← Сира

Сира · id 9896

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

محمد أبو شهبة

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ «١» وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ «٢» ساءَ ما يَحْكُمُونَ (١٣٦) «٣» . وكذلك كانوا يحرمون ذكور الأنعام حينا، ويحرمون إناثها حينا اخر، وتارة ثالثة كانوا يحرمون الذكور والإناث، لا يستقرون على حال ولا يستندون إلى حجة، فجادلهم الله بالحكمة، والمنطق القويم، فقال سبحانه: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤) «٤» . إلى غير ذلك من ابتداعاتهم وافترااتهم.

стр. 72

اليهودية والنصرانية في جزيرة العرب أما اليهودية فقد كانت بخيبر وما جاورها، ويثرب (المدينة) وفي بلاد اليمن. وفي الحق أن اليهودية لم تجد قبولا ولا انتشارا في بلاد العرب، ولعل ذلك لأن اليهود يزعمون أنهم شعب الله المختار، فلذلك لم يقبل العربي أن يدخل دينا يجعله في طبقة دنيا عن طبقة دعاة هذا الدين، وأيضا فقد كانوا لا يهمهم نشر دينهم، بقدر ما يهمهم جمع الأموال، هذا إلى أن أخلاقهم التي كانوا يتصفون بها من اللؤم، والغدر، والخيانة، والحرص والشره إلى المال، والتي تعتبر على الضد من أخلاق العرب- زهّدت العرب في دينهم، والانتظام في سلكهم وجماعتهم. أما النصرانية فكانت منتشرة بنجران شمال اليمن، وطبيعي أنها جاءت من الحبشة، وفي شمال الجزيرة في دولة الغساسنة، وقد كانت وثيقة الصلة بالروم، فمن ثم انتشرت فيها النصرانية أكثر من غيرها، وفي الحيرة فقد تنصر معظم الأسرة المالكة، وقد ذكر ياقوت في «معجم البلدان» أنه كان بالحيرة بيعة «١» - كنيسة- وأنها من أقدم الكنائس ببلاد العرب، وقد ذكر أنه كان على واجهتها كتابة نصها: «بنت هذه الكنيسة هند أمة المسيح، وأم عبده» وفي غير هذه الأقاليم لا تجد أثرا يذكر للنصرانية. والسبب في عدم انتشار النصرانية في بلاد العرب التعقيدات التي فيها ولا سيما في باب الألوهية، فإنها لا يقبلها العقل العربي، والأمور التي يزعم القسس أنها من الأسرار، وطبيعة العربي تأبى ذلك أيضا.

стр. 73

الحنيفيون «١» وقد كان في العرب من يدين بشريعة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، في الألوهية والتوحيد، والإيمان بالبعث، واليوم الاخر، وأن رسولا سيبعث في اخر الزمان، ويخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وهم (الحنيفيون) منهم: ١- قسّ بن ساعدة الإيادي: كان خطيبا، حكيما، عاقلا، له نباهة، وفضل، وكان يدعو إلى توحيد الله، وعبادته، وترك عبادة الأوثان، كما كان يؤمن بالبعث بعد الموت، وقد بشّر بالنبي ﷺ ، فقد روى أبو نعيم في دلائل النبوة عن ابن عباس قال: «إن قس بن ساعدة كان يخطب قومه في سوق (عكاظ) فقال في خطبته: سيعلم حق من هذا الوجه- وأشار بيده إلى مكة- قالوا: وما هذا الحق؟ قال: رجل من ولد لؤيّ بن غالب يدعوكم إلى كلمة الإخلاص، وعيش الأبد، ونعيم لا ينفد، فإن دعاكم فأجيبوه، ولو علمت أني أعيش إلى مبعثه لكنت أول من يسعى إليه» وقد أدرك النبي ﷺ ، ولكنه مات قبل البعثة. وروي أن النبي قال: «رحم الله قسا كأني أنظر إليه على جمل أورق تكلم

стр. 74

بكلام له حلاوة لا أحفظه» فقال بعض قومه: نحن نحفظه، فقال: «هاتوه» فذكروا خطبته المشحونة بالحكم والمواعظ. وروى الطبراني في كتابه «المعجم الكبير» والحافظ البيهقي في كتابه «دلائل النبوة» عن ابن عباس- ﵄ قال: قدم وفد عبد القيس على النبي ﷺ فقال: «أيكم يعرف قسّ بن ساعدة الإيادي» ؟ قالوا: كلنا نعرفه يا رسول الله، قال: «فما فعل» ؟ قالوا: هلك، قال: «فما أنساه بعكاظ في الشهر الحرام، وهو على جمل أحمر وهو يخطب الناس وهو يقول: يا أيها الناس: اجتمعوا، واستمعوا، وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو ات ات، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا ... » إلى اخر خطبته المشهورة ثم قال رسول الله ﷺ : «أفيكم من يحفظ شعره» ؟ فأنشده بعضهم قوله: في الذاهبين الأول ... ين من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأصاغر والأكابر لا يرجع الماضي إل ... يّ ولا من الباقين غابر أيقنت أني لا محال ... ة حيث صار القوم صائر ولذلك قال الجاحظ في «البيان والتبيين» : «ولإياد وتميم خصلة ليست لأحد من العرب، لأن رسول الله ﷺ هو الذي روى كلام قس بن ساعدة وموقفه على جمله بعكاظ، وموعظته، وهو الذي روّاه لقريش والعرب، وهو الذي عجب من حسن كلامه، وأظهر من تصويبه، وهذا إسناد «١» يعجز عنه الأماني، وتنقطع دونه الامال، وإنما وفق الله ذلك الكلام لقس بن ساعدة، لاحتجاجه للتوحيد، ولإظهاره معنى الإخلاص وإيمانه بالبعث، ولذا كان خطيب العرب قاطبة» «٢» .

стр. 75

ولو أن الرواية بهذا كانت ثابتة لاستقام كلام الجاحظ، ولكن بعض حفاظ الحديث ونقاده قالوا: في السند راو كذاب متهم بوضع الحديث، وقد حكم الحافظ ابن الجوزي عليها بالوضع، ووافقه بعض الحفاظ. نعم رويت رواية أمثل من هذه وأقوى، ولكنها تفيد أن الذي أورد القصة بكمالها: نظمها ونثرها بين يدي رسول الله ﷺ هو الصدّيق أبو بكر ﵁ وأغلب طرق القصة لا تخلو من ضعف «١» ، ومهما يكن من شيء فقد كان قس بن ساعدة من الحنفاء الداعين إلى الله وتوحيده، والإيمان باليوم الاخر في هذا العصر الجاهلي المظلم. ٢- زيد بن عمرو بن نفيل: ابن عم الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ ووالد الصحابي الجليل سعيد بن زيد، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان حنيفيا على دين الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل ﵉، وكان لا يأكل ما ذبح على الأنصاب، وقد التقى بالنبي ﷺ بمكان يقال له: (بلدح) «٢» وكانت قدّمت إلى النبي سفرة «٣» ، فأبى أن يأكل منها. ثم قدمت لزيد، فأبى، وقال: لا اكل ما تذبحون على أنصابكم، روى البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عمر- ﵄ «أن النبي ﷺ لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي الوحي، فقدمت إلى النبي سفرة فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست اكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا اكل إلا ما ذكر اسم الله عليه» ، وكان زيد بن عمرو بن نفيل يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله؟! وهذه الرواية الصحيحة ترد ما ذكره بعض الكتاب في السيرة من أن

стр. 76

النبي أكل مما ذبح على النصب، أما زيد فقد أبى أن يأكل منها، وهو زعم باطل «١» . ثم ذكر البخاري في قصة طويلة أن زيدا خرج إلى الشام يطلب الدين الحق، فلقي عالما من علماء اليهود، فلم يعجبه ما قال، ثم خرج فلقي عالما من النصارى فلم يقع في نفسه ما عرض عليه، ولكنه وجدهما يذكران دين إبراهيم وأنه هو الدين الحنيف، فلما سمع قولهما في إبراهيم خرج، فلما برز رفع يديه وقال: «اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم» . وروى البخاري تعليقا «٢» عن أسماء بنت أبي بكر قالت: «رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يحيي الموؤودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤنتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤنتها» «٣» . وروى ابن إسحاق أنه كان يقول: «اللهم لو أني أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك به، ولكني لا أعلمه» ثم يسجد على راحته، وروى ابن سعد، والفاكهي عن عامر بن ربيعة أن زيدا قال له: «إني خالفت قومي واتّبعت ملة إبراهيم، وإسماعيل، وما كانا يعبدان، وكانا يصليان إلى هذه القبلة، وأنا أنتظر نبيا من بني إسماعيل يبعث، ولا أراني أدركه، وأنا أومن به وأصدقه، وأشهد أنه نبي، وإن طالت بك حياة فأقرئه مني السلام» ، قال عامر: فلما أسلمت أعلمت النبي ﷺ بخبره، فردّ ﵇، وترحم عليه، وقال: «لقد رأيته في الجنة يسحب ذيولا» ، وروى أن سعيد بن زيد، وعمر بن الخطاب سألا رسول الله عن زيد فقال: «غفر الله له ورحمه، فإنه مات على دين إبراهيم» ولما بعث

стр. 77

النبي ﷺ ، وكان بالشام وبلغه ذلك، عاد ليؤمن به، فقتل بمضيعة من أرض البلقاء «١» . ٣- ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى: ابن عم السيدة خديجة ﵂ وكان ممن كره عبادة الأوثان، وما كان عليه قريش من الضلال، فخرج هو وزيد بن عمرو بن نفيل إلى الشام يبحثان عن دين تركن إليه نفوسهما، فأما زيد فقد انتهى أمره إلى الحنيفية- كما أسلفنا- واتّبع دين إبراهيم، وأما ورقة فأعجبه دين النصرانية فتنصّر، ولعله لقي من الرهبان من بقي على دين عيسى الحق، ولم يبدل، ولم يحرف، فقد كان موحّدا، وبشر بالنبي ﷺ ، وفي صحيح البخاري في حديث بدء الوحي الطويل: «وكان امرا قد تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي» ولما أخبره النبي ﷺ بخبره قال: «هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني فيها حيا إذ يخرجك قومك» ، فقال رسول الله ﷺ : «أو مخرجي هم؟» قال: نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا» ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي «٢» . وقد اختلف في وفاته، فذهب الكثيرون إلى أنه مات قبل أن يؤمر النبي بالإنذار على ما في الصحيح، وقيل عاش حتى شهد المبعث، وأنه كان يمر على بلال وهو يعذب على رمضاء مكة ويقول: «أحد. أحد» فيقول ورقة: «أحد. أحد، يا بلال، والله لئن قتلتموه لأتخذنّه حنانا «٣» » . وأيّا ما كان فقد مات على التصديق بالنبي والإيمان به، روى البيهقي في الدلائل وأبو نعيم أنه لما توفي قال ﷺ : «لقد رأيت القسّ «٤» في الجنة عليه

стр. 78

ثياب الحرير، لأنه امن بي وصدقني» ، وفي رواية: «رأيت ورقة في بطنان الجنة عليه السندس» ولذلك عدّه بعض العلماء أول من امن بعد خديجة من الرجال، وعده البعض من الصحابة «١» . ٤- أمية بن أبي الصّلت بن عوف الثقفي: كان ممن طلب الدين، ونظر في الكتاب، ويقال: إنه ممن دخل في النصرانية، وأكثر في شعره من ذكر التوحيد، والبعث، وأحوال القيامة، وكان يعلم من الكتاب أن نبيا سيبعث من العرب، وكان يرجو أن يكون هو، فتحنّث وتعبّد أملا في هذا، وكأنه ظن أن النبوة تنال بالرياضات، وما علم أنها فضل من الله يؤتيه من يشاء. ولما بعث النبي ﷺ حسده، وقال: «إن الحنيفية حق، ولكن الشك يداخلني في محمد» . ولما قيل له: أفلا تتبعه؟ قال: «أستحي من نسيّات ثقيف أني كنت أقول لهن: إني أنا هو، ثم أصير تابعا لغلام من بني عبد مناف!!» ولما أنشدت أخته النبي شيئا من شعره قال: «امن شعره، وكفر قلبه» وقد روي في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم» وقد عاش حتى وقعة بدر الكبرى: فرثى من مات بها من الكفار، ثم مات من غير أن يسلم بين كمده، وحسده، وحسرته، قيل سنة اثنتين بعد بدر، وقيل سنة تسع.

стр. 79

الحياة الاجتماعية عند العرب لقد كان للعرب أوضاع، وتقاليد اجتماعية، وقوانين عرفية فيما يتعلق بالأنساب والأحساب، وعلاقة القبيلة بالاخرى، وعلاقة الأفراد بعضهم ببعض، وفيما يتعلق بالأسرة من نكاح، وطلاق، وثبوت نسب، ووضع المرأة في الأسرة، والبنين، والبنات، ونظام التوارث إلى غير ذلك مما يتعلق بالحالة الاجتماعية ويمكن إجمال ذلك فيما يأتي: ١- الاعتزاز الذي لا حدّ له بالأنساب، والأحساب «١» ، والتفاخر بهما وقد حرص العرب حضرا وبدوا على المحافظة على أنسابهم، فلم يصاهروا غيرهم من الأجناس الاخرى، اعتزازا بالدم العربي أن يختلط بغيره، ولعلك على ذكر مما ذكر انفا من إباء النعمان بن المنذر أن يزوج إحدى بناته من كسرى، أو أحد أولاده مع أنه كان تابعا له، وتحمل في سبيل ذلك ما تحمل. وقد بالغوا في التفاخر بهما حتى أضاعوا وقتهم فيه، قال تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) «٢» . ولما جاء الإسلام قضى على ذلك، وبيّن لهم أن التفاضل إنما هو بالتقوى والعمل الصالح، وأن النسب الأصيل إذا اجتمع إليه العلم والعمل بلغ

стр. 80

الإنسان غاية الكمال. وكذلك حافظوا على أنساب خيولهم الأصيلة، وإبلهم الكريمة، وهو مظهر من مظاهر الاعتزاز بالأنساب. ٢- الاعتزاز بالكلمة، وسلطانها، ولا سيما الشعر فقد كان شعرهم سجل مفاخرهم وأحسابهم، وأنسابهم، وديوان معارفهم، وعواطفهم، فلا تعجب إذا كان نجم فيهم الخطباء المصاقع، والشعراء الفطاحل، وقد كان البيت من الشعر يرفع القبيلة، والبيت يخفضها، ولذلك ما كانوا يفرحون بشيء فرحهم بشاعر ينبغ في القبيلة لأنه كان يعتبر رمز القبيلة، والمنافح عنها، والمتغني بمفاخرها وأمجادها، وكانت تستهويهم الكلمة الفصيحة، والأسلوب البليغ. ولمكان الفصاحة والبلاغة من العرب كانت اية النبي الكبرى قرانا يتلى، وفي أعلا درجات الفصاحة، والبلاغة، وقد أهّلتهم ملكة البيان لحمل رسالة الإسلام فيما بعد، والمنافحة عنها باللسان والبيان. ٣- المرأة في المجتمع العربي وقد كانت المرأة عند كثير من القبائل كسقط المتاع، فقد كانت تورث، وكان الابن الأكبر للزوج من غيرها من حقه أن يزوجها بعد وفاة أبيه، أو يعضلها عن النكاح، حتى أبطل الإسلام ذلك وكان الابن يتزوج امرأة أبيه، فحرم الإسلام ذلك، وسماه (نكاح المقت) وما كانوا يورثونها ويقولون إنما يرث من يحارب ويجالد حتى جعل الإسلام لها حقا مفروضا، كما كانوا يجمعون بين الأختين حتى حرم ذلك الإسلام. ومن الحق أن نقول: إن بعض القبائل كانت تجلّ المرأة، وتأخذ رأيها في الزواج، وكتب الأدب والتاريخ فيها الكثير من القصص في ذلك. والعرب جميعا يغارون على أعراضهم، ويحافظون على نسائهم أكثر من أنفسهم، والعربي قد يقتل، وقد يسطو على الأموال، ولكن تأبى عليه مروءته أن ينتهز ضعف امرأة، أو واحدتها في سفر مثلا، فينتهك عرضها. والمرأة العربية الحرة كانت تأنف أن تفترش لغير زوجها وحليلها، وكانت

стр. 81

أيضا تتسم بالشجاعة تتبع المحاربين وتشجعهم، وقد تشارك معهم في القتال إذا دعت الضرورة. والمرأة البدوية تشارك زوجها في رعي الماشية، وسقيها، وتغزل الوبر والصوف، وتنسج الثياب، والبرود، والأكسية، مع التصون والتعفف. ومن صفاتها أنها تضجر من الحضر وترى الحرية، والهدوء، والصفاء في البادية، وليس أدل على هذا من قصة (ميسون بنت بحدل) التي تزوجها خليفة المسلمين معاوية بن أبي سفيان، فولدت له يزيد، فإنها لم تطق حياة القصور، والنعيم والترف، وتاقت إلى الخيام، والعيش الجاف، وإلى بدوي مثلها فقالت: لبيت تخفق الأرواح فيه ... أحبّ إلي من قصر منيف ولبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبّ إلي من لبس الشّفوف وأكل كسيرة في قعر بيتي ... أحبّ إلي من أكل الرغيف وخرق «١» من بني عمي ضعيف ... أحبّ إلي من علج «٢» عنيف فلما بلغت معاوية- ﵁ مقالتها سرّحها، وأعادها معززة إلى أهلها. ٤- النكاح والطلاق [أ- النكاح] لم يكن للعرب حدّ محدود في النكاح، فقد جاء الإسلام ومنهم من له العشر من النساء والأكثر، والأقل، فقصر ذلك على أربع إن علم أنه يستطيع الإنفاق عليهن، والعدل بينهن، فإن خاف عدم العدل فليكتف بواحدة، وما كانوا في الجاهلية يلتزمون العدل بين الزوجات، وكانوا يسيئون عشرتهن، ويهضمون حقوقهن حتى جاء الإسلام فأنصفهن، وأوصى بالإحسان إليهن في العشرة، وقرر لهن حقوقا ما كنّ يحلمن بها.

стр. 82

أنكحة الجاهلية وكانت هناك في الجاهلية أنكحة كثيرة منها الصحيح الذي هو كأنكحتنا اليوم بخطبة، وولي، ومهر، ومنها الفاسد، فمن الفاسد: نكاح الاستبضاع، ونكاح التواطؤ، ونكاح البغايا، ونكاح الشغار، ونحوها، والنكاح الصحيح كان يلتزمه أكثر العرب، ولا سيما الأشراف منهم. وإليك ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن عائشة- ﵂ «أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء «١» : فنكاح منها نكاح النساء اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليّته أو «٢» ابنته، فيصدقها، ثم ينكحها. ونكاح اخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها «٣» : أرسلي إلى فلان، فاستبضعي «٤» منه، ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع. ونكاح اخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها «٥» ، فإذا حملت، ووضعت، ومرّ ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمّي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل. ونكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، لا تمنع من جاءها، وهنّ البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن أرادهن

стр. 83

دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن، ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لها القافة «١» ، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط «٢» به، ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك. فلما بعث محمد ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية، إلا نكاح الناس اليوم» «٣» . وذكر بعض العلماء أنحاء أخرى لم تذكرها عائشة- ﵂ كنكاح الخدن وهو في قوله تعالى: وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ كانوا يقولون: ما استتر فلا بأس به، وما ظهر فهو لوم، وهو إلى الزنا أقرب منه إلى النكاح، وكنكاح المتعة وهو النكاح المعين بوقت، ونكاح البدل: كان الرجل في الجاهلية يقول للرجل: انزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي، وأزيدك «٤» . ومن الأنكحة الباطلة نكاح الشّغار وهو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الاخر ابنته، ليس بينهما صداق. [ب-] الطلاق وكذلك كانوا يسرفون في الطلاق من غير أن يكون هناك داع مشروع، أو مقبول، حتى جاء الإسلام فبيّن لهم النبي أن «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» «٥» . ولم يكن للطلاق حدّ محدود، فكان الرجل يطلق ثم يراجع، وهكذا فلما جاء الإسلام قيّد ذلك، وأعطى للزوج فرصة لتدارك أمره، ومراجعة زوجته مرتين، فإن طلّق الثالثة فقد انقطعت عروة النكاح، ولا تحلّ له إلا بعد زوج اخر، ففي الكتاب الكريم: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ «٦» .

стр. 84

ثمّ قال بعد: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ «١» . ومما كان يلحق بالطلاق في التحريم الظّهار، وهو أن يقول الزوج لزوجته: أنت علي كظهر أمي، وكان تحريما مؤبدا حتى جاء الإسلام، فوسمه بأنه منكر من القول وزور، وجعل للزوج مخرجا منه، وذلك بالكفّارة قال تعالى: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤) «٢» . ٥- وأد البنات وقتل الأولاد ومن الماسي التي كانت تزاولها بعض القبائل وأد «٣» البنات خشية العار، وقتل الأولاد من الفقر أو خشية الفقر، قال تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) «٤» . وقال: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ «٥» .

стр. 85

وقال: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) «١» . وقد ذكروا أن السبب في وأد البنات أن قبيلة حاربت أخرى فغلبتها وسبت نساءها، وبناتها، وتزوجوا بهنّ، فلما تصالحوا خيّر النساء والبنات أن يرجعن إلى أزواجهن وأهليهن، وبين البقاء عند من تزوجوهن فاخترن البقاء، فال رجال القبيلة الاخرى على أنفسهم أن يئدوا البنات وهنّ صغار، ثم فشت هذه العادة عند غير هذه القبيلة، مجاراة لها، أو خوفا أن يصيبها ما أصابها. وقد بلغ من سفههم أنهم كانوا يجعلون لله البنات، ولهم الذكور، وكان من العار والخزي أن يبشّر الواحد منهم بأن امرأته ولدت أنثى، ويدركه من الحسرة والكمد ما يجعله في حيرة من أمره، وقد بين لنا القران الكريم ذلك بهذا البيان البارع قال سبحانه: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩) «٢» . وكان في العرب قبائل لا تئد البنات، كما كان فيهم من يستقبحون هذه الفعلة الشنعاء كزيد بن عمرو بن نفيل، وقد حدثناك من خبره، فلما جاء الإسلام قضى على ذلك، وكرّم البنات والبنين، وأوصى بهنّ وبهم خيرا، وكان في المثل العالية التي كان يضربها النبي في معاملة بناته، وبناتهن، وأولادهن، وبنات المسلمين أكبر معلم ومهذب في هذا.

стр. 86

٦- الحروب، والسطو، والإغارة وكانت تقوم بين القبائل الحروب لأتفه الأسباب، من أجل ناقة، أو سباق فرس، أو نحو ذلك، وذلك كحرب البسوس التي قامت بين بكر، وتغلب أربعين عاما من أجل ناقة حتى أكلت الكثير من أبطالهم ورؤسائهم، وكان من ضحاياها كليب بن ربيعة. وكحرب داحس والغبراء، التي قامت ودامت طويلا بسبب سباق فرسين. وكان يغلب على بعض قبائل البدو السطو والإغارة قصد نهب الأموال، وسبي الأحرار وبيعهم، كزيد بن حارثة فقد كان عربيا حرا، وكسلمان الفارسي فقد كان فارسيا حرا، وقد قضى الإسلام على ذلك حتى كانت تسير المرأة فضلا عن الرجل- من صنعاء إلى حضرموت، لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها. ٧- العلم والقراءة والكتابة وقد كان العرب أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، وهذه هي الصفة التي كانت غالبة عليها، ولم يكونوا أهل كتاب وعلم كاليهود والنصارى، بل كان يغلب عليهم الجهل والأمية، والتقليد، والجمود على القديم وإن كان باطلا، وكان فيهم قليل ممن يكتب ويقرأ، ولكنهم مع أميتهم وعدم اتساع معارفهم- كانوا يشتهرون بالذكاء، والفطنة، والألمعية، ولطف المشاعر، وإرهاف الحس، وحسن الاستعداد، والتهيؤ لقبول العلم والمعرفة، والتوجيه الرشيد، ولذلك لما جاء الإسلام صاروا علماء، حكماء، فقهاء، وزالت عنهم الأمية، وصار العلم والمعرفة من أخص خصائصهم. وكان فيهم من يعلم علم النجوم ومساراتها، والاهتداء بها، ومعرفة بالأنواء، وسقوط الأمطار، وتحسس مخابىء الماء تحت أطباق الأرض، كما مهروا في علم قص الأثر، وهو القيافة، وكان فيهم أطباء كالحارث بن كلدة، وكان طبهم مبنيا على التجارب التي اكتسبوها من الحياة والبيئة.

стр. 87

الحالة الأخلاقية عند العرب مثالب العرب كان للعرب في جاهليتهم بعض الأخلاق المرذولة كالعنجهيّة، والعصبية، والظلم، وسفك الدماء، والأخذ بالثأر، واغتصاب الأموال، وأكل مال اليتامى، والتعامل بالربا، وشرب الخمر، والسرقة، والزنا، ومما ينبغي أن يعلم أن الزنا إنما كان في الإماء وأصحاب الرايات من البغايا، ويندر أن يكون في الحرائر، وليس أدل على هذا من أن النبي ﷺ لما أخذ البيعة على النساء بعد الفتح «على ألايشركن بالله شيئا، ولا يسرقن، ولا يزنين» قالت السيدة هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان: أو تزني الحرة؟!! وكانوا يزاولون ألوانا من اللهو، واللعب، والمجون، والشطارة «١» ، والقمار، وهو الميسر، إلى غير ذلك، وليس معنى هذا أنهم كانوا كلهم على هذا، لا، لقد كان فيهم كثيرون لا يزنون، ولا يشربون الخمر، ولا يسفكون الدماء؛ ولا يظلمون، ويتحرجون من أكل أموال اليتامى، ويتنزهون عن التعامل بالربا. فضائل العرب ولكنهم- والحق يقال- كانوا ذوي فضائل وأخلاق كريمة متأصلة فيهم، بل الرأي عندي أن فضائلهم أكثر من مثالبهم، ولهذا اختار الله خاتم أنبيائه

стр. 88

ورسله منهم، واستأهلوا أن يكونوا حملة الرسالة المحمدية الخالدة وتبليغها للعالم كافة، فمن فضائلهم: ١- حب الحرية، وإباء الضيم والذل والعربي بفطرته يعشق الحرية يحيا لها، ويموت من أجلها، فقد نشأ طليقا لا سلطان لأحد عليه، ويأبى أن يعيش ذليلا، أو أن ينال في شرفه، وعرضه ولو كلّفه ذلك حياته. ٢- الشجاعة فقد كانوا مضرب الأمثال فيها، وقد كان الواحد منهم يقابل الأسد في الصحراء فينازله حتى يقهره، وبعضهم لم يعرف الفرار ولا الهزيمة قط، وقد كان لهذه الفضيلة وزنها حينما جاء الإسلام، وفرض عليهم الجهاد. ٣- الكرم وهو خلق متأصل في العرب، ولا سيما أهل البادية وقد كان الواحد منهم لا يكون عنده إلا فرسه، أو ناقته، فيأتيه الضيف، فيسارع إلى ذبحها، أو نحرها له، وكان بعضهم لا يكتفي بإطعام الإنسان بل كان يطعم الوحش، والطير، وكرم حاتم الطائي سارت به الركبان، وضربت به الأمثال. ٤- المروءة والنجدة والعربي بفطرته ذو مروءة فهو يأبى أن ينتهز ضعف الضعيف، وعجز العاجز كالمرأة، والشيخ، والمريض، وهو ذو شهامة إذا استنجد به أحد أنجده، ويرى من النذلة التخلّي عنه. ٥- الوفاء بالعهد وهو من صفات العرب المشهورة، وقصة السموأل بن عادياء في الوفاء مشهورة، فقد ضحّى بابنه، ولم يقبل أن يخون العهد بتسليم الأدرع التي أودعت عنده، ومن أمثلة ذلك أيضا أنه لما ظفر الحارث بن عبّاد بقاتل ابنه، وهو المهلهل بن ربيعة في حرب البسوس، وهو لا يعرفه قال له: إذا دللتك على

стр. 89

المهلهل تطلقني؟ قال له: نعم، فقال له: أنا مهلهل، فاكتفى بأن جزّ ناصيته وتركه، ولم يقبل أن يخلف وعده. ٦- العفو عند المقدرة وقد كان الواحد منهم ينازل خصمه، وقرنه، حتى إذا أمكنه الله منه، عفا عنه وتركه، بل كان يأبى أن يجهز على جريح. ٧- حماية الجار وإجارة المستجير وكانوا إذا استجار بالواحد منهم مستجير أجاره، وربما ضحّى بنفسه وولده في سبيل إجارته، كما كانوا يرعون حقوق الجار، ولا سيما رعاية حرمه، والمحافظة على عرضه، قال شاعرهم: وأغضّ طرفي إن بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها ٨- القناعة والرضا باليسير ومن أخلاق العرب القناعة، وهي الرضا باليسير، ولعل طبيعة البلاد هي التي فطرتهم على هذا، فقد كان الواحد منهم يسير الأيام مكتفيا بتمرات يقيم بها صلبه، ورشفات من ماء يرطب بها كبده، وقلة تكاليف الحياة جعلتهم يكتفون بالقليل قال قائلهم: إذا لم تكن إبل فمعزى ... كأن قرون جلتها «١» العصيّ فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وريّ ٩- قوة الروح، وعظمة النفس والعربي يمتاز إلى شجاعته البدنية، بقوة الروح وعظمة النفس، وإذا اجتمعت البطولة النفسية إلى البطولة الجسمانية صنعتا العجائب. وهذا ما حدث بعد تشرفهم بالإسلام، وتواحدهم تحت لوائه فإنهم لم يهابوا الفرس ولا الروم على كثرة عددهم وعددهم، وكان لهم معهم في حروبهم مواقف مشهورة.

стр. 90

١٠- الصبر على المكاره وقوة الاحتمال ولعلهم اكتسبوا ذلك الخلق من طبيعة بلادهم الصحراوية الجافة، قليلة الزرع والماء، فألفوا اقتحام الجبال الوعرة، والسير في حرّ الظهيرة، ومرنوا على الحر والبرد، ولهذا لما دخلوا في الإسلام بعد ضربوا في الصبر وقوة الاحتمال مثلا لم تعرف لغيرهم، ولم يؤثر فيهم الحر، والبرد، ولا وعورة الطريق، ولا بعد المسافة، ولا الجوع، ولا الظمأ حينما كلفوا بالجهاد. هذه الفضائل وغيرها كانت رصيدا مدخرا في نفوس العرب حتى جاء الإسلام فنماها وقواها، ووجهها وجهة الحق والخير، فلا عجب إذا كانوا انطلقوا من شبه جزيرتهم كما ينطلق الملائكة الأطهار، ففتحوا الأرض، وملأوها إيمانا بعد أن ملئت كفرا، وعدلا بعد أن ملئت جورا وظلما، وفضائل بعد أن عمتها الرذائل، وخيرا بعد أنه طفحت شرا، وتحققت سنة الله تعالى لهم حيث قال: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) «١» .

стр. 91

حالة العرب الاقتصادية كان العرب بدوا، وحضرا. أما البدو فكان عماد حياتهم على تربية النّعم، والانتجاع بها مساقط الغيث ومواطن الكلأ، وكانوا يأكلون من لحومها وألبانها، ويكتسون، ويصنعون خيامهم وأثاثهم من أوبارها وأصوافها، ويبيعون ما زاد عن حاجتهم منها، وكان ثراؤهم بحسب ما يملكون من رؤوس الإبل، والبقر، والغنم. أما حياة الحضر فمنهم من كانوا يعتمدون في معايشهم على الزراعة: زراعة الحبوب، والفواكه، والنخيل، والخضر، وذلك في البلاد ذات الأراضي الخصبة كاليمن، والطائف، والمدينة، ونجد، وخيبر وما شابهها، أما الكثرة الكاثرة منهم فكان اعتمادهم على التجارة، ولا سيما أهل مكة فقد كان لهم مركز ممتاز في التجارة وكان لهم بحكم كونهم أهل الحرم منزلة في نفوس العرب، فلا يعرضون لهم، ولا لتجارتهم بسوء، وقد تمنن الله عليهم بذلك في القران الكريم قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) «١» . وكانوا يجعلون التجارة في قمة وجوه المكاسب والارتزاق.

стр. 92

وقد اقتسم بنو عبد مناف التجارة إلى الأقطار فيما بينهم، فكان هاشم يتوجه إلى الشام، وعبد شمس إلى الحبشة، والمطّلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس، وزاول بعض أبنائهم التجارة من بعدهم. وكذلك اشتهر بالتجارة اليمنيون، ولم يكن نشاطهم مقصورا على التجارة البرية بل اشتغلوا بالتجارة في البحار، فسافروا إلى سواحل أفريقية، كالحبشة والسودان، والصومال، وغيرها من بلاد أفريقيا وإلى الهند وجاوة، وسومطرة، وغيرها من بلاد اسيا، وجزر المحيط الهندي أو البحر العربي كما يسمّى، وقد كان لهم فضل كبير بعد اعتناقهم الإسلام، في نشره في هذه الأقطار. وكانت وسيلة نقل التجارة هي القوافل التي تتكون من الإبل التي تعتبر سفن الصحراء، لما لها من قوة، وجلد، وصبر على العطش، وتحمل الأسفار البعيدة. وكان يزاول التجارة بعض الأشراف كهاشم، وأبي طالب، وأبي لهب والعباس، وأبي سفيان بن حرب، وأبي بكر، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله وغيرهم، منهم من كان يتّجر في ماله، ومنهم من كان يعمل لغيره بالأجر، أو المضاربة، كما حدث من رسول الله ﷺ في اتجاره في مال خديجة ﵂ ومن الأشراف من كان يتّجر له مواليه ومماليكه. وكان بعض الحضريّين يشتغل برعي الإبل، أو الغنم لنفسه، أو لغيره، ولا غضاضة في هذا سواء أكان من الأشراف، أم من غيرهم، وقد رعى رسول الله الغنم في صغره، وكذلك فعل عمر بن الخطاب وابن مسعود وغيرهما وكانت القوافل تحمل الطيب، والبخور، والمر، والصمغ، واللبان، والتوابل، والتمور، والروائح العطرية، والأخشاب الزكية، والعاج، والابنوس، والخرز، والجلود، والبرود اليمنية، والأنسجة الحريرية، والأسلحة، وغيرها مما يوجد في شبه الجزيرة، أو يكون مستوردا من خارجها، ثم تذهب به إلى الشام وغيرها، ثم تعود محملة بالقمح، والحبوب، والزبيب، والزيوت، والمنسوجات الشامية وغيرها.

стр. 93

التعامل بالربا وكان التعامل بالربا سائدا في الجزيرة العربية، ولعل هذا الداء الوبيل سرى إلى العرب من اليهود الذين استحلوا الربا في معاملة غير شعب بني إسرائيل، وكان للمعاملات الربوية صور مؤلمة وبخاصة (ربا النساء) فقد كان الداين يقول لمدينه: إما أن تقضي وإما أن تربي وأزيدك في الأجل، فيقبل حتى يصير الدرهم أضعافا مضاعفة، وكان يتعامل به الأشراف وغيرهم، ولا سيما في ثقيف بالطائف، وقد كان الربا من المفاسد الاقتصادية التي قضى عليها الإسلام. وكذلك كانت لهم معاملات أخرى في البيوع، منها ما حرمه الإسلام وأبطله، ومنها ما أقره وعدّل فيه حتى يصير شرعيا، وفي كتب الحديث، والفقه صور كثيرة لهذه البيوع. رحلتا الشتاء والصيف وكانت لقريش رحلتان عظيمتان شهيرتان: رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، يذهبون فيهما امنين بينما الناس يتخطفون من حولهم، هذا عدا الرحلات الاخرى التي يقومون بها طوال العام، وقد تمنن الله عليهم بهما فقال سبحانه: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤) «١» . أسواق العرب وكان للعرب أسواق مشهورة: عكاظ؛ ومجنّة؛ وذو المجاز «٢» . قال الإمام الفيومي: عكاظ- وزن غراب- سوق من أعظم أسواق الجاهلية، وراء قرن المنازل بمرحلة، من عمل الطائف على طريق اليمن، وقال أبو عبيد: هي

стр. 94

صحراء مستوية لا جبل بها ولا علم؛ وهي بين نجد، والطائف، وكان يقام فيها السوق في ذي القعدة نحوا من نصف شهر، ثم يأتون موضعا دونه إلى مكة يقال له: سوق مجنة فتقام فيه السوق إلى اخر الشهر؛ ثم يأتون موضعا قريبا منه يقال له: ذو المجاز، فيقام فيه السوق إلى يوم التروية، ثم يصدرون إلى منى «١» . وكانت عكاظ أشهر هذه الأسواق، وأذكرها وأعظمها. يغشاها العرب من كل أنحاء الجزيرة العربية؛ وإن كانت قبائل مضر أكثر غشيانا لها من غيرها لوقوعها في منطقتها «٢» . وفي السيرة الحلبية «٣» : أن العرب كانت إذا حجّت تقيم بعكاظ شهر شوال، ثم تجيء إلى سوق مجنة تقيم فيه عشرين يوما؛ ثم تجيء إلى ذي المجاز فتقيم به إلى أيام الحج؛ ولكن المعروف أن شوال ليس من الأشهر الحرم، وهذه الأسواق إنما كانت تقام فيها، حتى يأمن الناس على أنفسهم، وأموالهم. ويذكر بعض المؤلفين في أخبار مكة أن العرب كانوا يقيمون بعكاظ هلال ذي القعدة، ثم يذهبون منه إلى مجنة بعد مضي عشرين يوما من ذي القعدة، فإذا رأوا هلال ذي الحجة ذهبوا إلى ذي المجاز فلبثوا فيها ثمان ليال، ثم يذهبون إلى عرفة «٤» ، وهو قريب مما ذكره أبو عبيد، وكانوا لا يتبايعون في عرفة، ولا أيام منى حتى جاء الإسلام فأباح لهم ذلك قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ (١٩٨) «٥» . يعني بالتجارة في منى وعرفات. وقد استمرت هذه الأسواق في الإسلام إلى حين من الدهر، ثم درست،

стр. 95

فأما عكاظ فتركت عام الحروري بمكة أبي حمزة المختار بن عوف الإباضي في سنة تسع وعشرين ومائة، وخاف الناس أن ينتهبوا، وخافوا الفتنة فتركت حتى الان، ثم تركت مجنة؛ وذو المجاز بعد ذلك؛ واستغنوا بالأسواق بمكة ومنى وعرفات «١» . ولم تكن هذه الأسواق للتجارة فحسب، بل كانت أسواقا للأدب والشعر والخطابة يجتمع فيها فحول الشعراء ومصاقع الخطباء، ويتبارون فيها في ذكر أنسابهم، ومفاخرهم، وماثرهم، وبذلك كانت ثروة كبرى للغة، والأدب، إلى جانب كونها ثروة تجارية، وقد أتاحت هذه الفرص لقريش أن يطعّموا لغتهم بغيرها من لغات القبائل، ويختاروا منها ما يشاؤون، فمن ثمّ كانت اللغة القرشية أعذب اللغات على اللسان، وأحلاها عند الأسماع، وأثراها وأكثرها شمولا، كما كانت هذه الأسواق أدوات تقريب بين اللهجات العربية.

стр. 96

مدنية العرب وحضارتهم قبل الإسلام يجمل بي قبل الدخول في الموضوع أن أبين معنى الحضارة «١» . مفهوم الحضارة عند العلماء المسلمين، أو علماء الاجتماع منهم خاصة هي كما بينها الإمام العلّامة عبد الرحمن بن خالدون في مقدمته «أن الحضارة عبارة عن نمط من الحياة المستقرة، ينشىء القرى والأمصار، ويضفي على حياة أصحابه فنونا منتظمة، من العيش، والعمل، والاجتماع، والعلم، والصناعة، وإدارة شؤون الحياة، والحكم، وترتيب وسائل الراحة، وأسباب الرفاهية» «٢» . أما مفهوم الحضارة عند المحدثين فيعرفها أصحاب المعاجم «بأنها مظاهر الرقي العلمي، والفني، والأدبي، والاجتماعي في الحضر» «٣» . ولا يعكّر على هذا التعريف إلا قصر تلك المظاهر على الحضر أي المدن، مع أن المكان لا دخل له في تغيير حقائق الأشياء، وطبائعها، فهل لو وجدت تلك المظاهر، أو بعضها في القرى أصبحت شيئا غير ذلك؟ ما نظنّ هذا، ومن ثمّ يكون تعريف ابن خالدون أسلم منطقا، وأشمل مفهوما، وأدق تحديدا. ويستخلص من هذين التعريفين أن الحضارة عبارة عن إنتاج الإنسان

стр. 97

الاجتماعي الواعي، بحيث تتجلّى في هذا الإنتاج خصائصه الفكرية، والوجدانية، والسلوكية. وهذا المفهوم يتسع لكل ما يتصل بالروح، والفكر، والفلسفة، والأخلاق، والقانون، والفنون، فضلا عن الجانب المادي من العمران، وما ينتجه العلم التجريبي والاختراع مما يتصل بجميع مرافق الحياة كالصناعة والزراعة، والطب، والهندسة، وما إليها مما يكون عونا على تيسير العيش، ورغد الحياة. كما يستخلص من هذا أيضا أن المجتمعات تختلف في نموها الحضاري، بمقدار ما تسهم في تحقيق عناصر الحضارة في حياتها، وبمقدار ما يسعفها وعيها، وظروفها البيئية في هذا الصدد «١» . بناء على هذا نقول: هل كانت للعرب حضارة قبل الإسلام؟. نعم. قد كانت لهم حضارة في اليمن، وفي ديار عاد، وفي ديار ثمود، وفي الحيرة، وفي بلاد غسان، وفي بلاد الشام، بل وفي بلاد الحجاز ذاتها: في مكة، والمدينة، والطائف. وقد علمت ما كان في اليمن من قيام ممالك ذات سيادة وسلطان، ولها نظم وقوانين، ومجالس شورى وقضاء، إلى غير ذلك مما ذكرناه سابقا، وما وصلت إليه الممالك من حضارة زاهية وعلم وفن، فقد أقاموا السدود، والخزانات، للاستفادة بالماء، وعدم تبدده في الصحراء، وبذلك تمّ لهم تنظيم الصرف، والري، وليس من شك في أن هذا يتطلب فنا، وعلما بالأصول الهندسية، وتقدما في الفن المعماري، وناهيك بسد (مأرب) الذي يعدّ من أفخم وأضخم ما صنعه الإنسان في العصور القديمة، وفيما قصه القران الكريم عن مملكة (سبأ) وما كشف عنه علماء الاثار في الزمن الأخير ما يشهد لذلك، وقد بلغت اليمن من بسط العيش، ورخاء الحياة، وفخامة المدنية ما حمل معاصريهم من اليونانيين أن يسموا بلادهم (بلاد العرب السعيدة) . وكذلك كان في عاد حضارة زراعية، وصناعية، وتجارية، ومعمارية،

стр. 98

وكذلك كان في ثمود، وبحسبهم أنهم كانوا ينحتون في الجبال بيوتا في غاية الدقة والإحكام، وكذلك قامت في (الحيرة) على تخوم بلاد الفرس مملكة ذات شأن، وقامت حضارة بلغت في الفن المعماري مبلغا عظيما، وبحسبنا القصران الشهيران: الخورنق، والسدير، اللذان لا تزال اثارهما باقية إلى الان. وفي بلاد غسان قامت حضارة، وكان هناك عمران، وتجارة، وزراعة، وصناعة ونظم وقواعد لضبط شؤون الملك. وفي دولة الأنباط قامت مملكة، وكانت حضارة، وفي دولة تدمر قامت مملكة، وكانت حضارة أصيلة، ولا تزال اثار المعابد والقصور في هاتين الدولتين باقية إلى يومنا، شاهدة على ما بلغ القوم من حضارة. دولة حمورابي وإذا صح ما ذكره المؤرخون أن دولة حمورابي في بابل كانت عربية، وأن أصلها هم العماليق الذين نزحوا من بلاد العرب إلى بلاد العراق، ثم كونوا لهم مملكة (ببابل) في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد- تكون هذه الدولة من أقوى الشواهد على حضارة العرب، فقد كانت هذه الدولة لا تقل في الحضارة والمدنية عن أرقى أمم الأرض حضارة في زمانها. وقد ثبت أن العرب العماليق ملكوا مصر في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد، وأنهم أسسوا بها أسرة مالكة، فلم يكونوا أقل من الأسر المصرية في شيء «١» . وكذلك نشأت في بلاد الحجاز حضارة في مكة، والمدينة، والطائف، ونحوها من المدن المشهورة، فكان هناك بناء وعمارة، وكانت هناك تجارة، وتجار مهرة يصيرون من رمال الصحراء ذهبا، وكانت هناك زراعة وبساتين، في المدينة، وفي الطائف، واليمامة، وهجر. وكان بمكة مجلس للشورى يرجعون إليه في الأمور المهمة، ودار لهذا،

стр. 99

وهي (دار الندوة) فكانوا يجتمعون فيها كلما أهمهم أمر، ويجتمعون فيها اجتماعا عاما كل عام، وكانت تدار فيها المناقشات بكل حرية، وهي تدل على نضجهم التفكيري، ومن يقرأ الحوار الذي دار بينهم في الائتمار بالنبي ﷺ قبيل الهجرة يعلم ما وصل إليه العرب في باب الشورى «١» . وإذا كان الجانب الأخلاقي من العناصر المهمة في تكوين الحضارة فقد كان للعرب- حضرا وبدوا- من ذلك رصيد ضخم من كرم، وشجاعة، وحماية للذمار، ومروءة، ونجدة، ورعاية للجار، ووفاء بالعهد، وإباء للضيم والذل، إلى غير ذلك مما لم نذكره، وإن حضارة الأخلاق الكريمة، والصفات النفسية الأصيلة لأهم- عندي- من حضارة البناء، والصناعة، والزراعة، إذ عليها تقوم الأمم التي تستحق البقاء والخلود، وماذا تجدي الحضارة المادية إذا كانت النفوس خالية من المعاني النفسية، والأخلاق الكريمة؟! لقد كان للعرب خصائص فطرية، وعقلية، ونفسية، وخلقية هي التي أهلتهم لأن يكون منهم سيد البشر وقمة العرب سيدنا محمد ﷺ ، وأن يكونوا حملة هذه الرسالة العامة الخالدة للناس أجمعين، وصدق الله في قوله: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ (١٢٤) «٢» . ومهما يكن من شيء فقد كان للعرب في جاهليتهم ممالك وحضارات ساهمت إلى حد كبير في بناء الحضارة الإنسانية، فلا تعجب- أيها القارىء الكريم- إذا كانوا لما اعتنقوا الإسلام عن يقين واقتناع صنعوا الأعاجيب في باب الحضارة، وبلغوا فيها شأوا لم تبلغه أمة من الأمم، ولا تزال اثار هذه الحضارة الإسلامية باقية إلى يومنا هذا. لقد كانت هذه الحضارة من أقوى الأسس التي قامت عليها الحضارة الأوروبية في العصر الحديث، كما شهد بذلك المنصفون من أبناء هذه البلاد.

стр. 100

الفصل الثاني الخليل ابراهيم ﵇ أرى لزاما عليّ قبل أن أذكر كيف نبعت زمزم ومتى بني البيت الحرام ومن بناه؟ ورؤيا الخليل في ذبح ابنه وحيده وبكره: إسماعيل، أن أذكر كلمة عن خليل الرحمن، وأبي الأنبياء ﷺ . هو نبي الله إبراهيم بن ازر «١» ، بن ناحور، بن ساروغ، بن راعو، بن فالغ، بن عابر، بن شالح، بن أرفخشذ، بن سام، بن نوح، ﵇ «٢» . وكان عمر (ازر) أو (تارخ) خمسا وسبعين سنة لما ولد له إبراهيم، وكان له أخوان: (ناحور) و (هاران) وكان إبراهيم هو الأوسط، و (هاران) هو أبو (لوط) ﵇ وكان مولد الخليل إبراهيم بأرض الكلدانيين بالعراق، وهي بابل وما جاورها، وهذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير، والتواريخ، والأخبار. ولما كبر إبراهيم تزوج السيدة سارة، ابنة عمه «٣» ، ثم خرج (ازر) ومعه

стр. 101

ابنه إبراهيم، وزوجته سارة، وابن أخيه (لوط) بن (هاران) من أرض الكلدانيين، إلى أرض الكنعانيين، فنزلوا (حرّان) وكان أهل حرّان يعبدون الكواكب والأصنام، وكذلك كان أهل بابل (كلدانيا) ، ولما نبىء الخليل وبعثه الله إلى قومه دعاهم إلى التوحيد وعبادة الله واحده، ونبذ عبادة الكواكب والأصنام، وكان حريصا على هداية أبيه إلا أنه لم يستجب إليه، وناظر أباه، وناظرهم، وقرع باطلهم بالحجة والبرهان، وقد قص القران الكريم ذلك باستفاضة «١» . وبحرّان مات (تارخ) أو (ازر) أبو إبراهيم ﵇ وله مائتان وخمسون عاما، وفي نفس إبراهيم أسى ولوعة على عدم إيمانه، وقد تعرض الخليل بسبب دعوته إلى الله، وتكسيره أصنام القوم إلى الإيذاء والبلاء، حتى انتهى به الأمر إلى الإلقاء في النار، ولكن كل ذلك لم يثنه عن الدعوة إلى ربه وتبليغ شريعته. هجرة الخليل إلى بلاد الشام ثم هاجر الخليل إبراهيم إلى الأرض المباركة أرض الشام، ومعه زوجته السيدة سارة، وابن أخيه (لوط) ، وكانت امرأة الخليل عاقرا، ولم يكن له من الولد أحد، ثم وهبه الله بعد ذلك الأولاد الصالحين، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، خلعة من الله، وكرامة له حينما ترك بلاده وأهله وأقرباءه، وهاجر إلى الله حيث يتمكن من عبادة ربه، ودعوة الخلق إليها، وقام بتبليغ رسالته في بلاد الشام، أما ابن أخيه (لوط) فقد أرسله الله إلى أهل (سدوم) «٢» .

стр. 102

رحلة الخليل إلى مصر ثم ارتحل الخليل ومعه زوجه إلى مصر، وكان بها ملك جبار ظالم لا يمر به رجل ومعه زوجته، إلا اغتصبها منه وقتله، فلما راهما عيون الملك قالوا له: إن ههنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه، وسأله عنها فقال: من هذه؟ قال: أختي، ثم أتى الخليل سارة، فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني، فأخبرته أنك أختي، فلا تكذّبيني، فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده، فأخذ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت فأطلق، ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت فأطلق، فدعا بعض حجبته، فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان، وإنما أتيتموني بشيطان!! فقال: ارجعوها إلى إبراهيم، وأخدمها هاجر، فأتته وهو قائم يصلي، فأومأ بيده: مهيم- يعني ما الخبر- فقالت: «ردّ الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره، وأخدم هاجر» «١» . وفي مسند الإمام أحمد أنها لما دخلت عليه دعت قائلة: «اللهم إن كنت تعلم أني امنت بك وبرسلك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط عليّ هذا الكافر» . وقد عصمها الله وصانها لعصمة عبده، ورسوله، وحبيبه، وخليله إبراهيم- ﵇ وتقبلا لدعائها ودعائه، فقد لجأ الخليل وقت ذهب بها إلى الجبار- إلى الصلاة، وإلى الدعاء: أن يرد الله كيد هذا الذي أراد أهله بسوء، ومن هذا نرى أن الصلاة كانت- ولا زالت- ملاذا يلجأ إليها المكروبون والمهمومون. استيلاد الخليل هاجر ثم رجع الخليل- ﵇ وزوجه سارة من بلاد مصر إلى بلاد الشام، ومعهما أنعام وعبيد ومال جزيل، ومعهما هاجر القبطية المصرية، فأقام بها نحو عشرين سنة، وكانت نفسه- ﵇ تتوق إلى الولد، حتى سأل الله ذرية طيبة، فبشره الله بغلام حليم، والله سبحانه إذا أراد شيئا مما يجري بين

стр. 103

الناس هيأ له الأسباب، فألهم سارة، فقالت لإبراهيم: إن الرب قد أحرمني الولد، فادخل على أمتي هذه لعل الله يرزقك منها ولدا فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم- ﵇ فحملت منه، ثم وضعت إسماعيل- ﵇ وقد ولد ولإبراهيم الخليل ست وثمانون سنة، وبعد ذلك بشرت الملائكة سارة بإسحاق نبيا من الصالحين؛ فولدته بعد العقم، وعلى الكبر، ولإبراهيم نحو من مائة سنة، فبين ولادة إسماعيل وإسحاق ما يقرب من أربعة عشر عاما. ومن ذرية إسماعيل كانت العرب العدنانية على اختلاف قبائلها وبطونها، ومن سلالته من الأنبياء خاتمهم، وواسطة عقدهم، ونبي العرب والعجم: سيدنا محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي ﷺ . إسكان هاجر وإسماعيل بجبال فاران «١» ولما وضعت هاجر المصرية «٢» إسماعيل داخل السيدة سارة ما يداخل الضرائر من الغيرة، لأنها لم ترزق بولد، وقد تراءى لها أن هاجر بدأت تتعاظم عليها، فصارت تلاحقها بالأذى. فأمر الله خليله إبراهيم أن يذهب بهاجر وابنها إسماعيل إلى واد بجبال فاران، حيث يوجد مكان الكعبة البيت الحرام، وكان هضبة حمراء مشرفة، تطييبا لخاطر السيدة الصابرة سارة، وتنفيذا لما سبق به التقدير الإلهي من بناء البيت، وأن يصير من نسل إسماعيل أمة مسلمة عظيمة، وأن يبعث فيها رسولا من أنفسها، يتلو عليهم من آياته، ويعلمهم الكتاب والحكمة، فأخذهما الخليل وذهب بهما إلى هناك، وترك عندهما جرابا من تمر وسقاء من ماء، ثم عاد، فجرت وراءه هاجر، وهي تقول: إلى من تتركنا يا خليل الرحمن؟ الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، فقالت: إذا لا يضيّعنا!! وهذا يدل على إيمانها، وشدة توكلها على ربها، وأنها جديرة أن تكون أما لنبي عظيم، ولأمة عظيمة.

стр. 104

نبع عين زمزم فلما نفد الماء صار إسماعيل يتمرغ ويتلوى من شدة العطش، فلم تطق أن تراه هكذا، وخرجت تسعى نحو الصفا، فصعدت عليه علّها تجد ماء، ثم نزلت مهرولة إلى المروة، ووقفت تنظر حواليها عسى أن تجد ماء، فلم تجد، ثم عادت إلى الصفا، وهكذا صارت تسعى بين الصفا والمروة حتى أكملت سبعة أشواط، فكان هذا أصلا لفريضة السعي بينهما، ثم نزلت وهي هلعة جزعة أن لم تجد ماء، فسمعت من يناديها ويقول: جاءك الغواث، فصارت ترهف سمعها إلى الصوت وتتسمع، حتى نزل جبريل- ﵇ وهو في صورة طائر، فضرب الأرض بجناحه، وقيل بعقبه، فنبعت عين زمزم، فصارت تحوط عليها التراب من شدة الفرح، وتقول لها: زمي، زمي فشربت وشرب إسماعيل حتى رويا، ولم تخف العطش والضّيعة بعدها، وسمعت من يقول لها لا تخافي الضّيعة، فإن ههنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله!! حصول الأنس بجرهم ونشأة مكة ثم مرت بهاجر وابنها رفقة «١» من قبيلة جرهم إحدى القبائل التي نزحت من اليمن، فنزلوا في أسفل المكان الذي بنيت فيه مكة، فرأوا طيرا يحوم «٢» حول مكان قريب منهم، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، إن عهدنا بهذا الوادي ليس فيه ماء «٣» ، فأرسلوا رسولا منهم، فإذا هو بالماء، فأخبرهم به، فأقبلوا نحوه وكانت أم إسماعيل عند الماء، فقالوا لها: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت نعم، ولكن لا حق «٤» لكم في الماء عندنا، قالوا: نعم، وقد سرت هاجر، فقد وجدت من يؤنسها، ويزيل وحشتها، فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا، وابتنوا بيوتا حتى صارت من ذلك أبيات عدة.

стр. 105

وكان إسماعيل لا يزال غلاما، فلما شب وكبر اختلط بهم، وتعلم منهم العربية حتى صارت له لسانا، فكان أبا للعرب المستعربة. روى أبو عبيدة قال: حدثنا مسمع بن عبد الملك عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسن عن ابائه قال: أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة «١» ، وتعلم منهم الرمي والقنص، ولما كبر إسماعيل أعجبهم، فوجدوا فيه من الخصال والفضائل ما حببهم فيه، فزوّجوه منهم. قصة الذبيح وكان الخليل- ﵇ يتعهد إسماعيل وأمه هاجر بين الحين والحين، ويزورهما كلما حن الشوق إليهما، وكان الغلام إسماعيل قد شب عن الطوق، وصار يسعى في مصالحه، وأهلا لمعاونة أبيه، وفي زورة من الزورات رأى الخليل في منامه من يأمره بذبح ولده ووحيده، ورؤيا الأنبياء وحي- كما في الحديث الشريف- فلم يشك الخليل في صدق الرؤيا، ولكن الأمر يتعلق بابنه، وفلذة كبده، فكان لا بد أن يتروّى في الأمر، فرأى مثل ذلك في الليلة الثانية، وقيل: إن ذلك كانت ليلة اليوم الثامن من ذي الحجة فسمي يوم التروية «٢» ثم تريث أيضا فرأى مثل ذلك في الليلة الثالثة وقيل إن ذلك كان ليلة التاسع فسمي: يوم عرفة «٣» ، فلم يكن بدّ- بعد ثلاث- من امتثال أمر الله والصبر على البلاء، ولكنه رأى أن يعرض الأمر على ولده؛ ليكون أطيب لقلبه، وأهون عليه من أن يأخذه قسرا، أو يبغته فجأة، فعرضه عليه، فكان- كما وصفه الله- حليما، وجديرا بأن يكون رسولا نبيا، فقال: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) «٤» .

стр. 106

وأخذ الخليل بيد ابنه ووحيده، وخرج به إلى المنحر بمنى، وأضجعه على وجهه، وأخذ السكين بيده، وأمرّها على عنق ابنه، فما قطعت، ولا أثّرت، وحينئذ نودي من السماء: أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا، وامتثلت الأمر، وإنا قد فدينا ابنك بما تيسّر لك من كبش سمين، فطلب كبشا، فذبحه مكان إسماعيل، فكانت التضحية سنة باقية في عقبه إلى يوم الدين، واستحق الخليل وابنه إسماعيل أن يكونا مثلين في الاخرين. وأن يكون ﵉ من رب العالمين. وإليك القصة كما حكاها الله في القران الكريم، قال سبحانه: وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ «١» قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ «٢» لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ «٣» عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) «٤» . الذبيح إسماعيل لا إسحاق الذي يدل عليه القران الكريم، والأحاديث، والاثار الثابتة، أن الذبيح هو إسماعيل- ﵇ ولكن اليهود تدسّسوا إلى الرواية في الإسلام، فدسّوا فيها بعض الروايات الضعيفة التي تدل على أنه إسحاق وهذا من عداوة اليهود المتأصلة للعرب، فقد أرادوا ألايكون للجد الأعلى للنبي الأمي فضل

стр. 107

أو مزية، حتى لا ينجرّ هذا الفضل إلى نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، وبالتالي إلى الجنس العربي. ولم يقف أمرهم عند حد الدس في الروايات الإسلامية، بل قام أسلافهم بتحريف التوراة ذاتها، حتى يتم لهم ما أرادوا، ولكن الله أبى إلا أن يغافلوا عما يدل على هذه الجريمة، والجاني- غالبا- يترك ما يدل على جريمته. والحق يبقى له شعاع- ولو خافت- يدل عليه مهما حاول المبطلون إخفاء نوره، وطمس معالمه، فقد حذفوا من التوراة لفظ «إسماعيل» ووضعوا بدله لفظ «إسحاق» ، ولكنهم غفلوا عن كلمة كشفت عن التزوير، وعن هذا الدس المشين، ففي التوراة (الإصحاح الثاني والعشرون- فقرة ٢) : «فقال الرب: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق، واذهب إلى أرض المريا. وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك ... » «١» . وليس أدل على كذب هذا من كلمة «وحيدك» ، وإسحاق- ﵇ لم يكن وحيدا قط، لأنه ولد ولإسماعيل نحو أربع عشرة سنة كما هو صريح توراتهم في هذا، وقد بقي إسماعيل- ﵇ حتى مات أبوه، الخليل، وحضر وفاته ودفنه. وإليك ما ورد في التوراة: في سفر التكوين (الإصحاح السادس عشر- الفقرة ١٦) ما نصه: «وكان أبرام- يعني إبراهيم- ابن ست وثمانين سنة لما ولدت هاجر إسماعيل لأبرام» . وفي سفر التكوين (الإصحاح الحادي والعشرون- فقرة ٥) : «وكان إبراهيم ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق ابنه ... » وفي الفقرة ٩ وما بعدها ما نصه: « (٩) ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يمزح (١٠) فقالت لإبراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها. لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق (١١) فقبح الكلام جدا في عيني إبراهيم لسبب ابنه (١٢) فقال الله

стр. 108

لإبراهيم: لا يقبح في عينيك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك. في كل ما تقول سارة اسمع لقولها؛ لأنه بإسحاق يدعى لك نسل (١٣) وابن الجارية أيضا سأجعله أمة: لأنه نسلك» «١» إلى اخر القصة. فما قولكم يا أيها اليهود المحرفون؟ وكيف يتأتّى أن يكون إسحاق وحيدا؟! مع هذه النصوص التي هي من توراتكم التي تعتقدون صحتها، وتزعمون أنها ليست محرفة!! وقد دلّت التوراة، ورواية البخاري في صحيحه على أن الخليل إبراهيم أسكن هاجر وابنها عند مكان البيت المحرم حيث بني فيما بعد، وقامت مكة بجواره، وقد عبّرت التوراة بأنهما كانا في (برية فاران) ، وفاران: جبال بمكة، وهذا هو الحق أن قصة الذبح كان مسرحها بمكة ومنى وفيها يذبح الحجاج ذبائحهم اليوم. وقد حرّفوا في النص الأول، وجعلوه: «جبل المريا» وهو الذي عليه مدينة أورشليم بمدينة القدس العربية، ليتم لهم ما أرادوه، ولكن أبى الحق إلا أن يظهر تحريفهم!! وقد ذكر العلامة الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن كثير أن في بعض نسخ التوراة (بكرك) بدل وحيدك وهو أظهر في البطلان، وأدل على التحريف إذ لم يكن إسحاق بكرا للخليل بنص توراتهم كما ذكرنا انفا، فالحق أن الذبيح هو إسماعيل- ﵇ وهو الذي يدل عليه ظواهر الايات القرانية، فلا عجب أن ذهب إليه جمهرة الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وأئمة الحديث، منهم السادة العلماء: علي، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو الطفيل، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، والحسن البصري، ومحمد بن كعب

стр. 109

القرظي، وسعيد بن المسيّب، وأبو جعفر محمد الباقر، وأبو صالح، والربيع بن أنس، والكلبي، وأبو عمرو بن العلاء، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس، وفي زاد المعاد لابن القيم: أنه الصواب عند علماء الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وهذا الرأي هو المشهور عند العرب قبل البعثة وذكره أمية بن أبي الصلت في شعر له «١» . وقد نقل العلامة ابن القيم عن شيخه الإمام ابن تيمية في هذا كلاما قويا حسنا، أحببت نقل خلاصته لما فيه من الحجة الدامغة قال: «ولا خلاف بينهم أي النسابين- أن عدنان من ولد إسماعيل- ﵇ وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجها، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية- قدّس الله روحه- يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب مع أنه باطل بنص كتابهم؛ فإن فيه: «أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره» وفي لفظ «وحيده» ، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده والذي غرّ أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم «اذبح ابنك إسحاق» قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم لأنها تناقض قوله: «اذبح بكرك ووحيدك» «٢» ، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم، ويحتازوه لأنفسهم دون العرب، ويأبى الله إلا أن يجعل فضله لأهله، وكيف يسوغ أن يقال: إن الذبيح إسحاق؟ والله تعالى قد بشّر أم إسحاق به، وبابنه يعقوب فقال تعالى- حكاية لقول الملائكة لإبراهيم لما أتوه بالبشرى-: لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) «٣» .

стр. 110

فمحال أن يبشرها بأن يكون لها ولد ثم يأمر بذبحه، ولا ريب أن يعقوب ﵇ داخل في البشارة، فتناول البشارة لإسحاق ويعقوب في اللفظ واحد ويدل عليه أيضا أن الله سبحانه ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة الصافات (الايات من ١٠٣- ١١١) . ثم قال تعالى: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) «١» . فهذه بشارة من الله تعالى له، شكرا على صبره على ما أمر به. وهذا ظاهر جدا في أن المبشّر به غير الأول، بل هو كالنص فيه. وأيضا فلا ريب أن الذبيح كان بمكة، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار؛ تذكيرا لشأن إسماعيل وأمه، وإقامة لذكر الله. ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة، دون إسحاق وأمه، ولهذا اتصل مكان الذبح وزمانه بالبيت الحرام الذي اشترك في بنائه إبراهيم وإسماعيل، وكان النحر بمكة من تمام حجّ البيت الذي كان على يد إبراهيم وابنه إسماعيل زمانا ومكانا، ولو كان الذبح بالشام- كما يزعم أهل الكتاب ومن تلقّى عنهم- لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة. وأيضا: فإن الله سمّى الذبيح حليما، لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه، ولما ذكر إسحاق سمّاه عليما فقال تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) إلى أن قال: قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) «٢» .
следующие страницы →