← Сира

Сира · id 9898

السيرة النبوية وأخبار الخلفاء من الثقات لابن حبان

ابن حبان

Полный текст (598 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقسم رسول الله ﷺ الغنائم بالجعرانة بين المسلمين، فأصاب كل رجل أربعا من الإبل وأربعين شاة، ومن كان فارسا أخذ سهمه وسهمي فرسه «١» ، ثم أخذ رسول الله ﷺ وبرة من سنام بعيره ثم قال: «أيها الناس! إني والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة «٢» إلا الخمس «٢» ، والخمس مردود عليكم، فأدّوا «٣» الخيط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله نارا وشنارا «٤» يوم القيامة» ! فجاءه رجل من الأنصار بكبّة خيوط من شعر، قال: يا رسول الله! أخذت هذه الكبة أخيط بها بردعة بعير لي، فقال رسول الله ﷺ : «أما نصيبي منها فلك» ، [فقال] «٥» : أما إذا بلغت هذه فلا حاجة لي فيها «٦» . ثم أسلم مالك بن عوف وقال: يا رسول الله! ابعثني أضيق على ثقيف، فاستعمله رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه من تلك القبائل ومن تبه [من] «٧» بني سليم، فكان يقاتل ثقيفا، لا يخرج لهم سرح» إلا أغار عليهم. ثم جاء وفد هوازن راغبين في الإسلام- بعد أن قسم لهم رسول الله ﷺ السبي- فأسلموا «٩» .

стр. 352

ثم أعطى رسول الله ﷺ المؤلفة قلوبهم تألفا، فأعطى حويطب بن عبد العزى مائة من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى صفوان ابن أمية مائة من الإبل، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل، وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس السلمي شيئا دونهم، فقال فيه أبياتا «١» ، ولم يعط الأنصار منها «٢» شيئا فقال قائل الأنصار: ألا! إن رسول الله ﷺ قد لقي قومه، فانطلق سعد بن عبادة فدخل [على] «٣» رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله! الأنصار قد وجدوا في أنفسهم مما رأوك صنعت في هذه العطايا، قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: ما أنا إلا رجل من قومي، قال: «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة» ، فخرج سعد فنادى في قومه: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تجتمعوا في هذه الحظيرة، فقاموا سراعا وقام سعد على باب الحظيرة فلم يدخلها إلا رجل من الأنصار وقد رد أناسا «٤» ، ثم أتى النبي ﷺ فقال: هذه الأنصار قد اجتمعت لك، فخرج إليهم رسول الله ﷺ وقال: «يا معشر الأنصار! [ما] «٥» مقالة «٦» بلغتني عنكم؟ أكثرتم فيها! ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله؟ ألم تكونوا عالة فأغناكم الله؟ ألم تكونوا أعداء فألف الله بينكم» «٧» ؟ قالوا: بلى، قال: «أفلا تجيبوني» ؟ قالوا:

стр. 353

إليك [المن] «١» والفضل «٢» ، قال: «أما والله لو شئتم لقلتم وصدقتم: جئتنا طريدا فآويناك، ومخذولا فنصرناك، وعائلا فآسيناك، ومكذبا فصدقناك! أوجدتم في أنفسكم من لعاعة «٣» من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا «٤» ووكلتكم إلى إيمانكم، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم! فالذي نفس محمد بيده! لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار. ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، إن الأنصار كرشي وعيبتي «٥» ، اللهم اغفر للأنصار وأبناء الأنصار ولأبناء أبنائهم» ! فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا بالله وبرسوله حظا وقسما ونصيبا! ثم تفرق الأنصار. وفي هذه المقالة قال ذو الخويصرة «٦» : يا رسول الله! اعدل «٧» ، فقال رسول الله ﷺ : «شقيت إن لم أعدل» ، ثم علقت الأعراب برسول الله ﷺ يسألونه حتى ألجأوه إلى شجرة عظيمة وخطفت رداءه. فقال رسول الله ﷺ : «ردوا علي ردائي، فو الذي نفس محمد بيده لو كانت عدد هذه العضاة «٨» نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني كذوبا ولا جبانا ولا بخيلا» «٩» .

стр. 354

ثم خرج رسول الله ﷺ «١» من الجعرانة معتمرا فاعتمر منها فبات بالجعرانة واستخلف على مكة عتاب بن أسيد أميرا وخلّف [معه معاذ] «٢» بن جبل «٣» يفقّه الناس ويعلمهم القرآن، وكانت هذه العمرة في ذي القعدة. ثم خرج رسول الله ﷺ من الجعرانة يريد المدينة فسلك في وادي سرف «٤» حتى خرج على سرف؛ ثم على مرّ الظهران حتى قدم المدينة في بقية ذي القعدة «٥» . ثم تزوج رسول الله ﷺ فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابية فاستعاذت «٦» ، من رسول الله ﷺ ، فقال لها رسول الله ﷺ : «قد عذت «٧» بعظيم! الحقي بأهلك» ، وفارقها «٨» . وحج بالناس عتاب بن أسيد «٩» . وولد إبراهيم ابن رسول الله ﷺ من مارية القبطية في ذي الحجة فوقع في قلب النبي ﷺ منه شيء، فجاء جبريل ﵇ فقال: «السلام عليك يا إبراهيم» ! فسرى عن رسول الله ﷺ ، وتنافست نساء الأنصار فيه أيتهن ترضعه،

стр. 355

فدفعه رسول الله ﷺ إلى أم بردة «١» بنت المنذر بن زيد «٢» وزوجها ابن مبذول «٣» فكانت ترضعه؛ وحلق رسول الله ﷺ [رأسه] «٤» يوم السابع وتصدق بوزن شعره فضة على المساكين وعق عنه بكبشين؛ وعاش ستة عشر أشهر. السنة التاسعة من الهجرة أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة اللخمي بعسقلان ثنا محمد بن المتوكل بن أبي السري ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن «٥» عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس» قال: لم أزل «٧» حريصا أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله [لهما] «٨» إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما «٩» فقال عمر: واعجبا «١٠» لك يا ابن عباس! ثم قال: هي عائشة وحفصة- ثم أنشأ يسوق الحديث فقال: كنا معشر قريش قوما نغلب النساء فلما قدمنا المدينة

стр. 356

وجدناهم «١» قوما تغلبهم نساؤنهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، وكان منزلي في بني أمية بن زيد في العوالي، قال فتغضبت «٢» يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني فقال: ما تنكر أن أراجعك! فو الله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل! فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين «٣» على رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم، وتهجره إحدانا اليوم إلى الليل؛ قال: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر؛ أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله ﷺ فإذا هي قد هلكت، فلا تراجعي «٤» رسول الله ﷺ ولا تسأليه شيئا وسليني ما بدا «٥» لك ولا يغرنك أن كانت جارتك «٦» أوسم وأحب إلى رسول الله ﷺ منك- يريد عائشة؛ قال: وكان لي جار من الأنصار وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله ﷺ فينزل يوما وأنزل يوما فيأتيني بخبر الوحي وغيره «٧» وآتيه «٨» بمثل ذلك، وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا، قال: فنزل صاحبي يوما ثم أتاني [عشاء] «٩» فضرب على بابي ثم ناداني؟ فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم! فقلت: [و] «٩» ماذا؟ أجاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأطول! طلق رسول الله ﷺ نساءه فقلت: خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظن «١٠» هذا كائنا، فلما صليت الصبح شددت علي ثيابي ثم نزلت فدخلت على حفصة فإذا هي تبكي، فقلت: أطلقكن رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا أدري، هوذا معتزل في هذه المشربة،

стр. 357

قال: فأتيت غلاما له أسود فقلت: استأذن لعمر، فدخل الغلام ثم خرج إليّ وقال: قد ذكرتك به ولم يقل شيئا، فانطلقت حتى أتيت المسجد فإذا قوم حول «١» المنبر جلسوا يبكي «٢» بعضهم إلى بعض، قال: فجلست قليلا ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إليّ وقال: قد ذكرتك له فصمت، فرجعت ثم جلست إلى المنبر، ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إليّ فقال: قد ذكرتك له فسكت، فوليت مدبرا فإذا الغلام يدعوني ويقول: ادخل، قد أذن لك، فدخلت فسلمت على رسول الله ﷺ فإذا هو متّكىء على رمل حصير قد أثر بجنبه فقلت: أطلقت يا رسول الله ﷺ نساءك؟ قال: فرفع رأسه إليّ وقال: «لا» ، فقلت: الله أكبر! لو رأيتنا يا رسول الله و «٣» كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فتغضبت على امرأتي يوما فإذا هي تراجعني، فأنكرت ذلك عليها فقالت لي: أتنكر أن أراجعك! فو الله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليلة «٤» ! قال: فقلت: قد خاب من فعل ذلك منهن وخسر! أتأمن إحداهن أن يغضب الله عليها لغضب «٥» رسوله فإذا هي قد هلكت! قال: فتبسم رسول الله ﷺ ! فقلت: يا رسول الله! فدخلت على حفصة فقلت لها: لا تراجعي رسول الله ﷺ ولا تسأليه شيئا وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك أوسم وأحب إلى رسول الله ﷺ منك، قال: فتبسم رسول الله أخرى، فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: «نعم» ، قال: فجلست فرفعت رأسي في البيت فو الله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أهبة ثلاثة، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يوسع على أمتك فقد

стр. 358

وسع الله على فارس والروم وهم لا يعبدونه، قال: فاستوى جالسا ثم قال: «أوفي شك أنت يا ابن الخطاب! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا» ، فقلت: استغفر لي يا رسول الله! وكان أقسم أن لا يدخلن «١» عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله. قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة قالت: فلما مضى «٢» تسع وعشرن [ليلة] «٣» دخل عليّ رسول الله ﷺ ، بدأ بي، فقلت: يا رسول الله! إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وإنك دخلت [من] «٣» تسع وعشرين أعدهن، فقال: «إن الشهر تسع وعشرون» ، ثم قال: «يا عائشة! إني ذاكر لك أمرا فلا أراك أن تعجلي «٤» فيه حتى تستأمري أبويك» ! قلت: ثم قرأ عليّ الآية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها- إلى قوله: عَظِيماً «٥» قالت عائشة: قد علم والله أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه، فقلت: أفي «٦» هذا أستأمر أبويّ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قال: في أول هذه السنة هجر رسول الله ﷺ نساءه شهرا، وكان السبب في ذلك أن رسول الله ﷺ ذبح ذبحا فأمر عائشة أن تقسم بين أزواجه، فأرسلت إلى زينب [بنت] «٧» جحش نصيبها فردته، قال: «زيديها» «٨» ، فزادتها ثلاثا، كل ذلك ترده، فقالت عائشة: قد أقمأت «٩» وجهك. فقال رسول الله ﷺ : «أنتن أهون على

стр. 359

الله من أن تغضبن، لا أدخل عليكن شهرا» ! فدخل عليهن بعد مضي تسع وعشرين يوما. ثم بعث رسول الله ﷺ علقمة بن مجزز «١» في صفر إلى الحبشة فانصرف ولم يلق كيدا. وفي هذه السرية أمر علقمة «٢» أصحابه أن يوقدوا نارا عظيما ثم أمرهم أن يقتحموا فيها، فتحرزوا «٣» وأبوا ذلك؛ فقال النبي ﷺ : «من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه» . ثم قدم على رسول الله ﷺ وفد بلى في ربيع الأول، ونزل على رويفع بن ثابت البلوي «٤» . وقدم وفد بني ثعلبة بن منقذ «٥» . وفيها [وفد] «٦» سعد «٧» هذيم.

стр. 360

وقدم الداريون «١» من لخم عشرة أنفس: هانىء «٢» بن حبيب «٢» والفاكه «٣» بن النعمان وحبلة بن مالك وأبو هند «٤» بن بر وأخوه الطيب بن بر وتميم بن أوس ونعيم ابن أوس ويزيد «٥» بن قيس وعروة «٦» بن مالك وأخوه مرة «٧» بن مالك، وأهدوا إلى رسول الله ﷺ راوية خمر، فقال رسول الله ﷺ : «إن الله قد حرم الخمر» ، فأمروا ببيعها، فقال رسول الله ﷺ : «إن الذي حرم شربها حرم بيعها» «٨» . وقدم وفد بني أسد فقالوا: يا رسول الله! قدمنا عليك قبل أن ترسل إلينا رسولا، فنزلت هذه الآية يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا «٩» . وقدم عروة بن مسعود بن [معتب] «١٠» الثقفي على رسول الله ﷺ فأسلم، ثم استأذن أن يرجع إلى قومه فيدعوهم إلى الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «هم قاتلوك» «١١» ! قال: أنا أحب إليهم من أبكار أولادهم، فأذن له رسول الله ﷺ ، فخرج إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام وأذن بالصبح على غرفة «١٢» ، فرماه رجل من بني ثقيف بسهم فقتله.

стр. 361

وبعث رسول الله ﷺ الضحاك بن سفيان الكلابي إلى القرطاء «١» سرية فأصابهم بغدير الزج «٢» ، وكتب إليهم النبي ﷺ كتابا فأبوا ورقعوا «٣» كتابهم بأسفل دلوهم «٤» . وبعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب سرية إلى الفلس «٥» من بلاد طيء في ربيع الآخر، فأغار عليهم وسبى منهم نساء فيهن أخت عدي بن حاتم «٦» . ثم نعى رسول الله ﷺ النجاشي للناس في رجب وقال: «صلوا على صاحبكم» ، فقام فصلى هو وأصحابه وصفوا خلفه، وكبر عليه أربعا «٧» . ثم أمر رسول الله ﷺ بالتهيؤ لغزوة الروم «٨» في شدة الحر وجدب «٩» [من] «١٠» البلاد حين طاب الثمار وأحبت «١١» الظلال، وكان رسول الله ﷺ قلما يخرج في غزوة إلا ورّى «١٢» بغيرها غير غزوة تبوك هذه، فإنه أمر التأهب لها لبعد الشقة وشدة الزمان؛ وحض رسول الله ﷺ أهل

стр. 362

الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله ورغبهم في ذلك، وحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا «١» ، وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم من نفقته، ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ وهم البكاؤن [وهم] «٢» سبعة نفر، فاستحملوا رسول الله ﷺ وكانوا أهل حاجة، فقال: لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم فاعتذروا إلى رسول الله ﷺ بعذرهم وهم بنو غفار، وقد كان نفر من المسلمين أبطأبهم النية عن رسول الله ﷺ حتى تخلفوا عنه من غير شك ولا ارتياب، منهم كعب بن مالك أخو بني سلمة مرارة بن الربيع أخو بني عمرو بن عوف وهلال بن أمية أخو بني «٣» واقف وأبو خيثمة أخو «٣» بني سالم، وكانوا نفر صدق ولا يتهمون في إسلامهم، فخرج رسول الله ﷺ من المدينة وضرب معسكره على ثنية الوداع، وضرب عبد الله بن أبي بن سلول معسكره أسفل منه، وخلف رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة أخا بني غفار، فقال المنافقون: والله ما خلفه «٤» علينا إلا استثقالا له، فلما سمع ذلك عليّ أخذ سلاحة ثم خرج حتى لحق رسول الله ﷺ وهو نازل بالجرف وقال: يا نبي الله! زعم المنافقون أنك إنما خلقتني استثقالا؟ فقال: «كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك! ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» ! فرجع عليّ إلى المدينة ومضى رسول الله ﷺ ، وتخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين، فلما نزل رسول الله ﷺ بالحجر استقى الناس من بئرها، فلما راحوا منها قال رسول الله ﷺ : «لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضأوا منه للصلاة،

стр. 363

وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه «١» الإبل ولا تأكلوا منه شيئا» «٢» ؛ ثم دعا رسول الله ﷺ ؛ فأرسل الله السحاب فأمطر حتى ارتوى «٣» الناس وتوضأوا. ثم إن رسول الله ﷺ نزل في بعض المنازل فضلت ناقته فخرج أصحابه في طلبها، فقال بعض «٤» المنافقين: أليس محمد يزعم أنه نبي ويخبركم بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فقال رسول الله ﷺ : «والله ما أعلم إلا ما علمني الله! وقد علمني أنها في الوادي بين شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها» ، قال: «فانطلقوا حتى تأتوا «٥» بها» ، فذهبوا فجاءوا بها، ثم سار رسول الله ﷺ فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون: والله يا رسول الله! تخلف فلان، فيقول: دعوه فإن يكن فيه [خير] «٦» فسيلحقه الله بكم، حتى قيل له: يا رسول الله! تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره، فقال: دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، فلما أبطأ على أبي ذر بعيره أخذ متاعه على ظهره وترك بعيره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيا ونزل رسول الله ﷺ في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله! رجل على الطريق يمشي وحده! فقال رسول الله ﷺ : «كن أبا ذر» ! فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هذا والله أبو ذر، فقال رسول الله ﷺ : «رحم الله أبا ذر يعيش «٧» وحده، [ويموت وحده، ويبعث وحده] «٦» » ؛ فانتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك، فلما أتاها أتاه يحنة ابن رؤبة «٨» صاحب أيلة، وصالح على رسول الله ﷺ وأعطاه الجزية وأتاه أهل جرباء وأذرح «٩» فأعطوه الجزية، وكتب رسول الله ﷺ لكل كتابا وهو عندهم،

стр. 364

فكتب ليحنة بن رؤبة «بسم الله الرحمن الرحيم- هذه «١» أمنة من الله ومن محمد النبي ﷺ ليحنة بن رؤبة وأهل بلده وسيارته في البر والبحر، فهم في ذمة الله و [ذمة] «٢» محمد النبي ﷺ ومن كان معهم «٣» من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب «٤» للناس ممن أخذه، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه «٥» ولا طريقا يريدونه «٦» من بر وبحر» وكتب جهيم بن الصلب بأمر رسول الله ﷺ «٧» . وكتب لأهل جرباء وأذرح «بسم الله الرحمن الرحيم- هذا كتاب من محمد النبي ﷺ لأهل أذرح «٨» أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان، ومن لجأ إليهم من المسلمين «٩» ؛ وقد كان [أبو] «١٠» خيثمة أحد بني سالم رجع بعد أن خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائط قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماء وهيأت له فيه طعاما، فلما دخل أبو خيثمة [قام] «١١» على باب العريشين ونظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله ﷺ في الريح والحر وأبو خيثمة في ظلال باردة وطعام مهيأ وامرأة

стр. 365

حسناء «١» في ماله مقيم! ما هذا بالنصف! ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ ! فهيأتا له زادا، ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول الله ﷺ «٢» ، فبينا أبو خيثمة يسير إذ لحقه عمير بن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله ﷺ ، فترافقا «٣» حتى إذا دنوا «٤» من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبا، فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله ﷺ ففعل عمير، ثم سار أبو خيثمة حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ وهو نازل بتبوك قال «٥» الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله ﷺ : «كن أبا خيثمة» ! فقالوا: يا رسول الله! هو والله أبو خيثمة! فلما أناخ أقبل وسلم على رسول الله ﷺ ثم أخبره الخبر، فقال [له] «٦» رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير «٧» ؛ ثم إن رسول الله ﷺ دعا خالد بن الوليد وبعثه إلى أكيدر دومة «٨» ، وهو أكيدر بن عبد الملك رجل من كندة، وكان ملكا عليهم وكان نصرانيا فقال رسول الله ﷺ لخالد: «إنك ستجده يصيد بقر الوحش» ، فخرج خالد بن الوليد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته، فباتت البقر تحك «٩» قرونها بباب «٩» القصر فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله! قالت: فمن يترك هذا؟ قال: لا أحد، فنزل أكيدر دومة وأمر بفرسه فأسرج وركب

стр. 366

في نفر من أهل بيته ومعه أخوه حسان، فلما خرجوا بمطاردهم «١» تلقّتهم خيل رسول الله ﷺ معهم خالد بن الوليد فقتلوا أخاه حسانا، وقد كان عليه قباء من ديباج مخوّص بالذهب فاستلبه خالد وبعث به إلى رسول الله ﷺ «٢» ، فلما قدم به على رسول الله ﷺ جعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويعجبون «٣» منه، فقال رسول الله ﷺ : «أتعجبون من هذا! والذي نفس محمد بيده! لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا» «٤» ؛ ثم إن خالدا قدم بأكيدر على رسول الله ﷺ فحقن له دمه وصالحه على الجزية ثم خلى سبيله، ورجع إلى قريته. وافتقد رسول الله ﷺ كعب بن مالك فقال: «ما فعل كعب بن مالك» ؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله! حبسه برداه والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل: بئس والله ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا منه إلا خيرا! فسكت رسول الله ﷺ «٥» . وأقام رسول الله ﷺ [بتبوك] «٦» بضع عشرة «٧» ليلة يقصر الصلاة ولم يجاوزها؛ ثم انصرف قافلا إلى المدينة، وكان في الطريق [ماء يخرج من وشل] «٦» ما يروي الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له: المشقق «٨» ، فقال رسول الله ﷺ : «من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى آتيه» «٩» ، فلما أتاه رسول الله ﷺ وضع يده فيها «١٠» فجعل ينصب في يده ما شاء الله أن ينصب ثم مجه فيه

стр. 367

ودعا الله بما شاء أن يدعو فانخرق من الماء، فشرب الناس واستقوا حاجتهم [منه] «١» ؛ فقال رسول الله ﷺ : «لئن بقيتم- أو بقي منكم- «٢» لتسمعن بهذا «٢» الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه» ، وذلك الماء فوارة تبوك اليوم. ثم إن رسول الله ﷺ نزل بعض المنازل ومات عبد الله ذو البجادين «٣» فحفروا له، ونزل رسول الله ﷺ في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه «٤» إليه «٥» وهو «٥» يقول: «أدليا لي «٦» أخاكما» ، فأدلوه «٧» إليه، فلما هيأه [لشقه] «٨» قال رسول الله ﷺ : «اللهم! إني [قد] «٩» أمسيت عنه راضيا فارض عنه» ، فقال عبد الله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة «١٠» . وكان المسلمون يقولون: لا جهاد بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : «لا ينقطع الجهاد حتى ينزل عيسى ابن مريم ﵇» «١١» ، وجعل رسول الله ﷺ من تبوك إلى المدينة مساجد في منازله معروفة إلى اليوم، فأولها مسجد تبوك ومسجد بثنية مدران «١٢» ومسجد بذات الزراب «١٣» ومسجد بالأخضر ومسجد بذات

стр. 368

الخطمى ومسجد بذات البتراء «١» ومسجد بالشق «٢» ومسجد بذي الجيفة «٣» ومسجد بالصدر «٤» ومسجد وادي القرى ومسجد الرقعة ومسجد بذي مروة ومسجد بالفيفاء «٥» ومسجد بذي خشب. ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فيهم كعب بن مالك ومرارة ابن الربيع «٦» وهلال بن أمية وغيرهم، فجعلوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين «٧» رجلا، فكان رسول الله ﷺ يقبل منهم على نيتهم ويكل «٨» سرائرهم إلى الله حتى جاء كعب بن مالك فسلم عليه، فتبسم رسول الله ﷺ تبسم المغضب ثم قال: «تعال» ! فجاء كعب بن مالك يمشي حتى جلس بين يديه، فقال له النبي ﷺ : «ما خلفك! ألم تكن ابتعت ظهرك» ؟ قال: بلى يا رسول الله! والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من «٩» سخطه بعذر «٩» ولقد أعطيت جدلا وإن لي لسانا، ولكن والله! لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كاذبا لترضين به عني «١٠» ، وليوشكن الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديثا صادقا تجد عليّ فيه، وإني لأرجو عقبى الله فيه، لا والله ما كان لي عذر! والله ما كنت قط

стр. 369

[أقوى و] «١» أيسر مني حين تخلفت عنك! فقال رسول الله ﷺ : «أما هذا فقد صدق «٢» ، قم حتى يقضي الله فيك» ، فقام وثار معه رجال من بني سلمة واتبعوه وقالوا: ما علمناك [كنت] «١» أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ كما اعتذر إليه المخلفون، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ [لك] «٢» ، وجعلوا ينوبونه حتى أراد أن يرجع إلى رسول الله ﷺ ويكذب نفسه ثم قال لهم: هل لقي هذا أحد غيري؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت وقال لهما مثل ما قال لك، قال «٣» : ومن هما؟ قالوا مرارة بن الربيع «٤» وهلال بن أمية الواقفي «٥» . ثم نهى رسول الله ﷺ عن كلام هؤلاء الثلاثة؛ فأما مرارة وهلال فقعدا في بيوتهما، وأما كعب بن مالك فكان أشب القوم وأجلدهم، وكان يخرج ويشهد الصلاة مع المسلمين ويطوف في الأسواق ولا يكلمه أحد، ويأتي رسول الله ﷺ ويسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ويقول في نفسه: هل حرك شفتيه برد السلام [عليّ] «٦» أم لا! ثم يصلي قريبا منه ويسارقه النظر، فإذا أقبل كعب على صلاته نظر إليه رسول الله ﷺ ، وإذا التفت نحوه أعرض عنه، حتى طال ذلك عليه من جفوة المسلمين. ثم مركعب حتى تسور جدار أبي قتادة- وهو ابن عمه وأحب الناس إليه- فسلم عليه، فلم يرد ﵇، فقال له: يا أبا قتادة! أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فسكت فعاد ينشده فسكت فعاد ينشده، فقال: والله ورسوله أعلم،

стр. 370

ففاضت عينا كعب ووثب فتسور الجدار ثم غدا إلى السوق، فبينا هو يمشي [و] «١» إذا نبطي «٢» من نبط الشام يسأل عنه ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة وهو يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فجعل الناس يشيرون إليه حتى جاء كعبا فدفع إليه كتابا من ملك غسان في سرقة «٣» حرير فيه: أما بعد فإنه بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك «٤» ، فلما قرأ كعب الكتاب قال: وهذا من البلاء أيضا، قد بلغ بي ما وقعت فيه أن «٥» طمع فيّ رجل من [أهل] «٦» الشرك، ثم عمد بالكتاب إلى تنور فسجره «٧» به، ثم أقام على ذلك حتى [إذا] «٦» مضى أربعون ليلة أتاه رسول رسول الله ﷺ فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك! فقال كعب: أطلقها أم ماذا؟ قال: بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى مرارة وهلال بمثل ذلك، فقال كعب لامرأته: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما هو قاض، و «٨» جاءت امرأة هلال بن أمية فقالت: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع لا خادم له، أفتكره أن أخدمه، قال: لا، ولكن لا يقربنك! قالت: والله يا رسول الله ما به من حركة إليّ! والله ما زال يبكي منذ كان أمره ما كان إلى يومه هذا، والله لقد تخوفت على بصره «٩» ؛ فلبثوا بعد ذلك عشر ليال حتى كمل خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ المسلمين «١٠» عن كلامهم، فصلى كعب بن مالك الصبح على ظهر بيت من بيوته على الحال التي

стр. 371

ذكر الله منه: ضاقت عليه الأرض برحبها وضاقت «١» عليه نفسه «١» ، إذ سمع صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك! أبشر، فخر كعب لله ساجدا وعرف أنه قد جاء الفرج، وأخبر رسول الله ﷺ بتوبة الله عليهم «٢» حين صلى الصبح، ثم جاء كعبا «٣» الصارخ بالبشرى فنزع ثوبيه فكساهما إياه ببشارته، واستعار ثوبين فلبسهما، ثم انطلق يؤم رسول الله ﷺ ، وتلقاه الناس يتهنأونه بالتوبة ويقولون: ليهنك توبة الله عليك! حتى دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام إليه طلحة بن عبيد الله فحياه وهنأه، فلما سلم «٤» كعب على رسول الله ﷺ قال له رسول الله ﷺ ووجهه يبرق بالسرور: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» ! فقال كعب: أمن عندك يا رسول الله أم [من] «٥» عند الله؟ قال «بل من عند الله» ! ثم جلس بين يديه فقال: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ : «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» ، فقال: إني ممسك سهمي الذي بخيبر، ثم قال: يا رسول الله! [إن الله] «٥» قد نجاني بالصدق، فإن توبتي إلى الله أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فتلا عليهم رسول الله ﷺ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ- إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ «٦» . ثم لا عن رسول الله ﷺ بين عويمر بن الحارث بن عجلان- وهو الذي يقال له عاصم «٧» - وبين امرأته بعد العصر في مسجد في شعبان، وذلك أنه أتى رسول

стр. 372

الله ﷺ فقال: يا رسول الله! لو أحدنا رأى امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم! وإن سكت [سكت] «١» على مثل ذلك! فلم يجبه رسول الله ﷺ ، فلما كان بعد ذلك أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به! فأنزل الله هذه الآيات وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ «٢» - حتى ختم الآيات، فدعا رسول الله ﷺ عاصما فتلا عليه ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال عاصم: لا والذي بعثك! ما كذبت عليها، ثم دعا بامرأته فوعظها وذكرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قالت: لا والذي بعثك بالحق! فبدأ بعاصم فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وأمر رسول الله ﷺ فوضع «٣» يده على فيه عند الخامسة وقال: احذر فإنها موجبة! ثم ثنى «٤» بامرأته فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين؛ ثم فرق بينهما وألحق الولد بالأم «٥» . وماتت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ في شعبان، وغسلتها صفية بنت عبد المطلب، ونزل في حفرتها عليّ والفضل وأسامة «٦» . وورد على رسول الله ﷺ كتاب ملوك حمير في رمضان مقرين بالإسلام، فكتب إليهم رسول الله ﷺ كتاب جوابهم وبعثه مع عمرو بن حزم «بسم الله

стр. 373

الرحمن الرحيم- من محمد رسول الله- ﷺ إلى شرحبيل «١» بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال قيل [ذي] «٢» رعين ومعافر [وهمدان] «٢» ، أما بعد، فقد رفع «٣» رسولكم، وأعطيتم من المغانم خمس الله وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار، و «٤» ما سقت السماء إذا كان سيحا أو بعلا ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، [وما سقى بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق] «٥» . وفي كل خمس من الإبل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعا وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع «٦» وعشرين ففيها ابنة مخاض فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر إلى أن تبلغ خمسا وثلاثين، فإن زادت واحدة على خمس وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى أن تبلغ خمسا وأربعين، فإن زادت واحدة على خمس «٧» وأربعين ففيها حقة طروقة الجمل إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت على الستين واحدة ففيها جذعة إلى أن تبلغ خمسا «٨» وسبعين، فإن زادت واحدة «٩» على خمس «١» وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى أن تبلغ تسعين، فإن زادت [واحدة] «١٠» على التسعين ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى أن تبلغ عشرين ومائة؛ فما زاد [على عشرين

стр. 374

ومائة] «١» ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة طروقة [الجمل] «١» وفي كل ثلاثين باقورة «٢» [تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة] «١» بقرة. وفي كل أربعين شاة سائمة [شاة] «١» إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة واحدة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين، فإن زادت واحدة فثلاث «٣» إلى أن تبلغ ثلاثمائة «٤» ، فإن زادت ففي كل مائة شاة شاة. ولا تؤخذ في الصدقة بهرمة ولا عجفاء «٥» ولا ذات عوار ولا تيس الغنم. ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية. وفي كل خمس «٦» أواق من الورق خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهما درهم، وليس فيما دون خمس «٦» أواق شيء. وفي كل أربعين دينارا دينار. و «٧» إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته، إنما هي الزكاة يزكى بها أنفعهم، «٨» في فقراء «٨» المؤمنين وفي سبيل الله. وليس في رقيق ولا مزرعة ولا عمالها شيء إذا كانت تؤدى صدقتها «٩» من العشر، وليس في عبد المسلم ولا فرسه شيء. وإن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم. وإن العمرة هي الحج الأصغر. ولا يمس القرآن إلا طاهر. ولا طلاق قبل إملاك، ولا عتاق «١٠» حتى يبتاع. ولا يصلين أحد منكم في

стр. 375

ثوب واحد ليس على منكبيه شيء، ولا يحتبين في ثوب واحد [ليس بين فرجه وبين السماء شيء، ولا يصلين أحدكم في ثوب واحد] «١» وشقه باد، ولا يصلين أحد منكم عاقصا شعره. وإن من اعتبط «٢» مؤمنا قتلا عن بينة فهو قود إلا أن يرضى «٣» أولياء المقتول. وإن في النفس «٤» الدية مائة من الإبل، [و] «١» في الأنف إذا أوعب جدعه «٥» الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين «٦» الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، و [في] «٧» الرجل الواحدة نصف الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية «٨» ، وفي المنقلة خمس «٩» عشرة من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل. وإن الرجل يقتل بالمرأة. وعلى أهل الذهب ألف دينار» فقرئ الكتاب على أهل اليمن. ثم بعث «١٠» رسول الله ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن وذكر أنه ﷺ صلى الغداة ثم أقبل على الناس بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين والأنصار! أيّكم ينتدب إلى اليمن؟ فقام عمر بن الخطاب فقال: أنا يا رسول الله! فسكت عنه ثم قال: «يا معشر المهاجرين والأنصار» ! أيّكم ينتدب إلى اليمن» ؟ فقام معاذ بن جبل فقال: أنا يا رسول الله! فقال: «يا معاذ أنت لها! يا بلال ائتني بعمامتي» ! فأتاه بعمامته فعمم

стр. 376

بها رأسه، ثم خرج رسول الله ﷺ والمهاجرون «١» والأنصار يشيعون معاذا وهو راكب ورسول الله ﷺ يمشي إلى جانب راحلته «٢» ، ثم قال: «يا معاذ! أوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة وترك الخيانة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخفض الجناح، وحفظ الجار، ولين الكلام ورد السلام، والتفقه في القرآن، والجزع من الحساب، وحب الآخرة على الدنيا؛ يا معاذ! لا تفسد أرضا، ولا تشتم مسلما، ولا تصدق كاذبا ولا تكذب صادقا، ولا تعص إماما، وإنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات «٣» في يومهم وليلتهم فإذا فعلوا ذلك فأخبرهم أن [الله تعالى قد] «٤» فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس «٥» ؛ يا معاذ «٦» ! إني أحب لك ما أحب لنفسي وأكره لك ما أكره لها؛ يا معاذ! إذا أحدثت ذنبا فأحدث له توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية؛ يا معاذ! يسر ولا تعسر، واذكر الله عند [كل] «٧» حجر ومدر «٨» يشهد لك يوم القيامة؛ يا معاذ! عد المريض، وأسرع في حوائج الأرامل والضعفاء، وجالس المساكين والفقراء، وأنصف الناس من نفسك، وقل الحق حيث كان، ولا يأخذك في الله لومة لائم، والقني على الحال التي فارقتني عليها» . فقال معاذ: بأبي وأمي أنت يا رسول الله! لقد حملتني أمرا

стр. 377

عظيما فادع الله لي على ما قلدتني عليه، فدعا له رسول الله ﷺ ثم ودعه؛ وانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة وأصحابه. ثم أردفه بأبي موسى الأشعري، فلما قدم صنعاء صعد منبرها فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ عليهم عهده ثم نزل، فأتاه صناديد صنعاء فقالوا: يا معاذ! هذا نزل قد هيأناه لك وهذا منزل فرغناه «١» لك، قال: بهذا أوصاني حبيبي، أوصاني رسول الله ﷺ «٢» أن لا تأخذك «٣» في الله لومة لائم، وخلع رسول الله ﷺ «٤» معاذ بن جبل «٤» [من] «٥» ماله لغرمائه حيث اشتدوا عليه وبعثه إلى اليمن وقال: «لعل الله يجبرك» «٦» !. وقدم وفد كلاب على رسول الله ﷺ ثلاثة عشر «٧» نفرا فيهم لبيد بن ربيعة. ثم بعث رسول الله ﷺ سرية مع جماعة من العرب ليس فيهم من المهاجرين أحد ولا من الأنصار إلى بني تميم «٨» . فأغار عليهم وسبى منهم النساء والولدان، وأخذ منهم عشرين رجلا فقدم بهم المدينة، فوضع رسول الله ﷺ لحسان منبرا فقام عليه، فقال رسول الله ﷺ : «إن الله يؤيد حسانا بروح القدس» ، فقال القوم: شاعرهم أشعر من شاعرنا وخطيبهم أخطب من خطيبنا «٩» .

стр. 378

وقدم وفد الطائف «١» ونزلوا دار المغيرة بن شعبة وطلبوا الصلح، فأمر النبي ﷺ خالد بن سعيد بن العاص أن يكتب لهم كتاب الصلح. ومرض «٢» عبد الله بن أبي بن سلول في ليال بقين من شوال، ومات في ذي القعدة، وكان النبي ﷺ يعوده، فلما مات جاء ابنه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أعطني قميصك أكفنه فيه، فأعطاه رسول الله ﷺ قميصه، وأتى قبره فصلى عليه فنزلت الآية وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ «٣» . وقدم وفد بني فزارة «٤» وهم بضعة [عشر] «٥» رجلا فيهم خارجة بن حصن «٦» . وقدم وفد بني عذرة «٧» ثلاثة عشر رجلا، ونزلوا على المقداد بن عمرو. وفرض الله تعالى الحج على من استطاع إليه سبيلا، فبعث رسول الله ﷺ أبا بكر يحج بالناس من المدينة في ثلاثمائة نفس، وبعث معه عشرين بدنة مفتولة قلائدها، ففتلها عائشة بيدها وقلدها وأشعرها، وساق أبو بكر لنفسه خمس بدنات، وحج معه عبد الرحمن بن عوف، فلما بلغ العرج وثوب «٨» بالصبح سمع أبو بكر خلفه رغوة وأراد أن يكبر الصلاة فوقف عن التكبير وقال: هذه رغوة ناقة رسول

стр. 379

الله ﷺ الجدعاء، لقد بدا لرسول الله ﷺ في الحج، فلعله أن يكون رسول الله ﷺ فنصلي «١» معه! فإذا عليّ عليها فقال أبو بكر: أمير أم رسول؟ فقال: [لا] «٢» ، بل رسول الله ﷺ أرسلني ببراءة أقرأها على الناس في مواقف الحج، فقدموا مكة فقرأ على الناس سورة براءة حتى ختمها، فلما كان يوم عرفة قام أبو بكر فخطب الناس وعرفهم مناسكهم، حتى إذا فرغ قام عليّ فقرأها على الناس حتى ختمها، فلما كان يوم النحر خطب أبو بكر الناس وحدثهم «٣» عن إفاضتهم ونحرهم ومناسكهم، فلما فرغ قام عليّ فقرأ على الناس براءة حتى ختمها «٤» لينبذ «٥» إلى كل ذي حق حقه [وذي] «٦» عهد عهده و [أن] «٧» لا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان؛ فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر وخطب الناس وحدثهم كيف ينفرون [و] «٨» كيف يرمون فعلمهم «٩» مناسكهم، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم رجعوا إلى المدينة «١٠» . السنة العاشرة من الهجرة حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ثنا محمد بن بشار ثنا [أبو] «١١» عامر ثنا

стр. 380

قرة «١» بن خالد عن أبي جمرة «٢» الضبعي قال: قلت لابن عباس: إن لي جرة ينبذ لي فيها، فإذا أطلت الجلوس مع القوم خشيت «٣» أن أفتضح من حلاوته، قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقال: «مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى» ! قالوا: يا رسول الله! إن بيننا وبينك المشركين من مضر، وإنا لا نصل [إليك] «٤» إلا في أشهر الحرام فحدثنا جملا «٥» من الأمر إذا أخذنا به دخلنا الجنة وندعو إليه من وراءنا، فقال: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله» ؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، و [أن] «٤» تعطوا الخمس من المغنم؛ وأنهاكم عن النبيذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت» «٦» . قال: في أول هذه السنة قدم وفد عبد القيس «٧» على رسول الله ﷺ ، فلما دنوا من المدينة تركوا رواحلهم وبادروا إلى النبي ﷺ ، ونزل عبد الله بن الأشج العبدي فعقل راحلته ونزع ثيابه فلبسها ثم أتى رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة» «٨» - سألوه عما ذكرنا. ثم بعث «٩» رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بني عبد المدان «١٠» في شهر ربيع

стр. 381

الأول وهم بنو الحارث بن كعب وأسلموا، وأخذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم. ثم بعث رسول الله ﷺ عمرو «١» بن حزم عاملا على نجران، فخرج وأقام عندهم يعلمهم السنة ومعالم الإسلام إلى أن توفي رسول الله ﷺ وهو على نجران «٢» . وقدم عدي بن حاتم الطائي ومعه صليب من ذهب، فقال النبي ﷺ : «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله» «٣» . وقدم بعده وفد طيء فيهم زيد الخيل وهو رأسهم «٤» . ثم قدم جرير بن عبد الله البجلي، فبعثه رسول الله ﷺ إلى هدم «٥» ذي الخلصة «٥» ، فهدمها. ثم قدم وفد الأزد رأسهم صرّد بن عبد الله «٦» في بضعة عشر رجلا، وبعثه رسول الله ﷺ إلى جرش فافتتحها، وكان عاملا للنبي ﷺ . وولد محمد بن عمرو بن حزم بنجران، فكتب عمرو إلى رسول الله ﷺ بذلك وأخبره أنه سماه محمدا وكناه أبا سليمان «٧» .

стр. 382

وقدم وفد سلامان «١» ، وهم سبعة نفر رأسهم حبيب السلاماني «٢» . وقدم وفد «٣» بني حنيفة فيهم مسيلمة فقال: يا محمد! إن جعلت لي الأمر بعدك آمنت بك وصدقتك، وفي يد رسول الله ﷺ جريدة فقال النبي ﷺ : «لو سألتني هذه الجريدة «٤» ما أعطيتكها «٤» ! ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، إني لأراك «٥» الذي أريت» ، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: «بينا «٦» أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما، فأوحي إليّ [في المنام أن] «٧» أنفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما الكذابين: أحدهما العنسي، والآخر مسيلمة صاحب اليمامة» . وقدم وفد غسان «٨» ووفد عبس «٩» ووفد كندة «١٠» ووفد محارب «١١» ووفد خولان «١٢» ، وكان النبي ﷺ إذا قدم عليه الوفود لبس أحسن ثيابه وأمر أحبابه بذلك. وقدم وفد مراد «١٣» رأسهم فروة بن مسيك المرادي، واستعمله رسول الله ﷺ على مراد ومذحج. وبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد على الصدقات إليهم وكتب لهم كتابا بذلك.

стр. 383

ودخل «١» أبو ذر على رسول الله ﷺ المسجد وهو [جالس] «٢» وحده فقال «٣» : «يا أبا ذر! إن للمسجد تحية» ، قال: وما تحيته يا رسول الله؟ قال: «ركعتان» ، فقام فركعهما، ثم قال: إنك أمرتني بالصلاة فما الصلاة؟ قال: «خير موضوع فمن شاء أقل ومن شاء أكثر» ! فقال: يا رسول الله! أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «إيمان بالله وجهاد في سبيله» ، قال: فأي المؤمنين أكملهم «٤» إيمانا؟ قال: «أحسنهم خلقا» ، قال: فأي المسلمين أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» ، قال: فأيّ الهجرة أفضل؟ قال: «من هجر السوء» ، قال: فأي الليل أفضل؟ قال: «جوف الليل الغابر» ، قال: فأي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» ، قال «٥» : فأي الرقاب أفضل، قال: «أغلاها «٦» ثمنا وأنفسها عند أهلها» ، قال: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق «٧» دمه» ، قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: «جهد من مقل إلى فقير في سر» ، قال: فما الصوم أفضل؟ قال: «فرض مجزي وعند الله أضعاف كثيرة» ، قال: فأي آية [مما] «٨» أنزلها الله عليك أفضل؟ قال: «آية الكرسي» «٩» ، قال: يا رسول الله! كم النبيون قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي، قال: كم المرسلون منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا» ، قال: من كان أول الأنبياء؟ قال: «آدم» ، قال: وكان من الأنبياء

стр. 384

مرسلا؟ قال: «نعم، خلق الله آدم بيده ونفخ فيه من روحه ثم [سواه وكلمه قبلا، ثم [ «١» قال: يا أبا ذر! أربعة من الأنبياء سريانيون «٢» : آدم وشيث وخنوخ- وهو إدريس، وهو أول من خط بالقلم- ونوح؛ وأربعة من العرب «٣» : هود وصالح وشعيب ونبيك محمد، وأول الأنبياء آدم وآخرهم محمد ﷺ ، وأول نبي من [أنبياء] «١» بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وبينهما ألف نبي» ؛ قال: يا رسول الله! كم أنزل الله من كتاب؟ قال: مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، [وأنزل على إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف] «٤» وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان» ؛ قال: يا رسول الله! فما كانت صحف إبراهيم؟ قال: «كانت أمثالا كلها: أيها الملك [المسلط] «٤» المبتلي المغرور! إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من كافر؛ وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا [على عقله] «٤» أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر «٥» فيها في صنع الله ، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال «٦» ؛ فإن هذه الساعة عون لتلك «٧» الساعات «٨» [واستجمام] «٩» للقلوب «١٠» ، وعلى العاقل أن يكون

стр. 385

«١» بصيرا بزمانه «١» ، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه «٢» ، فإنه من حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه؛ وعلى العاقل أن يكون طالبا لثلاث: مرمة لمعاش، وتزود لمعاد، وتلذذ في غير محرم» ؛ وقال: يا رسول الله! فما كانت صحف موسى؟ قال: «كانت عبرا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت ثم يفرح، وعجبت لمن أيقن بالقدر ثم ينصب، وعجبت لمن أيقن بالحساب [غدا] «٣» ثم لا يعمل» ، قال: هل أنزل الله عليك شيئا مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟ قال: «يا أبا ذر! [تقرأ] «٣» قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى- الآية» ، قال: يا رسول الله! أوصني، قال: «أوصيك بتقوى الله فإنه زين لأمرك» ، قال: زدني، قال: «عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان [عنك] «٤» وعون لك على أمر دينك، وإياك والضحك فإنه يميت القلوب ويذهب نور الوجه» ، قال: زدني، قال: «أحب المساكين ومجالستهم» ، قال: زدني، قال: «قل الحق ولو كان مرا» ، قال: زدني، قال: «لا تخف في الله لومة لائم» ، قال: زدني، قال: «ليحجزك «٥» عن الناس ما تعلم من نفسك ولا تجد «٦» عليهم فيما تأتي» ، ثم قال: «يا «٧» أبا ذر! كفى للمرء غيا «٨» أن يكون فيها خصال: يعرف من الناس ما يجهل من نفسه، ويتجسس «٩» لهم ما هو فيه، ويؤذي جليسه فيما لا يعنيه، يا أبا ذر! لا عقل كالتدبير «١٠» ،

стр. 386

ولا ورع كالكف «١» ، ولا حسب كحسن الخلق» «٢» . ثم بعث «٣» علي بن أبي طالب ﵁ سرية إلى اليمن في شهر رمضان، قال: يا رسول الله! كيف أصنع؟ قال: «إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك، فإن قاتلوك فلا تقاتلهم حتى «٤» يقتلوا منكم قتيلا، فإن قتلوا منكم قتيلا فلا تقاتلوهم حتى «٥» تروهم أناة «٥» ، فإذا أتيتهم «٦» فقل لهم «٧» : هل لكم أن تخرجوا من أموالكم صدقة فتردونها على فقرائكم، فإن قالوا: نعم، فلا تبغ منهم غير ذلك؛ ولأن يهدي الله على يديك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس» . ونزلت على رسول الله ﷺ لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجاهِدُونَ «٨» فجاء عبد الله بن أم مكتوم فقال: [يا] «٩» رسول الله ﷺ ! إني أحب الجهاد في سبيل الله ولكن بي ما ترى، قد ذهب بصري، قال زيد بن ثابت: فثقلت «١٠» فخذه على فخذي حتى خشيت أن ترضها «١١» : ثم قال «غير أولي الضرر» . وقدم العاقب والسيد «١٢» من نجران فكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا صالحهم

стр. 387

عليه- فهو في أيديهم إلى اليوم، وقالا: يا رسول الله! ابعث علينا رجلا أمينا «١» نعطه «٢» ما سألتنا، فقال النبي ﷺ : «لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين» ، فاستشرف لها الناس فبعث أبا عبيدة بن الجراح؛ ومات [أبو] «٣» عامر الراهب عند «٤» هرقل، فاختلف كنانة «٤» بن عبد ياليل وعلقمة بن علاثة «٥» في ميراثه، فقضي «٦» برسول الله ﷺ لكنانة بن عبد ياليل. وقدم الأشعث بن قيس «٧» وافدا إلى رسول الله ﷺ في قومه، فبعث معه رسول الله ﷺ زياد بن لبيد «٨» البياضي إلى البحرين ليأخذ منهم الصدقات. وبينما رسول الله ﷺ قاعد «٩» مع أصحابه إذ طلع عليهم رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منهم أحد، حتى جلس إلى نبي الله ﷺ فوضع ركبته إلى ركبته ووضع كفه «١٠» على فخذه «١٠» ، ثم قال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ قال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» ، قال: صدقت! فعجب المسلمون منه يسأله ويصدقه؛ ثم قال: أخبرني عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله خيره وشره» ، قال: صدقت؛ قال: أخبرني عن الإحسان، [قال] «١١» : «أن تعبد الله

стр. 388

كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» ؛ قال: فأخبرني عن الساعة، قال: «ما المسؤول عنها بأعلم [بها] «١» من السائل» ، قال: فأخبرني عن أمارتها «٢» ، قال: «أن تلد الأمة ربتها «٣» وأن ترى الحفاة «٤» العراة يتطاولون «٥» في البنيان» ، قال: ثم انطلق فقال رسول الله ﷺ : «هذا جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم» . ثم إن النبي ﷺ أراد أن يحج حجة الوداع «٦» فأذن في الناس أنه خارج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ، حتى أتى ذا الحليفة فولدت «٧» أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، واستثفري «٨» بثوب وأخرى» . ثم صلى رسول الله ﷺ في المسجد وأمر ببدنة أن تشعر وسلت عنها الدم «٩» ، ثم ركب القصواء «١٠» فلما استوت به ناقته على البيداء أهلّ، وإن بين يديه وخلفه وعن يمينه ويساره من الناس ما بين راكب وماش «١١» ، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، فأهلّ: لبيك! اللهم لبيك! لا شريك لك لبيك! إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك؛ وأهل الناس معه، فمنهم من أهل مفردا ومنهم من أهل قارنا، حتى قدم رسول الله ﷺ مكة من الثنية، فلما دخل مكة توضأ إلى الصلاة ثم دخل من باب بني شيبة، فلما أتى الحجر

стр. 389

استلمه، ورمل ثلاثا ومشى أربعا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم [فقرأ] «١» وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وجعل المقام بينه وبين البيت وصلى ركعتين، قرأ فيهما قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، ثم رجع إلى الركن فاستلمه؛ ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما رقى على الصفا قرأ إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ وقال: «أبدأ بما بدأ الله» ؛ فلما رقى عليها ورأى البيت استقبل القبلة وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده- قال ذلك ثلاث مرات؛ فلما نزل [إلى] «١» المروة حتى «٢» انصبت قدماه في بطن الوادي خب، حتى إذا صعد مشى، فلما أتى المروة صعد عليها وفعل عليها ما فعل على الصفا؛ حتى إذا كان آخر طواف على المروة فقال: لو استقبلت ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة» ، فقال سراقة ابن مالك بن جعشم: يا رسول الله! لعامنا هذا أو للأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ بين أصابعه وقال: «دخلت العمرة في الحج- مرتين- لا، بل للأبد» . وقدم عليّ من اليمن فوجد «٣» فاطمة قد لبست ثياب صبغ واكتحلت، فأنكر ذلك عليها فقالت: أبي أمرني بهذا! ثم قال النبي ﷺ [لعلي] «٤» : «بم فرضت الحج» ؟ قال: قلت: اللهم! إني أهل بما أهل به رسولك. فقال رسول الله ﷺ : «فإن معي الهدي فلا تحل» ، فكان الهدي الذي قدم به علي بن أبي طالب من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ مائة، فحل الناس وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه [هدي] «٥» . واعتل سعد «٦» بن أبي وقاص فدخل عليه رسول الله ﷺ ، فبكى سعد فقال له

стр. 390

النبي ﷺ : « [ما يبكيك] » «١» . فقال: خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة! فقال النبي ﷺ : «اللهم اشف سعدا» - ثلاثا، فقال: يا رسول الله! إن لي مالا كثيرا، وأنعما، ومورثتي بنت لي واحدة، أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا، قال: فالنصف؟ قال: «لا» ، قال: الثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير، إنك إن صدقت مالك صدقة «٢» ، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وما تأكل امرأتك من طعامك صدقة، وأن تدع أهلك بخير [خير] «٣» من أن تدعهم عالة يتكففون الناس، اللهم! أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم» ، لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله ﷺ [أن مات بمكة] «٤» . [فلما كان يوم التروية توجهوا] «٥» إلى منى وأهلّ الناس بالحج، فصلى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة له فضربت له بنمرة، ثم سار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش [إلا] «٦» أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فجاز «٧» رسول الله ﷺ حتى جاء عرفة «٨» فوجد القبة [قد ضربت] «٦» له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء «٩» فرحلت له، فلما [أتى] «١٠» بطن الوادي خطب الناس وقال في خطبته: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في
следующие страницы →