← Сира

Сира · id 9896

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

محمد أبو شهبة

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأخذ الخليل بيد ابنه ووحيده، وخرج به إلى المنحر بمنى، وأضجعه على وجهه، وأخذ السكين بيده، وأمرّها على عنق ابنه، فما قطعت، ولا أثّرت، وحينئذ نودي من السماء: أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا، وامتثلت الأمر، وإنا قد فدينا ابنك بما تيسّر لك من كبش سمين، فطلب كبشا، فذبحه مكان إسماعيل، فكانت التضحية سنة باقية في عقبه إلى يوم الدين، واستحق الخليل وابنه إسماعيل أن يكونا مثلين في الاخرين. وأن يكون ﵉ من رب العالمين. وإليك القصة كما حكاها الله في القران الكريم، قال سبحانه: وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ «١» قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ «٢» لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ «٣» عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) «٤» . الذبيح إسماعيل لا إسحاق الذي يدل عليه القران الكريم، والأحاديث، والاثار الثابتة، أن الذبيح هو إسماعيل- ﵇ ولكن اليهود تدسّسوا إلى الرواية في الإسلام، فدسّوا فيها بعض الروايات الضعيفة التي تدل على أنه إسحاق وهذا من عداوة اليهود المتأصلة للعرب، فقد أرادوا ألايكون للجد الأعلى للنبي الأمي فضل

стр. 107

أو مزية، حتى لا ينجرّ هذا الفضل إلى نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، وبالتالي إلى الجنس العربي. ولم يقف أمرهم عند حد الدس في الروايات الإسلامية، بل قام أسلافهم بتحريف التوراة ذاتها، حتى يتم لهم ما أرادوا، ولكن الله أبى إلا أن يغافلوا عما يدل على هذه الجريمة، والجاني- غالبا- يترك ما يدل على جريمته. والحق يبقى له شعاع- ولو خافت- يدل عليه مهما حاول المبطلون إخفاء نوره، وطمس معالمه، فقد حذفوا من التوراة لفظ «إسماعيل» ووضعوا بدله لفظ «إسحاق» ، ولكنهم غفلوا عن كلمة كشفت عن التزوير، وعن هذا الدس المشين، ففي التوراة (الإصحاح الثاني والعشرون- فقرة ٢) : «فقال الرب: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق، واذهب إلى أرض المريا. وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك ... » «١» . وليس أدل على كذب هذا من كلمة «وحيدك» ، وإسحاق- ﵇ لم يكن وحيدا قط، لأنه ولد ولإسماعيل نحو أربع عشرة سنة كما هو صريح توراتهم في هذا، وقد بقي إسماعيل- ﵇ حتى مات أبوه، الخليل، وحضر وفاته ودفنه. وإليك ما ورد في التوراة: في سفر التكوين (الإصحاح السادس عشر- الفقرة ١٦) ما نصه: «وكان أبرام- يعني إبراهيم- ابن ست وثمانين سنة لما ولدت هاجر إسماعيل لأبرام» . وفي سفر التكوين (الإصحاح الحادي والعشرون- فقرة ٥) : «وكان إبراهيم ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق ابنه ... » وفي الفقرة ٩ وما بعدها ما نصه: « (٩) ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يمزح (١٠) فقالت لإبراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها. لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق (١١) فقبح الكلام جدا في عيني إبراهيم لسبب ابنه (١٢) فقال الله

стр. 108

لإبراهيم: لا يقبح في عينيك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك. في كل ما تقول سارة اسمع لقولها؛ لأنه بإسحاق يدعى لك نسل (١٣) وابن الجارية أيضا سأجعله أمة: لأنه نسلك» «١» إلى اخر القصة. فما قولكم يا أيها اليهود المحرفون؟ وكيف يتأتّى أن يكون إسحاق وحيدا؟! مع هذه النصوص التي هي من توراتكم التي تعتقدون صحتها، وتزعمون أنها ليست محرفة!! وقد دلّت التوراة، ورواية البخاري في صحيحه على أن الخليل إبراهيم أسكن هاجر وابنها عند مكان البيت المحرم حيث بني فيما بعد، وقامت مكة بجواره، وقد عبّرت التوراة بأنهما كانا في (برية فاران) ، وفاران: جبال بمكة، وهذا هو الحق أن قصة الذبح كان مسرحها بمكة ومنى وفيها يذبح الحجاج ذبائحهم اليوم. وقد حرّفوا في النص الأول، وجعلوه: «جبل المريا» وهو الذي عليه مدينة أورشليم بمدينة القدس العربية، ليتم لهم ما أرادوه، ولكن أبى الحق إلا أن يظهر تحريفهم!! وقد ذكر العلامة الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن كثير أن في بعض نسخ التوراة (بكرك) بدل وحيدك وهو أظهر في البطلان، وأدل على التحريف إذ لم يكن إسحاق بكرا للخليل بنص توراتهم كما ذكرنا انفا، فالحق أن الذبيح هو إسماعيل- ﵇ وهو الذي يدل عليه ظواهر الايات القرانية، فلا عجب أن ذهب إليه جمهرة الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وأئمة الحديث، منهم السادة العلماء: علي، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو الطفيل، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، والحسن البصري، ومحمد بن كعب

стр. 109

القرظي، وسعيد بن المسيّب، وأبو جعفر محمد الباقر، وأبو صالح، والربيع بن أنس، والكلبي، وأبو عمرو بن العلاء، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس، وفي زاد المعاد لابن القيم: أنه الصواب عند علماء الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وهذا الرأي هو المشهور عند العرب قبل البعثة وذكره أمية بن أبي الصلت في شعر له «١» . وقد نقل العلامة ابن القيم عن شيخه الإمام ابن تيمية في هذا كلاما قويا حسنا، أحببت نقل خلاصته لما فيه من الحجة الدامغة قال: «ولا خلاف بينهم أي النسابين- أن عدنان من ولد إسماعيل- ﵇ وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجها، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية- قدّس الله روحه- يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب مع أنه باطل بنص كتابهم؛ فإن فيه: «أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره» وفي لفظ «وحيده» ، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده والذي غرّ أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم «اذبح ابنك إسحاق» قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم لأنها تناقض قوله: «اذبح بكرك ووحيدك» «٢» ، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم، ويحتازوه لأنفسهم دون العرب، ويأبى الله إلا أن يجعل فضله لأهله، وكيف يسوغ أن يقال: إن الذبيح إسحاق؟ والله تعالى قد بشّر أم إسحاق به، وبابنه يعقوب فقال تعالى- حكاية لقول الملائكة لإبراهيم لما أتوه بالبشرى-: لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) «٣» .

стр. 110

فمحال أن يبشرها بأن يكون لها ولد ثم يأمر بذبحه، ولا ريب أن يعقوب ﵇ داخل في البشارة، فتناول البشارة لإسحاق ويعقوب في اللفظ واحد ويدل عليه أيضا أن الله سبحانه ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة الصافات (الايات من ١٠٣- ١١١) . ثم قال تعالى: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) «١» . فهذه بشارة من الله تعالى له، شكرا على صبره على ما أمر به. وهذا ظاهر جدا في أن المبشّر به غير الأول، بل هو كالنص فيه. وأيضا فلا ريب أن الذبيح كان بمكة، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار؛ تذكيرا لشأن إسماعيل وأمه، وإقامة لذكر الله. ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة، دون إسحاق وأمه، ولهذا اتصل مكان الذبح وزمانه بالبيت الحرام الذي اشترك في بنائه إبراهيم وإسماعيل، وكان النحر بمكة من تمام حجّ البيت الذي كان على يد إبراهيم وابنه إسماعيل زمانا ومكانا، ولو كان الذبح بالشام- كما يزعم أهل الكتاب ومن تلقّى عنهم- لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة. وأيضا: فإن الله سمّى الذبيح حليما، لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه، ولما ذكر إسحاق سمّاه عليما فقال تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) إلى أن قال: قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) «٢» .

стр. 111

وهذا إسحاق بلا ريب، لأنه من امرأته، وهي المبشرة به، وأما إسماعيل فمن السرية «١» - يعني هاجر. وأيضا فلأنهما بشّرا به على الكبر، واليأس من الولد، وهذا بخلاف إسماعيل فإنه ولد قبل ذلك ... وأيضا فإن سارة امرأة الخليل ﷺ غارت من هاجر وابنها أشد الغيرة، فإنها كانت جارية، فلما ولدت إسماعيل وأحبه أبوه اشتدت غيرة سارة؛ فأمر الله سبحانه أن يبعد عنها هاجر وابنها، ويسكنها في أرض مكة؛ لتبرد عن سارة حرارة الغيرة، وهذا من رحمة الله تعالى بها ورأفته وإبعاده الضرر عنها، وجبره لها، فكيف يأمر بعد هذه بذبح ابنها دون ابن الجارية؟! بل حكمته البالغة اقتضت أن يأمر بذبح ولد السرية، فحينئذ يرق قلب السيدة عليها وعلى ولدها وتتبدل قسوة الغيرة رحمة، ويظهر لها بركة الجارية وولدها، وأن الله لا يضيع بيتا، هذه وابنها منهم، وليري عباده جبره بعد الكسر، ولطفه بعد الشدة، وأن عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد، والواحدة، والغربة والتسليم إلى ذبح الولد- الت إلى ما الت إليه من جعل اثارهما، ومواطىء أقدامهما مناسك لعبادة المؤمنين، ومتعبدا لهم إلى يوم القيامة، وهذه سنته فيمن يريد رفعه من خلقه: أن يمنّ عليه بعد استضعافه، وذلّه، وانكساره، قال تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ. ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» «٢» . وكذلك دلّت الأحاديث والاثار عن الصحابة والتابعين، روى الحاكم في

стр. 112

المستدرك، وابن جرير في تفسيره وغيرهما عن عبد الله بن سعيد الصنابحي قال: «حضرنا مجلس معاوية، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق، أيهما الذبيح؟ فقال بعضهم: إسماعيل، وقال البعض: إسحاق، فقال معاوية: على الخبير سقطتم، كنا عند رسول الله ﷺ ، فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله خلفت الكلأ يابسا، والمال عابسا «١» ، هلك العيال، وضاع المال، فعد علي مما أفاء الله تعالى عليك يا ابن الذبيحين، فتبسم رسول الله ﷺ ، ولم ينكر عليه، فقال القوم: من الذبيحان يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل أمرها أن ينحر بعض بنيه، فلما فرغ أسهم بينهم فكانوا عشرة، فخرج السهم على عبد الله، فأراد أن ينحره، فمنعه أخواله بنو مخزوم، وقالوا: أرض ربك، وافد ابنك. ففداه بمائة ناقة، قال معاوية: هذا واحد، والاخر إسماعيل» «٢» . وشهد شاهد من أهلها وروى ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي: أن عمر بن عبد العزيز أرسل إلى رجل- كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه، وكان من علمائهم- فسأله: «أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل- والله يا أمير المؤمنين- وإن يهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب» وهذا هو الحق الذي لا ينبغي أن يكون غيره. وأما الحديث المشهور على الألسنة أن النبي ﷺ قال: «أنا ابن الذبيحين» فقد قال الإمام العراقي فيه: إنه لم يقف عليه. ولا يعرف بهذا اللفظ، وعلى هذا فلا يحتج به، ولا تجوز روايته، أو ذكره إلا مقترنا ببيان حاله. وقد وردت روايات أخرى موقوفة ومرفوعة في أن الذبيح إسحاق، إلا أن المرفوع منها إلى النبي- والحق يقال- إما موضوع، وإما ضعيف، فلا تثبت به

стр. 113

حجة، والموقوف منها على الصحابة أو على التابعين إن صح سنده فهي من الإسرائيليات التي رويت عن أهل الكتاب الذين أسلموا بحسن نية، وحقيقتها أنها من دس اليهود، وحسدهم للعرب، أن يكون لجدهم الأعلى فضل. وقد اغتر بهذه الروايات التي لا تثبت أمام النقد بعض العلماء: كابن جرير الطبري، والقاضي عياض، والسهيلي فذهبوا إلى أنه إسحاق. وتحيّر بعضهم في تعارض الروايات، ولم يستطع أن يرجّح أو يصل إلى الحقيقة، فتوقف في الجزم برأي في هذا الموضوع كالإمام السيوطي، بل بعضهم ذهب إلى أن الذبح وقع مرتين: مرة بمكة لإسماعيل، ومرة بالشام لإسحاق. والحق هو ما ذهب إليه جمهور الصحابة، والتابعين، والعلماء الراسخين، من أنه إسماعيل، وأن الروايات في أنه إسحاق دسيسة يهودية، واختلاق ممقوت، دعا إليه الحقد والحسد للعرب، فلا تلق لذلك بالا، وإن وجد في بعض كتب التفسير، والحديث، والسير، والحق أحق أن يتبع. ولادة إسحاق بن إبراهيم ﵉ وبعد ميلاد إسماعيل ببضعة عشر عاما مرت ملائكة الرحمن بالخليل إبراهيم، وهم ذاهبون إلى تدمير قرى قوم لوط، فظنهم بشرا، وقرّب إليهم عجلا حنيذا «١» ، فلم يأكلوا، فنكرهم وتوجّس منهم خيفة، فطمأنوه، وأخبروه بشأنهم، وبشّروه وزوجه سارة بغلام عليم، وهو إسحاق، ومن بعد إسحاق بابنه يعقوب، فعجبت السيدة سارة وقالت كما حكاه الله ﵎: قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) «٢» .

стр. 114

وكذلك تعجب إبراهيم- ﵇ استبشارا بهذه البشارة، وفرحا بها، وتثبيتا لها، فقال كما حكاه الله عز شأنه: قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) «١» . وكذلك ذكرت هذه البشرى في مواضع أخر من الكتاب العزيز «٢» ، وبعد البشارة حملت سارة بإسحاق، ثم وضعته، وكان لإبراهيم نحو مائة عام، ثم ولد لإسحاق يعقوب أبو الأسباط الاثني عشر، ومن ذريته كان جميع أنبياء بني إسرائيل من لدن يوسف إلى عيسى ﵉. بناء البيت العتيق ثم جاء إبراهيم ليزور ابنه إسماعيل كما كان شأنه، وكانت هاجر قد ماتت- ﵂ وبلغ إسماعيل مبلغ الرجال، وتزوج، وكان إسماعيل يبري نباله- فقد كان راميا- تحت شجرة عظيمة بالقرب من زمزم، فلما رأى أباه قام إليه، فتصافحا، وتعانقا، وقبّل كل منهما الاخر، ثم قال له: «يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر» قال: فاصنع ما أمرك به ربك، قال: «وتعينني؟» ، قال: وأعينك، قال: «إن الله أمرني أن أبني ههنا بيتا» ، وأشار إلى الأكمة المرتفعة عما حولها. فشرعا في رفع القواعد والبناء: إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يا بني، فلما رفعا القواعد عن الأرض جيء للخليل بالحجر الأسود فوضعه في ركن البيت حيث يوجد اليوم، حتى إذا ارتفع البناء قدر قامة الرجل أتى إسماعيل بحجر، فقام عليه أبوه، فأثرت قدماه فيه، وهذا الحجر هو الذي عرف فيما بعد

стр. 115

بمقام إبراهيم على الصحيح، ولما فرغا من بناء البيت دعوا بهذا الدعاء كما حكى الله في القران الكريم: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) «١» . وقد تقبّل الله الدعاء، فكانت الأمة المحمدية خير أمة أخرجت للناس، وكان النبي المبعوث فيهم هو خاتم الأنبياء، سيدنا محمد ﵊، وبذلك كانت الكعبة البيت الحرام أول مكان مشرّف بني في الأرض، قال ﵎: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧) «٢» . تشريع الحج على لسان إبراهيم ولما فرغ الخليل من بناء البيت أمره الله سبحانه أن يؤذّن، ويعلم الناس بالحج، فقال: يا رب، وماذا يبلغ صوتي؟ فقال: يا إبراهيم أذّن وعليّ البلاغ، فوقف الخليل على جبل أبي قبيس «٣» وصار ينادي ويقول: «يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجّوا، فأجابه كل من كتب الله لهم الحج إلى يوم

стр. 116

القيامة وهم في أصلاب الاباء، أو في عالم الذر، فمن ثمّ كانت مشروعية التلبية: «لبّيك اللهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك» ، ومن يومها قد صار الحج فرضا مفروضا إلى يوم القيامة، وقد ذكر الله- ﵎ ذلك في الكتاب الكريم واستطرد منه إلى بيان شعائر الحج فقال: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ «١» وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها

стр. 117

وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) «١» . وقد دعا الخليل ﵇ ربّه أن يجعل ما حول البيت بلدا امنا، وأن يرزق أهله المؤمنين من الثمرات في هذا الوادي غير ذي الزرع، وأن يبارك لهم فيها قال تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) «٢» . كما دعا الخليل لمكة أن تستمر دار أمن وسلام، وملاذ، وأن يجنبه ربه، وبنيه عبادة الأصنام، وأن يجعل قلوب الناس تصبو إلى سكان البيت ومجاوريه. وأن يرزقهم من الثمرات، وأن يوفقه وذريته للطاعات، وإقامة الصلوات، قال عز شأنه حكاية لذلك: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ «٣»

стр. 118

إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١) «١» . وقد استجاب الله دعاء خليله، وأعطاه سؤله، وحقق رجاءه، قال عز شأنه: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) «٢» . وقد كان ذلك أمرا سبق به التقدير الأزلي من قبل أن خلق الله السماوات والأرض، ولكن أظهره وشرعه على لسانه نبيه، وخليله إبراهيم. أول من بنى البيت وقد دلّت الايات القرانية المتواترة التي سقناها إليك، والأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري وغيره من أئمة النقل والرواية على أن أول من بنى الكعبة هو الخليل إبراهيم، ومعاونه ابنه إسماعيل- عليهما الصلاة والسلام- وقد كان مكان البيت ربوة عالية مشرفة على ما حولها، معروفة للملائكة، ولمن سبق من الأنبياء، وبقعة مشرّفة معظّمة من قديم الزمان حتى جاء الخليل فأسس قواعده وبناه. وقد رويت روايات أخرى أغلبها موقوفة على بعض الصحابة والتابعين، رواها أصحاب التواريخ كالأزرقي والفاكهي، وبعض المفسرين والمحدثين الذين لا يلتزمون إخراج الأحاديث الصحاح والحسان، بعضها يفيد أن أول من بنى البيت ادم ﵇. وقيل: ابنه شيث، روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال: «إن أول من بنى البيت ادم وقيل: بنته الملائكة قبله» وعن وهب بن

стр. 119

منبّه: «أول من بناه شيث بن ادم» ووهب من أهل الكتاب الذين أسلموا. وروى البيهقي في «الدلائل» من طرق أخرى عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا «بعث الله جبريل إلى ادم، فأمره ببناء البيت، فبناه ادم، ثم أمره بالطواف به، وقال له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس» «١» . وقد قال الحافظ، المفسر، المؤرخ ابن كثير في هذا الحديث الأخير: «إنه من مفردات ابن لهيعة وهو ضعيف، والأشبه- والله أعلم- أن يكون موقوفا على عبد الله بن عمرو بن العاص، ويكون من الزاملتين «٢» اللتين أصابهما يوم اليرموك من كتب أهل الكتاب» وهذا ما أرجّحه وأميل إليه، ومهما قيل في ثبوت هذه الروايات، وما ماثلها فهي لا تقوى على معارضة ما دل عليه القران المتواتر، والسنة الصحيحة ويعجبني في هذا ما قاله الحافظ ابن كثير في بدايته، قال: «ولم يجىء في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل ﵇، ومن تمسّك بهذا بقوله: «مكان البيت» «٣» فليس بناهض، ولا ظاهر لأن المراد مكانه المقدّر في علم الله المقرر في قدرته، المعظّم عند الأنبياء موضعه من لدن ادم إلى زمان إبراهيم» «٤» . ولا ينافي ما رجحناه وذهبنا إليه ما روي «أنه ما من نبي إلا وقد حج البيت» وما رواه أبو يعلى في مسنده بسنده عن ابن عباس قال: حج رسول الله ﷺ ، فلما أتى وادي «عسفان» قال: «يا أبا بكر أي واد هذا؟» قال: هذا وادي عسفان، قال: «لقد مرّ بهذا نوح وهود وإبراهيم على بكرات «٥» لهم

стр. 120

حمر، خطمهم «١» الليف، وأزرهم «٢» العباء، وأرديتهم النّمار «٣» ، يحجون البيت العتيق» ، وما رواه الإمام أحمد في مسنده بسنده عن ابن عباس قال: لما مرّ النبي ﷺ بوادي عسفان حين حج قال: «يا أبا بكر، أي واد هذا؟» قال: وادي عسفان، قال: «لقد مرّ به هود، وصالح- ﵉ على بكرات حمر، خطمها الليف، وأزرهم العباء، وأرديتهم النّمار، يلبّون يحجون البيت العتيق» إسناده حسن، لأن المقصود الحج إلى محله، وبقعته المعروفة، وإن لم يكن ثم بناء «٤» . رواية البخاري في صحيحه وها أنذا أذكر رواية الإمام البخاري في صحيحه، المشتملة على إسكان الخليل هاجر، وابنها عند البيت، وقصة نبع زمزم، وقصة بناء البيت؛ لأنها أصحّ ما روي في هذا الباب، بعضها مرفوع إلى النبي ﷺ صراحة، وجلّها موقوف من كلام ابن عباس، ولكن له حكم المرفوع، لأن مثل هذا لا يقوله ابن عباس بمحض الرأي، فهو إما سمعه من النبي أو من صحابي عنه، ويستبعد جدا أن يكون تلقّاه عن أهل الكتاب الذين أسلموا، لأن ما جاء في الحديث أدق، وأوفى وأشمل مما جاء في كتبهم. وسأذكر الحديث بطوله لما فيه من الإمتاع، والحكم، والأحكام، والسنن والعبر والعظات، وهو- إلى ذلك- قطعة من الأدب الحي، والقصص الحق. روى الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس- ﵄ قال: «أول ما اتخذ النساء المنطق «٥» من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقا

стр. 121

لتعفي أثرها على سارة «١» ، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت- أي مكانه-، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه «٢» تمر، وسقاء «٣» فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس، ولا شيء؟! وقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيّعنا! ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنيّة حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ... ، حتى بلغ (يشكرون) . وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السّقاء عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوّى- أو قال: يتلبط «٤» -، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه. ثم استقبلت الوادي تنظر: هل ترى أحدا؟ فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود «٥» حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت: هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : «فذلك سعي الناس بينهما» «٦» .

стр. 122

فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا، فقالت: صه «١» ، ثم تسمّعت، فسمعت أيضا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث «٢» ، فإذا هي بالملك يعني جبريل- عند موضع زمزم، فبحث بعقبه- أو قال بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه «٣» ، وتقول بيدها هكذا «٤» ، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعد ما تغرف، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : «يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت- أو قال- لو لم تغرف من زمزم لكانت زمزم عينا معينا» «٥» . قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: «لا تخافوا الضّيعة، فإن هذا بيت الله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه، وشماله. فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم- أو- أهل بيت «٦» من جرهم مقبلين من طريق كداء «٧» ، فنزلوا في أسفل مكة، فوجدوا طائرا عائفا «٨» ، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء!! فأرسلوا جريّا أو جريين «٩» ، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا، قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حقّ لكم في الماء «١٠» قالوا: نعم، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : «فألفى ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الأنس» فنزلوا معهم.

стр. 123

حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنفسهم «١» وأعجبهم حين شب، فلما أدرك «٢» زوّجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته «٣» ، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا «٤» ، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشرّ، نحن في ضنك وشدة، فشكت إليه! قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، وقولي له: يغيّر عتبة بابه «٥» ، فلما جاء إسماعيل كأنه انس شيئا «٦» فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألنا كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غيّر عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك فطلقها، وتزوج امرأة منهم أخرى «٧» . فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله- فقال: ما طعامكم: قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللهمّ بارك لهم في اللحم والماء، قال النبي ﷺ : «ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه» قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة

стр. 124

إلا لم يوافقاه «١» . قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، ومريه يثبّت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك، فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنّا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبّت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة «٢» قريبا من زمزم، فلما راه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد «٣» ، قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك، قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يا بني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر «٤» فوضعه له، فقام عليه وهو يا بني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: «ربّنا تقبّل منا إنك أنت السميع العليم» قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: «ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم» . انتهى الحديث «٥» . فلما بلغ موضع الحجر الأسود وضعه في موضعه الذي هو فيه، وكان ارتفاع الكعبة تسعة أذرع، وعرضها في الأرض «٦» ثلاثين ذراعا بذراعهم، وكان الحجر داخلا في البيت لمّا بناه الخليل، ولم يجعل للكعبة سقفا، وجعل لها بابين بابا شرقيا، وبابا غربيا، وكانا ملصقين بالأرض، وحفر لها بئرا عند بابها خزانة للبيت يلقى فيه ما يهدى له.

стр. 125

ولما فرغ الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل- ﵉ من بناء البيت جاء جبريل، وأرى الخليل المناسك كلّها، وأمره أن يؤذّن في الناس بالحج فقال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ فقال الله- عزّ شأنه-: «أذّن يا إبراهيم وعليّ البلاغ» فوقف الخليل على جبل أبي قبيس وصار ينادي: يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجّوا، فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه من امن، ومن كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة: «لبّيك اللهمّ لبّيك» . وحجّ الخليل إبراهيم، وحجّ إسحاق، وأمه سارة من بيت المقدس، ثم رجع الخليل إلى الشام، وكانت وفاته هناك ﵊ «١» . ومن يومها صار الحج فريضة محكمة باقية إلى يوم القيامة، فلله الحمد والمنة على ما أنعم وشرع. المسجد الحرام ولما بنى الخليل وابنه إسماعيل البيت عرف بالكعبة، وصار الناس يحجون إليه، ويعتمرون ويطوفون به، ويصلّون إليه، وعرف ما حول الكعبة بالمسجد الحرام، وهو أول المساجد المشرّفة في الأرض التي تشدّ إليها الرحال، ففي الحديث الصحيح المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: «لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» . ولم يكن للمسجد الحرام سور، وكان تحيط به الدور من جميع الجهات، حتى كان عهد الفاروق عمر بن الخطاب- ﵁ واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وضاق المسجد بحجّاج البيت وزوّاره، فلم يكن بدّ من توسعته، فاشترى الدور من أهلها، وهدمها ووسّع المسجد الحرام، وجعل له سورا على قامة الرجل، ووضع عليه السرج والمصابيح. فلما كان عهد عثمان- رضي الله تعالى عنه- اشترى دورا أخرى وزادها في المسجد. فلما ولي عبد الله بن الزبير أحكم بنيانه، وحسّن جدرانه، وأكثر أبوابه، ولم يوسعه. فلما ولي الأمر عبد الملك بن

стр. 126

مروان الأموي زاد في ارتفاعه، وأمر بالكعبة فكسيت الديباج «١» ، وكان الذي تولّى ذلك بأمره الحجاج بن يوسف الثقفي. ولم يزل المسجد الحرام يتعاهده الخلفاء والملوك والأمراء من لدن عبد الملك إلى يومنا هذا، وقد كانت اخر توسعة على يد ال سعود: حكام الحجاز ونجد وملحقاتهما. وقد أنافت هذه العمارة والتوسعة على كل عمارة قبلها، ونرجو أن يكون عملهم مقبولا، وجزاؤهم كثيرا، وأن تكون عمارة المسجد موصولة إلى ما شاء الله. مقام إبراهيم هو الحجر الذي كان يقف عليه الخليل إبراهيم- ﵇ لما ارتفع البناء عن قامته، وقد أثّرت قدماه فيه. وقد كانت اثار قدمي الخليل في الحجر باقية إلى أول الإسلام، قال أبو طالب في لاميته المشهورة: وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيا غير ناعل وقد روي أن المقام كان ملصقا بحائط الكعبة، على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب- ﵁ فأخّره عن البيت قليلا حتى لا يحصل التضييق على الطائفين بالبيت والمصلّين عند المقام، وقد وافق الفاروق الصحابة ولم ينكر عليه أحد «٢» . وكيف وهو صاحب الموافقات، ومن موافقاته قوله لرسول الله ﷺ : «لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلّى» ، فأنزل الله سبحانه قوله: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى (١٢٥) «٣» . رواه البخاري في الصحيح «٤» .

стр. 127

المسجد الأقصى وبعد أن بنى الخليل ﵊ الكعبة والبيت الحرام أمره الله أن يا بني بيت المقدس فبناه، وقيل إن يعقوب- ﵇ هو الذي أسسه، وقد كان بين البناءين أربعون عاما، فعن أبي ذر- ﵁ قال: «قلت يا رسول الله، أيّ مسجد وضع في الأرض أولا؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أيّ؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة، وأينما أدركتك الصلاة فصلّ فهو مسجد» «١» . ولكن قد يشكل على هذا ما اشتهر من أن باني المسجد الأقصى هو سليمان بن داود- ﵉ وقد روى النسائي بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «إن سليمان بن داود لما بنى البيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثا: سأل الله حكما يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأوتيه، وسأل الله حين فرغ من بناء المسجد ألايأتيه أحد، لا ينهزه- أي لا يدفعه- إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه فأوتيه» وبين إبراهيم وسليمان ما يزيد عن ألف عام. والحق أن ما حدث من سيدنا سليمان لم يكن تأسيسا من الأصل، وإنما كان تجديدا وتوسعة لما أسس قبل، ويكون الخليل بعد أن بنى الكعبة بأربعين سنة بنى بيت المقدس، أو بناه حفيده يعقوب كما قيل. وإذا كان كذلك فلا يكون الحديث مخالفا للتاريخ، ولا للواقع، لأنه ﷺ عنى المؤسس الأول لبيت المقدس لا المجدّد «٢» ، واستعمال البناء في التجديد مستساغ ووارد في اللغة العربية.

стр. 128

التشكيك في قصة إبراهيم وإسماعيل ﵉ قد ذكرت انفا قصة إبراهيم- ﵇ وإسكانه هاجر وابنها إسماعيل بواد ليس به ماء، ولا أنيس عند مكان البيت، وذكرت الايات القرانية التي تفيد القطع في هذا، وذكرت القصة تامة وافية كما رواها الإمام البخاري عن ابن عباس، وهذه القصة يكاد ينعقد الإجماع على جملتها وإن وقع خلاف على التفاصيل، والذين يعرضون لتفاصيل حوادثها بالنقد يروونها على أن هاجر ذهبت بإسماعيل إلى الوادي الذي به مكة اليوم، وكانت به عيون أقامت جرهم عندها، فنزلت هاجر منهم أهلا وسهلا لما جاء إبراهيم بها وبابنها، فلما شبّ إسماعيل تزوج جرهمية ولدت له أولاده، وكان لهذا التلاقح بين إسماعيل العبري المصري، وبين هؤلاء العرب ما جعل ذريته على جانب من العزم، وقوة البأس، والجمع بين فضائل العرب، والعبريين، والمصريين. أما ما ورد عن حيرة هاجر لما نضب الماء منها، وعن سعيها سبعا بين الصفا والمروة، وعن زمزم، وكيف نبع الماء منها فموضع شك عندهم «١» . والذي نراه أن ما دلّت عليه رواية البخاري في صحيحه هو الصحيح، وأن التسلسل التاريخي فيها أدق وأوضح ولا سيما أن قوله تعالى حكاية عن الخليل ﵇: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ «٢» رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) «٣» . يكاد يكون نصا على أنه لم يكن هناك ناس، ولا زرع، ولا ماء، ومن

стр. 129

قواعد البحث العلمي أنه إذا تعارض النقل فلنأخذ بما هو أصح وأوثق، ورواياتهم هذه التي يروونها لا تنهض إلى معارضة ما دل عليه القران، ونصت عليه الروايات الصحيحة. وإذا كان البعض قد ارتاب في تفاصيل القصة، فقد نفاها من أساسها (وليم موير) وذكر أنها من الإسرائيليات ابتدعها اليهود قبل الإسلام بأجيال، ليربطوا بها بينهم وبين العرب بالاشتراك في أبوة إبراهيم لهم أجمعين، أن كان إسحاق أبا لليهود، فإذا كان أخوه إسماعيل أبا العرب فهم إذا أبناء عمومة توجب على العرب حسن معاملة النازلين بينهم من اليهود، وتيسر لتجارة اليهود في شبه الجزيرة، ويستند المؤرخ الانكليزي في رأيه هذا إلى أن أوضاع العبادة في بلاد العرب لا صلة بينها وبين دين إبراهيم، لأنها وثنية مغرقة في الوثنية، وكان إبراهيم حنيفا مسلما. وسأدع الدكتور محمد حسين هيكل- ﵀ يردّ عليه، قال: ولسنا نرى مثل هذا التعليل كافيا لنفي واقعة تاريخية، فوثنية العرب بعد موت إبراهيم وإسماعيل بقرون كثيرة لا تدل على أنهم كانوا كذلك حين جاء إبراهيم إلى الحجاز، وحين اشترك وإسماعيل في بناء الكعبة، ولو أنها كانت وثنية يومئذ لما أيّد ذلك رأي سيرموير، فقد كان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام، وحاول هو هدايتهم فلم ينجح، فإذا دعا العرب إلى مثل ما دعا إليه قومه فلم ينجح، وبقي العرب على عبادة الأوثان لم يطعن ذلك في ذهاب إبراهيم وإسماعيل إلى مكة، بل إنّ المنطق ليؤيد رواية التاريخ، فإبراهيم الذي خرج من العراق فارا من أهله إلى فلسطين وإلى مصر- رجل ألف الارتحال، وألف اجتياز الصحاري، والطريق ما بين فلسطين ومكة كان مطروقا من القوافل منذ أقدم العصور، فلا محل إذا للريبة في واقعة تاريخية انعقد الإجماع على جملتها. والسير وليم موير والذين ارتأوا في هذه المسألة رأيه يقولون بإمكان انتقال جماعة من أبناء إبراهيم وإسماعيل بعد ذلك من فلسطين إلى بلاد العرب، واتصالهم وإياهم بصلة النسب وما ندري، وهذا الإمكان جائز عندهم في شأن

стр. 130

أبناء إبراهيم وإسماعيل، كيف لا يكون جائزا في شأن الرجلين بالذات!؟ وكيف لا يكون ثابتا قطعا ورواية التاريخ تؤكده؟! وكيف لا يكون بحيث لا يأتيه الريب، وقد ذكره القران، وتحدثت به الكتاب المقدسة الاخرى؟ «١» . وأزيد فأقول: إن هذه الزعمة التي زعمها سير موير تنافي ما هو معروف عن اليهود من دعواهم أنهم شعب الله المختار، وزعمهم أن النبوة فيهم، فكيف يختلقون أمرا يرد عليهم في هذا؟! بل كيف يختلقون أمرا يقتضي ضرورة فضل العرب، وأنهم شركاؤهم في النبوة بكون خاتم الأنبياء والمرسلين منهم؟! وقد قرأت موقفهم من تحريف نصوص توراتهم في قصة الذبيح!!. وقد قرأنا تاريخ حروبهم مع النبي ﷺ ، وحصاره لهم حتى نزلوا على حكمه كارهين، فما وجدنا أنهم مرة قالوا- وهم يستعطفون النبي- أنهم أبناء عمومة، وكان الأجدر بهم أن يذكروا هذا وهو حق؛ استعطافا للنبي عليهم!! وذلك على عكس المشركين القرشيين، فقد كانوا إذا أزموا يذكرون النبي بالرحم والقرابة التي تجمعهم، وهذا يدل على أنهم كانوا أكره ما يكرهون أن يذكروا هذه الصلة التي تربطهم بالعرب، فهل بعد هذا يزعم زاعم أن قصة مجيء إبراهيم إلى الحجاز وإسكانه هاجر وابنها من اختلاق اليهود؟! الأشهر الحرم قال الله : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ «٢» . يعني عدة شهور العام في تقدير الله، وحكمه الأزلي، وأمر الناس بالأخذ

стр. 131

به- اثنا عشر شهرا، والمراد الشهور القمرية التي تعرف بسير القمر في المنازل، وعلى هذه الشهور كان يعتمد العرب، ولما جاء الإسلام جعلها مواقيت الناس يعتمدون عليها في صيامهم، وحجهم، وزكواتهم، ومعاملاتهم، وسائر أحكامهم، وأمورهم. والشهر الفلكي أو الحقيقي مدته تسعة وعشرون يوما، ومائة وأحد وتسعون جزا من ثلاثمائة وستين جزا لليوم بليلته، وتكون السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وأجزاء من اليوم، فما زاد عن نصف يوم عدّوه يوما كاملا وزادوه في الأيام، وتكون السنة حينئذ كبيسة، وتكون أيامها ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوما، واصطلحوا على جعل الأشهر شهرا كاملا أي ثلاثين يوما، وشهرا ناقصا أي تسعة وعشرين، فالمحرم في اصطلاحهم ثلاثون يوما، وصفر تسعة وعشرون، وهكذا إلى اخر السنة القمرية الأفراد منها ثلاثون، وأولها المحرم. والأزواج تسعة وعشرون، وأولها صفر إلا ذا الحجة من السنة الكبيسة فإنه يكون ثلاثين يوما لاصطلاحهم على جعل ما زادوه في أيام السنة الكبيسة في ذي الحجة اخر السنة. وأما مدار الشهر الشرعي فعلى الرؤية، فمن ثمّ اختلفت الأشهر فكان بعضها ثلاثين وبعضها تسعة وعشرين، وقد صدع النبي ﷺ بهذه الحقيقة فقال: «الشهر هكذا، وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا يعني تمام الثلاثين» رواه مسلم والبخاري مختصرا. ولا يتعين شهر للكمال، وشهر للنقصان، بل قد يكون الشهر ثلاثين في بعض السنين، وتسعا وعشرين في بعض اخر منها، وأما ما أخرجه الشيخان أن رسول الله ﷺ قال: «شهرا عيد لا ينقصان: رمضان وذو الحجة» فالمعنى لا ينقص أجرهما، والثواب المرتب عليهما، وإن نقص عددهما في بعض السنين. وقيل الغالب والكثير أنهما لا ينقصان في سنة واحدة «١» . ولما كانت السنة القمرية تنقص عن السنة الشمسية بنحو عشرة أيام

стр. 132

أو أحد عشر يوما فبسبب هذا النقصان تدور السنة الهلالية فيقع الصوم والحج تارة في الشتاء، وتارة في الصيف، وتارة في الربيع، وتارة في الخريف. وهذا من رحمة الله بعباده في التشريع، حتى تنزاح المشقة، ويذهب السأم والملل بأداء العبادات في وقت لا يتغير، وليتدرب المتعبد على أداء العبادات في جميع فصول العام، وكذلك شاء الله أن يكون اعتبار الشهور بسير القمر، وظهوره، لأن ذلك لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب، بل هو أمر مشاهد بالبصر، فيستوي في معرفته الجاهل والمتعلم، والبدوي والحضري. وقد جعل الله من هذه الشهور أربعة حرما، وإنما سميت حرما لتحريم الله القتال فيها، وتعظيم العرب لها، حتى لو أن الواحد منهم يلقى قاتل أبيه، أو أخيه في هذه الأشهر فلا يعرض له بسوء، فلما جاء الإسلام لم يزدها إلا حرمة وتعظيما. وهذه الأشهر هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الفرد، ويقال له: رجب مضر «١» . ومنهم من يقول: المحرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة. والأول هو الأولى وهو الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة التي رواها الشيخان. وقد كان تعظيم الأشهر الحرم من بقايا شريعة إبراهيم وإسماعيل ﵉ وقد جاءت الأشهر الحرم على هذا الوضع لأجل تأمين حجاج البيت وزوّاره، فحرّم الله قبل شهر الحج شهرا ليسيروا إلى هذه البقاع، وهو شهر ذي القعدة «٢» ، وحرّم ذا الحجة لأنهم يوقعون فيه مناسك الحج، وحرّم بعده شهرا وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم. وحرّم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت، وأداء العمرة.

стр. 133

أسماء الشهور العربية وقد ذكر بعض المؤرخين للعرب قبل الإسلام «١» أن قدماء أهل الجاهلية، وهم العرب العاربة، كانوا يسمون الأشهر العربية بهذه الأسماء وهي: (١) (مؤتمر) ، (٢) و (ناجر) ، (٣) و (خوان) ، (٤) و (صوان) ، (٥) و (ربي) ، (٦) و (ايدة) ، (٧) والأمم، والبعض سماه (الأصم) ، (٨) و (عادل) ، (٩) و (ناطل) ، (١٠) و (واغل) ، (١١) و (رنة) ، (١٢) و (برك) . ومؤتمر هو اسم المحرم، وناجر هو صفر، وهكذا. وقد ذكر البيروني في كتابه «الاثار الباقية» نحوا من ذلك إلا أنه ذكر (الزباء) بدل (ربي) و (بائدة) بدل (ايدة) . والظاهر أنهم راعوا بعض الظروف الجوية، والأحوال الاجتماعية، والملابسات التي كانوا عليها عند وضعهم هذه الأسماء. فالمؤتمر للمحرم؛ لأنهم كانوا يجتمعون فيه ويأتمرون، والأصم لرجب، لأنهم كانوا يكفون فيه عن القتال فلا يسمع فيه صوت وهكذا. ثم سمت العرب قبل الإسلام الشهور العربية بالأسماء المعروفة مراعين أيضا الأحوال، وخصائص هذه الأوقات، والأوضاع التي كانوا عليها عند وضع هذه الأسماء، فالمحرم سمّي بذاك تأكيدا لتحريمه لأن العرب كانت تتقلب به، فتحله عاما وتحرمه عاما. وصفر سمي بذلك لخلو بيوتهم منهم حين يخرجون للقتال والأسفار، فهو يأتي بعد ثلاثة أشهر حرم. وشهر ربيع الأول سمي بذلك لارتباعهم فيه، والارتباع: الإقامة في عمارة الربع. وربيع الاخر كالأول. وجمادى سمي بذلك لجمود الماء فيه، فقد صادف حينما وضعوا الأسماء للشهور أن كان الوقت شديد البرد قال شاعرهم: وليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب في ظلمائها الطّنبا لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتى يلف على خيشومه الذنبا

стр. 134

وجمادى يذكّر ويؤنث، فيقال: جمادى الأولى، والأول، وجمادى الاخرة، والاخر. و (رجب) من الترجيب وهو التعظيم، وقد بيّنا أن مضر كانت تعظمه جدا. وقد كانوا لتعظيمه يتركون فيه القتال ويحرمونه. و (شعبان) من تشعّب القبائل، وتفرقها للغارة بعد تركهم ذلك في رجب. و (رمضان) من الرمضاء وهي شدة الحر، فقد صادف وقت التسمية أن كان الطقس حارا جدا. و (شوال) من شالت الإبل بأذنابها، لأجل الطراق من الفحل. و (ذو القعدة) بفتح القاف وكسرها لقعودهم عن القتال فيه استعدادا للحج. و (ذو الحجة) بفتح الحاء وكسرها لحجهم فيه «١» . النسيء النسء والنسيء: تأخير حرمة شهر حرام إلى شهر اخر، ذلك أن العرب كانوا أصحاب حروب وغارات وثارات، فإذا حلّ عليهم شهر حرام، وهم يحاربون شقّ عليهم ترك المحاربة، فيحلونه ويحرمون مكانه شهرا اخر ليس من الحرم، كما كانوا يشق عليهم ترك القتال ثلاثة أشهر متوالية، فإذا فرغت العرب من حجها قام رجل منهم معروف بذلك وأحلّ لهم المحرم، وجعل مكانه صفرا شهرا حراما، فإذا أرادوا الصدر «٢» قام هذا الرجل فيهم فقال: اللهمّ إني نسأت لك أحد الصفرين: الصفر الأول «٣» ، ونسأت الاخر للعام المقبل، فإذا جاء صفر ووجدوا أنفسهم في حاجة إلى قتال نسأوه، وهكذا حتى صار من أمرهم عدم تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، فكانوا يحرمون من بين الشهور أربعة أشهر، فجعلوا التحريم لعدد الشهور، لا لأعيانها وذواتها. وكان أول من نسأ الشهور على العرب (القلمّس) وهو حذيفة بن عبد بن

стр. 135

فقيم، ينتهي نسبه إلى كنانة بن خزيمة، ثم قام بعده على ذلك ابنه عبّاد بن حذيفة، ثم قام بعد عبّاد قلع بن عبّاد، ثم قام بعد قلع أمية بن قلع، ثم قام بعد أمية عوف بن أمية، ثم قام بعد عوف أبو ثمامة جنادة بن عوف، وكان اخرهم، وعليه قام الإسلام «١» ، وقد اختلف في جنادة هذا أسلم أم لم يسلم؟ ويدل على إسلامه ما جاء في بعض الأخبار أنه حضر الحج في زمن سيدنا عمر، فرأى الناس يزدحمون على الحجر الأسود، فنادى أيها الناس إني قد أجرته منكم، فخفقه عمر بالدرة، وقال: ويحك، إن الله قد أبطل أمر الجاهلية «٢» . وقد ذكر السهيلي في «الروض الأنف» «٣» أن النسيء كان عند العرب على ضربين: أحدهما: ما ذكره ابن إسحاق من تأخير شهر المحرم إلى صفر لحاجتهم إلى شن الغارات، وطلب الثارات. والثاني: تأخيرهم الحج عن وقته تحريا منهم للسنة الشمسية، فكانوا يؤخرونه كل عام أحد عشر يوما أو أكثر قليلا، حتى يدور الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة، فيعود إلى وقته، ولذا قال- ﵇ في حجة الوداع: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» وكانت حجة الوداع في السنة التي عاد فيها الحج إلى وقته «٤» ، ولم يحج رسول الله ﷺ من المدينة إلى

стр. 136

مكة غير تلك الحجة، وذلك لإخراج الكفار الحج عن وقته، ولطوافهم بالبيت عراة. وقد جاء الإسلام فحرم النسيء بنوعيه تحريما مؤكّدا مؤبّدا قال تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧) «١» . وقد أكد النبي حرمة الأشهر الحرم، وحرّم النسيء، وبيّن أن الزمان عاد كما كان منذ أن خلقه الله، فلا نسيء بعد اليوم، ولا تغيير، ولا تبديل في الأشهر الحرم، فقال في خطبته في حجة الوداع: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض: السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى الاخرة، وشعبان» «٢» . وقد دلت اية النسيء على أن التحليل والتحريم إنما هو لله، ولرسله المبلّغين عنه، وليس لأحد أن يحلّل أو يحرّم، وإلا كان افتراء وكذبا على الله، قال عز شأنه: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ «٣» .

стр. 137

أولاد إسماعيل ذكرت فيما سبق قصة نبع زمزم، وأنها كانت هزمة، أو همزة جبريل حينما ضرب الأرض بعقبه أو بجناحه، فنبعت زمزم لتكون سقيا لإسماعيل، وأن جرهما نزلوا بجوار السيدة هاجر وابنها إسماعيل على ألايكون لهم ملك في الماء، وأن إسماعيل لما كبر صاهر فيهم، وقد صار له من امرأته الجرهمية أولاد عدتهم: اثنا عشر رجلا: (١) نابت، وكان أكبرهم (٢) وقيذر- ويقال له: قيذار وقيدار- (٣) وأذبل- وقيل: أدبيل، وأدبال- (٤) وميشا (٥) ومسمع (٦) وماشي- وقيل ماسي- (٧) ودمّا- وقيل: دمار- (٨) وأذر- وقيل: أدر- (٩) وطيما (١٠) ويطور- وقيل: قطور- (١١) ونبش- وقيل: نفيس، ويافيش- (١٢) وقيذم- وقيل: قيدمان- «١» . وأمهم رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي- وقيل: مضاض-. وجرهم بن قحطان، وقحطان أبو اليمن كلها وإليه يجتمع نسبها، وهو قحطان بن عامر، بن شالخ، بن أرفخشذ، بن سام، بن نوح. وقال ابن إسحاق: جرهم بن يقطن بن عيبر بن شالخ، ويقطن هو: قحطان بن عيبر بن شالخ، وقد بلغ إسماعيل- ﵇ فيما يذكرون- مائة وثلاثين سنة، ثم مات- رحمة الله وبركاته عليه- ودفن بالحجر مع أمه هاجر «٢» . وقد ولد نابت بن إسماعيل يشجب بن نابت، ثم ولد يشجب يعرب، ثم ولد يعرب تيرح، ثم ولد تيرح ناحور، ثم ولد ناحور مقوّم، ثم ولد مقوم أدد، ثم ولد أدد عدنان، ومن عدنان تفرقت القبائل من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉ فقد ولد عدنان رجلين: معدّ بن عدنان، وعكّ، ومنهما كانت قبائل العرب العدنانية كلها.

стр. 138

الفصل الثالث ولاة البيت وتاريخ مكّة إلى مولد الرّسول ﷺ وقد ولي أمر البيت إسماعيل- ﵇ فلما مات وليه بعده ابنه نابت ما شاء الله أن يليه، ثم ولي البيت بعده مضاض بن عمرو الجرهمي. ولاية الجراهمة ثم ولي البيت الجراهمة، وصاروا الحكام بمكة، وكان معهم بنو إسماعيل إلا أنهم لم ينازعوهم الملك والرئاسة لخؤولتهم وقرابتهم، وإعظاما لمكة أن يكون بها بغي أو قتال، فلما ضاقت مكة على ولد إسماعيل انتشروا في البلاد، فلا يناوئون قوما إلا أظهرهم الله عليهم بدينهم فغلبوهم، وكان أول من ولي البيت من جرهم مضاض بن عمرو الجرهمي جد أولاد إسماعيل، ثم انتقلت بعده إلى ابنه الحارث، ثم إلى عمرو بن الحارث، وكان مع جرهم بنو قطوراء «١» . وهما ابنا عم وكان رئيس جرهم مضاضا، ورئيس قطوراء السميدع، وقد تنافسوا الملك والرئاسة بمكة، وقد وقعت بينهم حرب، فانتهت بانتصار جرهم، وبذلك صفا لهم الجو. ثم لم تلبث جرهم أن بغوا بمكة، واستحلّوا حرمتها، فظلموا من دخل بها من غير أهلها مع أن الله جعلها حرما امنا، وأكلوا مال الكعبة التي يهدى إليها «٢» ، فقيّض الله لهم من أخرجهم من البلد الحرام.

стр. 139

غلبة خزاعة على البيت فلما رأى بنو بكر بن عبد مناة من كنانة وغبشان من خزاعة ظلم الجراهمة وبغيهم أجمعوا على حربهم وإخراجهم من مكة، فاذنوهم بالحرب، فاقتتلوا، واعتزل بنو إسماعيل الفريقين، فغلبهم بنو بكر وغبشان. قال ابن إسحاق: وكانت مكة في الجاهلية لا تقرّ فيها ظلما، ولا بغيا، ولا يبغي فيها أحد إلا أخرجته ورمته، ولا يريدها أحد بسوء إلا هلك مكانه، فيقال: إنها ما سميت ببكة إلا أنها كانت تبك أعناق الرجال إذا أحدثوا فيها «١» . وقال ابن هشام: أخبرني أبو عبيدة أن بكة اسم لبطن مكة، لأنهم كانوا يتباكون فيها، أي يزدحمون يعني في الطواف بالكعبة، والدعاء، والسعي بين الصفا والمروة. طم الجراهمة زمزم فلما غلب الجراهمة على أمرهم، وهمّوا بالخروج من مكة عمد عمرو ابن الحارث بن مضاض الجرهمي إلى نفائس وهي: غزالان من ذهب، وسيوف محلّاة، وأدرع، فجعلها في زمزم وطمّها «٢» ، وبالغ في طمها، ثم انطلق عمرو بقومه إلى اليمن، فحزنوا على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنا شديدا «٣» . فلم تزل زمزم من ذلك العهد مطمومة مجهولة حتى أذن الله أن تعاد، وكان ذلك قبل ميلاد النبي ﷺ على يد جده عبد المطلب. ولاية خزاعة البيت ثم ولي أمر البيت بعد جرهم غبشان من خزاعة «٤» دون بني بكر بن عبد مناة، وكان الذي وليه منهم عمرو بن الحارث الغبشاني، وقريش يومئذ بيوتات

стр. 140

متفرقون في قومهم من بني كنانة، وما زال بنو خزاعة يتوارثون أمر البيت كابرا عن كابر حتى كان اخرهم حليل بن حبشية بن سلول الخزاعي الذي تزوج قصي بن كلاب ابنته حبّى «١» ، واستمرت خزاعة على ولاية البيت نحوا من ثلاثمائة سنة، وقيل: خمسمائة سنة، وكانوا قوم سوء في ولايتهم، ففي زمانهم كان أول عبادة الأصنام بالحجاز بسبب رئيسهم عمرو بن لحيّ الخزاعي كما أسلفنا.

стр. 141

قصي بن كلاب كان كلاب بن مرة متزوجا من فاطمة بنت سعد بن سيل، فولدت له زهرة وقصيا، ومات كلاب وقصي طفل في المهد، وقدم مكة بعد هلاك كلاب ربيعة بن حرام من عذرة، فتزوج فاطمة، واحتملها إلى بلاده، فحملت قصيا معها، وأقام أخوه زهرة بمكة لأنه كان رجلا، وقد ولدت فاطمة لربيعة رزاحا، فلما كبر قصي تسابّ هو ورجل من قضاعة فعيّره بأنه ليس منهم، وإنما هو ملصق فيهم، فدخل على أمه وهو مغضب فأخبرها، فقالت له: يا بني، صدق أنك لست منهم، ولكن رهطك خير من رهطه، واباؤك أشرف من ابائه، وإنما أنت قرشي، وأخوك وبنو عمك بمكة، وهم جيران بيت الله الحرام. فاحتمل بنفسه إلى مكة وأقام قصي بمكة، وعرف عنه من الجد وحسن الرأي ما جعله موضع احترام أهلها وأهله فيها، وتقديرهم له، وكانت سدانة البيت في هذا الوقت لخزاعة يتولاها حليل بن حبشية، فما لبث حين خطب إليه قصي ابنته حبّى أن رغب فيه وزوجه، فولدت لقصي: عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبدا، وكثر ولده وانتشروا، كما كثر ماله، وعظم جاهه وشرفه. ولاية قصي البيت ثم هلك حليل فرأى قصي أنه أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة وبني بكر، فقريش هم في الذروة من ولد إسماعيل، وصريح ولده، فكلّم رجالا من قريش وبني كنانة، ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة، فأجابوه، واستنصر أيضا بأخيه لأمه رزاح بن ربيعة، فجاء ومعه إخوته لأبيه، وكانت

стр. 142

حرب شديدة بينهم، وبين خزاعة وبني بكر، انتهت بانتصار قصي ومن معه، وهزيمة الاخرين وإجلائهم عن مكة، وتمّ لقصي ولاية البيت وأمر مكة، وجمع قومه من منازلهم- وكانت بعيدة عن البيت- إلى ما حول البيت، فسمي: مجمّعا، وتملك على قومه وأهل مكة فملّكوه، وكان أول بني كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه. وصارت ماثر قريش كلها إلى قصي: الحجابة «١» ، والسقاية «٢» ، والرفادة «٣» ، واللواء «٤» ، والندوة «٥» ، فحاز شرف مكة كلها، فما تنكح امرأة، ولا يتزوج رجل من قريش، وما يتشاورون في أمر نزل بهم، ولا يعقدون لواء حرب إلا في داره. ولمّا بنت قريش بأمر قصي حول الكعبة دورها تركوا مكانا كافيا للطواف حول البيت، وتركوا بين البيوت طرقا ينفذ منها إلى الحرم، واتخذ لنفسه دار الندوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضي أمورها، وقيل إن حليلا هو الذي أوصى بذلك لقصي لما انتشر ولده من ابنته، فأبت خزاعة أن تمضي ذلك لقصي، فعند ذلك هاجت الحرب بينه وبين خزاعة، وقيل إن حليلا عهد بالمفاتيح إلى أبي غبشان وهو من خزاعة، وكان رجلا سكّيرا، فابتاعها منه قصي بزق خمر، فقيل: أخسر من صفقة أبي غبشان. وكان قصي أول من سن الرفادة وجعلها فرضا على قريش، حيث قال: «يا معشر قريش إنكم جيران الله، وأهل بيته، وأهل الحرم، وإن الحجاج ضيف الله، وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج، حتى يصدروا عنكم ففعلوا» .

стр. 143

جعل قصي هذه الماثر لعبد الدار وكان عبد الدار أكبر أبناء قصي، وكان عبد مناف قد شرف في حياة أبيه، وذهب كل مذهب، وكذلك شرف عبد العزّى، وعبد، فقال قصي- وقد كبرت سنه، ووهنت قوته- لابنه عبد الدار: أما والله يا بني لألحقنّك بهم وإن كانوا قد شرفوا عليك، لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له، ولا يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت بيدك، ولا يشرب أحد بمكة إلا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا في دارك، فأعطاه داره: دار الندوة، وأعطاه الحجابة، واللواء، والسقاية، والرفادة «١» . منازعة بني عبد مناف لبني عبد الدار وتولّى عبد الدار هذه المناصب التي اثره بها أبوه، وتولّاها أبناؤه من بعده، لكن أبناء عبد مناف كانوا أشرف في قومهم، وأعظم مكانة، لذلك أجمع عبد شمس، وهاشم، والمطلب، ونوفل بن عبد مناف أن يأخذوا ما بأيدي أبناء عمومتهم، وتفرق رأي قريش: بعضها مع هؤلاء، وبعضها مع أولئك، وعقد بنو عبد مناف «حلف المطيّبين» لأنهم غمسوا أيديهم في طيب جاءت به بعض نساء بني عبد مناف في جفنة، فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة، فتعاقدوا، وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم، وتعاقد بنو عبد الدار، وتعاهدوا وحلفاؤهم عند الكعبة حلفا مؤكدا على ألايتخاذلوا، ولا يسلم بعضهم بعضا، فسمّوا «الأحلاف» ، وكادوا يقتتلون في حرب تفني قريشا، ولكن رحمة الله تداركتهم فتداعوا للصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية، والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار كما كانت، ففعلوا، ورضي كل واحد من الفريقين بذلك، وظل الأمر عليه حتى جاء الإسلام «٢» .

стр. 144

ولاية هاشم بن عبد مناف السقاية والرفادة فولي هاشم بن عبد مناف الرفادة، والسقاية، وذلك أن عبد شمس كان رجلا سفّارا قلما يقيم بمكة، وكان مقلا من المال ذا ولد، وأما هاشم فكان موسرا، فهذا هو السبب في تولّيه الأمرين مع أن عبد شمس كان أكبر منه، وكان هاشم يستعين بقريش في الرفادة، فكان إذا حضر الحاج قام في قريش فقال: «يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل بيته، وإنه يأتيكم في هذا الموسم زوّار الله وحجاج بيته، وهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه، فاجمعوا لهم ما تصنعون به طعاما أيامهم هذه التي لا بد لهم من الإقامة بها، فإنه- والله- لو كان مالي يسع لذلك ما كلفتكموه» فيستجيبون له، ويخرجون لذلك خرجا من أموالهم كلّ بقدر طاقته، فيصنع به للحجاج طعاما حتى يرجعوا من مكة. وكان هاشم- فيما يزعمون- أول من سن الرحلتين لقريش: رحلتي الشتاء والصيف، وأول من أطعم الثريد بمكة، وكان اسمه عمرا، وإنما سمي هاشم لذلك، قال شاعرهم: عمرو الذي هشم الثريد «١» لقومه ... قوم بمكة مسنتين عجاف «٢» سنت إليه الرحلتان كلاهما ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف وفي عهده ازدهرت مكة، وسمت مكانتها في أنحاء الجزيرة كلها، واعتبرت العاصمة المعترف بها، وطوّع لهم هذا الازدهار أن يعقدوا معاهدات الأمن وحسن الجوار مع الدول المجاورة لهم، من رومان، وفرس، وأحباش، وغساسنة وغيرها. مناوأة أمية بن عبد شمس لعمه هاشم وظل هاشم تتقدم به السن في مكانته على رياسة مكة وزعامتها، لا يفكر أحد في منافسته، حتى خيّل لابن أخيه أمية بن عبد شمس أنه قد بلغ مكانا

стр. 145

يسوغ له هذه المنافسة، لكنه لم يقدر وغلب على أمره، وبقي الأمر لهاشم لا ينازعه أحد، وترك أمية مكة إلى الشام، فأقام بها عشر سنين «١» . تزوج هاشم من بني النجار وكان هاشم بن عبد مناف رجلا تاجرا كثير المال، يكثر من الأسفار ما بين مكة والشام، وفي سفرة من سفراته نزل بالمدينة، فرأى سلمى بنت عمرو أحد بني عدي بن النجار، فأعجب بها، وكانت سلمى لشرفها في قومها واعتزازها بنفسها لا تنكح الرجال حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها، إذا كرهت رجلا فارقته، فتزوجها هاشم، وكانت قبله عند أحيحة بن الجلاح من الأوس، فولدت له عمرو بن أحيحة، وولدت لهاشم عبد المطلب، فسمته: شيبة، فتركه هاشم عندها حتى صار غلاما دون المراهقة، فذهب إليه عمه المطلب فجاء به إلى مكة، ثم هلك هاشم بغزة «٢» من أرض الشام وهو في رحلة من رحلاته التجارية، ثم هلك بعده عبد شمس بمكة، ثم المطّلب بردمان «٣» من أرض اليمن، ثم نوفل بسلمان من أرض العراق. ولاية المطلب الرفادة والسقاية وبعد موت هاشم ولي السقاية والرفادة من بعده المطّلب بن عبد مناف، وكان أصغر من عبد شمس وهاشم، وكان ذا شرف في قومه وفضل، وكانت قريش تسميه «الفيض» لسماحته وجوده. عبد المطلب في مكة وتذكّر المطّلب أن ابن أخيه هاشم بالمدينة، وأنه قد ان له أن يرجع إلى أهله وبلده، فركب إلى المدينة، وذهب إلى سلمى وطلب إليها أن تدفع إليه الفتى، وقد قارب البلوغ، وبعد تمنع أذنت له ودفعته إليه، فاحتمله على بعيره، وأردفه إياه، ودخل به مكة، فظنته قريش عبدا له جاء به؛ فتصايحت:
следующие страницы →