يقتل في سبيل الله يقول: (الله أكبر، فزت وربّ الكعبة) «١» . وهذا الوصف والحال شمل كل ذلك الجيل الكريم الفريد.
وهذا التعبير- الذي يشير إلى السرور والفرح للموت في سبيل الله- ذكر لأكثر من صحابي، في أكثر من موقع ومناسبة، منها حادثة بئر معونة (صفر ٤ هـ) . وكان عدد الصحابة سبعين راكبا من القرّاء، وهم من خيار المسلمين «٢» ، ذهبوا إلى أهل نجد، وذلك بعد أن قدم على رسول الله ﷺ أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنّة، فعرض عليه ﷺ الإسلام ودعاه إليه، فلم يسلم، ولم يبعد عن الإسلام، وقدّم لرسول الله ﷺ هدية، فقال ﷺ : «فإني لا أقبل هدية مشرك» «٣» . وعرض على الرسول الكريم ﷺ أن يرسل عددا من الصحابة لدعوة أهل نجد إلى الإسلام، فخاف ﷺ أهل نجد، لكن أبا براء تعهّد بإجارتهم وحمايتهم.
فبعث ﷺ هؤلاء النفر، وجعل عليهم المنذر بن عمرو «٤» (وهو من
стр. 37
النقباء الاثني عشر) . ومنهم الحارث بن الصّمّة «١» وحرام بن ملحان «٢» خال أنس بن مالك- وعروة بن أسماء بن الصّلت السّلمي «٣» ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي «٤» وعامر بن فهيرة «٥» - مولى أبي بكر الصديق- ﵁ في رجال من خيار المسلمين، ونزلوا بئر معونة بين أرض بني عامر وحرّة بني سليم. فذهب حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى
стр. 38
عامر بن الطّفيل، فلم ينظر فيه، وعدا غيلة وغدرا على حرام وقتله. وهو ممن قال العبارة المذكورة، بل ونضح الدم على وجهه ورأسه «١» . وبذلك أسلم قاتله، بعد أن عرف معنى عبارته، ورأى ثباته، وشوقه الأكيد للاستشهاد في سبيل الله.
وممّن قال العبارة أيضا أميرهم المنذر بن عمرو، وهو الملقّب (المعنق ليموت) وقد صار له لقبا بعد استشهاده.
ولما استصرخ عامر بن الطفيل رئيس المشركين بني عامر، رفضوا الاستجابة له وفاء بالعقد والجوار، فاستصرخ قبائل بني سليم، فاستجابوا له: رعل وعصيّة وذكوان. فجرى قتال شديد استشهد فيه كل أولئك الصحابة- رضوان الله عليهم- غير اثنين، وظلّ الرسول الكريم ﷺ يدعو عليهم شهرا في صلاة الغداة (الفجر) .
وكان هؤلاء السّبعون من الأنصار (أو أغلبهم من الأنصار، وفيهم العديد من المهاجرين) من القراء «٢» . وقد أورد البخاري ومسلم خلاصة عن هذه الحادثة كما يرويها أنس بن مالك قال: جاء ناس إلى النّبي ﷺ ، فقالوا: أن ابعث معنا رجالا يعلّمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار، يقال لهم القرّاء- فيهم خالي حرام- يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلّمون. وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصّفّة والفقراء.
فبعثهم النبي ﷺ ، فعرضوا لهم فقتلوهم، قبل أن يبلغوا المكان. فقالوا:
اللهم بلّغ عنا نبينا أنّا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا. وأتى رجل حراما
стр. 39
- خال أنس- من خلفه، فطعنه برمح حتى أنفذه. فقال حرام: فزت وربّ الكعبة. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «إنّ إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا:
اللهم بلّغ عنا نبيّنا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا «١» » «٢» .
أي تكافل هذا، وأي ترابط، وأي نصرة! لا يمكن أبدا أن تكون إلا بهذا الدّين، حيث استجاب هؤلاء هذا اللون من الاستجابة القوية، فكانوا ممن شملهم قول الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] ، وكانوا به الجيل المثال.
стр. 40
ولا بدّ لمن يريد أن يقيم مجتمع الإسلام أن يرتقي إلى هذا المستوى بالعمل قبل الكلام، وعلى هذا سارت أجيال الأمة في عصورها فارتقت، وكانت مثالا.
ومن عون الله تعالى ونصره للمؤمنين أن أهلك أعداء الإسلام؛ الذين يظنون أنهم قادرون عليه، فأذهبهم، ونصر عبده وأعزّ جنده «١» .
* دوام حفظ الله سبحانه لأهل دعوته ونوعيتهم:
وهكذا صرف الله عدوّ دينه ونبيّه والمسلمين، فأنزل بهم عقوبة يستحقونها. فانظر روعة هذا الدين ونصرة الله لأهله المخلصين، ونصرتهم له ولبعضهم، وحبهم لذلك كله، واسترخاص النفس من أجله «٢» .
стр. 41
ثم لاحظ حبّهم لبعض، وكيف أن الرسول ﷺ رفض هدية المشرك وكيف رفض حلفا مع من يريد أن يسلم لمصلحة، معتمدا- في ذلك كلّه- على الله تعالى، رافضا كل تهديد، ومتأكّدا من نصر الله لأهل دعوته الذين يخلصون له، متوجّهين إليه وحده، ولا يخافون لومة لائم. أليس في ذلك عبرة ودرس وتذكرة؟
وكم من أطفال الصحابة- دون الخامسة عشرة- تقدّم للمعارك، ولما ردّهم رسول الله ﷺ لصغر سنّهم- بكوا، يريدون الموت في سبيل الله «١» . وقل مثل ذلك في النساء والشيوخ «٢» .
وهكذا كان كلّ الجيل المثالي الفريد، جيل الصحابة الكريم الذين رباهم رسول الله ﷺ بيده، ونشّأهم على مائدة القرآن، بالوحي الرباني، قرآنا وسنّة وسيرة، فكانوا الجيل القدوة حتى لا يكون الأمر متمثّلا في أفراد متناثرين، هنا وهناك. فهم جيل كلهم كذلك، وليس فيهم غيرهم «٣» . ففي صلح الحديبية (السنة السادسة للهجرة) بايع جميع الصحابة- وعددهم ألف وخمسمئة- رسول الله ﷺ على الموت وعلى ألا يفرّوا «٤» ، مع أنّهم لم يأتوا مستعدّين للحرب، لا نفسيا ولا حربيا.
* أسلوب هذه الدراسة:
وبمثل هذا الأسلوب في العرض والدراسة- من شرح مقترن بالأمثلة الحية- تمرّ أمامك أحداث السيرة الشريفة بقوتها وحقيقتها ووضوحها، حتى لكأنك تراها ماثلة أمامك، رأي عين مثولا، تقرأ معانيها، سلوكا واضحا
стр. 42
وقوة شماء، في سيرة مباركة تقوم على الإيمان بالإسلام، عقيدة وعبادة وشريعة- علما وعملا- ترقبها عن كثب وتشاهدها، إنسانا يتحرّك بهدي هذا الدين، متفاعلة مع الحياة تصبغها وتصيغها على منهجها في كل ركن وجانب وموقع. وهي تقوم بذلك طاعة لله تعالى، في الحرب والمحراب وفي المسجد والسوق والحياة مع الناس، في أسرتها ومع نفسها ومع مجتمعها، مع عدوّها وأخيها، مثلما هي كذلك مع الله ، تطيعه وتتحرّى دينه- قرآنا وسنّة وسيرة- في المنشط والمكره والعسر واليسر، في السرّ والعلانية «١» . وبه قامت وعليه تربّت في معترك الحياة، تؤمن به، وتتشرف بنوره، وتأخذ بتعاليمه في كلّ حين.
وتلك هي دوافع هذه الدراسة، ومقوماتها، ومنهجيتها التي تتبناها وتعتمدها، فإنّ دراسة السيرة الشريفة، وعلى هذه المنهجية الحيّة المتفاعلة الداعية للأخذ بها، ضرورية لازمة، وقضية حاسمة حازمة، لا غنى عنها ولا بديل ولا تحويل.
وليست دراسة السيرة كمالية، أو نافلة، أو قضية دراسية أو علمية، بل هي أساسية، مهما كان تخصّص المسلم ونوع اهتماماته. ندرسها لنقتدي بها ونهتدي، ونستظل بظلّها في التطبيق العملي الذي تتجلّى فيه نصوص القرآن الكريم والدعوة الإسلامية، مشاهد ووقائع حيّة نابضة، ومتحرّكة مؤثرة. وأهمية ذلك بمقدار الاهتمام والتفاعل مع مضامينها وما يقرّ في القلوب وبمقدار الأخذ به. وكلّ ذلك علامة على تجدّد الأمة المسلمة التي لا تموت، إن شاء الله تعالى وبنعمته سبحانه، ما دامت ملتزمة بذلك، ولا بدّ ان يقيّض الله من يأخذ بها، ويرعاها، ويحميها، بل هي دواما تماما في ولادة مستمرة.
стр. 43
* أثر السيرة في المجتمع قوة ودعوة:
إنّ قنوات السيرة وأشعتها مبثوثة في التاريخ الإسلامي بطوله، وحتى الوقت الحاضر- وإن تفاوتت- وحتى يرث الله الأرض ومن عليها. مبثوثة في واقع الحياة، ومدوّنة محفوظة موثقة في مصادرها الأمينة. وطالما كانت السيرة مثار اهتمام وانتباه زائد مركّز، وكلما هبطت بالأمة الأثقال، رفعت عن المسلمين الآثام.
وكم من مطّلع من غير المسلمين على السّيرة، قادته أحداثها وأحوالها وآفاقها، إلى الإيمان بصاحبها ﷺ نبيّا ورسولا. فانتقل إلى الإسلام، وأقبل عليه مؤمنا به، وقد رضي بالله تعالى ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا.
والسيرة ميدان للتربية على الإسلام، من خلال التاريخ؛ لأنّ الإعجاب بالشيء الكريم، والموقف المحمود، والمشهد المحبوب- فطرة أصيلة متفتحة- يقود للأخذ بذلك الشيء سريعا، خاصّة إذا كان متمثّلا بإنسان وفي نفس السّن المبكر بشكل أكثر. ولا بدّ من الإعجاب بالسيرة خلال الاطلاع عليها، فنرى الإسلام كما أنزله الله تعالى وأوحى به، متمثّلا في إنسان وأعني به: أناسي- وأول ذلك بصاحبها ﷺ وبالذين ربّاهم على يديه بهذا الدين العظيم.
* السيرة وكتابة التاريخ:
ولمنزلة السّيرة، نرجو أن يشتدّ ويزداد الاهتمام بها، ويتمّ افتتاح المراكز لخدمتها. وفي ظل وخدمة السيرة النبوية الشريفة، تكون كتابة التاريخ الإسلامي. وحبذا لو تقوم بذلك مؤسسة مخلصة متخصّصة. كما نرجو أن ترعاها جامعاتنا، وتتولى أداء واجبها نحوها في ذلك، بجعلها متطلبا جامعيا، حيث قد تردّد الكلام حول هذا الموضوع في أكثر من جامعة. بل لقد أبان بعضها أنها تنوي افتتاح معهد، أو مركز، أو قسم
стр. 44
للعناية بالسيرة النبوية الشريفة، كتابة ودراسة وتدريسا، والمرجو ألّا يكون ذلك- وأمثاله جد كثر- تخديرا وتدويرا وتحريرا، ليكون أبعد من سراب.
والطاهر أنه لا يعدو ذلك- وهو ما انتهت إليه فعلا، بل قد يزيد في الواقع المشهود- حيث إنّ هذا التأميل مضى عليه ما يقارب من خمسة عشر عاما أو يزيد.
* السيرة وجيل الصّحابة:
ودراسة السّيرة تظهر روعة المجتمع المسلم؛ الذي تربى جديّا بكتاب الله تعالى، على يدي صاحب السّيرة الشّريفة ﷺ وعليها.
وإنك لتدرك أنّ ذلك الجيل كان متميّزا متفرّدا، جديدا على كلّ أحد غيره، بل وعلى نفسه وأهله وكل من حوله، وواجد ذلك فيهم، ليس في مواقف فردية أو شخصيات معدودة فحسب، لكن تجده لكلّ منهم عمل اليوم والليلة، وتجد مجموع الأمة كذلك في جيل كامل، نساء ورجالا، شيوخا وأطفالا.
ولكنّ هذا العمل الجماعي والاشتمالي للجيل، وثباته على ذلك المنهج- بعد البناء الفردي- كان ثمرة هذه التربية الفردية المستقلة المترابطة المتعادلة المتقنة المعميقة الأصيلة، بمنهج الله ودعوته وبيدي الرسول ﷺ وسنّته وسيرته. وفي ظلال سيرته المحفوظة الباقية بين أيدينا- بكلّيتها وشمولها ودقائقها- مصورة، بشكل رائع مشهود. ومن ذلك التّربّي الفردي، قام المجتمع، نتيجة لابتناء الفرد لها، والتربية المتفاعلة العميقة، وفي الممارسة الميدانية مع تعاليم القرآن الكريم، يرعاها هادي الإنسانية وحاديها رسول الله ﷺ .
فإنّ التربية في المعترك والميدان، تصفّي النفس والفهم والاتجاه، وتركّز قوة النفس والنية والخلوص لله تعالى، وتجعل المسلم مجاهدا في كلّ ميدان، وهو صاحب التّبعات. والمؤمنون هم بناة الحياة، يعطونها المعنى
стр. 45
الوضئ الذي كرّمه الله به، وإلا فهي حيوانية تقود إلى الشّقوة في الدارين.
كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (١٠٢) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً ... وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً ... فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى [طه: ٩٩- ١٢٧] .
وليس كالإيمان بالله تعالى ودينه وحب نبيه ﷺ موقظ للإنسان، وهذا ما يجب أن تسعى إليه العناية بالسيرة النبوية الشريفة، دراسة وتدريسا، قراءة وتحديثا، بحثا وتصنيفا، كتابة وتأليفا وتقديما.
* هذه الدراسة والكتابة:
واليوم لأول مرّة- والحمد لله ، وهذه من نعمه الكثيرة، ومنها كذلك تدريس السيرة الشريفة- أتولّى كتابة السيرة الشريفة، وإعداد جوانب منها في كتاب مستقل. وهو شرف وفضل من الله، أرجو أن يديمه، ويتمّه، ويجعله كتابة منهجية متصلة متكاملة، بجدّ وحدّ معقول ومأمول من الاستيعاب والاستحباب والاستطياب.
ومصادر الكتابة بعد ذلك كلّه، تتطلّب دراسة القرآن الكريم مع التوقف والتركيز والتعمق في مواقع متعددة منه، وكتب السّنّة المطهرة، والسيرة الشريفة، وكتب التاريخ الإسلامي بأنواعه، سواء من كتب التاريخ الإسلامي العام، وكتب التاريخ الإسلامي الخاصّ، التي تنفرد بالحديث عن السّيرة
стр. 46
بكلّ جوانبها. وهي كثيرة متعدّدة، سواء تتناول ما يتعلّق بالأحداث والوقائع أو المغازي والسيرة أو الفضائل والشّمائل والدّلائل (المعجزات) أو الصّفات (الآداب) والخصائص أو المراسلات والعلاقات الاجتماعية والدولية سلما وحربا، وبناء المجتمع وتربية أفراده على المعاني، عقيدة وعبادة وشريعة وأخوة ومحبة وتضحية، والارتقاء به وحضارته وأمته، ونصرة الحق ومقاومة الظلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة، وعلاج مشكلاته وإبعاد آفاته، وتقويم اعوجاجه والانتصار للحق، والخلوص لله تعالى والعمل على تقواه وطلب رضاه، وحمله رايات الإسلام نشرا وبرّا.
مثلما كذلك الاهتمام بالأحوال المتنوعة الخاصة والعامة، في المواضيع الاجتماعية والإدارية والإنسانية والحياتية الحقة الكثيرة المتنوعة، كل ذلك مهمّ تمام الأهمية، وأكبرها تماما.
أرجو الله تعالى أن يوفّق له، بكتابة ممتزجة متناسقة مستوعبة مستقصية، على خير ما يرضي الله تعالى، ويليق بسيرة هذا الرسول الكريم ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين الذي مدحه الله تعالى في قرآنه الكريم وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] . فصلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.
إن تمّ ذلك، فهو توفيق من الله أي توفيق، أدعوه تعالى أن يأخذ اليد بسهولة ويسر، ولو كان المعبر إليه مكلفا، من الجهد والوقت والسهر والنظر والصبر والاحتمال، لكنه كله يهون. وما من موضوع- بعد القرآن الكريم كتاب الله تعالى- أولى منها ذلك كله، أو أكثر منه.
وجعله الله متوّجا بالأجر، مقرّبا إليه وحده سبحانه، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة إليه جدير، وبأوفق صورة من ذلك خبير.
стр. 47
المبحث الثاني السيرة النبوية الشريفة استمرار مواكب وقواعد فهم ثاقب
* الحب الواضح المتجدد
* الخلوص في التوجه والنقاء في التلقي
* سبل التعبير عن السيرة النبوية الشريفة
* السيرة النبوية مشاهد عملية ومواقف حيّة
* معرفة دلائل السيرة المتفردة من خلال تفوقها ومعالمها
* تحقق الإسلام بالسيرة
* القدوة المثالية الواقعية
* نعمة حفظ الله تعالى لكتابه وسنّة رسوله ﷺ
* قادة الأمة والسيرة
* واجبات محبّبة كريمة، وثمار مباركة طيبة
* علماء الأمة هم حماتها وبناة حضارتها
* جمال أمثلة صياغة الحياة، وتفرّد وعمق صبغتها
* علماء الموائد
* السنّة وكتابة السيرة
* من يكتب السيرة؟
* إرهاصات
* أدلة إيضاح وإفصاح
* جيلنا والاهتمام بالسيرة
* واجب العناية بالسيرة
* المسلم ودراسة السيرة
стр. 48
السيرة النبوية استمرار مواكب وقواعد فهم ثاقب عاش الصّحابة الكرام ﵃ معاني السيرة الشريفة، وبها تربوا، فكانوا يقبسونها، ويسيرون على هداها، ويلجؤون لصاحبها ﷺ .
وهم يحيون معه ويلازمونه، ولا يفتؤون يأخذون منه ويقتدون به، في أمور حياتهم- صغيرها وكبيرها- الفردية والأسرية والاجتماعية والإدارية والتعبدية والنفسية والخلقية، وفي مهامهم وذوات نفوسهم، سلما وحربا، في المنشط والمكره، والعسر واليسر، غضبا ورضا، غنى وفقرا.
* الحب الواضح المتجدّد:
السيرة النبوية الشريفة تبيّن هذا بوضوح، بسلوك الصحابة الذي يظهر مقدار حبّهم للإسلام ولرسوله ﷺ .
وكل ذلك جار، وهو عمل اليوم والليلة، سواء في استشارته ﷺ واللجوء إليه، أو في تحرّي أمور الدين. يستفتونه، ويقتدون به، ويهتدون بهديه؛ ليأخذوا بها، التزاما وحرصا ومحبّة. وكله نابع من الإسلام وشريعته، قرآنا وسنّة- وحي الله تعالى- أخلاقا وتعاليم وسلوكا، وتنظيما وتعاملا، لا ينفكون عنها، ولا يرتضون غيرها بديلا ولا عنها تحويلا.
رافقوه ﷺ في كلّ أحواله، خاصها وعامها، خفيّها وجليّها، مع أسرته وخارجها، وصحبوه في سيرته، فتربّوا عليها بيديه وأمام ناظريه وبإشرافه،
стр. 49
في كلّ أحوالهم، يغترفون منها، نهلا وعلّا، ويستضيؤون بها ترحالا وحلّا.
وكلما ألمّ بهم أمر هرعوا إليه، يستظلّون ويستفتون، في كل أمورهم، دقيقها وعظيمها، تمثّلوها ومثّلوها، بل اقتدوا به حتى في مشيته وجلسته، وكل حركاته وسكنته ونومه ويقظته، وذلك كلّه عبادة. وجعلوه أسوة وقدوة، وأحبّوه حبّا عظيما، حتى أكثر من النفس والمال والولد. وبذلك يكتمل إيمان المسلم، والله تعالى يقول في القرآن الكريم: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [التوبة: ٢٤] .
وكذلك يقول عز من قائل: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:
٦] .
فلا يكتمل إيمان المسلم حتى يكون كذلك، وكما قال الرسول ﷺ :
«ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبه إلا لله (تعالى) ، وأن يكره أن يعود في الكفر (بعد أن أنقذه الله منه) كما يكره أن يقذف في النار» «١» ، وفي معناه أيضا: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» «٢» ، وورد عنه ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين» «٣» .
стр. 50
ولما قال عمر ﵁: يا رسول الله! والله لأنت أحبّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال ﷺ : «لا يا عمر، حتى أكون أحبّ إليك من نفسك» قال: يا رسول الله! والله لأنت أحبّ إليّ من كلّ شيء حتى من نفسي، فقال ﷺ : «الآن يا عمر» «١» .
* الخلوص في التوجه، والنقاء في التلقّي:
والسيرة هي التي احتوت الصيغ العملية للإسلام كله، قرآنا وسنّة، وبكل قواعدهما وأسسهما وأجوائهما، شمولا للحياة، وبناء عليها.
ولمّا بعث رسول الله ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن، في السنة التاسعة للهجرة، أوصاه بالأخذ بكتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ والاستمداد منهما.
فلقد ورد عن معاذ أنه قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، قال:
«كيف تقضي إذا عرض لك قضاء» ؟ قال: قلت: أقضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد في كتاب الله» ؟ قال: فبسنّة رسول الله، قال: «فإن لم تجد في سنّة رسول الله» ؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو (لا أقصّر) . قال:
فضرب رسول الله ﷺ صدري، وقال: «الحمد الله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله» «٢» .
стр. 51
فاستقى المسلمون من هذه الينابيع، عقيدة وعبادة وشريعة وتعاليم صافية نقيّة، وأسّسوا أنفسهم وفكرهم وحياتهم عليها، بحيث إنّ الرسول الكريم ﷺ غضب يوما، وحتى تغيّر وجهه، حين رأى شيئا من التوراة بيد عمر بن الخطاب، ففهم عمر ذلك، وقال: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، فسرّي عن رسول الله ﷺ وقال: «وإنه والله لو كان موسى حيّا بين أظهركم ما حلّ له إلّا أن يتبعني» «١» (من عدة أحاديث) . وفي حديث آخر: «لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلّا اتّباعي» «٢» وفي رواية أخرى أنّ عمر بن الخطاب قال للرسول الكريم ﷺ :
إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال:
«أمتهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيّا ما وسعه إلّا اتّباعي» «٣» .
ولقد عاش جيل الصحابة- ﵃ على الإسلام، قرآنا وسنّة وسيرة، ومثّلوها في كلّ أعمالهم وأمورهم، وحافظوا عليها وحفظوها،
стр. 52
بكل طريقة وبسلوكهم، معبّرين عن صدقهم، وحبهم لها ولصاحبها ﷺ .
مثلما ورثوها وبثّوها وربّوا جيلهم عليها موكبا وراية، تعبيرا وهداية، عبادة ورعاية، كتابة وعناية، رواية ودراية، بناء وإعلاء، تتلقّاها الأمة جيلا بعد جيل، وهكذا.
* سبل التعبير عن السيرة النبوية الشريفة:
كان التعبير عن السيرة النبوية الشريفة ﷺ ؛ لعهد الرسالة المباركة والصحابة الكرام والأجيال التي تلتهم، - وإلى أن يشاء الله، في وراثة هذه الأرض ومن عليها- بكل سبيل ميمون.
وكذلك كان تماما الهدف منها، الحرص على تدوين أخبارها ودراستها وتحليلها، من كلّ جوانبها، بعمق وفقه وإقبال وتفتّح واحتمال، في ميادين مدرسة حياتية، يتبنّون معالمها، ويتجوّلون في مرابعها، وبأعلامها يحدون، وبعلامتها يهتدون، وفي دروبها يتواثبون.
وكان حرصهم على ذلك أعلى من أي شيء يملكونه، وأغلى من حياتهم، بل هي كذلك لها فداء، فباركهم الله، وبارك أعمارهم وجهودهم وجهادهم وكافة أعمالهم.
كان ذلك ثمرة لماجرياتها، وتحليلا لصفائها، وفقها لدروسها وعبرها، وتدقيقا لأخبارها، وتعميقا لمعانيها في النفوس، واستنباطا من آفاقها، بشمول وثقوب رأي.
وإنما عبّروا عن معانيها بكل ذلك؛ لأن السيرة النبوية الشريفة- مع السّنّة المطهرة، بجانب كونها المصدر الثاني للتشريع، بعد القرآن الكريم- هي كذلك إيضاح وبيان للإسلام كله. ولقد عرضها القرآن الكريم بصيغة مشاهد وشواهد، في الآفاق والأعماق، موكبا سائرا في الحياة، يواكبه المسلم على الدوام ويشهده؛ ليستمده في حاله وماله، بفهم ثاقب، وفكر نيّر، وقلب مستيقظ، ونفس مطمئنّة إلى الله تعالى، ومتّجهة إليه على الدوام.
стр. 53
فالسيرة النبوية الشريفة شرح عمليّ، وتصوير للقرآن الكريم والإسلام كله، وإمحاض حق أكيد لمضامينه النقية المليئة بالخيرات.
وهكذا يتم بناء الحياة الإسلامية بكل جوانبها وقممها، يقوم عليها كل مسلم- نساء ورجالا- يشيدها حضارة ونضارة، يصونها ويحميها ويعليها.
ويمتد بها آفاقا وأعماقا، تنطلق طلائعها المباركة محمولة، علما وعملا، نورت مجتمعه وربت أرضه وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [النمل: ٧٧] .
فتحملها دعوة وسلوكا ورحمة تمضي بها إلى الآخرين، تقدّمها نقية حيّة إلى أهل الأرض أجمعين وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء:
١٠٧] .
* السيرة النبوية مشاهد عملية ومواقف حيّة:
والسيرة النبوية الشريفة- مقتداة في كل الأحوال والتعامل، ومع كل الظروف والقضايا والأوضاع والألوان- قيادة وجندية، حاكما ومحكوما، فردا وأسرة، مجتمعا ودولة، بكل مهامها الداخلية والخارجية والبناء الاجتماعي للحال والاستقبال. فكانت السيرة النبوية الشريفة هي الصورة والمشاهد والمقاصد والمراصد والمواقف، أقامتها تعاليم الإسلام في القرآن الكريم والسّنّة المطهرة.
والسيرة النبوية الشريفة رسم للإسلام، بأحلى الألوان، وأندى الأنغام، سمتا عمليا قام على البناء الإنساني المثال، المتعدد الجوانب والشامل لمكوناته، ليثمر سيرة وسلوكا، حسبما أراده الله تعالى في قرآنه الكريم، وبينته السّنّة النبوية المطهرة. أوحى الله تعالى الى رسوله الكريم ﷺ هذا القرآن العظيم بنصّه ومعناه؛ حرفا حرفا، وكلمة كلمة، وآية آية، وسورة سورة.
كلها كاملة صحيحة، وحقيقة مجتمعة، وصدق وحق مبين. وثم بما أوحاه الله تعالى إليه من سنّة وتوجيه وتصويب وتسديد في السيرة، وتشريع ودعوة إليه.
стр. 54
* معرفة دلائل السيرة المتفردة من خلال تفوّقها ومعالمها:
كلّ ذلك رسمت السيرة معالمه واضحة، ماثلة للإنسان النبي الرسول ﷺ ليكون قدوة تقتفى في كل جوانبها، باطنها وظاهرها، وكل أفعالها وأقوالها وأمثالها وتقريراتها ومواقعها ومواقفها، وكل أطوار الدّعوة وأحوالها، والدولة ومسؤولياتها والتزاما لها ومواجهاتها ومتطلباتها. وكان ذلك توجيها من الله تعالى ووحيا وأمرا، يجعله وسيرته ﷺ وكل حياته، أسوة حسنة، وقدوة كريمة. مثلما كان القرآن الكريم والسنّة المطهرة تعليمات وتشريعا وأوامر، أنزلها الله، وأرادها أن تكون مثالا وملجأ وصيغا عملية يتبعها الناس، ويقتدون بها، إيمانا وقربى لله .
يقول ابن حزم الأندلسي (٤٥٦ هـ) : (إنّ سيرة محمد ﷺ لمن تدبّرها تقتضي تصديقه ضرورة، وتشهد له بأنه رسول الله ﷺ حقّا، فلو لم تكن له معجزة غير سيرته ﷺ لكفى) «١» .
والسّيرة النّبوية- في ذاتها- واحدة من مجموعة أدلّة على نبوّته ﷺ . ولا يرتقي أحد إلى شيء من هذه الآفاق إلّا بالاقتداء بها، سواء من ناحية معرفتها، أو الأخذ بها، والعمل بمقتضياتها. وهو أمر لا يكون البتة للوصول الى بعض هذا المستوى، والارتقاء بالمعرفة، وتوفّر هذه الصّياغات- إلا باتّباع هذه الشّريعة التي أرسله الله بها.
والحياة كلها- بكلّ خبراتها وأفكارها وخلقياتها، ماضيا وحاضرا ومستقبلا- على ذلك دليل من الأدلة.
إنّ الاقتداء بالرسول الكريم ﷺ واتّباع سيرته الشّريفة الفاضلة الكاملة، التي جعلها الله نموذجا عاليا كاملا وشاملا لشرعه البارّ الكريم المنير، على مدار التاريخ، وتتابع الأعوام، وتعاقب الأجيال، حتى
стр. 55
يرث الله الأرض ومن عليها، هي وحدها سفينة النجاة وموئل الحياة وجمال الحقيقة، هداية وسيادة وسعادة، ولا بديل في كل حال ومال. وفي هذا يقول ابن حزم الأندلسي: (من أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها، واستحقاق الفضائل بأسرها، فليقتد بمحمد رسول الله ﷺ وليستعمل (وليعتمد) أخلاقه وسيره ما أمكنه) «١» .
والإسلام في ذاته- قرآنا وسنّة وسيرة- ملئ بالمعجزات الواضحات المتنوعات، في كل أمر وقضية وحدث، بل هو نفسه يصنع المعجزات، ويضع الإنسان في أماكن فريدة ويحقق كل جديد، لا يخطر على بال أحد بحال، بله أن يعرفه أو يحققه، وصولا إلى موقع فيه أو جلوسا لدى ملتقياته، فضلا عن تواجده عند مرتقى من مرتقياته، أو وقوفا قرب أيّة قمّة من قممه، أو اعتلاء شامخاتها.
* تحقّق الإسلام بالسيرة:
فالسيرة النبوية الشريفة، شرح عملي عميق في واقع الحياة، وتصوير للقرآن الكريم والإسلام كله، في ميادينها كافة، وإمحاض مخلص وأصيل وتطبيقي وحقيقي وصادق وناطق، أكيد وسديد وجديد؛ لمضامين هذا الشرع الحنيف، بقرآنه الكريم- كما أنزله الله وأراده- وبسنّته الصحيحة المطهرة.
وكان من لطف الله تعالى أن الذي أراده الله من هذا الدّين، أسلوبا ووضوحا وثبوتا وشمولا وسعة وامتدادا، كله قد تم وقام في الحياة عمليا وقويا ومهيبا في عهد النبي ﷺ ، كيلا يفتقد أيّ أحد القدوة والمثل
стр. 56
والمثال، في أي موضوع في دعوة ونبوّة ورسالة إلهية، هي خاتم النبوات، ودعوة هي أكرم الدعوات، ورسالة هي آخر الرسالات.
وما دامت هي كذلك، فلا بدّ أنها تحتوي على كل ما تحتاجه البشرية لسعادة الدّارين، في كل زمان ومكان. وتجد- بالأخذ بها- برد الظّلال النّديّة، تحميها من حر الهجير، وتلف الشرود، وتيه الانحراف. وتحسّ بالأنس إلى جوارها من موحشات الحياة، وتفرح بإنسانيتها، وتنجو بها من التشتّت والتّفتّت، وتسعد بورودها، وتنعم بحضارتها الفريدة، ملتصقة بها، محافظة عليها. وتلجأ إليها دوما، وتحيا بها دون تراخ أو انفكاك، وفيها تجد الحل الجميل الكريم كلما عنّت لها مشكلات، أو واجهتها صعوبات، لا تبحث في ذلك عن غيرها، ولا في إصلاح حالها من خارجها. وكذلك تحيا بها في كل أحوالها لتأخذ في طريق الحضارة الإنسانية الفاضلة الكريمة، ترتقي بها في سلّمها الكريم، وآفاقها الرحيبة الوضيئة والروحية المتكاملة القوية.
ولعلّ الأبيات الآتية تعتبر تعبيرا لهذا المعنى:
يا مسلمون ألا أقبلوا ... نحو الرسول وهلّلوا
فهتافه كلّ الورى ... درب الحقيقة ماثل
لتحكّموا شرع الهدى ... فالأرض منه تنهل
اسقوا العطاش مرامهم ... إذ هم بهذا يمتلوا
ولوحده ريّ النعيم ... وبغيره لا تأملوا
وإذا اكفهرّت غبرة ... واسودّ جوّ ممحل
وإذا اضمحلّت خضرة ... إذ زال عنها آمل
أو أقفرت من بلدة ... قد غاب عنها سائل
لا تبحثوا عن غيره ... كلا، عداه قوّل
وما دامت أيضا هي كذلك، فلا بدّ أن تكون من الشمول والاكتمال وعلو المثال ما يحقق كلّ ذلك بأفضل حال، في كل الأجيال، مهما بلغوا من
стр. 57
العلم والرقي والتقنيات، بل يكون ذلك عندها أوضح تأكيد لحاجتها إليه.
وهي تجتذب دوما كلّ أحد. وفيها ما لا يملكه الإنسان ولا يعرفه ولا يصل إليه. إذ بها وحدها يستغني ويغتني ويستعلي عن كل ما عداها، ويستصغر ما سواها، معتزا فخورا مبرورا، مدركا للنعمة، ومقبلا عليها، وبه لا بغيره كانوا الأمة الخيّرة كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] .
يجد كل ذلك في الكتاب مسطورا، حفظه الله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] . مثلما حفظ السّنّة والسيرة. كما يجده في الحياة منظورا بصيغته العلمية والعملية، كاملة متكاملة شاملة، يقتدي بها وينسج على منوالها، في مجتمع أقامه الرسول الكريم ﷺ بهذا الدين العظيم، وهو الذي (كان خلقه القرآن) «١» .
جرى ذلك بوحي الله تعالى وأمره وفضله وقدرته وإرادته ورحمته، ممثّلا في ذلك الجيل المقتدي به والمهتدي بهديه. وقد قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [الزمر: ٢٣] .
والرسول الكريم ﷺ يقول: «أما بعد، فإنّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» «٢» .
стр. 58
ذلك الجيل الخيّر الذي كان وصفا آحادهم فيه بأنه (كان قرآنا يمشي على الأرض) . وكيف لا يكونون كذلك، وهم الذين قد استحقّوا وصف الله تعالى لهم، ومن ماثلهم من الأجيال بعدهم كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] .
وهذه وحدها هي الخيرية المؤكّدة، وبمواصفاتها الملتزمة.
ثم استحقّوا وصف الرسول الكريم ﷺ «خير أمتي (الناس) قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» «١» . وكذلك وصفه ﷺ لهم يوم الحديبية: «أنتم (اليوم) خير أهل الأرض» «٢» .
فالقدوة لكلّ أحد متوفرة فيه، مرسومة معالمها، واضحة الدّلالة، قوية الأصالة، مرتبطة ومعبرة أكرم تعبير، ومتّجهة أفضل اتجاه وأصفاه، ومستمدة من الشّريعة الإسلامية أقوم استمداد، ملتزمة إلى أبعد حدود الالتزام، وأعلاه.
يجري ذلك، ويتمّ في إنسانية كريمة مكرمة، ربانية الوجهة مثالية الواقع عالية واعية، رسمتها السيرة النبوية الشريفة، لتتحف بها الإنسان، صورة مثلى، وسيرة عليا، ونموذجا حيّا فريدا، وقدوة متّبعة، يسير اتباعها في ركبها، علهم يقتربون من آفاقها، وابتغاء العيش في أجوائها، وهو ميسّر الأسباب بفضل الله تعالى ومنّته، لمن نوى وأراد.
* القدوة المثالية الواقعية:
فكانت سيرة الرسول الكريم ﷺ رسما قويا، للنبوة الخاتمة، والرسالة الأخيرة الخيّرة الدائمة، والدين الحق اللازم، والصورة الأخيرة للإسلام؛
стр. 59
الذي أراده الله رحمة للعالمين، وحمله سيّد المرسلين ﷺ إلى الناس أجمعين، في تطبيق معبر، أكرم تعبير، وأفضله، وأوسعه، وأشمله، مما لا يماثله إنسان، بل الجميع لا بدّ أن يقتدي به، ليحيا في ظل شرع الله تعالى الظليل.
وفي هذا الاتجاه الذي سبق، يرد وصف عائشة ﵂ للرسول الكريم ﷺ في فهمها العملي، وفقهها العميق، ورؤيتها الثاقبة، والبصر الواضح، والنظر الكاشف، والبناء القويّ المكين، حين سئلت عن خلق رسول الله ﷺ فأجابت بأنه (كان خلقه القرآن) .
كل ذلك يقوم على وحي الله تعالى- إلى نبيه الكريم ﷺ القرآن العظيم ثم السّنّة المطهرة، يدفعه ويوسعه ويمثله ويتمثله ويشرحه ويقدمه للبشرية كلها رسول الله ﷺ قياما بأمر الله تعالى.
وما دامت السيرة الشريفة هي تطبيق للإسلام- قرآنا وسنّة- وأنها تتسع لكل أمور الحياة، ويجد فيها كل أحد حاجته واستقامته وسعادته، للاقتداء بها في كل حال، لذلك المجتمع المسلم، لا بدّ- وهو كذلك دوما- أن يكون معها، وبها يقوم لزاما.
ومن هنا فإن الأمة المسلمة، بكلّ أجيالها وطوال عصورها وفي كافة بقاعها كانت كذلك. وكانوا لا ينفكون يلجؤون إليها، ووقت الشدائد والأزمات كل يجد فيها ضالته، كما وجد فيها استقامته ورقيه وسعادته.
فهي مرآة ومحثّ وحاد للناس، يتخذونها، ويقتدون بها ويهتدون للسّير في طريق الله المنير؛ الذي أراده لخلقه أجمعين.
وما دامت الأمة المسلمة تحيا بها، وتستظل بأفيائها، وتدعو إلى مثلها، فمن الطبيعيّ إذا ألا تفتأ تعتني بها بكل أسلوب، بجانب هذا الأمر.
وليس يحدث ذلك في دراستها وفهمها فحسب، بل والنظر والاستنباط والكتابة والتأليف فيها، يستخرجون من جواهرها وأجوادها وكرائمها لآلئ جديدة فريدة؛ بأصدافها الغنية بمكنوناتها الجديدة المجيدة الوحيدة. وهي
стр. 60
هكذا دوما تزخر بها، وتذخر، وتفخر، يشدّون بها الأمة إلى دينها، ويجدّدون أمره وأمرها، ويثيرون معانيها حية في نفوسهم. فهو ﷺ خير أسوة والقدوة المثال لكل قدوة بعده ومثال غيره، وهو معنى قول الله تعالى:
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب: ٢١] . ومع وفرة التأليف لدى السّلف في السيرة النبوية الشريفة بكافة جوانبها ومضامينها ومجاليها، فقد أبقوا للخلف الكثير والكثير جدا.
لتسر هذه تربية عميقة، وتروية بالغة، وقاعدة دفّاعة صلبة، وجذورا غائرة، في الجيل المثالي والمثيل، الذي تنظر إليه الأمة الإسلامية، في أجيالها التالية؛ ولذلك وصفه الرسول الكريم ﷺ خير القرون- بذلك الجيل المثال العال- وما يليها، تسري روحها كل أحد، بما تمثّل به من حقائق الإسلام.
* نعمة حفظ الله تعالى لكتابه وسنّة رسوله:
ومن لطف الله تعالى ورحمته لهذه الأمة الخيرة- بالتزامها المؤمن بدين الله، والمعتز بمنهجه وحده، خلوصا وإخلاصا- ولأهل هذه الأرض، أن حفظ الله تعالى كتابه الكريم المنزل، وقيض من يخدم ويدوّن ويحمي ويحفظ سنّة نبيه ﷺ المطهرة، ويسجل كلّ تفاصيل ودقائق وحقائق وأنفاس سيرته النبوية الشريفة ﷺ .
وكلما عاشت الأمة المسلمة في كل الدائرة المنيرة، اتّسمت بالخيرية استمدتها صافية من هذا المنهج، وارتوتها زلالا من النبع الأصيل- كانت بها حقيقة ولها دقيقة وفيها متمتعة، وستبقى الأمة المسلمة تعيش كذلك، إن شاء الله، مهما تفاوت الأمر، وتردّد.
وكلما انحرفت، إليها تؤول، وكلما التاث أمرها إليها تفيء، ومهما ألمّ بها، بنورها تجدّد، وعلى طريقها تردّد. وما أكثر ما حدث ويحدث
стр. 61
ذلك، وتلك سنّة الله التي لا تتغير وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٦٢] .
ولكن كلما تغيب تشرق من جديد هذه الروح، تقدّم ذلك بصفات أفراد قادة، مجهولين أو ظاهرين، أو جنودا يعومون أو ينغمرون، يدعون إلى الله فيتكوّن التيار، تتدفق منه الأنهار، صافية منسابة، تحمل الخير إلى الأرض لتغرسها فيجتنى منها أحلى الثمار، ينعم بها كلّ أحد بلا استثناء، كما جرى ويجري في التاريخ البعيد والقريب، وهو أمر واضح معروف ومشهود.
* قادة الأمة والسّيرة:
وأسفرت الأمة الإسلامية بقادة من كلّ لون، وأزهرت بهم الحياة، حكاما وعلماء وقادة وبناة وقضاة ودعاة، من هذا اللون يبنون في ظلال هذه المعاني. هؤلاء القادة من كل لون، هم القادة الحقيقيون.
والعلماء كانوا بالقيادة أملا وعملا، وللمجتمع موئلا وللجماهير حداة ومثلا، وفي الميادين والملمّات كان أحدهم فارسا وبطلا. والعلماء والقضاة والفقهاء منائر هذه الأمة وماثرها ومفاخرها ومعالمها وحماتها.
ومن النكبات أن تصاب هذه الأمة في علمائها، ولذلك فهم بالذات دوما كانوا- ويكونون- الهدف، يطلبهم الأعداء؛ لأنّهم حداة مواكب الخير في طريق الله المنير، ورعاة مراكب النجاة في ظلمات البحر الكبير، بما حافظوا كلمة الله تعالى، يبينونها للناس، ويحملونها في نفوسهم التي استرخصوها، جهادا وجلادا، لرفع راياته خفاقة لتبيّنه للناس.
والأمة عرفت قدرهم، وأسلمت مقودها لزمامهم، وملّكت أزمّتها أيديهم، أطاعتهم وأعطتهم ووقفت معهم، وما أكثر الأمثلة على ذلك! امتلأت بها بطون الكتب وسجلّات أيامه الغابرات والحاضرات، وكذلك المستقبلات، إن شاء الله وبعونه. كان ذلك واضحا وخالصا
стр. 62
وحثيثا لإعلاء كلمة الإسلام في كل عصر ومكان. وفي مختلف الظروف احتملوا الأعباء، وصبروا على البلاء، وتقدّموا لا يأبهون لطغيان العملاء، رفعوا أيديهم الأمينة القوية عالية يحملون اللواء.
ونتيجة لهذا الحرص على كل معاني الإسلام وتمثيله، وطاعة لله تعالى وعبادة له، كان مثله حرصهم على جمع السيرة وكتابتها، وتدقيق أخبارها، والسعي لتدوين وجمع كل ما يتعلق بها.
ولا يستطيع خدمة السيرة النبوية الشريفة وإتقان هذه الخدمة وإحسان تصويرها وتسطيرها، بشكل أصيل ودقيق وعميق، إلا من كان كذلك.
يفعلونه حبا لله تعالى وتقربا إليه وطاعة، وحبا لرسوله الكريم ﷺ ، وبه يقتدون. وهم الذين تقدموا لكل واجب، خدمة وتضحية، ومنها الحفاظ على دين الله بكل طريق- وعلى سنّة رسول الله ﷺ وسيرته، بكل ما تقتضيه، ومنه النهوض لدراستها، ونقلها، والكتابة فيها.
* واجبات محبّبة كريمة، وثمار مباركة طيبة:
وكانت تلك هي الكتابات الجيدة المعتمدة المعتدة الموثقة الباقية، لا يعرفون غيرها، وحسب ما توفر لهم من الإمكانيات، وجعلوا من تلك الكتابات الجيدة- للسيرة الشريفة وغيرها- العامل المنير الخير، مهمة أساسية للمسلمين، لتربيتهم على معاني الإسلام، وهي القصد القصيد منها.
إنّ الذين كتبوا في السيرة الشريفة، وعموم التاريخ الإسلامي، كانوا يعتبرون ذلك واجبا إسلاميا، وهو عليهم فريضة ووسيلة إبلاغ. وكانوا يبتغون الأجر والقربى بها عند الله تعالى، وهي عبادة.
وكانت متنوعة الثمار، وما كان لله فهو مبارك كثير الثمار، طيبة الأشجار، زاهية الأزهار، بعضها محسوب ومرقوب ومرغوب، وبعضها غير مرقوب ولا محسوب، وهو كذلك طيب ومطلوب. بذور تلقى إلى
стр. 63
أرض خصباء تملأ الأجواء بكل نماء والعطر والحناء، تقوى وتأبى على كل التواء وعناد وأهواء.
ولعلّ من تلك البركة الربانية والعناية الإلهية والرعاية؛ التي أرادها الله، والهداية التي اقتضتها حكمته، والحماية التي توفرت، والهمة القوية الواعية التي امتلكوها وقدّموها، أن المكتبة الإسلامية- وإن أصابها الكثير من الكوارث والنوازل- مما بعضه يمحقها؛ وقد بقي الكثير الكثير من النتاج الإسلامي العزيز الغزير عبر القرون والشجون ذات العداء واللأواء، خلال الجسور والطرق والمعابر والحمائل، غير المنقطعة في كل الظروف، وبرغمها فهي متينة أمينة، ليصل إلينا. وأحيانا على خيط رفيع لا يحتمل مثله، لولا لطف الله الذي به كان هذا النتاج، أقوى من كل القوى المحيطة المتلهفة على طمسه، بل وتغييبه وإتلافه.
فكان عمل أولئك المسلمين كله لله تعالى، حصولا للأجر، وأداء للواجب، وإبراء للذمة، وقياما بالدعوة، وحملا للمهمة، وتقديما لواجبها؛ بإقدام وتضحية وتفضيل، وعند الله الجزاء. فالخلوص أساسيّ، ومسارب التأثير والأجر متعددة، وبعضها محسوب، وبعضها غير محسوب.
إنّ طبيعة الإسلام تنمّي الطاقة وتفتقها، وتفتح آفاقا نفسية وتبني وتزيد كل قابلية، وتؤسّسها وتنميها. ومنذ عرف المسلم الإسلام اعتناقا واقتناعا، بات في جهاد بالنفس والمال، وإنفاق وعمل غير كليل، ودأب دائم وأصيل.
والإسلام وحده الذي يا بني الحياة بدقة وأصالة، ويعطيها بلا بديل، غير ما عند الله تعالى من رضا وقربى وحسنى وأجر وثواب إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً [الإنسان: ٩] جعله بعيدا عن أنانية أو نفعية شنشنة بني البشر- يتقدّم للعطاء، ويعمل للبناء. فهو ابن الحياة البارّ، يبنيها بصادق العمل، ويزيّنها بسلوكه الباسم الكريم.
стр. 64
وهكذا تكون حياة المسلم الحق، يدّخر الخير والحبّ، ليا بني مجتمعه النظيف، بإيمان عميق، وطاعة وتحرّ واقتداء، يمنحه قوة عجيبة؛ ليقوم على نفس متجدّدة متولدة، نورانية كالضياء باهية كالماء، صافية هي كالهواء العليل، نديّة قوية تحمل اللواء.
* علماء الأمة هم حماتها، وبناة حضارتها:
وعلماء هذه الأمة الإسلامية الخيرة الخيرية، أنصع وأروع وأقوم وأكرم من في المجتمع النظيف الكريم، وأكبرها طاقة، وأوسعها إقداما، وأمضاها جهادا، وأرغبها في التضحية والفداء. وإنه لمن المستغرب حقّا كيف يمكن أن يجمع المسلم بين التزامه بالإسلام وبين المعاني والمسالك والظواهر والدوافع التي لا تمت له، تلك التي لا تفتأ تقتل فيه الروافد وتمنع إنبات البذور وإثمار الأشجار، وتحجب عن نفسه وفكره وتصوره ومسلكه حقائق الإسلام الخيرة. كما تلمس لدى البعض ممّن حملوا العلم في أزمان مضت- كعلماء بني إسرائيل، وأمثالهم من الأمم الآخرى- وفي هذا الزّمان الذي نحياه.
وطوال عمر الحضارة الإسلامية، لم تصف هؤلاء- الأدعياء البؤساء- بالعلم، لكنهم غمروا فلا يظهرون، واندحروا فما يتقدمون. ومهما يكن من أمر فهم عند الله تعالى لا يزنون، بل آثمون ومحاسبون.
وفي هذا العصر نلمح ذلك من بعض من حملوا العلم، من الذين شغلتهم مصالح دنياهم وشخصهم ومطامعهم ومنافعهم وأنانيتهم وماليتهم وشهرتهم، عن رضا الله تعالى، وعن حسابات الآخرة، وموازين الشريعة.
هؤلاء لا يؤتمنون على كتابة السيرة النبوية الشريفة وبقية التاريخ الإسلامي، ولا أي من فروع الدراسات الإسلامية، تأليفا أو دروسا أو تحاضرا أو مجالسا أو تقديما أو شرحا أو تناظرا منها.
стр. 65
فلا بدّ بعد النصيحة- إن لم يستفيقوا، أو يستقيموا- أن ينبذوا، وتعرف أقدارهم، بعد ما خابوا أو فشلوا، في مواقف كانت تنتظر، ممن حمل علمهم. ولا يغير من الأمر ندبهم وبكاؤهم، إلا أن يعلنوا توبتهم عن مقالهم وإدانتهم لذلك الماضي الثقيل الذليل؛ الذي يرفضه الإسلام، وأن تظهر لهم مواقف كريمة مخلصة خالصة.
* جمال أمثلة صياغة الحياة وتفرّد وعمق صبغتها:
وإن الذين صاغوا الحياة الإسلامية، وحموا الإسلام، وحملوا دعوته، هم الذين دوّنوا هذه العلوم، واعتنوا ببناء الحياة على الإسلام، قرآنا وسنّة- حديثا وسيرة وشمائل- وفقها وشريعة. وكان في هذا- كل منهم- على ثغرة في العلم والعمل. وهما في ضمير المسلم وحياته متلازمان، وما عرفوا العلم إلا كذلك ولكليهما. بل هم الذين رفعوا راية الجهاد والاستشهاد، كانوا أمثلة في الحياة والممات. والاطلاع على السيرة النبوية الشريفة يقدم الأمثلة الفرائد والشواهد الشواهق في كل الميادين، سلما وحربا، نساء ورجالا وأطفالا، وعجائز وشيوخا.
والحياة الإسلامية مليئة بأولئك الذين خدموا السّنّة والسيرة النبوية كلهم بالاقتداء، وبثّوها بالتدريس، ودوّنوها بالتأليف. وهناك العديد من علماء السيرة المشهورين الذين عرفوا بذلك، سواء أفردوها بالتأليف، أو ضمن مؤلّف عام، أو خصّوا الحديث عنها في جانب من جوانبها، تفصيلا أو اختصارا، أو مبثوثة هنا وهناك من مؤلفاتهم. وإن كثرة منهم من علماء الحديث ورواته والفقهاء والعلماء، في مشرق العالم الإسلامي ومغربه سواء. والأمثلة على ذلك كثيرة.
فمنهم ابن حزم الأندلسي (٤٥٦ هـ) وأبو عمر يوسف بن عبد البرّ (٤٦٣ هـ) وأبو علي الصّدفي- الذي استشهد سنة (٥١٤ هـ) - وأبو الربيع سليمان بن سالم الكلاعي- الذي استشهد سنة (٦٣٤ هـ) - وكل هؤلاء
стр. 66
أندلسيون. والشيخ ولي الله الدهلوي الهندي (١١٧٦ هـ) والإمام المجاهد الشهيد أحمد بن عرفان الهندي (١٢٤٦ هـ) .
فهؤلاء وأمثالهم، من قوافل كثيرة، طوال العصور والأجيال، هم بناة الحياة الكريمة الفاضلة. فكم لهم من وقفة للحقّ ناهضة، وللخير هارعة؛ بذلا للمال وإقداما بالنفس في كل حال. وكم في ذلك من بطولات وفروسيات حقة. وآخرون كثيرون قطّعت أجسامهم فما بدّلوا، وانفصلت أعضاء من أبدانهم فما تركوا ميدانهم، وأثخنت جوانبهم جراحات غائرة، وهم مقبلون وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٦] .
تلك بعض نوادر الذين تربّوا على الإسلام في جوّ السيرة النبوية الشريفة، واغتذوا من ينابيعها الصافية الزّلال، ونموا في أحضانها الحنون، وجلسوا إلى مائدتها الطيبة الزاهية العبقة، في عصرها وما تلاها من عصور، وحتى يومنا هذا وما يتلوه ويتلوه.
والأخيار هم في كل مكان، وهم الأمناء على كل شيء، مما يخصّ هذه الأمة، وهم حماة شريعتها يفتدونها، ويتولون شؤونها، ويرعون أمورها.
* علماء الموائد:
أما علماء الموائد والموالد والمصائد أو المناكب أو المصاعب أو المصائب؛ الذين حازوا علما اتّجروا به، بل ونادوا عليه بيعا وشراء، مبخوسا ومنقوصا، وتقرّبوا به إلى حاكم أو سلطان، أو تاجروا به بين الناس؛ الذين يصدرون الفتاوى ويبيعونها، فليسوا بالعلماء المعدودين المؤتمنين الموثوق بهم.
ألا ما أرخصهم، وأرخص الثمن الذي باعوا به علمهم، وادّعوا على الله ما لم ينزّل به سلطانا، في كلامهم ومواقفهم، وفشلوا في سلوكهم الذي أخزاهم في الدنيا مثل الآخرة، ليسوا هم بعلماء، بل هم حلفاء السوء،
стр. 67
وأجراء الطواغيت، وخدمة الباطل، ومطايا المنافع. هم أبعد الناس عن استحقاق لقب العلم والعلماء، فلا بدّ أن ينبذوا.
فإن فشلوا هم في تمكين هذه الدعوة من نفوسهم، وإظهار صورها في حياتهم، فالله تعالى لا يبارك لهم عملا ولا قولا، مهما ادعوا، وتباكوا، وعلت أصواتهم، وبحّت حناجرهم لتعويض ما فاتهم، إلّا أن يتوبوا توبة نصوحا، تجدد لهم مواقفهم المأمولة من علمهم. وما عدا ذلك فلا ينفعهم، مهما اتسعت دروسهم، وزادت مؤلفاتهم. وهؤلاء غير أمناء على الشريعة وحقائقها، ولا يصلحون لكتابة أي شيء إسلامي أو تاريخه، والسيرة النبوية الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- وكل أمور الإسلام، أكرم من أن يكتب فيها هؤلاء وأمثالهم.
* السّنّة وكتابة السّيرة:
وفي أضواء قواعد تدوين الحديث الشريف، وأحضان مناهجه العلمية، كانت كتابة السيرة الشريفة ونشأتها وامتدادها وتدريسها ومؤلفاتها، وكذلك عموم التاريخ الإسلامي.
ومن هنا تأتي الدعوة إلى كتابة السيرة على قواعد علوم السنّة والحديث.
وكم من المحدّثين أنفسهم هم الذين تولوا ذلك! ومن السيرة الشريفة نشأت كتابة التاريخ الإسلامي، وفي حضنها نبتت، وفي ظلال السّنّة المطهرة قامت، وابتدأت، وسارت كريمة عزيزة قوية أبية متقدمة.
وإن الذين خدموا هذه الأمور- ومنها التأليف في السيرة النبوية الشريفة- كانوا أوفى الناس وأبرّهم، وكانوا في المجتمع أعلاما وأذكياء وأبطالا ومربين، طبعوا بكلّ ذلك حياتهم.
لقد عوّدنا هؤلاء أنهم كانوا يموتون في الجهاد، ويقدمون على الاستشهاد، ويدعون الله تعالى أن يموتوا شهداء، أو في مدينة رسول الله
стр. 68
صلى الله عليه وسلم: (اللهم موتة في سبيلك، أو في مدينة رسولك) «١» .
أو إن بعضهم كان يجلب له شيء منها، أو ثوب يأخذه بنفسه، أو يوصيه ويغسله بماء زمزم يدّخره، أو يجمع فيه تراب غبار الجهاد؛ ليكون كفنا يتبرك فيه.
وقيادة العلماء للحياة والمجتمعات، ورفع راية الجهاد والبذل والفداء، قضية معروفة في كل العصور، وكم في عصرنا الحاضر على ذلك من شاهد وشهيد!
* من يكتب السيرة ؟
وكل هؤلاء العلماء الأفاضل، والفقهاء الأماثل، والمجاهدين البواسل؛ الذين كتبوا في السيرة كتبا مستقلة، أو فصولا فيها، أو تناولوا أي جانب منها، استقلالا أو اشتمالا، هم المرجوّة والمندوبة نتاجاتهم لهذا العمل وأمثاله من الأعمال؛ التي تليق بهم، ويليقون بها، بجدارة واستحقاق.
هؤلاء وأمثالهم، هم أقدر على كتابة السيرة، وأولى بها، وأحفظ لها، وأعمق فقها، وأروع تصوّرا. وهم الذين يجيدونها ويفهمونها ويحسنون روايتها ودرايتها، وهم مؤتمنون عليها، موثّقون فيها، متعمّقون في أغوارها، متفهمون ومتمثلون مراميها، يمكنهم أن يرسموها بكل سبيل، بعد ما نجحوا في رسمها سلوكا وبأكبر دليل.
ورسم السيرة النبوية بالسلوك هو المبتغى والهدف مما يتعلق بهذا الأمر وغيره من أمثاله، ولذلك فحين سئلت عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ وأخلاقه قالت: (كان خلقه القرآن) .
стр. 69
أما الذين يعادون الإسلام، أو يوالونه اسما ومهنة، أو تخصّصا، أو تاريخا، أو جغرافية، وينحرفون عنه، تأويلا أو تبريرا، فهؤلاء يرمى نتاجهم؛ لأنه سموم، أو شموم تثقل، لا يعتمد عليها، ولا يؤخذ منها، أو يغدو غير ذي جدوى ولا جدير بالاعتبار.
ولا مانع من الاطلاع عليها ومتابعة تراكماتها؛ لمعرفة ما يقولون، لكفّ أذاهم، وردّ شبهاتهم، مثل كتابات المستشرقين، أساتذة هؤلاء؛ الذين كانوا تلاميذا أشدّ منهم على السّيرة الشريفة والتاريخ الإسلامي والقضايا الإسلامية. وأحيانا بجهل، ووقاحة، وادعاء أشد وأنكى؛ لذلك آن الأوان- وقبل الآن- لإحلال غيره من كلّ نتاج، نقيّ اليد والوجهة والسلوك.
بل حتى المخلصين الحريصين، وربما متفقهين، إن لم يكونوا كما وصفت المسألة وتبينت وثبتت، فليس لهم ولا بهم حاجة أن يكلّفوا أنفسهم هذا العناء؛ لأنهم لا يجيدون ذلك، ولا يمكن تقديم الصورة الكريمة اللازمة، وليس جديرا، إذ قد فاتتهم شروط أخرى لازمة ومهمة، لا تقلّ أهمية عن المعرفة والفقه فيها، بل قد تزيد عليها مرات.
حين يكون السلوك الإسلاميّ سطحيا، والاهتمام بالظواهر لا يتعداه، فسيجلب ذلك انحطاط الحقائق عمدا أو سهوا أو ضعفا أو عجزا وهزيمة.
وإغماض أو إغماط الوقائع مهما كانت جهيرة منيرة- ويكون بدون جهل- فهذا نفاق وخداع ودغدغة، رغم الصيحات يكون عند أهله وعند أصحابه أسلوبا عاما في تناول الأشياء. وهذا يخصّ- من السلف- الحكّام والمسؤولين، وممن حملوا العلم، وملؤوا مراكزه بغير حقّ، وهم جهلة مهما شغلوا من المناصب حتى العلمية وذات الأهمية، توجيها وتنفذا وتنفيذا.
والخلقية الإيمانية مسألة كلّية، كما أنّ الإنسان وإن تخصصت أجهزته البدنية فهي لا تنقطع، ومثله كذلك هذه الأمور: «ألا وإن في الجسد مضغة
стр. 70
إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب» «١» .
فهؤلاء الذين حملوا العلم ولم يقدّروه قدره، وابتغوا به الدنيا، وخافوا لومة اللائمين من عباد الله، لا يصلحون للتوجيه والكتابة، والله تعالى محاسبهم ومجازيهم، وعلمهم وحذلقتهم وفيهقتهم لا تنفعهم شيئا، بل هي حجّة عليهم، ومجلبة لغضب الله تعالى وسخطه وعذابه الذي يستحقونه لهم، ولا تنفعهم أحبولات صيحات المدافعين بالانتفاع بعلمهم دون فعلهم، فعلمهم مثل فعلهم غير مقبول وحجّة عليهم، والله تعالى معذّبهم به، كما ورد في القرآن الكريم، والحديث الشريف.
فالله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ [الصف: ٢- ٤] .
ولقد اعتبر الرسول الكريم ﷺ المسلم مفلسا إذا لم يلتزم بالخلق الإسلامي، وإن صام وصلى، وجعلهم أبعد الناس عنه ﷺ يوم القيامة.
بينما جعل الملتزمين أحبّهم إليه، وأقربهم منه ﷺ في يوم القيامة «٢» . وفي ذلك أيضا يقول الشاعر الفقيه:
وعالم بعلمه لم يعملن ... معذّب من قبل عبّاد الوثن
إنّ الذين يمكن أن يكتبوا السيرة النبوية الشريفة، والتاريخ الإسلامي، ويؤلفوا في العلوم الإسلامية عامة- والتاريخ الإسلامي واحد منها- لا بدّ أن يكونوا ممن وصف الله بأنهم لا يخافون في الله لومة لائم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ
стр. 71
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:
٥٤] . كما جعل الرسول الكريم ﷺ الجهاد ذروة سنام الإسلام «١» ، وأقوى تضحية له.
وكان أحدهم يدعو الله- بتواضع- أن يوفّقه لخدمة هذا الدين، ويعتبر ما يكتبه يدّخر له به الأجر عند الله تعالى مدخرا، وأن يكون عمله لله خالصا، وأن مداد العلم الذي يكتب به بالقلم مثل نزيف جرح طاهر في ميدان الجهاد يجري منه الدم.
وهكذا كان العلماء في كلّ عصر، تتساوى عندهم الحياة والممات، ويقدّمون ما هو أنفع لدين الله، ويفضّلون الحياة أو الموت، أيهما أفضل لخدمة هذا الدين سواء بسواء. وإذا كان الموت كذلك، فهم يقبلون عليه، ويطلبونه، ويعتبرونه الفوز والطريق إلى الجنة (احرص على الموت توهب لك الحياة) «٢» .
وهذا لا يمكن أن يكون إلا بتربية ومجاهدة وعيش مع القرآن الكريم وسيرة رسول الله ﷺ وسنّته المطهرة، بإيمان، وحب يملؤه، وينعشه، ويحييه، ويحرّكه، ويطير به في الآفاق العليا، سامية كالسماء.
وهؤلاء العلماء عوّدونا أنهم كانوا يتبركون بالكتابة في الإسلام، ودراسة القرآن الكريم، والكتابة في سيرة الرسول ﷺ ، وسنّته المطهرة.
ولذلك كان الإمام البخاري (٢٥٦ هـ ٨٧٠ م) ﵀، بعد ما يدوّن كل حديث، يصلي ركعتين لله تعالى شكرا «٣» ، على أنه أنهى واجبا تعبديا، وأنجز مهمة إسلامية، يتقرّب بها إلى الله في خدمة حديث رسول الله ﷺ .
стр. 72
ولا فرق كبير- إن وجد ذلك- بينه وبين السيرة الشريفة؛ التي كانت جزآ من السنّة المطهّرة، وهي متداخلة معها، أو مستوعبة لها باعتبار.
إن كتابة السيرة الشريفة لا بد أن يتولاها الذين تمثّلوها؛ ليقدّموها للجيل، نقية حية متمثّلة، يتعلّمونها، وينقلونها صورا مسطرة وقائمة في الحياة، ابتداء من نفوسهم.
والذين فشلوا في تمثيلها، وتصويرها في حياتهم، بجانب عدم أمانتهم فيها، ولا شجاعتهم في التحدث بمواقفها، ويؤوّلون أحداثها، ويفسّرونها لتبرير مواقفهم؛ فإنهم سيلوون أعناق الأحداث والنصوص بعد ما لووا أعناقهم، وليلووا أعناق الآخرين. وهم بعد ذلك أو قبله لا يستطيعون الغور في معانيها، وفهم مضامينها، وتصوّر مراميها، والوصول إلى أعماق مدلولاتها القريبة، فضلا عن البعيدة.
ولا بدّ لكتابتها من استيعاب ذلك قولا وعملا، ثم كتابة وتدريسا وتحديثا تأليفا ومتابعة، أو تقديما وتعميقا. وحصول هذا اللون من الفهم الجدير أو الجديد- أحيانا- المنير من بركات الالتزام، وامتداد طبيعته، وقوة مرتكزاته، ومؤهّلات صدق الإقبال عليه.
وإنّ الله تعالى يقيّض في كلّ عصر من يتولى هذا الأمر بحقّه، بل قد كتب في ذلك غير المسلمين، من أمثال أحد المؤلفين الأمريكيين الذي ألف كتابا عن مئة من الأعلام في التاريخ أثّروا في الحياة، وما زال أثره في البشرية أكثر وأكبر، فاختار أولهم رسول الله ﷺ .
وكذا فإنّ من غير المسلمين من يعينون أحيانا على بيان حقائق الإسلام وسيرة رسول الله ﷺ ويعجبون بها، مما يعتبر ذلك للإسلام نصرة وعونا في نشر الإسلام، وإن لم يسلموا لأي سبب- أو هم أضمروا إسلامهم- ولعل ذلك باب لإسلامهم، فيما بعد.
стр. 73
* إرهاصات:
ألا يمكن اعتبار مثل هذه الأمور- رغم وضع المسلمين وحالهم- علامات تشير إلى مستقبل هذا الدّين؟! وإن هذه المواقف، ممن ليسوا مسلمين من بلدان التقدم العلمي والعمران المدني، وهم من علية القوم فيهم، إنها إرهاصات لمستقبل الإسلام، تذيب جدران الشرك والوثنية وبعضها بأيدي أهلها وبلادها- لتفتح الباب أمام الدعوة الإسلامية إلى بيانه، والاقتناع به، واعتناقه؟!
وكم كان هذا طريقا لاعتناق الإسلام فيهم، مثلما جرى مع العديد من الأدباء والكتاب الأوربيين والغربيين والشرقيين؛ الذين ألّف كلّ منهم كتابا بلغته عن الرسول ﷺ فاعتنق الإسلام.
إن الدعوة الإسلامية اليوم هي دعوة العصر، رغم كل القيود والسدود والاضطهاد والمطاردة، في الداخل والخارج، ومهما تكاثروا عليها، وما ذلك إلا لشعورهم بأنها كذلك. والعمالات المتنوعة التي تملّكت القوى والوسائل لترى ازدهارها واندحارها هي، أمام هذه الدعوة الكريمة بقوة الإيمان القوي المتدفق المتجدّد الوضئ.
قارن بين وضع دعوة الإسلام اليوم وقبل نصف قرن أو يزيد، حتى ليصبح أمر الإسلام هو الوحيد، تطارد دعوته فلول الظلام، وهي في عنفوانها، وهو مجرد مأسور أعزل، لينتصر بعون الله سبحانه تعالى، والأدلة حولنا تكثر وتزيد.
وانظر إلى ما يجري في العالم شرقه وغربه من عجز أنظمته عن حلّ مشاكل الحياة الإنسانية، والارتقاء بها إلى الآفاق الكريمة.
* أدلة إيضاح وإفصاح:
وقل مثل ذلك في الغرب بما ادعاه، وإن كانت هنالك فروق ...
стр. 74
الغرب وحضارته مهدّدة اليوم بالانهيار؛ الذي بدت نذره واضحة لكثير من زعمائه وعلمائه وعقلائه، سواء السياسيين والاجتماعيين والعلميين؛ الذين ما فتئوا يحذّرونه من ذلك، مثلما حدث لحضارات أسلافها وامبراطوريات أمثالها، مما عدّ أكبر إمبراطوريات التاريخ العتيدة وحضاراتها، كاليونانية (الإغريقية) ووريثتها الإمبراطورية الرومانية (شرقا وغربا) ثم الفارسية.
والحضارة الحالية تجري مجراها، ومهما امتلكت من إيجابيات- قد تؤجّل انهيارها- لكنها في النهاية لا تستطيع الإفلات من مصيرها المحتوم.
فهي تحمل في طياتها عوامل الانهيار والاندثار، ويوم تذهب- بإرادة الله تعالى- لا تخلّف وراءها غير سجلّات التاريخ التي دوّنت أخبارها، كما جرى لمن مضى وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [الرعد: ٦] «١» .
إن للحياة سننا ونواميس وقوانين، خلقها ويجريها الله سبحانه بإرادته، بلا تبديل ولا تحويل فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: ٤٣] وهذه السّنن الإلهية هي التي لها وحدها الحتمية.
وكم من أمم في التاريخ سادت بقوتها، وتغلبت بأجنادها، وتحكّمت بسطوتها وتسلّطها، لقرون عدة، ثم لم يبق منها غير أخبارها وآثارها، بل وربما أساطيرها، وحسبها ذلك وزيادة.
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً [فاطر: ٤٤] .
وظنّي أنّ أحد أسباب غلبة هذه الحضارات الجاهلية المعاصرة، وتوليها
стр. 75
الزّمام اليوم، وتحكّمها في الرقاب- إن لم يكن كلها- هو الغياب الإسلامي، يواجهها، ويظهر عوارها وعورها، وينهيها؛ لذلك فهي تحارب الإسلام بكل قواها، وبكافة الأساليب الخفية والجلية، وتتعاون في ذلك متحالفة، واقفة في وجهه، وهو ما نشاهده من هذا التقارب والتالف بل والامتزاج، هو كالزواج بعقد سفاح- بين الصهيونية العالمية والصّليبية العالمية.
وذلك كله تراه رغم تناقضاتها وعداواتها وتناحرها، فالكفر ملّة واحدة؛ لأن ظهور الإسلام، وقيام مجتمعه وحضارته يعجل بها- كما جرى لأمثالها- بل ويعمل لتواريها- لعجزها وضعفها أمامه- فلا تثبت له فواق زمن، وبذلك تغدو كأمس الدابر، أو تصبح أثرا بعد عين.
وغير بعيد عنا أخبار ما جرى لأكبر إمبراطوريتين في العالم يومها (الرومانية- الرومية- والفارسية الساسانية) ، وكيف واجههما الإسلام في عين الوقت، في العقد الثاني من الهجرة النبوية الشريفة، بحفنة من جند الله الأخيار، فزالتا من على وجه الأرض وإلى الأبد. وتلك سنّة الله في مصارع الضالين، ونصره المؤمنين بدعوته أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ «١» [الرعد: ٤١] .
وقد أخبر الرسول الكريم ﷺ قبل حدوث ذلك كله وببضع سنين، بما علّمه الله سبحانه، وأوحاه إليه، يوم لم يكن في الأفق ما يدعو له أو يشير إليه، حتى لقد تعجّب فرحا متأكدا موقنا من سمعه من الصحابة الكرام ﵃ أجمعين، حين قال ﷺ : «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده! لتنفقنّ كنوزهما