أمسوا بدار أمان وعزّ ومنعة بعد أن هاجروا إليها، وتجمعوا فيها، فحذروا خروج رسول الله ﷺ إليهم، وحينئذ تكون الطامة، فإنهم لا يلبثون أن يحاربوهم، ويغتضوا عليهم بلدهم، ويدخلوها عليهم.
فاجتمع أشرافهم ورؤساؤهم في دار الندوة- وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها «١» - يتشاورون في أمر النبي الذي أقضّ مضاجعهم، وأصبحت له ولأصحابه قوة تهددهم، واعترضهم إبليس في صورة شيخ نجدي عليه بتّ «٢» ، فلما رأوه واقفا على الباب قالوا: من الشيخ؟
قال: شيخ من نجد «٣» سمع بالذي اتّعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألايعدمكم منه رأيا ونصحا، قالوا: أجل، فادخل، فدخل معهم.
وقد اجتمع فيها أشراف من قريش منهم من بني عبد شمس: عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة، وأبو سفيان بن حرب، ومن بني مخزوم: أبو جهل بن هشام، ومن بني نوفل بن عبد مناف: طعيمة بن عدي، وجبير بن مطعم، ومن بني عبد الدار: النضر بن الحارث بن كلدة، ومن بني أسد بن عبد العزّى:
أبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود بن المطلب، وحكيم بن حزام، ومن
стр. 457
بني جمح: أمية بن خلف، ومن بني سهم نبيه ومنبّه ابنا الحجاج، وغيرهم ممن لا يعد من قريش.
فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما رأيتم، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا، فتشاوروا، فقال قائل منهم- وهو أبو البختري بن هشام-: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا، ثم تربّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله: زهيرا والنابغة، ومن مضى منهم حتى يأتيه الموت.
فقال الشيخ النجدي: لا، والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجنّ أمره من وراء الباب إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من بين أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي فانظروا غيره.
فتشاوروا، ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا أخرج عنّا فو الله ما نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، وتعود لنا واحدتنا وإلفتنا كما كانت.
فقال الشيخ النجدي: ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال، فو الله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيتابعوه، ثم يسير بهم إليكم حتى يغلبكم، وينتزع الأمر من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا فيه رأيا غير هذا.
فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا: ما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا، نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إن فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعها، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل «١» فعقلناه لهم.
стр. 458
فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي ولا رأي غيره، فتفرق القوم وهم مجمعون على هذا.
إذن الله لنبيه في الهجرة
وهكذا بيّت المشركون أمرا، وبيّت الله أمرا، وأرادوا أن يكيدوا النبي، فرد الله كيدهم في نحرهم، فنزل جبريل على النبي ﷺ مخبرا له بما كادوه به، ومخبرا له بأن الله أذن له في الهجرة، وألاينام على فراشه الذي كان يبيت عليه، وقد أنزل الله «١» سبحانه في شأن هذه المؤامرة قوله:
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ «٢» وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) «٣» .
إخبار الصديق بالإذن في الهجرة
وكان من عادة رسول الله ﷺ أن يأتي بيت أبي بكر كل يوم مرتين: بكرة وعشية، قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة «٤» قال قائل «٥» لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعا «٦» في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر! فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له، فدخل، فاستأخر أبو بكر عن
стр. 459
السرير حتى جلس عليه، فقال لأبي بكر: «أخرج من عندك» فقال أبو بكر:
إنما هم أهلك «١» بأبي أنت يا رسول الله.
قال النبي: «فإني قد أذن لي في الخروج» فقال أبو بكر وهو يبكي من الفرح: الصحبة «٢» يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «نعم» قالت عائشة:
فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ!!
ثم قال الصديق: يا نبي الله، إن هاتين راحلتان كنت أعددتهما لهذا، فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله ﷺ :
«بالثمن» «٣» واستأجرا عبد الله بن أريقط رجلا من بني الدئل بن بكر، وكانت أمه من بني سهم بن عمرو، وكان مشركا يدلهما على الطريق، ودفعا إليه الراحلتين اللتين أعدهما الصديق- ﵁ للهجرة، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما الذي واعداه بعد ثلاث.
تجهيز طعام السفر
واشتركت أسماء وعائشة ابنتا الصديق في تجهيز السفرة التي سيأخذها المهاجران، ووضعتاها في جراب «٤» ، فلما أرادتا ربط فم الجراب لم تجدا شيئا،
стр. 460
فشقّت السيدة أسماء نطاقها «١» نصفين، فربطت فم الجرب بنصفه وانتطقت بالاخر، فلذلك سميت ذات النطاقين أو ذات النطاق.
وقال ابن سعد: شقّت نطاقها فأوكأت بنصف منه الجراب، وشدّت فم القربة بالاخر، فسميت ذات النطاقين، وقد ذكر ابن إسحاق في سيرته قصة النطاق بعد خروج النبي وصاحبه بالغار لما جاءهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيريهما، وفي صحيح البخاري أن القصة كانت في بيت الصديق قبل خروج النبي وصاحبه، وما «في الصحيح» هو الصحيح.
مبيت عليّ على فراش النبي
ثم عاد رسول الله ﷺ بعدما أخبر أبا بكر بالإذن له في الهجرة، وبعد أن أعدّا العدة للهجرة- إلى بيته، وكان جبريل ﵇ أمر النبي ﷺ أن لا يبيت على فراشه، فلما كانت عتمة الليل اجتمع فتيان من قريش على بابه، وبيدهم السيوف المرهفة، ويتطاير من عيونهم شرر الغدر والمكيدة، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: «نم على فراشي، وتسج «٢» ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فإنه لن يخلص إليك منهم شيء تكرهه» .
وكان رسول الله ﷺ ينام في برده هذا إذا نام، فسمع عليّ لما أشار به رسول الله وأطاع طيّبة بذلك نفسه، وبذلك كان أول فدائي شاب في الإسلام، فقد وقى رسول الله بنفسه، وهو يعلم أنه على قيد أذرع من سيوف المشركين ورماحهم، وكان هذا التدبير المحكم الذي أشار به جبريل ﵇ مما لبّس الأمر على المشركين المتربصين للنبي، فكانوا إذا نظروا من خلل الباب «٣» وجدوا النائم فيظنونه النبي، بينما هو الفتى الشجاع علي.
стр. 461
خروج رسول الله ﷺ
وفي هجعة من الليل خرج رسول الله ﷺ وقد أخذ الله على أبصارهم فلم يبصروا به، وكان أخذ كفا من تراب، فصار ينثر منها على رؤوسهم زيادة في النكاية بهم «١» ، وهو يتلو قول الله ﵎:
يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) » .
ثم انصرف رسول الله لشأنه، وبقي المشركون ينتظرون النائم حتى يخرج، فيفعلوا به ما اتفقوا عليه.
ذهاب الرسول إلى بيت الصدّيق
وذهب رسول الله ﷺ من فوره إلى بيت الصدّيق «٣» ﵁
стр. 462
وكان الصدّيق يترقب وصوله في أية ساعة بعد أن اتفقا على الصحبة في الهجرة، وأعدّا للسفر عدته.
إلى غار ثور
خرج الرسول ﷺ وصاحبه وقد تزودا بالزاد والماء ليلا من خوخة «١» في ظهر بيت أبي بكر حتى لا يراهما أحد، وسلكا طريقا غير معهودة، فبدلا من أن يسيرا نحو الشمال ذهبا إلى الجنوب حيث يوجد (غار ثور) وكان خروج رسول الله ﷺ كما قال ابن إسحاق- لهلال ربيع الأول، وقيل: في أواخر صفر.
نظر إلى البيت ودعاء
ولما خرج رسول الله ﷺ من مكة توجه إلى البيت وقال: «والله إنك لأحب أرض الله إلي، وإنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت» «٢» .
ثم توجه إلى الله بهذا الدعاء: «الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا، اللهمّ أعنّي على هول الدنيا، وبوائق الدهر، ومصائب الليالي والأيام.
اللهمّ اصحبني في سفري، واخلفني في أهلي، وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذللني، وعلى صالح خلقي فقوّني، وإليك ربي فحببني، وإلى الناس فلا تكلني.
ربّ المستضعفين وأنت ربي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والأرض، وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والاخرين، أن تحلّ عليّ غضبك، وتنزل بي سخطك.
أعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وتحوّل عافيتك، وجميع سخطك، لك العتبى عندي خير ما استطعت، ولا حول ولا قوة إلا بالله» «٣» .
стр. 463
شيخ الفدائيين
وفي الطريق إلى الغار رأى رسول الله ﷺ من أبي بكر عجبا، راه مرة يسير أمامه، ومرة يسير خلفه، ومرة عن يمينه، ومرة عن شماله!! فسأله رسول الله ﷺ عن هذا، فقال: يا رسول الله أذكر الطّلب «١» فأمشي خلفك، وأذكر الرّصد «٢» فأكون أمامك، ومرة عن يمينك، ومرة عن شمالك، لا امن عليك «٣» !
فقال له النبي: «يا أبا بكر لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني؟» قال: نعم والذي بعثك بالحق!!
وما زالا يسيران في ظلمة الليل وبين الرمال والصخور حتى وصلا إلى الغار.
استبراء الغار
ولما وصلا إلى الغار وأراد رسول الله ﷺ أن ينزل فيه قال له الصديق:
مكانك حتى أستبرىء لك، فإن كان به أذى نزل بي قبلك، ثم نزل فتحسس الغار فلم يجد به شيئا، فنزل رسول الله ﷺ وقد بلغ منه الإعياء والتعب مبلغه «٤» ، فما إن دخلا حتى توسّد الرسول قدم أبي بكر ونام.
وكان الصدّيق يأخذ من ثوبه ويسدّ فم الأجحار خشية أن يكون شيء من الهوامّ فتؤذي رسول الله، فبقي منها جحر فألقمه عقبه، وكانت به حية فلدغته،
стр. 464
فمنعه مكان رسول الله ﷺ منه أن يتململ، ولكن الألم لمّا اشتد به تحدّرت دموعه، فسقطت على وجه رسول الله ﷺ فاستيقظ، فقال: «ما لك يا أبا بكر؟» فأخبره بما حدث، فتفل عليها رسول الله ﷺ فبرئت بإذن الله تعالى «١» .
فلا عجب إذا كان شيخ الإسلام أبو بكر جديرا بأن يكون شيخ الفدائيين في القديم والحديث.
قصة الشجرة، والعنكبوت، والحمامتين
وقد روي أن رسول الله ﷺ لما دخل هو وصاحبه الصديق بالغار أمر الله سبحانه شجرة فنبتت على فم الغار، وانتشرت أغصانها على بابه، وألهم العنكبوت فنسجت على أغصان الشجرة، وألهم حمامتين وحشيّتين فعششتا وباضتا بين أغصان الشجرة «٢» ، وقد كان لهذه الايات الثلاث أثرها في تضليل المشركين وصدّهم عن اقتحام الغار ودخوله كما سترى عن كثب، وهكذا وقى الله نبيه وصاحبه بأضعف جنده.
تشكيك أميل در منغم
ويحاول أميل درمنغم أن يقلل من هذه المعجزات فيقول: هذه الأمور الثلاثة هي واحدها المعجزة التي يقص التاريخ الإسلامي الجد: نسيج عنكبوت، وهوى حمامة، ونماء شجرة، وهي أعاجيب ثلاث لها كل يوم في أرض الله نظائر.
وهي شنشنة نعرفها من أخزم، فالمستشرقون- إلا القليل- يحرصون على التقليل من معجزات النبي ﷺ الحسية، ويشككون فيها، وإني لأقول لدر منغم
стр. 465
ومشايعيه: من الذي أخذ بأبصار المشركين فلم ينظروا تحت أرجلهم، ولو فعلوا لرأوا طلبتهم المنشودة؟ ومن الذي سمّر أرجلهم في الأرض فلم يتقدموا نحو فم الغار؟! ومن الذي صرفهم عن الغار، وقد همّ بعضهم بدخوله؟
أليست هذه ايات بيّنات على أن النبي ممنوع ومحفوظ من ربه؟ وأنه نبي الله حقا؟ ولو أن الأمور تجري على السنن العادي- كما زعم- لكان الأمر على غير ما كان، فسبحان الله تعالى الذي يسخر ما شاء من خلقه، لمن شاء من عباده المخلصين.
تخلف عليّ لردّ الودائع إلى أهلها
ولم يكن أحد يعلم بخروج النبي ﷺ حين خرج إلا أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، وقد أمره النبي ﷺ أن يتخلّف بعده بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس، إذ لم يكن أحد بمكة عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه، وأمانته حتى كان يلقّب «بالأمين» .
في الصباح
ولنعد إلى الفتيان المشركين الذين وقفوا يتربصون على باب الدار، يحرسون النائم ظنا منهم أنه النبي، بل صاروا يتشاورون فيما بينهم أيهم يهجم على صاحب الفراش فيوثقه، حتى اتاهم ات فقال: ما تنتظرون ههنا؟ قالوا:
محمدا، قال: قد خيّبكم الله، قد- والله- خرج محمد عليكم، ثم ما ترك أحدا منكم إلا وضع على رأسه التراب، وانطلق لشأنه، أفما ترون ما بكم؟! فوضع كل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، فكأنهم لم يصدّقوا، فجعلوا يطّلعون فيرون النائم على فراشه متسجيّا ببرده، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائم، عليه برده.
فما زالوا كذلك حتى تنفس الصباح، فدخلوا على النائم، وكشفوا البرد فإذا به علي! فقالوا له: أين صاحبك هذا؟ فقال: لا أدري، فعلموا وتيقنوا
стр. 466
أنه أفلت منهم، فأصابهم الحزن والكمد، «ويمكرون، ويمكر الله، والله خير الماكرين» «١» .
جن جنون قريش
ولما تبينت قريش إفلات النبي منهم جنّ جنونهم، وصاروا يهيمون على وجوههم طلبا له، وجعلوا لمن يأتي به حيا أو ميتا مائة ناقة، وبعثوا القافة «٢» إثره في كل وجه، منهم: كرز بن علقمة، وسراقة بن جعشم، فصاروا يتبعون الأثر حتى انتهوا إلى جبل (ثور) ، ثم صعدوا الجبل حتى وقفوا على فم الغار.
وهنالك وقفوا متحيرين
إذا كان دخل الغار فكيف لم يتهدم نسج العنكبوت، ولم ينكسر بيض الحمام؟!
ووقفوا مترددين، أيدخلون الغار أم لا؟ حتى إن أحدهم همّ أن يدخل الغار فقال له الاخر: إن هذا العنكبوت لمن قبل ميلاد محمد!! وهكذا نرى أن الله صرف المشركين عن النبي وصاحبه، ويرحم الله الإمام البوصيري حيث قال:
وقاية الله أغنت عن مضاعفة ... من الدروع وعن عال من الأطم
لا تحزن إن الله معنا
وكان المشركون واقفين على فم الغار يتحدثون بمسمع من رسول الله ﷺ وصاحبه، وكان الصدّيق شديد الخوف على رسول الله حتى قال: يا رسول الله
стр. 467
لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصارنا، فقال له النبي ﷺ : «ما ظنك يا أبا بكر- باثنين الله ثالثهما» ، وفي هذا نزل قول الله ﵎:
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) «١» .
ومكث رسول الله ﷺ وصاحبه في الغار ثلاث ليال حتى انقطع عنهم الطلب.
لطم أبي جهل للسيدة أسماء
قالت أسماء ﵂: لما خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ فقلت: لا أدري- والله- أين أبي؟
فرفع أبو جهل يده- وكان فاحشا خبيثا- فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي!!.
وهكذا وصل السفه بأبي جهل أن يؤذي امرأة، وأن يتخلّى عن أخلاق العرب في الترفع عن مثل هذا، وأن ينزل بنفسه إلى هذا الدرك من الإسفاف.
كياسة السيّدة أسماء
روى ابن إسحاق بسنده عن السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت:
لما خرج رسول الله ﷺ وخرج معه أبو بكر احتمل ماله كله معه، خمسة الاف درهم أو ستة الاف، فانطلق بها معه، فدخل علينا جدّي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لا أراه إلا قد فجعكم بماله مع نفسه، فقلت: كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا، قالت: فأخذت أحجارا فوضعتها في كوة في
стр. 468
البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا، فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، وإذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكني أردت أن أسكّن الشيخ بذلك.
البيت البكري وتضحياته في الهجرة
وقد كان لال أبي بكر- ﵁ تضحيات، ومفاخر خالدة في سبيل الهجرة، وقد علمت ما كان من السيدة أسماء لمّا شقّت نطاقها نصفين، وستسمع ما كان من الشاب عبد الله بن أبي بكر، وما كان من مولى الصدّيق عامر بن فهيرة، وبذلك اجتمعت هذه المفاخر الكبرى للصدّيق- ﵁ وإليك ما رواه البخاري في هذا بسنده عن عائشة، قالت:
«ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال، يبيت في الغار عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب ثقف «١» لقن «٢» ، فيدلج «٣» من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكتادان به «٤» إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة «٥» من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل- وهو لبن- منحتهما ورضيفهما «٦» حتى ينعق «٧» بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك كل ليلة» وبذلك كان عامر
стр. 469
يعفّي على اثار عبد الله فلا يتفطن أحد إليه، ولا يستدل باثاره على المهاجرين الكريمين.
خروج الرسول وصاحبه من الغار
وبعد ثلاث ليال وقد هدأ الطلب، ويئس المشركون من إدراكهما خرجا من الغار، وكان رسول الله ﷺ وأبو بكر استأجرا رجلا من بني الديل «١» يسمّى عبد الله بن أريقط، وهو من بني عبد بن عدي، وكان هاديا خرّيتا «٢» قد غمس حلفا «٣» في ال العاص بن وائل السهمي، وكان على دين كفار قريش «٤» فأمناه «٥» ، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة يخدمهما ويعينهما، يردفه أبو بكر ويعقبه، فكانوا ثلاثة والدليل.
طريق الهجرة
فلما خرج بهما عبد الله بن أريقط «٦» دليلهما سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من (عسفان) «٧» ، ثم سلك
стр. 470
بهما على أسفل (أمج) «١» ، ثم استجاز بهما حتى عارض بهما الطريق بعد أن أجاز قديدا «٢» ، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك، فسلك بهما (الخرّار) «٣» ، ثم سلك بهما ثنية المرة «٤» ، ثم سلك بهما لقفا»
، قال ابن هشام: ويقال: لفتا، ثم أجاز بهما مدلجة لقف، ثم استبطن بهما مدلجة مجاج- ويقال: مجاج «٦» فيما قال ابن هشام-، ثم سلك بهما مرجح «٧» من ذي الغضوين، قال ابن هشام:
ويقال: العضوين، ثم بطن ذي كشر، ثم أخذ بهما على الجداجد «٨» ، ثم على الأجرد، ثم سلك بهما ذا سلّم من بطن أعداء مدلجة تعهن «٩» ، ثم على العبابيد «١٠» ، قال ابن هشام: ويقال: العبابيب، ويقال: العيثانة يريد: العبابيب.
ثم أجاز بهما الفاجة «١١» ، ويقال: القاحة فيما قال ابن هشام، ثم هبط بهما العرج وقد أبطأ عليهما بعض ظهرهما، فحمل رسول الله ﷺ رجل من أسلم يقال له: أوس بن حجر على جمل له يقال له: ابن الرداء إلى المدينة، وبعث معه غلاما له يقال له: مسعود بن هنيدة.
стр. 471
ثم خرج بهما دليلهما من العرج فسلك بهما ثنية العائر عن يمين ركوبة، ويقال: ثنية الغائر- فيما قال ابن هشام- حتى هبط بهما بطن رئم، ثم قدم بهما قباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين حين اشتد الضحاء، وكادت الشمس تعتدل.
في خيمة أم معبد
وفي الطريق إلى المدينة مرّ النبي ﷺ بأم معبد، وإليك قصتها لما فيها من معجزة ظاهرة للنبي، ولما فيها من صورة صادقة للمرأة العربية في عفتها وشهامتها، ومروءتها، وكرمها، وبلاغتها وفصاحتها، فقد وصفت النبي ﷺ بما يعجز عنه بيان غيرها.
روى البيهقي وغيره «١» عن أخي أم معبد حبيش صاحب رسول الله ﷺ قال: لما خرج رسول الله ﷺ ، ومعه أبو بكر، وعامر بن فهيرة، وابن أريقط يدلهم على الطريق مرّوا بقديد على أم معبد: عاتكة بنت خالد بن خليد «٢» الخزاعية، وكانت برزة «٣» ، جلدة «٤» ، تحتبي بفناء القبة «٥» ، ثم تسقي وتطعم من يمر بها، وكان القوم مرملين «٦» مسنتين «٧» ، فسألوها: هل عندها لبن أو لحم يشترونه منها فلم يجدوا عندها شيئا، وقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى «٨» .
стр. 472
فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة «١» خلّفها الجهد «٢» عن الغنم، فسألها رسول الله ﷺ : «هل بها من لبن» ؟ فقالت: هي أجهد من ذلك، فقال: «أتأذنين لي أن أحلبها «٣» ؟ فقالت: نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت حلبا «٤» فاحلبها، فدعا بالشاة فاعتقلها «٥» ، ومسح ضرعها- وفي رواية وظهرها- وسمّى الله- وفي رواية: ودعا لها في شائها- فتفاجّت «٦» ، ودرّت، ودعا بإناء يربض «٧» الرهط، فحلب فيه ثجا «٨» ، وسقى القوم حتى رووا، وسقى أم معبد حتى رويت، ثم شرب اخرهم وقال: «ساقي القوم اخرهم شربا» ثم حلب فيه مرة أخرى فشربوا عللا بعد نهل «٩» ، ثم حلب فيه اخرا، وغادره عندها- وفي رواية أنه قال لها أن «ارفعي هذا لأبي معبد إذا جاءك» - ثم ركبوا، وذهبوا.
فقلما لبث أن جاء أبو معبد «١٠» زوجها يسوق أعنزا عجافا «١١» ، يتساوكن هزلا «١٢» لا نقي بهن «١٣» ، فلما رأى اللبن أبو معبد عجب، وقال:
стр. 473
ما هذا يا أم معبد؟ أنّى لك هذا؟! والشاء عازب، حيال «١» ولا حلوب «٢» بالبيت، فقالت: لا- والله- إلا أنه مرّ بنا رجل مبارك فمن حاله كذا، وكذا «٣» ، فقال: صفيه يا أم معبد، فقالت:
رأيت رجلا ظاهر الوضاءة «٤» ، مبلج الوجه»
، حسن الخلق «٦» ، لم تعبه ثجلة «٧» ، ولم تزر به صعلة «٨» ، وسيم قسيم، في عينيه دعج «٩» ، وفي أشفاره وطف «١٠» ، وفي صوته صحل «١١» ، أحور «١٢» ، أكحل «١٣» ، أزج «١٤» ، أقرن «١٥» ، شديد سواد الشعر، في عنقه سطح «١٦» ، وفي لحيته كثاثة «١٧» ، إذا صمت فعليه
стр. 474
الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، وكأن منطقه خرزات نظم يتحدرن «١» ، حلو المنطق، فصل «٢» ، لا نزر «٣» ، ولا هذر «٤» ، أجهر الناس «٥» ، وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب «٦» ، ربعة لا تشنؤه «٧» من طول، ولا تقتحمه «٨» عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفّون به «٩» ، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا لأمره «١٠» محفود محشود «١١» ، لا عابس، ولا مفنّد «١٢» .
فقال أبو معبد: هذا والله صاحب قريش، لو رأيته لاتّبعته، ولأجهدنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلا «١٣» .
مكافأة النبي لأم معبد
وقد روي أنها كثرت غنمها ونمت حتى جلبت منها جلبا إلى المدينة، فمر أبو بكر، فراه ابنها فعرفه، فقال: يا أمه هذا الرجل الذي كان مع المبارك،
стр. 475
فقامت إليه فقالت: يا عبد الله من الرجل الذي كان معك؟ قال: أوما تدرين من هو؟ قالت: لا، قال: هو نبي الله، فأدخلها عليه، فأطعمها رسول الله ﷺ وأعطاها- وفي رواية: فانطلقت معي وأهدت لرسول الله ﷺ شيئا من أقط ومتاع الأعراب، فكساها وأعطاها، قال: ولا أعلمه إلا قال: وأسلمت.
وذكر صاحب «الوفاء» أنها هاجرت هي وزوجها، وأسلما، وفي شرح السنة للبغوي: هاجرت هي وزوجها، وأسلم أخوها حبيش، واستشهد يوم الفتح.
هاد يهديناي الطريق
وكان أبو بكر الصديق- ﵁ شيخا «١» يعرف، لأنه كان كثير التردد على هذا الطريق الذي يمر بالمدينة في أسفار تجارته، وكان النبي ﷺ شابا «٢» ، فيلقى الرجل أبا بكر وهو يعرفه، فيقول: يا أبا بكر: من هذا الرجل الذي بين يديك؟! فيقول: هذا رجل يهديناي السبيل، فيحسب السامع أنه يعني الطريق المحسوس، وإنما يعني الصديق طريق الخير والهداية.
وقد كان ما فعله الصديق بإيحاء من النبي ﷺ ، فقد ذكر ابن سعد في طبقاته أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: «أله الناس عني «٣» » وهذا من التحوط الحكيم في وقت اشتد فيه الطلب للنبي ﷺ ، فكان إذا سئل الصديق ممن
стр. 476
لا يعرفه: من أنت؟ قال: باغي حاجة، فإذا قيل له من هذا معك؟ قال: هاد يهديناي.
قصة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي «١»
كانت قريش قد جعلت في النبي ﷺ من يأتي به حيا أو ميتا، وصاحبه أبي بكر دية كل واحد منهما مائة ناقة- كما ذكر موسى بن عقبة في مغازيه- وكان هذا الجعل مما حمل سراقة على متابعة النبي ﷺ .
وإليك قصة سراقة كما رواها قال:
«فبينما أنا جالس في مجلس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة إني قد وجدت انفا أسودة «٢» بالساحل أراها محمدا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا يبتغون ضالة لهم «٣» ، قال: لعل وسكت.
ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فحططت بزجه الأرض»
، وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها «٥» تقرب بي «٦» حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي، فخررت عنها «٧» ، فأهويت يدي إلى
стр. 477
كنانتي «١» فاستخرجت الأزلام «٢» فاستقسمت بها «٣» أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره، وكنت أرجو أن أرده فاخذ المائة ناقة.
فركبت فرسي- وعصيت الأزلام- تقرّب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ ، وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، فقال أبو بكر:
يا رسول الله هذا فارس قد لحق بنا، والتفت نبي الله ﷺ فدعا عليه قائلا:
«اللهمّ اصرعه، اللهم اكفناه بما شئت» قال سراقة: فساخت يدا «٤» فرسي حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، وصرعتني، ثم زجرتها، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان «٥» في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان «٦» قائلا: أنا سراقة بن مالك بن جعشم، أنظروني أكلمكم، فو الله لا أريبكم، ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه، ادع الله لي ولا أضرك فدعا له.
فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أنه ممنوع «٧» ، وأن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزاني «٨» مما معي شيئا، ولم يسألاني، فقلت:
стр. 478
يا رسول الله مرني بما شئت فقال: «قف مكانك، ولا تترك أحدا يلحق بنا، وأخف عنا» .
وهكذا كان في أول النهار جاهدا «١» على رسول الله ﷺ وكان في اخر النهار مسلحة له «٢» قال سراقة: فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم «٣» ثم ألقاه إلي، فأخذته ووضعته في كنانتي ثم رجعت «٤» .
ستلبس سواري كسرى
ولم يقف الأمر في قصة سراقة عند هذه المعجزة الظاهرة البيّنة الدالة على حماية الله لنبيه وحفظه له، بل تعدّاه إلى نبوءة أخرى ما كان يجول مصداقها بخلد إنسان قط إلا أن يكون نبيا يوحى إليه من ربه، ذلك أنه لما همّ سراقة بالرجوع التفت إليه النبي ﷺ وقال: «كأني بك يا سراقة تلبس سواري كسرى» فقال سراقة متعجبا: كسرى بن هرمز!! قال: «نعم» .
فرجع سراقة وهو في حيرة من أمر هذه النبوءة، وتواردت على نفسه شتى الهواجس والخواطر والخلجات النفسية: محمد بن عبد الله الذي خرج مستخفيا مطاردا من قومه يخشى الطلب، ويخاف الرصد، ولا يكاد يأمن على نفسه من غوائل المشركين- يعدني سواري كسرى إنه للأمر العجب!!
وفاء سراقة بما وعد
وقد وفى سراقة بما وعد، فجعل لا يلقى أحدا من الطلب إلا رده قائلا:
كفيتم هذا الوجه، فلما اطمأنّ إلى أن النبي ﷺ وصل إلى المدينة جعل سراقة يقصّ ما كان من قصته وقصة فرسه، واشتهر هذا عنه، وتناقلته الألسنة حتى امتلأت به نوادي مكة، فخاف رؤساء قريش أن يكون ذلك سببا لإسلام بعض أهل مكة، وكان سراقة أمير بني مدلج، ورئيسهم فكتب أبو جهل إليهم:
стр. 479
بني مدلج إني أخاف سفيهكم ... سراقة مستغو لنصر محمد
عليكم به ألّا يفرّق جمعكم ... فيصبح شتى بعد عز وسؤدد
فقال سراقة يرد على أبي جهل:
أباحكم- والله- لو كنت شاهدا ... لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محمدا ... رسول وبرهان فمن ذا يقاومه
عليك فكفّ القوم عنه فإنني ... أرى أمره يوما ستبدو معالمه
بأمر تود الناس فيه بأسرهم ... بأن جميع الناس طرّا مسالمه
إسلام سراقة
وتسير الأيام في صالح الدعوة الإسلامية بعد جهاد وكفاح وتضحية وصبر، ويدخل النبي ﷺ مكة منتصرا، وتدول دولة الشرك والأصنام، ويقابل سراقة رسول الله مرجعه من حنين والطائف «بالجعرّانة» فيطلعه على الكتاب، فيقول له رسول الله: «اليوم يوم الوفاء والبر، ادن» قال: فدنوت منه وأسلمت.
صدق النبوءة
وتدور عجلة التاريخ مسرعة، ويأتي زمن الخليفة العبقري الملهم عمر بن الخطاب- ﵁ فيفتح الله على المسلمين بلاد فارس ومنها المدائن، ويثلّ عرش كسرى، ويؤتى بالغنائم، وفيها سوارا كسرى، وتاجه، وبساطه، وجواهره الغالية التي قدّرت بألوف الألوف من الدراهم والدنانير، ويقف الفاروق متعجبا من أمانة الجند وقوادهم، فيقول: «إن قوما أدّوا هذا لذوو أمانة» !! فيقول له علي- ﵁: «إنك عففت فعفّت الرعية» !! ويقسم عمر الغنائم بين المسلمين، ويتعفف عنها فلم ينله منها شيء.
ويتذكر عمر والمسلمون نبوءة رسول الله ﷺ ، ومقالته لسراقة، فأتى به، وألبسه سواري كسرى، وكان سراقة رجلا أزب «١» ، وقال له «قل: الله أكبر،
стр. 480
الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن جعشم أعرابيا من بني مدلج» ورفع بها عمر صوته، ثم أركب سراقة، وطيف به المدينة، والناس حوله، وهو يرفع عقيرته مرددا قول الفاروق: الله أكبر، الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن جعشم أعرابيا من بني مدلج!!
وكان يوما مشهودا من أيام المدينة الخالدة، وهكذا صدق الله وعده، ونصر جند الإسلام المتقين، وجعل وراثة الأرض لعباده الصالحين.
من تفاؤل النبي ﷺ
وقد روي أن رسول الله ﷺ مرّ هو والركب بإبل لمالك بن الأوس الأسلمي بالجحفة ومعها غلام راع، فقال: «لمن هذه» ؟ قال: لرجل من أسلم، فالتفت إلى أبي بكر وقال: «سلمت إن شاء الله» قال: «ما اسمك» ؟ قال:
مسعود، فالتفت إلى أبي بكر، وقال: «سعدت إن شاء الله» «١» وقد كان من خلق رسول الله ﷺ أنه يحب التفاؤل، ويكره التشاؤم.
إهداء الزبير وطلحة ثيابا لرسول الله وأبي بكر
ومما وقع في الطريق إلى المدينة أنه ﷺ لقي الزبير بن العوام في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسى الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثيابا بيضاء، رواه البخاري «٢» ، وكذا روى أصحاب السير أن طلحة بن عبيد الله لقيهما أيضا وهو عائد من الشام وكساهما بعض الثياب «٣» .
في انتظار الرسول
ولما بلغ المسلمين بالمدينة مخرج النبي ﷺ من مكة هو وصاحبه الصديق رضي الله تعالى عنه، كانوا يخرجون كل غداة إلى الحرّة فينتظرونه حتى يردهم حرّ الظهيرة، فعلوا ذلك مرارا، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم،
стр. 481
فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم «١» من اطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيّضين «٢» ، يزول بهم السراب «٣» ، فلم يملك اليهودي أن صاح بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدّكم «٤» الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح «٥» ، فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرّة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل في بني عمرو بن عوف.
في قباء «٦»
وكانت منازل بني عمرو بن عوف في قباء، وكان ذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، وقيل لهلال ربيع الأول، وقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل لثامن يوم منه، وقال ابن إسحاق لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وعند ابن سعد لثلاث عشرة منه.
فقام أبو بكر للناس يتلقاهم، وجلس رسول الله ﷺ صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ ولم يعرفه من قبل يحيّي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ ، فأقبل أبو بكر حتى ظلّل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله عند ذلك.
فأقام رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف أربعة أيام «٧» ، الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وخرج يوم الجمعة قاصدا المدينة.
стр. 482
تأسيس مسجد قباء
وكان أول عمل قام به رسول الله ﷺ لما قدم قباء أن أسس مسجد قباء، كي يكون للمسلمين مكان يصلون فيه، ويجمعهم على البر والخير والتقوى، وهو المسجد الذي أسس على التقوى، وهو أول مسجد بني في الإسلام لكافة المسلمين، وهو المراد بقوله تعالى:
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) «١» .
نزول النبي وصاحبه بالمدينة
وكان نزول النبي ﷺ حين قدم قباء على كلثوم بن الهدم «٢» أخي بني عمرو بن عوف، ويقال: بل نزل على سعد بن خيثمة، ولا منافاة بين القولين، فقد كان النبي ﷺ يبيت عند كلثوم بن الهدم، فإذا أصبح جلس في بيت سعد بن خيثمة، وذلك أنه كان عزبا لا أهل له، وكان يقال لبيته: بيت العزاب، ولذلك نزل عليه العزاب من المهاجرين كما ذكرنا.
ونزل أبو بكر الصديق ﵁ على خبيب بن إساف أحد بني الحارث بن الخزرج بالسنح «٣» وقيل: بل نزل على خارجة بن زيد بن أبي زهير أخي بني الحارث بن الخزرج.
هجرة علي ﵁
وأقام علي بن أبي طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس، ثم لحق برسول الله فأدركه بقباء بعد وصوله بليلتين أو ثلاث، فكانت إقامته بقباء ليلة أو ليلتين، ثم خرج مع النبي ﷺ إلى المدينة يوم الجمعة.
стр. 483
مكرمة لسهل بن حنيف
وقد لاحظ سيدنا علي مدة إقامته بقباء امرأة مسلمة لا زوج لها، ورأى إنسانا يأتيها من جوف الليل، فيضرب عليها بابها، فتخرج إليه، فيعطيها شيئا معه، فتأخذه، قال: فاستربت بشأنه، فقلت: يا أمة الله، من هذا الذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه، فيعطيك شيئا لا أدري ما هو؟
وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك؟! قالت: هذا سهل بن حنيف، وقد عرف أني امرأة لا أحد لي، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها، ثم جاءني بها، فقال: احتطبي بهذا، فكان علي ﵁ يأثر ذلك من شأن سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق.
وبوصول النبي ﷺ وصحبه إلى قباء تمت خير هجرة عرفتها الدنيا لقوم مؤمنين، وأعظم حادث تاريخي كان له أكبر الأثر في تاريخ الإسلام والمسلمين، بل في تاريخ الدنيا قديمها وحديثها.
وإلى هنا نقف بك- أيها القارىء الكريم- لنسلمك إلى أحداث السيرة النبوية من الهجرة إلى وفاة النبي ﷺ في «القسم الثاني» من هذه السيرة العطرة، التي أراد الله أن يخرج قسمها الثاني قبل الأول ببضع سنين.
والحمد لله في النهاية كما حمدناه في البداية، وصلّى الله- ﵎ على سيدنا محمد نبي الهدى، والبر، والرحمة، والملحمة، وعلى اله وأصحابه الذين فدوه بالنفس، والأهل، والولد، والمال، وعزّروه، ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنّا معهم بفضلك وكرمك يا إله العالمين، امين.
وكان الفراغ من تأليفه في شهر ربيع الأول لعام ثمان وثمانين وثلاثمائة بعد الألف هجرية، الموافق يونيو لعام ١٩٦٨ ميلادية، وأنا بمدينة الرسول ﷺ .
وكتبه العاجز عن شكر ربه وراجي عفوه
أبو السادات محمد بن محمد أبو شهبة من علماء الأزهر الشريف
والمتخصص في الأصلين الشريفين: القران والسنة
стр. 484
ثبت بأهم مراجع الكتاب
(١) القران الكريم.
(٢) تفاسير: ابن جرير الطبري، والزمخشري، والبغوي، وابن كثير، والقرطبي، والألوسي، وأسباب النزول للسيوطي.
(٣) الصحيحان: صحيح البخاري، وصحيح مسلم.
(٤) سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ومسند أحمد، والموطأ.
(٥) المستدرك للحاكم، السنن للبيهقي، سنن الدارقطني.
(٦) السيرة النبوية لابن إسحاق وابن هشام، ط الحلبي.
(٧) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للإمام الحافظ ابن حجر طبعة البهية.
(٨) الشفا في التعريف بحقوق المصطفى، للإمام القاضي عياض، ط استانبول.
(٩) الطبقات الكبرى، للإمام ابن سعد، ط بيروت.
(١٠) الإصابة في تاريخ الصحابة، للإمام ابن حجر، ط الأولى.
(١١) الاستيعاب في تاريخ الأصحاب، ابن عبد البر على هامش الإصابة.
(١٢) شرح المواهب اللدنية، للإمام الزرقاني، ط بولاق.
(١٣) زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية، ط أنصار السنة.
(١٤) البداية والنهاية، للإمام الحافظ ابن كثير، ط الاستقامة.
(١٥) الروض الأنف شرح السيرة لابن هشام، للإمام السهيلي، ط الجمالية ١٣٣٢ هـ ١٩١٤ م.
(١٦) السيرة الحلبية، للشيخ العلامة علي بن برهان الدين الحلبي.
(١٧) نور اليقين في سيرة سيد المرسلين، للعلامة الشيخ محمد الخضري.
(١٨) حياة محمد، للدكتور محمد حسين هيكل، ط الأولى.
(١٩) حياة محمد، لدرمنغم ترجمة الأستاذ عادل زعيتر.
(٢٠) حياة محمد ورسالته، لمولانا محمد علي.
стр. 485
(٢١) الدين، للدكتور الشيخ محمد عبد الله دراز.
(٢٢) التاريخ الإسلامي والحضارة العربية، للدكتور أحمد شلبي.
(٢٣) جزيرة العرب في القرن العشرين، للشيخ حافظ وهبة.
(٢٤) دائرة معارف القرن العشرين، للأستاذ محمد فريد وجدي.
(٢٥) مكة والمدينة في عصر الجاهلية، للأستاذ أحمد الشريف.
(٢٦) معجم البلدان، للشيخ العلامة ياقوت الحموي.
(٢٧) الأصنام، لابن الكلبي.
(٢٨) أدلة اليقين في الرد على مطاعن المبشرين، للعلامة الشيخ عبد الرحمن الجزيري.
(٢٩) الرد على المنطقيين، للإمام أحمد بن تيمية الحراني.
(٣٠) مدخل لدراسة القران الكريم، للدكتور الشيخ محمد أبو شهبة.
(٣١) الإسراء والمعراج، للدكتور الشيخ محمد أبو شهبة.
(٣٢) تفسير سورة الفاتحة وملحقاتها، للإمام الشيخ محمد عبده.
(٣٣) زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم، لأستاذنا الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي، ط الحلبي.
(٣٤) البيان والتبيين، للإمام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، ط ثالثة.
(٣٥) عبقرية محمد، للأستاذ العقاد، ط الهلال.
(٣٦) حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، للأستاذ العقاد، ط الهلال.
(٣٧) أم النبي ﷺ ، للدكتورة عائشة عبد الرحمن، ط الهلال.
(٣٨) الملل والنحل، للإمام الشيخ محمد الخضر حسين، ط خاصة بكلية أصول الدين قديما.
(٣٩) الملل والنحل، للأستاذ حامد عبد القادر، ط خاصة بكلية أصول الدين قديما.
(٤٠) التاريخ الإسلامي، للدكتور محمد مصطفى زيادة، ط خاصة بكلية أصول الدين قديما.
(٤١) التاريخ الإسلامي، للأستاذ محمد حبيب أحمد، ط خاصة بكلية أصول الدين قديما.
(٤٢) كتب العهد القديم، والعهد الجديد أو التوراة والأناجيل، ط جمعية التوراة الأميركانية.
(٤٣) كتب اللغة: القاموس المحيط، والمصباح المنير.
стр. 486
فهارس الجزء الأوّل صنع فهارسه العلمية عبد الستّار الشيخ
١- فهرس الايات القرانية.
٢- فهرس الأحاديث النبوية.
٣- فهرس الأعلام.
٤- فهرس القبائل والأمم والجماعات والدول والممالك والحضارات.
٥- فهرس الأيام والغزوات والوقائع.
٦- فهرس الأماكن والبلدان والبحار والأنهار والأصنام.
٧- فهرس تأريخي متسلسل لأحداث السيرة والتشريعات ونحو ذلك.
٨- فهرس الشعر.
٩- فهرس الموضوعات.