← Сира

Сира · id 9898

السيرة النبوية وأخبار الخلفاء من الثقات لابن حبان

ابن حبان

Полный текст (598 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

تأرز «١» الحية إلى جحرها» . انهضوا إلى هؤلاء الذين يريدون تفريق جماعتكم، لعل الله يصلح بكم ذات البين. وبعث «٢» علي الحسن بن علي وعمار بن ياسر إلى الكوفة لاستنفارهم «٣» ، فلما قدموا الكوفة [قام] «٤» أبو موسى الأشعري في الناس وكان واليا [عليها] «٤» وأخبرهم بقدوم الحسن واستنفاره إياهم إلى أمير المؤمنين على إصلاح البين. وقدم زيد بن صوحان «٥» من عند عائشة معه كتابان من عائشة إلى أبي موسى والي الكوفة وإذا في كل كتاب منهما «بسم الله الرحمن الرحيم- من عائشة أم المؤمنين إلى عبد الله بن قيس الأشعري- سلام عليك! فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد! فإنه قد كان من قتل عثمان ما قد علمت، وقد خرجت مصلحة بين الناس، فمر من قبلك بالقرار في منازلهم والرضا بالعافية حتى يأتيهم ما يحبون من صلاح أمر المسلمين، فإن قتلة عثمان فارقوا الجماعة وأحلوا بأنفسهم البوار» فلما قرأ الكتابين «٦» وثب عمار بن ياسر «٧» فقال: أمرت عائشة بأمر، وأمرنا بغيره، أمرت أن تقر في بيتها، وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، فهوذا تأمرنا بما أمرت، وركبت ما أمرنا به، ثم قال «٨» : هذا ابن عم رسول الله ﷺ فاخرجوا إليه، ثم انظروا في الحق ومن الحق معه. ثم قام الحسن بن علي فقال: يا أيها الناس! أجيبوا دعوة أميركم، وسيروا إلى إخوانكم، لعل الله يصلح بينكم. ثم قام هند بن عمرو البجلي فقال: إن أمير المؤمنين قد دعانا وأرسل إلينا ابنه فاتبعوا قوله وانتهوا

стр. 527

إلى أمره، فقام حجر بن عدي الكندي فقال: أيها الناس! أجيبوا أمير المؤمنين، وانفروا خفافا وثقالا بأموالكم وأنفسكم «١» . ثم قال الحسن: أيها الناس! إني غاد، فمن شاء منكم فليخرج معي على الظهر، ومن شاء فليخرج في الماء، فأجابوه، وخرج معه تسعة آلاف نفس بعضهم على البر وبعضهم على الماء، وساروا حتى بلغوا ذا قار، وخرج علي من المدينة معه ستمائة رجل، وخلف على المدينة سهل بن حنيف «٢» ، فالتقى هو وابنه الحسن مع من خرج معه من الكوفة بذي قار، فخرجوا جميعا إلى البصرة ولم يدخل علي الكوفة، وكتب إلى المدينة إلى سهل بن حنيف أن يقدم «٣» عليه ويولي «٤» على المدينة أبا حسن المازني «٥» ؛ والتقى مع طلحة والزبير وعائشة بالجلحاء» على فرسخين من البصرة، وذلك لخمس خلون من جمادى الآخرة، وكان علي كثيرا ما يقول: يا عجب كل العجب، من جمادى ورجب! فكان من أمرهم ما كان. وقتل «٧» ابن جرموز الزبير ثم أتى عليا يخبره فقال عليّ: سمعت رسول الله ﷺ [يقول] «٨» «قاتل ابن صفية بالنار» فقال ابن جرموز: إن قتلنا معكم فنحن في النار! وإن قاتلناكم فنحن في النار! ثم بعج «٩» بطنه بسيفه فقتل نفسه. وأما طلحة «١٠» فرماه مروان بن الحكم بسهم من ورائه، فأثبته فيه وقتله، وحمله إلى

стр. 528

البصرة فمات بها، فقبر طلحة بالبصرة، وقتل الزبير بوادي السباع؛ وكان كعب بن سور قد علق المصحف في عنقه ثم يأتي هؤلاء فيذكرهم، ويأتي هؤلاء فيذكرهم حتى قتل «١» . وكان علي ينادي مناديه: «لا تقتل مدبرا، ولا تذفف «٢» على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن طرح السلاح فهو آمن، ولم يقتل بعد آن واحدا «٣» . فلما اطمأن الناس بعث «٤» علي بعائشة مع نساء من أهل العراق إلى المدينة، وأقام بالبصرة خمسة عشر يوما ثم خرج إلى الكوفة، وولى على البصرة عبد الله بن عباس، وولى الولاة في البلدان، وكتب إلى المدن بالقرار والطاعة. ثم إن أبا مسلم الخولاني «٥» قال لمعاوية: على ما تقاتل عليا وهو ابن عم رسول الله ﷺ وله من القدم والسابقة ما ليس لك وإنما أنت رجل من الطلقاء؟ فقال له معاوية: أجل! والله ما نقاتل عليا، وأنا [لست] «٦» أدعي في الإسلام مثل الذي له، ولكن أقاتله على دم أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وأنا أطلبه بدمه، فقال أبو مسلم: إني «٧» أستخبر لك عن ذلك، فركب راحلته وانتهى إلى الكوفة، ثم نزل عن راحتله وأتى عليا ماشيا والناس عنده ولا يعرفه أحد، فقال: من قتل عثمان؟ فقال علي: الله قتل عثمان وأنا معه، فخرج أبو مسلم ولم يتكلم، ومضى حتى انتهى إلى راحلته فركبها، ولحق بالشام فانتهى إلى معاوية وهو يثقل، فقيل له: هذا أبو مسلم قد جاء، فعانقه معاوية وسأله عن سفره وخاف أن يكون «٨» قد جاء بشيء مما يكره،

стр. 529

فقال أبو مسلم: والله لتقاتلن عليا أو لنقاتلنه، فإنه قد أقر بقتل أمير المؤمنين عثمان، فقام معاوية فرحا وصعد المنبر واجتمع إليه الناس وحمد الله وأثنى عليه، وقام أبو مسلم خطيبا وحرض الناس على قتال علي؛ فصح خروج أهل الشام قاطبة «١» على علي وطلبهم إياه بدم عثمان. ثم إن حجر بن الأدبر «٢» قدم على علي فقال: يا أمير المؤمنين! الجماعة والعدد والمال مع الأشعث بن قيس بآذربيجان فابعث إليه فليقدم، فكتب إليه «٣» علي «بسم الله الرحمن الرحيم- من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الأشعث بن قيس، أما بعد! فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم واحمل ما غللت «٤» من المال» . فكتب إليه الأشعث بن قيس «أما بعد! فقد جاءني كتابك بأن أقدم عليك وأحمل «٥» ما غللت من مال الله، فما أنت وذاك! والسلام» ، ثم قال الأشعث: والله! لأدعنه بحال مضيعة، ولأفسدن عليه الكوفة، ثم ارتحل من آذربيجان وهو يريد معاوية، وبلغ ذلك عليا وشق عليه خروجه إلى معاوية، فقال حجر بن الأدبر: يا أمير المؤمنين! ابعثني إلى الأشعث بن قيس فأنا أعرف به وأرفق، وإن هو خوشن لم يجب أحدا، قال له علي: سر إليه، فسار حجر إليه فأدركه بشهرزور «٦» فقال له حجر: يا أبا محمد! أنشدك الله أن تأتي معاوية وتدع ابن عم رسول الله ﷺ ، فقال الأشعث: أوما سمعت كتابه إليّ؟ فقال حجر: إنك [إن] «٧» أتيت معاوية أقبلنا «٨» جميعا إلى الشام، وأنشدك الله ألا نظرت إلى أيتام قومك وأياماهم! فإني لا

стр. 530

آمن أن يفتضحوا غدا، قال: فما تريد يا حجر؟ قال: تنحدر معي إلى الكوفة، فإنك شيخ العرب وسيدها والمطاع في قومك، وسيصير إليك الأمر، فلم يزل به حجر حتى قال: ليصرفوا «١» صدور الركائب إلى الكوفة، فتقدم «٢» على علي فسرّ علي بمجيئه فقال: مرحبا وأهلا بأبي محمد على عجلته، فقال: أمير المؤمنين! إن هذا ليس بيوم عتاب، ثم أقام مع علي بالكوفة. وحج بالناس عبد الله بن عباس بأمر علي ولاه. فلما دخلت السنة السابعة والثلاثون كتب معاوية «٣» إلى علي بن أبي طالب «أما بعد فإن الله اصطفى محمدا ﷺ بعلمه، وجعله الأمين على وحيه، والرسول إلى «٤» خلقه، واختار [له] «٥» من المسلمين أعوانا، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، كان أفضلهم في الإسلام وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة «٦» بعده وخليفة «٧» خليفته والخليفة المظلوم المقتول «٨» - رحمة الله عليهم! وقد ذكر لي أنك تنتفي من دمه، فإن كنت صادقا فأمكنا ممن «٩» قتله حتى نقتله به، ونحن أسرع إليك إجابة وأطوعهم طاعة، وإلا فإنه ليس لك ولا لأحد من أصحابك عندنا إلا السيف، والذي لا إله غيره! لنطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال حتى يقتلهم الله أو تلحق أرواحنا بعثمان- والسلام» .

стр. 531

فكتب إليه علي «بسم الله الرحمن الرحيم- من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان «١» - أما بعد فإن أخا خولان قدم علي بكتاب منك يذكر فيه محمدا ﷺ ، وما أنعم الله عليه من الهدى، والحمد لله على ذلك، وأما ما ذكرت من ذكر الخلفاء فلعمري إن مقامهم «٢» في الإسلام كان عظيما، وإن المصاب بهم لجرح عظيم في الإسلام، وأما ما ذكرت من قتلة عثمان فإني قد نظرت في هذا الأمر فلم يسعني دفعهم إليك، وقد كان أبوك أتاني حين ولى الناس أبا بكر فقال لي: يا علي! أنت أحق الناس بهذا الأمر بعد رسول الله ﷺ ، وهات يدك حتى أبايعك، فلم أفعل مخافة الفرقة في الإسلام، فأبوك أعرف بحقي منك، فإن كنت تعرف من حقي ما كان يعرفه» أبوك فقد قصدت «٤» رشدك، وإن لم تفعل فسيغني الله عنك- والسلام» . فلما قرأ معاوية الكتاب تهيأ هو ومن معه على المسير إلى علي ثم سار يريد العراق، وسار علي من العراق، وصلى الظهر بين القنطرة والجسر ركعتين، وبعث «٥» على مقدمته شريح بن هانىء وزياد بن النضر بن مالك، أمر أحدهما أن يأخذ على شط دجلة والآخر على شط الفرات، معهما أكثر من عشرة آلاف نفس، واستخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصاري «٦» ، ثم أخذ على طريق الفرات وجعل يقول: إذا سمعتموني أقول «قال رسول الله ﷺ » فهو كما أقول، وإذا لم أقل «قال رسول الله ﷺ » فإنما الحرب خدعة؛ فالتقى علي وأهل الشام بصفين لسبع بقين من المحرم، فقام علي خطيبا في الناس فقال «٧» : الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض، وإن

стр. 532

أبرم أمرا لم ينقضه الناقضون، مع أن لله- وله الحمد- لو شاء لم يختلف اثنان من خلقه، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ وقد ساقتنا [و] «١» هؤلاء المقادير حتى جمعت بيننا في هذا المكان، فنحن من ربنا بمنظر ومستمع، ولو شاء الله لجعل الانتقام، وكان منه التغيير «٢» حتى يتبين أهل الباطل ويعلم أهل الحق أين مصيره، ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة هي دار القرار لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا- الآية، ألا! إنكم تلقون عدوكم غدا فأطيلوا «٣» الليلة القيام، وأكثروا فيها تلاوة القرآن، وسلوه النصر، وعليكم بالجد والحزم وكونوا صادقين. ثم قعد فوثب الناس إلى سيوفهم يهيؤونها «٤» ، وإلى رماحهم يثقفونها، وإلى نبالهم «٥» يريشونها، ثم «٦» جعل [على] «٧» مقدمته شريح بن هانىء الحارثي والأشتر، وعلى الميمنة الأشعث بن قيس، وعلى الميسرة عبد الله بن عباس، وعلى الرجالة عبد الله بن بديل بن ورقاء، وعلى الساقة زياد بن النضر، وعلى ميمنة الرجالة سليمان بن صرد الخزاعي. ثم قام «٨» معاوية خطيبا في أهل الشام واجتمع الناس فقال: الحمد لله الذي دنا في علوه وعلا في دنوه، وظهر وبطن فارتفع فوق كل منظر أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، يقضي فيفصل، ويقدر فيغفر، ويفعل ما يشاء، وإذا أراد أمرا أمضاه، وإذا عزم على أمر قضاه، لا يؤامر أحدا فيما يملك ولا يسئل عما يفعل وهم

стр. 533

يسئلون، والحمد لله رب العالمين على ما أحببنا وكرهنا، ثم كانت من قضاء الله أن ساقتنا المقادير إلى هذه الرقعة من الأرض، ولقّت بيننا وبين أهل العراق، فنحن من الله بمنظر ومستمع، وقد قال الله وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا- الآية، فانظروا يا أهل الشام، فإنما تلقون غدا العدو، فكونوا على إحدى ثلاث خلال: إما قوما تطلبون «١» ما عند الله بقتالكم «٢» قوما بغوا عليكم، [وإما قوما تطلبون بدم الخليفة عثمان فإنه خليفتكم وصهر نبيكم] «٣» ، وإما قوما تدفعون عن نسائكم وذراريكم؛ وعليكم بتقوى الله والصبر الجميل! نسأل الله لنا ولكم النصر، وأن يفرغ علينا وعليكم الصبر، وأن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين؛ فأجابه أهل الشام: طب نفسا! نموت معك ونحيى معك، ثم «٤» جعل معاوية أبا الأعور عمرو ابن سفيان «٥» السلمي على مقدمته، وحبيب بن مسلمة «٦» الفهري على ميمنته، وبسر ابن أرطاة على ميسرته، و «٧» مسلم بن عقبة «٧» على رجالة العسكر؛ فلما كان الغد اقتتلوا قتالا شديدا، فحجز بينهم الليل حتى قاتلوا ثلاثة أيام؛ فقتل من أصحاب علي بالمبارزة: هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن بديل ابن ورقاء، وعمار بن حنظلة الكندي، وبشر بن زهير، ومالك بن كعب العامري، وطالب بن كلثوم الهمداني، والمرتفع [بن] «٨» وضاح الزبيدي، وشريح بن طارق البكري، وأسلم بن يزيد الحارثي، والحارث بن اللجاج الحكمي، وعائذ بن كريب الهلالي، وواصل بن ربيعة الشيباني، وعائذ بن مسروق الهمداني، ومسلم

стр. 534

ابن سعيد الباهلي، ومحارب بن ضرار المرادي، وسليمان بن الحارث الجعفي، وشرحبيل بن يزيد الحضرمي. وقتل من أصحاب معاوية في المبارزة: شرحبيل بن منصور، وعبد الرزاق ابن خالد العبسي، وشريح بن الحارث الكلابي، وصالح بن المغيرة الجمحي، وحريث بن الصباح الحميري، والحارث بن وداعة الحميري، وروق بن الحارث العكي، والمطاع بن المطلب القيني، وجلهمة بن هلال الكلبي، والوضاح بن أزهر السكسكي، ووزاع بن سلامان الغساني، والمهاجر بن حنظلة الجعفي، وعبد الله بن جرير العكي، ومالك بن وديعة القرشي؛ سوى من قتل من الفريقين [من] «١» غير براز. ولما «٢» قتل عمار أتى عبد الله بن عمرو معاوية فقال: قتل عمار، فقال عمرو ابن العاص: قتل عمار! فما سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» ! فقال معاوية: أنحن قتلناه! إنما قتله أهل العراق، جاءوا به فطرحوه في سيوفنا ورماحنا، وقد قيل: إنه قتل بصفين سبعون ألفا: من أهل العراق خمسة «٣» وعشرون ألفا، ومن أهل الشام خمسة وأربعون ألفا. فلما «٤» اشتدت البلاء بالفريقين، وكثر بينهم القتلى قال عمرو بن العاص لمعاوية: إن هذا الأمر لا يزداد إلا شدة، فهل لك إلى أمر لا يزداد القوم به إلا فرقة، إن أعطونا اختلفوا وإن منعونا اختلفوا؟ فقال معاوية: ما هو؟ فقال: المصاحف نرفعها وندعوهم بما فيها، فإنهم لا يقاتلون إلا على ما قد علمت؛ فقال معاوية: افعل ما رأيت، فأمر بالمصاحف فرفعت في الرماح «٥» ثم جعلوا ينادون: ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فيه؛

стр. 535

فسر الناس به وكرهوا القتال، وأجابوا إلى الصلح، وأنابوا إلى الحكومة، وقالوا لعلي: إن القوم يدعونك إلى الحق وإلى كتاب الله، فإن كرهنا ذلك فنحن إذا مثلهم، فقال علي: ويحكم «١» ! ما ذلك يريدون ولا يفعلون؛ ثم مشى الناس بعضهم إلى بعض وأجابوا الصلح والحكومة، وتفرقوا إلى دفن قتلاهم، ولم يجد علي «٢» بدا من أن «٢» يقبل الحكومة لما رأى من أصحابه، فحكم أهل الشام عمرو بن العاص، وأراد على أن يحكم ابن عباس فقال الأشعث بن قيس- وهو يومئذ سيد الناس: لا يحكم في هذا الأمر رجلان من قريش، ولا افترق «٣» الفريقان على هذا الجمع على حكومة بعد أن [كان] «٤» من القتال بينهما ما كان إلا وأحد الحكمين منا؛ وتبعه أهل اليمن على ذلك، ثم قال الأشعث: لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري، وكتبوا بينهم كتابي «٥» الصلح «بسم الله الرحمن الرحيم- هذا «٦» ما تقاضى [عليه] » علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضي علي على «٨» أهل العراق ومن كان معه من شيعته من المؤمنين وقاضى معاوية على أهل الشام ومن كان معه من شيعته من المسلمين أنا ننزل على حكم الله وكتابه، فما وجد الحكمان في كتاب الله فبهما يتبعانه، وما «٩» لم يجدا في كتاب الله فالسنة العادلة «١٠» تجمعهما، وهما آمنان «١١» على أموالهما وأنفسهما وأهاليهما، والأمة أنصار لهما

стр. 536

على الذي يقضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين- والطائفتان كلتاهما عليهما- عهد الله وميثاقه أن يفيا بما في هذه الصحيفة على أن بين المسلمين الأمن [و] «١» وضع السلاح، [و] «١» على عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه ليحكما «٢» بين الناس بما في هذه الصحيفة، على أن الفريقين جميعا يرجعان سنة، فإذا انقضت السنة إن أحبا أن يردا «٣» ذلك ردا، وإن أحبا زادا «٤» فيهما ما شاء الله، اللهم إنا نستنصرك على من ترك ما في هذه الصحيفة» «٥» . وشهد على الصحيفة فريق عشرة أنفس، فشهد من أصحاب علي الأشعث بن قيس، وعبد الله بن عباس، وسعيد بن قيس الهمداني، وحجر «٦» بن الأدبر الكندي، وعبد الله بن الطفيل العامري، وعبد الله بن محل «٧» العجلي، ووقاء بن سمي «٨» البجلي، وعقبة بن «٩» زيد الأنصاري «٩» ، ويزيد بن «١٠» حجية التيمي «١٠» ، ومالك بن أوس الرحبي. وشهد من أهل الشام أبو الأعور السلمي، وحبيب بن مسلمة الفهري، والمخارق ابن الحارث الزبيدي، وعلقمة بن يزيد الحضرمي، وسبيع «١١» بن يزيد الحضرمي «١٢»

стр. 537

وزمل «١» بن عمرو العذري «٢» ، ويزيد بن الحر «٣» العبسي، وحمزة بن مالك الهمداني، وعبد الرحمن «٤» بن خالد بن الوليد، وعتبة بن أبي سفيان. وكتب يوم الأربعاء سنة سبع وثلاثين. فانصرف علي بمن معه من أهل العراق، وانصرف معاوية بمن معه إلى الشام، فقال عبد الله بن وهب الحرمي «٥» - وكان من أصحاب علي: لا حكم إلا لله، فقال علي: هذه كلمة حق أريد بها باطل. فلما دخل علي الكوفة خرج من كان يقول: لا حكم إلا لله، ونزلوا بحروراء وهم قريب من اثني عشر ألفا، فسموا الحرورية، ومناديهم ينادي: أمير القتال «٦» شبث بن «٦» ربعي التميمي، والأمر بعد الفتح شورى، والبيعة لله. ومات «٧» خباب بن الأرت «٧» بالكوفة. فخرج علي من صفين، وولى علي سهل بن حنيف فارس، فأخرجه أهل فارس، فوجه زيادا فرضوا وصالحوه وأدوا إليه الخراج «٨» . ثم «٩» إن الخوارج اجتمعت على زيد بن حصين وقالوا له: أنت سيدنا وشيخنا وعامل عمر بن الخطاب على الكوفة، تول أمرنا، وجهروا به فقال: ما كنت لأفعلها، فلما أبى عليهم ذلك ذهبوا إلى يزيد بن عاصم المحاربي «١٠»

стр. 538

فعرضوا «١» عليه أمرهم فأبى عليهم ذلك، ثم ذهبوا «٢» إلى سعد بن وائل التميمي فأبى عليهم، فأتوا عبد الله بن وهب الراسبي «٣» واجتمعوا عنده بقرب النهروان، وخرج إليهم علي في جمعية، فلما أتاهم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنكم أيها القوم قد علمتم وعلم الله أني كنت للحكومة كارها حتى أشرتم عليّ بها وغلبتموني عليها والله بيني وبينكم شهيد! ثم كتبنا بيننا وبينهم كتابا وأنتم على ذلك من الشاهدين، فقالت طائفة من القوم: صدقت- ورجعوا إلى الجماعة، وبقيت طائفة منهم على قولهم، فقال علي: هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا الَّذِينَ ضَلَّ «٤» سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ «٥» يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ «٥» يُحْسِنُونَ صُنْعاً، منهم أهل النهروان ورب الكعبة» ! ثم إنهم عبروا الجسر إلى علي ليحاربوه، فلما عبروا الجسر نادى علي في العسكر: استقبلوهم، فاستقبلوهم والتقطوهم بالرماح، فكان مع علي جميعة يسيرة، إنما جاء علي أن يردهم بالكلام، وقد كانت الخوارج قريبا من خمسة آلاف «٧» ؛ فلما فرغوا من قتلهم قال علي: اطلبوا لي المخدع «٨» ، فطلبوه فلم يجدوه فقال: اطلبوا المخدع، فو الله ما كذبت ولا كذبت، ثم دعا ببغلته البيضاء فركبها وجعل يقلب القتلى حتى أتى على فضاء من الأرض فقال: قلبوا «٩» هؤلاء، فإذا هم برجل ليس له ساعد، بين جنبيه ثدي فيه شعرات، إذا مدت امتدت، وإذا تركت قلصت، فقال علي: الله أكبر! سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم

стр. 539

فيهم رجل مخدع اليد، «١» ولولا أن تنكلوا عن العمل «١» «٢» لأنبأتكم بما «٢» وعد الله الذين «٣» يقاتلونهم على لسان محمد ﷺ ؛ ثم حج بالناس عبد الله بن عباس «٤» . فلما دخلت السنة الثامنة والثلاثون اجتمعوا «٥» لميعادهم [مع] «٦» الحكمين بأذرح «٧» ، وحضر فيهم من أهل المدينة سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن الزبير، وابن عمر، ولم يخرج علي بنفسه، ووافى معاوية في أهل الشام وكان بينه وبين أبي موسى الأشعري ما كان وافترق الناس ورجعوا إلى أوطانهم، وندم عبد الله بن عمر على حضوره أذرح، فأحرم من بيت المقدس تلك السنة «٨» ورجع إلى مكة. واستشار معاوية أصحابه [في] «٦» محمد بن أبي بكر وكان واليا على مصر، فأجمعوا على المسير إليه، فخرج عمرو بن العاص في أربعة «٩» آلاف فيهم «٩» أبو الأعور السلمي ومعاوية «١٠» بن حديج «١٠» ، فالتقوا بالمسنّاة «١١» وقاتلوا قتالا شديدا، وقتل كنانة بن بشر بن «١٢» عتاب التجيبي «١٢» ، وانهزم محمد بن أبي بكر وقاتل حتى قتل، وقد قيل: إنه أدخل في جوف حمار ميت، ثم أحرق بالنار «١٣» ، فلما بلغ عليا

стр. 540

سرور معاوية بقتله قال: لقد حزنا «١» عليه بقدر سرورهم بقتله، ثم ولى علي الأشتر على مصر. ومات صهيب بن سنان «٢» . فلما بلغ معاوية خبر مسير الأشتر إلى مصر قال: إنه ليأتي وعامة أهل مصر أهل اليمن وهو يماني، وكتب إلى دهقان «٣» بالعريش: إن «٤» احتلت في الأشتر فلك علي أن أخرج خراجك عشرين سنة، فقدم الأشتر على امرأة من حمير يقال «٥» لها ليلى بنت النعمان، فتلطف له الدهقان وسأله: أي الشراب أحب إليك؟ قال: العسل، قال: عندي عسل من عسل برقة لم ير مثله، ثم قدمته إليه فسقته منه، فمات من ساعته، فبلغ ذلك معاوية فقال: إن لله جنودا من العسل. ومات صفوان ابن بيضاء في رمضان «٦» وكان قد شهد بدرا، ومات سهل بن حنيف بالكوفة وصلي عليه. وحج بالناس قثم بن العباس «٧» . فلما دخلت السنة التاسعة والثلاثون استعمل علي يزيد بن حجية التميمي على الري، ثم كتب إليه بعد مدة أن أقدم، فقدم على علي فقال له: أين ما غللت من مال الله؟ قال: ما غللت، فخفقه بالدرة خفقات وحبسه في داره، فلما كان في بعض الليالي قرب يزيد [البواب] «٨» وما حله، ولحق بالرقة وأقام بها حتى أتاه إذن بمعاوية، فلما بلغ عليا لحوقه معاوية قال: اللهم! إن يزيد أذهب بمال المسلمين ولحق بالقوم الظالمين، اللهم! فاكفنا مكره وكيده.

стр. 541

ثم وجه معاوية خيلا فيهم الضحاك بن قيس «١» الفهري، وسفيان بن عوف الدابري «٢» ، فأغار سفيان على الأنبار وفيها مسلحة «٣» لعلي، فلما بلغ عليا خروجهم خرج من بيته والناس في المسجد، فلما رأوه «٤» صاحوا، قال: اسكتوا اسكتوا! فلما سكتوا قال: شاهت الوجوه! شاهت الوجوه! إن قلت نعم، قلتم: لا، وإن قلت: لا، قلتم: نعم، إن استنفرتكم في الحر قلتم: الحر شديد فإذا جاء الشتاء نفرنا، وإذا جاء الشتاء واستنفرتكم قلتم: البرد شديد وإذا كان الصيف نفرنا، إن عدوكم يجد من الهناء ما تجدون، ولكن لا رأي «٥» لمن [لا] «٦» يطاع، وددت [أن] «٧» لي بجماعتكم ألف فارس. ثم بعث معاوية بسر» بن أرطاة- أحد بني عامر بن لؤي- في جيش من أهل الشام إلى المدينة وعليها أبو أيوب الأنصاري، فهرب منه أبو أيوب ولحق عليا بالكوفة، ولم يقاتله أحد بالمدينة حتى دخلها، فصعد منبر رسول الله ﷺ وجعل [ينادي] «٩» : يا أهل المدينة! والله لولا «١٠» ما عهد «١٠» إلي أمير المؤمنين معاوية ما تركت فيها محتلما إلا قتلته! فبايع أهل المدينة معاوية، وأرسل إلى بني سلمة: ما لكم عندي أمان حتى تأتوني «١١» بجابر بن عبد الله، فدخل جابر بن عبد الله على أم سلمة

стр. 542

وقال: يا أماه! إني خشيت على دمي، وهذه بيعة ضلالة، فقالت «١» : أرى أن تبايع، فخرج جابر بن عبد الله فبايع بسر «٢» بن أرطاة لمعاوية كارها، ثم خرج بسر «٢» حتى أتى مكة، فخافه أبو موسى الأشعري وكان والي مكة لعلي، وتنحى عن مكة حتى دخلها، ثم مضى إلى اليمن وعليها عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب عامل علي، فلما سمع به عبيد الله هرب، واستخلف على اليمن عبد الله بن عبد المدان، وكانت ابنته «٣» تحت عبيد الله بن عباس. فلما قدم بسر «٢» اليمن قتل عبد الله بن [عبد] «٤» المدان، وأخذ ابنين لعبيد الله بن عباس بن عبد المطلب- من أحسن الصبيان- صغيرين كأنهما درتان «٥» ، ففعل بهما ما فعل. فلما حضر الموسم بعث علي على الحج عبد الله «٦» بن عباس، وبعث معاوية يزيد بن شجرة «٧» الرهاوي، فاجتمعا بمكة وتنازعا وأبى كل واحد منها أن يسلم لصاحبه إقامة الحج، فاجتمع الناس على «٨» شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، فحج بالناس شيبة بن عثمان. فلما دخلت السنة الأربعون وبلغ «٩» الخبر عليا بما فعل بسر «١٠» بن أرطاة باليمن وما كان من أمر بني عبيد

стр. 543

الله بن عباس بن عبد المطلب خطبهم وقال: لقد خفت أن يظهر مولى القوم عليكم، وما يظهرون عليكم بأن يكونوا بالحق أولى منكم، ولكن بصلحهم في بلادهم وفسادكم في بلادكم، واجتماعهم على باطلهم «١» ، و «٢» تفرقكم عن «٢» حقكم، وأدائهم الأمانة وخيانتكم، والله والله لو استعملت فلانا لخان وغدر- ثلاثا! ولو بعثه معاوية لم يخنه ولا غدره، اللهم! قد مللتهم وملّوني، وسئمتهم «٣» وسئموني، وكرهتهم وكرهوني، فأرحني «٤» منهم وأرحهم مني، وأبدلني «٥» بمن هو خير لي منهم وأبدلهم بمن «٦» هو شر لهم مني. ثم كان قتل «٧» علي بن أبي طالب. وكان السبب في ذلك [أن] «٨» عبد الرحمن بن ملجم المرادي أبصر امرأة من بني [تيم] «٩» الرباب يقال لها قطام «١٠» ، وكانت من أجمل أهل زمانها، وكانت ترى رأي الخوارج، فولع بها فقالت: لا أتزوج بك إلا على ثلاثة آلاف وقتل علي بن أبي طالب، فقال لها: لك ذلك، فتزوجها وبنى بها فقالت له: يا هذا! قد عرفت الشرط، فخرج عبد الرحمن بن ملجم ومعه سيف مسلول حتى أتى مسجد الكوفة وخرج علي من داره وأتى المسجد وهو يقول: أيها الناس! الصلاة الصلاة! أيها الناس! الصلاة الصلاة! وكانت تلك ليلة الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان،

стр. 544

فصادفه عبد الرحمن بن ملجم من خلفه ثم ضربه بالسيف ضربة من قرنه إلى جبهته «١» ، وأصاب السيف الحائط فثلم فيه، ثم ألقى السيف من يده، وأقبل الناس عليه فجعل ابن ملجم يقول للناس: إياكم والسيف فإنه مسموم، وقد سمه شهرا، فأخذوه، ورجع علي بن أبي طالب إلى داره، ثم أدخل عليه عبد الرحمن بن ملجم فقالت له أم كلثوم بنت علي: يا عدو الله! قتلت أمير المؤمنين! فقال: لم أقتل إلا أباك، فقالت: إني لأرجو أن لا يكون على أمير المؤمنين من بأس، فقال عبد الرحمن بن ملجم: فلم تبكين إذا؟ فو الله سممته شهرا! فإن أخلفني «٢» أبعده الله وأسحقه، فقال علي: احبسوه وأطيبوا طعامه وألينوا «٣» فراشه، فإن أعش فعفو «٤» أو قصاص، وإن أمت «٥» فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين. فمات علي بن أبي طالب غداة يوم الجمعة، فأخذ عبد الله بن جعفر والحسن ابن علي [ومحمد بن الحنفية] «٦» عبد الرحمن بن ملجم، فقطعوا يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم، ثم كحلوا عينيه بملمول «٧» محمي، ثم قطعوا لسانه وأحرقوه بالنار؛ وكان لعلي يوم مات اثنتان وستون سنة «٨» ، وكانت خلافته خمس سنين وثلاثة أشهر» . واختلفوا في موضع قبره ولم يصح عندي شيء من ذلك فأذكره، وقد قيل: إنه

стр. 545

دفن بالكوفة في قصر الإمارة عند مسجد الجماعة «١» ، وهو ابن ثلاث وستين. ثم قام الحسن بعد دفن أبيه خطيبا «٢» في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: والله لقد مات فيكم رجل ما سبقه الأولون ولا يدركه الآخرون! لقد «٣» كان رسول الله ﷺ ليبعثه بالبعث ويعطيه الراية فما يرجع حتى يفتح الله عليه، يقاتل جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، ولا ترك بيضاء ولا صفراء إلا سبعمائة درهم فضلت عن عطائه، أراد أن يبتاع بها خادما. وكان لعلي بن أبي طالب خمسة وعشرون ولدا، من الولد: الحسن والحسين ومحسن وأم كلثوم الكبرى وزينب الكبرى- وهؤلاء الخمسة من فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وكان له من غيرها: محمد بن علي [و] «٤» عبيد الله وعمر وأبو بكر ويحيى وجعفر والعباس وعبد الله ورقية ورملة وأم الحسن وأم كلثوم الصغرى وزينب الصغرى وجمانة «٥» وميمونة وخديجة وفاطمة وأم الكرام وأم سلمة- ﵃ أجمعين. ذكر البيان بأن من ذكرناهم كانوا خلفاء ومن بعدهم كانوا ملوكا أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى بالموصل ثنا علي بن الجعد الجوهري ثنا حماد بن سلمة عن سعيد بن جمهان عن سفينة «٦» قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يكون ملكا، قال: أمسك خلافة أبي بكر

стр. 546

سنتين، وعمر عشرا، وعثمان اثنتي عشرة، وعلي ستا. قال «١» علي بن الجعد: فقلت لحماد بن سلمة: سفينة القائل: أمسك؟ قال: نعم. قال أبو حاتم: ولى أهل الكوفة بعد علي بن أبي طالب الحسن بن علي، ولما اتصل الخبر بمعاوية ولى أهل الشام معاوية بن أبي سفيان، واسم «٢» أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأم معاوية هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس؛ فكان معاوية نافذ «٣» الأمور بالشام والأردن وفلسطين ومصر، وكان الحسن بن علي يمشّي الأمور بالعراق إلى أن دخلت «٤» سنة إحدى وأربعين، فاحتال «٥» معاوية في الحسن بن علي وتلطف له، وخوفه هراقه دماء المسلمين وهتك حرمهم وذهاب «٦» أموالهم إن لم يسلم «٧» الأمر لمعاوية؛ فاختار الحسن ما عند الله على ما في الدنيا وسلم الأمر إلى معاوية يوم الإثنين «٨» لخمس ليال بقين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، واستوى الأمر لمعاوية حينئذ، وسميت هذه السنة سنة الجماعة «٩» ؛ وبقي معاوية في إمارته تلك إلى أن مات يوم الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين، وقد قيل: إن معاوية مات للنصف من رجب من هذه السنة، وكان له يوم توفي ثمان وسبعون سنة؛ وصلى عليه ابن قيس الفهري، وقد قيل: إن يزيد بن معاوية هو الذي صلى عليه «١٠» ، وكانت مدة معاوية

стр. 547

«١» تسع عشرة «١» سنة وثلاثة أشهر و «٢» اثنتين وعشرين «٢» ليلة؛ وكان معاوية يخضب بالحناء والكتم، وكان نقش خاتمه «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» ، وقبره بدمشق خارج باب الصغير في المقبرة، محوط عليه، قد زرته مرارا عند قصري رمادة أبي الدرداء. يزيد بن معاوية أبو خالد ثم تولى يزيد بن معاوية بن أبي سفيان يوم الخميس من شهر رجب في اليوم الذي مات فيه أبوه، وكنية يزيد أبو خالد، وكان ليزيد بن معاوية يوم ولي أربع وثلاثون وشهر «٣» ، كانت أمه ميسون «٤» بنت بحدل «٥» بن أنيف «٦» بن ولجة «٧» بن قنافة الكلبي؛ وكان نقش خاتمه «آمنت بالله مخلصا» . [ولما] «٨» بايع أهل الشام يزيد بن معاوية واتصل الخبر بالحسين بن علي جمع شيعته واستشارهم، وقالوا: إن الحسن لما سلم الأمر لمعاوية سكتّ وسكت معاوية، فالآن قد مضى معاوية ونحب أن نبايعك، فبايعته الشيعة؛ ووردت على الحسين كتب أهل الكوفة من الشيعة يستقدمونه إياها، فأنفذ الحسين بن علي مسلم ابن عقيل إلى الكوفة لأجل البيعة على أهلها، فخرج مسلم بن عقيل من المدينة معه «٩» قيس بن مسهر «١٠» الصيداوي يريدان الكوفة، ونالهما في الطريق تعب شديد

стр. 548

وجهد جهيد، لأنهما أخذا دليلا «١» تنكب بهما الجادة، فكاد مسلم بن عقيل أن يموت عطشا إلى أن سلمه الله ودخل الكوفة، فلما نزلها دخل دار المختار بن أبي عبيد «٢» ؛ واختلفت إليه الشيعة يبايعونه أرسالا، ووالي الكوفة يومئذ النعمان بن بشير، ولاه يزيد بن معاوية الكوفة؛ ثم تحول مسلم بن عقيل من دار المختار إلى دار هانىء بن عروة «٣» ، وجعل الناس يبايعونه في دار هانىء حتى [بايع] «٤» «٥» ثمانية عشر «٥» ألف رجل من الشيعة. فلما اتصل الخبر بيزيد بن معاوية أن مسلما» يأخذ البيعة بالكوفة للحسين بن علي، كتب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد وهو إذ ذاك بالبصرة وأمره بقتل مسلم بن عقيل أو بعثه إليه؛ فدخل عبيد الله بن «٧» زياد الكوفة حتى نزل القصر واجتمع إليه أصحابه، وأخبر عبيد الله بن زياد أن مسلم بن عقيل في دار هانىء بن عروة، فدعا هانئا وسأله فأقر به، فهشم عبيد الله وجه هانىء بقضيب كان في يده حتى تركه وبه رمق «٨» . ثم ركب مسلم بن عقيل في ثلاثة آلاف فارس يريد عبيد الله بن زياد، فلما قرب من قصر عبيد الله نظر فإذا معه مقدار ثلاثمائة فارس فوقف يلتفت يمنة ويسرة، فإذا أصحابه يتخلفون عنه حتى بقي معه عشرة أنفس، فقال: يا سبحان الله! غرنا هؤلاء بكتبهم ثم أسلمونا إلى أعدائنا هكذا «٩» ، فولى راجعا فلما بلغ طرف الزقاق التفت فلم ير خلفه أحدا، وعبيد الله بن زياد في القصر متحصن يدبر في أمر مسلم

стр. 549

ابن عقيل، فمضى مسلم بن عقيل على وجهه وحده فرأى امرأة «١» على باب دارها، فاستسقاها ماء وسألها مبيتا، فأجابته إلى ما سأل وبات عندها، وكانت للمرأة ابن «٢» ، فذهب الابن وأعلم عبيد الله بن زياد أن مسلما «٣» في دار والدته، فأنفذ عبيد الله بن زياد إلى دار المرأة محمد بن الأشعث بن قيس في ستين رجلا من قيس، فجاءوا حتى أحاطوا بالدار، فجعل مسلم يحاربهم عن نفسه حتى كلّ وملّ، فآمنوه فأخذوه وأدخلوه على عبيد الله، فأصعد القصر وهو يقرأ ويسبح ويكبر ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا ثم خذلونا حتى دفعنا إلى ما دفعنا إليه، ثم أمر عبيد الله بضرب رقبة مسلم بن عقيل، فضرب رقبة مسلم بن عقيل بكير بن حمران «٤» الأحمري على طرف الجدار فسقطت جثته، ثم أتبع رأسه جسده، ثم أمر عبيد الله بإخراج هانىء بن عروة إلى السوق وأمر بضرب رقبته في السوق «٥» . ثم بعث عبيد الله بن زياد برأسي «٦» مسلم بن عقيل بن أبي طالب وهانىء بن عروة مع هانىء بن [أبي] «٧» حية الوادعي «٨» والزبير بن الأورح التميمي إلى يزيد بن معاوية. فلما بلغ الحسين بن علي الخبر بمصاب الناس بمسلم بن عقيل خرج بنفسه يريد الكوفة، وأخرج عبيد الله بن زياد عمر «٩» بن سعد إليه فقاتله بكربلاء قتالا

стр. 550

شديدا حتى قتل عطشانا، وذلك يوما عاشوراء يوم الأربعاء سنة إحدى «١» وستين، وقد قيل: إن ذلك اليوم كان يوم السبت، والذي قتل الحسين بن علي هو سنان بن «٢» أنس النخعي «٢» . وقتل معه من أهل بيته في ذلك اليوم: العباس بن [علي بن] «٣» أبي طالب، وجعفر [بن علي] «٣» بن أبي طالب، وعبد الله بن علي بن أبي طالب الأكبر، وعبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، والقاسم بن الحسن بن علي ابن أبي طالب، وعون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله «٤» بن عقيل بن أبي طالب، ومحمد بن [أبي] «٣» سعيد بن عقيل بن أبي طالب؛ واستصغر علي بن الحسين بن علي فلم يقتل، انفلت في ذلك اليوم من القتل لصغره «٥» ، وهو والد محمد بن علي الباقر، واستصغر في ذلك اليوم أيضا عمرو «٦» بن الحسن بن علي بن أبي طالب فلم يقتل لصغره، وجرح في ذلك اليوم الحسن بن [الحسن بن] «٧» علي بن أبي طالب جراحة شديدة حتى حسبوه قتيلا ثم عاش بعد ذلك، وقتل في ذلك اليوم سليمان «٨» مولى الحسن ابن علي بن أبي طالب، ومنجح «٩» مولى الحسين «١٠» بن علي بن طالب، وقتل في ذلك اليوم الخلق من أولاد المهاجرين والأنصار، وقبض على عبد الله بن بقطر «١١» رضيع الحسين بن علي بن أبي طالب في ذلك اليوم، وقيل: حمل إلى الكوفة ثم

стр. 551

رمي به من فوق القصر، أو قيد فانكسرت رجله، فقام إليه رجل من أهل الكوفة وضرب عنقه. وكانت أم الحسين بن علي بن أبي طالب فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ ، وأم العباس بن علي بن أبي طالب أم البنين بنت [حزام بن] «١» خالد بن ربيعة، والعباس يقال له: السقاء «٢» ، لأن الحسين طلب الماء في عطشه وهو يقاتل، فخرج العباس وأخوه، واحتال حمل إداوة ماء ودفعها إلى الحسين، فلما أراد الحسين أن يشرب من تلك الإداوة جاء سهم فدخل حلقه، فحال بينه وبين ما أراد من الشرب فاحترشته السيوف حتى قتل، فسمي العباس بن علي «السقاء» لهذا السبب، وكانت والدة جعفر بن علي بن أبي طالب وعبد الله بن علي بن أبي طالب الأكبر ليلى «٣» بنت أبي مرة «٤» بن عروة بن مسعود بن معتب، وكانت أم عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب الرباب بنت «٥» القاسم بن أوس «٥» بن عدي بن أوس ابن جابر بن كعب «٦» ، وكانت أم القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب أم ولد، وكانت أم عون «٧» بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب جمانة بنت المسيب بن نجبة «٨» بن ربيعة، وكانت أم محمد بن عبد الله بن جعفر بن عقيل بن أبي طالب أم ولد، وكانت أم عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب رقية بنت علي بن أبي طالب، وكانت أم الحسن بن الحسن» بن علي بن أبي طالب خولة بنت منظور بن

стр. 552

زيان «١» الفزاري، وكانت أم عمرو «٢» بن الحسن بن علي بن أبي طالب أم ولد، وقد قيل: إن أبا بكر بن علي بن أبي طالب قتل في ذلك اليوم «٣» ، وأمه ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن ربعي. والذي تولى في ذلك اليوم حز رأس الحسين ابن علي بن أبي طالب شمر «٤» بن ذي الجوشن. ثم أنفذ عبيد الله بن زياد رأس الحسين بن علي إلى الشام مع أسارى النساء والصبيان من أهل بيت رسول الله ﷺ على أقتاب «٥» مكشفات الوجوه والشعور، فكانوا إذا نزلوا منزلا أخرجوا الرأس من الصندوق «٦» وجعلوه في «٦» رمح وحرسوه «٧» إلى وقت الرحيل، ثم أعيد الرأس إلى الصندوق ورحلوا؛ فبيناهم كذلك إذ نزلوا بعض المنازل وإذا فيه دير راهب، فأخرجوا الرأس على عادتهم وجعلوه في الرمح وأسندوا الرمح «٨» إلى الدير، فرأى الديراني بالليل نورا ساطعا من ديره إلى السماء، فأشرف على القوم وقال لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن أهل الشام، قال: هذا رأس من هو؟ قالوا: رأس الحسين بن علي، قال: بئس القوم أنتم! والله لو كان لعيسى ولد «٩» لأدخلناه أحداقنا! ثم قال: يا قوم! عندي عشرة آلاف دينار ورثتها من أبي وأبي من أبيه، فهل لكم أن تعطوني هذا الرأس ليكون عندي الليلة وأعطيكم هذه العشرة آلاف دينار؟ قالوا: بلى، فأحدر إليهم الدنانير، فجاءوا بالنقاد، ووزنت الدنانير ونقدت، ثم جعلت في جراب وختم عليه، ثم أدخل

стр. 553

الصندوق، وشالوا إليه الرأس، فغسله الديراني ووضعه على فخذه وجعل يبكي الليل كله عليه، فلما أن أسفر عليه الصبح قال: يا رأس! لا أملك إلا نفسي، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن جدك رسول الله، فأسلم النصراني وصار مولى للحسين، ثم أحدر الرأس إليهم فأعادوه إلى الصندوق ورحلوا، فلما قربوا من دمشق قالوا: نحب أن نقسم تلك الدنانير، لأن يزيد إن رآها أخذها منا، ففتحوا الصندوق وأخرجوا الجراب بختمه وفتحوه، فإذا الدنانير كلها قد تحولت خزفا، وإذا على جانب من الجانبين من السكة مكتوب وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ وعلى الجانب الآخر سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ، قالوا: قد افتضحنا والله! ثم رموها في بردى «١» نهر لهم، فمنهم من تاب من ذلك الفعل لما رأى، ومنهم من بقي على إصراره، وكان رئيس من بقي على ذلك الإصرار سنان بن أنس النخعي. ثم أركب الأسارى من أهل بيت رسول الله ﷺ من النساء والصبيان أقتابا يابسة مكشفات الشعور، وأدخلوا دمشق كذلك «٢» ، فلما وضع الرأس بين يدي يزيد بن معاوية جعل ينقر ثنيته بقضيب كان في يده ويقول: ما أحسن ثناياه «٣» ! قد ذكرت كيفية هذه القصة وباليتها في أيام بني أمية وبني العباس في كتاب الخلفاء، فأغنى عن إعادة مثلها في هذا الكتاب لاقتصارنا على ذكر الخلفاء الراشدين منهم في أول هذا الكتاب. وقد بعث يزيد بن معاوية مسلم «٤» بن عقبة المزني إلى المدينة لست ليال بقين من ذي الحجة سنة ست وستين، فقتل مسلم بن عقبة بالمدينة خلقا من أولاد

стр. 554

المهاجرين والأنصار، واستباح المدينة ثلاثة أيام نهبا وقتلا، فسميت هذه الوقعة وقعة الحرة. وتوفي يزيد بن معاوية بحوارين «١» قرية من قرى دمشق لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين وهو يومئذ ابن ثمان وثلاثين «٢» ، وقد قيل: إن يزيد بن معاوية سكر ليلة وقام يرقص فسقط على رأسه وتناثر دماغه فمات، وصلى عليه ابنه معاوية بن يزيد، وكان نقش خاتم يزيد «آمنت بالله مخلصا» وقبره بدمشق. معاوية بن يزيد أبو ليلى «٣» وولي معاوية بن «٤» يزيد بن معاوية يوم النصف من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، وأمه أم خالد «٥» بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان له يوم ولي «٦» إحدى وعشرون «٦» سنة، وقد قيل: لا، بل سبع عشرة سنة، وكان من خير أهل بيته، فلما حضرته الوفاة قالوا له: بايع لرجل بعدك واعهد إليه، قال: ما أصبت من دنياكم شيئا فأتقلد مأثمها «٧» . ومات معاوية بن يزيد اليوم «٨» الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين، وكانت إمارته أربعين ليلة، وصلى عليه عثمان بن عنبسة «٩» بن أبي سفيان، وكان نقش خاتمه «يا الله نستعين- معاوية» وقبره بدمشق.

стр. 555

مروان بن الحكم وولي مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، بايعه أهل الشام بالجابية، وأمه آمنة بنت علقمة بن صفوان بن أمية بن مخدش الكعبي. ولما وصل «١» الخبر بموت معاوية الحجاز بايعوا عبد الله بن الزبير بن العوام، وكنية ابن الزبير أبو خبيب «٢» ، وبايع له أهل العراق وأهل الحجاز؛ وأم عبد الله بن الزبير أسماء بنت أبي بكر، فكان يخطب لابن الزبير بالحجاز والعراق، ويخطب بالشام إلى المغرب لمروان بن الحكم إلى أن مات مروان بن الحكم في شهر رمضان سنة خمسة وستين بدمشق «٣» ، وقد قيل: إن مروان مات بين دمشق وفلسطين، وكان له يوم مات ثلاث وستون سنة، وكانت ولايته عشرة أشهر إلا ثلاث ليال، وصلى عليه ابن عبد الملك بن مروان، قد عهد إليه في حياته، وكان نقش خاتم مروان «آمنت بالعزيز الحكيم» ، وقد قيل: إن نقش خاتم مروان كان «العزة لله» . عبد الملك بن مروان أبو الوليد ثم بايع أهل الشام عبد الملك بن مروان بن الحكم، وكان يكنى أبا الذبان «٤» لبخر كان في فمه، وذلك في اليوم الذي مات فيه أبوه، وأم عبد الملك بن مروان عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية «٥» . وأنفذ عبد الله بن الزبير أخاه مصعب بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان محاربا له، وسار عبد الملك إلى العراق يريد مصعبا، فالتقوا بدير الجاثليق، وكان بينهما وقعات إلى أن كانت الهزيمة على أصحاب مصعب، وقتل مصعب بن

стр. 556

الزبير «١» ، ثم رجع عبد الملك إلى دمشق وجمع الناس واستشارهم في أمر عبد الله ابن الزبير وقال: من له؟ فقام الحجاج بن يوسف فقال: أنا- وكان أصغر القوم وأقلهم نباهة، فقال له عبد الملك: وما يدريك؟ فقال له: إني رأيت في المنام أني خلعت ثوبه «٢» ، فقال: أنت له، فأخرجه في جماعة من أهل الأردن والشام لمحاربة ابن الزبير، فوافى الحجاج مكة وحاصر الحرم، ونصب المنجنيق على الكعبة أياما إلى أن ظفر بعبد الله بن الزبير فقتله، وذلك يوم الثلاثاء «٣» لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وصلبه على جذع منكسا، واستقر الأمر حينئذ لعبد الملك بن مروان، ومات عبد الملك بن مروان بدمشق لأربع ليال خلون من شوال سنة ست وثمانين، وكانت أم عبد الملك بن مروان عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية «٤» ، وصلى عليه ابنه الوليد، وكان له يوم توفي اثنتان وستون سنة، وكان نقش خاتمه «آمنت بالله» . وليد بن عبد الملك أبو العباس وبايع الناس الوليد بن عبد الملك في اليوم الذي توفي أبوه بدمشق، وأم الوليد بن عبد الملك: ليلى بنت العباس بن الحسين بن الحارث بن زهير، وتوفي الوليد بن عبد الملك بدمشق للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين بموضع يقال له دير مران» ، وكان له يوم مات تسع وأربعون سنة، وكان نقش خاتمه «يا وليد» ، مات وصلى عليه سليمان بن عبد الملك، وحمل من دير مران على أعناق الرجال إلى دمشق، ودفن في باب الصغير.

стр. 557

وفي ولاية الوليد بن عبد الملك مات الحجاج بن يوسف في شهر رمضان سنة خمس وتسعين وهو ابن ثلاث وخمسين سنة «١» ، وهو «٢» الحجاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن عامر «٣» بن مسعود «٣» بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو «٤» ابن سعد بن عوف بن ثقيف بن منبه «٥» بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة «٦» بن قيس عيلان. سليمان بن عبد الملك أبو أيوب وولي سليمان بن عبد الملك في اليوم الذي مات فيه وليد بن عبد الملك «٧» ، وأمه ليلى بنت العباس بن الحسين، وكنية سليمان بن عبد الملك أبو أيوب، مات سليمان بموضع يقال له دابق «٨» يوم الجمعة لعشر ليال خلون من صفر، وقد قيل: لعشر بقين من صفر «٩» سنة تسع وتسعين، وكان له يوم «١٠» توفي خمسة وأربعون سنة، وكان نقش خاتمه «أومن بالله» . عمر بن عبد العزيز أبو حفص واستخلف عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم أبو حفص بدير سمعان «١١» في اليوم الذي توفي فيه سليمان بن عبد الملك، وأم عمر بن عبد العزيز أم عاصم

стр. 558

«١» بنت عاصم بن عمر بن الخطاب «١» واسمها ليلى، فلما ولي عمر جمع وكلاءه ونساءه وجواريه فطلقهن وأعتقهن «٢» ، وأمر بثيابه «٣» فبيعت كلها وتصدق بأثمانها، ولزم طريقة الخلفاء الراشدين المهديين الذين «٤» «٥» هو من «٥» جملتهم، لا تأخذه في الله لومة لائم، وتوفي عمر بن عبد العزيز بدير سمعان [يوم] «٦» الجمعة لخمس ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وكان له يوم مات إحدى وأربعون «٧» سنة، وكانت خلافته سنتين «٨» وخمسة أشهر وخمس ليال، وصلى عليه مسلمة بن عبد الملك «٩» ، «١٠» وقيل «١٠» : صلى عليه عبد العزيز بن عمر «١١» بن عبد العزيز، وكان نقش خاتم «١٢» عمر ابن عبد العزيز «بالله مخلصا» «١٣» . يزيد بن عبد الملك أبو خالد وولى أهل الشام يزيد بن عبد الملك بن مروان بعد دفن عمر بن عبد العزيز، وكنية يزيد بن عبد الملك أبو خالد، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان «١٤» ، توفي يزيد بن عبد الملك بحوران من أرض دمشق يوم الجمعة أو

стр. 559

الخميس لخمس ليال بقين من شعبان سنة خمسة ومائة «١» ، وكان له يوم توفي تسع وعشرون «٢» سنة، وكانت ولايته أربع سنين وشهرا «٣» ... لأنه مات بسواد الأردن، وصلى عليه ابنه الوليد بن يزيد بن «٤» عبد الملك «٤» ، وكان نقش خاتم ابن عبد الملك «رب قني الحساب» . هشام بن عبد الملك أبو الوليد وولى هشام بن عبد الملك بن مروان في اليوم الذي توفي فيه أخوه، وأمه عائشة بنت هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي «٥» ، ومات هشام بن عبد الملك بالرصافة من أرض قنسرين يوم الأربعاء لست ليال خلون من شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة، وكان له يوم توفي ست «٦» وخمسون سنة، وكانت ولايته» تسع عشرة «٧» سنة وستة أشهر وإحدى عشرة ليلة، وصلى عليه الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكان نقش خاتم هشام بن عبد الملك «للحكم الحكيم» وكان هشام أحول. الوليد بن يزيد بن عبد الملك أبو العباس وولي الوليد بن يزيد بن عبد الملك بعد دفن هشام بن عبد الملك، وأمه أم محمد «٨» واسمها عائشة بنت محمد بن يوسف الثقفي أخو الحجاج بن يوسف، وكنية الوليد بن يزيد أبو العباس، وقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك يوم الخميس

стр. 560

ليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة «١» ، قتله يزيد الناقص «٢» بالبخراء «٣» من أرض دمشق، وكانت ولايته سنة [وثلاثة] «٤» أشهر و «٥» اثنين وعشرين «٥» يوما. يزيد بن الوليد بن عبد الملك أبو خالد وولي يزيد بن الوليد «٦» بعد قتل الوليد «٦» بن يزيد بن عبد الملك «٧» ، وأمه هند بنت عبد العزيز بن مروان «٨» ، ومات يزيد بن الوليد لعشر بقين من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، وكانت ولايته خمسة أشهر، وقد قيل: خمسة أشهر وليلتين، وصلى عليه إبراهيم بن الوليد «٩» بن عبد الملك «٩» ، وكان يقال له: يزيد الناقص، وإنما سمي بذلك لأنه نقص عطاء الجند «١٠» عما [زاده الوليد] «١١» فسمي بذلك الناقص. إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك أبو إسحاق وولي إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان في اليوم الذي مات فيه

стр. 561

أخوه، وكانت أمه أم ولد «١» ، وكان يلقب بصلبان «٢» باسم مجنون «٣» ، وكان عندهم بدمشق، وبقي في العمل [ثلاثة] «٤» أشهر، ثم قدم مروان بن محمد دمشق، وراوده «٥» «٦» على أن «٦» يخلع نفسه بعد أن قاتله «٧» مروان فسمي المخلوع، وبقي بعد ذلك مدة «٨» إلى أن مات بدمشق، وقد «٩» قيل: إن مروان بن محمد هو الذي قتله وصلبه، وكان اليوم الذي خلع فيه إبراهيم بن الوليد يوم «٩» الإثنين لأربع عشرة «١٠» ليلة خلت من شهر صفر سنة سبع وعشرين ومائة. مروان بن محمد بن مروان بن الحكم أبو عبد الملك وولي مروان بن محمد في اليوم الذي خلع فيه إبراهيم بن الوليد نفسه وذلك يوم الإثنين، وكان يقال له مروان الحمار، وإنما عرف بالحمار لقلة عقله «١١» ، وأمه أم ولد جارية كردية كان يقال لها لبابة «١٢» . وظهر أبو مسلم واسمه عبد الرحمن بن مسلم «١٣» أحد بني جندع بن ليث بن بكر بن عبد مناف «١٤» بخراسان يوم الخميس لعشر بقين من رمضان سنة تسع

стр. 562

وعشرين ومائة. فأظهر «١» الدعوة للرضا من آل رسول الله ﷺ ، ثم دخل مرو وفضّ الجموع التي كانت بها مع نصر بن سيار، وهرب نصر بن سيار من «٢» أبي مسلم يريد العراق، فمات بساوة «٣» ، وخرج أبو مسلم من مرو إلى نيسابور ثم قصد الري ثم خرج منها إلى الكوفة فدخلها، وأنفذ عبد الله بن علي بن «٤» العباس وأهل بيته وهم بالمدينة فاستقدمهم الكوفة، وأنفذ عبد الله بن علي مع جيش جرار إلى دمشق يريد مروان بن محمد، فأنفذ عبد الله بن علي على مقدمته صالح بن علي فجعل صالح بن علي «٥» على مقدمته أبا عون عبد «٥» الملك بن يزيد، فواقع ابن عون مروان بن محمد بموضع يقال له أبو صير» من رستاق يدعى من صعيد مصر، لأنه هرب إلى الصعيد، فقتل مروان الحمار عامر بن إسماعيل المروزي، وذلك يوم الخميس لست ليال بقين من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين ومائة «٧» ، وقد قيل: إن مروان بن محمد قتل «٨» في بعض نواحي دمشق وانقضت مدة ملك بني «٩» أمية على رأسه. السفاح أبو العباس وولي أبو مسلم أبا العباس «١٠» ، واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله ابن العباس، وذلك يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة

стр. 563

اثنتين وثلاثين ومائة «١» ، وأمه رائطة «٢» بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، وهو أول عباسي تولى «٣» الخلافة، وتحول أبو العباس من الحيرة إلى الأنبار «٤» ، وبنى مدينتها للنصف من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين ومائة «٥» ، وتوفي أبو العباس يوم الأحد بالأنبار ليلة عشر خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة «٦» ، وصلى عليه عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس «٧» ، وكانت ولايته أربع سنين «٨» وثمانية أشهر، وكان مولده بالشام بالحميمة «٩» ، وكان نقش خاتم أبي العباس «الله ثقة عبد الله وبه يؤمن» «١٠» . المنصور أبو جعفر أخوه وولي أبو جعفر المنصور، واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في اليوم الذي مات فيه أخوه، وأمه أم ولد اسمها سلامة «١١» ، وتوفي أبو جعفر بالأبطح بمكة لتسع خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، ودفن ببئر ميمون، وصلى عليه إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي، وقد قيل: لا، بل صلى عليه عيسى بن محمد بن علي «١٢» ، والمنصور هو قاتل أبي مسلم، وكان أبو مسلم

стр. 564

مولده بكرخ أصبهان، واسمه عبد الرحمن بن مسلم، قتله المنصور في آخر شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة «١» ، وطواه في بساط لأنه ترك الرأي «٢» بالرأي، وكان للمنصور يوم ولي «٣» ثلاث وستون سنة، وكانت ولايته «٤» اثنتين وعشرين «٤» سنة غير يوم، وكان نقش خاتم المنصور «الله ثقة عبد الله» . المهدي بن المنصور أبو عبد الله وولي محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس في اليوم الذي توفي فيه أبوه، وأمه أم موسى بنت منصور بن عبد الله بن «٥» سهم بن يزيد «٥» الحميري، ومات المهدي بماسبذان «٦» بقرية يقال لها السواد، وذلك في المحرم ليلة الخميس لثمان بقين منه سنة تسع وستين ومائة، وكان له يوم توفي ثلاث «٧» وأربعون سنة، وكانت ولايته عشر سنين وشهرا «٨» و «٩» أربع عشرة «٩» ليلة، وصلى عليه ابنه هارون «١٠» ، وقد كان نقش خاتمه «استقدر الله تعالى» . الهادي بن مهدي أبو محمد وولي موسى بن محمد بن أبي جعفر المنصور في اليوم الذي مات فيه أبوه،

стр. 565

وكان موسى يومئذ بجرجان «١» ، و «٢» أمه الخيزران «٢» أم ولد، بويع ببغداد وأنفذت «٣» البيعة إليه وهو بجرجان، ثم قدم الهادي ببغداد، وتوفي موسى الهادي يوم الجمعة بموضع يقال له عيساباذ «٤» من سواد العراق، وذلك يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة، وكان له يوم توفي خمس وعشرون «٥» سنة، وكانت ولايته» أربعة عشر شهرا إلا ست ليال، وصلى عليه أخوه هارون الرشيد بن الهادي، وكان نقش خاتم «٧» الهادي «الله ربي» «٨» . الرشيد بن المهدي أبو جعفر وولي هارون بن محمد بن أبي جعفر المنصور في اليوم الذي توفي فيه أخوه موسى، وكنية هارون أبو جعفر، وأمه أم ولد، وتوفي هارون الرشيد بطوس بموضع يقال له سناباذ «٩» بخارج النوقان «١٠» ، وكان قد خرج من جرجان إليها، وذلك في جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة «١١» ، وكان مولده بمدينة السلام، وكان نقش خاتم هارون «بالله ثقتي» . ورأيت قبر هارون الرشيد تحت قبر علي بن موسى الرضا «١٢» بينهما مقدار
следующие страницы →