← Сира

Сира · id 9898

السيرة النبوية وأخبار الخلفاء من الثقات لابن حبان

ابن حبان

Полный текст (598 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

عبيدة يعطيهم حفنة حفنة، ثم أعطاهم تمرة تمرة، ثم ضرب لهم البحر بدابة «١» يقال لها العنبر فأكلوا منها شهرا، ثم أخذ أبو عبيدة ضلعا «٢» فنصبه فمر راكب البعير تحته؛ فلما رجعوا إلى رسول الله ﷺ أخبروه فقال: «هو رزق رزقتموه من الله، هل عندكم منه شيء» ؟ وسمى هذا الجيش جيش الخبط «٣» وذلك أنهم جاعوا فكانوا يأكلون الخبط «٤» حتى صارت أشداقهم كأشداق الإبل. ثم استشار عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ «٥» أن لي «٥» أرضا بخيبر لم أصب مالا قط هو أنفس «٦» عندي منه فما تأمرني؟ قال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها» ، فحبس عمر أصلها وتصدق بها- ولا تباع ولا توهب ولا تورث- في الفقراء والغرباء، وما بقي أنفق في سبيل [الله] وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف وأن يعطي طريفا «٧» عنه غير متمول فيه. ثم إن بكر بن عبد مناة بن كنانة خرجت على خزاعة وهم على ماء لهم بأسفل مكة فقاتلوا، فلما «٨» بلغ رسول الله ﷺ ذلك قال للمسلمين: «كأنكم بأبي سفيان قد قدم لتجديد العهد بيننا» ! وكان بديل بن ورقاء بالمدينة فخرج إلى مكة

стр. 317

راجعا، فلما بلغ «١» عسفان لقيه أبو سفيان وكانت قريش قد بعثه إلى رسول الله ﷺ لتجديد العهد، فقال له أبو سفيان: من أين أقبلت يا بديل؟ قال: سرت إلى خزاعة، قال: جزت بمحمد؟ قال: لا، ثم خرج أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته «٢» عنه، فقال: يا بنيتي «٣» ! ما أدري أرغبت بهذا «٤» الفراش عني أم رغبت بي عنه؟ قالت: هذا «٥» فراش رسول الله «٦» ﷺ «٦» وأنت رجل مشرك نجس! فلم أحب أن تجلس على فراش «٧» ﷺ «٧» ، ثم «٨» خرج أبو سفيان حتى أتى النبي ﷺ فكلمه فلم يرد عليه شيئا، فذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم «٩» رسول الله ﷺ ، فقال: ما أنا بفاعل، ثم خرج حتى أتى عمر فكلمه فقال عمر: أنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ ! والله لو لم أجد إلا الذرّ لجاهدتكم بهم «١٠» ! ثم خرج أبو سفيان حتى دخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ وعندها الحسن ابنها «١١» يدبّ فقال: يا علي! إنك أمس القوم بي رحما وأقربهم منى قرابة وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما

стр. 318

جئت «١» ، اشفع لي «٢» إلى رسول الله ﷺ ، قال: ويحك يا أبا سفيان! لقد «٣» عزم رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه؛ فالتفت إلى فاطمة فقال: هل لك أن تأمري «٤» ابنك «٥» هذا «٦» أن يجير «٦» بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر، قالت: ما بلغ «٧» ذلك ابني «٧» أن يجير بين الناس «٨» ، قال: يا أبا الحسن! إني أرى الأمور قد اشتدت عليّ، «٩» ما تنصح لي «٩» ؟ قال: والله! ما أعلم شيئا يغني ١» عنك «١١» ولكن قم «١٣» فأجر بين الناس و «١٢» الحق بأرضك «١٣» ، قال: و «١٤» ترى ذلك يغني «١٥» عني شيئا؟ قال: والله «١٦» ما أدري «١٧» ! فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس! إني قد أجرت بين الناس- ثم خرج «١٨» . فلما قدم على قريش مكة «١٩»

стр. 319

قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلمته، قال «١» : فو الله ما رد علي بشيء «٢» ! ثم [جئت] «٣» ابن أبي قحافة «٤» فلم أجد فيه «٥» خيرا، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أعدى «٦» العدو «٧» ، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم، وقد أشار علي برأي «٨» صنعته، فو الله! ما أدري هل يغنيني «٩» شيئا أم لا! قالوا: وبماذا أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت؛ قالوا: فهل أجاز محمد ذلك؟ قال: لا، قالوا: ويحك! والله إن زاد «١٠» علي بن أبي طالب على أن لعب بك! والله ما يغني عنك «١١» ما فعلت «١٢» !. ثم عزم رسول الله ﷺ على المسير إلى مكة وأمرهم بالجد والتهيؤ «١٣» وقال: «اللهم! خذ «١٤» العيون والأخبار «١٤» عن قريش» «١٥» ، «١٦» فلما صح ذلك منه ومن المسلمين «١٦» كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبر بالذي قد أجمع عليه

стр. 320

رسول الله ﷺ ثم أعطاه امرأة «١» من مزينة «٢» وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه «٣» قرونها ثم خرجت «٤» ، وأخبر الله رسوله ﷺ بما فعل حاطب، فبعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وقال: أدركا امرأة «٥» من مزينة «٥» قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش يحذرهم ما «٦» قدمنا عليه «٦» ، فخرجا حتى أدركاها بالحليفة» فاستنزلا «٨» والتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا، فقال لها علي: إني أحلف بالله أن رسول الله ﷺ [ما كذب ولا كذبنا] «٩» «١٠» إما أن تخرجي الكتاب وإلا نكشفنك «١٠» فلما رأت الجد «١١» قالت: أعرض عني، فأعرض عنها علي، فحلت قرون رأسها واستخرجت الكتاب «١١» فدفعته «١٢» إليه، فجاء به «١٣» رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ حاطبا فقال: «يا حاطب! ما حملك على هذا» ؟ قال. يا «١٤» رسول الله! والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت «١٥» ولا بدلت ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة وكان لي

стр. 321

بينهم «١» أهل وولد «٢» ، فقال عمر: دعني «٣» أضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال النبي ﷺ : «وما يدريك يا عمر! لعل الله قد اطلع «٤» يوم بدر إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» «٥» . ثم خرج رسول الله ﷺ من المدينة واستخلف على المدينة أبارهم كلثوم بن حصين «٦» بن عبيد «٧» بن خلف «٨» الغفاري، وذلك لعشر مضين من رمضان، فصام رسول الله ﷺ فصام المسلمون، «٩» ومع رسول الله ﷺ عشرة «٩» آلاف من المسلمين، ولم يعقد الألوية ولا نشر «١٠» الرايات، فلما بلغ الكديد- والكديد ما بين عسفان [وأمج] «١١» أفطر وأفطر المسلمون [وقد كان] «١١» عيينة بن [حصن] «١٢» الفزاري [لحق رسول الله بالعرج ولحقه الأقرع] «١٢» بن حابس التميمي «١٣» في نفر من أصحابهما فقال عيينة: يا رسول الله! والله ما أرى آلة الحرب ولا تهيئة «١٤»

стр. 322

الإجرام، فأين تتوجه «١» ؟ قال رسول الله ﷺ : «حيث شاء الله» ، فلما بلغ رسول الله ﷺ مر الظهران قد عمّيت الأخبار على «٢» قريش فلا «٣» يأتيهم خبر عن رسول الله ﷺ ولا يدرون ما هو فاعل خرج «٤» أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون «٥» الأخبار وينظرون هل يرون خبرا أو يسمعون به، فقال العباس بن عبد المطلب: «٦» يا صباح «٦» قريش! والله لئن دخل رسول الله ﷺ عنوة قبل أن يأتوه فاستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر! فركب العباس بغلة رسول الله ﷺ البيضاء ومضى عليها حتى أتى الأراك وقال هل أجد «٧» بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ ليخرجوا إليه ويستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة، فبينما هو يسير إذ سمع «٨» كلام أبي سفيان «٩» وهو يقول: والله ما رأيت ١» كالليلة نيرانا قط وعسكرا١» ! فقال بديل بن ورقاء: هذه والله [نيران] «١١»

стр. 323

خزاعة «١» ! فقال أبو سفيان: خزاعة والله الأم «٢» وأذل «٣» من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها! فلما عرف العباس «٤» صوتهم قال: يا أبا حنظلة! فعرف أبو سفيان صوته فقال: أبو الفضل؟ قال: نعم، «٥» قال: ما لك؟ قال: فداك أبي وأمي ويحك يا أبا سفيان! هذا «٥» رسول الله ﷺ «٦» ! قال: واصباح قريش! قال: فما الحيلة- فداك أبي وأمي؟ قال العباس: أما والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك! فاركب عجز هذه البغلة «٧» حتى آتي بك رسول الله ﷺ ، فركب أبو سفيان خلف العباس ورجع صاحباه إلى مكة؛ فكلما مر العباس بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ وإذا رأوه قالوا: بغلة رسول الله ﷺ والعباس عليها عمه، فلما مر بنار عمر ابن الخطاب قال: من هذا؟ وقام إليه فلما رأى أبا سفيان «٨» على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك «٩» من غير عقد ولا عهد! ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ ، وركض العباس بالبغلة فسبقه إلى رسول الله فاقتحم العباس على «١٠» باب القبة «١٠» ودخل على رسول الله ﷺ ، ودخل عليه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد!

стр. 324

فدعني أضرب عنقه، فقال العباس: يا رسول الله! إني قد أجرته، ثم جلس العباس إلى رسول الله ﷺ «١» وأكثر عمر في شأن أبي سفيان، فقال العباس: مهلا يا عمر! أما والله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف! فقال عمر: مهلا يا عباس! فو الله لإسلامك يوم أسلمت أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم! «٢» وما بي إلا أني عرفت «٢» أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب «٣» ، فقال رسول الله ﷺ : «اذهب به يا عباس إلى رحلك «٤» ، إذا أصبحت فأتني به» «٥» ، فذهب به العباس إلى رحله «٦» فبات عنده، فلما أصبح غدا به إلى «٧» رسول الله ﷺ ، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله» ؟ قال: بأبي أنت وأمي! ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى «٨» شيئا! قال: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله» ؟ قال: بأبي أنت وأمي! ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه فإن في النفس منها شيئا «٩» حتى الآن، فقال العباس: «١٠» ويحك! أسلم قبل أن يضرب «١٠» عنقك، فتشهد أبو سفيان شهادة وأسلم؛ فقال العباس: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا «١١» ، قال: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن! ومن أغلق

стр. 325

عليه بابه فهو آمن! ومن دخل المسجد فهو آمن» ! فلما أراد أبو سفيان أن ينصرف قال رسول الله ﷺ : «يا «١» عباس! «٢» احبسه، احبسه «٢» بمضيق الوادي عند خطم «٣» الجبل حتى تمر به «٤» جنود الله فيراها» «٥» ، فخرج به العباس فحبسه حيث أمر به رسول الله ﷺ ، ومرت القبائل على راياتها؛ كلما مرت قبيلة قال أبو سفيان: من هؤلاء يا عباس؟ فيقول العباس: سليم، فيقول أبو سفيان: مالي ولسليم! ثم مرت به القبيلة «٦» فقال: من هؤلاء؟ فقال العباس: مزينة، «٧» قال: مالي ولمزينة- حتى مرت القبائل، لا تمر به قبيلة إلا سأله عنها، فإذا أخبره قال: مالي ولبني فلان «٧» ، حتى مر رسول الله ﷺ في الخضراء «٨» كتيبة رسول الله ﷺ فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال: سبحان الله يا عباس! من هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار! قال: «٩» ولا حد بها ولا قبل ولا طاقة «٩» يا أبا الفضل! لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة «٥» عظيما! فقال العباس: يا أبا سفيان! إنه ١» لنبوة! قال: فنعم إذا «١١» ، قال العباس: «١٢» أرحلك إلى قومك «١٢» ، فخرج «١٣» أبو سفيان حتى إذا دخل مكة صرخ بأعلى صوته «١٣» : يا معشر

стр. 326

قريش! هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به! فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن! فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشار به وقالت: اقتلوا «١» الحميت الدسم «١» الأحمش «٢» ! فقال أبو سفيان: لا يغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم بما «٣» لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن! قالوا: قبحك الله! وما تغني «٤» دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن! ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. ولما بلغ رسول الله ﷺ ذا طوى فرق جنوده، فبعث عليا من ثنية المدنيين، وبعث الزبير من الثنية التي تطلع على الحجون «٥» ، وبعث خالد بن الوليد من الليط وأخذ رسول الله ﷺ طريق أذاخر. أمرهم أن لا يقاتلوا أحدا إلا من قاتلهم، فبلغ رسول الله ﷺ أن «٦» صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن زمعة وسهيل ابن عمرو «٧» قد جمعوا جماعة من القريش والأحابيش بالخندمة «٨» ليقاتلوا رسول

стр. 327

الله ﷺ ، فلقيهم خالد بن الوليد بمن معه من المسلمين «١» [ناوشوهم] «٢» «٣» فقتل منهم «٣» خالد بن الوليد ثلاثة وعشرين «٤» رجلا وهو معهم «٥» ، وقتل من المشركين كرز بن جابر الفهري «٦» ؛ فمن ههنا اختلف الناس في فتح مكة عنوة «٧» كان أم صلحا.

стр. 328

فلما بلغ أبا قحافة قدوم النبي ﷺ مكة قال لابنة له من أصغر ولده: أي بنيتي! اظهري بي على ظهر قبيس وكان نظره قد كف إذ ذلك، فقال: أي بنية «١» ! ما ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا، قال: تلك الخيل؛ ثم قالت: والله قد انتشر السواد! فقال: والله لقد دفعت الخيل سرعى إلى بيتي! فانحبطت به وتلقته الخيل قبل أن يصل إلى بيته. ودخل رسول الله ﷺ من «٢» أذاخر مكة «٢» على رأسه مغفر من حديد عليه عمامة سوداء «٣» ، ولم يلق أحد من المسلمين قتالا إلا ما كان من خالد بن الوليد، وكان رسول الله ﷺ أمر بقتل ستة أنفس من المشركين قبل قدومهم إلى مكة، وقال: «أي موضع رأيتم هؤلاء فاقتلوهم» : عبد «٤» الله بن سعد بن أبي سرح «٥» وعبد الله بن خطل رجل من بني تميم بن غالب «٦» والحويرث بن

стр. 329

نقيذ «١» بن وهب بن عبد [بن] «٢» قصي «٣» ومقيس بن صبابة «٤» الليثي وسارة مولاة كانت لبعض بني عبد المطلب «٥» ، فأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح ففر «٦» إلى عثمان بن عفان وكان أخاه في الرضاعة فغيبه «٧» عثمان حتى أتى به رسول الله ﷺ فاستأمنه «٨» ، وأما الحويرث بن نقيذ فقتله علي بن أبي طالب؛ وأما [ابن] «٩» خطل «١٠» فتعلق بأستار الكعبة يلوذ بها فقال النبي ﷺ : «اقتلوه» ، فقتله «١١» سعيد بن المخزومي وأبو بررة «١٢» تحت الأستار، اشتركا في دمه؛ وأما مقسيس «١٣» فقتله

стр. 330

نميلة «١» بن عبد الله «٢» ، ثم قال رسول الله ﷺ : «لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم» ! ونزل النبي ﷺ الأبطح وضرب لنفسه فيه قبة؛ وجاءته أم هانىء بنت أبي طالب فوجدت رسول الله ﷺ يغتسل في جفنة فيها أثر العجين وفاطمة ابنته تستره بثوب، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به ثم صلى ثماني «٣» ركعات من الضحى، ثم انصرف إليها فقال: مرحبا مرحبا وأهلا بأم هانىء! ما الذي جاء بك؟» قالت: رجلان من أصهاري من بني مخزوم وقد أجرتهما «٤» وأراد علي قتلهما «٥» - وكانت أم هانىء تحت هبيرة بن أبي وهب المخزومي- فقال رسول الله ﷺ : «أجرنا من أجرت يا أم هانىء» ! ثم إن عمير بن وهب «٦» قال: يا رسول الله! إن صفوان بن أمية سيد قومه وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر فآمنه «٧» ، قال: «هو آمن» ، قال: يا رسول الله! أعطني شيئا يعرف به أمانك، فأعطاه رسول الله ﷺ عمامته التي دخل بها «٨» مكة، فخرج عمير بها حتى أدرك صفوان بن أمية بجدة وهو يريد أن يركب البحر فقال: يا صفوان! فداك أبي وأمي! أذكرك الله «٩» في نفسك أن تهلكها! فهذا أمان من رسول الله ﷺ «١٠» جئتك به؛ قال: ويلك! اغرب عني «١١» ، قال: أي «١٢» صفوان! فداك أبي

стр. 331

وأمي! أوصل «١» الناس وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس ابن عمتك «٢» رسول الله ﷺ «٣» ، عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك، قال صفوان: ويلك! إني «٤» أخافه على نفسي، «٥» فأعطاه العمامة، وخرج «٢» به معه، فلما وقف على رسول الله ﷺ «٦» فقال: يا رسول الله «٦» ! هذا [زعم أنك] «٧» قد آمنتني «٨» ، قال: «صدق» ، قال: فاجعلني «٩» بالخيار شهرين، قال: أنت بالخيار أربعة أشهر. ثم جاء رسول الله ﷺ وطاف بالبيت سبعا على بعيره يستلم الركن بمحجنه، ثم طاف بين الصفا والمروة، ثم دعا عثمان بن «١٠» طلحة الحجبي فأخذ مفتاح الكعبة وفتحه ثم دخله وصلى فيه ركعتين بين الأسطوانتين، بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، ثم خرج فوقف على بابها وهو يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا! كل مأثرة أو دم أو مال يدّعى «١١» فهو تحت قدميّ هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج؛ ألا! وقتيل «١٢» الخطأ [مثل] «٧» العمد بالسوط «١٣» والعصا، فيه «١٤» الدية مغلظة «١٥» [مائة ناقة، منها

стр. 332

أربعون] «١» في بطونها أولادها، يا معشر قريش! إن الله قد أذهب عنكم نخوة «٢» الجاهلية وتعظمها «٣» بالآباء «٤» ، الناس من آدم وآدم «٥» من تراب» - ثم تلا هذه الآية يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى [وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ الآية] «٦» ثم قال: «يا أهل مكة! ما ترون أني فاعل بكم؟» [قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم] «٧» ثم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء» «٨» ! فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله! اجعل الحجابة مع السقاية فلتكن إلينا جميعا «٩» ، فقال رسول الله ﷺ : «أين عثمان بن طلحة الحجبي؟» فدعاه «١٠»

стр. 333

فقال: «هل لك مفتاحك» «١» ؟ فدفعه إليه. فلما كان الغد من فتح مكة عدت «٢» خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك، فقام رسول الله ﷺ خطيبا «٣» فقال: «أيها الناس! إن

стр. 334

الله «١» حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض «٢» ، فهي «٣» حرام إلى يوم القامة، لا «٤» يحل «٥» لامرىء يؤمن «٥» بالله واليوم الآخر أن يسفك بها «٦» دما» ، «٧» ثم قال: «إن الله حبس عن مكة الفيل وسلك عليها رسوله وإنها «٧» لم «٨» تحل لأحد «٩» قبلي، و «١٠» إنما أحلت لي «١٠» ساعة من نهار «١١» ، وإنها «١٢» لا تحل لأحد بعدي؛ «١٣» لا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها ولا يحل ساقطتها إلا لمنشد» ، فقال العباس: إلا الإذخر! فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال رسول الله ﷺ : «إلا الإذخر» «١٣» . وكانت أم حكيم بنت الحارث بن

стр. 335

هشام تحت عكرمة بن أبي جهل وفاختة بنت الوليد تحت صفوان بن أمية «١» فلما أسلمتا قالت أم حكيم لرسول الله ﷺ وسألته أن يستأمن عكرمة، فآمنه وقد كان خرج إلى اليمن فلحقته «١» باليمن حتى جاءت به، وأسلم [عكرمة و] «٢» صفوان فأقرهما رسول الله ﷺ عندهما «٣» على النكاح الأول الذي كانا عليه. ثم أمر رسول الله ﷺ كل من كان في بيته صنم أن يكسره فكسروا الأصنام كلها، وكسر خالد بن الوليد العزى ببطن نخلة «٤» وهدم بيته «٤» فقال النبي ﷺ : «تلك العزى «٥» لا تعبد «٥» أبدا» . وكسر عمرو بن العاص سواع «٦» ثم قال للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله «٧» . وكسر سعد «٨» بن زيد الأشهلي «٩» المناة بالمشلل.

стр. 336

ثم بعث رسول الله ﷺ «١» حول مكة «٢» الناس يدعون «٢» إلى الله ولم يأمرهم بقتال، وكان ممن بعث خالد بن الوليد وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعيا «٣» ولم يبعثه مقاتلا ومعه «٤» سليم ومدلج وقبائل من غيرهم، فلما نزلوا بغميصاء «٥» وهي «٦» من مياه بني جذيمة «٧» وكانت بنو حذيمة قد أصابوا في الجاهلية عوف بن عبد «٨» أبا عبد الرحمن بن عوف والفاكه «٩» بن المغيرة «١٠» كانا أقبلا تاجرين من اليمن حتى إذا نزلا بهم قتلوهما وأخذوا أموالهما، فلما كان «١١» الإسلام بلغ «١٢» خالد «١٣» بن الوليد إليهم و «١٤» رآه القوم أخذوا السلاح، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح فإن القوم أسلموا «١٥» فوضع القوم السلاح لقول خالد، فلما وضعوها «١٦» أمر بهم

стр. 337

خالد «١» فكتفوا ثم عرضهم على السيف «٢» ؛ فلما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ رفع يديه إلى السماء و «٣» قال: «اللهم! أبرأ «٢» إليك مما صنع خالد بن الوليد؛ ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال: يا علي! [اخرج] «٤» إلى هؤلاء القوم وانظر في أمرهم «٥» واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك» ، فخرج عليّ حتى جاءهم ومعه مال قد بعثه به «٦» رسول الله ﷺ ، «٧» ثم ودى «٧» لهم الدماء وما أصيب من الأموال «٨» حتى لم «٩» يبق لهم شيء من دم ولا مال إلا وداه، وبقيت معه بقية «١٠» فقال لهم عليّ «١١» : بقي لكم من دم أو مال لم يود إليكم؟ قالوا: لا، قال: فإني أعطيكم هذه البقية «١٢» من «١٣» المال احتياطا رسول الله ﷺ مما لا يعلم ولا تعلمون، ففعل ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره «١٤» ، قال «١٥» : «أصبت» «١٦» .

стр. 338

ثم إن هوازن لما سمعت بجمع رسول الله ﷺ ودخوله مكة اجتمعت مع ثقيف «١» وجشم وسعد بن بكر، وكان في بني جشم دريد بن الصمّة «٢» وهو شيخ كبير ليس فيه «٣» إلا التيمّن برأيه «٤» [و] «٥» بعلمه «٦» بالحرب، وفي [ثقيف] «٧» قارب بن الأسود بن مسعود «٨» ، وفي «٩» بني بكر «٩» سبيع «١٠» بن الحارث «١١» ، وكان جماع أمر الناس إلى مالك بن عوف «١٢» ، «١٣» فأجمع مالك بالناس على المسير إلى رسول الله ﷺ ، فساروا حتى إذا أتوا بأوطاس ومعه الأموال والأبناء والنساء فقال دريد بن الصمة «١٣» : بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال «١٤» الخيل! لا حزن «١٥» ولا سهل دهس، مالي أسمع رغاء الإبل «١٦» ونهاق الحمير وبكاء الصغير

стр. 339

«١» ويعار الشاء «١» ! قالوا: ساق مالك بن عوف بأوطاس مع «٢» الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فقال: أين «٣» مالك؟ فقيل: هذا مالك «٤» ، فقال «٥» دريد: يا مالك! إنك «٦» أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم «٧» له ما بعده من الأيام، مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير «٨» ، وبكاء الصغير، فقال مالك «٩» : سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم، ونساءهم قال: ولم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، فانقض «١٠» به «١١» فقال «١٢» : وهل «١٣» يرد القوم «١٤» شيء! إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت [في] «١٥» أهلك ومالك، ما فعلت كعب وكلاب؟ «١٦» «١٧» قال مالك لم يشهد منهم أحد، قال: غاب «١٨» الحدّ والجدّ «١٨» ، لو كان «١٩» علاء ورفعة لم

стр. 340

تغب «١» عنه كعب «٢» ولا «٣» كلاب «٤» ، يا مالك «٥» ! لا «٦» تصنع «٧» بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى «٨» نحور الخيل «٨» [شيئا] «٩» ارفعهم في متمنّع «١٠» بلادهم وعليا قومهم ثم الق «١١» الصبّاء على متون الخيل، فإن [كانت] «٩» لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك «١٢» ذلك وقد أحرزت مالك وأهلك، قال: تلك «١٣» والله [لا أفعل] «٩» لتطيعنني «١٤» يا معشر هوازن أو لأتكئن «١٥» على هذا السيف حتى يخرج «١٦» من ظهري، وكره أن يكون فيها لدريد ذكر ورأي؛ «١٧» قالوا: أطعناك «١٧» ، فقال مالك للقوم «١٨» :

стр. 341

إذا رأيتموهم «١» فاكسروا «٢» جفون سيوفكم «٣» ثم «٤» شدوا عليهم «٥» شد «٦» رجل واحد. وجاء الخبر رسول الله ﷺ فبعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي «٧» ، فدخل في الناس فأقام فيهم حتى سمع وعلم من كلام مالك وأمر هوازن ما كان وما أجمعوا له «٨» ، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره. فأجمع على المسير إلى هوازن وقيل لرسول الله ﷺ : إن عند صفوان بن أمية أدراعا، فأرسل إليه، فقال: «يا أبا أمية «٩» ! أعرنا سلاحك «١٠» نلقى فيها «١١» عدونا» «١٢» ، فقال صفوان: أغصبا؟ «١٣» قال: لا، بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح، «١٤» وسأله النبي ﷺ «١٤» أن يكفيه «١٥» حملها، فحملها صفوان لرسول الله ﷺ ، وخرج رسول الله ﷺ من مكة معه ألفان من أهل مكة وعشرة آلاف من أصحاب الذين فتح الله بهم مكة، «١٦» واستعمل على مكة

стр. 342

عتّاب بن أسيد بن أبي العيص «٢» بن أمية «٣» أميرا، وكان مقامه ﷺ بمكة «٤» خمس عشرة «٤» ليلة يقصر فيها الصلاة «٥» ؛ فبينا الناس مع رسول الله ﷺ يسيرون إذ مروا بسدرة قال أبو قتادة الليثي: يا رسول الله! اجعل هذه ذات أنواط، كما للكفار ذات أنواط- وكان للكفار سدرة يأتونها كل سنة ويعلقون عليها أسلحتهم ويعكفون عليها ويذبحون عندها- فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر! قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ «٦» ! لتركبن سنن من قبلكم. فلما بلغ «٧» رسول الله ﷺ وادي حنين وانحدر المسلمون في الوادي قرب

стр. 343

الصبح وهو واد أجوف، وقد كمن المشركون لهم في شعابه ومفارقه فأعدوا للقتال، فبينا رسول الله ﷺ ينحدر والمسلمون بالوادي إذ اشتدت عليهم الكتائب من المشركين شد «١» رجل واحد، وانهزم المسلمون راجعين، لا يعرج أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين ثم قال: أين «٢» أيها الناس! هلموا، أنا رسول الله! أنا محمد بن عبد الله! واحتملت الإبل بعضها بعضا ومع رسول الله ﷺ رهط من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، فلما رأى رسول الله ﷺ لا يعطفون على شيء قال: «يا عباس! اصرخ: يا معشر الأنصار! يا أصحاب السمرة» ! فنادى العباس- وكان امرأ جسيما شديد الصوت: يا معشر الأنصار! يا أصحاب السمرة! فأجابوا لبيك لبيك! وكان الرجل من المسلمين يذهب ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ثم يأخذ سيفه وترسه ثم يقتحم عن بعيره فيخلي سبيل بعيره ويؤم «٣» الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ ، حتى اجتمع على رسول الله ﷺ مائة رجل واستقبلوا الناس وقاتلوا «٤» وكانت «٥» الدعوة أول ما كانت «٥» : يا للأنصار «٦» ! ثم «٧» جعلت أخيرا «٧» فقالوا «٨» : يا للخزرج! وكانوا صبرا عند الحرب، فأشرف رسول الله ﷺ في ركابه ونظر إلى مجتلد «٩» القوم «١٠» فقال: «الآن حمي

стр. 344

الوطيس» ! وإذا رجل من هوازن على جمل أحمر في يده راية سوداء وفي رأسه رمح طويل أمام الناس وهوازن خلفه، فإذا أدرك طعن برمحه، وإذا «١» فاته رفعه «١» لمن وراءه ويتبعونه، فأهوى إليه علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه، «٢» فأتاه عليّ «٢» من خلفه فضرب «٣» الجمل فوقع على عجزه، [و] «٤» وثبت الأنصار «٥» على الرجل فضربوه «٦» ضربة أطنّ «٧» بها قدمه بنصف ساقه «٨» ، واختلف «٩» الناس «١٠» ، وكان شعار المهاجرين يومئذ: «١١» يا بني «١١» عبد الرحمن! وشعار الخزرج: «١١» يا بني «١١» عبد «١٢» الله! وشعار الأوس: يا بني عبيد «١٣» الله. وكانت أم سليم بنت ملحان مع زوجها أبي طلحة فالتفت رسول الله ﷺ وهي «١٤» حازمة وسطها «١٤» ومعها جمل «١٥» أبي طلحة «١٦» فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول

стр. 345

الله [ ﷺ ] ! اقتل هؤلاء الذين ينهزمون «١» عنك كما تقتل «٢» هؤلاء الذين يقاتلونك «٣» ، فقال رسول الله ﷺ : «أو يكفى الله يا أم سليم» ! وإنها يومئذ لحبلى «٤» بعبد الله بن أبي طلحة ومعها خنجر «٥» فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ قالت: خنجر أخذته «٦» ، إن دنا مني أحد من المشركين «٧» بعجت بطنه «٧» ، فقال أبو طلحة: يا رسول الله! ألا تسمع ما تقوله أم سليم. ورأى أبو قتادة رجلين يقتتلان: مسلم ومشرك، فإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه، فأتاه أبو قتادة فضرب يده فقطعها، فاعتنقه المشرك بيده الثانية وصدره «٨» فقال أبو قتادة: والله! ما تركني حتى وجدت ريح الموت! فلولا أن الدم «٩» تزفه يقتلني «٩» ، فسقط وضربته فقتلته، ثم انهزم المشركون وأخذ المسلمون يكتفون الأسارى، فلما وضعت الحرب أوزارها قال رسول الله ﷺ : «من قتل قتيلا «١٠» فله سلبه» . فقال رجل من أهل مكة: يا رسول الله! لقد قتلت قتيلا ذا سلب وأجهضني عنه القتال فلا أدري من سلبه! فقال رجل من أهل مكة: يا رسول الله! «١١» أنا سلبته «١١» فأرضه مني «١٢» «١٣» عن سلبه «١٣» ؛ فقال أبو بكر الصديق «١٤» :

стр. 346

أيعمد «١» إلى أسد من «٢» أسد الله يقاتل عن الله «٣» تقاسمه «٤» سلبه! «٥» رد عليه سلبه «٥» ، فقال رسول الله ﷺ : «وصدق «٦» أبو بكر رد عليه سلبه» «٦» ، «٧» فرد عليه «٧» . «٨» قال أبو قتادة «٨» : فبعته «٩» فاشتريت به مخرفا «١٠» في المدينة «١١» لأنه أول مال «١٢» تأثلته «١٣» في الإسلام «١٤» . وكان على راية الأحلاف من ثقيف يوم حنين قارب بن الأسود «١٥» ، فلما «١٦» رأى الهزيمة أسند رايته إلى شجرة وهرب «١٦» . وكان على راية بني مالك ذو الخمار «١٧» ، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله وأقامها للمشركين، فقتل عثمان وانحاز

стр. 347

المشركون منهزمين إلى الطائف وعسكر بعضهم بأوطاس «١» . وبعث رسول الله ﷺ الخيول في آثارهم «٢» ، فأدرك «٣» ربيعة بن رفيع دريد ابن الصمة وهو [في] «٤» شجار «٥» على راحلته «٥» فأخذ «٦» بخطام جمله «٦» وهو يظن أنه امرأة، فلما أناخه «٧» إذا شيخ كبير «٨» وإذا هو دريد ولا يعرفه الغلام فكان ربيعة غلاما، قال دريد [ماذا تريد] «٩» بي «١٠» قال: أقتلك! قال: ومن أنت؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمي و «١١» ضربه ربيعة بسيف «١٢» فلم يقدر «١٣» شيئا، فقال له دريد: بئس ما أسلحتك «١٤» أمك! خذ سيفي هذا من مؤخر رحلي «١٥» في الشجار ثم أضرب وأرفع عن العظام «١٦» وأخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أقتل «١٧» ، الرجال،

стр. 348

ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة «١» بسيفه. ثم أمر رسول الله ﷺ بالسبايا والأموال فجمعت بالجعرانة؛ وبعث في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري فأدرك الناس بعض من انهزم فساروا يرمون «٢» كل من لقوه ورمي أبا عامر بسهم فقتل، وأخذ برايته «٣» بعده أبو موسى فقاتلهم ففتح له وهزمهم الله «٤» . ثم بعث «٥» رسول الله ﷺ إلى الطائف، وفيها مالك بن عوف وقد عسكر جماعة من المشكرين وعلى مقدمة خيل رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فرأى رسول الله ﷺ امرأة مقتولة فقال: «من قتل هذه» ؟ قال: خالد بن الوليد، فقال لرجل: «أدرك خالدا وقل «٦» له: يقول لك رسول الله ﷺ : لا تقتلوا امرأة ولا ولدا ولا عسيفا» «٧» . فلما بلغ رسول الله ﷺ الطائف نزل قريبا، فلم يقدر المسلمون على

стр. 349

أن يدخلوا حائطا فضرب معسكره «١» رسول الله ﷺ عند «٢» مسجده الذي بالطائف اليوم، وحاصرهم «٣» بضع عشرة «٣» ليلة، وأمر بقطع أعنابهم، وقاد رجلا من هذيل من بني ليث، وهو أول دم أقيد «٤» في الإسلام، ثم نصب المنجنيق على حصنهم حتى فتحه الله عليه؛ وكان في أيامه يقصر الصلاة. وقد كان مع رسول الله ﷺ مولى لخالته فاختة بنت عمرو بن عائذ «٥» يقال له ماتع «٦» مخنث يدخل على نساء «٧» رسول الله ﷺ ، فسمعه رسول الله ﷺ وهو يقول لخالد بن الوليد: «٨» يا خالد «٨» ! إن فتح «٩» رسول الله ﷺ «١٠» غدا فلا تفلتن «١١» منك بادية «١٢» بنت غيلان فإنها تقبل بأربع «١٣» وتدبر بثمان «١٤» ، فقال رسول الله ﷺ : «هذا

стр. 350

يفطن «١» لما سمع به، ثم قال لنسائه: لا يدخلن عليكن! فحجب «٢» عن بيت رسول الله ﷺ ، ثم انصرف رسول الله ﷺ من الطائف إلى الجعرانة فقال له سراقة بن جعشم «٣» المدلجي: يا رسول الله! ترد الضالة حوضي فهل فيه أجر إن أنا سقيتها؟ فقال رسول الله ﷺ : «٤» في كل كبد حرّي «٤» أجر. ونهى رسول الله ﷺ عن وطء الحبالى حتى يضعن. وبينما النبي ﷺ قاعد بالجعرانة ومعه ثوب وقد أظل به مع ناس من أصحابه إذ جاءه أعرابي- عليه جبة- متضمخ «٥» بطيب فقال: يا رسول الله! كيف ترى برجل «٦» أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بطيب؟ وإذا النبي ﷺ مخمر «٧» الوجه يغط، فلما سري عنه قال: «أين الذي سألني عن العمرة آنفا؟» فأتي به فقال: أما الطيب فاغسله عنك وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك» «٨» ؛

стр. 351

وقسم رسول الله ﷺ الغنائم بالجعرانة بين المسلمين، فأصاب كل رجل أربعا من الإبل وأربعين شاة، ومن كان فارسا أخذ سهمه وسهمي فرسه «١» ، ثم أخذ رسول الله ﷺ وبرة من سنام بعيره ثم قال: «أيها الناس! إني والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة «٢» إلا الخمس «٢» ، والخمس مردود عليكم، فأدّوا «٣» الخيط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله نارا وشنارا «٤» يوم القيامة» ! فجاءه رجل من الأنصار بكبّة خيوط من شعر، قال: يا رسول الله! أخذت هذه الكبة أخيط بها بردعة بعير لي، فقال رسول الله ﷺ : «أما نصيبي منها فلك» ، [فقال] «٥» : أما إذا بلغت هذه فلا حاجة لي فيها «٦» . ثم أسلم مالك بن عوف وقال: يا رسول الله! ابعثني أضيق على ثقيف، فاستعمله رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه من تلك القبائل ومن تبه [من] «٧» بني سليم، فكان يقاتل ثقيفا، لا يخرج لهم سرح» إلا أغار عليهم. ثم جاء وفد هوازن راغبين في الإسلام- بعد أن قسم لهم رسول الله ﷺ السبي- فأسلموا «٩» .

стр. 352

ثم أعطى رسول الله ﷺ المؤلفة قلوبهم تألفا، فأعطى حويطب بن عبد العزى مائة من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى صفوان ابن أمية مائة من الإبل، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل، وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس السلمي شيئا دونهم، فقال فيه أبياتا «١» ، ولم يعط الأنصار منها «٢» شيئا فقال قائل الأنصار: ألا! إن رسول الله ﷺ قد لقي قومه، فانطلق سعد بن عبادة فدخل [على] «٣» رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله! الأنصار قد وجدوا في أنفسهم مما رأوك صنعت في هذه العطايا، قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: ما أنا إلا رجل من قومي، قال: «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة» ، فخرج سعد فنادى في قومه: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تجتمعوا في هذه الحظيرة، فقاموا سراعا وقام سعد على باب الحظيرة فلم يدخلها إلا رجل من الأنصار وقد رد أناسا «٤» ، ثم أتى النبي ﷺ فقال: هذه الأنصار قد اجتمعت لك، فخرج إليهم رسول الله ﷺ وقال: «يا معشر الأنصار! [ما] «٥» مقالة «٦» بلغتني عنكم؟ أكثرتم فيها! ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله؟ ألم تكونوا عالة فأغناكم الله؟ ألم تكونوا أعداء فألف الله بينكم» «٧» ؟ قالوا: بلى، قال: «أفلا تجيبوني» ؟ قالوا:

стр. 353

إليك [المن] «١» والفضل «٢» ، قال: «أما والله لو شئتم لقلتم وصدقتم: جئتنا طريدا فآويناك، ومخذولا فنصرناك، وعائلا فآسيناك، ومكذبا فصدقناك! أوجدتم في أنفسكم من لعاعة «٣» من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا «٤» ووكلتكم إلى إيمانكم، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم! فالذي نفس محمد بيده! لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار. ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، إن الأنصار كرشي وعيبتي «٥» ، اللهم اغفر للأنصار وأبناء الأنصار ولأبناء أبنائهم» ! فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا بالله وبرسوله حظا وقسما ونصيبا! ثم تفرق الأنصار. وفي هذه المقالة قال ذو الخويصرة «٦» : يا رسول الله! اعدل «٧» ، فقال رسول الله ﷺ : «شقيت إن لم أعدل» ، ثم علقت الأعراب برسول الله ﷺ يسألونه حتى ألجأوه إلى شجرة عظيمة وخطفت رداءه. فقال رسول الله ﷺ : «ردوا علي ردائي، فو الذي نفس محمد بيده لو كانت عدد هذه العضاة «٨» نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني كذوبا ولا جبانا ولا بخيلا» «٩» .

стр. 354

ثم خرج رسول الله ﷺ «١» من الجعرانة معتمرا فاعتمر منها فبات بالجعرانة واستخلف على مكة عتاب بن أسيد أميرا وخلّف [معه معاذ] «٢» بن جبل «٣» يفقّه الناس ويعلمهم القرآن، وكانت هذه العمرة في ذي القعدة. ثم خرج رسول الله ﷺ من الجعرانة يريد المدينة فسلك في وادي سرف «٤» حتى خرج على سرف؛ ثم على مرّ الظهران حتى قدم المدينة في بقية ذي القعدة «٥» . ثم تزوج رسول الله ﷺ فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابية فاستعاذت «٦» ، من رسول الله ﷺ ، فقال لها رسول الله ﷺ : «قد عذت «٧» بعظيم! الحقي بأهلك» ، وفارقها «٨» . وحج بالناس عتاب بن أسيد «٩» . وولد إبراهيم ابن رسول الله ﷺ من مارية القبطية في ذي الحجة فوقع في قلب النبي ﷺ منه شيء، فجاء جبريل ﵇ فقال: «السلام عليك يا إبراهيم» ! فسرى عن رسول الله ﷺ ، وتنافست نساء الأنصار فيه أيتهن ترضعه،

стр. 355

فدفعه رسول الله ﷺ إلى أم بردة «١» بنت المنذر بن زيد «٢» وزوجها ابن مبذول «٣» فكانت ترضعه؛ وحلق رسول الله ﷺ [رأسه] «٤» يوم السابع وتصدق بوزن شعره فضة على المساكين وعق عنه بكبشين؛ وعاش ستة عشر أشهر. السنة التاسعة من الهجرة أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة اللخمي بعسقلان ثنا محمد بن المتوكل بن أبي السري ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن «٥» عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس» قال: لم أزل «٧» حريصا أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله [لهما] «٨» إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما «٩» فقال عمر: واعجبا «١٠» لك يا ابن عباس! ثم قال: هي عائشة وحفصة- ثم أنشأ يسوق الحديث فقال: كنا معشر قريش قوما نغلب النساء فلما قدمنا المدينة
следующие страницы →