها الشيخان
وإليك ما رواه الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحيهما «٣» بسندهما واللفظ للبخاري- عن عائشة- ﵂ قالت:
«أول ما بدىء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة «٤» في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح «٥» ، ثم حبّب إليه الخلاء، وكان
стр. 250
يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه- وهو التعبد- «١» الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع «٢» إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارىء» قال:
فأخذني، فغطّني «٣» ، حتى بلغ مني الجهد «٤» ، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: «ما أنا بقارىء» فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: «ما أنا بقارىء» فأخذني فغطّني الثالثة «٥» ثم أرسلني، فقال:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) .
فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده «٦» فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: زمّلوني «٧» ، زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع «٨» ، فقال لخديجة- وأخبرها الخبر-: لقد خشيت على نفسي «٩» ، فقالت