← История

История · id 9899

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

عبد الشافى محمد عبد اللطيف

Полный текст (404 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

لحدود الاتحاد السوفيتي من المد الشيوعي الملحد، ومن العجيب أن النفاق السياسي والجري وراء تحقيق الأهداف والمصالح السياسية والاقتصادية جعل الغرب الاستعماري المسيحي يعمل على إحياء مبدأ الجهاد الإسلامي واستنفاره لمقاومة الشيوعية، من منطلق وحدة الأديان السماوية ضد الإلحادية اللادينية، وأن على العالم الإسلامي أن يجمع قواه في جبهة مع العالم المسيحي ضد الشيوعية، «في هذا السبيل شهدت تلك الفترة حركات فكرية، ومؤتمرات دعائية، ولقاآت لاهوتية عديدة، بدرجة لافتة للنظر، وتضرب كلها على نغمة التقارب بين الإسلام والمسيحية، وعلى وحدة الرسالات السماوية» «١» وقبل أن نمضي في بيان الإجراآت التي اتخذتها الكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة لجر العالم الإسلامي وراءها في أحلاف عسكرية للوقوف في وجه العالم الشيوعي، يجب أن نسجل حقيقة يعلمها الجميع، وهي أن الكتلة الغربية الاستعمارية المسيحية طالما حملت على الإسلام وشهرت به، وسخرت منه، وألصقت به كل الجرائم والكرائه، وبصفة خاصة مبدأ الجهاد، الذي كان دائما يفسر عند الغرب على أنه دعوة عدوانية دموية متعصبة، ويهاجم بحسبانه دعوة إلى حروب دينية. أما الآن فعندما ما احتاج الغرب إلى سيوف المسلمين لمقاومة الشيوعية فقد رضي فجأة عن مبدأ الجهاد، وعرف قيمته وأخذ يسخره لحسابه الخاص في صراعه مع العالم الشيوعي، بل راح الغرب على لسان أكبر ساسته يكيل المديح للجهاد الإسلامي ويعترف بأن مقاومة المسلمين للشيوعية كانت أنجح وأقوى وأكثر تأثيرا من مقاومة الغرب، والسبب في ذلك يعود- حسب كلامهم- إلى أن مقاومة المسلمين للشيوعية كانت تنبع من دافع عقائدي، بينما الدافع الغربي للمقاومة كان من موقع المصلحة النفعية الرأسمالية. ومن يطالع كتاب الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون- «انتهزوا الفرصة» - يجد كلاما كثيرا في هذا المجال، بل أكثر من ذلك فإن الغرب الاستعماري المسيحي كان إذا خير بين السيطرة الإسلامية على منطقة من المناطق وبين السيطرة الشيوعية، فإنه كان يختار السيطرة الإسلامية، وإليك هذا المثل: يذكر الدكتور محمود حب الله، وهو أزهري مصري كان مديرا للمركز الإسلامي

стр. 352

في واشنطن في مطلع الستينيات: أنه دعا إلى المركز أحد العلماء الأمريكيين، الذين كانوا عائدين من زيارة إلى إفريقيا. لكي يحاضر في المركز عن مستقبل تلك القارة السمراء بعد خروج الاستعمار منها، فذكر ذلك العالم الأمريكي في محاضرته: أنه وجد أن إفريقيا بعد خروج الاستعمار منها بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يجتاحها الإسلام أو الشيوعية؛ لأن إفريقيا كرهت الدول الاستعمارية، ولا تريد أن ترى لها ظلّا في إفريقيا. وأن إفريقيا لم تعد بعد زوال الاستعمار مكانا خصبا للمسيحية، ثم تساءل- العالم الأمريكي- ما موقفنا نحن في أمريكا؟ هل نناصر الشيوعية أم نناصر الإسلام؟ فإذا لم يسيطر الإسلام- ووسائل سيطرته سهلة ميسورة- فستسيطر الشيوعية، وبناء على هذا أعلن الرجل في محاضرته أنه ينبغي على أمريكا ألا تقف في سبيل ما يقوم به المسلمون لنشر الإسلام في إفريقيا؛ لأنهم ينشرون مع الدين الخلق والفضيلة، ويباعدون بيننا وبين الشيوعية «١» . * الأحلاف الغربية الإسلامية: في خضم صراعه مع الشيوعية، في فترة الحرب الباردة، أقدم الغرب على إنشاء عدد من الأحلاف العسكرية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة (١٩٤٥ م) حتى أن أحد الباحثين سمى هذه الفترة بفترة صناعة الأحلاف. ففي غضون عشرين عاما قدمت ونفّذت ستة مشاريع أحلاف متعاقبة؛ إما كأحلاف عسكرية دفاعية، أو كأحلاف دينية سياسية وكان مهندس هذه الأحلاف الولايات المتحدة وبريطانيا «٢» . وتم جر كثير من الدول الإسلامية إليها وإجبارها على الانضمام إليها. وقد امتدت هذه الأحلاف من الباكستان شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، وقد كان من أول وأبرز هذه المشروعات مشروع ظهر على مسرح السياسة العالمية في الأربعينيات المتأخرة والخمسينيات الباكرة، لإنشاء تجمع أو حلف أو جامعة إسلامية يتلخص هدفه- كما قدموه- في الوقوف كلحلف مقدس في وجه الشيوعية ليدافع عن الإسلام، ويواجه خطر الإلحاد، ويبدأ المشروع كما رسموه من موقع العالم الإسلامي الجغرافي والأيديولوجي في عالم بعد الحرب،

стр. 353

فبالموقع الجغرافي توضح الخريطة السياسية حقيقة مهمة، وهي أن أطول حدود مشتركة مباشرة للاتحاد السوفيتي هي مع الدول الإسلامية، ابتداء من الباكستان وأفغانستان، عبر إيران وتركيا، هذا فضلا عن أن جسم العالم الإسلامي الأساسي في مجموعه بعد هذا ظهير ضخم للكتلة الشيوعية، وإذا نحن حللنا جوهر الحلف على ضوء هذه الحقائق فسنجد أنه أساسا وفي الدرجة الأولى جزء لا يتجزء من استراتيجية الغرب لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ أعني إستراتيجية «الإحاطة والتطويق» المشهورة، التي تهدف إلى حصار الكتلة الشرقية عامة والاتحاد السوفيتي خاصة بسلسلة متصلة الحلقات من الأحلاف السياسية والعسكرية؛ تبدأ من النرويج حتى اليابان والحلف بهذا موجه إلى الخارج، أعني أنه يجند العالم الإسلامي ككل لينظر إلى خارج حدوده، وبالتحديد نحو تخومه الشمالية، وبعبارة أخرى- ورغم المخاطرة بالتكرار- ينبغي أن نصرّ على أن الحلف كان تعبيرا عن استراتيجية الكتلتين، وانعكاسا لمنطق الاستقطاب الثنائي، والحلف بهذا ليس حلفا دينيّا، رغم الاسم، ولكنه حلف سياسي عسكري «١» . هذا الحلف لم يكتب له النجاح بل مات بالسكتة القلبية لكن الغرب لم ييأس، وإنما فكر على الفور في بدائل له، تخلو من القناع الديني، وتكون سياسية وعسكرية، وكان أولها هو ما يسمى بمنظمة الدفاع عن الشرق الأوسط «٢» أو الميدو Medo التي تمتد من تركيا حتى الباكستان ومن إيران حتى مصر. «وقدم الغرب بنفسه هذا المشروع.. لكل من العرب وإسرائيل، فكانت تلك الخطوة القاتلة التي أودت بالمشروع في مهده. ومن هذه التجربة الحرجة بدأ الغرب يعدل تكتيكه- الغزو من الداخل- بدلا من أن يفرض الحلف نفسه من الخارج، والتمويه- هذه المرة- بمواجهة إسرائيل، بدلا من المشاركة معها، ومن هنا كان حلف بغداد؛ الذي دعت إليه- شكليّا- دول في منطقة الشرق الأوسط، للدفاع والأمن المشترك، وروجت له- تضليلا- على أساس أنه دفاع وحماية ضد إسرائيل والصهيونية. وقد تألف الحلف من باكستان وإيران والعراق وتركيا،

стр. 354

وانضمت إليه بريطانيا وأمريكا، وقد كانت الضغوط لحشد الدول العربية في حظيرة الحلف ملحمة تاريخية فاشلة «١» . غير أن الحلف في نطاقه الضيق الذي انتهى إليه، فقد فعاليته وبدأ البحث عن وريث له وهو على قيد الحياة» «٢» . كان حلف بغداد قد أنشئ سنة (١٩٥٥ م) ، وبعد قيام ثورة العراق سنة (١٩٥٨ م) انسحبت منه، وتحول اسمه إلى الحلف المركزي، ثم سقط وانتهى إلى الإهمال كما يقول الرئيس نيكسون «٣» . وكان البديل الذي قدمته أمريكا لهذه الأحلاف السابقة الفاشلة هو ما سمي بمشروع أيزنهاور، الذي قدم سنة (١٩٥٧ م) لملأ الفراغ الذي قيل: إنه نشأ في الشرق الأوسط بعد هزيمة بريطانيا وضياع هيبتها بعد حرب السويس سنة (١٩٥٦ م) وخروجها من المنطقة، بيد أن مصير هذا المشروع لم يكن أحسن حظّا من سابقه، فلقي المصير نفسه، ودفن المورث والموروث معا في وقت واحد، على حد تعبير الدكتور جمال حمدان «٤» . خلاصة ما تقدم: أن الكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة قد حاولت باستماتة حشد العالم الإسلامي خلفها في صراعها مع الكتلة الشرقية الشيوعية، واستثمرات في ذلك مبدأ الجهاد الإسلامي- الذي طالما شوهته وأدانته- وجاءتها فرصة أخرى من الفرص التاريخية النادرة، التي غيرت التاريخ، وذلك حين اجتاحت القوات السوفيتية- نحو مائة ألف جندي- أفغانستان في نهاية سنة (١٩٧٩ م) ، بهدف إيقاف المد الإسلامي، الذي بدأ ينطلق من أفغانستان، بتأثير الثورة الإسلامية التي تفجرت في إيران في مطلع سنة (١٩٧٩ م) ذلك أن الاتحاد السوفيتي خشي من ذلك المد الإسلامي على الجمهوريات السوفيتية الإسلامية في آسيا الوسطى «٥» . والحقيقة أن الاتحاد السوفيتي كان أقام سلسلة من الانقلابات العسكرية في أفغانستان منذ بداية السبعينيات من هذا القرن ونصب عليها عددا من عملائه

стр. 355

الشيوعيين، ولما تبين لهم عجزهم عن السيطرة على ذلك البلد المسلم، المتمسك بإسلامه، وبعد قيام الثورة الإيرانية، أدرك أنه لا بد له أن يتدخل تدخلا سافرا إذا أراد أن يحمي مستعمراته في آسيا الوسطى، ولكنه بدلا من أن يحمي تلك المستعمرات فقد لقي هو نفسه حتفه هناك؛ لأن الولايات المتحدة لم تترك تلك الفرصة النادرة تفلت من يديها، وقررت أن تجعل من أفغانستان مقبرة تدفن فيها الاتحاد السوفيتي، أو كما سماه الأمريكان إمبراطورية الشر «١» . كانت تلك بالفعل فرصة نادرة لتثأر لنفسها من الاتحاد السوفيتي عما صنعه معها في حربها في فيتنام في حقبة الستينيات وبداية السبعينيات، فقد أحرجها وأزرى بهيبتها وجعلها تخرج من فيتنام ذليلة، وهو دولة عظمى، لقد رأى الناس في كل مكان السفير الأمريكي وهو يخرج مذعورا من سايجون متخفيا- حقّا كان موقفا مزريا بزعيمة العالم الحر. الآن جاءت الفرصة للولايات المتحدة على طبق من ذهب، فرصة لم تكن من تخطيطها ولا من تفكيرها، فلم تدّع الولايات المتحدة أن غزو القوات السوفيتية لأفغانستان كان من تدبيرها ولا من تفكيرها ولا من تخطيطها، ولكنها إرادة الله التي عجلت بزوال دولة الكفر والإلحاد، وكان غزو القوات السوفيتية لأفغانستان هو القشة التي قصمت ظهر البعير- كما يقول المثل العربي- صحيح أن زوال الاتحاد السوفيتي كان حتما مقضيّا، وزوال الشيوعية كان آتيا لا محالة؛ لأنه نظام ضد الفطرة الإنسانية، وأي نظام أو فكر أو مذهب يضاد الفطرة الإنسانية لا بد من سقوطه في نهاية المطاف حتى لو بدا أنه ناجح في البداية؛ لأن الزبد لا بد أن يذهب جفاء ولا يبقى في الأرض إلا ما ينفع الناس، كما أخبر بذلك الحق ﵎ في كتابه العزيز. ولقد توقع الكثير من المفكرين الغربيين، وفيهم روس، بزوال الشيوعية، وتفكك الاتحاد السوفيتي، قبل نهاية القرن العشرين بل كان أسبق من هؤلاء جميعا المفكر العربي العملاق عباس محمود العقاد فقد توقع في كتابه «لا استعمار ولا شيوعية» «٢» توقع سقوط الشيوعية وزوالها، وزوال الاتحاد السوفيتي قبل نهاية

стр. 356

القرن العشرين، بل جاء السقوط وحل الانهيار أسرع مما توقع، لا أريد للحديث أن يجنح بنا بعيدا عما قصدنا إيضاحه في هذا البحث، وهو أن الولايات المتحدة جاءتها فرصة نادرة لتوجيه الضربة القاضية لعدوها الخطير الاتحاد السوفيتي، دون أن تدخل هي بشكل مباشر ودون أن تتكلف الكثير، فها هم المسلمون جاهزون ليقوموا بالدور نيابة عنها وحماسهم لدحر الشيوعية لا حدود له، ومبدأ الجهاد الإسلامي أنجح وسيلة لتحقيق كل هذا، وهكذا أخذت الولايات المتحدة تحرض الدول الإسلامية المتحالفة معها، سواء أكانت قريبة من أفغانستان أو بعيدة عنها، أخذت تحرض الدول الإسلامية لحشد المجاهدين وملأ الساحة الأفغانية بالشباب المسلم، الذي أخذ يتدافع بقوة وبحماسة لا نظير لها من أجل نصرة أشقائهم في العقيدة، وذهب عشرات الآلاف من مصر والسعودية واليمن والأردن والسودان وفلسطين والعراق وسوريا ولبنان، وبلاد المغرب العربي، ومن باكستان وإيران وغيرها من الدول الإسلامية، بل تطوع شباب مسلم للدفاع عن أفغانستان ضد الغزو السوفيتي من مسلمي أمريكا وأوربا، وقد وصل عدد هؤلاء المجاهدين- من كل تلك البلاد- نحو ربع مليون مجاهد، وأطلق عليهم المجاهدون الأفغان. «وجعلت لهم أمريكا مراكز يتجمعون فيها قريبا من الحدود الأفغانية الباكستانية في مدينة بشاور بغربي باكستان، وكانوا يتلقون في هذه المراكز تدريبا عسكريّا مكثفا، على حرب العصابات، تشرف عليه الولايات المتحدة الأمريكية، وتدعمهم بالسلاح «١» ، وكانت بعض الدول البترولية، وعلى رأسها السعودية تدعمهم بالمال، وقدمت دول عربية أخرى وعلى رأسها مصر، الدعم بالرجال، وكانت عملية التطوع تتم تحت نظر السلطات، أو حتى بإيعاز منها «٢» . ونجحت هذه القوات المجاهدة في جعل مهمة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان مستحيلة، وأجبرته على أن ينسحب في مشهد من أصعب مشاهد التاريخ، حقّا لقد كان انسحاب السوفييت من أفغانستان مخزيا، وهل هناك أخزى من أن يفر جيش عملاق مدجج بالسلاح المتطور من أمام المجاهدين، الذي كان معظم تسليحهم من مخلفات الحرب العالمية الثانية، ولقد رويت في ذلك أعاجيب تناقلتها

стр. 357

وكالات الأنباء ووسائل الإعلام العالمية، ومنها أن المجاهدين الأفغان كانوا يسقطون الطائرات بالحجارة التي تقذفها المقاليع، المهم تحقق الهدف الاستراتيجي الذي ظل الغرب كله يخطط له منذ نصف قرن «١» ، وهزم الاتحاد السوفيتي، ولم يخرج من أفغانستان فقط، وإنما خرج من الدنيا كلها وأصبح أحاديث تروى بعد أن كان أحد العملاقين العالميين، وسبحان مالك الملك ومغير الأحوال. إن من يقرأ كتاب الرئيس نيكسون «نصر بلا حرب» الذي ظهر سنة (١٩٨٩ م) يعرف كيف أخذ الغرب يخطط بقيادة الولايات المتحدة لهزيمة الاتحاد السوفيتي بدون حرب، وذلك عن طريق الإنفاق الهائل على التسليح المتطور للغاية وغزو الفضاء، وهو يعرف أن الاتحاد السوفيتي لم يقبل إلا بأن ينافس في هذا الميدان وقد نافس بالفعل وأصبح القوة العظمى الثانية في العالم في مجال السلاح، ولكن بعد أن تكبد نفقات باهظة لم يقو اقتصاده على تحملها وكان ذلك على حساب رفاهية المواطن السوفيتي، ومستوى معيشته، بحيث إنه في الوقت الذي كان رواد الفضاء الروسي يجوبون أجواء السماء ويدورون حول أفلاكها، في ذلك الوقت كان المواطن السوفيتي على الأرض يئن من أعباء المعيشة ويجد مشقة بالغة في الحصول على الغذاء اليومي، وتعرف الدنيا كلها أن الاتحاد السوفيتي- تلك القوة العسكرية الرهيبة- هو مخترع الطوابير الطويلة من البشر التي تقف أمام المخابز للحصول على الخبز، وأمام محلات البقالة للحصول على بقية الطلبات الآخرى للحياة، وكلها كانت دون الكفاية ومن أردأ الأنواع، وليس هذا في ميدان الغذاء فقط، بل في ميدان الملابس وحاجيات الإنسان الآخرى، ناهيك عن صعوبة الحصول على مسكن ملائم ... إلخ، يحدث ذلك في الاتحاد السوفيتي الذي كان يشغل مساحة ٢٠ من اليابس على الكرة الأرضية، وموارده الطبيعية، ومحاصيله الزراعية بدون حدود، ولكن سوء الإدارة- إدارة الدولة- والفساد أدى إلى كل هذه الصعوبات، وفي النهاية إلى زوال إمبراطورية الشر على حد تعبير الرئيس الأمريكي ريجان، والذي كان يزيد من معاناة الشعوب السوفيتية التي وعدوها بجنة الشيوعية أنها كانت ترى وتسمع عن حياة المواطن العادي- وبصفة خاصة الطبقة العاملة- في الدول الرأسمالية الغربية، أنه يعيش حياة حرة كريمة، بل مترفة ومما كان

стр. 358

يزيد من معاناة تلك الشعوب السوفيتية أيضا ما كانت تراه وتسمعه عن حياة البذخ- الذي لا حدود له- التي كان يحياها أعضاء الحزب الشيوعي وعائلاتهم وأنصارهم، وأن كل متطلبات الحياة المترفة كانت في متناول أيديهم وبأيسر السبل، ومن منتجات الغرب الرأسمالي، بدا من العطور الفاخرة وانتهاء بالسيارات الفارهة، أو قل: بدون انتهاء. خلاصة القول: أن الولايات المتحدة أخذت تخطط هي وحلفاؤها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لهزيمة الاتحاد السوفيتي بدون حرب، وقد نجحت في ذلك نجاحا باهرا، كشف عنه نيكسون في كتابه «نصر بلا حرب» ثم جاءت الفرصة الذهبية، وهي غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان، الأمر الذي عجل بانهيار الاتحاد السوفيتي، بل زواله، وزوال الشيوعية بالتالي ولتنفرد الولايات المتحدة بزعامة العالم وفي ذلك ما فيه ونردد قول ربنا : وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً [الجن: ١٠] . * حربا الخليج الأولى والثانية وتدمير العراق: إن الهدف الاستراتيجي للسياسة الغربية التي تقودها الولايات المتحدة هو إضعاف الأمة العربية إلى أقصى حد لمصلحة إسرائيل، وبصفة خاصة دوله الفاعلة والتي يخشى منها على إسرائيل، وفي مقدمتها مصر وسوريا والعراق، وهذا الهدف الاستراتيجي الغربي لم يتغير حتى بعد بدء عملية السلام مع إسرائيل والتي قادتها أكبر دولة عربية، وهي مصر، منذ زيارة الرئيس الراحل محمد أنور السادات للقدس في (١٩ نوفمبر سنة ١٩٧٧ م) . ويكفي في هذا المجال أن نلقي نظرة على مقال نشر في صحيفة «كيفونيم» اليهودية بتاريخ (١٤ نوفمبر ١٩٨٢ م) واقتبس منه روجيه جارودي في كتابه «ملف إسرائيل؛ دراسة للصهيونية العالمية» هذا المقال يوضح السياسة المطلوب اتباعها في المنطقة المحيطة بإسرائيل. يقول المقال بالنص ما يلي: «استعادة سيناء بثرواتها هدف ذو أولوية. ولكن اتفاقات كامب ديفيد تحول الآن بيننا وبين ذلك.. لقد حرمنا من البترول وعائداته، واضطررنا للتضحية بأموال كثيرة في هذا المجال. ويتحتم علينا الآن استرجاع الوضع الذي كان سائدا في سيناء قبل زيارة السادات المشؤومة، وقبل الاتفاقات التي وقعت معه سنة ١٩٧٩ م ... والوضع الاقتصادي في

стр. 359

مصر، وطبيعة النظام الموجود بها، وسياستها العربية كل هذا سيؤدي إلى مجموعة ظروف تدفع بإسرائيل إلى التدخل.. فمصر بسبب نزاعاتها الدخلية لم تعد تشكل بالنسبة إلينا مشكلة استراتيجية ومن السهل أن نجعلها تعود خلال ٢٤ ساعة إلى الوضع الذي كانت عليه بعد حرب يونيو (١٩٦٧) . لقد ماتت أسطورة مصر زعيمة العالم العربي، وفقدت مصر ٥٠ من قدرتها.. وكبناء موحد أصبحت مصر جثة هامدة، وبخاصة إذا أخذنا في الاعتبار المجابهة المتزايدة والمتصاعدة بين المسلمين والمسيحيين، بها ويجب أن يكون هدفنا هو تقسيمها إلى أقاليم جغرافية متباينة في الثمانينيات، فإذا تمت تجزئة مصر، وإذا فقدت مصر سلطتها المركزية، فلن تلبث بلدان مثل ليبيا والسودان وبلدان أخرى أبعد من ذلك أن يصيبها التحلل، وتشكيل حكومة قبطية في مصر العليا- الصعيد- وإقامة كيانات صغيرة إقليمية، هو مفتاح تطور تاريخي. يؤخره حاليا اتفاق السلام، ولكونه تطور آت لا محالة على الأجل الطويل.. ومشكلات الجبهة الشرقية أكثر وأشد تعقيدا من مشكلات الجبهة الغربية. وهذا على عكس ما يبدو في الظاهر. وتقسيم لبنان إلى خمسة أقاليم يوضح ما يجب أن ينفذ في البلدان العربية، وتفتيت العراق وسوريا إلى مناطق تحدد على أساس عنصري أو ديني يجب أن يكون هدفا ذا أولوية بالنسبة لنا على الأجل الطويل. وأول خطوة لتحقيق ذلك هو تدمير القوة العسكرية لتلك الدول. والتشكيل السكاني لسوريا يعرضها للتمزق، وقد يؤدي إلى إنشاء دولة شيعية على الساحل، ودولة سنية في منطقة حلب، وأخرى في دمشق، وإنشاء كيان درزي قد يرغب في أن تحول إلى دولة على أرض الجولان التابعة لنا تضم حوران وشمال المملكة الأردنية.. ومثل هذه الدول ستكون على المدى الطويل ضمانا لأمن وسلام المنطقة. وهذا هدف في متناولنا فعلا تحقيقه. أما العراق فهي غنية بالبترول، وفريسة لصراعات داخلية وسيكون تفككها أهم بالنسبة لنا من تحلل سوريا؛ لأن العراق يمثل- على الأجل القصير- أخطر تهديد لإسرائيل، وقيام حرب سورية عراقية سيساعد على تحطيم العراق داخليّا، قبل أن يصبح قادرا على الانطلاق في نزاع كبير ضدنا، وكل نزاع داخلي عربي سيكون في صالحنا، وسيساعد على تفكك العرب.. وربما ساعدت الحرب العراقية الإيرانية على ذلك الانحلال والضعف في صفوف العرب.. والأردن هدف استراتيجي في التو واللحظة، لن

стр. 360

يشكل أي خطر لنا على الأمد الطويل، بعد تفككه ونهاية حكم الملك حسين، وانتقال السلطة إلى الأغلبية الفلسطينية. وذلك أمر يجب أن يسترعي انتباه السياسة الإسرائيلية، فمعنى هذا التغيير هو حل مشكلة الضفة الغربية ذات الكثافة السكانية العربية الكبيرة، فهجرة هؤلاء العرب شرقا- إما بالسلم أو بالحرب- وتجميد نموهم الاقتصادي والسكاني هو الضمانات الأكيدة للتحولات المقبلة. وعلينا أن نبذل قصارى جهدنا للإسراع بتلك العملية. وينبغي رفض خطة الحكم الذاتي، وأية خطوة أخرى تتضمن حلّا وسطا أو تعايشا وتصبح بالتالي عقبة في سبيل فصل الأمتين ويجب أن يفهم العرب الإسرائيليون- أي الفلسطينيون- أنه لا يمكن أن يكون لهم وطن إلا في الأردن ولن يعرفوا الأمن إلا بالاعتراف بالسيادة اليهودية على كل ما يقع بين البحر ونهر الأردن» «١» . هذه مقتطفات من ذلك المقال الخطير الذي يشرح ما تبيته السياسة الإسرائيلية للأمة العربية، من أجل أن تبقى الدولة اليهودية وتتوسع وتزدهر وتهيمن وتسيطر على المنطقة العربية برمتها، وإذا حدث ذلك، تستطيع السيطرة على العالم الإسلامي كله، واليهود لا يخفون تطلعاتهم تلك بل يعلنونها في كل مناسبة، وهذا أمر لا نستبعد حدوثه لهشاشة النظم في العالم الإسلامي وقابليتها الكبيرة للاختراق- على غرار نظرية مالك بن نبي- قابلية الاستعمار- وإذا قلنا: إن هذا هو فحوى السياسة الإسرائيلية ونواياها السيئة نحو الأمة العربية- حتى بعد بدء عملية السلام. ومن أكبر دولة عربية هي مصر- فإن هذه هي الترجمة الحقيقية للسياسة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية نحو الأمة العربية، فكل ما تخطط له إسرائيل لمستقبل المنطقة يكون ليس فقط بموافقة أمريكا، بل بمباركتها ودعمها السياسي والعسكري والاقتصادي اللامحدود. وهناك تطابق كامل بين السياسة الإسرائيلية والسياسة الأمريكية نحو المنطقة، حتى أن بعض الباحثين العرب- إدوارد سعيد- لا يرى فرقا بين إسرائيل وأمريكا، ولذلك اخترع اسما جديدا لهما معا فقال بحق عنهما: إسرائيكا، بل إن بعض الباحثين يري أنه ليس هناك سياسة أمريكية فيما يتعلق بالأمة العربية، بل هي سياسة إسرائيلية تباركها وتساعد على تنفيذها أمريكا.

стр. 361

* حرب الخليج الأولى (١٩٨٠- ١٩٨٨ م) : كجزء من تنفيذ المخطط الغربي الرهيب لإضعاف الأمتين العربية والإسلامية واستنزاف مواردها وتعطيل خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية لتزداد الأحوال سوآ. وتكثر البطالة والفقر والمرض، ويعم الإرهاب والقلاقل ربوع العالم الإسلامي، أشعل الغرب بقيادة الولايات المتحدة الحرب بين العراق وإيران في سبتمبر سنة (١٩٨٠ م) وهيأت لها كل الأجواء، فقد أوحت إلى الرئيس العراقي صدام حسين، أنه بعد مقاطعة مصر وإخراجها من جامعة الدول العربية عقابا لها على توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل- تلك المقاطعة التي لعب فيها صدام حسين نفسه الدور الأكبر- أوحت إليه السياسة الغربية أنه أصبح الآن مرشحا لخلافة مصر في زعامة الأمة العربية، ولكن يحول دون ذلك عقبة كبيرة هي إيران- ذات المكانة والهيبة والأهمية في المنطقة وبصفة خاصة في الخليج ذي الأهمية البالغة لاقتصاديات الغرب- أي: إن صدام حسين ليس بمقدوره أن ينفرد بالزعامة على الأمة العربية مع وجود إيران، إذن ما الحل؟ لا حل سوى إزاحة إيران من الطريق، هكذا أقنعت السياسة الغربية صدام حسين فارتكب واحدة من أكبر وأشنع الحماقات السياسية في التاريخ الإسلامي كله، حيث اقتنع وبلع ذلك الطّعم الخطير، وصدق بسذاجة سياسية لا نظير لها أنه قادر على هزيمة إيران، ولا أدري كيف أقنع نفسه بذلك «١» ؟! على كل حال نحن الآن لا نحاكم صدام حسين، فليست هذه آخر جرائمه ضد العالم العربي والإسلامي، ولكننا نحاول إظهار وتوضيح الدور الغربي بقيادة الولايات المتحدة في إشعال حرب الخليج الأولى، التي أودت بحياة مئات الألوف من شباب الشعبين الإيراني والعراقي، وبلغت خسائرها المادية عشرات المليارات من الدولارات، ودمرت المنشات الاقتصادية في كلا البلدين الجارين للمسلمين، وتدمير البلدين لم يقتصر عليهما بل كانت له انعكاسات خارج حدودهما، وعلى جيرانهما العرب «٢» .

стр. 362

فليس سرّا أن بعض البلاد العربية البترولية كانت تساعد طرفي النزاع ليستمر النزاع وسفك الدماء أطول فترة ممكنة؛ لأن هذه مشيئة الأمريكان، وهل هناك دولة عربية تستطيع أن تقول لأمريكا: لا؟ مرة أخرى نحن لا نحاكم العرب الآن فسيحاسبهم التاريخ لا محالة لكننا- كما قلت سابقا- نظهر الدور الغربي بصفة عامة والدور الأمريكي بصفة خاصة في تدمير العالم الإسلامي ولن نستشهد بكلام أحد في إثبات ذلك الدور سوى كلام الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون فهو يعترف بذلك الدور صراحة، بل يشيد بسياسة الرئيس الأمريكي الأسبق أيضا ريجان؛ لأنه هو الذي عاصر الحرب الإيرانية العراقية (١٩٨٠- ١٩٨٨ م) وهندس سياسة أمريكا نحوها يقول نيسكون: «كثير من المراقبين أنصار العودة إلى الماضي يدينون سياسة الولايات المتحدة أثناء الحرب بين إيران والعراق، وهم يعبرون عن الصدق لأننا ساعدنا بالتناوب أحد الجانبين، ومن ثم الآخر، حسب مد المعركة، وهم على حق جزئيّا فقط، إن مصالحنا تطلبت ألا يخرج أحد من الجانبين كمنتصر حقيقي. وإن إدارة ريجان تصرفت بصورة صحيحة في اللعب على الجانبين وفي السماح ببيع أسلحة إلى العراق، كان الخطأ في تجاوز الكميات المطلوبة للحد من قدرات إيران الهجومية، مما مكن صدام حسين لكي يصبح قادرا على التهديد العسكري بعد الحرب. يجب أن تحتفظ بمساحة متعمدة عند الدخول في تعاون تكتيكي لا يمكن تجنبه، مع مثل هذه الأنظمة، إن الدرس القاسي من تجربتنا مع العراق هو أن صديق اليوم الضمني يمكن أن يصبح عدو الغد اللدود وبالنسبة لحالة صدام حسين، فقد تكلف ١٠٠- مائة- بليون دولار، و ١٤٨ ضحية أمريكية لتصحيح الخطأ» «١» . هذا اعتراف صريح بالدور الأمريكي في إشعال الحرب الإيرانية العراقية واستمرارها، والخطأ الوحيد فيها حسب رأي نيكسون أن العراق خدع أمريكا وخزن أسلحة مكنته من الإقدام على جريمته الثانية الأشد حمقا والأكثر ضررا للأمتين العربية والإسلامية، هي جريمة غزو الكويت أو ما سمي بحرب الخليج الثانية.

стр. 363

* حرب الخليج الثانية: من سوء حظ العرب والمسلمين أن المخططات الغربية الشيطانية لإبقائهم ضعفاء فقراء متخلفين تجد من زعماء العرب والمسلمين- جهلا وحمقا، لا عمالة أو خيانة- من يساعد الغرب على تنفيذها، ومن النماذج الصارخة على ذلك حماقة التدخل المصري في اليمن (١٩٦٢ م) فلا شك أن تلك كانت مغامرة كبرى غير محسوبة بالمرة من جمال عبد الناصر، فقد كانت فخّا من فخاخ الغرب الخطيرة لاستدراج مصر إلى اليمن وتوريطها في حرب طويلة ومريرة ليحطم الجيش المصري، بل ليموت عبد الناصر نفسه في سفوح جبال اليمن وينتهي دوره كقيادة عربية وطنية ذات نفوذ طاغ وشعبية لم يتمتع بها حاكم عربي منذ صلاح الدين الأيوبي، ولا شك أن الأمة العربية كانت تعلق على ذلك البطل آمالا كبارا، وكان قادرا على تحقيق آمال أمته، لو كان أكثر خبرة وتجربة وأكثر تعقلا في اتخاذ قراراته، فلا يستطيع أحد حتى من أعدائه أن يشكك في وطنيته وحبه الخير لأمته، لكنه الجهل بالسياسة الدولية وتعقيداتها وتداخلاتها، أو الاستبداد بالرأي، كل ذلك دفعه إلى اتخاذ ذلك القرار المدمر، والذي كان من نتائجه المباشرة والمدمرة أيضا، الهزيمة المروعة في سنة (١٩٦٧ م) ، وكانت تلك أيضا حماقة أخرى من حماقاته، وقرارا من أسوأ قراراته وأخطرها، فكل الشواهد، بل تقارير المخابرات العسكرية المصرية منذ أواخر سنة (١٩٦٦ م) ، وبداية سنة (١٩٦٧ م) حسب ما نشر كثير من القادة المصريين في مذكراتهم ومنهم- محمد عبد الغني الجمصي- كانت تحذره من الدخول في حرب مع إسرائيل؛ لأن الجيش المصري ليس مستعدّا لذلك، خاصة وأن نحو ثلث ذلك الجيش كان في ذلك الوقت لا يزال يكابد حربا عقيمة بدون نهاية معروفة في سفوح جبال اليمن ووديانة وكثير من أصدقاء مصر العالميين ومنهم ذو الفقار علي بوتو ويوجين بلاك وغيرهم، نبهوه وحذروه بأن هناك نية في الغرب لاصطياده وتحطيمه، بل القضاء عليه وأسموه الديك الرومي- وذلك حسب ما ذكر صديقه ومؤرخ عصره الأستاذ محمد حسنين هيكل «١» - ولكن رغم كل ذلك مضى في طريقه وأشعل الأزمة- أزمة خليج العقبة ومرور السفن الإسرائيلية فيه-

стр. 364

وأعطى لإسرائيل والغرب فرصة من الفرص النادرة لاستدراج الجيش المصري وإلحاق أكبر هزيمة حلت به منذ عصر الفراعنة إلى وقتها. وتكبدت مصر خسائر فادحة في تلك الحرب المشؤومة، وتكبدت خسائر وتضحيات أخرى جسيمة وخاضت حرب أكتوبر (١٩٧٣ م) المجيدة لتزيل عار هزيمته الفادحة في سنة (١٩٦٧ م) وترد لمصر والأمة العربية كرامتها وتعيد للشرف العسكري المصري عزته ومجده. هذه مجرد نماذج، ومضى جمال عبد الناصر إلى ربه في (٢٨/ ٩/ ١٩٧٠ م) ليترك أمته التي علقت عليه أكبر الآمال تلعق جراحها وتعاني مرارة الذل والهوان والهزيمة، ويترك وطنه مصر وقد احتل اليهود جزآ غاليا منه، شبه جزيرة سيناء وأغلقت نتيجة لذلك قناة السويس «١» ... إلخ. مضى جمال عبد الناصر وجاء دور صدام حسين المهيمن على العراق فعليّا منذ ثورة (١٩٦٨ م) حتى مع وجود الرئيس أحمد حسن البكر، وكان صدام حسين زعيما واعدا لوطنه العراق، وأمته العربية وكانت له طموحات كبيرة لتطوير بلده صناعيّا واقتصاديّا وكانت إمكانات العراق الهائلة- ثروة بترولية كبيرة، أراضي زراعية شاسعة وأهم من هذا كله شعب حي يعج بالكفايات البشرية في كل مجال- ولو مضت الأمور كما كان يتوقع الناس في العراق، وفي الأمة العربية في عقد السبعينيات من هذا القرن، لكان العراق اليوم في طليعة الدول الغنية المتقدمة في المنطقة. لكن- وآه من لكن- لم ينتبه صدام حسين كما لم ينتبه جمال عبد الناصر قبله- إلى أن الغرب وإسرائيل لا يقبلون أن يتطور بلد عربي ويصبح خطرا على مصالح الغرب من جهة وعلى إسرائيل من جهة ثانية- وأظن ما ذكرناه نقلا عن صحيفة- كيفونيم- اليهودية قبل قليل. وما اقتبسناه من الرئيس نيكسون لا يدع مجالا للشك في هذا والواقع يؤيده. وكان على صدام حسين أن يدرك أن الغرب وإسرائيل لن يتركاه يمضي في سبيل تنمية وتطوير قدرات العراق الاقتصادية والعسكرية وكان عليه إزاء هذا أن يكون حذرا، وأن يحصن نفسه ضد ما يحاك له من هذه الدوائر الشيطانية، غير أن صدام حسين بدلا من ذلك راح يعطي لهم كل

стр. 365

الفرص والذرائع للإيقاع به، وتدمير اقتصاديات بلاده- بل وبلاد عربية أخرى كثيرة- فكانت حماقته الأولى في حربه مع إيران والتي أشرنا إليها إشارة سريعة فيما سلف من هذا البحث، وها هو الآن يرتكب الحماقة الأكبر، والأشد خطرا عليه وعلى أمته العربية بل على عالمه الإسلامي، حيث بلع الطّعم مرة أخرى، فكما أقنعته السياسة الغربية الماكرة بقدرته على هزيمة إيران، وإزاحتها من طريق سيطرته على العالم العربي، ها هي ذات السياسة تصنع له خديعة أخرى حيث أفهمته السفيرة الأمريكية في بغداد- جاسبي إبريل «١» - مكرا وخداعا- أن أمريكا لن يهمها في شيء إذا هو زحف على الكويت وأخذها؛ لأنه لا توجد اتفاقيات دفاع مشترك بين أمريكا والكويت ولا أدري كيف انطلت هذه الخدعة على الرئيس صدام حسين، وكيف بلع ذلك الطعم المسموم؟! لأنه ليس أمريكا فقط وحلفاؤها الذين لا يقبلون أن يبلع صدام حسين الكويت، ويسيطر على ٥٠ من بترول العالم، بل هناك دول إقليمية مجاورة للعراق وقريبة منه ترى في احتلاله للكويت تهديدا لمصالحها وأمنها، ومن هذه الدول إيران وتركيا ومصر وسوريا والسعودية وبقية دول الخليج، ناهيك عن إسرائيل، التي كانت تعتبر العراق ألد أعدائها، وكان قصارى أمانيها أن تورطه في حرب مع سوريا، ولكن حسن الحظ الذي لازم إسرائيل منذ وجودها، ساق لها فرصة نادرة، فبدلا من توريط العراق في حرب مع سوريا شاءت سياسة زعيمه صدام حسين أن تورطه في حرب مع العالم، وأن يدمر بلده تدميرا كاملا، أقدم صدام حسين على غزو الكويت في (٢/ ٨/ ١٩٩٠ م) وبذلت محاولات كثيرة عربية منها مؤتمر القاهرة (٨- ١٠ أغسطس سنة ١٩٩٠ م) ودولية لإخراجه من الكويت ولكنه ركب رأسه ولم يصغ لأي صوت ناصح. فكانت حرب الخليج الثانية- عاصفة الصحراء المدمرة والتي استمرت ما يقرب من أربعين يوما (١٦ يناير- ٢٤ فبراير سنة ١٩٩١ م) والتي أحدثت في العراق من الدمار والخراب ما يحتاج إصلاحه ربما إلى قرن كامل- والأخطر من ذلك الحصار القاتل الذي استطاعت أمريكا بنفوذها أن تفرضه على الشعب العراقي لتجويعه، ويعرف العالم كله كم من أطفال العراق يموتون من سوء التغذية، وكم من رجاله ونسائه يموتون وتفتك بهم الأمراض

стр. 366

لعدم وجود الدواء الكافي. نحن لا نناقش هنا وجه الظلم في سياسة حصار العراق، وفرض الوصاية الدولية على مقدراته وثرواته فهذا موضوع آخر يتعلق بالنظام الدولي الجديد والعدالة التي تنشرها أمريكا في العالم بعد أن انفردت بزعامته. ولكننا فقط نلوم الزعيم الذي عرض وطنه وأمته لهذا البلاء المبين والكرب العظيم، ولم يدرك أن الخروج على الخطوط الحمراء للسياسة الأمريكية يؤدي إلى الحتف، ومن سوء حظه أنه كان أول من خرج على هذه الخطوط وأول متمرد على النظام العالمي الجديد وعلى زعامته، مما استوجب من وجهة نظرها أن تكون ضربته قاتلة بل مدمرة ليكون عبرة لمن يعتبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. * الإسلام العدو الأول للغرب: هكذا يقول الغربيون صغارا وكبارا، من رؤساء الدول وزعماء السياسة إلى الصحفيين والكتاب، الإسلام العدو الأول للغرب والحضارة الغربية بعد زوال الشيوعية. الإسلام الذي كان الحليف الأول والأكثر فعالية للغرب في صراعه مع الشيوعية. أصبح اليوم- بين عشية وضحاها- العدو الأول، ومبدأ الجهاد الذي استثمره الغرب في القضاء على الشيوعية، أصبح الآن هو الإرهاب بعينه، وهذا العداء الغربي للإسلام لا يخفيه الغربيون أبدا، بل يعلنونه بتفاخر بلسان حالهم وبأفعالهم معا. وكل تعاملهم مع المسلمين يقوم على منطق التعالي والإحساس بالتفوق وأنهم الأذكى والأعلم والأكثر تحضرا، بل لا يعترفون أبدا للعالم الإسلامي بأي تحضر، وكيف يكون متحضرا وهو العدو الأول للحضارة، وعلى الرغم من المؤتمرات والندوات واللقاآت التي تعقد في الغرب وفي البلاد الإسلامية- وما أكثرها- تحت شعار التعاون والتحاور والآفاق المشتركة- بين العالم الإسلامي والغرب- رغم كل هذا إلا أن التصرفات العملية تنضح بالاحتقار للعالم الإسلامي من جانبهم. وأكثر بلد تظهر فيها تلك الروح العدائية للإسلام والمسلمين هي أمريكا وهذا هو الرئيس نيكسون الذي يقول في صراحة يحسد عليها ودون مواربة: «لا توجد دولة ولا حتى الصين الشيوعية، تحظى بالصورة السلبية- تعبير مهذب عن الكراهية والعداء- في الضمير الأمريكي، كما هو الحال بالنسبة للعالم الإسلامي» «١» ويقول نيكسون عبارة أخرى: «إن العالم الإسلامي يشكل واحدا من أعظم التحديات

стр. 367

للسياسة الخارجية الأمريكية في القرن الحادي والعشرين» «١» . وما دام العالم الإسلامي يحظى في الضمير الأمريكي بهذا القدر من العداء والكراهية وما دام يشكل أعظم التحديات للسياسة الخارجية الأمريكية في القرن القادم فلا بد أن تجند أمريكا- وحلفاؤها- كل قواها لمحاصرة هذا العالم وتتخذ من الإجراآت ما يجعله دائما ضعيفا مفككا حتى لا يشكل لها خطرا. ومن مظاهر هذا العداء الغربي للإسلام ومن الإجراآت التي بدأت تؤتي ثمارها في هذا المجال ويمكن أن نوجزها في عدة نقاط، على النحو التالي: أ- الانهيار الاقتصادي السريع الذي حدث في دول جنوب شرق آسيا خاصة الدول الإسلامية- أندونيسيا وماليزيا- منذ مطلع العام الماضي (١٩٩٧ م) . وأيادي الغرب وأمريكا خاصة ليست خافية في هذا المجال، فهي لا تريد أبدا أن تقوم أية نهضة أو تنمية اقتصادية في أي بلد إسلامي، حتى لا تسري العدوى إلى غيرها، فلا بد أن يرتبط الإسلام دائما بالتخلف والفقر ليعيش المسلمون ضعفاء فقراء أذلاء. ب- منع أي تقارب أو تجمع سياسي أو اقتصادي بين الدول الإسلامية، والمثل القريب جدّا مجموعة الثمانية؛ التي دعا إليها رئيس وزراء تركيا السابق ورئيس حزب الرفاه الإسلامي، نجم الدين أوربكان، الذي دعا إليه إضافة إلى تركيا، إيران وباكستان وأندونيسيا وماليزيا وبنجلاديش ومصر ونيجريا، هذا التجمع الذي يضم ثمان من كبريات الدول الإسلامية، والتي يبلغ مجموع سكانها أكثر من ثمانمائة مليون مسلم، ومنها دول متطورة اقتصاديّا وصناعيّا مثل مصر وتركيا وإيران وأندونيسيا وماليزيا وباكستان، ومنها دول بترولية أعضاء في منظمة الأوبك مثل إيران وأندونيسيا ونيجريا، هذا التجمع لو قدر له أن يظهر إلى حيز الوجود لكان من الممكن أن يكون تكتلا اقتصاديّا إسلاميّا هائلا، ويمكن أيضا أن يكون قوة سياسية مؤثرة في سياسة العالم، وفوق كل هذا؛ بل أهم من هذا يمكن أن يرفع الروح المعنوية للعالم الإسلامي، ويخلصه من حالة الإحباط التي يعانيها، ولكن كيف ذلك، وهل يسمح النظام العالمي الجديد بذلك؟ أبدا؛ دون ذلك خرط القتاد، وأول ضربة توجه إلى هذا الوليد قبل أن يرى النور كانت القضاء على الداعي إليه، نجم الدين أربكان، بل القضاء على حزبه وإخراجه من الساحة السياسية في تركيا،

стр. 368

ليموت الحلم قبل أن يولد، وجر تركيا أو إجبارها على الدخول في تحالف استراتيجي- سياسي وعسكري واقتصادي- مع إسرائيل بمباركة أمريكا ومشاركتها، وإفساح المجال لها في السوق الأوربية كتعويض لها عن اتجاهها الإسلامي الذي لا يرضى عنه الغرب. وطبعا السياسة الغربية لم تكن غافلة عن الصحوة الإسلامية في تركيا وزحف الإسلاميين على الحكم، ولا غافلة عن أهمية تركيا بالنسبة للغرب- حتى بعد زوال الشيوعية- بل ربما تكون أهميتها قد زادت بالنسبة للغرب بعد زوال الشيوعية؛ لأنها ستكون ورقة رابحة في يد الغرب لإجهاض أية نهضة إسلامية، ولجعلها تتخذ سياسة مناهضة لمصلحة العالم الإسلامي وهذا هو ما يحدث الآن بالفعل، والذي يعد نتيجة لتخطيط غربي ذكي وماكر، ومن عادته أن يعد للأمر عدته قبل أن يحدث، انظر ماذا يقول الرئيس نيكسون عن تركيا: وتركيا الجسر الجغرافي والثقافي- الذي- يربط بين العالمين الغربي والإسلامي، تتمتع بحكومة ديمقراطية عاملة منذ ٩ سنوات وقدمت قوات للناتو- حلف شمال الأطلسي- أكبر من أي دولة عضو في الحلف ويجب أن ندفع حلفاءنا الأوربيين لقبول تركيا في السوق الأوربية واتحاد أوربا الغربية «١» ، ولهدف حقيقي هو إبعادها عن محيطها الإسلامي بل جعلها تتبنى سياسة مناهضة لنهضة وتقدم العالم الإسلامي، وهو ما حدث بالفعل. ج- سياسة الحصار والتجويع التي تمارسها السياسة الغربية بزعامة الولايات المتحدة لبعض الدول العربية والإسلامية التي لا تخضع لسياستها وتخرج عن طاعتها، المثل الصارخ لذلك: حصار العراق وليبيا، وإلى حد ما: السودان وإيران. د- تصنيع الإرهاب من الجهاد: لقد اقتبست هذا العنوان من بحث الدكتور مصطفى رمضان الذي سبقت الإشارة إليه «٢» . إن أمريكا هي الصانع الأول للإرهاب والإرهابيين في العالم، والنواة الأولى لذلك هم المجاهدون الأفغان الذين جندتهم الولايات المتحدة- من بعض البلاد العربية والإسلامية- ودربتهم وسلحتهم، واستخدمتهم لتحقيق هدفها وهو إخراج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان وقد تحقق الهدف الأمريكي ربما بأكثر مما كانت تتوقع

стр. 369

أمريكا، فلم يخرج الاتحاد السوفيتي من أفغانستان ذليلا محطما فقط، بل خرج من الدنيا كلها وحدث الزلزال الذي أودى بالبنيان كله، فقد زال الاتحاد السوفيتي وترك الساحة العالمية لأمريكا تمرح وتعربد فيها وحدها. وحديثنا ليس عن هذا ولكن عن المجاهدين الذين كانوا قرة عين أمريكا، والذين ربتهم ودربتهم مخابراتها ذات الخبرة الكبيرة في التدريب على الخراب والدمار. فماذا حدث لهم بعد أن حققوا لها ما كانت تصبو إليه في أفغانستان؟ يبدو أن أمريكا قد أعدت للأمر عدته؛ كعادتها في عدم ترك أي شيء للصدفة والارتجال، ولا شك أن السياسة الغربية كلها لا تعرف الارتجال، بل تقوم على تخطيط سليم، يقوم به خبراء متمرسون في كل مجال من مجالات الحياة؛ لذلك خططت لمصير المجاهدين أثناء جهادهم في أفغانستان حتى إذا انتهت مهمتهم هناك بدأت تستثمرهم في مهمة أخرى؛ مهمة أيضا بالنسبة لها وهي إرباك العالم الإسلامي وإغراقه في بحور من الفتن والإرهاب، فقد كان تحالفها مع العالم الإسلامي أثناء الحرب الباردة ضد العالم الشيوعي تحالف ضرورة، تماما كتحالفها مع العالم الشيوعي نفسه أثناء الحرب العالمية الثانية- ضرورة للوقوف في وجه النازية- وبعد أن انتهت الحرب الساخنة بدأ العداء مع العالم الشيوعي فيما يسمى بالحرب الباردة، والذي جعل العالم الغربي يتحالف مع العالم الإسلامي ضده، فلما انتهت الحرب الباردة وسقط العالم الشيوعي وهزم بدون حرب، تحول العالم الإسلامي من حليف إلى عدو؛ بل العدو رقم واحد للغرب عامة وأمريكا خاصة، ومن ثم أخذت أمريكا تعيد تصدير المجاهدين الأفغان إلى أوطانهم الأصلية لكن ليس باسم المجاهدين وإنما باسم الإرهابيين؛ لأنها شحنتهم بالكراهية الشديدة والعداء لأوطانهم- وآلتها الإعلامية في ذلك رهيبة- فلم يصمد أمامها الزعماء فكيف يصمد أمامها ذلك الشاب الغر، عاد المجاهدون الأفغان- سابقا- إلى أوطانهم كارهين كل شيء متهمين أوطانهم بالكفر والجاهلية شاهرين أسلحتهم مشيعين الخراب والدمار والقتل بطريقه عشوائية والنماذج على ذلك كثيرة- في الجزائر ومصر وغيرها- ولا زال المسلسل مستمرّا. أمريكا إذن هي الصانعة الأولى لهذا الإرهاب الأسود الذي يعيث فسادا في كثير من البلاد العربية والإسلامية، وفي الوقت نفسه تلصقه بالإسلام، وهي التي صنعته، هي التي تأوي عتاة الإرهابيين في بلادها وتوفر لهم الحماية «١» .

стр. 370

هـ- من براهين العداء الغربي عامة الأمريكي خاصة للإسلام والعالم الإسلامي: إلصاق كل النقائص والرذائل بالإسلام؛ فهو عندهم دين دموي ومتعصب ضد الحضارة والإنسانية والمسلمون كلهم إرهابيون، ويكفي أن يقرأ الإنسان كتابا واحدا- وهناك كتب كثيرة في هذا المجال- ليعرف مدى الكره والعداء الذي يكنه الغرب للإسلام والمسلمين؛ ذلك الكتاب هو «الإسلام والغرب» «١» للأستاذ رجب البنا، الذي كتبه بعد رحلة طويلة زار خلالها الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول أوربا وكتب كتابه هذا بعد مشاهدة وسماع، وخلص إلى أن العداء الغربي للإسلام ليس مجرد دعاية إعلامية، كما كنا نظن، إنما هو شيء متأصل في نفوس الغربيين وقلوبهم، والأهم من ذلك والأخطر هو أثر ذلك العداء الغربي للإسلام على صناعة القرار السياسي في الغرب، إذا كان ذلك القرار يتعلق بالعالم الإسلامي. وكذلك كتبت الدكتورة منى حسين مؤنس وهي أستاذة جامعية متخصصة في اللغة والأدب الإنجليزي سلسلة مقالات خطيرة في مجلة أكتوبر القاهرية «٢» تحت عنوان «مصر والعرب في عيون الغرب وأدبه» أتت فيها بحقائق ووقائع مذهلة تكشف عن العداء الغربي القديم والحقد والكراهية، بل الاحتقار الذي يكنه الغربيون للإسلام والمسلمين، وهي تكتب عن خبرة وتجربة ومعايشة للأوربيين في بلادهم، وفي مصر أيضا. وتقول في وضوح: «إن الأوربيين يربون أطفالهم منذ الصغر على كره واحتقار كل ما هو عربي وإسلامي» ، معنى هذا أن روح العداء للإسلام التي زرعها رجال الكنيسة في العصور الوسطى لا زالت سارية المفعول، ألم يقل برنارد شو: «لقد كانوا- رجال الكنيسة والمعلمون- يمرنونا على كراهية محمد ﷺ وكراهية دينه ويصورونه لنا على أنه عدو وخصم للسيد المسيح» «٣» وإنه لشيء محير ويبعث على الأسى أن تكون هذه هي صورة الإسلام والمسلمين عند الغربيين، مع أنه في حقيقته دين سلام ورحمة ومحبة وتسامح وعدل حرية، ودين بنى وشاد حضارة عالمية راقية، حملت الخير للبشرية عامة، وللأوربيين خاصة، ولم تقم نهضتهم وحضارتهم الحالية إلا على أساس علوم المسلمين ومعارفهم، وكثيرون من علمائهم

стр. 371

وعقلائهم يعترفون بذلك، ولكن الأصوات العاقلة تضيع وسط الضجيج الإعلامي الكاسح في الغرب ضد الإسلام والمسلمين. يقول أحد الكتاب: «كعادة الإدارة الأمريكية في اتهام بعض الدول العربية والإسلامية بمناسبة وبدون مناسبة بالإرهاب وإيواء جماعات الإرهاب، أعلن مدير المخابرات المركزية الأمريكية منذ أيام، أن هناك ١٢ دولة تعد للقيام بعمليات اختراق لشبكات المعلومات الأمريكية، وقال- لا فض فوه- في جلسة مغلقة أمام الكونجرس: إن في مقدمة هذه الدول إيران وليبيا والعراق! والمضحك أن بعض المصادر الرسمية الأمريكية أعلنت في الوقت نفسه أنه تم القبض على ثلاثة إسرائيليين بتهمة اختراق شبكات الكمبيوتر لوزارة الدفاع الأمريكي ألا يستحي كبار المسؤولين الأمريكيين حينما يتهمون إيران والعراق وليبيا بمحاولة التجسس على الأمن القومي الأمريكي بينما شاء ربي وربك ورب الكون إظهار الحقيقة، فتم اعتقال الجواسيس متلبسين باختراق شبكات الكمبيوتر الخاصة بالبنتاجون، وكانوا من حلفاء أمريكا الإسرائيليين، ثم كيف بالله يمكن للعراق وليبيا أن تتجسسا على أمريكا وهما تعانيان من الحصار الظالم الذي فرضته أمريكا عليهما منذ سنوات، ولم تعد تربط العراق وليبيا بالولايات المتحدة أية علاقات سوى التجويع والإذلال التي تفرضها أمريكا عليهما بغير وجه حق» «١» . ومن مظاهر، بل من دلائل العداء الغربي للإسلام احتضان الغرب لكل من يسب الإسلام ونبي الإسلام- ﵊ ويهين المقدسات الإسلامية، ويجرح مشاعر المسلمين، والأمثلة على ذلك كثيرة. انظر إلى سلمان رشدي «الهندي الجنسية» المقيم في بريطانيا، كيف احتفى به الغرب وبسط عليه حمايته بعد صدور روايته التافهة- آيات شيطانية- وكيف استقبله الرئيس الأمريكي كلينتون في البيت الأبيض لمدة ساعتين؟! وانظر إلى تسليمه نسرين- البنغالية- وكيف استقبلت في فرنسا من أعوام قليلة استقبال رؤساء الدول؛ لأنها أهانت الإسلام، عقيدة شعبها؟! فحرية الفكر والرأي في أوربا لا تراعى إلا عند ما يكون الهجوم على الإسلام وعلى المقدسات الإسلامية. في مايو الماضي (١٩٩٨ م) فجرت الهند خمس تفجيرات نووية وتبعتها باكستان- بعد نحو أسبوعين- بست تفجيرات وهنا انطلقت الدعايا الغربية

стр. 372

والصهيونية تتحدث وتخوف العالم من القنبلة الباكستانية بالذات؛ لأنها قنبلة إسلامية، ومع أن رئيس وزراء باكستان نفى ذلك وقال: إن القنبلة هي باكستانية للرد على القنبلة الهندية وليست إسلامية؛ لأن القنابل لا دين لها، ورغم ذلك فإن الإعلام الغربي والصهيوني يصر على وصف القنبلة الباكستانية بأنها القنبلة الإسلامية. ومع أن أمريكا هي أول دولة في العالم صنعت القنبلة الذرية بل استخدمتها بدون ضرورة في تدمير مدينتين يابانيتين- هيروشيما ٦/ ٨/ ١٩٤٥ م ونجازاكي في ٩/ ٨/ ١٩٤٥ م- إلا أن أحدا لم يسم قنبلتها بالقنبلة المسيحية، وتبعتها روسيا فلم يسم أحد قنابلها بالقنابل الشيوعية ولا سمى أحد القنابل الإنجليزية والفرنسية بالمسيحية ولا القنابل الإسرائيلية بالقنابل اليهودية، ولا حتى القنابل الهندية التي سبقت الباكستانية فلم يسمها أحد بالقنابل الهندوسية، فقط قنبلة باكستان التي تسمى بالإسلامية وبتركيز شديد واستمرار والمعنى واضح، وهو تشويه سمعة الإسلام والمسلمين. ز- آخر التقاليع الأمريكية في هذا السياق- قانون الاضطهاد الديني أو حماية الأقليات الدينية والذي وافق عليه مجلس النواب الأمريكي في مايو (١٩٩٨ م) بأغلبية كبيرة «١» - (٣٧٥) صوتا ضد (٤١) - وهذا القانون يقضي بفرض عقوبات اقتصادية على الدول التي بها أقليات دينية، بزعم أنها تضطهد تلك الأقليات الدينية، وهذا قانون لا مثيل له في الدنيا؛ لأنه تدخل واضح وفاضح في شؤون الدول الداخلية، ولكن الهدف الأمريكي من ذلك غير خاف على أحد، وهو مضايقة الدول الإسلامية وإحراجها كلما أرادت أمريكا ذلك، والشيء المؤسف أن الكونجرس الأمريكي- الذي يسيطر عليه اللوبي الصهيوني- يصر على أن المسلمين في مصر يضطهدون المسيحيين في الوقت الذي يعلن فيه المسيحيون أنفسهم وعلى لسان أكبر مسؤول وهو رئيس الكنيسة المصرية البابا شنودة الثالث أنه لا يوجد اضطهاد ولا سياسة عدائية للمسيحيين في مصر، لا من الدولة ولا من المواطنين المسلمين، وأن حوادث الإرهاب التي يتعرض لها أحيانا بعض المسيحيين، هي حوادث فردية وليس لها بعد سياسي أو ديني ويتعرض المواطنون المسلمون لأضعافها، ولكن على الرغم من كل ذلك إلا أن أعضاء الكونجرس يصرون على الاتهام ويقولون للبابا وغيره من قادة المسيحيين: نحن نعرف أكثر منكم.

стр. 373

والخلاصة: أن العداء الغربي عامة والأمريكي خاصة للإسلام والمسلمين دلائله ومظاهره أكثر من العد والحصر. فالغرب أخذ في توسيع حلف الأطلسي وامتداده شرقا- ضم دول أوربا الشرقية إليه- مثل بولندا والمجر وجمهورية التشيك- ما ضرورة ذلك بعد زوال الشيوعية؟ يقولون في الغرب: للوقوف في وجه العالم الإسلامي- المغلوب على أمره الآن- بل إن الرئيس نيكسون يرى ضرورة التحالف مع روسيا ما بعد الشيوعية إذا اقتضى الأمر؛ للوقوف في وجه العالم الإسلامي «١» . * أهم المشكلات التي يعانيها المسلم المعاصر: في الصفحات السابقة تحدثنا- بإيجاز شديد- عن سياسة الغرب بقيادة الولايات المتحدة نحو العالم الإسلامي، والتي تراوحت بين التحالف معه إذا كان ذلك في مصلحتها- كما حدث في فترة الحرب الباردة- إلى اعتباره العدو الأول بعد انتهاء تلك الحرب، وظهور ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، الذي تنفرد الولايات المتحدة بقيادته والسيطرة عليه. لقد أصبح واقع العالم الإسلامي بعد انتهاء الحرب الباردة أسوأ مما كان عليه أثناءها، ونتيجة لسياسة الغرب ومكائده ضد العالم الإسلامي وإشعال الحروب الأهلية والإقليمية بين دوله وشعوبه، ومحاصرته اقتصاديّا وسياسيّا ليظل دائما ضعيفا مفككا، متخلفا صناعيّا، وسوقا كبيرا للمنتجات الغربية، ونتيجة لهذا كله نرى العالم الإسلامي الآن غارقا في العديد من المشكلات الصعبة، على مختلف الأصعدة؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والحقيقة ليس من السهل الحديث عن العالم الإسلامي على اتساعه وتنوعه بأسلوب واحد، أو بمعايير واحدة، فالعالم الإسلامي من حيث المساحة الجغرافية، يشغل حيزا هائلا، فهو يمتد من طنجة إلى جاكرتا ومن غانا إلى فرغانة «٢» ، فضلا عن هذا فالعالم الإسلامي شديد التنوع من حيث الموقع والمناخ والثروات الطبيعية والسلالات البشرية.. إلخ. «ولقد حاول البعض أن يربط الإسلام بالجفاف والصحاري، ولكن الحقيقة أبعد ما تكون عن هذا؛ فالإسلام يترامى حتى خط الاستواء، عبر بيئات طبيعية

стр. 374

شديدة التفاوت؛ من الغابات الاستوائية إلى المدارية، ومن السافانا الإفريقية إلى الاستبس الآسيوي، ومن أدغال الهند إلى الفلد الإفريقي. فهو إذا يتوزع في المناطق الحارة والمعتدلة والباردة على السواء، كما ينتشر في الصحاري الجافة والأعشاب المطرية والغابات الكثيفة بلا استثناء. وبالمثل نجد الإسلام البحري على الساحل كما نجده في صميم القارات من الداخل، بل إن السواد الأعظم من المسلمين أقرب إلى التمركز على القطاعات الساحلية والبحرية، وننتقل من النواحي الطبيعية إلى الجانب البشري لنجد نفس التنوع داخل العالم الإسلامي، فالإسلام ينتظم من الأجناس والسلالات ومن اللغات والقوميات ما يجعله متحفا بشريّا، فمن سلالات البحر المتوسط القوقازية غربا إلى الأجناس الزنجية جنوبا، ومن القوميات العربية والتركية والإيرانية، إلى القوميات الطورانية في وسط آسيا، إلى الملاوية والأندونيسية في جنوبها.. وكل من هذه أو بعضها قابل للقسمة إلى مزيد من التفريعات والتصانيف «١» . بناء على الحقائق السابقة فواقع الإنسان المسلم يختلف من مجتمع إسلامي إلى آخر اختلافا كبيرا؛ فهناك مجتمعات إسلامية ذات ثروة هائلة- الدول البترولية على سبيل المثال- ومستوى معيشة سكانها مرتفع جدّا، وهناك مجتمعات متوسطة الثراء، وهناك مجتمعات فقيرة، بل شديدة الفقر وكل مجتمع من هذه المجتمعات له مشكلاته وواقع الإنسان يختلف باختلاف تلك المجتمعات وتنوعها، غير أن هناك العديد من المشكلات التي تكاد تكون عامة أو هي الظواهر السائدة في العالم الإسلامي، فعلى الرغم مما يبدو على السطح من التوحد- تحت مظلة منظمة المؤتمر الإسلامي مثلا- إلا أن من المؤسف أن العلاقات الإسلامية ليست على ما يرام، أو ليست على المستوى المقبول في عالم جديد ونظام جديد يعمل كل ما في وسعه للضغط على العالم الإسلامي وحصاره بل خنقه؛ ليظل دائما تحت السيطرة الغربية. ولذلك سأتحدث عن ظاهرتين فقط من الظواهر العامة، والتي تشترك فيها معظم المجتمعات الإسلامية، وهاتان الظاهرتان قد تكونان السبب الرئيسي في معظم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في العالم الإسلامي. ١- الظاهرة الأولى: العلاقات الإسلامية ؛ فعلى الرغم من أن القاعدة الأصيلة التي رسخها القرآن

стр. 375

الكريم في الأمة الإسلامية هي الوحدة كما يقول ربنا ﵎: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون: ٥٢] ، والدعوة القوية إلى المحافظة على هذه الوحدة وعدم التفرق كما يقول الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران: ١٠٣] ، وأن الله تعالى يحب عباده الذي يجاهدون في سبيله صفا واحدا كأنهم بنيان واحد متماثل، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ [الصف: ٤] ، وأن الله تعالى يصف المؤمنين جميعا بأنهم إخوة حيث يقول تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] ، هذه بعض النصوص فقط كأمثلة دالة على أن الأصل في الأمة الإسلامية أن تكون أمة واحدة، وأحاديث الرسول ﷺ التي تحث المسلمين على الوحدة والتماسك والتعاون والتعاطف والتناصح إلخ أكثر من الحصر، ولكن على الرغم من هذا كله فإن العلاقات الإسلامية في الوقت الحاضر بعيدة عن هذا، والشواهد على ذلك كثيرة والكلام فيها أيضا يمكن أن يكون كثيرا، ويكفي أن نقتبس بعض كلام الرئيس نيكسون في وصف العلاقات الإسلامية وإن كان كلامه لا يخلو من نبرة شماتة، إلا أنه في الواقع فيه بعض الصدق للأسف الشديد، يقول نيكسون: «والصراعات والتنافسات في العالم الإسلامي جعلت منه مرجلا من النزاعات، والقائمة القصيرة لهذه النزاعات تشمل المغرب ضد الجزائر، وليبيا ضد تشاد، والعالم العربي ضد إسرائيل، والأردن ضد السعودية، وسوريا ضد الأردن، وسوريا ضد لبنان، والسعودية ضد دول الخليج الصغيرة، والسعودية ضد اليمن، والعراق ضد سوريا، والعراق ضد الكويت والسعودية، والعراق ضد إيران، ودول الخليج العربية ضد إيران، وباكستان ضد أفغانستان، والهند ضد باكستان وبنجلاديش، وأندونيسيا ضد ماليزيا وغينيا الجديدة. وإن الكثير من هذه الدول هي تالفات اصطناعية من عدة دول، أو مجموعات عرقية، فإن التنازع الداخلي يسود المنطقة وكثير من الدول في العالم الإسلامي هي لبنان المستقبل «١» ، تنتظر ما يمكن أن يحدث» «٢» . من المؤسف أن معظم ما ذكره نيكسون صحيح، نراه بأعيننا ونسمعه باذاننا. والكل يعرف نتائج هذه الصراعات والحروب على واقع الإنسان المسلم وكيف أثرت

стр. 376

فيه وجعلته أسير التخلف والفقر والجهل والمرض ... إلخ. إن تكاليف حربي الخليج؛ الأولى بين إيران العراق والتي استمرت ثماني سنوات (١٩٨٠- ١٩٨٨ م) والثانية غزو الكويت (١٩٩٠- ١٩٩١ م) إن تكاليف هاتين الحربين فقط كانت كفيلة لو استثمرات ألا تدع مسلما فقيرا أبو بدون عمل أو بدون مسكن.. إلخ. فماذا لو تحدثنا عن بقية الحروب مثل حروب العرب مع إسرائيل من (١٩٤٨ م) ، (١٩٥٦ م) ، (١٩٦٧ م) ، (١٩٧٣ م) ، والحروب الأهلية في الصومال والسودان وأفغانستان.. إلخ. ٢- الظاهرة الثانية: [غياب الديمقراطية] التي تكاد تكون عامة في أغلب الدول في العالم الإسلامي هي غياب الديمقراطية والحرية، وفي الوقت الذي يتم فيه انتقال السلطة في أوربا وأمريكا من حاكم إلى آخر بهدوء، وطبقا لقواعد دستورية وديمقراطية، ثم ضبطها بقوانين مرعية يحترمها الجميع، تتحكم فيها إرادة الناخبين الحرة، وصناديق الانتخاب، يتم هذا في أوربا وأمريكا: «أما في العالم الإسلامي فما زالت مشكلة انتقال السلطة من حاكم إلى آخر تتم بالقوة، والحكم لمن غلب. وبسبب ذلك ينتشر العنف والتطرف، وتقوم الحروب التي تحدث الدمار الشامل إلى أن يستقر الوضع للأقوى» «١» . ويكفي كمثال واحد على هذا ما حدث في أندونيسيا منذ شهور، فإن رجلا ظل يحكم بلاده حكما مستبدا، طوال اثنين وثلاثين عاما (١٩٦٦- ١٩٩٨ م) وهو الرئيس سوهارتو، ونهب من ثرواتها- حسب ما ذكرته وسائل الإعلام- أكثر من أربعين ألف مليون دولار، ولما فاض الكيل بالناس وبلغ السيل الزبى اندلع العنف، وأصبحت البلاد على حافة الهاوية، كل هذا والرجل لا يريد أن يترك سدة الحكم، رغم تقدمه في السن، ولولا الضغوط الشديدة من الداخل والخارج وبصفة خاصة من أمريكا لأغرق بلاده في بحور من الدماء. فبعد ساعات فقط من نصيحة وزيرة خارجية أمريكا، السيدة مادلين أولبرايت له بترك الحكم، تركه مع أنه كان قبل ذلك بساعات قد أعلن أنه لن يتخلى عنه. أليس مما يبعث على الأسى والحسرة أن تسود الديمقراطية والحرية في أوربا وأمريكا ويسود الاستبداد في أغلب دول العالم الإسلامي، مع أن الإسلام دعوة صريحة إلى

стр. 377

الحرية والكرامة الإنسانية، والشورى الإسلامية أعظم من الديمقراطية الغربية، ويوم أن كانت الشورى الإسلامية مطبقة، وعندما كانت تجد من الحكام من يلتزم بها كان العالم الإسلامي هو العالم الأول على ظهر الأرض، الأول في نظافة الحكم وعدالته، الأول في العلم والمدنية، الأول في الثروة، الأول في التسامح مع الشعوب غير الإسلامية وإشاعة روح الود بين الناس، يقول الإمام الغزالي ﵀: «إن طريقة الإسلام في إدارة دفة الحكم هي التي جعلت الشعوب تفتح له ذراعيها؛ لأن الحكم كان عبادة لله، ولم يكن شهوة نهوم إلى العظمة، أو مفتون بالسلطان، وإدراك أن الحكم مسؤولية مؤرقة هي التي جعلت الخليفة في المدينة المنورة يعد نفسه مسؤولا عن أطراف الدولة البعيدة» . حتى قال عمر: «لو عثرت بغلة في العراق لحسبت عمر مسؤولا عنها: لم لم يسوّ لها الطريق؟» «١» . ويوم أن صاح عمر في أميره على مصر- عمرو بن العاص-: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!» في قضية مشهورة، يوم أن صاح عمر بن الخطاب هذه الصيحة المدوية في الربع الأول من القرن الهجري الأول، النصف الأول من القرن السابع الميلادي، كانت هذه الصيحة غريبة على الناس، فلم يعرف التاريخ حاكما قبل عمر بن الخطاب جرى على لسانه مثل هذه الكلام. ولكنه الإسلام وتربية الرسول ﷺ لصحابته على الحرية والعزة والكرامة هي التي فاضت على هؤلاء الرجال وجعلت هذه الكلمات المباركات تجري على ألسنتهم، ولم تكن كلاما فقط للاستهلاك المحلي، إنما كانت سلوكا وأسلوبا للحكم وسياسة عملية يسوسون بها عباد الله. لقد فهم عمر من كتاب ربه ومن سنة نبيه وصحبته أن الناس يولدون أحرارا، فليس لأحد حق في أن يستعبدهم «٢» . والعجيب أن الغرب لم يصل إلى ما وصل إليه من الديمقراطية والحرية إلا على تلال من الأشلاء وبحور من الدماء، أما المسلمون فقد منحهم الله تعالى الحرية والكرامة والعزة ومنحهم طرازا عاليا من الحكم النزيه هدية من السماء، ولكنهم للأسف لم يصونوا هذه الهبات الإلهية ولم يحافظوا عليها، فالت أحوالهم إلى ما آلت إليه من سوء. كنت أريد أن أتحدث عن المزيد من المشكلات التي يعانيها المسلم في المجتمعات

стр. 378

الإسلامية المعاصرة ولكن أخشى الإطالة من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن هاتين المشكلتين اللتين أشرت إليهما- العلاقات الإسلامية وغياب الديمقراطية الحقيقية وشيوع الاستبداد في الحكم في كثير من بلاد العالم الإسلامي- تأتي من ورائهما كل المشكلات، بل كل المصائب؛ فسوء العلاقات وكثرة المنازعات والخصومات بين كثير من البلاد الإسلامية يبدد طاقات الأمة البشرية والمادية، وكان سببا رئيسيّا في ما يعانيه المسلمون- في كثير من بلاد المسلمين- من بطالة وفقر ومرض ... إلخ. وغياب الديمقراطية والحرية والحكم الاستبدادي أشاع الخوف في قلوب الناس، فالشعوب الخائفة لا تستطيع أن تعمر بلادها ولا أن تبني حضارة، وقديما قال الفيلسوف الإغريقي أرسطو لتلميذه الإسكندر الأكبر عند ما استشاره في كيفية حكم الإمبراطورية التي شادها قال الأستاذ لتلميذه: «يا بني بالقوة تستطيع أن تستولي على رقاب الناس، ولكن هيهات أن تصل إلى قلوبهم إلا بالود والحب؛ لأن الشعوب إذا قدرت أن تقول قدرت أن تفعل، نعم إن الشعوب الحرة التي تستطيع أن تقول رأيها بصراحة ودون خوف، وأن تنتقد الحاكم عند ما يخطئ، هي الشعوب التي تستطيع أن تعمر بلادها وأن تبني حضارة» . يقول الإمام الغزالي: «ومن مميزات الشورى أنها ترد الحاكم إلى حجمه الطبيعي كلما حاول الانتفاخ والتطاول، والجماعات البشرية السنوية فيها رجال كثيرون يوصفون بأنهم قمم. أما البيئة المنكوبة بالاستبداد، فدجاج كثير وديك واحد، إن ساغ التعبير» «١» ويقول: ومع ذلك فإن أرقى ما وصل إليه الغرب في حضارته الإنسانية، أو فن الحكم، لم يزد عما حققته الخلافة الراشدة من أربعة عشر قرنا. قرأت حوارا بين الرئيس كيندي- الرئيس الأسبق للولايات المتحدة- وبين ممثلي بعض الصحف الأمريكية، قال فيه صحافي يتحرى الحقائق لأكبر زعيم في العالم: مستر كيندي، هل رحلة زوجتك إلى أوربا على نفقتك الخاصة أم من مال الدولة؟!! وأدلى كيندى بما عنده دون تأفف- يعني لم يغضب على الصحفي ولم يتهمه بالتطاول «٢» - يقول الإمام الغزالي معلقا على تلك القصة: وذكرت على الفور حوارا مماثلا دار بين عمر بن الخطاب وسلمان الفارسي: قال سلمان لعمر بن

стр. 379

الخطاب: «نرى ثوبك طويلا سابغا، وكلنا كميش الإزار ما حصل أحدنا إلا على ملبس قصير، فمن أين لك هذا؟ وأحس عمر كأنه متهم باستغلال الحكم، فقال: قم يا عبد الله بن عمر فحدث الناس، وقام عبد الله يقول: إن نصيب أبي من الثياب المفرقة لم يكن يغنيه؛ لأنه رجل طوال، فمنحته نصيبي ليكمل حلته ... واتضح الموقف، وقال سلمان: الآن قل؛ نسمع» «١» . في هذا القدر كفاية؛ لأننا لو حاولنا ضرب الأمثلة وتقديم نماذج من مفردات الحكم الإسلامي لضاق بنا المقام، وكذلك لو حاولنا ضرب الأمثلة وتقديم نماذج من مساوئ الحكم الاستبدادي لضاق بنا المقام أيضا؛ ولكني قبل أن أختم هذا البحث المتواضع لا بد أن أقول كلمة أراها ضرورية وهي: إن الغرب الديمقراطي الحر الذي لا ننكر عليه ديمقراطيته ولا حريته، هذا الغرب أناني إلى أبعد الحدود؛ فهو يعرف قيمة الحرية والديمقراطية، وأثرها في رقي الأمم والشعوب ومع ذلك يضن على العالم الإسلامي بها، أعني أنه يقف حجرة عثرة في سبيلها لا يريد أبدا أن تسود الديمقراطية والحرية في العالم الإسلامي؛ لأنها إذا سادت أفرزت حكومات صالحة، وإذا صلح الحكم صلحت كل أوجه الحياة، ومعنى ذلك نهضة إسلامية شاملة وعالم إسلامي قوي سياسيّا واقتصاديّا وعسكريّا، يستطيع أن يدافع عن حقوقه وأن يتمتع بثرواته، وأن تكون له كلمة في شؤون الدنيا، وهذا ما لا يريده الغرب، فما يريده الغرب عالما إسلاميّا ضعيفا ممزقا متناحرا، تسوده الفتن والقلاقل والإرهاب؛ لتسهل السيطرة عليه، ونهب ثرواته والتحكم في مقدراته. نعم إن الغرب يصدر إلى العالم الإسلامي كل شيء إلا الحرية والديمقراطية، فهي السلعة الوحيدة التي يحتكرها لنفسه ولو أردنا أن نذكر أمثلة على تدخلات الغرب لمنع الديمقراطية والحرية من أن تسود في العالم الإسلامي لضاق بنا المقام، ويكفي أن نلفت الأنظار إلى ما يحدث في تركيا حاليا. إلى هنا نقف ونختتم البحث ونقول: وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 380

بحوث في السّيرة النّبويّة والتّاريخ الإسلاميّ قراءة ورؤية جديدة [البحث الثالث عشر] نشأة الاستشراق وتطوره إلى نهاية الحروب الصليبية

стр. 381

نشأة الاستشراق وتطوره إلى نهاية الحروب الصليبية * الخلفية التاريخية للاستشراق: عند ما ظهر الإسلام في مطلع القرن السابع الميلادي، كانت الحرب مستعرة بين إمبراطورية الفرس الساسانيين، والإمبراطورية الرومانية الشرقية- دولة الروم- على أرض الشرق العربي؛ العراق والشام ومصر، وانتهت تلك الحرب بغلبة الروم على الفرس كما تنبأ القرآن الكريم في صدر سورة الروم، واستردت القسطنطينية سيادتها كاملة على الشام ومصر، وتركت معظم العراق للفرس رغم غلبتهم عليهم. في هذه الأثناء كان الرسول ﷺ قد هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وأقام دولته، وبنى جيشه، وانتصر انتصارا كاملا على الوثنية العربية، ودانت له شبه جزيرة العرب، وتوحدت تحت لوائه لأول مرة في تاريخها كله. ولما كانت الرسالة الإسلامية رسالة عالمية، موجهة إلى الجنس البشري كله، وليس للعرب وحدهم، كما يؤكد ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ: ٢٨] ، وقوله: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] ، وقوله: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف: ١٥٨] ، إلى غير ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تثبت عالمية الإسلام، ولما كان الأمر كذلك فقد كان لزاما على النبي ﷺ أن يبلغ رسالة الإسلام إلى الدنيا كلها، وقد فعل، فقد أرسل رسائل إلى كبار ملوك العالم وأمرائه، يدعوهم إلى اتباعه والإيمان برسالته، فأرسل إلى كسرى فارس، وإلى هرقل إمبراطور الروم، وإلى إمبراطور الحبشة، وإلى المقوقس حاكم مصر، وكانت رسائل النبي ﷺ إلى هؤلاء الملوك وغيرهم دعوة سلمية إلى الدخول في الإسلام، ولم ترد في أية رسالة منها كلمة واحدة عن الحرب أو التهديد بها، ولم يقل رسول الله ﷺ لأي من هؤلاء الملوك: إذا لم تسلم سأقتلك، وها هو أنموذج من هذه الرسائل: رسالته إلى هرقل؛ فقد كان نصها كالآتي: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإنّ إثم الأكّارين عليك» «١» .

стр. 382

ولكن الإمبراطور الكبير المنتصر على الفرس، والذي كان يعد أقوى رجل في العالم في ذلك الوقت، ودولته أقوى دولة في الدنيا، عز عليه أن يفارق دينه النصراني ويؤمن بنبي من العرب، مع أنه اعترف بصدق رسالته، فقد روى الطبري أنه جمع كبار أهل مملكته وبطارقته، وقال لهم: «إنه قد أتاني كتاب هذا الرجل يدعوني إلى دينه، إنه والله للنبي الذي كنا ننتظره ونجده في كتبنا، فهلموا فلنتبعه، ونصدقه، فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا» «١» ، لكن قومه لم يطاوعوه. ولو وقف الأمر به وبهم عند عدم الإيمان برسالة الإسلام وتركوا المسلمين يدعون الناس إلى دينهم في حرية وأمان، لما حدثت حروب بينهم وبين المسلمين، ولكن الجيش الرومي العرمرم الذي كان عدده نحو ثلاثمائة ألف، ومعظمه معسكر في الشام لإرهاب الفرس، وتثبيت انتصاراته عليهم. هذا الجيش لم يترك المسلمين في حالهم، بل تدخل ضدهم تدخلا سافرا في غزوة مؤتة سنة (٨ هـ) بدون داع، وكاد يقضي على الجيش الإسلامي قضاء مبرما، لولا مهارة القائد الفذ خالد بن الوليد، الذي استطاع بعبقريته ومهارته العسكرية استخلاص جيشه الصغير- ثلاثة آلاف مسلم- من براثن الجيش الرومي. وتوالت الأحداث بعد ذلك منذورة بصدام لا مناص منه بين المسلمين أصحاب الرسالة التي كلّفهم الله تعالى بتبليغها للناس، وبين دولة الروم التي وقفت لهم بالمرصاد، تسد الطريق أمامهم بإحكام، وبدأ الصدام بعد وفاة الرسول ﷺ ، وفي مطلع خلافة الصدّيق أبي بكر (١١- ١٣ هـ/ ٦٣٢- ٦٣٤ م) ، واستطاعت جحافل الإسلام فتح الشام في سرعة فائقة، بعد سلسلة من المعارك الناجحة، من أهمها اليرموك وأجنادين «٢» ، ثم توج فتح الشام بتسلم الخليفة عمر بن الخطاب نفسه لبيت المقدس، من البطريرك صفرونيوس سنة (١٥ هـ/ ٦٣٦ م) ، ثم اضطرت الظروف المسلمين لتأمين فتوحاتهم في الشام إلى السير إلى مصر وفتحها، ثم تابعوا سيرهم غربا لتحقيق الغرض نفسه، فأكملوا فتح المغرب كله إلى المحيط الأطلسي، ثم عبروا مضيق جبل طارق وفتحوا الأندلس، وأزالوا منها حكم القوط المسيحي، ثم تقدمت الفتوحات الإسلامية وراء جبال البرانس لتصل إلى أواسط فرنسا، ثم ازدادت اتساعا لتستولي على معظم جزر البحر الأبيض المتوسط من

стр. 383

رودس إلى صقلية إلى جنوب إيطاليا، بل إن بعض الغزاة المسلمين حاصر روما ذاتها، العاصمة العتيدة للإمبراطورية الرومانية الكبرى، ومقر البابوية وكنيسة القديس بطرس، أم الكنائس في العالم المسيحي، وكما حاول المسلمون فتح روما، فقد حاولوا فتح القسطنطينية العاصمة الثانية للمسيحية. ومحاولة المسلمين فتح روما والقسطنطينية معا معناه السيطرة الإسلامية على مواطن السيادة النصرانية في عاصمتيها الشرقية والغربية. وإذا كانت العاصمتان العتيدتان قد نجتا من الفتح لفترة من الزمن، فقد كانت خسارة الدولة الرومانية الشرقية أمام المسلمين خسارة فادحة؛ إذ سقطت في أيديهم البلاد التي كانت مهدا للمسيحية، ويسطو سلطانهم على كل الأقطار التي تضم أشهر وأكبر الكنائس في الشرق، مثل كنيسة بيت المقدس، وكنيسة أنطاكيا، وكنيسة الإسكندرية، وكنيسة قرطاجنة، ومن هنا بدأ الحقد النصراني على الإسلام والمسلمين، ولم ينته بعد، وأغلب الظن أنه لن ينقضي إلى نهاية الدنيا، مهما أجرينا معهم من حوارت، وعقدنا معهم من ندوات ومؤتمرات، ومهما جرى الحديث في تلك المؤاتمرت والندوات ناعما، وبدا متسامحا، فإنه لا فائدة ترجى ما دامت القلوب تنطوي على الحقد من جانبهم، بل الاحتقار والازدراء لنا ولعقيدتنا، ونظرتهم دائما نظرة استعلاء وغطرسة. ولقد غذى الاستشراق منذ نشأته- ولا يزال- هذا الحقد في نفوس الأوربيين، ولحق بهم الأمريكان، وجعل جذوته متقدة في النفوس، وليس هناك أمل في أن يزول ذلك الحقد من نفوسهم على الإسلام والمسلمين؛ لأنه متأصل ومبثوث في مناهج التربية والتعليم عندهم، فهم ينشؤون الأطفال على كره الإسلام والمسلمين، وهؤلاء الأطفال الذين ينشؤون على ذلك هم الذين يصبحون حكاما وساسة، ويبدهم القرار السياسي، والصورة أمامنا الآن، وكل شيء يجري أمام عيوننا ونسمعه باذاننا، ولا نلاقي منهم إلا الإذلال والإهانة في كل مكان؛ لأنهم يملكون كل وسائل السيطرة والقوة والهيمنة. وإن الحروب الصليبية التى شنّها الغرب المسيحي ضد العالم الإسلامي، وجنّد لها كل قواه، هذه الحروب كانت تنفيسا عن الحقد الدفين الذي غذاه الاستشراق، الذي كانت نشأته الأولى في الكنائس والأديرة «١» ، ولا شك أن رجال الكنائس

стр. 384

والرهبان هم أشد حقدا على الإسلام والمسلمين، وكل مؤلفاتهم لتشويه صورة الإسلام في نظر الغربيين. وإذا كانت الحروب الصليبية قد فشلت في تحقيق أهدافها العسكرية كما هو معروف، وأن قوة إسلامية فتية قد بزغت بعد ذلك بقليل منذ مطلع القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي في إقليم الأناضول؛ وهي الإمارة العثمانية التي تحولت بسرعة إلى دولة ثم إمبراطورية «١» متوسعة على حساب أراضي الدولة الرومانية الشرقية، ثم فتحت معظم أوربا الجنوبية الشرقية، وتوجت ذلك بفتح القسطنطينية سنة (٨٥٧ هـ/ ١٤٥٣ م) ، وبذلك قضت تماما على تلك الدولة المسيحية العتيدة، التى كانت تمثل الفخر والاعتزاز لكثير من الأوربيين، ولا شك أن سقوط الدولة الرومانية الشرقية وعاصمتها في قبضة العثمانيين قد أوجد شعورا بالمهانة والمذلة في كل أوربا، ولا سيما وأن الخطر العثماني قد تعاظم، وأخذ يهددهم تهديدا شديدا، وأثار الرعب في نفوسهم لأكثر من قرنين من الزمان، وأوشك العثمانيون على الاستيلاء على فيينا، ثم أخذ التاريخ يغير مساره، فتكالبت كل دول أوربا على الدولة العثمانية، وظلت توالي الضغط عليها، حتى قضت عليها في نهاية الحرب العالمية الأولى سنة (١٩١٨ م) واقتسمت دول أوربا الكبرى المنتصرة في الحرب- وبصفة خاصة انجلترا وفرنسا- ممتلكات الدولة العثمانية في الشرق. وفي نفس التوقيت تقريبا الذي بدأ فيه الضغط الأوربي على الدولة العثمانية، كانت الكنيسة الكاتوليكية في روما وراء طرد المسلمين من أسبانيا، والقضاء على وجودهم الذي دام هناك نحو ثمانية قرون، ولم يكتف البرتغاليون والأسبان بطرد المسلمين من الأندلس، والتنكيل بهم في وحشية وهمجية، بل أخذوا يلاحقونهم إلى الشمال الإفريقي. ثم كان اكتشافهم لطريق رأس الرجاء الصالح في نهاية القرن الخامس عشر الميلادى، وتطويق العالم الإسلامي من الخلف، كل ذلك بتحريض سافر من الكنيسة، ونجح الأوربيون في إحكام سيطرتهم على العالم الإسلامي منذ ما يقرب من خمسة قرون، ولا تزال تلك السيطرة مستمرة، بل ازدادت ضراوة وقسوة بفضل التقدم المذهل في الاختراعات العسكرية، ووسائل التجسس والاتصالات وجمع المعلومات، ولم يحدث أن أحس المسلمون بالذل والهوان وفقدان الكرامة

стр. 385

كما يحسون هذه الأيام من عدو لا يرحم، ومظاهر هذا كله بادية للعيان ولا تخفي على أحد. * دور المستشرقين المتعصبين في تشويه صورة الإسلام في الغرب: هذه هي الخلفية التاريخية التي تحكم العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب، والتي نما فيها الاستشراق وترعرع، وكان له دور بارز في إذكاء روح العداء بين الإسلام والغرب المسيحي. ومما لا ريب فيه أن معظم المستشرقين كان يعمد عمدا إلى تصوير الإسلام، ورسوله محمد ﷺ ، تصويرا بشعا، ويرسم له صورة منفرة، وأنه دين بدائي وعدواني، ويتسم بالقسوة والوحشية، وجل بحوث المستشرقين ومؤلفاتهم، والتي تعد بالآلاف، تدور حول تركيز وتكريس الصورة السابقة في ذهن القارئ الغربي، ولقد نجحوا في ذلك حتى أصبح كره الإسلام والمسلمين والحقد عليهم شيئا مركوزا في الشخصية الأوربية، وعلى جميع المستويات. ولقد كتب المستشرقون كثيرا جدّا من الكتب والمقالات لجماهير قرائهم الغربيين، وتناولوا كل شيء يخص الإسلام والمسلمين في ماضيهم وحاضرهم، يقول العلامة المحقق الكبير الأستاذ محمود محمد شاكر ﵀: «كتبوا في القرآن، وفي حديث رسول الله ﷺ وسيرته، وفي تفسير القرآن، وفي الفقه، وفي تفاصيل شرائع الإسلام، وفي تاريخ العرب والمسلمين، وفي تراجم رجال الإسلام، وفي الفرق الإسلامية، وفي الفلسفة عند المسلمين، وفي علم الكلام، وفي كل ما ذكرت وما لم أذكر، كتبوا وألفوا وصنفوا، لكن لهدف واحد لا غير؛ هو تصوير الثقافة العربية الإسلامية وحضارة العرب والمسلمين بصورة مقنعة للقارئ الأوربي، وبأسلوب يدل على أن كاتبها قد خبر ودرس وعرف وبذل كل جهد في الاستقصاء، وعلى منهج علمي مألوف لكل مثقف أوربي، وأنه وصل إلى هذه النتيجة التى وضعها بين يديه، بعد خبرة طويلة، وعرق وجهد وإخلاص، حتى لا يشك قارئ في صدق ما يقرؤه، وأنه هو اللباب المصفّى من كل كدر، والمبرأ من كل زيف، وأنه الحق المبين، والصراط المستقيم. كان جوهر هذه الصور المبثوث تحت المباحث كلها هو أن هؤلاء العرب المسلمين هم في الأصل قوم بداة جهال لا علم لهم، جياع في صحراء مجدبة، جاءهم رجل من أنفسهم فادّعى أنه نبي مرسل، ولفق لهم دينا من اليهودية والنصرانية، فصدقوه

стр. 386

بجهلهم واتبعوه، ولم يلبث هؤلاء الجياع أن عاثوا بدينهم هذا في الأرض فسادا يفتحونها بسيوفهم، حتى كان ما كان، ودان لهم من غوغاء الأمم من دان، وقامت لهم في الأرض بعد قليل ثقافة وحضارة جلها مسلوب من ثقافات الأمم السابقة، كالفرس والهند واليونان وغيرهم، حتى لغتهم كانت مسلوبة وعالة على العبرية والسريانية والآرمية والفارسية والحبشية، ثم كان من تصاريف الأقدار أن يكون علماء هذه الأمة العربية من غير أبناء العرب (الموالي) ، وأن هؤلاء هم الذين جعلوا لهذه الحضارة كلها معنى. هذا هو جوهر الصورة التي بثها المستشرقون في كل كتبهم عن دين الإسلام، وعن علوم أهل الإسلام، وفنونهم، وآثارهم وحضارتهم، وأن هذه الحضارة إنما هي إحدى حضارات القرون الوسطى المظلمة، بثوا تلك الصورة في كل كتبهم، بمهارة وحذق وخبث مغرق، وبأسلوب يقنع القارئ الأوربي المثقف الآن كل الإقناع، وتنحط في نظره حضارة الإسلام وثقافته، انحطاط القرون الوسطى، ويزداد بذلك زهوا؛ فإن أسلافه من اليونان والأوربيين كانوا هم ركائز هذه الحضارة المزيفة الملفقة دينا ولغة وعلما وثقافة وأدبا وشعرا، ويزداد الأوربي- أيّا كان- غطرسة وتعاليا وجبرية، ولا يرى في الدنيا شيئا له قيمة إلا وهو مستمد من أسلافه الأوربيين» «١» . وإذا كان أحد يرتاب في هذا الكلام، ويدعي أنه رأي عالم مسلم متحامل على المستشرقين، فإليك أنموذجا من كلامهم وآرائهم في الإسلام والمسلمين. يقول المستشرق الفرنسي كيمون في كتاب له بعنوان «باثالوچيا الإسلام» : «إن الديانة المحمدية جذام تفشى بين الناس، وأخذ يفتك بهم فتكا ذريعا، بل هي مرض مريع وشلل عام، وجنون ذهولي يبعث بالإنسان على الخمول والكسل، ولا يوقظه منها إلا سفك الدماء، أو يدمن على معاقرة الخمر، ويجمح في القبائح، وما قبر محمد إلا كعمود كهربائي يبعث الجنون في رؤوس المسلمين، ويلجئهم إلى الإتيان بمظاهر الصرع العامة، والذهول العقلي» «٢» . هذا هو علم معظم المستشرقين، وهذه هي آراؤهم ونظرتهم إلى الإسلام ورسوله ورسالته، وهذه النظرة الحاقدة الظالمة هي التي ترسبت في الذهنية الأوربية إلى يوم الناس هذا، وحتى إذا وجد بعض المصنفين من المستشرقين، الذين قالوا كلمة الحق

стр. 387

عن الإسلام ورسوله وحضارته، فإن أصواتهم قد ضاعت تماما وسط الركام الهائل من الحقد والكراهية للإسلام والمسلمين. * بداية الاستشراق: الاستشراق- دون الدخول في تفاصيل طويلة- تحدد المفهوم الجغرافي لكلمة الشرق التي اشتق منها المصطلح، ولأننا نعدها كلمة ذات مدلول حضاري أكثر منها ذات مدلول جغرافي، ولأننا نرى أن الأندلس (شبه جزيرة أيبريا) وإن كانت تعد من الغرب جغرافيّا، فهي تنسب إلى الشرق حضاريّا أثناء الوجود العربي الإسلامي فيها، والذي استمر نحوا من ثمانية قرون، كانت خلالها مركزا متقدما من مراكز الحضارة العربية الإسلامية، وعلى هذا الأساس نعد الذين يتناولون الحضارة الإسلامية في الأندلس مستشرقين، حتى ولو كانوا من أبناء الأسبان أنفسهم. لكل هذا نقول: إن الاستشراق هو حركة أو ظاهرة أو مصطلح علمي قديم، تناول جميع الدراسات المشرقية بصفة عامة، والدراسات العربية والإسلامية بصفة خاصة، والمستشرقون هم أولئك العلماء- رجالا ونساء- الذين كرسوا حياتهم للدراسات الشرقية، ولأغراض متباينة، والذي يهمنا هنا هو الاستشراق الخاص بالدراسات العربية والإسلامية، وقد تناول هؤلاء المستشرقون الإسلام عقيدة وشريعة وحضارة من جميع النواحي، كما سبقت الإشارة. وإذا كان الاستشراق قد بدأ في الأوساط الدينية، وفي الكنائس والأديرة، ومن منطلق البغض والتعصب والحقد على الإسلام ورسوله ورسالته، وتأثرا بالخليفة التاريخية التي أفضنا في الحديث عنها في مطلع هذا البحث، أقول: إذا كان الاستشراق قد بدأ هذه البداية العدائية الضيقة الأفق، إلا أنه أخذ يتطور ويتسع نطاقه بمرور الزمن، حتى عم كل أرجاء أوربا، ثم العالم الجديد فيما بعد، بحيث لا تكاد توجد جامعة أو معهد علمي في كل أوربا وأمريكا الآن إلا وهي تضم قسما أو أكثر للدراسات العربية والإسلامية. والذي يطالع بعض الكتب والأبحاث التي ترجمت للمستشرقين فقط، وذكرت أسماءهم وعناوين مؤلفاتهم، مثل كتاب «المستشرقون» للأستاذ نجيب العقيقي، وهو في ثلاثة مجلدات كبار، ويزيد عدد صفحاته على ألف وخمسمائة صفحة، يدرك كثرة عدد المستشرقين كثرة هائلة، فهم يعدون بالآلاف، وليس بالمئات، مع أن هذا الكتاب ألف منذ عشرات السنين، ولم يستوعب كل شيء بطبيعة الحال عن المستشرقين،

стр. 388

ومن هذا القبيل كتب أصغر حجما وتعنى بالتأريخ للاستشراق والمستشرقين، في أقطار معينة، مثل دراسة المستشرق الألماني رودي بارت بعنوان «الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية» ، ودراسة الدكتور إسحاق موسى الحسيني بعنوان «علماء المشرقيات في انجلترا» ... إلخ، من يطالع هذه الكتب وأمثالها يدرك حجم واتساع حركة الاستشراق، وأنها وإن بدأت ضيقة الأفق في الأوساط الكنسية والديرية، إلا أنها بدأت تتخلص من بعض النظرات المتعصبة الحاقدة، وبدأنا نقرأ أبحاثا فيها كثير من الإنصاف للإسلام ورسوله وحضارته، بل بدأنا نرى علماء كثيرين في الغرب يعترفون صراحة بفضل الحضارة العربية الإسلامية على الحضارة الأوربية، وأنها كانت الأساس والشرارة التي انطلقت منها النهضة الأوربية، ومن هذا القبيل كتاب المستشرقة الألمانية سيجريد هونكه «شمس الله تسطع على الغرب» . لكن للأسف الشديد، وعلى الرغم من تحرر كثير من المستشرقين من نظرة الحقد والتعصب على الإسلام في كتاباتهم وأبحاثهم، إلا أن ذلك كله ظل في دائرة العلماء والأوساط الأكاديمية، وظلت الصورة الشائعة الكريهة التي رسمتها الأبحاث المتعصبة هي الباقية والمترسبة في الذهنية الأوربية بصفة عامة، فنظرة الرجل الأوربي العادي إلى الإسلام، وكل من وما ينتمي إليه نظرة يحكمها الاستعلاء والازدراء؛ لأن مناهج التعليم التي يتلقاها الأطفال في أوربا وأمريكا حافلة بكل ما يحقر من الإسلام والمسلمين، فعندما يشب هؤلاء الأطفال، وينهون دراساتهم، ويصبحون رجالا في مواقع المسؤولية وإصدار القرار؛ فإنهم لا يستطيعون انفكاكا من الصورة القبيحة التي تلقوها عن الإسلام في مراحل التعليم المختلفة، فتكون تصرفاتهم وقراراتهم فيما يتعلق بعلاقاتهم بالعالم الإسلامي محكومة بصفة عامة بهذه الخلفية، ولا تؤثر فيها مطلقا الدراسات المنصفة؛ لأنها تجد الرواج على نطاق واسع، ويبدو أن الأمر متعمد، والدلائل على ذلك لا حصر لها. نعود إلى الحديث عن بداية الاستشراق والدراسات الاستشراقية، تلك البداية التي لم يحسم القول فيها حتى الآن، وإن كنا نتفق مع من يرى أنها تعود إلى بدايات ظهور الإسلام، واحتكاكه بالعالم المسيحي الذي بدأ أولا في ساحات القتال كما أشرنا فيما سبق. ولقد بدأ الاستشراق في الشرق نفسه قبل أن يبدأ في الغرب، وعلى أيدي رجال اللاهوت المسيحي في الكنائس والأديرة، فالقديس يوحنا الدمشقي (٨٠- ١٣٧ هـ/ ٧٠٠- ٧٥٥ م) الذي كان واحدا من كبار رجال الكنيسة في الشام،

стр. 389

وكان قريبا من البلاط الأموي، إلا أنه كان شديد البغض للإسلام والمسلمين، ولعله أول من بدأ في التشكيك في الإسلام، وهز صورة النبي ﷺ والإساءة إليه، فقد لقن أنصاره قصصا وأخبارا ملفقة ومزورة عن النبي ﷺ ، وروجوها على نطاق واسع حتى وجدت طريقها إلى كتب التفسير، وبصفة خاصة زواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة ﵁، فقد زعموا- زورا وبهتانا- أن ذلك الزواج كان وراءه قصة عشق بين النبي ﷺ وبين زينب «١» كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [الكهف: ٥] . وهذه الفرية التي ابتدعها ولفقها ذلك النصراني الحاقد راجت للأسف الشديد، وقبلها مفسر كبير كابن جرير الطبري، وتناقلها عنه غيره، فكانت أعظم فرية افتريت على رسول الله ﷺ ، وتجافي تماما خلقه، وما طبع عليه من الطهر والعفة، ولم يثبت في الصحاح شيء من هذا، ولم ينقل عن أحد من الصحابة بطريق مقبول، وهذا الذي لفقه يوحنا الدمشقي صورة مصغرة من تلفيقات رجال اللاهوت المسيحي لتقويض أسس العقيدة الإسلامية، فالسلطات الكنسية شرعت منذ وقت مبكر تهاجم بالجدل والمناظرات أسس العقيدة الإسلامية بأسلحة فكرية عن طريق انتشار الثقافات، بما تحمله من الدس والشبهات، والثقافات في الحقيقة تغزو المجتمعات، وقد يكون غزوها أشد فتكا من غزو الجيوش العسكرية. يقول المستشرق الفرنسي ألفريد غيوم- في مقال له بعنوان «الفلسفة وعلم الكلام» : «وبمرور الزمن أسلم الكثير من اليهود والنصارى تخلصا من الجزية التي كانت تجبى من الموحدين، من أهل الكتاب من غير المسلمين، فهؤلاء الذين دخلوا كنف الدين- الإسلامي- حملوا معهم ثقافة الإمبراطورية البيزنطية، وثقافة اليونان، وهذه الانشقاقات الواسعة أفزعت السلطات الكنسية، فشرعت تهاجم بالجدل والمناظرات أسس العقيدة الإسلامية» . ثم يستطرد قائلا: «فالقديس يوحنا الدمشقي كان يستطيع أثناء مناظراته إفحام مناظريه المسلمين ببراهين ثابتة مطواعة.... كان يوحنا وأمثاله يجادلون بحرارة شديدة، ويستدلون بالإسرائيليات، فإذا وجدوا الفرصة سانحة دسوا ما يريدون دسه على المسلمين، وربما اتخذوا من الروايات الإسرائيلية التي تقول: إن داود

стр. 390

عليه السلام أحب زوجة قائده أوريا، وإنه عمل على التخلص منه حتى قتل، فتزوجها داود بعده، ربما عملوا مقارنات ومعادلات بينها وبين ما زعموه في قصة زواج النبي ﷺ من زينب» «١» . هذا الذي لفقه وزوره يوحنا الدمشقي؛ الذي يوصف بالقديس، عن النبي ﷺ في زواجه من زينب بنت جحش قد يظنه بعض الناس أمرا هينا، ولكنه عند الله عظيم، فهو تشويه لصورة النبي ﷺ الذي يعد المثل الأعلى لكل مسلم، وإذا شوهت صورة النبي المعصوم، فماذا يبقى للمسلمين من قيم وأخلاق؟!. يقول الأستاذ عباس محمود العقاد في هذا الصدد «٢» : «وما اتفق خصوم الإسلام عن سوء نية على شيء كما اتفقوا على خطة التبشير في موضوع زواج النبي ﷺ على الخصوص، فكلهم يحسب أن المقتل الذي يصاب منه الإسلام في هذا الموضوع هو تشويه سمعة النبي ﷺ ، وتمثيله لأتباعه في صورة معينة، لا تلائم شرف النبوة، ولا يتصف صاحبها بفضيلة الصدق في طلب الإصلاح، وأي صورة تغنيهم في هذا الغرض الأثيم كما تغنيهم صورة الرجل الشهواني الغارق في لذات الجسد، العازف في معيشته البيتية ورسالته العامة عن عفاف القلب والروح؟! وإنهم لعلى صواب في الخطة التي تخيروها لإصابة الإسلام في مقتل من هذا الطريق الوجيز، وإنهم لعلى أشد الخطأ في اختيارهم هذه الخطة بعينها، إذ إن جلاء الحقيقة في هذا الموضوع أهون شيء على المسلم العارف بدينه، المطلع على سيرة نبيه، فإذا بمقتله المظنون حجة يكتفي بها المسلم، ولا يحتاج إلى حجة غيرها لتعظيم نبيه، وتبرئه دينه من قالة السوء الذي يفترى عليه، فلا حجة للمسلم على صدق محمد ﷺ في رسالته أصدق من سيرته في زواجه وفي اختيار زوجاته، وليس للنبوة آية أشرف من آيتها في معيشة نبي الإسلام من مطلع حياته إلى يوم وفاته، ما الذي يفعله الرجل الشهواني الغارق في لذات الجسد إذا بلغ من المكانة والسلطان ما بلغه محمد في قومه؟ لم يكن عسيرا عليه أن يجمع إليه أجمل بنات العرب، وأفتن جواري الفرس والروم على تخوم الجزيرة العربية، ولم يكن عسيرا عليه أن يوفر لنفسه ولأهله من الطعام والكساء والزينة ما لم يتوفر لسيد من سادات الجزيرة في زمانه، فهل فعل محمد ذلك بعد نجاحه؟ هل فعل ذلك في مطلع حياته؟ كلا لم يفعله قط، بل
следующие страницы →