الإهداء
هذا الكتاب أهديه إلى حضرة جناب المصطفى الحبيب رسول الله ﷺ ، وأنا أرجو الله القبول، إن شاء الله .
كانت كلمات الإهداء شعرا. وقد جرت قصيدته هذه على اللسان، سليقة وانسيابا متناغما، والشكر والحمد لله رب العالمين.
يا سيدي يا أسوتي ... هذا الكتاب هديتي
الله أنزل شرعه ... أكرم بها من شرعة
أوحى إليك مبلّغا ... أنت الأمين لأمّتي
بعثت للناس بها ... طول الزمان وهجرة
بعثت فيها منذرا ... ومبشّرا بالنّصرة
جاهدت فيها دائما ... لم تعتذر من هجعة
كلّ السنين حميتها ... وبذلت كلّ المهجة
وفي المسالك تلتقي ... في سوقهم ومجنّة
والصحب حولك جدّهم ... بادي الوفا وأصالة
أمحمد أنت الذي ... أنقذتنا من تيهة
كلّ الرسالة صنتها ... أدّيتها بأمانة
وحملتها في مهجة ... وحميتها بالمقلة
وبالنفيس فديتها ... أرخصتها سالفة
الله أرسل نعمة ... أنعم بها وهديّة
قرآنه ضرب الدّجى ... طاو له للظّلمة
والناس قد أحيوا بها ... فكانوا خير أمّة
لا يعرفون بدونها ... جاءتهم وبسمحة
стр. 3
كانوا شراذم قبلها ... وحربهم لقبيلة
لكنهم قاموا دعاة ... ولوحدة في دعوة
صاروا نجوما في الورى ... منذ اهتدوا بشريعة
أهل الحضارة والنّهى ... بالعدل فتح سريرة
ونحن جيل يقتدي ... برسولنا ووراثة
على خطاك سيرنا ... مهما بدا من قسوة
ونبتغي الله به ... أسعد بها تضحية
لنرضي فيه ربّنا ... وبسعدها بشرية
سعد الذين تجمعوا ... في منهج ووضيئة
فيه السعادة كلّها ... وهو أسّ حضارة
هذا النبيّ وصوته ... متجلجلا في آية
فأقبل تراه ماثلا ... متحركا في سيرة
فرح الزمان بسعده ... ليضيء كلّ مسيرة
بغداد المحروسة- العامرية المعمورة- المضيفة المشهورة
الخميس: ٦ رجب الخير ١٤١٨ هـ (٦/ ١١/ ١٩٩٧ م)
стр. 4
ملاحظات
تمثل النجمة (*) في الاستشهاد بالآيات الكريمة بداية الآية الكريمة ونهايتها. وإذا لم توضع هذه النجمة (*) ، فذلك يعني أن الاستشهاد يشير إلى جزء من الآية الكريمة.
كانت طريقة الإشارة في المصادر والمراجع- بالنسبة للجزء والصفحة- عدم ذكر كلمة جزء أو صفحة، بل يوضع خط مائل بين رقم الجزء ورقم الصفحة. فمثلا (٣/ ٤) تعني الجزء الثالث الصفحة ٤.
وبالنسبة لكتب الحديث الشريف التي ترقم أحاديثها، كثيرا ما يذكر رقم الحديث الشريف وبعده خط مائل (/) ثم الجزء. مثلا (٤٩٦٤/ ٣) يشير الرقم الأول- قبل الخط المائل- إلى رقم الحديث الشريف والرقم (٣) - بعد الخط المائل- يشير إلى الجزء.
стр. 5
تقديم
سنوات كثيرة مرت تناهز أو تجاوز العقدين، وأنا أنادي بشعارات علمية لازمة، منها أن يعتبر التاريخ الإسلامي مادة شرعية تدرّس، واحدة من هذه المواد في أيّ موقع منها، لا سيما السّيرة النبوية الشّريفة، على صاحبها الصلاة والسلام. كما جرى النداء والعمل حثا، لاعتبار هذه السيرة المطهرة على صاحبها الصلاة والسلام- مادة أثيرة في كافة المراكز العلمية والمؤسسات، لا سيما الجامعات؛ لتكون ليس فقط مادة مستقلة بل ومتطلبا جامعيا. ولعل ذلك يتحقق يوما ما بعون الله تعالى وفضله.
هذا مهمّ جدا، ومن المهمّ كذلك: أن تقدّم هذه السيرة المطهرة بثوبها الزاهي الجليل، وبالأسلوب البحثي الجميل، وبالعلم الكريم الدليل، فهي مبدأ تاريخنا، هذا التاريخ الإسلامي وشرفه وتاجه.
وها أنا اليوم أقدّم هذه الدراسة- باكورة مؤلفات في موضوعها، لما يتلوها من بحوث ودراسات ومؤلفات، إن شاء الله تعالى- صالحة لكل مستوى، ومهمة لكل دارس، وأساسية لكل متمرس. وأرى ذلك لزاما أبديه، وواجبا أقضيه، وعملا أتعبد الله تعالى به، راجيا منه القبول، وأن يجعل- سبحانه- موضعه الإقبال ونفعه عميما. وأقدّمه هنا في بحوث أو مؤلفات متتابعة- إن شاء الله تعالى- كل منها على نسق، حتى يتم كل جانب منها بما يؤهله، شمولا وسعة وعمقا، بعونه ومنّه، وهو على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.
стр. 6
تمهيد وتنجيد
السيرة النبوية الشّريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- هي التي أقامت مباني هذا الدين- الذي أنزله الله تعالى، وحيا أمينا صادقا على رسوله محمد بن عبد الله ﷺ وبه أتمّ نعمته على خلقه، على قواعده الإيمانية بالله تعالى ورسالته الخاتمة، عقيدة وعبادة وشريعة. ورسمت تعاليم الإسلام في الواقع: سلوكا وتعاملا، بذلا وتضحية، احتمالا وفداء.
وهي ثمرة بناء الإسلام- قرآنا وسنّة وسيرة- وأقامت الإنسان والحياة على قواعده المتينة الرصينة الأمينة. ذلك من أجل إقامة المجتمع الفاضل والحياة الإنسانية الكريمة، في واقعية مثالية، أو مثالية واقعية، تبقى دليل الإنسانية ونهجها الميمون الفريد نحو الحياة المرجوة التي أرادها الله لعباده؛ لترسيخ معنى العبودية لله تعالى وحده، وإنجاز الفتوحات المتنوعة في آفاق النفس، وميادين الحياة، وإعمار المجتمع، بصيغة كريمة إنسانية فاضلة، لا يدركونها- صيغة وصبغة ورفعة- إلا به وحده.
ولقد قدّمت السيرة النبوية الشريفة القرآن الكريم- كتاب الله تعالى- شرحا موضّحا بالبيان والتفصيل في السّنة النبوية المطهرة، وبالسلوك والتمثيل في واقع الحياة، في كل إطار وفي أي مجال وحال، في السيرة النبوية العطرة.
وكما أن كلّ ما في القرآن الكريم يشير ويؤكد ويعلن أنه من عند الله تعالى، وحيا منزّلا منه سبحانه على رسوله الكريم محمد بن عبد الله ﷺ ، الصادق المصدوق «١» ، الذي تلقاه من ربه العظيم الجليل سبحانه. وبهذا
стр. 7
كله تماما تتضح نبوته ورسوليته ورسالته من خلاله، مضيئة كالشمس رخية كالنسيم رحبة كالفضاء وكالسماء. والله تعالى يقول: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ [الشعراء: ١٩١- ١٩٧] .
ويقول : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] .
والرسول الكريم ﷺ يقول: «ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» «١» .
стр. 8
فالقرآن الكريم كتاب الله تعالى المبارك، وشرعه المبين، وحبله المتين، أنعم به على البشرية جمعاء، فضلا منه ومنّة؛ ليبلّغه الرسول الكريم ﷺ إلى الناس كافة، رسالة ربانية لا غنى لأهل الأرض عنها في كل ديارهم وأعصارهم ومرتقياتهم. ولا تستريح البشرية- كما استراحت ورأت في جولة سبقت- إلا في ظله. وتلك تجربة وخبرة وشهادة، تكفيها لأخذه واعتماده والعمل به، مكتفية به وحده ومستغنية به عما سواه، حتى لو فاتتها معرفة ذلك، من خلال القرآن والسنة المطهرة والسيرة النبوية الشريفة.
وحين تتخذه البشرية منهجا تتعامل به في كل جوانب حياتها، ستنال السيادة والتكريم في الدنيا والسعادة الدائمة في الآخرة. ويوم تدركه وتعرفه وتفقهه لا ترتضي- ذاتيا، ولا يصحّ لها- أن تلتفت لغيره وبطبيعتها، اعتمادا على نظرية (أو حقيقة) التقابل والتواصل والتكامل، أو التوافق والترافق والتعانق. عندها يسقط وتسقط كل ما عداه من البرامج البشرية، والمناهج الأرضية، والمبادئ الوضعية؛ إذ لا يجب أن يحكّم المسلم في حياته كلها غير ما أنزله الله سبحانه، ولا يقبل التحاكم إلى ما يضعه الإنسان، مهما كان.
وهذا هو مفهوم العبودية لله تعالى، ومعنى شهادة ألاإله إلّا الله، الذي دعا إليه كافة الأنبياء ﵈ ، واستمر الرسول الكريم ﷺ يجاهد من أجلها عقودا، تثبيتا وتوكيدا وتحديدا بأمانة.
والله تعالى يقول في سور متعددة مثل الأنعام والأعراف وهود اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وكما يقول الرسول ﷺ : «أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء أخوة، أبناء علّات، أمهاتهم شتّى، ودينهم واحد» «١» .
стр. 9
وكم من مرة حدّث القرآن الكريم، من خلال حشد ضخم من الآيات الكريمات عن الغائب عن علم الإنسان وإدراكه وآفاقه، أي عن الغيب الكائن في التاريخ والحياة، وغاب عن علم الإنسان وعن الغيب الذي سيكون في الدنيا والآخرة سواء. وكلها حقائق منظورة، والتي ستقع مثلما وقعت، فضلا عما فيه من أمور كونية ونفسية وعلمية، وغيرها كثيرة مجهولة، مما لم يدرك بعضه الإنسان إلا بعد قرون وأجيال، ومنه لا يزال خارج دائرة إدراكه، كالذي هو خارج دائرة علمه غيبا. بل ما أكثر ما حدّث القرآن الكريم عن بواطن النفوس، وأعماق السرائر، ومكنونات الضمائر، وحتى بما هو مجهول للشخص والأشخاص أنفسهم. فلنبحث كل هذا في القرآن الكريم، ونقرأه من جديد.
كل ذلك وأمثاله يدعو بقوة كلّ إنسان- فضلا عن المسلم- أن يتبع كتاب الله في حياته، ويأخذ به، وردا وإصدارا، وبه تكون النجاة لا بغيره في الدنيا والآخرة. والله تعالى يقول في كتابه العزيز القرآن الكريم: (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠] .
وكما هو الأمر هكذا بالنسبة للقرآن الكريم، فإنّ كلّ ما في السيرة الشريفة- والسّنّة الصحيحة كذلك، بعد بيان القرآن الكريم له، تجده ممهورا بطابع النبوة، وختمها الرسالات- يدل على أنه ﷺ نبيّ كريم ورسول خاتم، بدعوة الله العالمية إلى أهل الأرض أجمعين وإلى يوم الدين.
ولقد أنزله الله تعالى محتويا كلّ أمورهم التي ترفعهم وتقودهم نحو الحياة الكريمة والحضارة الرشيدة، وإلى رضا الله تعالى والسعادة في الدنيا والآخرة.
стр. 10
وهذا معلم واحد من معالم هذا الدّين الواضحة، دين أهل الأرض أجمعين، حالا واستقبالا، مثلما هو معلم من معالم السيرة النبوية الشريفة، ومعالمها كثيرة وقوية بينة باهرة، متلألئة مناراتها.
مثلما تلمسه وتراه وتشهده في سيرة الصحابة الكرام- ﵃ أجمعين- الذين دانوا بالعبودية الكاملة لله رب العالمين في أكمل صورها، وهم يبقون نموذجا للأجيال وعلى مدار التاريخ. فعن عبد الله بن مسعود (٣٢ هـ) ﵁: (أن الله تعالى بعد أن اختار محمدا ﷺ وبعثه برسالته، إن الله نظر في قلوب العباد فاختار محمدا ﷺ فبعثه برسالته وانتخبه بعلمه، ثم نظر في قلوب الناس بعده فاختار الله له أصحابا، فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيّه ﷺ «١» .
والكل مقتد برسول الله ﷺ ، الذي إن غاب اليوم عنا شخصه الكريم ووجوده الحي الوضئ وجسده الشريف، فهو باق محفوظ ماثل وقائم، بتوجيهاته وسلوكه ومواقفه وآفاق تربيته وجهاده وعبادته ودعائه، في البيت والمسجد والحياة، حربا وسلما في الرضا والغضب والانتصار والانكسار وفي دلائله وشمائله، حية متحركة متعطرة تفوح بالمسك قويا، عبقة تنشر الطيب، كأنك تراه وتشهده وترقبه أمامك قائما. وتلك هي السيرة النبوية الشريفة بشمولها وكمولها ومضامينها.
نستبين ذلك أيضا جليا من حياة الصحابة الكرام، بكل جوانبها ونواحيها وميادينها، ونراه ظاهرا جاهرا ومنظورا في سيرتهم المقتداة والمقتدية بالنبي الكريم ﷺ ، مهما تفاوتوا- وهم يتفاوتون- في الخير والبرّ والنصرة، لكنهم اغترفوا من هذا النبع الصافي المبارك الكريم؛ ولذلك استحقوا الأوصاف الكريمة التي وصفهم الله تعالى بها في قرآنه العظيم،
стр. 11
ومنها كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] . فكلمة «كنتم» خاصة في أصحاب محمدا ﷺ وكل من صنع صنيعهم بأداء شرط الله منها «١» .
ولعل الواقع نفسه يشير إلى أبعد من ذلك، حيث يستبين أيضا في هذا المضمار المتسع أن الله تعالى قد صرّف السيرة النبوية الشريفة، آخذا بها في ماجريات (مجريات) السّيرة ومجاليها. وهي رعاية أخرى يتمّها ويتولاها ويقودها، فتسير الأحداث والأمور والناس فيما يريد الله، فكانوا دوما يقومون بما يقومون به، ومن ورائهم القدرة الإلهية وإرادتها، لتجري بنسقها الذي تضمنته، لتكون مثالا يقتدى، ودليلا يحتذى، وبها يهتدى، لكل السائرين والسالكين درب الإيمان بالله تعالى والعاكفين على دعوته، في كل زمان ومكان في كل أحوالهم ومجاليهم، أو المجاوزين لها مسلمين وغير مسلمين. فالأولون يرون فيها طريقهم وبها وحدها يهتدون، والآخرون يرون الحقائق ماثلة قوية ساطعة، فلعلهم يحسنون التعامل معها، فيهرعون إلى أحضانها ينعمون بظلالها. وفي حياة الصحابة الكرام دليل على ما أقول.
وإن الصيغ المثبتة عن الصحابة الكرام لتشي- أي: تعلن وتعلم- بقوة لا تقاوم، لتعلنها مدوّية عن روعة هذا الدين؛ كيف وماذا صنع الإسلام بهؤلاء وبأهله كافة، حيث أخذهم من سفوح الجاهلية ووهادها السحيقة بكل ضلالاتها وانحرافاتها والتواآتها- ليرفعهم إلى أعلى القمم الفاضلة، يمكن أن يرتفع إليها إنسان، لا يرتفع إليها إلا بهذا الدين، وبكل جوانبها، بتوازن وانسجام واكتمال. وهو أمر معجز في حقيقته، يشير إلى معجزة الإسلام نفسه في وجه آخر جديد، والتي يمكن أن تتكرر بعواملها.
فالقرآن الكريم بيننا وقد حفظه الله تعالى، نصّا كاملا، وحسّا عاملا،
стр. 12
وسيرة رسول الله ﷺ قائمة. فهو ﷺ الإنسان النبي، والنبي الإنسان، ورسول الله الخاتم. ولا فصل بين كل ذلك. ولا يجوز غير هذا الفهم، ولا تتم له حياة في دائرته بحال وبأي اعتبار ومن أي منظار، حتى لكثير من غير المسلمين، ممن كانت لهم رؤية صحيحة، ولو بعضها، فكيف بالمسلمين؟ بل كيف يصحّ له إسلام بدون ذلك؟
ولو أنصف، حتى غير المسلمين نساء ورجالا ومن كل قوم وملة كانوا، لأحبوه كما لم يحبوا أحدا غيره، ووقروه، وأدنوه من نفوسهم، سواء قادهم ذلك إلى الإسلام- وغالبا ما يقود، والمفروض أن يقود، وذلك أتم وأشم- أو لم يتم.
وهذا الذي مضى كله واضح تمام الوضوح في القرآن الكريم والسّنّة النبوية والسيرة الشريفة. وهما لا بد أن يكونا المصدر الأساس لهذه السيرة الشريفة، كتابة ودراسة وتدريسا. ولا علمية ولا منهجية ولا موضوعية بدون ذلك أبدا أبدا. بل منها يجب أن تبدأ دراسة ذلك كله، كما يجب أن يا بنى بها المنهج السليم لدراسة التاريخ الإسلامي وغيره من تواريخ الأمم الآخرى، ويكون عليه الاعتماد في قضية تفسير التاريخ بشكل شامل عام، لتجنب الوقوع في التّيه، أو الخروج منه، الذي أدخلتنا فيه التفاسير المبتسرة الفجة السطحية، والتي مازالت التعديلات والترقيعات والتجميلات تدخل عليها وهي تزداد تشويها، به أو بغيره أو بنفسه. والله تعالى يقول: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء: ١٨] .
ولقد كان هؤلاء الصحابة الكرام الصورة الوضيئة العجيبة التي رسمها القرآن الكريم، بأسلوبه البديع المعجز. إنه كلام الله الذي أراده سبحانه أن يكون معجزة هذا الدين الخالدة الدائمة على مدار الأجيال. أولئك الأخيار الأفذاذ والنماذج المثال، الذين صعدوا ذلك المرتقى العال، فكانت سموّا في الحياة، تحقّق في هذه النماذج القمة الفريدة السعيدة، التي ما كان لها أن تعرفها أبدا- فضلا عن ارتيادها- إلا بهذا الدين الذي أراده الله تعالى
стр. 13
للبشرية، ولا يقبل من أحد دينا غيره، ولا انتماء سواه.
والصحابة الكرام هم الجيل المثال الفريد، الذي تربّى على مائدة القرآن الكريم، وقادهم لذلك محمد بن عبد الله الرسول الأمين ﷺ الذي علمه الله تعالى، وأعدّه، وأدّبه للقيام بهذه الدعوة، مما هو واضح من الإشارات والبشارات، حتى قبل النبوة بل وأسبق منه، ومن كل ما يحيط به. أما النبوة منذ تلقيها- فذلك واضح كل الوضوح في القرآن والسّنّة والسيرة.
فكان هؤلاء الصحابة هم أنفسهم كذلك القدوة، والذين كان الإيمان بالله تعالى ودعوته ونبيه ﷺ في قلوبهم أعظم من الجبال، حتى في ضحكهم ومرحهم ومزاحهم «١» . فالاقتداء- إذا- بالرسول ﷺ وبالذين اتبعوه من المهاجرين والأنصار وغيرهم هو طريق الهداية.
فالرسول ﷺ هو نبيّ الله، اختاره الله لدعوته الكريمة. وكان هؤلاء الصحابة الذين عاشوا معه، وتربوا على الإسلام بين يديه بشرا ترقّى، يوم اقتدوا به، واستجابوا لدعوة الله على يديه، وعضّوا عليها بالنواجذ، مما يشير إلى الاقتداء بهم. ونتعلّم منهم كيف تلقوا هذا الدين، واستجابوا له، وارتقوا به ببشريتهم، لنأخذ نحن به مثلهم مقتدين بهم بعد الرسول الكريم ﷺ . وهم خير الأصحاب الذين تلقّوا عنه مباشرة، معتمدين في ذلك كله على القرآن الكريم والسّنّة الصحيحة والسّيرة الشريفة، متلمّسين كيف أن كلّ ذلك تحول في حياتهم إلى واقع عملي قوي ملموس. وفي ذلك يقول عبد الله بن عمر ﵄ (٧٤ هـ) : (من كان مستنّا فليستنّ بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمّة، أبرّها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلّها تكلّفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه، فتشبّهوا بأخلاقهم وطرائقهم؛ فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا على
стр. 14
الهدى المستقيم والله ربّ الكعبة) «١» .
وبذلك كانوا هداة هذه الأمة والإنسانية، ومبلغي دعوة الله إليهم، حملوها أمانة وصيانة وديانة، بعد رسول الله ﷺ ، دعوة وسلوكا وحياة.
ملؤوا الدنيا ضياء وهداية وعدلا، فكانوا ينابيع صافية يستقي منها الآخرون.
من الوجوه المصابيح الذين هم ... كأنهم من نجوم حية صنعوا
أخلاقهم نورهم من أي ناحية ... أقبلت تنظر في أخلاقهم سطعوا
وقد وصفهم أحد التابعين مبيّنا بعض أوصافهم، وهو التابعي الجليل مسروق بن الأجدع (٦٣ هـ ٦٨٣ م) : (شاممت أصحاب محمد ﷺ فوجدتهم أشبه بالإخاذ، تكفي الإخاذة الراكب، وتكفي الإخاذة الراكبين، وتكفي الإخاذة الفئام من الناس، والإخاذة لو صدر عنها الناس جميعا لكفتهم) «٢» .
فلنحاول العيش ابتداء- ولو لحظات، وحتى من بعيد- بقربهم، نتذوق ما تذوقوه، ونرى حلاوة الإيمان الذي يعمر القلوب، ويأخذ إلى باحة الإسلام ومجاليه وميادينه. وبذلك يكون إعادة الموكب الكريم، وتنطلق به الحياة، مستقيمة رضية وضيئة. وبها يرى الناس عجائب هذا الدين ومعجزاته، مما لم يخطر لهم على بال. فهل نطيق عن ذلك انفكاكا منها، أو ابتعادا عنها، أو إهمالا لها؟
ولعلك وجدت بعض ذلك في أتباع الأنبياء السابقين- صلوات الله وسلامه عليهم- كالحواريّين. ويقول الرسول الكريم ﷺ : «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريّون وأصحاب يأخذون بسنّته
стр. 15
ويقتدون بأمره ... » «١» .
لكن الصحابة الكرام- وكلهم عدول- أولياء الله تعالى وأصفياؤه وخيرته من خلقه، بعد أنبيائه ورسله، خير من الحواريين «٢» . ولقد جاء هذا الوصف على لسان بعض النصارى الذين أسلموا في عهد النبي ﷺ .
ولقد كرّم الله صحابة الرسول الكريم ﷺ في آياته الكثيرة «٣» ، مما يعرفه المسلم، الأمر الذي يدعو إلى توقيرهم وتقديرهم ومحبتهم جميعا، وهو شأن كل المسلمين، لا ينفكّ عنهم، ولا يتحول، ولا يستبدل.
ومن صفة صحابة رسول الله ﷺ في القرآن الكريم، والكتب السّابقة- مما يجعل البشارة بهم ثابتة مع البشارة برسول الله ﷺ ، ما ذكره الله تعالى في القرآن الكريم: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الفتح: ٢٨- ٢٩] «٤» .
كذلك ذكر الله تعالى في آية أخرى، أنّ صفة الرسول الكريم ﷺ ونعته
стр. 16
يجدونه مكتوبا في التوراة والإنجيل: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٦- ١٥٧] .
وبعض هذه الصفات التي وصف الله تعالى بها الرسول الكريم ﷺ في القرآن العظيم، منها: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً [الأحزاب: ٤٥- ٤٧] ، وردت في الكتب السابقة، منها التوراة والإنجيل، كما أشارت إليه الآيات السابقة. روى البخاري أن عبد الله بن عمرو بن العاص حين سئل عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، قال: (أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً [الأحزاب: ٤٥] . وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكل، ليس بفظّ ولا غليظ ولا سخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر (ويصفح) ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلّا الله، ويفتح بها أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا) «١» .
стр. 17
هذه السيرة الشريفة التي عاشت الصورة القرآنية، وائتسى بها الصحابة الكرام خير ائتساء، فكانوا خير مؤتسين لأحسن أسوة، تبقى النموذج الأفضل والقدوة الأمثال لبني الإنسان، وخصوصا للمسلمين في كل وقت وحال. استمدت كلّ ما فيها من هذا الدين الذي أوحاه الله تعالى إلى الرسول الكريم ﷺ ليكون المبلّغ بالنص، تشرحه السّنّة، وتمثيله بالسيرة.
وهذه السيرة الشريفة مليئة بالذخائر والكنوز واللآلئ والدرر، ولا بد من الغوص وراء أصدافها الحافظة لها، واستخراج دررها الفريدة من داخلها. عجائبها غزيرة، وعقودها باهرة، أتت بالعجائب والنجائب والمراتب في كل باب، وأنتجت الفتوحات متنوعات في كل درب، وقدمت الصيغ الإنسانية التي تربت على مائدة القرآن الكريم، في أحضانها وأجوائها في كل موقع وصوب وحدب، مقتدية في ذلك كله بالرسول الكريم ﷺ ، كيف وقد جاء للتطبيق العملي القائم في الحياة الواقعية والمجتمع، بلا تجاهل ولا تماهل ولا تساهل أبدا بحال؟!
ذلك لأنها مستمدّة وقائمة على القرآن الكريم. فهي عجب من عجائبه، ومعجزات من إعجازاته؛ التي لا تفنى ولا تنضب. ويبقى لكل زمان وأحد وجيل كذلك، ما ادّخره الله له برحمته.
ومن هنا فلا بدّ من منهجية جديدة مستقلة ومتساوقة ومتعانقة مع هذا التاريخ الإسلامي وبقيته وتوابعه، ابتداء من السيرة النبوية الشريفة، فهي تاجه الرفيع، وعزه المنيع، وقوامه البديع.
وقد احتوت السيرة الشريفة ذلك كلّه، ولذلك فكلما عاشها الإنسان، وعاشت به، عرفها أكثر، وأدركها أعمق، واقترب من مضامينها وأسرارها، وأحسن التعبير عنها وتمثّلها، بمقدار العيش فيها، قدرا ومقدارا وإصرارا.
وأحسّ- والحمد لله وبفضله- أنني كل يوم أتقدم وأتفهم وأتعلم
стр. 18
لاستشراف هذه المعاني والمشاهد والأجواء في هذا المجال وفي غيره سواء بسواء، متعرّفا على جديد من ذلك كله، وأقطف مزيدا من ثمارها الكريمة، فهما وإدراكا وتحصيلا، وكلما تفيأت ظلالها كلما أدركت أبعادها، واقتربت، ووعيت من آفاقها، دراسة ومتابعة وتعمقا.
وكل هذا نعمة ومنّة وبركة من الله تعالى رب العالمين، فالحمد لله على نعمه الكثيرة، ونسأله سبحانه الدوام وحسن الختام في ظل الإسلام.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 19
المبحث الأول السيرة النبوية ظلالها وآفاق دراستها
* استهلال وإطلال وإجلال
* التخصص العام والدقيق
* المقوم الأول المهم
* اتساع السيرة النبوية والاقتداء بها
* السيرة مرآة ومهماز
* مصادر دراسة السيرة
* صلحاء الأمة وحماتها
* كتابة السيرة الشريفة
* العيش في جو السيرة عمقا وتعلقا
* كتابة السيرة بين الفقه والتاريخ
* دراسة وكتابة السيرة الشريفة وآفاقها
* دوام حفظ الله سبحانه لأهل دعوته ونوعيتهم
* أسلوب هذه الدراسة
* أثر السيرة في المجتمع قوة ودعوة
* السيرة وكتابة التاريخ
* السيرة وجيل الصحابة
هذه الدراسة والكتابة
стр. 20
السيرة النبوية ظلالها وآفاق دراستها
* استهلال وإطلال وإجلال:
هذه مباحث وفصول في سيرة الرسول ﷺ تقدّم تصورا، وترسم منظرا، تكاد ترقبه وتشهده، حتى لكأنك ترى أحداثه، متحركة أمامك ماثلة نصب بصرك.
وبتمعّنك فيها، تتبيّن من خلالها حياة الرسول الكريم، والنبي العظيم ﷺ قائدنا وقدوتنا وأسوتنا إلى خيري الدنيا والآخرة.
تتبين حياة رائعة، وسيرة ساطعة لامعة متماسكة، ترى فيها الكمال الإنساني بالرسالة الربانية، حمّلها إياه الله المنعم الرحيم بعباده؛ لهداية البشرية الى طريق الخير الوحيد والسعادة الفريدة والحضارة الإنسانية الأكيد.
فهي تظهر أهميتها، ودقائق تفاصيلها، وفقهها المتعمق، للعمل بها، والاستظلال بظلها. وهي حصيلة أصيلة، وخبرة مستنيرة، ومتعلّق عاشق، قام بتدريسها لقرابة ثلاثين دورة تدريسية جامعية- سنوية أو فصلية- في العديد من الجامعات في البلاد العربية.
وهي تطبيق لمنهج، ودراسة لأحداث، واستقراء لمضامين، ضمّها هذا الجهد في كتاب، مقدّمة لدراسات تالية، ترى هذه المعاني أكثر نورا، وأشد ظهورا، وأشمل حبورا.
تراها روائع ومواقع، تنصهر في كتاب جامعي شامل- إن شاء الله تعالى
стр. 21
وبعونه- تقرّبا إليه، وحبّا لرسوله الكريم ﷺ وخدمة لهذا الدين، من خلال رعاية تاريخه، وبيان حقائقه المنيرة.
أستهلّ ذلك بهذا المبحث الأول، عن (السيرة النبوية الشريفة- ظلالها وآفاق دراستها) تتلوها مباحث أخرى، إن شاء الله تعالى وبفضله.
* التخصص العام والدقيق:
حقيقة إنّ تخصّصي الدقيق هو التاريخ الأندلسي، وليس السيرة النبوية الشريفة، على صاحبها الصلاة والسلام، لكن دراسة السيرة والبحث فيها وهي فخر وشرف- هواية قديمة، وما زالت جديدة ومتجددة والحمد لله وهي كذلك مستمرة إن شاء الله تعالى- بجانب كونها جزآ من التاريخ الإسلامي، التخصّص العام.
ولكن طول صحبتي للسيرة الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- وعمق محبتي لها- والحمد لله- وكثرة قراآتي فيها، ومجموعة كتاباتي عنها، والإعداد، وجمع المعلومات لأجلها، كل ذلك يجعلها كالتخصص الدقيق، فشكرا وحمدا لله رب العالمين.
وإذا كان موضوع التخصص- رغم أهميته- طريقا وعاملا للكتابة والبحث والدراسة، لكنه- وبالنسبة للتاريخ الإسلامي والدراسات الإسلامية ليس المقوّم الأول، الذي لولاه لما كان لهذا التخصص تلك الأهمية، أو المستوى، أو نوع النّتاج.
* المقوّم الأول المهم:
وأعني بالمقوم الأول- لكل دراسة، لا سيما في فروع الدراسات الإسلامية، وأخصّ التاريخ الإسلامي، وبالذات السيرة النبوية الشريفة- حسن التوجه إلى الله ، والارتباط به عقيدة وعبادة، وشريعة
стр. 22
وسلوكا، يكون مستمدا على الدوام، من هذا النهر الفياض، الذي يملأ الحياة بكل جوانبها خيرا وبركة، فيوفر ذلك صحّة في القصد، وصفاء في الفهم، ودقة في التصور، وجودة في الاستكناه والاستجلاء، وبغير ذلك فالدراسة هزيلة بخيلة نحيلة، وشاحبة ناحبة، وأمرها يغيض ولا يفيض، ينحدر نضوبها، ويتبعثر هروبا، ثم تذهب أدراج العواصف هشيما تذروه الرياح.
وإذا كانت بداية الاهتمام بالسيرة هواية- وما زالت- محببة إلى النفس، وسلوى وقوة لها وأنسا، وغذاء وإطرابا لأركانها، وندى وظلالا تستظل أفياءها، فإنها قد تعمّقت بمرور السّنين وتوالي تدريسها، حتى أصبحت تخصّصا آخر، بعد أن جرى الاستمرار في هذا الاهتمام، وتدريسها في الجامعات لأكثر من بلد، ولما يزيد على خمسة عشر عاما، أكثرها ذات فصلين.
ثم فوق ذلك، إن لكل أمر دوافع، ودوافع هذه الدراسة تنبع من عقيدتنا الإسلامية، فان معرفة السيرة الشريفة تاريخا وتفسيرا والتزاما، والسنة المطهرة حديثا وفعلا وتقريرا، مهمة أساسية؛ إذ أنها ترتبط بعقيدة المسلم، وهي جزء من إسلامه. وعلى هذا النسق يجب أن تكون دراستها.
* اتساع السيرة النبوية والاقتداء بها:
فدراسة السيرة النبوية الشريفة- والتاريخ الإسلامي عموما- بالنسبة لكل مسلم، مهمة أساسية، وإذا كان ذلك مهما لغير المتخصصين والباحثين في أية صيغة وهدف- دراسة وقراءة وحديثا وتدريسا وكتابة عن السيرة الشريفة، فلا بد من العيش في موكبها والسعي لمثلها، فهي لأهل التخصص وأمثالهم أهمّ وألزم وأوجب وأرغب، متابعة وتجلية وحثا وتأليفا، بصيغة تتناسب- قوة ودقة- وموقعها ذاك.
وإني كلما سرت، وتقدمت في المتابعة، وتعمقت فيها، فرحت
стр. 23
بالجديد، كما اكتشفت جهلي بالكثير والكثير منها ومن جوانبها، وازددت علما ومعرفة وفقها وإقبالا وتعمقا.
والذي يتولى القراءة والدراسة لها- فضلا عن التأليف فيها- لا بد أن يقوم بكل ذلك، اقتداء واهتداء، وتقرّبا إلى الله، تمثّلا والتزاما وسلوكا، وارتقاء بإنسانيته، وإعلاء لتقواه.
فالسيرة النبوية الشريفة وصاحبها ﷺ الأسوة الحسنة والقدوة الكريمة، واتّباعها ملزم للمسلم لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب: ٢١] .
وهذا كله يقوم على المحبة المتشوقة المتعطشة، إلى حدّ كان بعض الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين- يتحرّون اتّباع الرسول ﷺ في المندوبات والنوافل والأمور الاعتيادية، تقرّبا الى الله ، وحبّا بالرسول الكريم ﷺ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٣١] .
بل إن عبد الله بن عمر بن الخطاب- ﵄ الصحابي الجليل (٧٤ هـ ٦٩٣ م) »
، كان يتحرى أن يتمثّل أسلوب الرسول الكريم ﷺ وأحواله ومشيته، ويترسّم مواطئ أقدامه، في طرقات المدينة وخارجها وغيرها، بل لعله يدفع ناقته لتنطلق في طريق سلكته القصواء، ناقة
стр. 24
رسول الله ﷺ آملا أن (لعل خفّا يقع على خف) «١» . وكان يقول: (بعث الله نبيّه ونحن أجفى الناس، فنصنع كما صنع رسول الله ﷺ «٢» .
وكم حبّب إليّ أخوة كرام- لا سيما من طلبة درّستهم السيرة النبوية الشريفة- أن أكتب السيرة بنفس الطريقة التي أدرّسهم بها، يوم كانوا طلابا يحضرون ويجلسون في قاعات ومدرجات الجامعة، للاستماع الى فصول من السيرة الشريفة. وها أنذا أبدأ اليوم «٣» (وقد بدأت ذلك بشكل محدود نحو سنة ١٩٨١ م) ، مسرورا ومتشرفا ومتشوقا ومتبرعا ومهتديا ومقتديا، إن شاء الله تعالى.
* السيرة مرآة ومهماز:
والحق أن (أو كأن) الله تعالى، أراد لهذه السيرة الشريفة أن تكون نموذجا، ولأن هذا الدين اكتمل تطبيقا، بكل شمول وكمال وجمال، لكافة الأعمار والمراحل والأشخاص، نساء ورجالا وأطفالا، فردا وجماعة، ومجتمعا ودولة، صغرت أو كبرت، في السلم والحرب. والجميع أصبح مجتمعا، فيه من غير المسلمين، أو هو خاصّ للمسلمين، تعاملوا مع غير المسلمين داخل المجتمع المسلم وخارجه، ودعوهم ملوكا وشعوبا وزعماء، كل ألوان التعامل في حالاتهم جميعا، في الاضطهاد، ومخلصين
стр. 25
أو مخادعين، جادين أو لاهين لاعبين.
وبذلك فالمسلمون يجدون في السيرة الشريفة، في كل الظروف ما يرتوون منه وينظرون فيه، علاجا وغذاء وارتقاء؛ لأنها صورة هذا الدين، ووحي الله المنزّل على رسوله الكريم ﷺ قرآنا عمليا في واقع الحياة، وتلك إرادة الله وحكمته.
إن السيرة الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- مستودع مترع، متكامل شامل. فهي مليئة بكل هذا، كأن الله تعالى أراد- بعد أن كانت للإسلام صورة طبق الأصل في كل حال- أن تكون قدوة في كل شيء للناس، في كل جيل وحال، لتكون معالم عامة وعلاجا ومثالا وأسوة لكل أحد، وهي في الحق كذلك. فهي مستودع غنيّ بكل ذلك، بما مرّ به ويمرّ.
لقد هيأ الله تعالى لهذا الدّين- في كل العصور وفي عصرنا- من خدمه بكل سبيل، وخدم أحداثه وسيرة نبيه ﷺ بكل تفاصيلها ودقائقها وجوانبها.
والحمد لله تعالى أن اعتنت الدراسات الحديثة، ورعت، وخدمت السيرة النبوية الشريفة والسنة المطهرة، سواء بتحقيق ونشر مؤلفات السلف الأمهات عنها، أو بالتأليف الكثير المتنوع فيها، وجيّده غير قليل.
* مصادر دراسة السيرة:
وكتب السنة المطهرة- وأولها الحديث الشريف- مصدر ثرّ أصيل، بعد القرآن الكريم. وإن قول رسول الله ﷺ في حجّة الوداع شامل للتأليف والكتابة، للدعوة والقدوة: «فإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد» «١» .
فالقرآن الكريم ملئ بأحداث السيرة وأحوالها وأخبارها، وهو الحقّ
стр. 26
المبين، والصدق الأصيل المتين، أصدق وأوثق وأحق كتاب على الأرض وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤١- ٤٢] .
ثم كتب السنة المطهرة والسيرة الشريفة، وبعدها المؤلفات الأمهات، والأصول الموثوقات، وهي كثيرة شاملة، توفر فيها الحفظ والصدق والرواية والدراية والرعاية والدراسة، وهي خاضعة للموازين الدقيقة في التمحيص، متنا وسندا.
والتاريخ الإسلامي- ابتداء من السيرة الشريفة، التي تلاحمت مع الحديث الشريف وعموم السنة المطهرة- نشأ ونشأت في أحضان السنة وعلومها، ذات الشروط الدقيقة، والتي قامت لخدمتها عدة علوم وثيقة «١» . ولفهم هذه الحقيقة الكبرى يمكن- بسهولة- أن تراجع أمهات الكتب الموثقة في التاريخ الإسلامي.
стр. 27
* صلحاء الأمة وحماتها:
وإنّ الذين خدموا هذا الأمر، هم من خيار الأمة الإسلامية وصالحي أجيالها وأعلامها ورجالها ونسائها، خلقا ومكانة، وأعلاهم ذكاء، وأعرفهم صدقا، والتزاما، وتضحية، وفداء، وأكرم عند الناس حالا ومالا ونفسا، وكان هذا عندهم بمنزلة الجهاد.
ومثلما كانت هذه الصفات ضرورية وأساسية للمسلم، عضوا في المجتمع والأسرة وفردا في الحياة، مشغولا بإعلائها، كان كلّ ذلك لازما بجانب مواصفات إضافية، إلى هذه الأساسية- تكون جميعا مرجوة ومطلوبة وملزمة للتأليف والكتابة.
ومثلما كان الالتزام بالسلوك الإسلامي ومواصفاته خصيصة أولى أساسية لازمة لازبة، كذلك كان توفّر العلم والمعرفة العميقة الجادة الغزيرة الوفيرة قاعدة قرينة بداهة؛ ليكون كلّ على علم وأهلية للتخصّص الذي يعمل فيه، وكلاهما لا غنى عنهما بحال، إلّا أن الأولى هي الأرضية الصّلبة تقوم عليها القاعدة العلمية الأصيلة القوية المتينة.
وانعدام تلك الخصيصة الأساس قد يعصف بما عداها، ويورث ضررا، ويوقع خطرا، يودي بصاحبها وبالآخرين وبالعلم نفسه. كما إن انعدامها يجعل المواصفات التالية والباقية منفردة لا قيمة لها، ولو ملك صاحبها أي مقدار، ولا يكون في العداد، على عكس اليوم. ولأمور بسيطة جرّح البعض ابن إسحاق (١٥١ هـ ٧٦٨ م) ، وهو تابعيّ ثقة صدوق، ومؤلّفه الشهير (السيرة النبوية) خير دليل «١» .
стр. 28
* كتابة السيرة الشريفة:
إن كتابة السيرة الشريفة- على صاحبها أفضل الصلاة وأتمّ السلام- وقراءتها، ثمرة لتطبيق وأسوة لحياة. ولا يتولى كتابتها وتدريسها إلا أهل هذا اللون من الفهم والاتجاه. ولا بد من النظر إلى السيرة الشريفة في كل ذلك، باستيعاب ليس عقليا فحسب، بل كيانيا متلاحما، يهيمن ويستبطن ويجنّد كافة الجوانب والطاقات، ويستأهلها ويؤهّلها في الإنسان، للتلقي الفاضل؛ لأن الإسلام خاطبها، واهتم بكافة الجوانب في هذا الإنسان، وتناولها، واعتمدها.
стр. 29
فلا بدّ من توفر التلقي، بكل هذه الوسائل التي تعهّدتها السيرة، ليصفو العطاء زلالا، بالتلازم والاستواء والوفاء.
فالسيرة الشريفة بفصولها، هي قصة الهداية الإنسانية والإنسان المثال، قصة الإنسان في هذه الأرض وقصة حضارته، قصة السعادة في الدارين، وقصة الموكب السّائر نحو الله بمنهجه ، عبر القرون والأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وكذلك قصة ما يحفّ ذلك كله من طبيعة وحقيقة ووسائل الصراع بين الحق والباطل، حتى يبقى الأخير أسيرا ومنهزما حسيرا، مثلما هي كذلك تحمل كيفية الإيصال والإبلاغ للحق، والإقامة والإدامة والبناء خلال الأجيال. فيبقى الإنسان سيدا في الدنيا وسيدا في الآخرة، حين يتأهّل بمنهج الله تعالى، استحقاقا للخلافة في أرض الله تعالى، بل وكذلك حتى يلقاه .
فالإسلام وحده- من خلال السيرة الشريفة والاقتداء بها- رفع الإنسان، وأهّله لكلّ ذلك. وعندها وبه- لا بغيره- يستطيع أن يا بني الحضارة الفاضلة والإنسانية الكريمة. والإسلام يفعل كلّ ذلك وأمثاله وغيره دوما، وقد فعل.
رفع الإسلام قدر الإنسان، وحقّق إنسانيته، بعد أن طهّر نفسه من الأرجاس، وابتناها على الإيمان المستنير بالله وحده لا شريك له، .
فحرّرها من كل ألوان العبوديات والوثنيات والجاهليات، في العقيدة والعبادة والنوايا والأقوال والأفعال، وفي أمور الحياة كافة، وخلوص ذلك كله لله تعالى وحده جلت قدرته، وأعلى مكانتها بذلك، فتحقّقت إنسانيتها المؤمنة المطمئنّة، الراضية بالله تعالى ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا.
وبه استحق الخلافة في أرض الله، يرعاها بدين الله القويم، وينيرها بمنهجه، ويسير به مضيئا، ويتحرك مشرقا، ويحمل راياته، داعيا له بلسانه، متحركا به بسلوكه. يرى ويعلم أنّ تلك مهمته، إنقاذ البشرية وهدايتها. وهكذا كان المسلمون، لا سيما الصحابة الكرام ومن بعدهم.
стр. 30
ولعله قد مرت بك أقوال وموقف ربعي بن عامر الصحابي الجليل (أو التابعي) «١» ، التي كانت وخاطب بها رستم قائد الفرس في مقابلته له قبل معركة القادسية (١٥ هـ) حين سأله عما جاء بهم، فقال ربعي: (الله ابتعثنا لنخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه، ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله، قالوا: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي) «٢» .
* العيش في جو السيرة عمقا وتعلّقا:
ولكل ذلك متطلبات ومواصفات. وإن أيّة دراسة لا تقرأ القرآن الكريم سواء ما يتعلق بالسيرة وغيرها- وما يخص السيرة والدعوة، ولا تعيشها وتعايشها وتحملها، في النفس والفكر والسلوك والحياة، وتتفاعل معها، لا تستطيع أن تتقدم وتتقوم بصورة حسنة. ولا بد من أجل ذلك من تذوّقها وفهمها؛ لأنها ليست مسألة عقلية فحسب، بل تتولى الكيان الإنساني بكافته، منيرة الإيمان.
فالمؤرخ المسلم، التقي الورع المتعلم الفقه المتفتح اللّقن الفهم، المزود بكل ذلك، وبالمؤهلات العلمية اللازمة، والإمكانيات البحثية المطلوبة، أقدر وأعمق وأدق وأصدق وأحق، على تناول السيرة النبوية
стр. 31
الشريفة، وعموم التاريخ الإسلامي، بل وآمن وأضمن وأطمن على كتابة تواريخ الأمم الآخرى وأي تاريخ آخر، بل وعلى أية معرفة وتعامل واشتغال في حقل علمي ودراسي، وغيره من حقول الحياة الإنسانية وحضارتها وجوانبها.
وهذا ماض وكامن في كلّ دراسة وتدريس، كما هو محفوظ ومعروف وموروث في كل بحث وتأليف وتحقيق، في نتاج علمائنا، ومهما تفاوتوا فيه فهم على هذا الطريق، نشأة وتربية وأداء وخدمة وكتابة وسعيا ووعيا متعمقا.
وهاتان الصفتان لازمتان متلازمتان لهذا المؤرخ، وهذا اللون من الدراسات والكتابات التاريخية وغيرها، ولا سيما السيرة النبوية الشريفة.
فالأولى منهما: الصفات والمواصفات النوعية، أي: التقوى والورع والفقه والولاء والالتزام بالإسلام والوفاء بكل مستلزماته، وأداء كافة مقتضياته، إيمانا بعقيدته، وقياما بعباداته، وولاء لشريعته، وأخذا بخلقياته- قولا وعملا- وأداء لنصرته، وحضورا لخدمته، مضامين وميادين.
والثانية: القيام بحق العلم وحيازة مؤهلاته وإمكانياته، والتمكن في معانيه، والأخذ بأسبابه ووسائله.
فهذه المواصفات: النوعية والعلمية، كل منها أساسيّ وضروريّ، سواء بسواء. فالمؤهّل النوعي والعلمي كلاهما كان وراء هذا النّتاج الجمّ الكريم الجليل والعمل النوعي والعلمي الباهر المتسع في التأليف التاريخي وغيره، ابتداء من السّنّة المطهرة والسيرة الشريفة، وكافة الميادين الآخرى.
ولا بدّ أن تكون هناك مواصفات مطلوبة، لكل عمل خيّر منير، معتبرة ومعترفة، للقيام بهذا العمل العلمي الجدير، شبيهة بالصفات المطلوبة فيمن يدوّن السّنّة النبوية المطهرة- ومنها الحديث الشريف- أو يؤخذ عنه. وهكذا علت الثقة بعلمائنا الأفاضل وسلفنا الصالح من قبل كلّ أحد، وبأعمالهم
стр. 32
الإنسانية، لا سيما السيرة النبوية الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- وعموم التاريخ الإسلامي.
وإن هؤلاء لم يعتكفوا على الكتابة بل- بجانب التأليف والتدريس- خاضوا الحياة، وحملوا إليها معانيها علما وعملا. وكنت تجدهم في المقدمة وقت الشدائد، وفي القيادة في المعامع، وفي ساحات الجهاد كانوا يحثون الناس، وهم أول الشهداء في الميادين.
وإن الأمر الأساسي الوجيه في ذلك، قراءتها بهذا الشكل، وصياغتها، وتقديمها من خلال رؤيتها في النفس، تشقّق وتفتّق ينابيع الإيمان. وكم من غير المسلمين وباطلاعهم على ذلك تأثروا فأسلموا!
والذين يعيشون في أجواء السيرة الشريفة، فقها وسلوكا، هم أقدر الناس على تصوّرها والتعبير عنها، وأصبر وأخلص على تقصّي أخبارها، وفهم دقائقها، وتتبع نصوصها، واستخلاص عبرها، والعيش بمعانيها، وحبّهم في التجول بين بساتينها ورياضها. وهم أفضل منهجية وإدراكا وربطا وتقويما، وأعمق رؤية، والأمر في ذلك مطّرد.
ومن هنا فالذين عبّروا خير تعبير: هم الذين عاشوا في ظلالها، ونشهد كل هذا، مشمولا به كل المعاني الإسلامية؛ ولذلك نجد هذا الأمر شائعا عند السلف والخلف، قدماء ومحدثين، وحتى يوم الدّين.
ولقد فتح الله عليهم جميعا بفهم كريم؛ لذا- وكمثال سالف للعصر- كان ما كتبه علماء الأمة وشهداء الجهاد، أمثال: أبو الربيع سليمان بن سالم الكلاعي الأندلسي (٦٣٤ هـ ١٢٣٧ م) الذي كان من كبار أئمة الحديث الشريف والسيرة النبوية، وله كتاب (الاكتفاء في مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء) ، وغيره من شهداء العصور وشهوده عميقا، سواء ما يتعلّق بالتفسير، أو السيرة النبوية الشريفة، قويا ومعبرا، وهو قائم على تلك المواصفات، من الفهم العميق، والحفظ الدقيق، والعيش السليم، وأخذ النفس بمنهاج الله تعالى الكريم، والتضحية من أجل ذلك
стр. 33
وافتدائه. ومن هنا نلحظ هذا الأمر لدى السّلف الصّالح واضحا.
* كتابة السيرة بين الفقه والتاريخ:
ولدينا في السيرة، والتاريخ الإسلامي عموما، كتب كثيرة، يكاد كلّ مؤلفيها- وهم من السلف- أن يكونوا على علم بالإسلام جيد وممتاز، كذلك التزامهم به، ومنهم من كانوا في الأصل هم فقهاء، وكتبوا في التاريخ. وان كان المؤرخون هم من أهل الفقه في الدّين، وكان من هؤلاء الفقهاء. وهم مثل كثير غيرهم في معرفة الخير وتحرّيه، إلا أنهم أكثر علما، وأشد تماسكا والتزاما، أجدر من كتب السيرة، وأجدى علما وعملا. فهم أفضل من كتب التاريخ الإسلامي، لا سيما السيرة النبوية الشريفة لالتزامهم الدائم بالإسلام، وتوطين أنفسهم على معانيها، وإدراك مراميها، والعيش في أجوائها، شدة ورخاء، منشطا ومكرها.
وهذا الإيمان والالتزام يفتّق المضامين، وينبّع المعاني، وينبّه إلى المكامن، وينبّت المفاهيم، ويفتّح المغاليق، ويعمّق الوعي، ويوضّح التصورات، ويشدّ الالتزام، نحو السيرة وبلاغها وتوضيحها وتسديدها وفقهها، تعمقا وتفهما وعملا، دواما وتماما.
وكثير من كتبة التاريخ الإسلامي اليوم لا يفقهون الإسلام، إن لم يكونوا يعادونه، ويعرفون عنه تلفيقات مزوّرة، يردّدونها بعد أن تلقوها، وصورا شائهة شائنة التقطوها احتطابا، واعتبروها هي حقائقه، أضعفت ولاءهم وأركست مفاهيمهم، وطمست ضياءه عندهم، وغيّبت بهجته وحجبت بهاءه أمامهم وأودت بمناراته وفتوحاته لديهم. فهم من الناحية العلمية البحتة لا يصلحون لذلك، فضلا عما يمكن أن يتصفوا به من التّحيّز، وعدم الأمانة، وامتلاكهم واحتوائهم الرطانة اللغوية والخلقية والعلمية.
ولكن- لا سيما بالنسبة للسيرة- فقد توفرت- والحمد لله- مجموعة من المؤلفات الحديثة، أغنت الكثير من جوانبها، وتوفرت لها من المصادر
стр. 34
الأمهات في السيرة الشريفة نفسها، فضلا عن كتب السنة، وأولها الحديث الشريف، ما أغنى مادتها. وذلك فضل من الله ندعوه أن يأخذ مداه إلى تنوير الكتابة في بقية مراحل التاريخ الإسلامي وقضاياه، الذي غدا اليوم ضرورة ملحّة أشدّ الإلحاح.
* دراسة وكتابة السيرة الشريفة وآفاقها:
ولا بدّ من خدمة التاريخ الإسلامي عموما، والسيرة النبوية خصوصا، بشكل مجوّد، محبّب رصين كريم، والانتفاع بكل ما كتب ويكتب فيها من الجيد الأمين الأصيل، ولمختلف المراحل والجوانب والأحجام والتفاصيل، وبأسلوب يقود إلى تثبيت المعاني الفاضلة وتحبيبها وتقريبها، والاجتذاب؛ لترتقي بها إلى آفاقها الرحيبة الوسيعة المضيئة الطاهرة الباهرة النادرة، حتى تستنير، وترتفع، وتستقيم على الطريق.
فمن المهمّ جدا فهم السيرة، وتدبّرها، والكتابة عنها، وتوعية الناس بها، ليس في المناسبات فحسب، بل على الدوام، وذلك جزء من مقتضيات الإسلام، ولا سيما في هذا العصر.
ومن المهمّات التي تجتهد هذه الدراسة أخذ نفسها بها- وهي تحيا بها بفضل الله- ألا تنوي شرح السيرة الشريفة- منهجية دراستها وعرض أحداثها- أفكارا ونظرات مجردة، بعيدة عن حركتها وتفاعلها وصيغها وصورها ومواكبها العلمية العالية، فهي تقدّمها نابعة من سيرها ومعتركها ومواقعها، حيّة متلاحمة لصياغة الحياة الجديدة، تبنيها وتحميها، آخذة بتفاصيلها هي نفسها في عرض الأمور، وسوق الصيغة المناسبة من رؤيتها، معاني حية في الحياة، وتسجيل حركتها بهذا الدين وحمله في قلبها ونفسها تعض عليه بنواجذها، سائرة في موكب النور وطريق البناء- بكتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ وسيرته- يقود موكبه المنير، أسوة حسنة، وقدوة كريمة.
وهذه الدراسة تنظر وترقب تلك المواكب وهي تشيد وتبني وسط
стр. 35
المعترك العاصف، وتقارع كلّ عنيد بليد أو مديد، تعطي وتبذل وتجاهد وتضحي، قوية بهذا الدّين، أبية في كنف الله، أمينة على دعوته، جادّة في خدمة وتثبيت معالمه وأعلامه؛ لتصيغ وتصبغ حركة الحياة البشرية به، وتقود تيارها، وتعلي إنسانيتها- التي كرّمها الله- بمضامينه. تفي بذلك وتلتزم من أول يوم أعلنت عن نفسها، بإبلاغ التوحيد في العقيدة، وإفراد الله سبحانه بالربوبية والألوهية والحاكمية، بقيادة هذا الدين، سارت به على مدار الأجيال.
كلّ ذلك تقدّمه- هذه الدراسة- موضحة بالأمثلة والشواهد والأحداث، في كل المراحل والمناهل والمواقع والأمثال والأحوال والأهوال، تحسّه وتلمسه وتنظر أحدهم، من الصحابة الكرام- كما وصفوا- بأنه قرآن يمشي على الأرض «١» ، مقتديا برسول الله ﷺ الذي «كان خلقه القرآن» «٢» . ولقد غدا المسلم كله لهذا الدين، وأسلم زمامه له ذلولا، بحب وشوق وإقبال سبّاق.
تمر بتلك المعاني تعبّر عنها الوقائع والتصرفات للجميع، جيلا بأكمله، نساء ورجالا، وشيوخا وأطفالا وعجزة، ويسرهم البذل، ويحزنهم ألا تكون الفرصة مهيّأة، والوقت سانحا وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٢] . ويتقدمون في أشد الأمور صعوبة، في المعارك للموت في سبيل الله، يتنافسون فيه ويتسابقون إليه. وكم منهم حين
стр. 36
يقتل في سبيل الله يقول: (الله أكبر، فزت وربّ الكعبة) «١» . وهذا الوصف والحال شمل كل ذلك الجيل الكريم الفريد.
وهذا التعبير- الذي يشير إلى السرور والفرح للموت في سبيل الله- ذكر لأكثر من صحابي، في أكثر من موقع ومناسبة، منها حادثة بئر معونة (صفر ٤ هـ) . وكان عدد الصحابة سبعين راكبا من القرّاء، وهم من خيار المسلمين «٢» ، ذهبوا إلى أهل نجد، وذلك بعد أن قدم على رسول الله ﷺ أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنّة، فعرض عليه ﷺ الإسلام ودعاه إليه، فلم يسلم، ولم يبعد عن الإسلام، وقدّم لرسول الله ﷺ هدية، فقال ﷺ : «فإني لا أقبل هدية مشرك» «٣» . وعرض على الرسول الكريم ﷺ أن يرسل عددا من الصحابة لدعوة أهل نجد إلى الإسلام، فخاف ﷺ أهل نجد، لكن أبا براء تعهّد بإجارتهم وحمايتهم.
فبعث ﷺ هؤلاء النفر، وجعل عليهم المنذر بن عمرو «٤» (وهو من
стр. 37
النقباء الاثني عشر) . ومنهم الحارث بن الصّمّة «١» وحرام بن ملحان «٢» خال أنس بن مالك- وعروة بن أسماء بن الصّلت السّلمي «٣» ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي «٤» وعامر بن فهيرة «٥» - مولى أبي بكر الصديق- ﵁ في رجال من خيار المسلمين، ونزلوا بئر معونة بين أرض بني عامر وحرّة بني سليم. فذهب حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى
стр. 38
عامر بن الطّفيل، فلم ينظر فيه، وعدا غيلة وغدرا على حرام وقتله. وهو ممن قال العبارة المذكورة، بل ونضح الدم على وجهه ورأسه «١» . وبذلك أسلم قاتله، بعد أن عرف معنى عبارته، ورأى ثباته، وشوقه الأكيد للاستشهاد في سبيل الله.
وممّن قال العبارة أيضا أميرهم المنذر بن عمرو، وهو الملقّب (المعنق ليموت) وقد صار له لقبا بعد استشهاده.
ولما استصرخ عامر بن الطفيل رئيس المشركين بني عامر، رفضوا الاستجابة له وفاء بالعقد والجوار، فاستصرخ قبائل بني سليم، فاستجابوا له: رعل وعصيّة وذكوان. فجرى قتال شديد استشهد فيه كل أولئك الصحابة- رضوان الله عليهم- غير اثنين، وظلّ الرسول الكريم ﷺ يدعو عليهم شهرا في صلاة الغداة (الفجر) .
وكان هؤلاء السّبعون من الأنصار (أو أغلبهم من الأنصار، وفيهم العديد من المهاجرين) من القراء «٢» . وقد أورد البخاري ومسلم خلاصة عن هذه الحادثة كما يرويها أنس بن مالك قال: جاء ناس إلى النّبي ﷺ ، فقالوا: أن ابعث معنا رجالا يعلّمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار، يقال لهم القرّاء- فيهم خالي حرام- يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلّمون. وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصّفّة والفقراء.
فبعثهم النبي ﷺ ، فعرضوا لهم فقتلوهم، قبل أن يبلغوا المكان. فقالوا:
اللهم بلّغ عنا نبينا أنّا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا. وأتى رجل حراما
стр. 39
- خال أنس- من خلفه، فطعنه برمح حتى أنفذه. فقال حرام: فزت وربّ الكعبة. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «إنّ إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا:
اللهم بلّغ عنا نبيّنا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا «١» » «٢» .
أي تكافل هذا، وأي ترابط، وأي نصرة! لا يمكن أبدا أن تكون إلا بهذا الدّين، حيث استجاب هؤلاء هذا اللون من الاستجابة القوية، فكانوا ممن شملهم قول الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] ، وكانوا به الجيل المثال.
стр. 40
ولا بدّ لمن يريد أن يقيم مجتمع الإسلام أن يرتقي إلى هذا المستوى بالعمل قبل الكلام، وعلى هذا سارت أجيال الأمة في عصورها فارتقت، وكانت مثالا.
ومن عون الله تعالى ونصره للمؤمنين أن أهلك أعداء الإسلام؛ الذين يظنون أنهم قادرون عليه، فأذهبهم، ونصر عبده وأعزّ جنده «١» .
* دوام حفظ الله سبحانه لأهل دعوته ونوعيتهم:
وهكذا صرف الله عدوّ دينه ونبيّه والمسلمين، فأنزل بهم عقوبة يستحقونها. فانظر روعة هذا الدين ونصرة الله لأهله المخلصين، ونصرتهم له ولبعضهم، وحبهم لذلك كله، واسترخاص النفس من أجله «٢» .