فلا عجب أن أسرعوا إلى إجابته، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، وسنقدم عليهم، وندعوهم إلى الإسلام ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك. ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم بعد أن آمنوا وأسلموا، وكانوا ستة نفر فيما ذكر ابن إسحاق- وهم:
(١) أسعد بن زرارة من بني النجار، وقال أبو نعيم: إنه أول من أسلم من الأنصار من الخزرج. (٢) وعوف بن الحارث بن رفاعة من بني النجار، وهو ابن عفراء بنت عبيد النجارية، وهي أم معاذ، ومعوذ، وإليها ينسبون.
(٣) ورافع بن مالك بن العجلان الزرقي. (٤) وقطبة بن عامر من بني سلمة «١» . (٥) وعقبة بن عامر بن نابي السلمي أيضا، ثم من حرام.
(٦) وجابر بن عبد الله بن رياب «٢» السلمي، ثم من بني عبيد.
وذكر موسى بن عقبة في مغازيه أنهم كانوا ثمانية، منهم من ذكره ابن إسحاق، وبعضهم لم يذكره وهم:
(١) أسعد بن زرارة. (٢) ورافع بن مالك. (٣) ومعاذ بن عفراء.
(٤) ويزيد بن ثعلبة. (٥) وأبو الهيثم بن التّيّهان. (٦) وعويم بن ساعدة.
(٧) وعبادة بن الصامت. (٨) وذكوان.
فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم أمر رسول الله ﷺ ، ودعوهم إلى
стр. 422
الإسلام حتى فشا فيهم، ولم تبق دار من دور الأنصار حتى كان فيها ذكر لرسول الله والإسلام.
بيعة العقبة الأولى «١»
حتى إذا كان العام المقبل قدم على النبي ﷺ اثنا عشر رجلا، فأسلموا وبايعوا رسول الله ﷺ ، منهم خمسة من الستة الذين أسلموا أولا، وهم:
(١) أسعد بن زرارة. (٢) وعوف بن عفراء. (٣) ورافع بن مالك.
(٤) وقطبة بن عامر السلمي. (٥) وعقبة بن عامر بن نابي.
والسبعة الباقون هم: (٦) معاذ بن الحارث بن رفاعة وهو ابن عفراء أخو عوف المذكور. (٧) وذكوان بن عبد قيس البدري الزرقي «٢» . (٨) وعبادة بن الصامت بن قيس. (٩) وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة «٣» .
(١٠) والعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان «٤» وهؤلاء العشرة من الخزرج. (١١) وأبو الهيثم مالك بن التّيّهان «٥» من بني عبد الأشهل.
(١٢) وعويم بن ساعدة- وهما أوسيان- فلما عادوا إلى المدينة أظهروا الإسلام ودعوا إليه.
стр. 423
علام كانت المبايعة ؟
وقد ذكر ابن إسحاق في سيرته بسنده عن عبادة بن الصامت- ﵁ قال: «كنت ممن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب: على ألانشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفّيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله، إن شاء عذب وإن شاء غفر» .
وذكر عن ابن شهاب نحو ذلك ولكنه أوفى وأتم، ولفظه: «وإن غشيتم من ذلك شيئا فأخذتم بحدّه في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله- إن شاء عذّب، وإن شاء غفر» .
وقد تابع ابن إسحاق- ﵀ بعض كتاب السيرة من القدماء، وبعض المحدثين كالدكتور محمد حسين هيكل، وظاهر رواية الشيخين في صحيحيهما تفيد ذلك، فقد رويا بسندهما- واللفظ للبخاري- أن عبادة بن الصامت- ﵁ وكان شهد بدرا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة- قال: إن رسول الله ﷺ قال وعليه عصابة «١» : «بايعوني على ألاتشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك» وليس في هذه الرواية الصحيحة تصريح بأن هذه المبايعة كانت ليلة العقبة، وليس من شك في أن اية بيعة النساء نزلت بعد الحديبية بلا خلاف، وأين العقبة الأولى من الحديبية؟ فمن ثم سلك العلماء المحققون في مقالة ابن إسحاق على بيعة النساء مسالك:
стр. 424
فقال ابن كثير: «وقوله على بيعة النساء يعني: على وفق ما نزلت عليه اية بيعة النساء بعد ذلك عام الحديبية، وكان هذا مما نزل على وفق ما بايع عليه أصحابه ليلة العقبة. وليس هذا بعجيب، فإن القران نزل بموافقة عمر بن الخطاب في غير ما موطن كما بيّناه في سيرته، وفي التفسير، وإن كانت هذه البيعة وقعت على وجه غير متلو فهو أظهر والله أعلم» «١» .
ولكن الإمام الحافظ ابن حجر يرى أن المبايعة المذكورة في حديث عبادة لم تقع ليلة العقبة، وأن المبايعة هذه الليلة كانت على الإيواء، والنصرة، والسمع والطاعة، ففي حديث عبادة عند البخاري قال: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره ... » الحديث.
وأصرح من ذلك في المراد ما أخرجه أحمد، والطبراني من وجه اخر عن عبادة بن الصامت أنه جرت له قصة مع أبي هريرة عند معاوية بالشام، فقال:
«يا أبا هريرة، إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة: في النشاط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول الحق، ولا نخاف في الله لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله ﷺ إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا، وأبناءنا، ولنا الجنة، فهذه بيعة رسول الله ﷺ التي بايعناه عليها» .
وأما المبايعة على الصفة المذكورة فإنما وقعت بعد فتح مكة بعد أن نزلت الاية التي في الممتحنة، وهي قوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) «٢» .
стр. 425
ونزول هذه الاية متأخر بعد قصة الحديبية بلا خلاف، والدليل على ذلك ما عند البخاري في «كتاب الحدود» في حديث عبادة هذا «أن النبي ﷺ لما بايعهم قرأ الاية كلها» وفي صحيح مسلم قال: «فتلا علينا اية النساء قال:
لا تشركن بالله شيئا..» .
وفي رواية الطبراني للحديث: «بايعنا رسول الله ﷺ على ما بايع عليه النساء يوم فتح مكة..» ثم قال: فهذه أدلة ظاهرة في أن هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول الاية بعد صدور البيعة، بل بعد فتح مكة، وإنما حصل الالتباس من جهة أن عبادة بن الصامت حضر البيعتين معا: العقبة، والبيعة على مثل بيعة النساء يوم الفتح، وكانت بيعة العقبة من أجل ما يتمدّح به. فكان يذكرها إذا حدّث تنويها بسابقته، فلما ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء عقب ذلك توهّم من لم يقف على حقيقة الحال أن البيعة الأولى وقعت على ذلك «١» .
وهذا الذي ذكره الحافظ هو الذي يجب أن يصار إليه، فهو- ﵀ من أعلم الناس بالقران وتنزلاته، والسنة وطرق الجمع بين رواياتها المختلفة، وبالسيرة وتواريخ الصحابة، وله انتقادات كثيرة صائبة على ابن إسحاق وغيره من كتاب السير وتاريخ الرجال.
وهذه التحقيقات والتنبيه إلى المغالط والأوهام في الرواية هي من أهم ما يعنى به الدارسون للسيرة النبوية في ضوء القران والسنة، وهي قد تخفى على غير المتخصصين في علوم القران والسنة وعلومها، فالحمد لله الذي هدانا لهذا.
والخلاصة: أن المبايعة في العقبة الأولى كانت على السمع والطاعة في العسر واليسر، وفي المنشط والمكره، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقول الحق، وألايخافوا في الله لومة لائم، وعلى الولاء والنصرة لرسول الله إذا قدم عليهم يثرب، وأن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم، وأولادهم، وأما المبايعة على مثل بيعة النساء فقد كانت بعد ذلك.
стр. 426
أول جمعة جمّعت في المدينة قبل الهجرة
وقد كان من ماثر السيد الصحابي الجليل أسعد بن زرارة النجاري الخزرجي أنه أول من صلّى بالناس الجمعة قبل مقدم النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، فقد روى ابن إسحاق بسنده عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال:
«كنت قائد أبي كعب بن مالك حين ذهب «١» بصره، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان بها صلّى «٢» على أبي أمامة أسعد بن زرارة، قال: فمكث حينا على ذلك لا يسمع الأذان للجمعة إلا صلّى عليه واستغفر له، قال: فقلت في نفسي: والله إن هذا بي لعجز ألاأسأله: ما له إذا سمع الأذان للجمعة صلّى على أبي أمامة أسعد بن زرارة؟
قال: فخرجت به في يوم جمعة كما كنت أخرج، فلما سمع الأذان للجمعة صلّى عليه، واستغفر له، فقلت له: يا أبت مالك إذا سمعت الأذان للجمعة صلّيت على أبي أمامة؟ فقال: أي بني، كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم النبيت من حرّة بني بياضة، يقال له: نقيع الخضمات، قلت: وكم أنتم يومئذ؟ قال:
أربعون رجلا» ورواه أبو داود وابن ماجه من طريق ابن إسحاق.
أول مبعوث في الإسلام
لما انصرف القوم من الأوس والخزرج إلى المدينة كتبوا إلى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا من يقرئنا القران، وقد صادف هذا هوى من نفس النبي ﷺ ، فأرسل إليهم الصحابي الجليل مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي «٣» ، وأمره أن يقرئهم القران، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم
стр. 427
في الدين، وأن يؤمهم في الصلاة، وذلك أن الأوس والخزرج كره كل منهم أن يؤمه الاخر، وكان يسمى بالمدينة «المقرىء» و «القارىء» ، وكان نزوله بالمدينة على السيد الصحابي الجليل السابق إلى الخير سيد الخزرج، ونقيب بني النجار أسعد بن زرارة بن عدس بن أبي أمامة.
نجاح مصعب في مهمته
وقد نجح داعية الإسلام بالمدينة في إسلام الكثيرين من أهلها، ومن أجلّهم سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير «١» ، وبإسلامهما أسلم الكثيرون من بني عبد الأشهل وغيرهم، وإليك قصة مصعب معهما، فإن فيها أسوة حسنة لكل داع إلى الله، وإلى الإسلام بإخلاص وعقيدة، وتفان في سبيل الدعوة.
ذلك أن مصعب بن عمير نزل على أسعد بن زرارة سابق الأنصار إلى الإسلام، فخرج أسعد بمصعب يريد دار بني عبد الأشهل، ودار بني ظفر، فدخل به أسعد حائطا «٢» من حيطان بني ظفر على بئر يقال لها: بئر مرق، فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممّن أسلم، وكان سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير سيّدي قومهما من بني عبد الأشهل، وكانا مشركين على دين قومهما، فلما سمعا بمصعب بن عمير ونشاطه في الدعوة إلى الإسلام قال سعد لأسيد: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين أتيا دارينا ليسفّها ضعفاءنا فازجرهما، وانههما أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما.
فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل عليهما، فلما راه أسعد بن زرارة
стр. 428
قال: هذا سيد قومه وقد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه، فوقف عليهما متشتما فقال: ما جاء بكما تسفّهان ضعفاءنا؟! اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب بلسان المؤمن الهادىء الواثق من سماحة دعوته: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كفّ عنك ما تكره؟!
قال أسيد: أنصفت، ثم ركز حربته، وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القران، فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهّله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطهّر وتطهّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلّي، فقام فاغتسل وطهّر ثوبيه وتشهّد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلّف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكم الان: سعد بن معاذ.
ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم!! فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال:
كلمات الرجلين فو الله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك «١» .
فقام سعد مغضبا مبادرا مخوفا للذي ذكر له من أمر بني حارثة، وأخذ الحربة في يده ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا، ثم خرج إليهما سعد فوجدهما مطمئنين، فعرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف متشتما، ثم قال لأسعد بن زرارة: والله يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارنا بما نكره وكان أسعد قد قال لمصعب: لقد جاءك- والله-
стр. 429
سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلّف منهم اثنان، فقال له مصعب:
أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، فقال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس فعرض عليه الإسلام، وقرأ القران، وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول سورة الزخرف، قالا:
فعرفنا- والله- في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله.
ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم، ودخلتم في هذا الدين؟
قالا: تغتسل، فتطّهر وتطهّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلّي ركعتين، فقام فاغتسل، وطهر ثوبيه، وشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عائدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما راه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا:
سيدنا وأفضلنا رأيا وأيماننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فو الله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة.
ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال مسلمون ونساء مسلمات، إلا ما كان من الأصيرم «١» وهو عمرو بن ثابت بن وقش «٢» ، فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم، واستشهد بأحد، ولم يصلّ لله سجدة قط، وأخبر رسول الله ﷺ أنه من أهل الجنة.
وقد روى ابن إسحاق- بإسناد حسن- عن أبي هريرة أنه كان يقول:
«حدّثوني عن رجل دخل الجنة لم يصلّ صلاة قط، فإذا لم يعرفه الناس قال
стр. 430
هو أصيرم بني عبد الأشهل» ولم يكن في بني عبد الأشهل منافق ولا منافقة بل كانوا حنفاء مخلصين- ﵃ وإلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف، وهم من الأوس بن حارثة، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت واسمه صيفي، وقيل: الحارث، وقيل: عبيد الله، وكان شاعرا وقائدا لهم يستمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام حتى كان بعد الخندق، وقد اختلف في إسلامه، فالأكثرون- ابن إسحاق والزبير بن بكار والواقدي- على أنه لم يسلم، وأن الذي حال بينه وبين الإسلام بعد أن عزم عليه ابن أبيّ رأس النفاق، وقيل: إنه أسلم، والأول هو الصحيح «١» .
بيعة العقبة الثانية
ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة بعد أن دعا إلى الله بإخلاص وعزيمة صادقة، وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، فوعدوا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق حين أراد بهم ما أراد من كرامته ونصر نبيه، وإعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وذويه، وكان في القوم كعب بن مالك، والبراء بن معرور سيد من ساداتهم وكبير من كبرائهم، فقال لهم: إني قد رأيت رأيا فو الله ما أرى أتوافقونني عليه أم لا؟
فقالوا: وما ذاك؟ قال: قد رأيت ألاأدع هذه البنيّة- يعني الكعبة- مني بظهر، وأن أصلي إليها، فقالوا له: والله ما بلغنا أن النبي ﷺ يصلّي إلا إلى الشام- ببيت المقدس- وما نريد أن نخالفه، فكانوا إذا حضرت الصلاة صلّوا إلى بيت المقدس، وصلّى هو إلى الكعبة، واستمروا كذلك حتى قدموا مكة، وتعرفوا إلى رسول الله ﷺ وهو جالس مع عمه العباس بالمسجد الحرام، فسأل النبي ﷺ العباس: «هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل» ؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك، فقال النبي ﷺ : «الشاعر؟» قال: نعم، فقصّ عليه البراء ما صنع في سفره من صلاته إلى الكعبة.
стр. 431
وقال: فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: «قد كنت على قبلة لو صبرت عليها» «١» قال كعب: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله ﷺ ، وصلّى معنا إلى الشام، فلما حضرته الوفاة أمر أهله أن يوجهوه قبل الكعبة، ومات في صفر قبل قدومه ﷺ بشهر، وأوصى بثلث ماله إلى النبي، فقبله وردّه على ولده، وهو أول من أوصى بثلث ماله.
إسلام عبد الله بن عمرو بن حرام
قال كعب- راوي القصة-: فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام- والد جابر- سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا، فكلّمناه، وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ إيانا العقبة، فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبا.
عدّة أصحاب العقبة الثانية
قال كعب: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من
стр. 432
نسائنا: نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجار «١» ، والثانية: أسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي إحدى نساء بني سلمة، وهي أم منيع، وقال الحاكم: كان عدتهم خمسة وسبعين رجلا وامرأة، وهو يزيد على ما ذكره ابن إسحاق.
وقال عروة بن الزبير وموسى بن عقبة: كانوا سبعين رجلا وامرأة واحدة، أربعون من ذوي أسنانهم، وثلاثون من شبانهم.
وقد تكفّل الإمام ابن إسحاق في سيرته بسرد أسمائهم، وقبائلهم، فمن أراد الاستقصاء فليرجع إليها «٢» ، وإليك خلاصة ذلك على ما ذكره ابن كثير في بدايته «٣» .
أسماء أصحاب بيعة العقبة الثانية
قال ابن كثير: وجملتهم على ما قال ابن إسحاق ثلاثة وسبعون رجلا، وامرأتان.
فمن الأوس أحد عشر رجلا: أسيد بن حضير أحد النقباء، وأبو الهيثم ابن التيّهان بدري أيضا، وسلمة بن سلامة بن وقش بدري، وظهير بن رافع، وأبو بردة بن نيار «٤» بدري، ونهير بن الهيثم من بني نابي بن مجدعة بن حارثة، وسعد بن خيثمة أحد النقباء بدري، وقتل بها شهيدا، ورفاعة بن عبد المنذر بن زنير نقيب بدري، وعبد الله بن جبير بن النعمان بن أمية بن البرك بدري، وقتل يوم أحد شهيدا أميرا على الرماة، ومعن بن عدي بن الجد بن عجلان بن الحارث بن ضبيعة البلوي حليف للأوس، شهد بدرا، وما بعدها، وقتل باليمامة شهيدا، وعويم بن ساعدة شهد بدرا وما بعدها.
стр. 433
ومن الخزرج اثنان وستون رجلا: أبو أيوب خالد بن زيد شهد بدرا وما بعدها، ومات بأرض الروم زمن معاوية، ومعاذ بن الحارث، وأخواه عوف ومعوّذ، وهم بنو عفراء بدريون، وعمارة بن حزم شهد بدرا وما بعدها وقتل باليمامة، وأسعد بن زرارة أبو أمامة أحد النقباء مات قبل بدر، وسهل بن عتيك بدري، وأوس بن ثابت بن المنذر بدري، وأبو طلحة زيد بن سهل بدري، وقيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن كان أميرا على الساقة يوم بدر.
وعمرو بن غزية، وسعد بن الربيع أحد النقباء شهد بدرا وقتل يوم أحد شهيدا، وخارجة بن زيد بن أبي زهير بن مالك شهد بدرا، وقتل يوم أحد شهيدا، وعبد الله بن رواحة أحد النقباء شهد بدرا وأحدا والخندق، وقتل يوم مؤتة أميرا، وبشير بن سعد بدري، وعبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الذي أري النداء «١» وهو بدري، وخلّاد بن سويد بدري أحدي خندقي، وقتل يوم قريظة شهيدا طرحت عليه رحى فشدخته، فيقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن له لأجر شهيدين» وأبو مسعود عقبة بن عمرو البدري، قال ابن إسحاق:
وهو أحدث من شهد العقبة سنا، ولم يشهد بدرا، وزياد بن لبيد بدري، وفروة بن عمرو بن ودقة، وخالد بن قيس بن مالك بدري، ورافع بن مالك أحد النقباء.
وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق، وهو الذي يقال له: مهاجري أنصاري لأنه أقام عند رسول الله ﷺ بمكة حتى هاجر منها، وهو بدري قتل يوم أحد، وعبّاد بن قيس بن عامر بن خالد بن عامر بن زريق بدري، وأخوه الحارث بن قيس بن عامر بدري أيضا، والبراء بن معرور أحد النقباء، وأول من بايع فيما تزعم بنو سلمة، وقد مات قبل مقدم النبي ﷺ المدينة، وابنه بشر بن البراء وقد شهد بدرا وأحدا والخندق، ومات بخيبر شهيدا من أكلة مع رسول الله ﷺ من الشاة المسمومة التي صنعتها زينب زوجة
стр. 434
سلّام بن مشكم اليهودية، وسنان بن صيفي بن صخر بدري، والطفيل بن النعمان بن خنساء بدري، قتل يوم الخندق، ومعقل بن المنذر بن سرح بدري، وأخوه يزيد بن المنذر بدري، ومسعود بن يزيد بن سبيع.
والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بدري، ويزيد بن خذام بن سبيع، وجبار بن صخر بن أمية بن خنساء بن سنان بن عبيد بدري، والطفيل بن مالك بن خنساء بدري، وكعب بن مالك، وسليم بن عمرو بن حديدة بدري، وقطبة بن عامر بن حديدة بدري، وأخوه أبو المنذر يزيد بدري أيضا، وأبو اليسر كعب بن عمرو بدري، وصيفي بن أسود بن عباد.
وثعلبة بن غنمة بن عدي بن نابي بدري، واستشهد بالخندق، وأخوه عمرو بن غنمة بن عدي، وعبس بن عامر بن عدي بدري، وخالد بن عمرو بن عدي بن نابي، وعبد الله بن أنيس حليف لهم من قضاعة، وعبد الله بن عمرو بن حرام أحد النقباء، بدري واستشهد يوم أحد، وابنه جابر بن عبد الله، ومعاذ بن عمرو بن الجموح بدري، وثابت بن الجذع بدري وقتل شهيدا بالطائف، وعمير بن الحارث بن ثعلبة بدري، وخديج بن سلامة حليف لهم من بلي.
ومعاذ بن جبل شهد بدرا، وما بعدها، ومات بطاعون عمواس في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وعبادة بن الصامت أحد النقباء شهد بدرا وما بعدها، والعباس بن عبادة بن نضلة، وقد أقام بمكة حتى هاجر منها فكان يقال له: مهاجري أنصاري أيضا، وقتل يوم أحد شهيدا، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم حليف لهم من بلي، وعمرو بن الحارث بن لبدة، ورفاعة بن عمرو بن زيد بدري، وعقبة بن وهب بن كلدة حليف لهم بدري، وكان ممن خرج إلى مكة فأقام بها حتى هاجر منها، فهو ممن يقال له:
مهاجري أنصاري أيضا، وسعد بن عبادة بن دليم أحد النقباء، والمنذر بن عمرو نقيب بدري أحدي، وقتل يوم بئر معونة أميرا.
وأما المرأتان: فأم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية النجارية، والاخرى:
أم منيع أسماء بنت عمرو بن عدي السلمية.
стр. 435
حضور العباس العقبة استيثاقا لأمر ابن أخيه
قال كعب: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويستوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج- وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج لخزرجها وأوسها- إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الان فدعوه، فإنه في عزّ ومنعة من قومه وبلده، فقالوا: قد سمعنا يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
مقالة العباس بن عبادة بن نضلة
ولما اجتمع القوم لبيعة رسول الله ﷺ قام العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري- وهو أحد الذين بايعوا العقبة الأولى- فقال: يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الان، فهو- والله إن فعلتم- خزي الدنيا والاخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة «١» الأموال وقتل الأشراف، فخذوه، فهو- والله- خير الدنيا والاخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفّينا بذلك؟ قال:
«الجنة» قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه. وما أراد العباس- ﵁ بمقالته تلك إلا أن يشد العقد لرسول الله ﷺ في أعناقهم.
عهد رسول الله على الأنصار والمبايعة
وتكلم رسول الله ﷺ فتلا القران، ودعا إلى الله، ورغّب في الإسلام، ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم، وأبناءكم» .
стр. 436
فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيّا لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا «١» ، فبايعنا يا رسول الله، فنحن- والله- أبناء الحروب، وأهل الحلقة «٢» ورثناها كابرا عن كابر، وكانت وصاة رسول الله ﷺ لهم أن يوجزوا في القول، فقد روى البيهقي أنه قال: «ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم» .
وإنه لتوجيه كريم يدل على بعد النظر، وأصالة الرأي، وحسن التدبير في هذا الاجتماع الخطير.
مقالة أبي الهيثم بن التّيّهان
ولما فرغ البراء بن معرور من مقالته قام أبو الهيثم بن التيهان فقال:
يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا «٣» إنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: «بل الدم الدم والهدم الهدم «٤» ، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم» وقد وفى رسول الله ﷺ بما قال بل وبأكثر مما قال، فقد عرف للأنصار فضلهم وسابقتهم، وأوصى بهم خيرا.
مقالة أسعد بن زرارة
وكان ممن تكلم أيضا السيد الجليل أسعد بن زرارة فقال: سل يا محمد
стр. 437
لربك ما شئت، ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب إذا فعلنا ذلك، فقال: «أسئلكم لربي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأسئلكم لنفسي وأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا، وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم» قالوا فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: «الجنة» قالوا: فلك ذلك.
أول من بايع
ثم أقبل الأنصار على مبايعة رسول الله ﷺ بإخلاص وعزيمة، وقد اختلف الرواة في أول من بايع، فابن إسحاق يقول فيما يرويه عن كعب بن مالك إنه البراء بن معرور، وبنو النجار يزعمون أنه أبو أمامة أسعد بن زرارة، وهو الذي رواه ابن سعد في طبقاته عن العباس قال: أول من ضرب على يده ﷺ تلك الليلة أسعد بن زرارة، ثم البراء بن معرور، ثم أسيد بن الحضير «١» .
وبنو عبد الأشهل يقولون: بل أبو الهيثم بن التيهان، وقال ابن الأثير في «أسد الغابة» : وبنو سلمة يزعمون أن أول من بايعه ليلتئذ كعب بن مالك.
ولعل السبب في هذا الاختلاف أن كلا من هؤلاء تكلم ثم قام فبايع، فأخبر من راه يبايع، ولم يكن علم بغيره أنه أول من بايع، ومثل هذه المواقف مما يحصل فيها الاشتباه، والأمر هيّن وبحسبهم فضلا وفاؤهم بما عاهدوا الله ونبيه عليه.
النقباء الاثنا عشر
وبعد أن بايع القوم على هذه الشروط قال رسول الله ﷺ : «أخرجوا منكم اثني عشر نقيبا يكونون كفلاء على قومهم بما فيهم» «٢» فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا «٣» : تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وها هي أسماؤهم: (١) أبو أمامة
стр. 438
أسعد بن زرارة. (٢) وسعد بن الربيع. (٣) وعبد الله بن رواحة. (٤) ورافع بن مالك بن العجلان. (٥) والبراء بن معرور. (٦) وعبد الله بن عمرو بن حرام.
(٧) وعبادة بن الصامت. (٨) وسعد بن عبادة. (٩) والمنذر بن عمرو وهم من الخزرج. (١٠) وأسيد بن حضير. (١١) وسعد بن خيثمة. (١٢) ورفاعة بن عبد المنذر وهؤلاء الثلاثة من الأوس.
قال ابن هشام: وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيّهان، ولا يعدون رفاعة، واستشهد بقصيدة كعب بن مالك في النقباء، فإنه ذكر فيهم «أبا الهيثم» ولم يذكر رفاعة «١» .
ثم قال رسول الله ﷺ للنقباء: «أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي» يعني المهاجرين. قالوا: نعم، فكان هذا إلزاما من الرسول لهم، والتزاما منه لهم.
إذن رسول الله لهم بالانصراف
ثم أذن رسول الله ﷺ في الانصراف قائلا: «ارفضّوا «٢» إلى رحالكم» وذلك مبالغة في الحيطة والحذر كي يبقى أمر الاجتماع في طي الكتمان، فقال العباس بن عبادة بن نضلة: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلنّ على أهل منى غدا بأسيافنا؟ فقال رسول الله ﷺ : «لم نؤمر بهذا، ولكن ارجعوا إلى رحالكم» فرجعوا إليها وباتوا حتى أصبحوا.
عند الصباح
وفي الصباح غدت جلّة قريش على الأنصار لمّا نمي إليهم نبأ البيعة، حتى جاؤوا إليهم في منازلهم، فقالوا: يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه- والله- ما من حيّ من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم.
فانبعث من هناك من المشركين يحلفون بالله ما كان من هذا شيء،
стр. 439
وما علمناه، وصدقوا، فإنهم لم يعلموه، وأما المسلمون فصار بعضهم ينظر إلى بعض ولا يتكلم، ثم قام المشركون وفيهم الحارث بن هشام المخزومي وفي رجليه نعلان جديدان، فقال كعب: يا أبا جابر، أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ فخلعهما الحارث من رجليه، ثم رمى بهما إلى كعب، وأقسم عليه لينتعلنّهما، فقال أبو جابر: مه، أحفظت والله- الفتى، فاردد إليه نعليه، فقال: والله لا أردهما، فأل- والله- صالح، لئن صدق الفأل لأسلبنّه.
ثم ذهب المشركون إلى عبد الله بن أبي، فقالوا له مثل ما قالوا للخزرج، فقال لهم: والله إن هذا الأمر جسيم، ما كان قومي ليتفوّتوا علي بمثل هذا وما علمته كان، فانصرفوا عنه.
تأكد قريش من صدق الخبر وطلبهم الأنصار
ثم نفر الناس من منى، وتنطّس»
المشركون من أهل مكة الخبر فوجدوه صادقا، فخرجوا في طلب الأنصار ولكنهم كانوا قد فاتوهم، ولم يدركوا إلا سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وكلاهما كان نقيبا، فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله «٢» ، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته «٣» ، وكان ذا شعر غزير، وقد بقي في أيديهم يلكمه اللاكم، ويضربه الضارب، حتى هتف باسم رجلين من أشراف قريش كان يجير لهما تجارتهما إذا مرّت بالمدينة، ويمنعهم من ظلمهم، فجاا إليه فخلّصاه من أيديهم، فانطلق وقد سلمت له نفسه راجعا إلى المدينة.
إسلام عمرو بن الجموح
لما رجع الأنصار الذين بايعوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة الثانية إلى المدينة
стр. 440
أظهروا الإسلام بها، وكان في قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك، منهم: عمرو بن الجموح من سادات بنى سلمة وأشرافهم، وكان قد اتخذ صنما من خشب في داره يقال له «مناة» كما كان الأشراف يصنعون، فلما أسلم فتيان بني سلمة منهم ابنه معاذ ومعاذ بن جبل، كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو هذا فيحملونه، فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذر الناس منكّسا على رأسه، فإذا أصبح قال: ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ ثم يغدو يلتمسه، حتى إذا وجده غسله، وطيّبه، وطهّره، ثم قال: والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينه.
فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه ففعلوا مثل ذلك، فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى فيغسله، ويطيّبه، ويطهره. ثم يعدون عليه إذا أمسى، فيفعلون به مثل ذلك.
فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما فغسله وطيّبه، ثم جاء بسيفه، فعلّقه عليه، ثم قال له: إني والله لا أعلم من يصنع بك ما أرى، فإن كان فيك خير فامتنع، هذا السيف معك، فلما أمسى ونام عمرو غدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه.
ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من ابار بني سلمة فيها عذر الناس، وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه، فجعل يتبعه حتى وجده في تلك البئر منكّسا مقرونا بكلب ميت، فلما راه أبصر شأنه وبان له صوابه، ورجع إليه عقله، وعلم أنها أصنام لا تضر ولا تنفع، فما إن كلّمه من أسلم من قومه حتى أسلم، وحسن إسلامه وقال- حين استبان له الرشد- يذكر صنمه هذا وما كان من أمره، ويشكر الله الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة:
والله لو كنت إلها لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر في قرن «١»
стр. 441
أف لملقاك إلها مستدن ... الان فتشناك عن سوء الغبن «١»
الحمد لله العلي ذي المنن ... الواهب الرزاق ديّان الدين «٢»
هو الذي أنقذني من قبل أن ... أكون في ظلمة قبر مرتهن
بأحمد المهدي النبي المؤتمن
من أوهام ابن إسحاق
وقد ذكر الإمام ابن إسحاق أن النبي ﷺ بايعهم في العقبة الثانية بيعة الحرب حين أذن الله لرسوله في القتال، وذلك أن الله تعالى لم يكن أذن لرسوله ﷺ في الحرب، فلما أذن الله له فيها، وبايعهم رسول الله ﷺ في العقبة الأخيرة على حرب الأحمر والأسود أخذ لنفسه واشترط على القوم لربه، وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة، ثم ذكر بعد أول ما نزل في القتال: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا «٣» .
وهذا من أوهام ابن إسحاق على جلالته، فالجهاد لم يشرع إلا في السنة الثانية من الهجرة كما فصّلنا القول في الجزء الثاني من هذا الكتاب، وقد وافقه على هذا الوهم ابن هشام أيضا.
وليس أدل على عدم فرضية الجهاد قبل العقبة من أن العباس بن عبادة بن نضلة لما قال للنبي ﷺ : والله لو شئت لنميلنّ بأسيافنا على أهل منى غدا، فقال رسول الله: «لم نؤمر بهذا» .
стр. 442
الفصل الثامن الهجرة إلى المدينة
أسباب الهجرة
ها أنت قد رأيت طرفا من تعذيب المشركين للمسلمين ولا سيما ضعفاؤهم، وأن النبي قد أذن لهم في الهجرة إلى الحبشة، فهاجر بعضهم إلى الحبشة الهجرة الأولى، ثم هاجر الكثيرون منهم إليها الهجرة الثانية.
وها هي طلائع النور قد بدت من جهة يثرب- المدينة- بعد التقاء بأهلها في موسم الحج، فقد التقى بهم النبي ﷺ في العقبة الأولى والثانية، فامن من امن، وعاهد من عاهد منهم على الولاء والنصرة، وأن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم، ونساءهم، وأبناءهم، وما كان من انتشار الإسلام بين أهل المدينة انتشارا لم يكن يتوقعه أحد حتى أذهل ذلك مشركي مكة، وبذلك أصبح للمسلمين إخوان مؤمنون صادقون في دار أمن وإيمان، وإسلام وسلام، وهي المدينة «١» .
وقد الم المشركين وأقض مضاجعهم انتشار الإسلام بالمدينة هذا الانتشار السريع، فأوغلوا في إيذاء المسلمين، ونالوا منهم غاية النيل، وضيّقوا عليهم السبل والمسالك، فلم يكن لهم بدّ من الهجرة إليها، فقد أضحى لهم بها أهل
стр. 443
بأهل، ودور بدور، وأيضا فلم تعد مكة بوقوفها في سبيل الإسلام والمسلمين صالحة لأن تكون مركزا لانتشار الدعوة الإسلامية، وأصبحت المدينة بفتح صدرها للإسلام والمسلمين جديرة بأن تكون مركزا لانتشار هذه الدعوة، فكان من الضروري أن تنتقل الدعوة من مكة إلى المدينة وهذا ما كان.
إذن النبي لأصحابه في الهجرة
وكان الصحابة يشتكون إلى النبي ﷺ ما يجدونه من المشركين من الأذى والعنت، فيثبتهم، ويصبرهم، ويعدهم فرجا ومخرجا من هذا الكرب.
وكان النبي ﷺ قد رأى فيما يرى النائم أنه هاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب ظنه إلى أنها اليمامة، أو هجر «١» ، ثم استبان له ﷺ أنها المدينة، ففي صحيح البخاري عن النبي ﷺ : «أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين «٢» » وهما الحرتان «٣» .
فخرج النبي ﷺ إليهم بعد هذه الرؤية مسرورا وقال: «قد أريت دار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد أن يخرج فليخرج إليها» وقال: «إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها» وقد صادف هذا الإذن بالهجرة إلى المدينة هوى في نفوسهم، فخرجوا إليها أرسالا «٤» وفرادى، منهم من خرج مستعلنا كالفاروق عمر- ﵁ ومن صحبه، وأبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، ومنهم من خرج مستخفيا وهم الضعفاء والموالي كصهيب الرومي، ورجع الكثيرون ممن هاجر إلى الحبشة إلى مكة، ثم هاجروا منها إلى المدينة.
стр. 444
متى كان الإذن بالهجرة
والذي ظهر لي بعد البحث والتأمل أن الإذن في الهجرة كان بعيد بيعة العقبة الأولى، وأن ذلك كان قبل بيعة العقبة الثانية بنحو عام، كما تدل على ذلك قصة هجرة أبي سلمة وزوجه أم سلمة الاتية عند ابن إسحاق، وكما قال موسى بن عقبة في «مغازيه» «١» .
أول من هاجر إلى المدينة
وكان أول من هاجر إليها سيدنا أبو سلمة بن عبد الأسد «٢» ، وذلك قبل بيعة العقبة الثانية بسنة، وكان قد عاد من الحبشة إلى مكة، فاذاه أهلها، فلما بلغه إسلام من أسلم من الأنصار، وأذن النبي لأصحابه كان أول مهاجر إليها، وكان خرج بزوجه أم سلمة، ومعهما ابنهما سلمة، فخرج يقود بهما بعيره، فلما رأته رجال من بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم- وهم عشيرة زوجه وابنة عمه أم سلمة- قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك قد غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه، علام نتركك تسير بها في البلاد؟ فنزعوا خطام البعير من يده، وانتزعوها منه، فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد- رهط أبي سلمة- فقالوا:
والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، فتجاذبوا «سلمة» فيما بينهم حتى خلعت يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وأما أم سلمة فقد حبسها بنو المغيرة عندهم، وفرّقوا بينها وبين زوجها وولدها، ومع كل هذا انطلق أبو سلمة إلى الله مهاجرا، ولم يلو على أهل، ولا ولد، ولا مال حتى وصل إلى قباء فأقام بها حتى وصلت إليه زوجه بعد عام.
محنة أم سلمة
أما أم سلمة فكانت تخرج كل غداة فتجلس في الأبطح، فما تزال تبكي
стр. 445
حتى تمسي، سنة أو قريبا منها، حتى مر بها رجل من بني عمها، فرأى ما بها، وحزنها على فراق زوجها، فرق لها ورحمها، وذهب لأهلها وقال لهم:
ألا تخرجون هذه المسكينة، فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟! فقالوا لها:
الحقي بزوجك إن شئت، وحينئذ ردّ بنو عبد الأسد إليها ابنها سلمة، وسأدع السيدة الجليلة أم سلمة تتحدث عن هجرتها قالت:
فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني- سلمة- فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلق الله، فقلت: أتبلّغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم «١» لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار، فقال: إلى أين يا ابنة أبي أمية «٢» ؟
فقلت: أريد زوجي بالمدينة، قال: أوما معك أحد؟! فقلت: لا والله إلا الله، وبنيّ هذا قال: والله مالك من مترك، فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي، فو الله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل «٣» أناخ بي- أي البعير- ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحطّ عنه- أي الرحل- ثم قيده في الشجرة، ثم تنحّى عني إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فرحله «٤» ، ثم استأخر عني وقال: اركبي، فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى، فأخذ بخطامه فقاده حتى ينزل بي.
فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية- وكان أبو سلمة بها نازلا- فادخليها على بركة الله ثم انصرف راجعا إلى مكة، فكانت السيدة
стр. 446
أم سلمة تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب ال أبي سلمة، وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة «١» .
وإن لنا هنا لوقفة عند قصة عثمان هذا، فقد كان يومئذ كافرا، لأنه لم يسلم إلا أوائل عام الفتح، وهي تشهد لما ذكرته من نفاسة معدن العرب، وفضائلهم في الجاهلية، ولا سيما خلق المروءة والنجدة، وحماية الضعيف، فقد أبت عليه مروءته وخلقه العربي الأصيل أن يدع امرأة شريفة تسير واحدها في هذه الصحراء الموحشة، وإن كانت على غير دينه، وهو يعلم أنها بهجرتها تراغمه وأمثاله من كفار قريش!!
فأين من هذه الأخلاق- يا قومي المسلمين والعرب- أخلاق الحضارة في القرن العشرين، من سطو على الحريات، واغتصاب للأعراض، بل وعلى قارعة الطريق، وما تطالعنا به الصحافة كل يوم من أحداث يندى لها جبين الإنسانية، ومن تفنن في وسائل الاغتصاب، وانتهاك الأعراض، والسطو على الأموال.
إن هذه القصة- ولها مثل ونظائر- لتشهد لما قلته حينما تحدثت عن العرب من أن رصيدهم في الفضائل كان أكثر من مثالبهم ورذائلهم، فمن ثمّ اختار الله منهم خاتم أنبيائه ورسله، وكانوا أهلا لحمل الرسالة وتبليغها إلى الناس كافة.
هجرة عامر بن ربيعة وزوجه
ثم قدمها بعد أبي سلمة عامر بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب، ومعه زوجه السيدة ليلى بنت أبي حثمة، قال الإمام ابن عبد البر: إنها أول ظعينة «٢» قدمت المدينة، وقال موسى بن عقبة: أول ظعينة السيدة أم سلمة، ولكل وجهة، فالسيدة أم سلمة أول من خرجت مهاجرة من النساء، ولولا منع أهلها
стр. 447
لها لكانت أول من وصلت المدينة، والسيدة ليلى أول من وصلت إليها من النساء.
هجرة مصعب، وابن أم مكتوم، وبلال، وسعد، وعمار
ثم تتابع المسلمون سراعا إلى الهجرة، فهاجر مصعب بن عمير، وعبد الله ابن أم مكتوم، وكانا يقرئان القران للأنصار، وبلال بن رباح، وسعد بن أبي وقاص- ﵃. روى البخاري في صحيحه بسنده عن البراء بن عازب قال: «أول من قدم علينا- زاد في رواية الحاكم في الإكليل:
من المهاجرين- مصعب بن عمير وابن أم مكتوم» .
بنو جحش
ثم هاجر بنو جحش: عبد الله بن جحش بن رياب الأسدي، ينتهي نسبه إلى أسد بن خزيمة حليف بني أمية بن عبد شمس، احتمل بأهله، ومعه أخوه أبو أحمد عبد بن جحش «١» ، وكان أبو أحمد رجلا ضرير البصر، وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بلا قائد، وكان شاعرا، وكانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب، وكان معهما محمد بن عبد الله بن جحش، وكان منزلهما ومنزل أبي سلمة بن عبد الأسد على مبشّر بن عبد المنذر بقباء في بني عمرو بن عوف.
وكذلك هاجر نساؤهم: زينب بنت جحش، وحمنة بنت جحش- زوج مصعب بن عمير- وأم حبيب بنت جحش- زوجة عبد الرحمن بن عوف، فغلّقت دار بني جحش بسبب الهجرة، فمر بها عتبة بن ربيعة، والعباس بن عبد المطلب، وأبو جهل بن هشام، وهم مصعدون إلى أعلى مكة، فنظر إليها عتبة تخفق أبوابها يبابا «٢» ليس بها ساكن، فلما راها كذلك تنفّس الصعداء ثم قال:
стр. 448
كل دار وإن طالت سلامتها ... يوما ستدركها النكباء والحوب «١»
ثم قال عتبة: أصبحت دار بني جحش خلاء من أهلها، فقال أبو جهل:
وما تبكي من فل ابن فل «٢» ، ثم قال للعباس: هذا من عمل ابن أخيك هذا، فرّق جماعتنا، وشتت أمرنا، وقطع بيننا.
وقد عدا أبو سفيان بن حرب على دار بني جحش فتملكها، وقيل: باعها من عمرو بن علقمة العامري، فذكر ذلك عبد الله بن جحش- لما بلغه- لرسول الله ﷺ فقال له: «ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارا في الجنة خيرا منها» ؟ قال: بلى، قال: «فذلك لك» .
فلما فتحت مكة كلّم أبو أحمد عبد بن جحش رسول الله ﷺ في دارهم، فأبطأ عليه الرسول، فقال الناس: يا أبا أحمد إنه- ﷺ يكره أن ترجعوا في شيء أصيب منكم في الله، فأمسك أبو أحمد عن الكلام في ذلك، وقد سجل أبو أحمد هجرة بني جحش في قصيدة له «٣» .
بنو غنم بن دودان
ثم قدم المسلمون أرسالا، وكان بنو غنم بن دودان أهل إسلام قد أوعبوا إلى المدينة هجرة: رجالهم ونساؤهم، منهم- غير بني جحش ونسائهم-:
عكاشة بن محصن، وشجاع وعقبة ابنا وهب، وأربد بن حميرة «٤» ، ومنقذ بن نباتة، وسعيد بن رقيش، ومحرز بن نضلة، ويزيد بن رقيش وغيرهم.
ومن نسائهم: جذامة بنت جندل، وأم قيس بنت حصن، وأم حبيب بنت ثمامة، وامنة بنت رقيش، وسخبرة بنت تميم «٥» .
стр. 449
هجرة عمر بن الخطاب، وعيّاش في ركب من المسلمين
ثم هاجر الفاروق عمر بن الخطاب- ﵁ وكان تواعد هو وعيّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل السهمي على مكان من أضاة بني غفار «١» ، وقالوا: أينا لم يصبح فقد حبس، فليمض صاحباه، قال عمر: فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند هذا المكان، وحبس هشام، وفتن فافتتن.
وقد أخرج ابن عساكر وغيره عن علي- ﵁ قال: ما علمت أن أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما همّ بالهجرة تقلّد سيفه، وتنكّب قوسه، وأخرج أسهما من كنانته، وجعلها في يديه، واختصر عنزته «٢» ، ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا، ثم أتى المقام فصلّى ركعتين، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة فقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس «٣» ، من أراد أن تثكله أمه، أو يؤتم ولده، أو ترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علّمهم ما أرشدهم إليه، ثم مضى لوجهه، وقد صحبه في هجرته بعض أهله وقومه. كما صحبه بعض المستضعفين ليحتموا به.
وكان في ركب عمر نحو من عشرين راكبا، منهم: زيد بن الخطاب «٤» ، وعيّاش بن أبي ربيعة، وعمرو وعبد الله ابنا سراقة بن المعتمر العدوي،
стр. 450
وخنيس بن حذافة السهمي «١» ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ابن عم عمر وزوج أخته فاطمة، وواقد بن عبد الله التميمي حليف لهم، وخولي بن أبي خولي، ومالك بن أبي خولي حليفان لهم، وبنو البكير الأربعة: إياس، وعاقل، وعامر، وخالد.
ولم يذكر ابن إسحاق غير هؤلاء الثلاثة عشر، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: «فلعل الباقين كانوا من أتباعهم» فنزل سيدنا عمر ومن معه، وحلفاؤهم من بني سعد بن ليث على رفاعة بن عبد المنذر في بني عمرو بن عوف بقباء.
قصة أبي جهل مع عياش
ولما قدموا المدينة خرج أبو جهل بن هشام وأخوه الحارث إلى عياش بن أبي ربيعة»
، وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما حتى قدما المدينة، وكان رسول الله ﷺ لا يزال بمكة، فكلم أبو جهل عياشا، وقال له: إن أمك نذرت ألايمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل عن شمس حتى تراك، فرقّ لها، فقال له عمر: إنه- والله- ما يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فو الله لو اذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حرّ مكة لاستظلت، فقال له: أبر قسم أمي، ولي هناك مال فاخذه، فقال له عمر: والله إنك لتعلم إني لمن أكثر قريش مالا فلك نصف مالي، ولا تذهب معهما، ولكنه أبى عليه إلا أن يخرج معهما فقال له: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها.
فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال أبو جهل: يا ابن أخي والله- لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني «٣» على ناقتك هذه؟ قال: بلى، فأناخ عياش، وأناخا ليتحول عليها، فلما استوى بالأرض عدوا عليه، فأوثقاه،
стр. 451
وربطاه، ثم دخلا به مكة وفتناه، فافتتن، وكان دخولهما به مكة نهارا موثقا، فصارا يقولان: يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا.
كتاب عمر لهشام
وروى ابن إسحاق بسنده عن عمر قال: فكنّا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم، وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل الله تعالى فيهم، وفي قولنا، وقولهم لأنفسهم:
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) «١» .
فكتبها عمر بيده في صحيفة وبعث بها إلى هشام بن العاص، قال هشام:
فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى «٢» أصعّد فيها وأصوّب، ولا أفهمها حتى قلت: اللهمّ فهّمنيها، قال: فألقى الله في قلبي أنها إنما أنزلت فينا، وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا، قال: فرجعت إلى بعيري فركبت عليه ثم لحقت برسول الله ﷺ وهو بالمدينة.
هذا ما ذكره ابن إسحاق.
وقال ابن هشام: حدثني من أثق به أن رسول الله ﷺ قال وهو بالمدينة:
«من لي بعيّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص؟» فقال الوليد بن الوليد «٣» بن المغيرة: أنا لك يا رسول الله بهما، فخرج إلى مكة فدخلها
стр. 452
مستخفيا، فلقي امرأة تحمل طعاما فقال لها: أين تريدين يا أمة الله؟ قالت:
أريد هذين المحبوسين- تعنيهما- فتبعها حتى عرف موضعهما، وكانا محبوسين في بيت لا سقف له، فلما أمسى تسوّر عليهما، ثم أخذ مروة «١» ، فوضعها تحت قيديهما، ثم ضربهما بسيفه فقطعهما، فكان يقال لسيفه «ذو المروة» لذلك، ثم حملهما على بعيره، وساق بهما، فعثر فدميت إصبعه فقال:
هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
ثم قدم بهما على رسول الله ﷺ المدينة.
هجرة صهيب بن سنان الرومي
ولما أراد صهيب- ﵁ أن يهاجر قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك، فقال لهم: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلّون سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: فإني جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب» . هكذا قال ابن هشام في السيرة.
وروى الإمام البيهقي بسنده قصة هجرة صهيب على نحو اخر قال: قال صهيب: خرج رسول الله ﷺ وخرج معه أبو بكر، وكنت قد هممت معه بالخروج، فصدني فتيان من قريش، فجعلت ليلتي تلك أقوم لا أقعد، فقالوا:
قد شغله الله عنكم ببطنه- ولم أكن شاكيا- «٢» ، فناموا فخرجت منهم يعني متسللا، فلحقني أناس بعدما سرت يريدون ليردوني، فقلت لهم: إن أعطيتكم أواقيّ من ذهب تخلّوا سبيلي وتوفون لي؟ ففعلوا، فتبعتهم إلى مكة فقلت:
احفروا تحت أسكفة «٣» الباب، فإن بها أواقي، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين، وخرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ بقباء قبل أن يتحول عنها، فلما راني قال: «يا أبا يحيى ربح البيع» ، فقلت: يا رسول الله ما سبقني إليك
стр. 453
أحد، وما أخبرك إلا جبريل ﵇: وكان نزول صهيب بن سنان على خبيب بن إساف «١» أخي بلحارث بن الخزرج بالسّنح.
منازل المهاجرين بالمدينة
منزل طلحة بن عبيد الله: ونزل طلحة بن عبيد الله بن عثمان على خبيب بن إساف الذي نزل عليه صهيب، وقيل: إنه نزل على أسعد بن زرارة نقيب بني النجار.
منزل حمزة واخرين: ونزل حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وأبو مرثد كناز بن حصن، قال ابن هشام ويقال: ابن حصين وابنه مرثد الغنويان حليفا حمزة بن عبد المطلب، وأنسة «٢» ، وأبو كبشة «٣» ، موليا رسول الله ﷺ ، على كلثوم بن الهدم أخي بني عمرو بن عوف بقباء، ويقال: بل نزلوا على سعد بن خيثمة، ويقال: نزل حمزة على أسعد بن زرارة أخي بني النجار.
منزل عبيدة بن الحارث واخرين: ونزل عبيدة بن الحارث بن المطلب، وأخوه الطفيل بن الحارث، والحصين بن الحارث، ومسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، وسويبط بن سعد بن حريملة أخو بني عبد الدار،
стр. 454
وطليب بن عمير أخو بني عبد بن قصي، وخباب مولى عتبة بن غزوان على عبد الله بن سلمة أخي بلعجلان بقباء.
منزل عبد الرحمن بن عوف في اخرين: ونزل عبد الرحمن بن عوف في رجال من المهاجرين على سعد بن الربيع أخي بلحارث بن الخزرج في دارهم.
منزل الزبير وأبي سبرة: ونزل الزبير بن العوام، وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزى على منذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح بالعصبة- دارهم.
منزل مصعب بن عمير: ونزل مصعب بن عمير بن هاشم أخو بني عبد الدار على سعد بن معاذ بن النعمان أخي بني عبد الأشهل في دار عبد الأشهل.
منزل أبي حذيفة وسالم مولاه: ونزل أبو حذيفة بن عتبة وسالم مولاه على سلمة «١» ، وقال الأموي: على خبيب بن إساف أخي بني حارثة.
منزل عتبة بن غزوان: ونزل عتبة بن غزوان بن جابر على عباد بن بشر بن وقش أخي بني عبد الأشهل في دار عبد الأشهل.
منزل عثمان بن عفان: ونزل عثمان بن عفان على أوس بن ثابت بن المنذر أخي حسان بن ثابت في دار بني النجار، فلذلك كان حسان يحب ذا النورين عثمان، وبكاه لما قتل.
وكان يقال: إن الأعزاب من المهاجرين نزلوا على سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزبا، فكان أيسر لهم، وأبعد من الحرج.
стр. 455
هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة
من بقي مع النبي بمكة
وهكذا هاجر المسلمون جماعات وفرادى، وأقام رسول الله ﷺ بمكة بعد أصحابه من المهاجرين رجاء أن يؤذن له في الهجرة، ولم يبق بمكة من أصحابه إلا من فتن وحبسه المشركون، وإلا أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ﵄ فقد تخلّفا معه.
وكان الصدّيق قد همّ بالهجرة إلى المدينة فقال له النبي: «لا تعجّل لعل الله يجعل لك صاحبا» فيفهم أبو بكر أن النبي يعني بالصاحب نفسه، ففي صحيح البخاري في سياق حديث الهجرة الطويل: «وتجهّز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : «على رسلك «١» ، فإني أرجو أن يؤذن لي» فقال: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: «نعم» فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السّمر- وهو الخبط- «٢» أربعة أشهر ... » استعدادا للهجرة إلى المدينة.
ائتمار قريش برسول الله
ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد أصبح له أتباع كثيرون، وأنصار من أهل المدينة يفدونه بأنفسهم وأهليهم وأولادهم وأن أصحابه من المهاجرين قد
стр. 456
أمسوا بدار أمان وعزّ ومنعة بعد أن هاجروا إليها، وتجمعوا فيها، فحذروا خروج رسول الله ﷺ إليهم، وحينئذ تكون الطامة، فإنهم لا يلبثون أن يحاربوهم، ويغتضوا عليهم بلدهم، ويدخلوها عليهم.
فاجتمع أشرافهم ورؤساؤهم في دار الندوة- وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها «١» - يتشاورون في أمر النبي الذي أقضّ مضاجعهم، وأصبحت له ولأصحابه قوة تهددهم، واعترضهم إبليس في صورة شيخ نجدي عليه بتّ «٢» ، فلما رأوه واقفا على الباب قالوا: من الشيخ؟
قال: شيخ من نجد «٣» سمع بالذي اتّعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألايعدمكم منه رأيا ونصحا، قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم.
وقد اجتمع فيها أشراف من قريش منهم من بني عبد شمس: عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة، وأبو سفيان بن حرب، ومن بني مخزوم: أبو جهل بن هشام، ومن بني نوفل بن عبد مناف: طعيمة بن عدي، وجبير بن مطعم، ومن بني عبد الدار: النضر بن الحارث بن كلدة، ومن بني أسد بن عبد العزّى:
أبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود بن المطلب، وحكيم بن حزام، ومن
стр. 457
بني جمح: أمية بن خلف، ومن بني سهم نبيه ومنبّه ابنا الحجاج، وغيرهم ممن لا يعد من قريش.
فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما رأيتم، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا، فتشاوروا، فقال قائل منهم- وهو أبو البختري بن هشام-: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا، ثم تربّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله: زهيرا والنابغة، ومن مضى منهم حتى يأتيه الموت.
فقال الشيخ النجدي: لا، والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجنّ أمره من وراء الباب إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من بين أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي فانظروا غيره.
فتشاوروا، ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا أخرج عنّا فو الله ما نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، وتعود لنا واحدتنا وإلفتنا كما كانت.
فقال الشيخ النجدي: ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال، فو الله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيتابعوه، ثم يسير بهم إليكم حتى يغلبكم، وينتزع الأمر من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا فيه رأيا غير هذا.
فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا: ما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا، نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إن فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعها، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل «١» فعقلناه لهم.
стр. 458
فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي ولا رأي غيره، فتفرق القوم وهم مجمعون على هذا.
إذن الله لنبيه في الهجرة
وهكذا بيّت المشركون أمرا، وبيّت الله أمرا، وأرادوا أن يكيدوا النبي، فرد الله كيدهم في نحرهم، فنزل جبريل على النبي ﷺ مخبرا له بما كادوه به، ومخبرا له بأن الله أذن له في الهجرة، وألاينام على فراشه الذي كان يبيت عليه، وقد أنزل الله «١» سبحانه في شأن هذه المؤامرة قوله:
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ «٢» وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) «٣» .
إخبار الصديق بالإذن في الهجرة
وكان من عادة رسول الله ﷺ أن يأتي بيت أبي بكر كل يوم مرتين: بكرة وعشية، قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة «٤» قال قائل «٥» لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعا «٦» في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر! فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له، فدخل، فاستأخر أبو بكر عن
стр. 459
السرير حتى جلس عليه، فقال لأبي بكر: «أخرج من عندك» فقال أبو بكر:
إنما هم أهلك «١» بأبي أنت يا رسول الله.
قال النبي: «فإني قد أذن لي في الخروج» فقال أبو بكر وهو يبكي من الفرح: الصحبة «٢» يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «نعم» قالت عائشة:
فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ!!
ثم قال الصديق: يا نبي الله، إن هاتين راحلتان كنت أعددتهما لهذا، فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله ﷺ :
«بالثمن» «٣» واستأجرا عبد الله بن أريقط رجلا من بني الدئل بن بكر، وكانت أمه من بني سهم بن عمرو، وكان مشركا يدلهما على الطريق، ودفعا إليه الراحلتين اللتين أعدهما الصديق- ﵁ للهجرة، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما الذي واعداه بعد ثلاث.
تجهيز طعام السفر
واشتركت أسماء وعائشة ابنتا الصديق في تجهيز السفرة التي سيأخذها المهاجران، ووضعتاها في جراب «٤» ، فلما أرادتا ربط فم الجراب لم تجدا شيئا،
стр. 460
فشقّت السيدة أسماء نطاقها «١» نصفين، فربطت فم الجرب بنصفه وانتطقت بالاخر، فلذلك سميت ذات النطاقين أو ذات النطاق.
وقال ابن سعد: شقّت نطاقها فأوكأت بنصف منه الجراب، وشدّت فم القربة بالاخر، فسميت ذات النطاقين، وقد ذكر ابن إسحاق في سيرته قصة النطاق بعد خروج النبي وصاحبه بالغار لما جاءهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيريهما، وفي صحيح البخاري أن القصة كانت في بيت الصديق قبل خروج النبي وصاحبه، وما «في الصحيح» هو الصحيح.
مبيت عليّ على فراش النبي
ثم عاد رسول الله ﷺ بعدما أخبر أبا بكر بالإذن له في الهجرة، وبعد أن أعدّا العدة للهجرة- إلى بيته، وكان جبريل ﵇ أمر النبي ﷺ أن لا يبيت على فراشه، فلما كانت عتمة الليل اجتمع فتيان من قريش على بابه، وبيدهم السيوف المرهفة، ويتطاير من عيونهم شرر الغدر والمكيدة، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: «نم على فراشي، وتسج «٢» ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فإنه لن يخلص إليك منهم شيء تكرهه» .
وكان رسول الله ﷺ ينام في برده هذا إذا نام، فسمع عليّ لما أشار به رسول الله وأطاع طيّبة بذلك نفسه، وبذلك كان أول فدائي شاب في الإسلام، فقد وقى رسول الله بنفسه، وهو يعلم أنه على قيد أذرع من سيوف المشركين ورماحهم، وكان هذا التدبير المحكم الذي أشار به جبريل ﵇ مما لبّس الأمر على المشركين المتربصين للنبي، فكانوا إذا نظروا من خلل الباب «٣» وجدوا النائم فيظنونه النبي، بينما هو الفتى الشجاع علي.