← Сира

Сира · id 9897

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها

عبد الرحمن علي الحجي

Полный текст (440 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة: ٥٤] . كما جعل الرسول الكريم ﷺ الجهاد ذروة سنام الإسلام «١» ، وأقوى تضحية له. وكان أحدهم يدعو الله- بتواضع- أن يوفّقه لخدمة هذا الدين، ويعتبر ما يكتبه يدّخر له به الأجر عند الله تعالى مدخرا، وأن يكون عمله لله خالصا، وأن مداد العلم الذي يكتب به بالقلم مثل نزيف جرح طاهر في ميدان الجهاد يجري منه الدم. وهكذا كان العلماء في كلّ عصر، تتساوى عندهم الحياة والممات، ويقدّمون ما هو أنفع لدين الله، ويفضّلون الحياة أو الموت، أيهما أفضل لخدمة هذا الدين سواء بسواء. وإذا كان الموت كذلك، فهم يقبلون عليه، ويطلبونه، ويعتبرونه الفوز والطريق إلى الجنة (احرص على الموت توهب لك الحياة) «٢» . وهذا لا يمكن أن يكون إلا بتربية ومجاهدة وعيش مع القرآن الكريم وسيرة رسول الله ﷺ وسنّته المطهرة، بإيمان، وحب يملؤه، وينعشه، ويحييه، ويحرّكه، ويطير به في الآفاق العليا، سامية كالسماء. وهؤلاء العلماء عوّدونا أنهم كانوا يتبركون بالكتابة في الإسلام، ودراسة القرآن الكريم، والكتابة في سيرة الرسول ﷺ ، وسنّته المطهرة. ولذلك كان الإمام البخاري (٢٥٦ هـ ٨٧٠ م) ﵀، بعد ما يدوّن كل حديث، يصلي ركعتين لله تعالى شكرا «٣» ، على أنه أنهى واجبا تعبديا، وأنجز مهمة إسلامية، يتقرّب بها إلى الله في خدمة حديث رسول الله ﷺ .

стр. 72

ولا فرق كبير- إن وجد ذلك- بينه وبين السيرة الشريفة؛ التي كانت جزآ من السنّة المطهّرة، وهي متداخلة معها، أو مستوعبة لها باعتبار. إن كتابة السيرة الشريفة لا بد أن يتولاها الذين تمثّلوها؛ ليقدّموها للجيل، نقية حية متمثّلة، يتعلّمونها، وينقلونها صورا مسطرة وقائمة في الحياة، ابتداء من نفوسهم. والذين فشلوا في تمثيلها، وتصويرها في حياتهم، بجانب عدم أمانتهم فيها، ولا شجاعتهم في التحدث بمواقفها، ويؤوّلون أحداثها، ويفسّرونها لتبرير مواقفهم؛ فإنهم سيلوون أعناق الأحداث والنصوص بعد ما لووا أعناقهم، وليلووا أعناق الآخرين. وهم بعد ذلك أو قبله لا يستطيعون الغور في معانيها، وفهم مضامينها، وتصوّر مراميها، والوصول إلى أعماق مدلولاتها القريبة، فضلا عن البعيدة. ولا بدّ لكتابتها من استيعاب ذلك قولا وعملا، ثم كتابة وتدريسا وتحديثا تأليفا ومتابعة، أو تقديما وتعميقا. وحصول هذا اللون من الفهم الجدير أو الجديد- أحيانا- المنير من بركات الالتزام، وامتداد طبيعته، وقوة مرتكزاته، ومؤهّلات صدق الإقبال عليه. وإنّ الله تعالى يقيّض في كلّ عصر من يتولى هذا الأمر بحقّه، بل قد كتب في ذلك غير المسلمين، من أمثال أحد المؤلفين الأمريكيين الذي ألف كتابا عن مئة من الأعلام في التاريخ أثّروا في الحياة، وما زال أثره في البشرية أكثر وأكبر، فاختار أولهم رسول الله ﷺ . وكذا فإنّ من غير المسلمين من يعينون أحيانا على بيان حقائق الإسلام وسيرة رسول الله ﷺ ويعجبون بها، مما يعتبر ذلك للإسلام نصرة وعونا في نشر الإسلام، وإن لم يسلموا لأي سبب- أو هم أضمروا إسلامهم- ولعل ذلك باب لإسلامهم، فيما بعد.

стр. 73

* إرهاصات: ألا يمكن اعتبار مثل هذه الأمور- رغم وضع المسلمين وحالهم- علامات تشير إلى مستقبل هذا الدّين؟! وإن هذه المواقف، ممن ليسوا مسلمين من بلدان التقدم العلمي والعمران المدني، وهم من علية القوم فيهم، إنها إرهاصات لمستقبل الإسلام، تذيب جدران الشرك والوثنية وبعضها بأيدي أهلها وبلادها- لتفتح الباب أمام الدعوة الإسلامية إلى بيانه، والاقتناع به، واعتناقه؟! وكم كان هذا طريقا لاعتناق الإسلام فيهم، مثلما جرى مع العديد من الأدباء والكتاب الأوربيين والغربيين والشرقيين؛ الذين ألّف كلّ منهم كتابا بلغته عن الرسول ﷺ فاعتنق الإسلام. إن الدعوة الإسلامية اليوم هي دعوة العصر، رغم كل القيود والسدود والاضطهاد والمطاردة، في الداخل والخارج، ومهما تكاثروا عليها، وما ذلك إلا لشعورهم بأنها كذلك. والعمالات المتنوعة التي تملّكت القوى والوسائل لترى ازدهارها واندحارها هي، أمام هذه الدعوة الكريمة بقوة الإيمان القوي المتدفق المتجدّد الوضئ. قارن بين وضع دعوة الإسلام اليوم وقبل نصف قرن أو يزيد، حتى ليصبح أمر الإسلام هو الوحيد، تطارد دعوته فلول الظلام، وهي في عنفوانها، وهو مجرد مأسور أعزل، لينتصر بعون الله سبحانه تعالى، والأدلة حولنا تكثر وتزيد. وانظر إلى ما يجري في العالم شرقه وغربه من عجز أنظمته عن حلّ مشاكل الحياة الإنسانية، والارتقاء بها إلى الآفاق الكريمة. * أدلة إيضاح وإفصاح: وقل مثل ذلك في الغرب بما ادعاه، وإن كانت هنالك فروق ...

стр. 74

الغرب وحضارته مهدّدة اليوم بالانهيار؛ الذي بدت نذره واضحة لكثير من زعمائه وعلمائه وعقلائه، سواء السياسيين والاجتماعيين والعلميين؛ الذين ما فتئوا يحذّرونه من ذلك، مثلما حدث لحضارات أسلافها وامبراطوريات أمثالها، مما عدّ أكبر إمبراطوريات التاريخ العتيدة وحضاراتها، كاليونانية (الإغريقية) ووريثتها الإمبراطورية الرومانية (شرقا وغربا) ثم الفارسية. والحضارة الحالية تجري مجراها، ومهما امتلكت من إيجابيات- قد تؤجّل انهيارها- لكنها في النهاية لا تستطيع الإفلات من مصيرها المحتوم. فهي تحمل في طياتها عوامل الانهيار والاندثار، ويوم تذهب- بإرادة الله تعالى- لا تخلّف وراءها غير سجلّات التاريخ التي دوّنت أخبارها، كما جرى لمن مضى وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [الرعد: ٦] «١» . إن للحياة سننا ونواميس وقوانين، خلقها ويجريها الله سبحانه بإرادته، بلا تبديل ولا تحويل فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: ٤٣] وهذه السّنن الإلهية هي التي لها وحدها الحتمية. وكم من أمم في التاريخ سادت بقوتها، وتغلبت بأجنادها، وتحكّمت بسطوتها وتسلّطها، لقرون عدة، ثم لم يبق منها غير أخبارها وآثارها، بل وربما أساطيرها، وحسبها ذلك وزيادة. أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً [فاطر: ٤٤] . وظنّي أنّ أحد أسباب غلبة هذه الحضارات الجاهلية المعاصرة، وتوليها

стр. 75

الزّمام اليوم، وتحكّمها في الرقاب- إن لم يكن كلها- هو الغياب الإسلامي، يواجهها، ويظهر عوارها وعورها، وينهيها؛ لذلك فهي تحارب الإسلام بكل قواها، وبكافة الأساليب الخفية والجلية، وتتعاون في ذلك متحالفة، واقفة في وجهه، وهو ما نشاهده من هذا التقارب والتالف بل والامتزاج، هو كالزواج بعقد سفاح- بين الصهيونية العالمية والصّليبية العالمية. وذلك كله تراه رغم تناقضاتها وعداواتها وتناحرها، فالكفر ملّة واحدة؛ لأن ظهور الإسلام، وقيام مجتمعه وحضارته يعجل بها- كما جرى لأمثالها- بل ويعمل لتواريها- لعجزها وضعفها أمامه- فلا تثبت له فواق زمن، وبذلك تغدو كأمس الدابر، أو تصبح أثرا بعد عين. وغير بعيد عنا أخبار ما جرى لأكبر إمبراطوريتين في العالم يومها (الرومانية- الرومية- والفارسية الساسانية) ، وكيف واجههما الإسلام في عين الوقت، في العقد الثاني من الهجرة النبوية الشريفة، بحفنة من جند الله الأخيار، فزالتا من على وجه الأرض وإلى الأبد. وتلك سنّة الله في مصارع الضالين، ونصره المؤمنين بدعوته أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ «١» [الرعد: ٤١] . وقد أخبر الرسول الكريم ﷺ قبل حدوث ذلك كله وببضع سنين، بما علّمه الله سبحانه، وأوحاه إليه، يوم لم يكن في الأفق ما يدعو له أو يشير إليه، حتى لقد تعجّب فرحا متأكدا موقنا من سمعه من الصحابة الكرام ﵃ أجمعين، حين قال ﷺ : «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده! لتنفقنّ كنوزهما

стр. 76

(لتنفقنّ كنوزهما) في سبيل الله» «١» . وتفهم من هذا الحديث الشريف أمور كثيرة، منها: أنه بمجئ الإسلام أو قيامه تزول وتذهب وتندثر كلّ جاهلية مهما كانت، ومنها أنه حين يقوم الإسلام لا يبقى أمامه عند المواجهة لا كسرى ولا قيصر- وقد ذهبا نهائيا- كناية عن زوال الظلم والظالمين والقائمين به وعليه، وكل العتاة والبغاة والطواغيت. وذلك آت بعون الله، وكائن بإذنه سبحانه، وتلك من مهمات هذا الدين الإسلامي الذي لا بد أن يتحقق به ذلك، وهذه بعض ما أراده الله . وكان الذي جرى لتلك الإمبراطوريتين بما لم يكن ليخطر على بال أحد في العالم- يومها ولا اليوم أو غدا- لهم ولا من حولهم، لولا أنه قد حدث فعلا بشكل لا مجال لإغفاله أو إهماله أو تجاهله، سواء في إمكانية وقوف هؤلاء الأخيار من جند الله الأبرار، أو زوال أولئك الضالين المضلّين، وبهذه السرعة المذهلة، مما يعتبر واحدة من معجزات هذا الدين- أو عليها مسحة منه- بانت في تلك الفتوحات وفي ذلك الزمان على يد أولئك الذين تربّوا على مائدة القرآن الكريم في ظلّ السّيرة النبوية الشريفة، ومقتدين بصاحبها ﷺ . وهؤلاء الأعداء يعرفون جيدا صدق هذا الدين وحقيقته وأحقيته الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٤٦] لذلك هم يستميتون في حربه، فهم ما فتئوا كلما استطاعوا لذلك سبيلا- مهما تبدلت الأساليب- يقفون حائلا دون قيام أهله وأبنائه به، ويقاعدون لهم كل مرصد؛ لمنعهم من صراط الله المستقيم، يرتجفون أن يجتمع عليه وبه الأفاضل العماليق أو العمالقة، كما يسمّونهم؛ لذلك فهم يعملون- حسب تعبيرهم- على عدم إيقاظ العملاق وإبقائه نائما،

стр. 77

ويا ليت المسلمين يعلمون ما جاء- مثلا- في تقرير اللورد «كامبل» عضو مجلس اللوردات البريطاني، سنة (١٩٠٧ م) مما يعتبر في وقت جدّ مبكر، لم يدركه جمهرة وكثرة كاثرة من المسلمين، حتى بعد هذا التاريخ ببضعة عقود، إن كانوا أدركوه الآن. فالإسلام هو الدين الوحيد، والمنهج الفريد، والشرع القديم الجديد، الذي يمكن أن يرتقي بالإنسان- كل إنسان، أراد ذلك، وعمل له بشرطه- وينقذه من شقوته النّكدة، وبؤسه الخانق المقيم، وضياعه المتواصل. لذلك أراده الله سبحانه وأبقاه وحفظه- بروعته- متولّيا بقوته العمل والقيادة مع جميع الأحوال، ولكلّ الأقوام والشعوب والأمم- بكل أجناسها وانتما آتها وعقائدها- في كل زمان ومكان، ومع كافة مراقي تحصيلهم، ودرجة علمهم، ومستوى معايشهم، فهو- بما أودع الله فيه، وجعله آخر الأديان، وخاتمة الشرائع، وسيد المناهج- قويّ بذاته وطبيعته، يتقدّم بنفسه بلا سيف أو مدفع لما فيه من التوافق المعشق والترافق المتدفق والتنادي أو التّداعي المتألّق، ولاستقامته المتيسّرة مع الفطرة الإنسانية وتساوقه معها بل واشتياقها له- ومع حقائق الحياة، ونواميس الوجود. فهو يلبّي ببساطة وعمق وسهولة كل حاجات الجسم والعقل والروح، والعمران المادي والمعنوي والروحي، والتقدم لكافة البيئات المتنوعة، وحاجاتها النامية المتطورة في يسر واستقامة واستعلاء، من شعوب رعاة الكلأ، وساكني الخيام إلى سكنة ناطحات السحاب، وما يجدّ لأي أحد من جديد الأسباب. وهذا للأسف الشديد ما لا يدركه- كله أو بعضه- إلا القليل من أهله وأبنائه، وأدركه بوضوح كل أو جلّ أعدائه؛ لذلك هم يخافونه، ويخشون تقدّمه، وسيادته، وإقبال الناس عليه. ولذلك فإنّ هذا محسوب لديهم- في مجمل الأحوال، وعلى الدوام، وفي كل اتجاه- في غاية الدقة والعناية والاهتمام، مهما تظاهروا بغيره أو برروا من سيره أو عظموا- مداراة- من أمره، لا ينفكّون من ذلك بحال.

стр. 78

فإنّ ذكرى تلك الفتوحات وتذكّرها- وهم لم ينسوها- مؤلمة مفهمة مرعبة، يعملون ويجنّدون ويضحّون كيلا تتكرر، وليس ذلك فحسب، بل وعلى طمس حقائقها، وتشويه أخبارها، وحجب وقائعها الناطقة، وللمسلمين بالذات، لتحذف من مذكراتهم وذاكرتهم. فهم يجهدون في تصغير شأن أولئك الأبرار؛ الذين اقتدوا بصاحب السيرة الشريفة «١» ﷺ لئلا يتأثر بها من يتأثر، فيكون الذي ممكن أن يكون به. كما عرف في أوائل الدعوة الإسلامية وما بعدها في أكثر من بلد ومع أكثر من قوم، مما هو مدوّن في محفوظات التاريخ الإسلامي ومؤلفاته، معروفا وماثلا للعيان، ومحفوظا في الخواطر والنفوس والأفكار والأذهان وفي كل مكان؛ ولهذا فهم يعملون أيضا على تشويه التاريخ الإسلامي بكل سبيل قديم وجديد، مما تبتكره عبقرياتهم الشريرة، والأخيرة، أو الأجيرة. * جيلنا والاهتمام بالسيرة: ولقد كان الاهتمام بالسيرة النبوية الشريفة، وكذلك عموم السنة المطهّرة في العصور المديدة، والأجيال المتتابعة، والمواقع المتنوعة- مهما تفاوت

стр. 79

الوضع- ركنا مهما في معرفة المسلم بدينه، ومحثا كريما مصورا لتعاليمه، ومتمثّلا لشريعته، مثلما هو تحرك دعوي، ونهضة إسلامية تحثّ على التمسك والالتزام والتجديد. كان الاهتمام بالسيرة موطنا للكتابة فيها، والتفنّن في الاستنباط من معانيها، وبثّا لمعاني الإسلام من خلالها، وغرسا لمضامين الشريعة في نفوس الناس. ومن هنا فلا بدّ لأهل هذا الجيل- مثلما لسلفه الصالح من الأجيال السابقة ومن أجياله اللاحقة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- من اعتبار السيرة الشريفة، فهما عميقا، واهتداء وثيقا، واقتداء شاملا دقيقا، مرتكزا أساسيا أصيلا في بناء حياته الإسلامية، بها يحيا، وعليها يا بني، ولها يقوم. ينطلق في الحياة على هداها، آخذا بمضامينها، متعلقا بحقائقها، بتحرّ ومحبة وعشق، تظهر آثاره في بنائهم الإيماني الراسخ على عقيدة لا إله إلا الله، توحيدا لله خالصا وعبادة له بشرعه- قرآنا وسنّة وسيرة- أداء صافيا حيّا متوجها لله سبحانه، في كل الشعائر التعبدية وفي كل أحواله، في مسالكهم وتعاملهم وأخلاقياتهم كافة. وهي أخلاق لا إله إلا الله، التي جاهد لها الرسول الكريم ﷺ أكبر الجهاد، وصبر أشد الصبر، واحتمل جميع ألوان العذاب وأشكال العناء، حتى أقام ذلك المجتمع المثال بالجيل الفريد على القرآن الكريم والسنّة المطهرة. والأمثلة والشواهد ما أكثرها وأوفرها وأشهرها، من ذلك ما يعبّر عنها ﷺ بقوله: «لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثالثة من بين يوم وليلة ومالي ولعيالي طعام يأكله ذو كبد إلا ما يواري إبط بلال» «١» .

стр. 80

والأمة المسلمة في أيامنا بأشد الحاجة أن تقف في ظلال هذه السيرة الشريفة، تستلهم معانيها، وتتفهم مضامينها، وتستروح نسمات الخير في جوّها، كما تتنسّم عبيرها الفيّاح. * واجب العناية بالسيرة: والعناية بالسيرة الشريفة ودراستها ومعرفتها مهمة جميع المسلمين، لا سيما من لهم إمكانية العناية بها بأي شكل، تأليفا وإخراجا. ولا بدّ أن تكون هذه العناية- وعلى هذا المنوال- أساسية، لكل أنواع الدارسين. ومن المهم إنشاء مركز أو مؤسسة لهذا الأمر، وحبذا لو استنبتت بعض الجامعات- جادة مهتمة مخلصة- رغبة وهمّة، في إقامة مثل هذا المركز للسيرة النبوية الشريفة، بل وإفراد كرسي فيها يتولّى شؤونها، ويقوم على خدمتها. ومن الغريب ألا تفعل ولا واحدة أي شيء منه، وقد تهيأت كل الأسباب، وبأنواعها كافة. ولا بدّ أن يواكب هذا الأمر ضرورة، نشر وطبع ودراسة المصادر الأمهات، لتكون أساس النهضة الإسلامية قائمة على العلم والمعرفة الحقة، وتصبح ركنها الركين، وموئلها الهانئ الأمين. أما تفاهات المستشرقين وربائبهم، فموطنها المهملات المحروقة الممزوقة، وليس بالضروري القصد رميها بأوراقها التي كتبت عليها، ولكن رميها ورفضها بزحف الحق المقام على الدراية والرواية، وإظهار بطلانها أمام انبلاج الحق الواضح (الحق أبلج والباطل لجلج) . ولقد آن لهؤلاء وأسيادهم أن يقرؤوا ما أنتجته وتكتبه الأقلام الخيّرة، لعلهم يفيقون ويؤمنون. وإن تفاهات المنهجية الغربية والشرقية في هذا المجال، وكلها- شرقية وغربية- شرقية، من الصّراعات والحتميات والمراحل والمجاهل، يفرضون ظلمة الجهل والجهالة على نور الإيمان،

стр. 81

ستنهزم أمام الخير والمنهجية الحقّة، والحقائق العلمية، والدراسات الأمينة، إن شاء الله. المسلم ودراسة السيرة: ودراسة سيرة الرسول الكريم ﷺ بالنسبة للمسلم- من مصادرها الأولية ومراجعها- ضرورة شرعية، يترسّمها في كل أحواله، عقيدة وعبادة، بلا مغالاة ولا مداناة، ليكون إنسانا ربانيّا في كافة أوقاته، وقضاياه، وأموره كلها. وأول مصادرها تماما: القرآن الكريم والسنة الصحيحة. وبالنسبة لغير المسلمين لا بد من تقديمها بشكل حقيقي واضح مشرق منير- وهي بوقائعها وحقائقها كذلك- فهو المثل الإنساني الأعلى ﷺ . والسيرة النبوية الشريفة متداخلة مع كل ما ومن صحب وعايش الرسول الكريم ﷺ . وواجب المسلمين اليوم تقديمها بأسلوب شيّق وصادق وجميل وجذّاب، للمسلمين وغير المسلمين- بالعربية وغيرها- تقرّبا إلى الله تعالى، ودعوة لدينه، وتنفيذا لأمره، وإحقاقا لشرعه. اللهم تولّنا بعونك، وكن أنت مولانا، وتقبّل أعمالنا، واجعلنا مترسّمين لقرآنك العظيم وسنّة نبيك ورسولك الكريم ﷺ . واجعل ذلك كله لنا شرعة وحبّا وعشقا وقوة وقدوة ومنهجا، وفي سبيلك مباركة ومقبولة وخالصة لوجهك الكريم، واجعل القرآن الذي أنزلته عليه ربيعا لقلوبنا، وسيرة الرسول ﷺ قدوتنا، إنك سميع ومجيب، آمين.

стр. 82

المبحث الثالث السيرة النبوية الشريفة جمال نماذجها وشمول فضائلها * موقع السيرة النبوية من التاريخ * الصحابة والاقتداء بالسيرة * الخيرية والجيل المثال * السيرة موئل ومنهل * السيرة بناء وارتقاء * مدلولات فريدة جديدة * ثمار أغنت ميادينها * عصر النبوة وامتلاء ميادينه بالأعلام العالية * الحضارة والأصالة الإسلامية في الدعوة الربانية * الصحابة والولاء للإسلام * أسلموا وأهلهم أعداء * الإيمان وتكاليف تربيته * رهافة الثمرة الإيمانية * إضاآت كريمة ومدلولات فاضلة لقصة ربيعة * دقة الرهافة وأصالتها جعلتهم يشعرون بالتقصير * مدى عناية الرسول ﷺ بالصحابة * العناية النبوية الحنون في رعاية الواقع الميمون * تفقد الرسول ﷺ أصحابه وحبهم له * النساء وفرض الحجاب * جيل الصحابة والإقبال على أمر الله

стр. 83

* قصة تحريم الخمر * الترقي الإيماني والإقبال على دخول الإسلام * حضور مشاهد الغابرين * المؤمنون والمعاندون وغيرهم * لله سنة جارية ثابتة بملازمة العاقبة للمتقين * معاني الأحداث السالفة * القرآن الكريم والعبر العامة المستفادة من قصصه * أجواء السيرة العبقة * الصحابة وسبل الارتقاء * القرآن والسيرة بين الدرجة والنوع * تذوق الصحابة نعمة الوحي وافتقادها لدى انقطاعها * شواهد وفرائد صحابية * الرخص أم العزائم * السيرة مدد وحياة * الثمار الطيبة الطّعوم * الإضافة وحديث القرآن * الإسلام منهج أهل الأرض ومستقبلهم المشرف المشرق * الصحابة فخر الميادين ازدحمت بهم الساحات * السيرة والتابعون وتابعوهم * الصحابة أئمة ومثل وهم بالرسول ﷺ مقتدون * حب متوارث طهور * عناية الأجيال بالسيرة * وضوح أحداث السيرة * البشارات بالرسالة الخاتمة * عالمية الدعوة الإسلامية * السيرة ونسج المثال * السيرة ونفس المسلم * تفسير السيرة ومكانتها

стр. 84

السيرة النبوية الشريفة جمال نماذجها وشمول فضائلها * موقع السيرة النبوية من التاريخ: تعتبر السيرة النبوية الشريفة، هامة التاريخ الإسلامي وتاجه وضياؤه وقلادته. وإذا كان التاريخ الإسلامي- ولا سيما بإضاآته المتفردة وصفحاته الجميلة الملتزمة- زهرة الحياة الإنسانية ووجهها المشرق وتاريخها المنير، فإن السيرة النبوية الشريفة تاج الحياة الإنسانية وزبدة تاريخها الرفيع في العصور طرا، ولدى الأمم كافة. ومن الواجب أن تعطى من الأهمية- ومن قبل المسلمين أولا- القدر الذي يتناسب وتلك المكانة اللائقة بها، رعاية واهتماما وتأليفا وتوقيرا وإقبالا مثلما اقتداء واهتداء. وكان من الجودة اعتبار فهم القصد من إطلاق مصطلح السيرة مجردا ومطلقا، بأنه السيرة النبوية الشريفة. إشارة إلى أن سيرة الرسول الكريم ﷺ هي المثال المقتدى في السّير الإنسانية بل ولسير الأنبياء جميعا، عليهم الصلاة والسلام. * الصحابة والاقتداء بالسيرة: وإذا كان الصحابة الكرام قد عايشوا رسول الله ﷺ وصاحبوه وتابعوه واتبعوه، وحرصوا أشد الحرص على لقائه، أخذا عنه وتحريا لسيرته، وكل ما يصدر عنه، اقتداء به، وإن ذلك عبادة يتقربون بها إلى الله تعالى، فإنهم قد حافظوا على كل ذلك وبذلوا غاية الجهد في حفظه ونقله، وفي نفوسهم وسلوكهم، قبل نقله إلى الآخرين رواية ودراية. وكان السلوك- عملا،

стр. 85

قرين العلم، لا يفترقان- من أو أكبر وسائل النقل والتوريث علما، مما يورثونه، أداء لوظيفتهم، في الإرث والتوريث، تلقيا وتلقينا «وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما وإنما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظّ وافر. (ومن سلك طريقا يطلب به علما سهّل الله له طريقا إلى الجنة) » «١» . لقد هيأ الله تعالى الصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- ليحافظوا دين الله تعالى، حفظ نصوصه وفهم مضمونه وتطبيق مفهومه والعمل لتنفيذه وتمثيله والجهاد لإقامته والحرص على نقله وبثه والدعوة إليه بالقول والعمل. وتوفرت فيهم كل المواصفات، فاستحقوا وصف الله تعالى لهم* كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] الذي شملهم ومن ماثلهم من الأجيال التالية، ونقلوه إليها. وتوفر فيهم من يمد أروقته وينقلها ويوصلها لمن تلاهم جيلا بعد جيل، في العصور المتتالية المتتابعة والبلدان المتنوعة حتى يوم الدين. وهكذا ورثت الأمة عن الصحابة دينهم وسّنّة وسيرة نبيهم ﷺ . * الخيرية والجيل المثال: ويبقى الصحابة الكرام هم الجيل المثال الذين استحقوا الخيرية والأسبقية والأفضلية، التي وردت في القرآن الكريم وحديث الرسول ﷺ . وهم قدوة هذه الأمة بعده ﷺ . وبهم كانت متوارثة في الأمة إلى يوم الدين.

стр. 86

وهم الذين حملوا الإسلام وأبلغوه، ونقلوا الأمم إلى الإسلام «١» ونشروه وعلّموه وحموه، وحملوه في سلوكهم ونفوسهم وصدورهم هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الفتح: ٢٨- ٢٩] «٢» . فأيّا منهم تنظر إليه، ترى فيه الآفاق العجيبة والنفس القوية الرحيبة. فلقد روي عن عبد الله بن عمر (٧٤ هـ- ٦٩٣ م) قوله في الصحابة الكرام- وهو منهم- يبين نوعيتهم ومكانتهم من الإسلام وحرصهم على اتّباع النبي ﷺ . فلتقتد الأمة بهم، خلف نبينا الكريم ورسولنا العظيم ﷺ . وهو يحث على الأخذ بما كانوا عليه من ذلك الاتّباع والالتزام، الذي شملهم بذلك وصف الخيرية، ومن سلك مسلكهم وعمل عملهم والتزم بهدي الرسول الكريم ﷺ فوفّاها حقّها وأدى مطلوبها وحمل رسالتها. فيقول ﵁: «من كان مستنا فليستنّ بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة، أبرّها قلوبا وأعمقها علما وأقلّها تكلّفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا على الهدى المستقيم والله ربّ الكعبة» «٣» . وحين سئل ابن عمر إن كان أصحاب النبي ﷺ يضحكون، قال: (نعم

стр. 87

والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبال) «١» . كان إيمانهم غامرا وعملهم باهرا وجهادهم موّارا، لا يقف ولا يهدأ ولا يعبأ. ويشاركهم في ذلك علماء الأمة وأجيالها، التي تلقت ذلك كله بالقبول التام والحب والجد والعمل والصدق والإخلاص، أمانة صانتها وافتدتها، وأفنت ما عندها وأنفقته طائعة راغبة لحفظه وبثّه، لا تألو في ذلك جهدا ولا توفر طاقة ولا تدّخر مكنة. إلا أنه يبقى للصحابة الكرام شرف لا ينال ولا يطال بحال، هو شرف الصحبة والسبق والمستوى، لا سيما من كان في ذؤابتها منهم، مثل المهاجرين والأنصار، فغدا ذلك هو الشرف وهو النسب وهو الميزان. والصحابة هم الذين بلغوا- بهذا الدين- قمة إنسانية سامقة، فكانوا الجيل الفريد السعيد. كيف لا والرسول ﷺ فيهم يدعوهم ويربيهم على كتاب الله، الذي كان له مثالا، قدوة عالية وأسوة حسنة. والله تعالى يقول: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد: ٨- ١٠] . وهم الذين أثنى الله عليهم بقوله: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: ١٨] . وكان هذا في أولئك الذين بايعوا الرسول ﷺ في صلح الحديبية في ذي قعدة السنة السادسة للهجرة، وكان عددهم ألفا وخمسمئة (خمس عشرة مئة) ، جاؤوا للعمرة وغير مستعدين- من كل ناحية- للمواجهة والقتال. ومع ذلك بايعوه ﷺ جميعا، على الموت وعلى أن لا يفرّوا. حقا إنه الجيل الفريد؛ الذين استحقوا هذه المكانة من الله تعالى،

стр. 88

وكانوا- أهل الحديبية- جديرين بها وبوصف الرسول ﷺ لهم: «أنتم اليوم خير أهل الأرض» «١» . ولعل وصفهم هذا غير قاصر على زمانهم بل كذلك شامل لكل زمان ومكان وإنسان، بعد منزلة الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. فهنيئا لهم تلك الصحبة والمكانة. والرسول ﷺ بيّن ذلك في أحاديث كثيرة، جملة وتفصيلا. ودعا إلى محبتهم والاقتداء بهم والأخذ عنهم. فهم الحفظة والأمنة، على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . وانظر ما ورد في كتب الحديث الشريف في مناقب وفضائل الصحابة الكرام، من ذلك يقول الرسول ﷺ «لا تسبّوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» «٢» . فإذا كان هذا موجّها للصحابة أنفسهم، فكيف بمن بعدهم؟ فلينظر كل هؤلاء الذين يتقوّلون على الصحابة الكرام ﵃ أو ينالون منهم أو يتهجمون عليهم. فماذا يكونون هم إذا، الذين يفعلون ذلك؟ والله تعالى قد رضي عنهم وأثنى عليهم في أكثر من موضع من القرآن الكريم، ووقرهم رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة. إذا فما الذي يتبعونه في إسلامهم، وهم من أي نوع من المؤمنين المسلمين؟ أم أنهم في أية قافلة يلتحقون ويسيرون وينتمون؟ «٣» . وإن كان لمن بعدهم أيضا، شرف الاتباع والاقتداء والأخوّة، التي بينها

стр. 89

الرسول ﷺ ويا له من شرف، حين قال يوما لأصحابه: «أي المؤمنين أعجب إليكم؟» . قالوا: الملائكة. قال: «وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟» . قالوا: فالأنبياء. قال: «وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟» . قالوا: فنحن. قال: «وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها» «١» . ونحن إن شاء الله من هؤلاء، والحمد لله رب العالمين على نعمة هذا الدين. ولقد اعتبر ﷺ الأجيال المؤمنة التالية للصحابة بأنهم إخوانه، فنعمت هذه الأخوة وكرمت ونفست. فلقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى البقيع فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنّا قد رأينا إخواننا» قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد» قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: «أرأيت لو أن رجلا له خيل غرّ محجّلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنهم يأتون غرّا محجّلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض» «٢» . فالصحابة الكرام كانوا مثلا يهتدى بهم ويقتدى، بعد رسول الله ﷺ ، تربوا على كتاب الله فهو نور وهدى لهم ولأهل الأرض أجمعين، وهو الحق الذي تتبين آياته في كل حين. بلّغه رسول الله ﷺ أفضل بلاغ وأدّاه خير أداء وجاهد له أعظم جهاد تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤)

стр. 90

لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الحاقة: ٤٣- ٥٢] . والله تعالى هيأ الرسول الكريم ﷺ القدوة والأسوة النبوية- وأعده من كل ناحية، للاحتمال والاكتمال والتلقي للوحي الأمين. وهو أمر صعب يعرف عنه من اطلع كيف كان حاله ﷺ حين يتلقى الوحي. ثم وجّهه- بكل الأحوال، يوحي إليه ويسدده ويثبته وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا (٧٤) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً [الإسراء: ٧٣- ٧٥] . وهكذا يثبّته الله ﷻ ويؤهله، فيرتقي بالاحتمال يمده به- والاصطبار والكشف، مما لا يفعله إلا نبي ولا يستطيعه غيره، بتأييد الله له ومدده. كل ذلك وهو يقوى ويزداد ويثبت باستمرار. وعلى هذا المنهاج ربّى ﷺ صحابته الكرام، بالوحي الإلهي وبما أنعم الله عليه بالمعرفة والإعداد والعلم النوراني والوحي الرباني. وكان يعلّم الصحابة الكرام بالتمرين والممارسة المتلاحمة الدائمة والمباشرة والتدريب، وفي ميدان الحياة ومعتركها، ممارسة واحتمالا وتفاعلا. * السيرة موئل ومنهل: ومثلما نجد في سيرة الرسول الكريم ﷺ القدوة والأسوة، فلقد كانت من الرحابة غدت بها متّسعا لكل ما نريد من أمور الإسلام في الحياة، على مدى العصور والأجيال، في كافة الأحوال. وهكذا أحس الصحابة وفهموا، وكانوا يلجؤون إليه ﷺ ويجدون عنده الراحة والأمان والأمل والحل والفضل والقوة والقدوة، ينهلون منها وبها يرتقون، وكأنهم يحيون معه في عالم آخر رفيع يستمدون منه، لينطلقوا في الحياة بها عاملين، تكون

стр. 91

لهم السيرة مددا في جنبات الحياة ودروبها، وشعلة منيرة، يستضيئون بها ويفيئون إليها ويستريحون. ويوما قال الصحابة لرسول الله ﷺ ، مما يدل على الرهافة والتعلق والحساسية: يا رسول الله إنا نكون عندك على حال، فإذا فارقناك كنا على غيره. قال: «كيف أنتم وربكم؟» قالوا: الله ربّنا في السر والعلن. قال: «ليس ذلك النفاق» «١» . وكان هؤلاء الصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- القدوة، يورثونها لمن بعدهم، ينشرون عطرها ويفيضون شذاها، وربّ العزة يقول في وصفهم: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١٠٠] . ويقول كذلك: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [الحشر: ٨- ١٠] . فكانوا بها يرتفعون وبمؤونتها يتغذّون، لينطلقوا في الحياة بقوتها متجددة. وكذلك الأجيال التالية- ونحن منهم بعون الله تعالى وفضله- وكل من يأتي يستمد من هذا النبع الكريم. وهكذا كان الرسول ﷺ يتعهدهم ويرعاهم ويرتفع بهم. فلقد ورد عن حنظلة الكاتب «٢» ، أحد الصحابة الكرام، ومن كتّاب النبي ﷺ ، أنه قال: كنا عند النبي ﷺ فذكّرنا الجنة والنار حتى كأنا رأي العين، فقمت إلى أهلي وولدي فضحكت ولعبت، فذكرت الذي كنا فيه، فخرجت فلقيت أبا بكر

стр. 92

رضي الله عنه فقلت: نافقت يا أبا بكر! قال: وما ذاك؟ قلت: نكون عند النبي ﷺ يذكّرنا الجنة والنار كأن رأي العين، فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا، فقال أبو بكر: إنّا لنفعل ذلك. فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك فقال: «يا حنظلة، لو كنتم عند أهليكم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطريق. يا حنظلة، ساعة وساعة ... ولو كنتم تكونون كما تكونون عندي لأظلتكم الملائكة بأجنحتها» «١» . ومثل هذا كان مع أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إنّا إذا كنا عندك رقّت قلوبنا وزهدنا في الدنيا ورغبنا في الآخرة، فقال ﷺ : «لو تكونون إذا خرجتم من عندي كما تكونون عندي لزارتكم الملائكة ولصافحتكم في الطريق، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون حتى تبلغ خطاياهم عنان السماء، فيستغفرون الله فيغفر لهم على ما كان منهم ولا يبالي» «٢» . وهذا يشير إلى الآفاق التي يحيا بها الصحابة الكرام وتساميها، يرتقون فيها، بيد الرسول ﷺ يرفعهم إليها بهذا الدين، ليستمروا عليها في حياتهم ما داموا يستمدون منها. وهم دوما يقتدون بهذا النبي الكريم والرسول العظيم ﷺ . وهذا وحده لا يكون إلا بنبوة ورسالة من الله تعالى إلى خلقه، يحملها من يختاره بحكمته، فاختار محمدا ﷺ واصطفاه ليكون الأسوة الحسنة والقدوة الكريمة لأهل الأرض أجمعين. إنه سيد الأنبياء والمرسلين وقائد البشرية إلى طريق الله المنير. * السيرة بناء وارتقاء: وكان الصحابة الكرام يترقّون ويرتقون في سلّم الهداية ويرفلون في نعمة

стр. 93

منهج الله تعالى، بعد أن أنقذهم الله بالإسلام من شفا جرف هار، ورفعهم من سفح الجاهلية ومستنقعها ليسمو بهم إلى القمم العالية التي أرادها الله للإنسان بهذا الدين على يد المصطفى ﷺ . واقرأ معي- إن شئت- قول الله جلت قدرته وتباركت أسماؤه: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: ١٠٣- ١٠٤] . ودوما كان الصحابة يذكرون الله تعالى ويشكرونه أن أنقذهم من الجاهلية التي عاشوها «١» ، ليضعهم في أعلى قمة عرفها الإنسان. وهذا لا يتم إلا بالإسلام وحده الذي أنعم الله به عليهم ورعاهم به وأكرمهم وكرّمهم. ولقد ورد عن ربيعة بن كعب الأسلمي «٢» أنه قال: كنت أبيت عند رسول الله ﷺ ، فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: «سل» . فقلت: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: «أو غير ذلك؟» . قلت: هو ذاك. قال: «فأعنّي على نفسك بكثرة السجود» «٣» . انظر ماذا سأل ربيعة رسول الله ﷺ ، سأله لآخرته، والرسول الكريم ﷺ يعرف أن هذا السؤال بحاجة إلى استعداد، لا بد من توفره لمن يسأله، لا مجرد التمني؛ لأن المسلم يحس بمسؤوليته ويقدم لها مستلزماتها ويرتقي

стр. 94

بنفسه لاستعداداتها، حتى يكون أهلا لاستحقاقاتها. والرسول ﷺ يعرف أصحابه وعنهم، أكثر مما يعرفون هم عن أنفسهم «١» . وكان يدلّهم ﷺ على الطريق، وأن التقرب إلى الله لا بد من العمل له، احتمالا وإقبالا وبذلا، يقوم على صدق النية والإخلاص الأكيد الكامل لله رب العالمين. وخلوص المسلم، بكل ما لديه همة ومكنة ووجهة، له متجردا وفرحا، بما يؤديه ويقدمه. وعند ذاك يعينه الله ويقويه ويستجيب له، وفي الحديث الشريف أن يدعو المسلم الله ربه وهو موقن بالإجابة «٢» . وعلى ذلك، ولأن هذا الرجاء من ربيعة مطلب أساس يتمناه، فهو لا يستبدله ولا يريد غيره، بل أكده لرسول الله ﷺ وأنه مستعد لتكاليفه التي تهون، ليتحقق له رجاؤه. فلم يكن حرصه على صحبة رسول الله ﷺ ذات حدود، محبة عظيمة لا مثيل لها، في صدقها وعمقها وقوتها. وكذلك يحبهم رسول الله ﷺ الذي كان يؤثرهم على نفسه ويقدم أمورهم ويرعاهم وفتقدهم ويتفقدهم ويحملهم، معينا على ذلك الارتقاء في سلّم الإيمان، ليصلوا باستعداداتهم الإيمانية التي بناها لهم بالإسلام وحده إلى قممه العالية ما استطاعوا. ولذلك بيّن ﷺ لربيعة، كيف يمكنه أن تستمر الصحبة من الدنيا إلى الآخرة، وهو أمر كان يشغلهم بعد ما عرفوه وقدروه وذاقوا طعمه في الدنيا، فحرصوا عليه وغدا لهم شغلهم الشاغل «٣» ، فقال له ﷺ : «فأعني على نفسك بكثرة السجود» . إذا حتى يدعو الله له ويستجيب لسؤاله، عليه أن يعين هو نفسه رسول الله ﷺ على تحقيق هذا المطلب بكثرة السجود لله رب العالمين. والرسول ﷺ رغم كثرة عبادة الصحابة- كان ﷺ أكثرهم عبادة

стр. 95

وسجودا، فهو أعرفهم بالله . وهكذا كان ﵊ في كل الأمور عالي الآفاق، بعيد الأغوار، وفير الأذكار. * مدلولات فريدة جديدة: في قصة ربيعة مدلولات متعددة، كلها ذات معان رفيعة، ولكني أبرز هنا اثنين منها، هما: ١- شمول وعمق ودقة معرفة الرسول الكريم ﷺ بنفوس أصحابه، واستعداداتها ومداخلها ودواخلها وإمكانياتها ونوافذها ومقدار إقبالها، مثلما تشمل رعايتها وتربيتها ومعاونتها لتحقيق مستويات متراقية في تسلق وارتقاء واعتلاء قمم التقدم المتعالية في سلّم الإسلام. والأمر كذلك في أخذ هؤلاء الأصحاب الكرام بخير وأكرم وأفعل الأساليب للوصول إلى ذلك، بأبرك سبيل وأروع ثمرة وأزهى غرس، في تعميق الرغبة للاستمرار في هذا الاتجاه، وذلك اعتمادا على بنائهم الإيماني الرباني الذي شاده الإسلام وبوحي الله تعالى في قرآنه المنزل ثم بجهاد وجهد رسول الله ﷺ . فكانت الإشارة والتلميح والنظرة كافية لتفعل ما لا يفعله المجهود الضخم والقوة الآمرة والقوانين الساهرة «١» .

стр. 96

وهذا هو البناء العميق القوي المؤمن بالله ورسوله ودعوته، الذي أقامه الإسلام، يحافظ عليه صاحبه ويستمر في إعلائه ذاتيا، فتأتي ثماره في الحياة بكل أحواله، صورا جاهرة بارّة ناطقة، فتراه سلوكا ظاهرا وضيئا متلألئا. وهكذا يستمر ويقوى ويشتد عوده ثم يعلو وبشكل متواصل، بحرص من ذات النفس، ويقدّم بقوة عطاءه واضحا في مسالك الحياة ودروبها، وفي كل مجال، ليصبح لهم سمة خلقية، حتى غدوا يأخذون بالعزائم مع وجود الرّخص. فكانت حياتهم بناء وإعلاء وعطاء، تتناسب والمهمة التي أرادها الله لهذا الإنسان، وبه يحققونه. وهي الخلافة في الأرض، لبنائها وعمارتها وإنارتها كلها، بشرع الله الذي أنزله على رسوله الكريم محمد بن عبد الله ﷺ ، مقتدين به آخذين بسنته الكريمة. وكل يوم يزداد ذلك ويتضح ويتقدم، وكان يتم جميعا في هذا الجو الكريم وفي المعترك والمواجهة ومضطرب الأحداث. ٢- بهذا البناء الإيماني الرباني الوحيد، أصبحت نفوسهم كلما وصلت

стр. 97

إلى قمة، نظرت وتطلعت إلى التي تليها لتعتليها. وتلك طبيعة الإسلام وصياغته التي اصطبغت بها كل تصرفاتهم، شأن كل من يقبل على هذا الدين، الذي لا يقبل الله من أحد دينا غيره، متوكلا على الله ﷻ ، ملتزما بشرعه العظيم مقتديا بنبيه الكريم ﷺ . ولكن بالاتجاه الرباني الذي يريده الإسلام والذي كلما تقدّمت فيه تقوى أكثر، آخذا بأسباب الترقي فيه، باتساعه الذي لا حدود له. وكان هذا الترقي- في سلّم الإيمان- النبع الذي جرى عذبا زلالا نقيا إلى التابعين ومن بعدهم، وسيبقى- إن شاء الله- إلى يوم الدين. والكل كان مهتما بدراسة ومعرفة السيرة الشريفة ويستقون منها. وتجد آثارها وثمارها ماثلة في حياتهم، ابتغاء رضوان الله تعالى وثوابه وجنته تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣] . فهم لذلك يعملون ويجتهدون ويجدّون في هذا الاتجاه، وهو كل همهم لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر: ٨] . فكان هو بناؤهم ورّثوه لمن بعدهم من الأجيال التالية. وهذه التربية والبناء جعلت سمتهم الذاتية بهذه المعاني عالية جدا، إلى حد أن الخليفة عمر بن الخطاب- مثلا- ﵁ يقول: (لو عثرت بغلة بالعراق لرأيتني مسؤولا عنها أمام الله تعالى لم لم أسوّ لها الطريق) . ومع ذلك فحين طعن قال لابنه عبد الله: خذ رأسي عن الوسادة فضعه في التراب، لعل الله يرحمني وويل لأمي إن لم يرحمني الله ، وأنشد: ظلوم لنفسي غير أني مسلم ... أصلي الصلاة كلّها وأصوم «١» إذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول هذا ويعتبر نفسه مقصرا، فما الذي نقوله نحن إذا، وما موقفنا؟ وقل معي:

стр. 98

أما أنا ماذا أقول ... وكل أعمالي ذبول كيف أنا ماذا أقول ... ومحمد نعم الرسول نفسي فداك عزيزة ... وقليلة أبا البتول ولو ملكت مئاتها ... فهي للدين تؤول هذي بضاعتي وضراعتي ... وبالشفاعة للقبول حبّي لكم متواصل ... وجذوره فيه الشّمول الله يعلم كنهه ... عشق عذراء دلول وخطى الشريعة سرتها ... قدميّ للحمل ذلول إنه العشق الأصيل ... وذاك يكفي أن أقول * ثمار أغنت ميادينها: وظني أن الذي كان يتولى من الصحابة الكرام أمرا من أمور المسلمين- أو مهمة أو تكليفا- سليمة كانت أو حربية أو إدارية، يقوم به وهو يحيا بهذا البناء ويتعامل معه ويخوض ميدانه، في كل مرة جديدة. ويذهب إليه ويتعامل مع قضاياه ويسلك فيه مسالكه الواقعية التطبيقية، فتظهر فيه الآثار والثمار الطيبة لتلك التربية الفريدة والبناء المتنور والغرس الضارب الجذور إلى أبعد الأعماق. فيظهر كل ذلك بثماره في الميدان الجديد والمعترك الموكول، فتتمثل في تصرفاته، صيغا رائعة جديدة وصورا باهرة فريدة. عرفت من خلال التكليف بتلك المهمة التي بها ظهرت نوعية بنائه سلوكا، وأكسبته دراية وتعلية وتربية ليرتقي إلى قمة أخرى. وأرى أن الميدان نفسه ليس هو الذي أكسبه ذلك، ولكن كان هو المناسبة التي ظهر فيها هذا النوع الفريد، بهذا الموقف النادر. وهكذا كانت المهمة الجديدة- التي قد تكون جديدة وأكثر صعوبة مما ألفه- مظهرة مواصفات تلك التربية وصيغتها الكريمة. وهذا يعني أيضا أن الشعور بالمسؤولية والقيام بالتكاليف تستدعي ما يناسبها علوا وقوة وهمة. استجابة

стр. 99

مع نوعية تلك المضامين والمضامير والمفاهيم الكامنة في ذلك البناء. متناسبا مع تقديم تلك التكاليف والقيام بالواجبات الموكلة إليه، بأحسن نوعية من المستوى في التربية التي بها يستشعر المسؤولية ويستجيش المشاعر ويستدعي الطاقة بتمامها، حضورا أمام الله تعالى، مستمر التمرس والتمرن والتدرب على ارتقائها لقمّة أخرى. وهذا يشير إلى أن ذلك البناء كان من القوة بحيث يحتمل أية مهمة جديدة وتكليف قادم وعمل مرغوب لخدمة هذه الوجهة، مهما يتطلب من الهمة والقوة والمواصفات. ويجعله يحافظ ويلتزم بمستوى يبقي ذلك الواجب يؤدى بنفس تلك الصيغة والنموذج والمعدن. وهذا يعني أن الذين يتولون المهمات العامة- في هذا البناء والأجواء والمجتمع- تظهر فيهم تلك المواصفات، بصيغ تحافظ على النوعية، في مستواها الجديد مهما كانت مغرياتها وأثقالها وصعوباتها. وتظهر- رغم ذلك كله- أكثر قوة وازدهارا وإبهارا، كلما كانت أكبر وأشد وأقوى. وانظر إلى كل من تولى من الصحابة الكرام- ومن بعدهم لقرون، وحتى الوقت الحاضر، ودوما هي كذلك- مهمة في الحياة الإسلامية. وهي جميعا لها صيغها الإسلامية وتعليماتها وآدابها، فيأخذ بها. وكلما علت، تكثر فيها المواقف الأقوى والأعلى والأسمى، وتظهر وتبدي دقتها وترقيها، وتحرّج صاحبها ومحاسبته نفسه ومراقبة ذلك كله. ومن هنا ورد عن بعض الصحابة إنهم كانوا يتركون الكثير من الحلال خشية الوقوع في الحرام. * عصر النبوة وامتلاء ميادينه بالأعلام العالية: وانظر عصر النبوة الشريفة كيف امتلأ بالأعلام، وليس كأي أعلام. فهم أعلام في المجتمع المسلم، فكيف في غيره، في كافة الميادين، مما يعتبر إلى هذا اليوم- ويبقى بعده كذلك- وسيبقون مثالا يحتذى حتى عند غير

стр. 100

المسلمين. وكانوا قبل الإسلام مغمورين خائفين ضالين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٢- ١٠٣] . فهذا هو الجيل القرآني الفريد. ما كان أحد يحسّ بهم أو يحسب لهم حسابا، أي حساب، أو يسمع لهم صوتا. لكنهم بهذا الدين وحده غدوا القادة، لهم المحبة والتقدير والإعجاب حتى من عدوهم، فملؤوا سمع الدنيا وبصرها. فحازوا أعلى مكانة وارتقوا أشرف قمة، بعد أن كانوا لا يحيون إلا في تيه المنحدرات المظلمة. تم كل ذلك بهذا الدين وحده ولا يتم بغيره. والله تعالى يقول: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء: ١٠] «١» . وحين قدم عمر الشام واستقبله القادة المسلمون (وهم من الصحابة، العرب) وقد «عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع خفيه فأمسكهما بيده، وخاض الماء ومعه بعيره. فقال له أبو عبيدة: لقد صنعت اليوم صنعا عظيما عند أهل الأرض. فصك في صدره وقال: أوّه لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلكم الله» «٢» . وإذا كان الإنسان المسلم من هذه النوعية، تظهر مكنوناته في المواقف والمواقع والمسؤولية، بما يتناسب ويتواكب معها من المراتب بعلوه وبفنونها ويعطوها السّمة الجديدة والصيغة الحميدة والصبغة الفريدة، بل ويفوقها.

стр. 101

فإن العكس كذلك، إذا تولى وتولاها تظهره على حقيقتها في التدلي والتدني والتخلي، مهما ادعى وسعى وحمل لافتات العلم، فأين الثرى من الثريا؟ * الحضارة والأصالة الإسلامية في الدعوة الربانية: استعرض ما تعرف من الصور المتردية قديما وحديثا. أما قديما فترد في هذا الفصل بالذات نماذج منها، حكاها الله في القرآن الكريم. وحديثا أمامك هذه الحضارة أو المدينة المعاصرة. وانظر إلى حياتهم ومجتمعاتهم وتعاملهم، لا سيما من الداخل، كما يفعل أهل النظر الثاقب. ولو عرفت حالهم لجانبتهم وحذرتهم وتجنبتهم لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً [الكهف: ١٨] . فهذه المدنية التي ادعت التحضر والإنسانية والديمقراطية، لا تملك من ذلك مصداقية، حتى لو وجدت بعض الظواهر والمظاهر العابرة؛ لأن ما تدعيه ليس أصلا فيها، بل هو سطحي، طالما تلوثه وتحتال عليه وتمرغه، ولا يسعها غير ذلك ولا تتوقعه، فتلك طبيعتها الحقيقية وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ [إبراهيم: ٢٦] . وهذا بظهور ومنظور المجتمع المسلم، المسلم حقا، كما يريده الله تعالى. علما أننا لا ننكر- بل نعرف ونقدّر تماما- الجهد العلمي الكبير الذي بذلته هذه الحضارة والنتائج التي وصلت إليها والثمار التي جنتها. وإن كان كل ذلك تم لها بعد اتصالها بالعالم الإسلامي، يوم استقام له الأمر بهذا الدين، رغم النكبات والنكسات والانحسارات التي ألمت به. وإن هذه الحصيلة التي وصلت إليها هذه الحضارة الحديثة كانت بدوافع نفعية بعيدة عن دين الله. ولذلك كان اقتباسها من العالم الإسلامي بعيدا عن مضامينه ومعانيه وأصوله من العقيدة الإسلامية والشريعة الربانية؛ لذلك كانت بلا جذور ولا قيم منظورة أو غير منظورة، لأنها بلا رقابة من قبلها ومن قبلها لله ، مما جعلها تستبد وتغر وتتجبر بهذه النتائج

стр. 102

التي مكنتها في ميدان، خلا من منافس لوقت ما. وترانا للأسف الشديد- مع كل ذلك- نستعين بأهلها ونطمئن إليهم ونترجاهم لمعاونتنا ونتوادد أو نتودد إليهم ونخنع لهم، على ادعاء أننا نعمل باستقلالية تكافئية لا خوف منها على مصالحنا. ونجري معهم الصداقات آمنين، رغم ما يكنونه للإسلام وأهله من حقد دفين وعداء غائر ورغبة في الانتقام الذي لا يبقي ولا يذر. يجري ذلك مع كل التحذيرات التي وعاها السلف الصالح وجهلها أو تجاهلها أو أهملها الخلف. ورغم الأمثلة والشواهد والأحداث التي ما فتئت تشرح ذلك دون توقف، من أقدم الأوقات وأول المواجهات على مدار التاريخ وحتى الوقت الحاضر، هي دائرة في مدارها مهما تبرقع ذلك كله وأمثاله. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة ساقها الله لنعيها ونتفهمها ونعمل بها. فيقول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [آل عمران: ١١٨- ١١٩] . وحين نقارن أي وضع في أي من الحضارات- قديمها وحديثها، لا سيما المعاصرة منها- فإن هذه المقارنة لا تتم مقابل أوضاعنا الحالية بأي مقدار أو اعتبار أو منظار، لكنها تتم مع الحياة الإسلامية ماضيا ومستقبلا، إن شاء الله تعالى. إلّا أن هذه الحضارة أو المدنية المعاصرة- من الناحية الآخرى- كثيرا جدا ما استثارت في الإنسان حيوانيته، من كافة النواحي البشرية، وأخذت به إلى درك بعيد جدا عن إنسانيته، التي أرادها الله له أن تتحقق بهذا الدين. واستقرار واستمرار حالها المتردي تماما، لا بد أن يكون لها مثل هذه الثمار

стр. 103

المرة الشؤوم، ما دامت بعيدة عن دين الله وشرعه. وسيبقى الأمر كذلك ما بقي هذا حالها، وهي تنتظر مصيرها الذي تحتمه سنن الله تعالى في مصائر الضالين، والتي بيّنها الله تعالى في القرآن العظيم ووضحها الرسول الكريم ﷺ في سنته المطهرة وسيرته الشريفة. تلك سنة الله التي لا تحيد. وهذه السنن هي التي لها الحتمية والوحيدة في نواميس هذا الكون والخليقة. إن كل التقنيات التي أبدعتها هذه الحضارة المعاصرة وأنجزتها تعتبر مهمة جدا ونافعة ومفيدة، لكن وجهها الآخر أنها ربما تكون أحد أسباب تحطيم البشرية ولهذه الحضارة نفسها والإجهاز على مستقبلها والإتيان على سعادتها؛ بما لديها من أساليب التدمير التي لا ترعى ولا ترعوي ولا تهتدي. وهذه هي طبيعة الجاهليات، القديمة والحديثة والمعاصرة وكل الجاهليات، ما قبل التاريخ وما بعد التاريخ وكل تاريخ، لأي قوم انتسبت وعلى أي أرض قامت وأي عصر تواجدت. وهي أيضا سلاح للتسلط والتحكم والعبث بالإنسان والمجتمع والعيث بالحياة وأهلها. وانظر ماذا يفعلون بنا وبغيرنا من البلاد الإسلامية، وقد فعلوا. حتى لقد أصبحت وكأن هذه الأفاعيل والأضاليل والمجاهيل سمة من سماتها ونتاج من نتاجاتها وأصل فيها لا تنفك عنها. ذلك لأنها لا تستمد تواجدها من أي قيم فاضلة تقوم على رضا الله تعالى وطاعته بشرعه المنير، بل من المصلحية والنفعية والأنانية، بحقدها الدفين وعدائها الشديد والاستصغار للآخرين وتسخيرهم لها. ومن لا يخضع لذلك فله الهلاك والتدمير. أمور عبر عنها الآخرون الذين ارتضوها وتابعوها وساروا في ركابها. وما يجري لنا مما ترتكبه فينا وفيما حولنا، لا يحتاج إلى مزيد من الأدلة. انظر إليها كيف تجمعت بكل شقاواتها وشقائها وضغائنها على المسلمين وكل عالمهم هذا وذاك وهنا وهناك واليوم وغدا. وهذا يؤكد تماما أن الضلال عن طريق الله تعالى وهديه المنير لا يقود إلا إلى الهلاك في الدنيا والآخرة سواء، ولا بديل. وهو واضح مؤكد في القرآن الكريم. رأيناه

стр. 104

ونراه في تاريخ الأمم والشعوب، قديما وحديثا ودواما، خلال الأحداث وعلى تتابع الأجيال. ولا يغير من الواقع شيئا، أن تفعل كل ذلك وتستثيره باسم العناوين التي تبنتها والشعارات والأسماء التي تزيّت بها وقبعت وراءها لتسوق كل أنواع الأنانيات إلينا ولغيرنا- وكان ذلك شأنها- بمراكبها التي صنعتها أو التي استأجرتها ومولتها، أطلقتها علينا حمما حارقة وألسنة نزقة وسهاما خارقة، مهما ادعت وتظاهرت وتباكت، فذلك ستار لا بد لها، نفاقا وإغراقا وإغداقا. فإلى متى نبقى نسير معهم- أو خلفهم- ونستدلهم على أمورنا، بل نتعرف طريقنا بهم؟ وهم الذين يريدون لنا الضّياع. فهل نبقى نستنصحهم حتى يوصلونا إلى الهاوية؟ عندها نجلس نولول ونندب وننتحب نادمين، ولات ساعة مندم. فما ينفعنا حتى لو عضضنا حتى العظم أو القضم أصابعنا، حسرة وألما وندما، كما جرى لنا في الحربين العالميتين، من خدعهم، أفرادا أو جماعات أو من دولهم. ولقد جربنا وعودهم المخادعة التي صدقناهم بها وغدراتهم البارعة. وكم ركنا إلى رباياهم (جمع: ربيئة طليعة) ، أمثال: لورنس العرب «١» والحاج عبد الله فيلبي «٢» الذي كان مثل آخرين

стр. 105

تظاهروا بالإسلام، ابتداء من ابن السوداء حبر يهود عبد الله بن سبأ إلى كثير من المعاصرين من الغربيين. وقل مثل ذلك في تجمعاتهم ودول حلفائهم. وهذه معاهدة سايكس- بيكو «١» السرية شاهدة. ولقد بلغت سياسة الغافلة أو التغرير ليس فقط أننا صادقناهم وتابعناهم، بل رضينا أن نقف معهم أو بل دونهم- وهم الأعداء- ضد إخوتنا المسلمين (العثمانيين) ، كي يعطونا حقوقنا!! كيف ذلك؟ وهُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون: ٤] «٢» . واليوم منا من يقوم لهم بما يريدون ويتمنون وزيادة، بل وأكثر مما يرغبون!!؟ وكل مرة نجرب ونعود نجرب. وهكذا وهكذا، حتى يظهر المستور وينكشف المخبوء وينجلي المضمور. ومع ذلك ترانا حولهم ندور! فما يمكن أن نسمي ذلك؟ أهو ... أم هو ... أم ماذا؟ إن مقتضى الأخذ بالإسلام أن يكون الولاء له صافيا وكاملا وخالصا، وينبذ كل صلة أخرى، ونعرف هؤلاء. ولا يعني ذلك أننا نعلن الحرب عليهم، دون سبب بين، بل الواجب ألّا نثق بنواياهم، ولا نواليهم أو نعتمد عليهم في أمورنا، وإن تعاملنا معهم، فهذه المعرفة لا تفارقنا. والسيرة

стр. 106

النبوية الشريفة مليئة بالعظات الموجّهة الغنية في كل هذه الأمور وغيرها. فانظر وقارن واقتد بحنكة وحكمة تليق بالمسلم. * الصحابة والولاء للإسلام: كان الولاء للإسلام واضحا في سلوك الصحابة الكرام، لا يعرفون غيره، وعلى أساسه توزن الأمور وتتخذ المواقف وتتجه النصرة مهما كانت. به يقيسون كل الأمور، يهرعون إلى كل ما يرضي الله تعالى وحسب شرعه، يتحرونه ويقبلون عليه. وكان بناء كل فرد في المجتمع على هذه الأسس الرصينة الصّلبة البالغة، وفي النهاية المجتمع كله كذلك، وفي أشد الأمور وأصعبها وأكثرها تضحية وبذلا. فانظر كيف قاتل المسلمون (العرب) المشركين (العرب) ، وكان فيهم إخوانهم بل وآباؤهم وأهلوهم، ومع ذلك كانت المواجهة واضحة والمفاصلة مكشوفة والمقاتلة شديدة. والمسلمون لا يفعلون ذلك جهلا بأي معنى كريم- وهم أهله وأولى به من كل أحد- بل على العكس، المسلم من أحفظ أناس للرّحم وكل صلة كريمة وكافة الروابط الخيرة البرّة. لكن تلك كلها مرتبطة بميزان الإسلام وحده وشرعه ومفاهيمه، وإن كان أحدهم ليتمنى أن يهتدي هؤلاء جميعا، كما رجا أبو حذيفة متألما عند مقتل أبيه كافرا في بدر: عتبة بن ربيعة. إذ كان يأمل بإسلامه (ولكنني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام ... كنت أرجوه له) «١» . وأبو حذيفة هذا هو زوج سهلة «٢» بنت سهيل بن عمرو

стр. 107

(المستحاضة) . أسلمت قديما وهاجرت مع زوجها أبي حذيفة بن عتبة إلى الحبشة وولدت فيها ابنهما محمدا. ودعوة الآخرين إلى الإسلام وهدايتهم هو هدفهم، بعد ما هداهم الله تعالى له الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ [الأعراف: ٤٣] . لكنهم حين أصروا على مقاتلتهم واجهوهم. فإذا ما أخذنا الصور الفردية، فمع كل فرد من الصحابة الكرام صورة في هذا وموقف وشاهد، مثلما في كل الأمور الآخرى، تجدهم دائما عندها. لأنها جميعا تصدر من هذا البناء، البناء الذي هو الأساس في قيام هذا المجتمع المثال بهذا المنهج الرباني الكريم. وهو لا يأتي إلا بالخير في أي حال ووضع وموقف أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم: ٢٤- ٢٥] . ونأتي الآن لتقديم بعض الأمثلة المعبرة عن هذا المعنى، واجعلها للجميع أفرادا وجماعات ومجتمعات ودولة، سلما وحربا وفي كل حال، ومهما كانت تفوّت من منافع أو تقدّم لهم من مغريات أو إغراآت الآخرين لهم أو تغريرهم بهم. * أسلموا وأهلهم أعداء: فكم من المسلمين- نساء ورجالا- أسلموا، ولهم من أسرتهم- ربما آباؤهم وإخوانهم- من أكبر أعداء الإسلام ومحاربيه، ويقودون ذلك ضد كل من أسلم. ونال هؤلاء الذين أسلموا منهم أشد أنواع النكال والتعذيب والحرمان. وكان هؤلاء المسلمون- فوق ذلك كله- يدعون أهليهم إلى دين الله تعالى. من أمثال: حنظلة الغسيل (غسيل الملائكة وشهيد أحد) بن أبي

стр. 108

عامر الفاسق. فكان أبوه هذا الفاسق يوم أحد مع المشركين «١» وابنه حنظلة يقاتل المشركين- ومعهم والده- ناصرا دعوة الله تعالى، حتى استشهد فيها، ومن أوائلهم. وعبد الله (الابن) بن عبد الله بن أبيّ بن سلول الخزرجي، كان أبوه رأس النفاق في المدينة المنورة، وبه عرف. أما ابنه (عبد الله الابن) فكان من سادة الصحابة وأخيارهم، وكان اسمه الحباب، وبه كان أبوه يكنى، فغيّره النبي ﷺ وسماه عبد الله. واستمر هذا يجاهد مع الرسول الكريم ﷺ ، واستشهد يوم اليمامة «٢» ، في قتال مسيلمة الكذاب. ومن مواقفه (الابن) أنه وقف ضد أبيه حين عاد المسلمون من غزوة بني المصطلق، وهي غزوة المريسيع، التي حدثت في شعبان من السنة الخامسة للهجرة «٣» . كذلك أخته رملة بنت عبد الله بن أبي بن سلول الأنصارية وأبوها رأس المنافقين، أسلمت وبايعت الرسول الكريم «٤» ﷺ . وكذلك أختها جميلة بنت أبي بن سلول، وكانت زوج حنظلة الغسيل «٥» .

стр. 109

وأبو جندل من المسلمين الأوائل. وأبو سهيل بن عمرو، الذي كان خطيب قريش وفصيحهم ومن أشرافهم، أسلم فيما بعد، يوم فتح مكة (٨ هـ) «١» ، واستشهد يوم اليرموك (١٥ هـ) «٢» . وكان رئيس وفد مفاوضي قريش في صلح الحديبية، في ذي قعدة السنة السادسة للهجرة «٣» . وسهلة- كما سبق ذكره- أخت أبي جندل بنت سهيل بن عمرو كذلك، وهي زوجة أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة «٤» ، وأخوها عبد الله بن سهيل بن عمرو، من فضلاء الصحابة، أسلم قديما في مكة وهاجر إلى الحبشة واضطرّ أن يكتم إسلامه، وخرج إلى بدر مع المشركين، فانحاز إلى رسول الله ﷺ «٥» . وهذه الظاهرة- إسلام أفراد من أسرة عرفت بعداوتها للإسلام- تشمل النساء كذلك، رغم صعوبة ذلك على المرأة. فأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط التي أسلمت بمكة قديما، وقد صلّت القبلتين وبايعت رسول الله ﷺ «٦» . وهاجرت إلى رسول الله ﷺ عام الحديبية، وسارت من مكة إلى المدينة ماشية (نحو ٥٠٠ كم) ، فسار أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة خلفها ليردّاها، فمنعها الله تعالى منهما. وكانت كل أسرتها تحارب الإسلام أقسى الحرب، ولا سيما أبوها كان من أكبر أعداء الإسلام طوال العهد المكي، فاذى رسول الله ﷺ أشد الإيذاء، وخرج في بدر مع المشركين يحارب الله ويحارب رسوله وقتل فيها في (١٧) رمضان السنة الثانية للهجرة الشريفة «٧» . وهذه أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان، أم المؤمنين، المهاجرة إلى الحبشة، زوج رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنها، أسلمت قديما بمكة

стр. 110

وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها، الذي توفي هناك، فتزوجها رسول الله ﷺ . عقد ﷺ عليها سنة ست بعد الحديبية وهي بالحبشة. أسلمت وكانت أسرتها تحارب الإسلام، حتى أبوها، وإلى أن أسلم في فتح مكة، في شهر رمضان السنة الثامنة للهجرة النبوية الشريفة. وانظر موقفها من أبيها يوم جاء إلى المدينة بعد صلح الحديبية ليؤكده، لنقض قريش العهد جهارا نهارا «١» . ورفض المسلمون جميعا التحدث معه، حينما لا حظوا أن الرسول ﷺ أعرض عنه. وذهب إليها يستنجد بها، فلم تستقبله يومها فلما ذهب ليجلس على فراش النبي ﷺ ، طوته دونه. فقال: يا بنية، أرغبت بهذا الفراش عني، أم بي عنه؟ قالت: بل فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ «٢» . وفي معركة أحد (منتصف شوال السنة الثالثة للهجرة الشريفة) كان الذي يحمل لواء رسول الله ﷺ مصعب بن عمير، وهو من بني عبد الدار «٣» . والمشركون يحمل رايتهم بنو عبد الدار «٤» ، وفيهم من إخوة مصعب. واستشهد مصعب في أحد «٥» . كان مصعب أترف (أرق) وأنعم وأعطر غلام في مكة يضرب به المثل في لبسه ودلاله، حتى في الذي كان يستعمله «٦» ، فكان فتى مكة جمالا
следующие страницы →