بجهلهم واتبعوه، ولم يلبث هؤلاء الجياع أن عاثوا بدينهم هذا في الأرض فسادا يفتحونها بسيوفهم، حتى كان ما كان، ودان لهم من غوغاء الأمم من دان، وقامت لهم في الأرض بعد قليل ثقافة وحضارة جلها مسلوب من ثقافات الأمم السابقة، كالفرس والهند واليونان وغيرهم، حتى لغتهم كانت مسلوبة وعالة على العبرية والسريانية والآرمية والفارسية والحبشية، ثم كان من تصاريف الأقدار أن يكون علماء هذه الأمة العربية من غير أبناء العرب (الموالي) ، وأن هؤلاء هم الذين جعلوا لهذه الحضارة كلها معنى.
هذا هو جوهر الصورة التي بثها المستشرقون في كل كتبهم عن دين الإسلام، وعن علوم أهل الإسلام، وفنونهم، وآثارهم وحضارتهم، وأن هذه الحضارة إنما هي إحدى حضارات القرون الوسطى المظلمة، بثوا تلك الصورة في كل كتبهم، بمهارة وحذق وخبث مغرق، وبأسلوب يقنع القارئ الأوربي المثقف الآن كل الإقناع، وتنحط في نظره حضارة الإسلام وثقافته، انحطاط القرون الوسطى، ويزداد بذلك زهوا؛ فإن أسلافه من اليونان والأوربيين كانوا هم ركائز هذه الحضارة المزيفة الملفقة دينا ولغة وعلما وثقافة وأدبا وشعرا، ويزداد الأوربي- أيّا كان- غطرسة وتعاليا وجبرية، ولا يرى في الدنيا شيئا له قيمة إلا وهو مستمد من أسلافه الأوربيين» «١» .
وإذا كان أحد يرتاب في هذا الكلام، ويدعي أنه رأي عالم مسلم متحامل على المستشرقين، فإليك أنموذجا من كلامهم وآرائهم في الإسلام والمسلمين.
يقول المستشرق الفرنسي كيمون في كتاب له بعنوان «باثالوچيا الإسلام» : «إن الديانة المحمدية جذام تفشى بين الناس، وأخذ يفتك بهم فتكا ذريعا، بل هي مرض مريع وشلل عام، وجنون ذهولي يبعث بالإنسان على الخمول والكسل، ولا يوقظه منها إلا سفك الدماء، أو يدمن على معاقرة الخمر، ويجمح في القبائح، وما قبر محمد إلا كعمود كهربائي يبعث الجنون في رؤوس المسلمين، ويلجئهم إلى الإتيان بمظاهر الصرع العامة، والذهول العقلي» «٢» .
هذا هو علم معظم المستشرقين، وهذه هي آراؤهم ونظرتهم إلى الإسلام ورسوله ورسالته، وهذه النظرة الحاقدة الظالمة هي التي ترسبت في الذهنية الأوربية إلى يوم الناس هذا، وحتى إذا وجد بعض المصنفين من المستشرقين، الذين قالوا كلمة الحق
стр. 387
عن الإسلام ورسوله وحضارته، فإن أصواتهم قد ضاعت تماما وسط الركام الهائل من الحقد والكراهية للإسلام والمسلمين.
* بداية الاستشراق:
الاستشراق- دون الدخول في تفاصيل طويلة- تحدد المفهوم الجغرافي لكلمة الشرق التي اشتق منها المصطلح، ولأننا نعدها كلمة ذات مدلول حضاري أكثر منها ذات مدلول جغرافي، ولأننا نرى أن الأندلس (شبه جزيرة أيبريا) وإن كانت تعد من الغرب جغرافيّا، فهي تنسب إلى الشرق حضاريّا أثناء الوجود العربي الإسلامي فيها، والذي استمر نحوا من ثمانية قرون، كانت خلالها مركزا متقدما من مراكز الحضارة العربية الإسلامية، وعلى هذا الأساس نعد الذين يتناولون الحضارة الإسلامية في الأندلس مستشرقين، حتى ولو كانوا من أبناء الأسبان أنفسهم.
لكل هذا نقول: إن الاستشراق هو حركة أو ظاهرة أو مصطلح علمي قديم، تناول جميع الدراسات المشرقية بصفة عامة، والدراسات العربية والإسلامية بصفة خاصة، والمستشرقون هم أولئك العلماء- رجالا ونساء- الذين كرسوا حياتهم للدراسات الشرقية، ولأغراض متباينة، والذي يهمنا هنا هو الاستشراق الخاص بالدراسات العربية والإسلامية، وقد تناول هؤلاء المستشرقون الإسلام عقيدة وشريعة وحضارة من جميع النواحي، كما سبقت الإشارة.
وإذا كان الاستشراق قد بدأ في الأوساط الدينية، وفي الكنائس والأديرة، ومن منطلق البغض والتعصب والحقد على الإسلام ورسوله ورسالته، وتأثرا بالخليفة التاريخية التي أفضنا في الحديث عنها في مطلع هذا البحث، أقول: إذا كان الاستشراق قد بدأ هذه البداية العدائية الضيقة الأفق، إلا أنه أخذ يتطور ويتسع نطاقه بمرور الزمن، حتى عم كل أرجاء أوربا، ثم العالم الجديد فيما بعد، بحيث لا تكاد توجد جامعة أو معهد علمي في كل أوربا وأمريكا الآن إلا وهي تضم قسما أو أكثر للدراسات العربية والإسلامية.
والذي يطالع بعض الكتب والأبحاث التي ترجمت للمستشرقين فقط، وذكرت أسماءهم وعناوين مؤلفاتهم، مثل كتاب «المستشرقون» للأستاذ نجيب العقيقي، وهو في ثلاثة مجلدات كبار، ويزيد عدد صفحاته على ألف وخمسمائة صفحة، يدرك كثرة عدد المستشرقين كثرة هائلة، فهم يعدون بالآلاف، وليس بالمئات، مع أن هذا الكتاب ألف منذ عشرات السنين، ولم يستوعب كل شيء بطبيعة الحال عن المستشرقين،
стр. 388
ومن هذا القبيل كتب أصغر حجما وتعنى بالتأريخ للاستشراق والمستشرقين، في أقطار معينة، مثل دراسة المستشرق الألماني رودي بارت بعنوان «الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية» ، ودراسة الدكتور إسحاق موسى الحسيني بعنوان «علماء المشرقيات في انجلترا» ... إلخ، من يطالع هذه الكتب وأمثالها يدرك حجم واتساع حركة الاستشراق، وأنها وإن بدأت ضيقة الأفق في الأوساط الكنسية والديرية، إلا أنها بدأت تتخلص من بعض النظرات المتعصبة الحاقدة، وبدأنا نقرأ أبحاثا فيها كثير من الإنصاف للإسلام ورسوله وحضارته، بل بدأنا نرى علماء كثيرين في الغرب يعترفون صراحة بفضل الحضارة العربية الإسلامية على الحضارة الأوربية، وأنها كانت الأساس والشرارة التي انطلقت منها النهضة الأوربية، ومن هذا القبيل كتاب المستشرقة الألمانية سيجريد هونكه «شمس الله تسطع على الغرب» .
لكن للأسف الشديد، وعلى الرغم من تحرر كثير من المستشرقين من نظرة الحقد والتعصب على الإسلام في كتاباتهم وأبحاثهم، إلا أن ذلك كله ظل في دائرة العلماء والأوساط الأكاديمية، وظلت الصورة الشائعة الكريهة التي رسمتها الأبحاث المتعصبة هي الباقية والمترسبة في الذهنية الأوربية بصفة عامة، فنظرة الرجل الأوربي العادي إلى الإسلام، وكل من وما ينتمي إليه نظرة يحكمها الاستعلاء والازدراء؛ لأن مناهج التعليم التي يتلقاها الأطفال في أوربا وأمريكا حافلة بكل ما يحقر من الإسلام والمسلمين، فعندما يشب هؤلاء الأطفال، وينهون دراساتهم، ويصبحون رجالا في مواقع المسؤولية وإصدار القرار؛ فإنهم لا يستطيعون انفكاكا من الصورة القبيحة التي تلقوها عن الإسلام في مراحل التعليم المختلفة، فتكون تصرفاتهم وقراراتهم فيما يتعلق بعلاقاتهم بالعالم الإسلامي محكومة بصفة عامة بهذه الخلفية، ولا تؤثر فيها مطلقا الدراسات المنصفة؛ لأنها تجد الرواج على نطاق واسع، ويبدو أن الأمر متعمد، والدلائل على ذلك لا حصر لها.
نعود إلى الحديث عن بداية الاستشراق والدراسات الاستشراقية، تلك البداية التي لم يحسم القول فيها حتى الآن، وإن كنا نتفق مع من يرى أنها تعود إلى بدايات ظهور الإسلام، واحتكاكه بالعالم المسيحي الذي بدأ أولا في ساحات القتال كما أشرنا فيما سبق.
ولقد بدأ الاستشراق في الشرق نفسه قبل أن يبدأ في الغرب، وعلى أيدي رجال اللاهوت المسيحي في الكنائس والأديرة، فالقديس يوحنا الدمشقي (٨٠- ١٣٧ هـ/ ٧٠٠- ٧٥٥ م) الذي كان واحدا من كبار رجال الكنيسة في الشام،
стр. 389
وكان قريبا من البلاط الأموي، إلا أنه كان شديد البغض للإسلام والمسلمين، ولعله أول من بدأ في التشكيك في الإسلام، وهز صورة النبي ﷺ والإساءة إليه، فقد لقن أنصاره قصصا وأخبارا ملفقة ومزورة عن النبي ﷺ ، وروجوها على نطاق واسع حتى وجدت طريقها إلى كتب التفسير، وبصفة خاصة زواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة ﵁، فقد زعموا- زورا وبهتانا- أن ذلك الزواج كان وراءه قصة عشق بين النبي ﷺ وبين زينب «١» كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [الكهف: ٥] .
وهذه الفرية التي ابتدعها ولفقها ذلك النصراني الحاقد راجت للأسف الشديد، وقبلها مفسر كبير كابن جرير الطبري، وتناقلها عنه غيره، فكانت أعظم فرية افتريت على رسول الله ﷺ ، وتجافي تماما خلقه، وما طبع عليه من الطهر والعفة، ولم يثبت في الصحاح شيء من هذا، ولم ينقل عن أحد من الصحابة بطريق مقبول، وهذا الذي لفقه يوحنا الدمشقي صورة مصغرة من تلفيقات رجال اللاهوت المسيحي لتقويض أسس العقيدة الإسلامية، فالسلطات الكنسية شرعت منذ وقت مبكر تهاجم بالجدل والمناظرات أسس العقيدة الإسلامية بأسلحة فكرية عن طريق انتشار الثقافات، بما تحمله من الدس والشبهات، والثقافات في الحقيقة تغزو المجتمعات، وقد يكون غزوها أشد فتكا من غزو الجيوش العسكرية.
يقول المستشرق الفرنسي ألفريد غيوم- في مقال له بعنوان «الفلسفة وعلم الكلام» : «وبمرور الزمن أسلم الكثير من اليهود والنصارى تخلصا من الجزية التي كانت تجبى من الموحدين، من أهل الكتاب من غير المسلمين، فهؤلاء الذين دخلوا كنف الدين- الإسلامي- حملوا معهم ثقافة الإمبراطورية البيزنطية، وثقافة اليونان، وهذه الانشقاقات الواسعة أفزعت السلطات الكنسية، فشرعت تهاجم بالجدل والمناظرات أسس العقيدة الإسلامية» .
ثم يستطرد قائلا: «فالقديس يوحنا الدمشقي كان يستطيع أثناء مناظراته إفحام مناظريه المسلمين ببراهين ثابتة مطواعة.... كان يوحنا وأمثاله يجادلون بحرارة شديدة، ويستدلون بالإسرائيليات، فإذا وجدوا الفرصة سانحة دسوا ما يريدون دسه على المسلمين، وربما اتخذوا من الروايات الإسرائيلية التي تقول: إن داود
стр. 390
عليه السلام أحب زوجة قائده أوريا، وإنه عمل على التخلص منه حتى قتل، فتزوجها داود بعده، ربما عملوا مقارنات ومعادلات بينها وبين ما زعموه في قصة زواج النبي ﷺ من زينب» «١» .
هذا الذي لفقه وزوره يوحنا الدمشقي؛ الذي يوصف بالقديس، عن النبي ﷺ في زواجه من زينب بنت جحش قد يظنه بعض الناس أمرا هينا، ولكنه عند الله عظيم، فهو تشويه لصورة النبي ﷺ الذي يعد المثل الأعلى لكل مسلم، وإذا شوهت صورة النبي المعصوم، فماذا يبقى للمسلمين من قيم وأخلاق؟!.
يقول الأستاذ عباس محمود العقاد في هذا الصدد «٢» : «وما اتفق خصوم الإسلام عن سوء نية على شيء كما اتفقوا على خطة التبشير في موضوع زواج النبي ﷺ على الخصوص، فكلهم يحسب أن المقتل الذي يصاب منه الإسلام في هذا الموضوع هو تشويه سمعة النبي ﷺ ، وتمثيله لأتباعه في صورة معينة، لا تلائم شرف النبوة، ولا يتصف صاحبها بفضيلة الصدق في طلب الإصلاح، وأي صورة تغنيهم في هذا الغرض الأثيم كما تغنيهم صورة الرجل الشهواني الغارق في لذات الجسد، العازف في معيشته البيتية ورسالته العامة عن عفاف القلب والروح؟! وإنهم لعلى صواب في الخطة التي تخيروها لإصابة الإسلام في مقتل من هذا الطريق الوجيز، وإنهم لعلى أشد الخطأ في اختيارهم هذه الخطة بعينها، إذ إن جلاء الحقيقة في هذا الموضوع أهون شيء على المسلم العارف بدينه، المطلع على سيرة نبيه، فإذا بمقتله المظنون حجة يكتفي بها المسلم، ولا يحتاج إلى حجة غيرها لتعظيم نبيه، وتبرئه دينه من قالة السوء الذي يفترى عليه، فلا حجة للمسلم على صدق محمد ﷺ في رسالته أصدق من سيرته في زواجه وفي اختيار زوجاته، وليس للنبوة آية أشرف من آيتها في معيشة نبي الإسلام من مطلع حياته إلى يوم وفاته، ما الذي يفعله الرجل الشهواني الغارق في لذات الجسد إذا بلغ من المكانة والسلطان ما بلغه محمد في قومه؟ لم يكن عسيرا عليه أن يجمع إليه أجمل بنات العرب، وأفتن جواري الفرس والروم على تخوم الجزيرة العربية، ولم يكن عسيرا عليه أن يوفر لنفسه ولأهله من الطعام والكساء والزينة ما لم يتوفر لسيد من سادات الجزيرة في زمانه، فهل فعل محمد ذلك بعد نجاحه؟ هل فعل ذلك في مطلع حياته؟ كلا لم يفعله قط، بل
стр. 391
فعل نقيضه، وكاد يفقد زوجاته لشكايتهن من شظف العيش في داره ... والسيدة زينب بنت جحش- ابنة عمته- زوجها من مولاه ومتبناه زيد بن حارثة، فنفرت منه، وعز على زيد أن يروضها على طاعته، فأذن له النبي في طلاقها، فتزوجها ﵇؛ لأنه المسؤول عن زواجها، وما كان جمالها خفيّا عليه قبل تزويجها من مولاه؛ لأنها كانت بنت عمته، يراها من طفولتها، ولم تفاجئه بروعة لم يعهدها» .
نعود إلى يوحنا الدمشقي، الذي يمثل بواكير الاستشراق الكنسي الحاقد على الإسلام ورسوله ورسالته وحضارته، والذي نشأ في الشام، في كنف الدولة الأموية، ومع ذلك نجح في بث سموم أفكاره، حتى عرفت طريقها لكتب تفسير القرآن الكريم.
ويعاصر يوحنا الدمشقي ويماثله في الحقد على الإسلام، رجل لاهوت مسيحي آخر عاش في مصر، وهو حنا النقيوسي وقد يقول قائل: إن هذين الرجلين وأمثالهما لا يعدون مستشرقين؛ لأنهم أصلا من الشرق والمستشرق في عرف الناس هو رجل غربي يهتم بالدراسات الشرقية، وهذا القول ليس صحيحا؛ لأن الشرق والاستشراق في رأينا مفهوم حضاري أكثر منه مفهوم جغرافي، وقد قلنا: إن الأندلس تعتبر شرقية حضاريّا، وإن كانت غربية جغرافيّا. وبهذا المفهوم فإننا نعد كل من يهاجم الإسلام ويطعن في أسس عقائده، ويغمز ويلمز، فهو مستشرق مهما كان موطنه.
وليوحنا الدمشقي، وحنا النقيوسي اللذين عاشا في أواخر القرن الأول وبداية الثاني الهجري امتداد حتى الوقت الحاضر، فرجال مثل عزيز عطية سوريال، وهو مصري مسيحي كان أستاذا بجامعة الإسكندرية، ثم ذهب ليدرس في إحدى الجامعات الأمريكية، وهو شديد الحقد على الإسلام في كتاباته، ومثل بطرس عبد الملك، وهو الآخر مصري مسيحي، كان أستاذا بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، ثم هاجر إلى أمريكا، واشتغل بالتدريس في جامعة برنستون، ومثل فيليب حتى وهو لبناني مسيحي، هاجر إلى أمريكا، وأخذ الجنسية الأمريكية، وعمل بالتدريس في قسم الدراسات الشرقية في جامعة برنستون، وله العديد من المؤلفات عن تاريخ العرب والإسلام، وغير هؤلاء كثيرون، وكلهم رغم انضمامهم جغرافيّا إلى الشرق، فإنهم- بمناصبتهم الإسلام العداء- يعدون في نظرنا مستشرقين «١» وامتدادا ليوحنا الدمشقي، وحنا النقيوسي، وهم يشبهون حركة الشعوبية التي
стр. 392
ظهرت في العصر العباسي الأول (١٣٢- ٢٣٢ هـ) من بين الفرس خاصة، والتي عمدت إلى تحقير العرب، والحط من مكانتهم لتقويض رسالتهم «١» .
* تطور الحركة الاستشراقية:
وهذه الحركة أو هذه الظاهرة الاستشراقية التي بدأت منذ النصف الثاني من القرن الأول الهجري، على يد القديس يوحنا الدمشقي وحنا النقيوسي وأمثالهما، بدأت تتسع ويمتد نطاقها مع اتساع الفتوحات الإسلامية، وامتدادها إلى أوربا عن طريق الأندلس، وصقلية، وجنوب إيطاليا، ويمثل هذا التطور مكانا بارزا في تاريخ الاستشراق؛ لأن أوربا بعد أن وصلت إليها الفتوحات الإسلامية، وبعد أن بدأت الحضارة الإسلامية في الازدهار في تلك المراكز الأوربية، بدأت ترقب عن كثب ما يجري في قرطبة وطليطلة وأشبيلية وغيرها من المدن الأسبانية، فقررت الاستفادة من الحضارة الإسلامية، وهذا تطور كبير في حركة الاستشراق، وبداية التخلص شيئا فشيئا من قيود التعصب الكنسي، فقد وجد كثير من الأوربيين أن الحضارة الإسلامية بدأت تتألق لا في الشرق الإسلامي فحسب، بل في الأجزاء الأوربية التي وصلتها الفتوح الإسلامية، في الأندلس وصقلية وغيرها.
فقد كتبت أسبانيا العربية الإسلامية صفحة من أروع صفحات الحضارة الراقية في تاريخ القارة الأوربية في العصور الوسطى، يوم أن كانت أوربا كلها تتخبط في الظلام، ولقد بدأت تخرج من هذا الظلام يوم أن عرفت الحضارة العربية الإسلامية، وقدرت قيمتها وأهميتها، فبدأت ترسل أبناءها للتعليم في مراكز الحضارة الإسلامية في الأندلس، وفي مدنها العامرة، مثل قرطبة، وطليطلة، وأشبيلية وغيرها، وهذا الاتجاه كان تطورا إيجابيّا في مسيرة الاستشراق بالنسبة إلى أوربا عاد عليها بفوائد كثيرة «٢» .
وقد اتخذ إقبال الأوربيين على الاستفادة من الحضارة العربية شكلا منظما، مما جعله استشراقا يقوم على أسس علمية ثابتة واضحة، فقد اهتمت الدول الأوربية بإرسال بعثات علمية إلى بلاد الأندلس العربية لدراسة العلوم والفنون والصناعات التي في معاهدها الكبرى، نتيجة زيوع شهرة الأندلس وحضارتها الزاهرة في انجلترا وفرنسا.
وهناك أمثلة كثيرة توضح هذا الاستشراق العلمي المنظم، ففي مطلع القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي وصلت بعثات علمية من انجلترا وفرنسا إلى أسبانيا
стр. 393
العربية، وصل عدد طلابها إلى نحو سبعمائة طالب وطالبة لتلقي العلم هناك «١» .
* الاستشراق والحروب الصليبية:
كانت الهجمة البربرية التي شنها الغرب الأوربي على الشرق الإسلامي، والتي عرفت بالحروب الصليبية، والتي دامت نحو قرنين من الزمان، كانت هذه الهجمة نتيجة للشحنة الهائلة من الكراهية والبغضاء والحقد على الإسلام والمسلمين، والتي شحن بها المستشرقون المتعصبون، وبصفة خاصة من الأوساط الكنسية والديرية، الشعوب الأوربية ضد الإسلام والمسلمين، فإن معظم الجموع الهمجية الهائجة التي هاجمت الشرق الإسلامي، كانت تعتقد بأن المسلمين كفرة ومتوحشين، كما علمتهم الكنيسة ورجالها من المبشرين والمستشرقين على مدى أجيال، وما دام المسلمون كفرة ومتوحشين فيجب إبادتهم؛ بل إن البابا أخبرهم بأن قتال هؤلاء المسلمين الكفرة واجب ديني مقدس، ووعدهم بغفران ذنوب من يشترك فيها، فضلا عن الغنائم الوفيرة «٢» ، فاندفعوا اندفاعتهم الوحشية، وكان ما كان.
وهذه الحروب الصليبية التي كانت نتيجة الحقد الدفين لدى الغربيين، والذي غزاه الاستشراق المتعصب، هذه الحروب ذاتها زادت من جذوة الكراهية، والعداء المتبادل بين المسلمين والأوربيين، وأدت إلى اتساع دائرة الاستشراق، فقد فوجئ الصليبيون بأن الشرق الإسلامي لم يكن بلاد الكفر والجهل والوحشية كما علمتهم الكنيسة وشحنتهم بالعداء على مدى أجيال؛ بل وجدوه يتمتع بحضارة زاهرة، جديرة بأن يتعلموا منها، ولكن الغريب أنهم لم يتخلوا قط عن روح العداء والتعصب ضد الإسلام والمسلمين، وانعكست روح العداء هذه في دراسات المستشرقين الذين نشؤوا أثناء الحروب الصليبية وبعدها، الذين أخذوا يتعلمون اللغة العربية لا حبّا فيها؛ ولكن لأنها وسيلة جيدة- من وجهة نظرهم- لفهم الإسلام أكثر، لا للتفاهم مع المسلمين بل لمحاربتهم «٣» .
وها هو واحد من المستشرقين المعاصرين، وهو المستشرق الألماني رودي بارت يعترف صراحة بهذا الاتجاه الذي أخذه مسار الاستشراق أثناء الحروب الصليبية
стр. 394
وبعدها، فيقول: «إذا نظر المرء إلى الوراء، إلى تاريخ تطور الاستشراق، ولم يتردد في التبسيط رغبة في زيادة الوضوح، فإنه يستطيع أن يقول: إن بداية الدراسات العربية والإسلامية ترجع إلى القرن الثاني عشر، ففي عام (١١٤٣ م) تمت ترجمة القرآن لأول مرة، إلى اللغة اللاتينية، بتوجيه من الأب بيتروس فينيرابيليس، رئيس دير كلوني وكان ذلك على أرض أسبانيا، وعلى الأرض الأسبانية، وفي القرن الثاني عشر أيضا نشأ أول قاموس لاتيني عربي، وفي القرن الثالث عشر والقرن الرابع عشر، بذل رايموندوس- المولود في جزيرة ميورقة- جهودا كبيرة لإنشاء كراسي لتدريس اللغة العربية، وكان قد تعلم اللغة العربية على يد عبد عربي، وكان الهدف من هذه الجهود في ذلك العصر والقرون التالية هو التبشير، وإقناع المسلمين بلغتهم ببطلان دينهم واجتذابهم إلى الدين المسيحي، ويمكن الاطلاع على هذا الموضوع بتفصيلاته في الكتاب الكبير الذي وضعه نور من دانييل باسم «الإسلام والغرب» سنة (١٩٦٠ م) ، والطبعة الثانية (١٩٦٣ م) ، وكان موقف الغرب المسيحي في العصر الوسيط من الإسلام هو موقف العداء والمشاحنة فحسب، حقيقة إن العلماء ورجال اللاهوت في العصر الوسيط كانوا يتصلون بالمصادر الأولى في تعرفهم على الإسلام، وكانوا يتصلون بها على نطاق كبير، ولكن كل محاولة لتقييم هذه المصادر على نحو موضوعي نوعا ما، كانت تصطدم بحكم سابق، يتمثل في أن هذا الدين المعادي للمسيحية لا يمكن أن يكون فيه خير، وهكذا كان الناس لا يولون تصديقهم إلا تلك المعلومات التي تتفق مع هذا الرأي المتخذ من قبل، وكانوا يتلقفون بنهم كل الأخبار التي تلوح لهم مسيئة إلى النبي العربي ودين الإسلام» «١» .
هذا هو اعتراف واحد من كبار المستشرقين الأوربيين المعاصرين، بأن موقف العداء والتعصب من طائفة كبيرة من المستشرقين، وبصفة خاصة رجال اللاهوت ضد الإسلام ورسوله ورسالته، هذا الموقف العدائي لم يتغير حتى بعد احتكاكهم الطويل بالمسلمين في الحروب الصليبية، واطلاعهم على الحضارة الإسلامية، وعلى التسامح الإسلامي الذي كان يتحلى به القادة المسلمون تجاه الصليبيين، وبصفة خاصة صلاح الدين الأيوبي الذي ضرب أروع الأمثلة في التسامح مع الأعداء، ومعاملتهم معاملة كريمة «٢» .
стр. 395
كل ذلك لم يؤثر فيهم، ولم يحملهم على مراجعة مواقفهم؛ لأن شحنة العداء التي شحنتهم بها الكنيسة ورجالها كانت أكبر وأعمق من قدرتهم على التخلص منها، فاستمروا في عدائهم وحقدهم، بل أخذ هذا العداء وذلك الحقد في الازدياد بعد أن غير التاريخ مساره، وأصبحت الغلبة للأوربيين على العالم الإسلامي منذ طرد المسلمين من الأندلس في نهاية القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، ومطاردتهم إلى شمال إفريقيا، ثم تطويق العالم الإسلامي من الخلف، ووصول الأساطيل البرتغالية إلى مداخل البحر الأحمر الجنوبية، وتلتها الأساطيل الإنجليزية والفرنسية والهولندية ... إلخ، وبدأت قصة استعمار أوربا لمعظم بلاد وأقطار العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه، وهنا دخل الاستشراق ليقوم بمهمة تسهيل أمر السيطرة الغربية على العالم الإسلامي، منفذين كل الدراسات التي يحتاجها رجال السياسة وصناع القرار في العواصم الغربية، الذين كان يهمهم الوقوف على التاريخ العربي والإسلامي، والكشف عن الحضارة العربية والتراث الإسلامي، فأحسنت كل دولة إلى مستشرقيها، فضمهم ملوكهم إلى حاشيتهم، أمناء أسراره وتراجمه، وانتدبوهم للعمل في سلكي الجيش والديبلوماسية إلى بلدان الشرق، وولوهم كراسي اللغات الشرقية، في كبرى الجماعات والمدارس الخاصة، والمكتبات العامة والمطابع الوطنية، وأجزلوا عطاءهم في الحل والترحال، ومنحوهم ألقاب الشرف وعضوية المجامع العلمية «١» .
ليس من غرضنا من كل ما تقدم في هذه الورقة أن نصم كل المستشرقين بالتعصب ضد الإسلام والمسلمين، ولا أن نجحد فضل المستشرقين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم في الكشف عن كثير من كنوز حضارتنا، وتحقيقهم للكثير من مخطوطاتنا العربية الإسلامية، وبعثها في ثوب جديد وقشيب، كل ذلك نذكره ونشكرهم عليه؛ لأننا قوم لا نجحد فضل صاحب الفضل، هكذا علمنا ديننا وعلمنا رسولنا ﷺ ، ولكن الذي نريد أن يعلمه قومنا أن الأصوات العاقلة والمنصفة من بين المستشرقين، والتي أنصفت الإسلام ورسوله ورسالته وحضارته- وهي كثيرة- هذه الأصوات ضاعت وسط الأصوات الحاقدة المتعصبة، ولم يعد لها أثر في الذهنية الأوربية والأمريكية، والأثر الذي بقي في الذهنية هو الأثر السلبي الذي تركته الكتابات الحاقدة والمتعصبة، والذي لا يزال يوجه شعور الأوربيين نحو الإسلام والمسلمين، وهو شعور الاستعلاء والتكبر على كل ما هو إسلامي، فهل
стр. 396
يجدي أن نظل نحن متسامحين مع قوم يكنون لنا كل الكره والعداء والاحتقار والازدراء، وكل هذا يعلمونه لأولادهم في مدارسهم وجامعاتهم، ليشبوا على كرهنا واحتقارنا، وبهذه المناسبة كتبت أستاذة مصرية تعمل في جامعة جنيف بسويسرا مقالا حديثا في جريدة الأهرام القاهرية عن صورة الإسلام في المناهج الدراسية في الغرب سأنقله هنا كاملا؛ لأنه مهم جدّا، ويغني عن كل تعليق؛ لأنه شهادة أستاذة جامعية تعيش في الغرب وبين أهله، وتحس بشكل مباشر بما يكنونه لنا في قرارة نفوسهم، تقول الأستاذة الدكتورة فوزية العشماوي «١» : «إن قضية صورة الإسلام في المناهج الدراسية في الدول الأوربية والأمريكية من أهم القضايا التي يجب أن يوليها القائمون على التربية والتعليم في الدول العربية والإسلامية اهتمامهم، إذا رغبنا في التعايش السلمي، والرغبة الحقيقية في أن يسود العالم سلام شامل وعادل، وعلينا أن نعيد قراءة كتب التاريخ المدرسية، خاصة إعادة قراءة ما سطره الغربيون في كتب التاريخ المدرسية عن الإسلام والمسلمين، بهدف تقليل الاختلاف والحد من التناقضات التى تعرقل الحوار بين الشمال والجنوب، فيجب أن نستخرج من المناهج الدراسية كل الأنماط الثابتة، أي: الأنماط الذهنية المتكونة عن المسلمين في الوعي الأوربي والصورة التي يتم تكرارها بأسلوب سلبي كلما جاء ذكر المسلمين، وكذلك الأحكام التقديرية المسبقة، التي تعكس وجهة نظر متعنتة تجاه الإسلام، وتبرز مدى تحيز مؤلفي تلك المناهج التاريخية وفقدانهم لروح الموضوعية.
وسنقدم بعض الاقتراحات لإعادة صياغة المناهج الدراسية بهدف تصحيح الأفكار المسبقة والمعتقدات الخاطئة المتوارثة، وذلك في سبيل تحقيق مفهوم أفضل عن الآخر، وتعريف أفضل بالتاريخ الإسلامي الصحيح.
أوربا محور العالم: حين نستعرض كتب التاريخ المدرسية الغربية، ونقوم بتحليل ما تذكره عن الإسلام، وعن العالم الإسلامي، نجد أن الصفحات المخصصة لعرض كل ما يتعلق بالإسلام لا تزيد عن عشر صفحات من إجمالي كتاب التاريخ، الذي يتراوح عدد صفحاته في الغالب ما بين ٢٠٠، ٣٠٠ صفحة، أي النسبة لا تزيد عن ٣ من المقرر الدراسي، وهي نسبة ضئيلة جدّا بالمقارنة بباقي المقرر، أي:
بنسبة ٩٧ المخصصة لتاريخ أوربا وأمريكا، وفي الغالب يكون الفصل المخصص للعالم الإسلامي مندرجا في إطار بلاد العالم الثالث، سواء من الناحية الجغرافية،
стр. 397
للعالم الإسلامي مندرجا في إطار بلاد العالم الثالث، سواء من الناحية الجغرافية، أو من الناحية التاريخية، وأحيانا يأتي ذكر الإسلام والمسلمين كحضارة من الحضارات، أو كتيار من التيارات الدينية والأيديولوجية التي عرفتها الإنسانية عبر التاريخ، والمنتشرة حاليا في العالم، وكثيرا ما يأتي ذكر الإسلام في إطار توزيع الثروات الطبيعية في العالم، ويقترن ذكر الإسلام والمسلمين بالبلاد المنتجة للنفط؛ لأن معظمها يدين بالدين الإسلامي، ولقد لاحظنا أن معظم المناهج الدراسية في الدول الأوربية تجعل من أوربا المحور الذي تدور حوله الأحداث التاريخية المهمة، ولا تعرض كتب التاريخ ما جرى من أحداث تاريخية مهمة في دول الجنوب أو في منطقة الشرق الأوسط، وقارتي آسيا وإفريقيا، فالاهتمام كله منصب على أوربا وتاريخها القديم والحديث، أما الأحداث التاريخية المهمة، التي تعتبر علامات ثابتة في تاريخ الأمة العربية والإسلامية فيتم إغفالها تماما، ويتم التركيز فقط على بعض الأحداث غير ذات الأهمية، والتي تبرز تفوق أوربا وانتصارها على المسلمين.
لقد قمنا عام (١٩٩٤ م) بإجراء دراسة مقارنة باللغة الفرنسية عن صورة المسلم في كتب التاريخ المدرسية في بعض دول البحر الأبيض المتوسط: فرنسا وأسبانيا واليونان، تحت إشراف اليونيسكو، وقد اهتممنا في هذه الدراسة بكتب التاريخ في نهاية المرحلة الابتدائية، وجاء في نتائج البحث أن التاريخ الذي يتم تدريسه للتلاميذ الأوربيين الصغار يعلمنا أشياء مختلفة تماما عما يتم تدريسه للتلاميذ العرب المسلمين في مدارس جنوب البحر الأبيض المتوسط، كما لا يتم عرض المفاهيم الإسلامية بأسلوب علمي، فنجد أن نبي الإسلام ﷺ يتم تقديمه أحيانا على أنه رسول، وأحيانا على أنه شاعر ملهم يرى رؤى خارقة، ولهذا الغرض يستخدم مؤلف الكتاب المدرسي صيغة فعل الشك والهدف من وراء ذلك هو زرع الشك في نفوس صغار التلاميذ في مصداقية الرسول محمد ﷺ ، ولقد لاحظنا أثناء إجراء هذه الدراسة عن صورة المسلم في المناهج الأروبية، أنه في أغلب الأحيان يبدأ الحديث عن الإسلام بذكرى الانتشار السريع المخيف للإسلام من خلال الفتوحات الإسلامية، في القرنين السابع والثامن الميلاديين، وكيف أن جيوش المسلمين الزاحفة على أوربا اكتسحت تلك البلاد، واستولت عليها بقوة السيف، وأذلت أهلها، ونهبت أموالهم وثرواتهم، حتى كانت هزيمة المسلمين على يد شارل مارتال؛ القائد الفرنسي في معركة بواتية في جنوب فرنسا عام (٧٣٢ م) ، أما أهم فصل فهو الفصل الخاص
стр. 398
بالحروب الصليبية، فإن هذه المناهج تصور الحروب الصليبية على أنها حروب كان الهدف الأساسي منها هو تحرير بيت المقدس من أيدي «الكفار» ، أي المسلمين الذين كانوا- حسب ادعاء الأوربيين- يحتلونها، ويسيؤون معاملة المسيحيين الشرقيين، أي: المقيمين في الشرق الأوسط، وكذلك يسيؤون معاملة الحجاج المسيحيين القادمين من أوربا، لزيارة الأماكن المقدسة المسيحية في القدس، وهذا الوصف يجعلنا نشعر بأن الأوربيين مصرون على تصوير المسلمين على أنهم كفار مثلما كانوا يطلقون عليهم في القرون الوسطى، فلا يوجد أي تعليق على هذا اللفظ سوى وضعه بين قوسين؛ ليفهم التلميذ أن اللفظ منقول كما هو من مصدر ما؛ أي: أنه دون محاولة من مؤلف الكتاب المدرسي لتصحيح هذا المفهوم الخاطئ عن المسلمين؛ كذلك أغفلت المناهج الدراسية الغربية التنديد بوحشية الصليبيين، وعدم تسامحهم مع سكان بيت المقدس، حين انتزعوها من أيدي المسلمين عام (١٠٩٩ م) ، بينما التاريخ العالمي والموسوعات العلمية الكبرى اعترفت بأن الصليبيين ذبحوا أكثر من ٧٠ ألف من المدنيين؛ من أهالي القدس دون تمييز بين النساء والأطفال والشيوخ، أو بين مسلمين ويهود ومسيحيين، كذلك لزمت المناهج الدراسية الغربية الصمت التام، أو الإغفال التام لتسامح المسلمين، حين استعاد المسلمون القدس عام (١١٨٧ م) على يد القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، الذي أصدر العفو العام على كل الأهالي- المسيحيين الغربيين- وهذا إغفال متعمد، لإخفاء الحقائق التاريخية، التي سجلها التاريخ، وغني عن القول أن الدافع وراء هذا الإغفال هو تشويه صورة المسلمين في ذهن التلاميذ الغربيين، والإصرار على عدم تصحيح المفهوم الخاطئ الذي ترسب في عقول التلاميذ، وما زال عالقا بها حتى اليوم، ولعل أكثر الأمثلة دلالة على ظاهرة الإغفال المتعمد هو إغفال المناهج الدارسية الغربية الاعتراف بفضل الفلاسفة والعلماء العرب المسلمين على النهضة الأوربية في القرن الخامس عشر الميلادي، ونادرا ما تذكر المناهج الدارسية اعترافا بدين أوربا تجاه علماء المسلمين؛ من أمثال ابن رشد، وابن المقفع، والخوارزمي، وابن سينا، وابن النفيس، والذين كانوا منذ القرن التاسع أساتذة ومعلمي أوربا بأسرها.
منهجية تصحيح صورة الإسلام في الغرب: يجب على المسلمين اليوم أن يحرصوا
стр. 399
الإنسان المسلم، وذلك عن طريق التعريف الصحيح بالإسلام، وإنكار السلوكيات المنحرفة والبعيدة عن روح الإسلام في زيادة تشويه صورة الإسلام في الغرب، وفي نفس الوقت يجب على الغرب أيضا أن يحرص على تصحيح الصورة المشوهة عن الإسلام، والثابتة في وعي الغربيين، والتي يتوارثها جيلا بعد جيل، عن جهل بالإسلام الحقيقي، ومفاهيمه الصحيحة، وروحانياته السامية، ويجب على الدول الغربية؛ حكومات ومؤسسات أهلية، أن تعترف بحق الإنسان المسلم- سواء الذي يعيش في دولة إسلامية أو في دولة أوربية أو أمريكية- في أن يدافع عن عقيدته الإسلامية ويمارسها بحرية؛ فهذا حق أساسي من حقوق الإنسان، يجب أن يحترمه الغربيون، ويحترمون الخصوصيات الدينية والثقافية للمسلمين، خاصة المسلمين المقيمين في الدول الغربية.
ونحن نعتقد أن تصحيح صورة الإسلام المشوهة في الغرب لن يتم إلا عندما يبدأ الغرب في التخلص من أثر الموروث التاريخي في وعيه وعقله عن الإسلام، على الغرب أن ينظر إلى الإسلام بموضوعية وعقلانية، ويطرد من فكره الأنماط المتجمدة عن الإسلام والمسلمين» .
هذه الصورة الشائعة عن الإسلام في الغرب، والتي تحتويها مناهج الدراسة في المدارس والجامعات، والتي تضمنها هذا التقرير، أو هذه الدراسة التي تمت تحت إشراف هيئة دولية، هي هيئة اليونيسكو، هذه الصورة الشائعة عن الإسلام في الغرب هي من غرس المستشرقين المتعصبين منذ ظهر الاستشراق وحتى يوم الناس هذا، ولا سبيل إلى تصحيح هذه الصورة إلا بتغيير المناهج الدراسية في الغرب، فهل الغرب على استعداد أن يقدم على هذه الخطوة؟
أغلب الظن أنه لن يفعلها أبدا؛ لأن الغرب أحرص على بقاء صورة الإسلام مشوهة منه على تصحيحها؛ لأن بقاء الصورة المشوهة هو الذي يجعل أبناءهم يشبون على كره الإسلام والمسلمين واحتقارهم، وهؤلاء الأبناء عندما يصبحون ساسة وقادة يتعاملون مع الإسلام وعالمه من هذه الخلفية الكريهة المشوهة، وهذا ما نلمسه ونشاهده ونراه رأي العين في كل مكان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وبعد؛ هذا هو البحث المتواضع الذي قدمته إسهاما في أعما لهذا الملتقى الدولي، الذي تنظمه كلية العلوم الإنسانية والحضارة الإسلامية بجامعة وهران، عن
стр. 400
الدراسات الاستشراقية، فإن وجدت فيه القارئ الكريم بعض النفع فهذا من فضل الله، وإلا فاغفر لي ضياع وقتك، والله من وراء القصد.
стр. 401
الفهرس
* مقدمة ٣
* أوائل المؤلفين في السيرة النبوية ١١
دوافع المسلمين للاهتمام بسيرة الرسول ﷺ ١٧
بداية التأليف في السيرة النبوية ١٨
طبقات كتّاب السيرة ٢٠
رجال الطبقة الأولى من كتّاب المغازي والسير ٢٠
رجال الطبقة الثانية من كتّاب المغازي والسير ٢٤
رجال الطبقة الثالثة من كتّاب المغازي والسير ٣٠
* صدى الدعوة في مدن الحجاز- غير مكة- كالطائف والمدينة ٥٧
الحالة الدينية في الحجاز قبيل ظهور الإسلام ٥٩
الحالة الدينية في الطائف قبيل البعثة المحمدية ٦٠
الحالة الدينية في المدينة قبيل البعثة ٦٥
* العلاقات بين المسلمين وقريش من الهجرة إلى بدر ٧٩
* العلاقات بين المسلمين والروم في ضوء غزوة تبوك ١٠٧
* الإدارة في عهد النبي ﷺ ١٣٣
طبيعة الدعوة الإسلامية ١٣٥
قيام الدولة الإسلامية في عهد الرسول ﷺ ١٣٨
أول رئيس للدولة الإسلامية ١٤٤
هيئة الحكومة النبوية ١٤٥
صاحب السر ١٤٦
صاحب الشرطة ١٤٦
حراس الرسول ﷺ ١٤٧
حراس المدينة أو شرطة المدينة ١٤٧
المنفذون للحدود بين يدي الرسول ﷺ ١٤٧
حجّاب الرسول ﷺ ١٤٧
حاملوا خاتم الرسول ﷺ ١٤٨
стр. 402
بيت الضيافة ١٤٨
مراقبة الأسواق ١٤٩
جهاز جمع المعلومات «المخابرات» ١٤٩
كتّاب الرسول ﷺ ١٥٠
جهاز الإعلام ١٥١
خلفاء الرسول على المدينة أثناء غيابه عنها في غزو أو غيره ١٥٢
اتساع نفوذ الدولة الإسلامية ١٥٣
اليمن أول إقليم عربي يدخل تحت سيادة الدولة الإسلامية ١٥٤
ولاية مكة ١٥٦
ولاية الطائف ١٥٧
إسلام البحرين ١٥٧
إسلام أهل عمان ١٥٨
* دولة الإسلام وعلاقاتها الدولية في عهد النبي ﷺ ١٦١
قيام دولة الإسلام ١٦٤
خاتمة البحث ٢٠٠
* قراءة تاريخية جديدة لموقف عمر بن الخطاب ﷺ من الفتوحات الإسلامية ٢٠٥
موققف عمر بن الخطاب من الفتوحات ٢١٦
* دور المصريين في إنشاء البحرية الإسلامية، من كتاب «مصر والإسلام» ٢٢٥
تمهيد ٢٢٧
دور الصناعة في مصر وأثرها في إنشاء الأساطيل الإسلامية ٢٣٦
* الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر وانتشار الإسلام هناك ٢٥٣
انتشار الإسلام في بلاد ما وراء النهر ٢٨٠
* تبادل الوفود والهدايا بين خلفاء المسلمين والأباطرة البيزنطيين ٢٩٥
العلاقات الإسلامية البيزنطية في عهد النبي والخلفاء الراشدين ٢٩٨
العلاقات الإسلامية البيزنطية في العهدين الأموي والعباسي ٣٠١
تبادل الوفود لعقد معاهدات الصلح ٣٠٢
الوفود والبعثات العلمية ٣٠٨
تبادل الهدايا بين الخلفاء والأباطرة ٣١٢
стр. 403
* الأمويون ودورهم في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس ٣١٩
بنو أمية في التاريخ ٣٢٦
الدولة الأموية في الأندلس ٣٤٣
دور الأمويين في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس ٣٥٣
* واقع الإنسان في المجتمعات الإسلامية المعاصرة ٣٧٧
* نشأة الاستشراق وتطوره إلى نهاية الحروب الصليبية ٤١٣
* الفهرس ٤٣٥
رقم الإيداع
١٨٤١٥/ ٢٠٠٦ الترقيم الدولي ...
٥- ٤٠٦- ٣٤٢- ٩٧٧
стр. 404
السيرة الذاتية للمؤلف
* الاسم: أ. د. عبد الشافي محمد عبد اللطيف.
* تاريخ الميلاد: ١٠/ ٧/ ١٩٣٦ م.
* حصل على الإجازة العالية [الليسانس] في التاريخ والحضارة الإسلامية من قسم التاريخ والحضارة بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر بالقاهرة سنة ١٩٦٦ م، وعين معيدا بقسم التاريخ والحضارة بكلية اللغة العربية بالقاهرة في ١٦/ ١٠/ ١٩٦٦ م.
* حصل على الماجستير في التاريخ والحضارة الإسلامية سنة ١٩٦٨ م، وعين مدرسا مساعدا بنفس القسم في ١٠/ ٢/ ١٩٧٢ م، وحصل على الدكتوراه في التاريخ والحضارة الإسلامية سنة ١٩٧٤ م، وعين مدرسا بنفس القسم في ٣١/ ٧/ ١٩٧٤ م، ثم أستاذا مساعدا في ١٩/ ٩/ ١٩٧٩ م، ثم أستاذا في ١٠/ ١٠/ ١٩٨٤ م، ثم أستاذا متفرغا في ١١/ ٧/ ٢٠٠١ حتى الآن.
* له الكثير من المؤلفات، منها: تاريخ الإسلام في عصر النبوة والخلافة الراشدة- مؤتمر السقيفة وبيعة أبي بكر الصديق رضى الله عنه [دراسة نقدية تحليلية]- العالم الإسلامي في العصر الأموي- تاريخ الحركة الوطنية المصرية في مواجهة الاستعمار والصهيونية [بالاشتراك]- التاريخ الإسلامي من ظهور الإسلام حتى سقوط الدولة الأموية [بالاشتراك]- الجيش المصري من الفتح الإسلامي إلى نهاية الدولة الإخشيدية- دراسات في تاريخ الدولة الأموية- الإدارة في الإسلام.
* وهو عضو بالجمعية المصرية للدراسات التاريخية بالقاهرة، وجمعية الدراسات الإسلامية بالقاهرة، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، واتحاد المؤرخين العرب بالقاهرة، واللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة في التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر بالقاهرة، ولجنة ترقية الأساتذة بجامعتي الملك عبد العزيز بجدة وأم القرى بمكة المكرمة بالمملكة العربية السعودية، واشترك في العديد في المؤتمرات والندوات العلمية في داخل مصر وخارجها؛ مثل: المملكة العربية السعودية- الجزائر- إيطاليا وأشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه في التاريخ والحضارة الإسلامية.