← История

История · id 9899

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

عبد الشافى محمد عبد اللطيف

Полный текст (404 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[بحوث في السيرة النبوية والتأريخ الإسلامي] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد: فهذا الكتاب الذي بين يديك أيها القارئ الكريم يحتوي على مجموعة من البحوث في السيرة النبوية المطهرة، والتاريخ والفكر الإسلامي، أعدت بصورة مركّزة وبقراءة ورؤية جديدة لموضوعاتها، بعضها نشر في مجلات علمية، وبعضها ألقي في ندوات ومؤتمرات علمية محلية ودولية. ونظرا لأنها مبعثرة في العديد من المجلات وأعمال الندوات فقد رأيت- وأرجو أن أكون على صواب- أنّ جمعها. في كتاب واحد قد يكون أكثر فائدة للعلم والمعرفة. وقد ظهرت هذه البحوث على فترات زمنية متباعدة، تزيد على ربع قرن من الزمان، وقد اقتضت طبيعة ترتيبها في هذا الكتاب ألّا نقتفي أثر ظهورها زمنيّا، فقد اختلف الترتيب هنا، وروعي فيه قرب البحوث من بعضها موضوعيّا بقدر الإمكان. وقد بدأتها هنا بالبحث الذي يحمل عنوان: «أوائل المؤلفين في السيرة النبوية» وهو آخرها ظهورا فقد نشر في العام الماضي (١٤٢٦ هـ/ ٢٠٠٥ م) . وكان استهلالا طيبا ومباركا؛ لأنه يتحدث عن بداية التفكير في تدوين أحداث السيرة النبوية المطهرة، واهتمام الصحابة رضى الله عنهم والتابعين بها، فهي خير ما يجب أن يتدارسه المسلمون، ويعنى به الباحثون، ففيها ما ينشده المسلم طالب الكمال في الدين والدنيا، فهي المدرسة النبوية التي تخرج فيها أعظم النماذج البشرية، والجيل الفريد من أصحاب رسول الله ﷺ . فكان منهم الخليفة الراشد، والقائد الفذ، والبطل الفاتح، والسياسي الحصيف، والفقيه الكبير، والإداري القدير، والتاجر الناجح، والزارع، والصناع؛ الذين يؤمنون بأن العمل عبادة، بل كان منهم المحتطب الذي يرى في الاحتطاب عملا شريفا يرفع عنه ذل السؤال، لكل هذا- وغيره كثير- كان اهتمام المسلمين بسيرة النبي ﷺ منذ عصر الصحابة والتابعين وإلى يوم الناس

стр. 2

هذا، وسيظل إلى أن تنتهي الحياة على هذه الأرض؛ لأنهم بهرتهم أعمال الرسول ﷺ وجهاده وقدرته الفائقة على العمل والبناء وتعمير الحياة. ففي غضون عقدين من الزمان تقريبا بلّغ الرسالة الإسلامية العالمية الخالدة وأدّى الأمانة، وأسس دولة وأنشأ حضارة، ووحّد أمة وربّاها على الخلق القويم وهيأها لتفتح معظم العالم المعمور آنئذ وتملأه عدلا ورحمة وبرّا وسماحة. فكان علينا أن ننوه بفضل وجهود العلماء الذين أسدوا لنا هذه المكرمة الجليلة، ونقلوا لنا سيرة رسولنا ﷺ موثقة غاية التوثيق، مما سيراه القارئ الكريم في ثنايا البحث. البحث الثاني: وعنوانه: «صدى الدعوة في مدن الحجاز- غير مكة- كالطائف والمدينة» وقد ألقي في الندوة العالمية الثالثة لتاريخ شبه الجزيرة العربية «عصر الرسول والخلفاء الراشدين» التي نظمتها جامعة الملك سعود بالرياض بالمملكة العربية السعودية في الفترة من (١٥- ٢١ محرم ١٤٠٤ هـ/ ٢١- ٢٧ أكتوبر ١٩٨٣ م) . وطبع في أعمال تلك الندوة وقد عنيت في هذا البحث ببيان الحالة الدينية في شبه جزيرة العرب بصفة عامة، وفي الحجاز بصفة خاصة قبل ظهور الإسلام، ثم وضحت موقف أهل الطائف- قبيلة ثقيف- من الدعوة الإسلامية، والأسباب التي جعلتهم يقفون ذلك الموقف العدائي من الرسول ﷺ وبصفة خاصة عندما ذهب إليهم في ديارهم- فحتى بعد أن فتحت مكة المكرمة وأسلم أهلها، ظل أهل الطائف على عنادهم ما يقرب من عام قبل أن يعلنوا إسلامهم. ثم بيّنت موقف أهل يثرب- المدينة المنورة- الأوس والخزرج من الدعوة الإسلامية، وأسباب التحول الذي حدث في موقفهم، وجعلهم يقتربون من النبي ﷺ ، ويؤمنون به ويبايعونه على نصرته ويستقبلونه في بلدهم، ويضحون من أجل دعوته بأنفسهم وأموالهم، ووضّحت أثر اليهود في هذا التحول. البحث الثالث: وعنوانه: «العلاقات بين المسلمين وقريش من الهجرة إلى بدر» وقد نشر في مجلة كلية العلوم الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. العدد الرابع سنة (١٤٠٠ هـ/ ١٩٨٠ م) . في هذا البحث وضحت الخطوط الرئيسية لسياسة الرسول ﷺ بعد الهجرة نحو قريش، عدوه الرئيسي في تلك المرحلة، وأبرزت النشاط العسكري والسياسي الذي بذله ﷺ في تلك الفترة

стр. 3

القصيرة- نحو عام ونصف- وظهر لي أن هدف هذه السياسة هو محاصرة قريش التي ما فتئت تلاحق المسلمين في مهاجرهم، وتكيد لهم، وتؤلب عليهم مشركي يثرب ويهودها. أقول: محاصرة قريش لا بهدف إهلاكها؛ بل بهدف ترويضها وحملها على تغيير موقفها من الدعوة الإسلامية، فكثف من حملاته العسكرية- خرجت من المدينة فيما بين الهجرة وبدر ثمان حملات عسكرية أربع غزوات وأربع سرايا- وكان الهدف هو تحييد القبائل القاطنة في المنطقة الساحلية الواقعة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، مثل: خزاعة وجهينة وضمرة ... إلخ؛ لأن هذه القبائل كان لها بقريش علاقات وطيدة، لكن النبي ﷺ نجح في الارتباط معها بعدد من المعاهدات كان لها أثر كبير حين حان اللقاء الحاسم في بدر الكبرى. البحث الرابع: وعنوانه: «العلاقات بين المسلمين والروم في ضوء غزوة تبوك» . في هذا البحث نوّهت بالعلاقات بين المسلمين والروم في العهد المكي من الدعوة الإسلامية، ووضحت أن المسلمين أظهروا نحو الروم ودّا واضحا أثناء حربهم مع الفرس وتعاطفوا معهم؛ لأنهم أهل كتاب، وأحزنهم أن الفرس كانوا منتصرين على الروم في البداية، ولكن الله طمأنهم في صدر سورة الروم أن النصر سيكون حليف الروم في النهاية ويومئذ سيفرح المؤمنون بنصر الله. وهذا يؤكد أن الإسلام من خلال نصوص القرآن الكريم كان يود أن تقوم بين المسلمين والروم علاقات وديّة، لا بين المسلمين والروم فحسب بل بين المسلمين وأهل الكتاب على وجه الإجمال؛ والدليل على ذلك: أن الرسول- ﵊ حين نصح بعض أصحابه أن يهاجروا من مكة فرارا من اضطهاد أهلها لهم، سألوه: إلى أين يا رسول الله؟ قال ﷺ : «إلى الحبشة» ، فسألوه مرة أخرى: ولماذا الحبشة؟ قال: «لأنها بلاد صدق وفيها ملك لا يظلم عنده أحد» وهذا الملك كما هو معروف كان مسيحيّا وهو النجاشي. فإذا أضفنا إلى ذلك الرسائل السلمية الودية التي أرسلها النبي ﷺ إلى الإمبراطور هرقل، إمبراطور الروم وأكبر عاهل مسيحي على وجه الأرض في ذلك الزمان؛ تأكد لنا مرة أخرى أن الإسلام كان ينشد إقامة علاقات ود وحسن جوار مع الروم وكل أهل الكتاب، وكان من المفترض أن يحدث ذلك، لكن الذي حدث هو

стр. 4

العكس؛ الصدام والعداء، وسيرى القارئ الكريم من خلال هذا البحث- وغيره من البحوث- على من تقع مسؤولية ذلك الصدام وذلك العداء. البحث الخامس: وعنوانه: «الإدارة في عهد النبي ﷺ » ، وقد ألقي في الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، في الموسم الثقافي (١٩٨٢- ١٩٨٣ م) وكان ردّا على محاضرة ألقاها في نفس الموسم الأستاذ الدكتور حسين مؤنس- رحمه الله تعالى- فاجأ الحاضرين وقتها بأفكار غريبة غاية الغرابة، وشاذة غاية الشذوذ عما تعارف عليه المسلمون عبر أربعة عشر قرنا من الزمان، حيث أنكر أن يكون الرسول- ﵊ قد أقام دولة إسلامية في المدينة بعد الهجرة، وادعى أن الإسلام لا يدعو إلى إقامة دولة، وكل ما عمله الرسول ﷺ في المدينة هو بناء مجتمع إسلامي، ولا أدري كيف يكون هناك مجتمع بدون حكومة ودولة؟!. على كل حال قوبل هذا الرأي الغريب بإنكار واستنكار شديدين من جميع الحاضرين، وتصدّى للأستاذ المحاضر الدكتور عبد العزيز صالح أستاذ التاريخ القديم بجامعة القاهرة ﵀ وفنّد كل ما أدلى به الدكتور حسين مؤنس من آراء وحجج، ثم طلب مني أن أعد بحثا للرد على هذا فكان هذا البحث الذي أكدت فيه من خلال نصوص القرآن الكريم وأحاديث الرسول ﷺ وتصرفاته العملية أن الإسلام دين ودولة، وأن الرسول- ﵊ قد أقام هذه الدولة في المدينة المنورة، وأنه كان يباشر كل مهمات رئيس الدولة، وفي غضون السنوات العشر التي أقامها في المدينة اكتملت لدولته كل مقومات الدولة وأجهزتها ومؤسساتها الدفاعية والأمنية والإدارية والإعلامية ... إلخ. وقد نشر هذا البحث في مجلد ضم المحاضرات التي ألقيت في الجمعية من (١٩٧٨- ١٩٨٣ م) . البحث السادس: وعنوانه: «دولة الإسلام وعلاقاتها الدولية في عهد النبي ﷺ » وقد نشر في مجلة كلية العلوم الاجتماعية بالرياض- سبق ذكرها- في العدد الثاني سنة (١٣٩٨ هـ- ١٩٧٨ م) ، وهذا البحث يختلف في مضمونه وهدفه عن البحث السابق؛ فالبحث السابق يتحدث عن البنية الداخلية للدولة الإسلامية، وهذا البحث يتحدث عن علاقاتها الخارجية، منطلقا من أن الدعوة الإسلامية دعوة عالمية، والدولة الإسلامية التي قامت على أساس الشريعة الإسلامية

стр. 5

لا بدّ أن تكون لها علاقات مع غيرها من الدول غير الإسلامية، وأن تكون لهذه العلاقات أسس وقواعد ثابتة، وأهم تلك الأسس والقواعد: أن علاقات المسلمين بغيرهم تقوم على السلام؛ فالسلام هو الأصل، وأن كل عهد أن اتفاق يتم بين المسلمين وغيرهم لا بدّ من الوفاء به وفاء تامّا. وسيرى القارئ من خلال هذا البحث كيف صاغت الدولة الإسلامية علاقاتها الخارجية منذ عهد الرسول ﷺ . البحث السابع: وهو البحث الأول من مجموعة التاريخ وعنوانه: «قراءة تاريخية جديدة في موقف عمر بن الخطاب رضى الله عنه من الفتوحات الإسلامية» وقد ألقي في سيمنار التاريخ الإسلامي في كلية الآداب جامعة عين شمس في الموسم الثقافي لقسم التاريخ بها سنة (١٩٩٣/ ١٩٩٤ م) . ثم نشر في مجلة كلية اللغة العربية بالقاهرة، العدد الثالث عشر سنة (١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥ م) . وهذا البحث كما سيرى القارئ الكريم كان ردّا على ما قاله بعض أساتذة التاريخ في ندوة لاتحاد المؤرخين العرب بالقاهرة في نوفمبر سنة (١٩٩٣ م) عن الفتوحات الإسلامية، وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه بالذات وتوجيهه لتلك الفتوحات، وأنه كان رجلا ارتجاليّا يتخذ قراراته بدون تمحيص، وبصفة خاصة في موقفه من إنشاء أسطول إسلامي يحمي شواطئ المسلمين من هجمات أعدائهم، حيث كان يجهل أمر البحر، الأمر الذي جعله يحظر إنشاء أساطيل إسلامية- هكذا فهم أستاذ التاريخ- وقد أدهشني أن بعض أساتذة التاريخ بعد كل تلك القرون يجهل أسباب وأهداف الفتوحات الإسلامية، ويتهم عمر بن الخطاب بالجهل، ولما كان هذا الرأي غريبا فقد استنكره كثيرون غيري، ثم طلب منّي أحد أساتذة التاريخ في كلية الآداب بجامعة عين شمس أن أعد بحثا لتوضيح هذه الأمور فكان هذا البحث. البحث الثامن: وعنوانه: «دور المصريين في إنشاء البحرية الإسلامية» هذا البحث نشر في كتاب تذكاري أصدره المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة سنة (١٤٢٤ هـ/ ٢٠٠٣ م) بمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على الفتح الإسلامي لمصر، وقد أبرزت فيه دور المصريين المسيحيين في إنشاء الأساطيل البحرية الإسلامية- عندما دعت الضرورة إلى ذلك؛ لأنهم أصحاب خبرة طويلة وعميقة في صناعة السفن الحربية، ولم يقتصر دور المصريين على صناعة السفن للأسطول المصري، بل وقع عليهم عبء بناء أساطيل الشام وشمال إفريقيا، وقد قاموا بهذا

стр. 6

العمل العظيم بكل اقتدار وأمانة وإخلاص؛ لأنهم وجدوا من الدولة الإسلامية كل تقدير واحترام وتسامح وسخاء في الأجور والمرتبات. البحث التاسع: وعنوانه: «الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر وانتشار الإسلام هناك» ألقي هذا البحث في ندوة عقدت في رحاب جامعة الأزهر عن الإسلام في آسيا الوسطى. وفيه ألقيت الضوء على أحوال سكان تلك البلاد قبل الفتح الإسلامي لها، ثم على أسباب ودوافع ذلك الفتح، والجهود التي بذلها المسلمون في انتشار الإسلام، وكيف تحولت تلك البلاد من الوثنية إلى الإسلام، بل وتحمست له وتولت نشره فيما جاورها من بلاد- مثل الصين- وكيف رسخ الإسلام في تلك البلاد رسوخ الجبال، وأصبحت من أهم مراكز الحضارة الإسلامية، ومنها خرج أعظم علماء المسلمين في شتّى العلوم. البحث العاشر: وعنوانه: «تبادل الوفود والهدايا بين خلفاء المسلمين والأباطرة البيزنطيين» وقد ألقي في الندوة العلمية التي عقدت في رحاب جامعة فلورنسا بإيطاليا بالاشتراك مع جامعة الأزهر (في المحرم ١٤١٨ هـ/ مايو ١٩٩٧ م) تحت عنوان: «الإسلام وأوربا ثلاثة عشر قرنا من التاريخ المشترك» وجاءت محاولة من المحاولات الكثيرة التي تبذل في هذه الأيام للتقريب بين العالمين الإسلامي والمسيحي، وإزالة الجفاء وسوء الفهم لمصلحة الجميع. وقد أسهمت في تلك الندوة بهذا البحث الذي قامت فكرته الأساسية على أن العلاقات بين المسلمين والبيزنطيين لم تكن دائما علاقات حروب وصدامات على الحدود، بل قامت بينهم علاقات متنوعة من الود وتبادل المنافع والخبرات في شتّى المجالات، وتبادل الوفود والهدايا والمجاملات في كثير من المناسبات. البحث الحادي عشر: وعنوانه: «الأمويون ودورهم في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس» أعد هذا البحث ليلقى في المؤتمر الدولي الذي نظمته رابطة الجامعات الإسلامية بالتعاون مع معهد الفتح بدمشق، وكلية الدراسات الأندلسية بغرناطة بأسبانيا. والذي عقد في غرناطة في نهاية سنة (٢٠٠٣ م) تحت عنوان: «أثر الحضارة الإسلامية في الغرب ودور أسبانيا في نقلها» وهذا المؤتمر كسابقه جرى في سياق تحسين العلاقات بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي، وبعث الصفحات المشرقة في تاريخ تلك العلاقات.

стр. 7

ومع أني لم أتمكن من حضور ذلك المؤتمر؛ فقد قدمت ذلك البحث للجنة المنظمة، وفيه ألقيت الضوء على الدور العظيم الذي قام به الأمويون- من خلال دولتهم في الأندلس- في نقل الحضارة الإسلامية من المشرق الإسلامي إلى الأندلس، التي نقلتها بدورها إلى بقية بلاد أوربا، التي بنت عليها نهضتها وحضارتها الحاضرة. البحث الثاني عشر: وعنوانه: «واقع الإنسان في المجتمعات الإسلامية المعاصرة» وقد ألقي في الملتقى الدولي الذي نظمه المعهد الوطني للتعليم العالي والحضارة الإسلامية في وهران بالجمهورية الجزائرية في الفترة من (٢- ٤ شعبان ١٤١٩ هـ/ ٢١- ٢٣ نوفمبر ١٩٩٨ م) تحت عنوان: «الإسلام والدراسات المستقبلية» ونشر في مجلة كلية اللغة العربية بالقاهرة العدد السابع عشر سنة (١٤١٩ هـ/ ١٩٩٩ م) . وقد أسهمت بهذا البحث في ذلك الملتقى الذي لعله الأول من نوعه في العالم العربي؛ لأن العرب لم يتنبهوا إلى أهمية الدراسات المستقبلية إلا أخيرا، بعد أن سبقهم إليها غيرهم بزمن طويل- كالعادة- فالدراسات المستقبلية تنبه الأمم والشعوب إلى ما سيحدث في المستقبل ليستعدوا له ولا يفاجؤوا؛ لئلا يربكوا، ولا جدال في أن المسلمين فوجئوا بأحداث عالمية خطيرة أثرت في حاضرهم ومستقبلهم دون أن يكونوا مستعدين لذلك فحدث لهم ما لا يخفى على أحد. وفي هذا البحث تحدثت عن واقع الإنسان في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، والمشكلات التي تواجهه، وطرق حلها إذا صحت النوايا وتوفرت الإرادة لدى أهل الحكم في البلاد العربية. البحث الثالث عشر والأخير: وعنوانه: «نشأة الاستشراق وتطوره إلى نهاية الحروب الصليبية» وقد ألقي في الملتقى الدولي الذي نظمته كلية العلوم الإنسانية والحضارة الإسلامية بجامعة وهران بالجزائر في إبريل سنة (٢٠٠٠ م) تحت عنوان: «الدراسات الاستشراقية- الخطاب والقراءة-» . وفي هذا البحث ألقيت الضوء على مفهوم الاستشراق ونشأته، ودوره- ما له وما عليه- في تقديم الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية إلى أبناء الشعوب الغربية، ودوره في صياغة العلاقات التاريخية بين العالمين: الإسلامي والمسيحي، وكيف يمكن أن تطور تلك الدراسات وتعدل بعض مساراتها لتسهم في صياغة علاقات أفضل بين عالمين لا غنى لأحدهما

стр. 8

عن التعامل والتعايش مع الآخر. هذا هو مجمل محتويات البحوث التي حواها هذا الكتاب. وقبل أن أنهي حديثي أريد أن أنبه إلى أمرين: الأول: أنني سجلت هذه البحوث في هذا الكتاب كما ظهرت كلّ في حينه دون حذف أو إضافة أو تعديل؛ لتحتفظ بالروح التي كتبت بها وتعكس أجواء الندوات والمؤتمرات التي ألقيت فيها. الأمر الثاني: أن القارئ الكريم قد يجد أن بعض القضايا والأفكار قد تكررت في أكثر من بحث؛ لأن سياق كل بحث على حدة اقتضى ذلك، فقضايا مثل عالمية الإسلام وانتشاره، وعلاقات المسلمين بغيرهم، والأسس التي قامت عليها- كان من الضروري أن تتكرر، وأنا لا أرى ضررا في ذلك؛ بل قد تكون فيه فائدة إن شاء الله تعالى؛ لأن هذه القضايا لا يزال بعض الناس يجادل فيها، فالتركيز عليها يعمق مفهومها، ويزيل سوء الفهم العالق ببعض الأذهان نحوها. وبعد؛ فما أردت من نشر هذه البحوث في هذا الكتاب إلا الخير للإسلام والمسلمين، بل للبشرية جمعاء، فإن كنت قد وفقت فالحمد والمنة لله تعالى وحده، وإلا فالعفو عنده مأمول، وتسامح القرّاء مرجو، وعلى الله قصد السبيل. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. أ. د. عبد الشّافي محمّد عبد اللّطيف استاذ التّاريخ الإسلامي/ جامعة الأزهر

стр. 9

بحوث في السّيرة النّبويّة والتّاريخ الإسلامي قراءة ورؤية جديدة أوائل المؤلفين في السيرة النبوية

стр. 10

[البحث الأول] أوائل المؤلفين في السيرة النبوية * مقدمة النبي محمد بن عبد الله- صلوات الله وسلامه عليه- هو صفوة الله من خلقه، بل هو صفوة الصفوة، فالأنبياء- عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام- هم المصطفون الأخيار، وهو إمامهم وخاتمهم. وقد قال ﷺ : «أنا سيد ولد آدم» » . فهو حامل الرسالة العالمية الخاتمة لجميع الرسالات، وهو اللبنة الأخيرة في صرح عقيدة التوحيد. فقد قال ﷺ : «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله. إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلّا وضعت هذه اللبنة؟» قال: «فأنا اللبنة» «٢» وفي رواية أخرى: «وأنا خاتم النبيين» . ولقد وصف الله تعالى عددا من الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- ببعض الصفات، فقد وصف أبا الأنبياء إبراهيم ﵇ فقال: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا [مريم: ٤١] وقال عن إسماعيل: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا [مريم: ٥٤] ، وفي سورة الأنبياء يصف إسحاق ويعقوب بالصلاح والخيرية فيقول : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ [الأنبياء: ٧٢: ٧٣] ، ويصف لوطا وداود وسليمان بالعلم والحكمة فيقول: وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً [الأنبياء: ٧٤] ، ويقول سبحانه تعالى: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً [الأنبياء: ٧٨، ٧٩] ، ويصف إسماعيل وإدريس وذا الكفل بالصبر فيقول: وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [الأنبياء: ٨٥] . وهكذا نرى الله تعالى يصف بعض أنبيائه ببعض الصفات النبيلة، لكنه في ختام السورة عندما يصف محمدا- ﵊ فإنه لا يصفه بصفة جزئية وإنما يجعله كله هداية إلهية إلى العالم، ورحمة لهذه الإنسانية «٣» .

стр. 11

فيقول تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] . وفي موضع آخر يصفه بالصفة الجامعة لكل خصال الخير وجميع الفضائل الإنسانية، فيقول: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] . والخلق العظيم هو جوهر رسالته ﷺ فهو القائل: «بعثت لأتمم حسن الأخلاق» «١» ولقد عاش رسول الله ﷺ أخلاقيّا من طفولته إلى أن لقي ربه. فقد كان قوم ينادونه بصفة نادرة في ذلك الزمان وقبل أن يبعث: فقد نادوه وعرف بينهم «بالصادق الأمين» . وعظمة الرسول محمد ﷺ ليست في أنه يمتاز بمجموعة من الأخلاق الإنسانية العالية فحسب، فهو الأمين إذا ذكرت الأمانة، وهو الصادق إذا ذكر الصدق، وهو الوفي، الكريم، الزاهد، الشجاع، المتواضع، الرحيم، البار، الحكيم، الفصيح، البليغ، العابد، كان الرسول هذا كله وكان فوق هذا، فكانت أخلاقه فوق الصعاب وفوق كل الظروف والتقلبات التي تأتي بها الأيام، لقد كان قادرا على أن يلتزم الموقف الأخلاقي المناسب، مهما تكن اللحظة التاريخية حرجة وحاسمة، إنه نبي يشرع بسلوكه وينطلق من منهج واضح وليس من ردّ فعل تمليه أو تفرضه أية ضغوط أو ظروف «٢» . «لقد تحدث بعض الكتاب معددا الخوارق التي صاحبت الدعوة المحمدية فقال: إن من أعظم الخوارق التي لمحمد ﷺ أخلاقه؛ فكانت في ذاتها أمرا خارقا للعادة بين بني الإنسان، فهي أعلى من أخلاق الملائكة؛ لأن الملائكة حسنت أخلاقهم بمقتضى كونهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦] .. فمحمد بين الناس الإنسان الذي تتجلى فيه الإنسانية الكاملة» «٣» . وقد كانت صفحة حياته- ﵊ كما نقلت إلينا بكل دقة وتوثيق- أخلاقية إنسانية بلغت من السمو غاية ما يستطيع إنسان أن يبلغ، وكانت لذلك أسوة حسنة لمن هداه الله أن يحاول بلوغ الكمال الإنساني من طريق العمل

стр. 12

الصالح، وأي سمو في الحياة كهذا السمو الذي جعل حياة محمد ﷺ قبل الرسالة مضرب المثل في الصدق والكرامة والأمانة، كما كانت بعد الرسالة كلها تضحية في سبيل الله وفي سبيل الحق الذي بعثه الله به، تضحية استهدفت حياته من جرائها للموت مرات، فلم يصده عنه أن أغراه قومه وهو في الذروة منهم حسبا ونسبا بالمال والملك وكل المغريات «١» . والغريب أن هذه الإنسانية الأخلاقية قد طبقت على هذا النحو الخارق للعادة في أروع صور البساطة واليسر، فبدت- مع سموها- وكأن البساطة وعدم التقعر أو التكلف نسيجها الذي يجمع بين خيوطها المترابطة «٢» . فعن عائشة رضى الله عنها قالت: «ما لعن رسول الله ﷺ مسلما من لعنة تذكر، ولا انتقم لنفسه شيئا يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله، ولا ضرب بيده شيئا قط، إلا أن يضرب في سبيل الله، ولا سئل شيئا قط فمنعه إلا أن يسأل مأثما، فإنه كان أبعد الناس عنه» . عن عائشة رضى الله عنها قالت: «ما خيّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه» «٣» . «إن هذا النبي كان له- كما يقول كاتب نصراني- في مجال الأخلاق شؤون وشؤون، فبالرغم من مهامه الجسام وانشغالاته الكثيرة المتنوعة، وبالرغم من الغزوات والسرايا والحروب، واضطلاعه بجميع المسؤوليات وحده دون سواه، فلقد وجد الوقت الكافي ليلقي على المؤمنين- بأقواله وأفعاله- دروسا في شؤون لا تمر ببال مسؤول كبير في مثل مستواه وخطورته.. فذلك العظيم الذي كان يحاول تغيير التاريخ، ويعد شعبا يفتح الدنيا من أجل الله، ذلك الرجل وجد الوقت الكافي ليلقي على الناس دروسا في آداب المجتمع وفي أصول المجالسة وكيفية إلقاء السلام، لكأنه معلم حصر مهمته في تثقيف بضعة وعشرين تلميذا، ولم يكن له مهمة سواها» «٤» . ولقد نجح محمد ﷺ نجاحا باهرا في كل عمل اضطلع به من أكبر عمل وهو تبليغ الرسالة إلى أصغر عمل قام به «٥» .

стр. 13

فالتاريخ قد عرفنا برجال حملوا رسالات سماوية وأدوها بنجاح، ورجال بنوا أمما، ورجال آخرين أسسوا دولا، لكن التاريخ لم يحدثنا عن رجل جاء برسالة سماوية من عند الله تعالى، ثم بنى أمة، ثم أسس دولة، ونجح في كل ذلك وفي حياته وقبل موته سوى النبي العربي محمد بن عبد الله ﷺ . ولهذا جعله مايكل هارت على رأس قائمة الخالدين المائة من أبناء آدم وعلل ذلك حسب منهجه العلمي ومقاييس العظمة عنده، بأن محمدا ﷺ كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمي، وبرّز في كلا المستويين الديني والدنيوي، وأنه أسس ونشر أحد أعظم الأديان في العالم، وأصبح أحد الزعماء العالميين السياسيين العظماء. «وأنه بعد مرور أربعة عشر قرنا لا زال تأثيره قويّا ومتجددا» «١» . وبالقياس نفسه يشهد لمحمد ﷺ المؤرخ العالمي الشهير ول ديورانت فيقول: «وإذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس قلنا: إن محمدا كان من أعظم عظاماء التاريخ، فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو ولهيب الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحا لا يدانيه فيه أي مصلح آخر في التاريخ كله، وقلّ أن نجد إنسانا غيره حقق كل ما كان يحلم به، وقد وصل إلى ما كان يبتغيه عن طريق الدين، ولم يكن ذلك لأنه هو نفسه كان شديد التمسك بالدين وكفى؛ بل لأنه لم يكن ثمة قوة غير قوة الدين تدفع العرب في أيامه إلى سلوك ذلك الطريق الذي سلكوه، فقد لجأ إلى خيالهم وإلى مخاوفهم وآمالهم، وخاطبهم على قدر عقولهم، كانت بلاد العرب لما بدأ الدعوة صحراء جدباء، تسكنها قبائل من عبدة الأوثان، قليل عددها متفرقة كلمتها، كانت عند وفاته أمة موحدة متماسكة، وقد كبح جماح التعصب والخرافات، وأقام فوق اليهودية والمسيحية ودين بلاده القديم دينا سهلا واضحا قويّا، وصرحا خلقيّا قوامه البساطة والعزة، واستطاع في جيل واحد أن ينتصر في مائة معركة، وفي قرن واحد أن ينشئ دولة عظيمة، وأن يبقى إلى يومنا هذا قوة ذات خطر عظيم في نصف العالم» «٢» . بعد كل ما تقدم- وهو قليل من كثير- عن شخصية الرسول الخاتم محمد بن عبد الله- ﵊ وليس عجبا أن تكون تلك الشخصية محور

стр. 14

اهتمام كل الناس، مسلمين، وغير مسلمين على مدى تاريخه كله. وأظن أن هذا الاهتمام سيستمر ما استمرت الحياة، ولن يبلغ الكتّاب والمؤلفون مهما كتبوا وألفوا جوانب العظمة في شخصية الرسول ﷺ ، وليس هناك أبلغ- في هذا المجال- من الكلمة التي قدّم بها فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي، شيخ الأزهر الأسبق، كتاب حياة محمد للأستاذ الدكتور محمد حسين هيكل حيث قال: «منذ وجد الإنسان على الأرض، وهو مشوق إلى تعرف ما في الكون المحيط به سنن وخصائص، وكلما أمعن في المعرفة ظهرت له عظمة الكون أكثر من ذي قبل، وظهر ضعفه وتضاءل غروره. ونبي الإسلام- صلوات الله عليه وسلامه- شبيه بالوجود. فقد جدّ العلماء منذ أشرقت الأرض بنوره يلتمسون نواحي العظمة الإنسانية فيه، ويلتمسون مظاهر أسماء الله جلت قدرته في عقله وخلقه وعلمه، ومع أنهم استطاعوا الوصول إلى شيء من المعرفة، فقد فاتهم حتى الآن كمال المعرفة. وأمامهم جهاد طويل وبعد شاسع وطريق لا نهاية له» «١» . وندر أن نجد في التاريخ البشري رجلا عرفت حياته- الخاصة والعامة- بكل تفاصيلها ودقائقها كما عرفت ودرست حياة النبي محمد- ﵊ «فحتى قضاؤه لوطره، واغتساله بعده، وطريقة غسله، ونومه، وطريقة قضائه لحاجته واغتساله منها، كل ذلك نقله إلينا التاريخ، بطريقة موثقة، ندر أن توثق بها نصوص في التاريخ» «٢» . يقول المستشرق مونتيه في وصف وضوح حياة الرسول ﷺ : «ولقد ندر بين المصلحين من عرفت حياتهم بالتفصيل مثل محمد، وإن ما قام به من إصلاح الأخلاق وتطهير المجتمع يمكن أن يعد به من أعظم المحسنين للإنسانية» «٣» . * دوافع المسلمين للاهتمام بسيرة الرسول ﷺ : ليس هناك شخصية تاريخية لقيت من اهتمام الدارسين والباحثين قديما وحديثا كما لقيت شخصية الرسول محمد ﷺ وليس هناك أمة اعتنت بتاريخ نبيها- بكل

стр. 15

تفاصيله ودقائقه- كما اعتنت الأمة الإسلامية؛ وذلك لسببين رئيسيين: الأول: أن هذه الحياة حياة مثالية في جميع جوانبها ومستوياتها ودراستها متعة روحية وذهنية؛ لأن الإنسان يبحث دائما عن المثل الأعلى والقدوة الحسنة، لعل الله يهديه إلى أقوم طريق وأفضل سلوك، وليس هناك حياة وسيرة يمكن أن يتعلم منها الناس أعظم من حياة وسيرة النبي ﷺ وصدق الله تعالى إذ يأمرنا بالاقتداء به فيقول: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١] . الثاني: أن حياة وسيرة الرسول كانت موضع اهتمام الأمة وعنايتها بأحاديثه وأفعاله ومغازيه وأيامه، وتكاد تكون كل كلمة تلفظ بها الرسول، وكل حركة وكل فعل مرصودة من المسلمين، ويحفظونها عن ظهر قلب، ومدونة في صدورهم قبل أن تدون في الكتب عند بدء حركة التدوين مع نهاية القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني. * بداية التأليف في السيرة النبوية: من سنن الله الكونية أن كل شيء يخضع للتدرج في النشأة والتكوين، يتساوى في ذلك الإنسان والحيوان، والأفكار والعلوم والفنون، فلا شيء يخلق كاملا، أو ينشأ ناضجا مستوي التكوين، وإنما يمر بمراحل زمنية متتابعة، حتى يصل إلى نضجه واستوائه وكماله، وسيرة الرسول ﷺ لم تشذ عن تلك القاعدة ولم تخرج عن ذلك الناموس، فنحن نعلم أن سيرة الرسول لم تدون في حياته، أعني أنه لم يكن من بين الكتّاب الذين كانوا يكتبون للرسول ﷺ الوحي وغيره- وهم كثيرون- من تخصص في تسجيل أحداث حياته ﷺ الخاصة والعامة، واستمر الحال على ذلك طوال خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة (١١- ٤٠ هـ) ويبدو أنه كان لذلك أسباب كثيرة من أهمها أن الرجال الذين عاصروا الرسول ﷺ وهم صحابته- رضوان الله عليهم جميعا- لم يكونوا في حاجة إلى تسجيل تلك الأحداث، فهم قد عايشوها وانفعلوا بها وتفاعلوا معها بدرجة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الرسالات والدعوات الدينية؛ فكل مشهد منطبع في ذاكرتهم، وكل كلمة نطق بها الرسول حفظوها، وكل عمل من أعماله معروف لديهم تمام المعرفة وبكل التفاصيل، هذا مع ما امتازوا به من قوة الحافظة وسرعة البديهة. لم تكن الحاجة إذن تدعو لتدوين أحداث الرسول وسيرته؛ لاستغنائهم بالمشاهدة والحفظ ولا نشغالهم بالغزوات والفتوحات،

стр. 16

غير أنه لم يكد جيل الصحابة- وهم شهود وحفاظ السيرة- يختفي حتى ظهرت الحاجة إلى تدوين وتسجيل السيرة النبوية، والتأريخ للعهد النبوي، فجيل التابعين- وهم الذين رأوا الصحابة وعاصروهم وتعلموا منهم- لم يروا بأنفسهم الأعمال الرائعة والجهاد المجيد الذي قام به الرسول ﷺ من أجل الرسالة الإسلامية وتبليغها للناس، ولكنهم سمعوا عن ذلك من الصحابة، فبهرتهم الأعمال والمواقف والأخلاق فتاقت نفوسهم لمعرفة كل شيء بالتفصيل، ولم يفوتوا الفرصة، بل عضوا عليها بالنواجذ. وأخذوا يسألون الصحابة الذين صحبوا الرسول وضحوا معه، وشهدوا جميع مشاهده ومواقعه، ومن الأسئلة التي كانوا يسألونها- على سبيل المثال- متى وكيف كانت بيعة العقبة؟ متى كانت الهجرة إلى الحبشة؟ وكم عدد الذين هاجروا في الأولى والثانية؟ ومتى عادوا؟ وكيف كانت غزوة بدر؟ ومن الذين شهدوها؟ هذه الأسئلة وأمثالها كانت تلقى على الصحابة ويجيبون عنها، وأسلوب السؤال والجواب- كما هو المعروف- من أهم روافد العلم، خصوصا في مراحل النشأة والتكوين. بل إن القرآن الكريم حافل باستخدام أسلوب السؤال والجواب حتى في مجال العقيدة وإثباتها، وإقامة الحجة على الكافرين الجاحدين، مثل قول الله تعالى: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ [المؤمنون ٨٤- ٨٧] . وكان من الطبيعي أن تكون المدينة المنورة هي أصلح بيئة للإجابة عن كل ما يتعلق بحياة الرسول وسيرته، حيث عاش معظم الصحابة الذين عايشوا أحداث الإسلام الكبرى في عهد الرسول، ونقلوها للتابعين، الذين لم يكتفوا بالتلقي والحفظ، بل بدؤوا تدوين الوقائع والأحداث كما سمعوها من الذين شاهدوها، وكانت تلك لحظة البداية، بداية التأليف في السيرة النبوية. واتسعت دائرة السؤال والجواب، ولم تعد قاصرة على المدينة وحدها، بل سارع الناس في خطى الصحابة في كل مصر حلوا به، مثل البصرة والكوفة ودمشق والفسطاط.. إلخ. ومن حسن الحظ أن من كبار التابعين الذين بدأوا التدوين في السيرة النبوية، وأصبحوا مصدرا رئيسيّا من مصادرها كانوا من أبناء كبار الصحابة الذين أخذوا العلم عن آبائهم الكرام، وهم الذين رأوا كل شيء وشاركوا بأنفسهم، بل كان من

стр. 17

أوائل علماء السيرة من هم على صلة قريبة ووثيقة ببيت النبي ﷺ مثل عروة بن الزبير بن العوام، فأمه أسماء بنت الصديق ﵄ وخالته أم المؤمنين عائشة ﵂، فتتلمذ عليها ونقل عنها أخبارا كثيرة عن حياة النبي وسيرته. وقد قسم العلماء كتاب السيرة النبوية والمؤلفين فيها إلى طبقات، والطبقة في اصطلاح المحدثين: هم جماعة تقاربوا في السن، واجتمعوا في لقاء الشيوخ. طبقات كتّاب السيرة * رجال الطبقة الأولى من كتّاب المغازي والسير: ١- أبان بن عثمان: هو ابن الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ ولد في المدينة المنورة حوالي سنة عشرين للهجرة، وتوفي فيها في خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان (١٠١- ١٠٥ هـ) على أرجح الأقوال، وقد نشأ أبان في كنف أبيه، الخليفة الراشد، أحد السابقين إلى الإسلام والمبشرين بالجنة، والذي كانت تستحي منه الملائكة كما أخبر الصادق الأمين ﷺ فهو من كبار الصحابة وفضلائهم، وبيته من أصلح وأطهر البيوت، في أصلح وأطهر بيئة على وجه الأرض في ذلك الزمان، وهي بيئة المدينة المنورة، في هذا الجو وتلك البيئة وذلك البيت- حيث الصلاح والتقى- نشأ أبان وتعلم، حتى أصبح من كبار فقهاء المدينة المعدودين والمشهورين. ومن أعلام رواة الحديث الشريف. فقد روى عن أبيه ﵁ وغيره من كبار الصحابة. كما تتلمذ على يديه كثيرون من كبار المحدثين والفقهاء، أمثال محمد ابن مسلم بن شهاب الزهري، أستاذ إمام المؤلفين في السيرة النبوية وعمدتهم محمد ابن إسحاق بن يسار المطلبي. ولقد اشتهر أبان بن عثمان بالمغازي والسير- فوق شهرته في الفقه والحديث- حتى أصبح من أساتذة هذا الفن الحائزين على ثقة العلماء فقد قال ابن سعد في الطبقات، وهو يترجم للمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، قال عنه: «كان ثقة قليل الحديث، إلا مغازي رسول الله ﷺ أخذها عن أبان بن عثمان» «١» . فهذا الخبر على وجازته يؤكد أستاذية أبان بن عثمان في المغازي والسير، فقد

стр. 18

كان الحديث والمغازي والسير من أحب الأشياء إلى أهل المدينة، ولعل ابتعاد أبان عن الاشتغال بالسياسة- باستثناء الفترة التي عمل فيها واليا على المدينة من (سنة ٧٥) إلى (سنة ٨٣ هـ) - في خلافة عبد الملك بن مروان- أقول: لعل ابتعاده عن السياسة- وقد عمر طويلا حيث نيف على الثمانين عاما- مكّنه من التفرغ للعلم درسا وتدريسا، وإذا كانت مؤلفاته قد ضاعت فيما ضاع أو تلف من تراث الإسلام ولم تصل إلينا؛ فقد بقيت لنا- من حسن الحظ- رواياته وآراؤه في المصادر التي وصلتنا بروايات تلاميذه. ٢- عروة بن الزبير: هو الرجل الثاني من رجال الطبقة الأولى من كتاب المغازي والسير، وأبوه الزبير ابن العوام بن خويلد، أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، وأحد المبشرين بالجنة، وهو حواري الرسول ﷺ وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وخديجة أم المؤمنين ﵂ عمته، أي: عمة الزبير بن العوام، أما أم عروة فهي ذات النطاقين السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ وخالته عائشة أم المؤمنين وأحب أزواج النبي إليه، وقد ولد عروة في المدينة المنورة، حوالي (سنة ٢٦ هـ) ، على أرجح الأقوال؛ لأنه كان صغير السن عندما حدثت موقعة الجمل (سنة ٣٦ هـ) ، ولم يشهدها فقد قال هو في نفسه: «رددت أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، يوم الجمل، استصغرونا» . فالبيت الذي نشأ فيه عروة ركناه: أبوه الزبير بن العوام حواري الرسول، وأمه ذات النطاقين أسماء بنت الصديق، أما أستاذته الكبرى ومعلمته فهي خالته السيدة عائشة أم المؤمنين، التي كان كثير التردد عليها والمداومة على زيارتها والتعلم منها والحديث إليها. وإذا كان عروة قد شهد- وهو صبي في العاشرة من عمره تقريبا- الفتنة الكبرى التي حلّت بالمسلمين وزلزلت كيانهم، في الشطر الثاني من خلافة عثمان بن عفان (سنة ٣٠- ٣٥ هـ) والتي استغرقت عهد علي بن أبي طالب كله (٣٥- ٤٠ هـ) فإن الله سبحانه تعالى قد تدارك الأمة الإسلامية برحمته، ووحد كلمتها في (عام ٤١ هـ) وهو العام الذي سماه المسلمون عام الجماعة- بعد الفتنة والفرقة- حينما تنازل

стр. 19

الحسن بن علي ﵄، عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان ﵄ إيثارا لمصلحة الأمة، وحقنا لدماء المسلمين، مصدقا بذلك نبوءة جده- ﵊ حيث قال عنه: «ابني هذا سيّد- يقصد الحسن- ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» «١» . ولقد استفتح معاوية ﵁ عهده بالإحسان إلى أهل المدينة بصفة عامة، وإلى الصحابة وأبنائهم بصفة خاصة، وأغدق عليهم من الأموال ما أتاح لهم التفرغ للعلم والتعليم، فزخر مسجد الرسول ﷺ بأعداد هائلة من الفقهاء والمحدّثين والمفسرين وأصحاب السير والمغازي، وكان عروة بن الزبير فارسا من فرسان هذه الحلقات وأبرز رجالها. فتروي المصادر وكتب الطبقات أنه كان يجتمع كل ليلة، بطريقة تكاد تكون منتظمة في المسجد النبوي، بمجموعة من كبار التابعين ومن رجال الطبقة الأولى منهم، كانت تضم أخاه مصعب بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن، وعبد الملك ابن مروان، وعبد الرحمن بن مسور، وإبراهيم بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي، ولم تكن هذه الاجتماعات سوى حلقات علمية، يدور الحديث فيها عن العلوم الإسلامية من فقه وتفسير وحديث وسير ومغاز، وكما اشتهر عروة بن الزبير بأنه أحد فقهاء المدينة السبعة الكبار- كما هو الحال بالنسبة لأبان بن عثمان- فقد اشتهر بأنه من أكابر علماء السيرة والمغازي، وكان الناس- حتى زملاؤه في الدراسة- يتجهون إليه، ليسألوه ويتعلموا منه السيرة النبوية بصفة خاصة، لقربه من بيت النبي، ولمعرفته أكثر من غيره بما كان يدور في ذلك البيت الكريم عن طريق خالته السيدة عائشة ﵂ فعبد الملك بن مروان الخليفة الأموي المشهور (٦٥- ٨٦ هـ) مع أنه كان أحد تلاميذ مدرسة المدينة المشهورين ومن فقهائها، وقد لقب بحمامة المسجد؛ لشدة ملازمته مسجد الرسول ﷺ ، وانكبابه على حلقات العلم، وهو من زملاء عروة وأصدقائه، إلا أنه كان كثير الرجوع إليه في كل ما يتعلق بأحداث السيرة النبوية، وذلك عندما شغلته السياسة عن طلب العلم بعد أن أصبح خليفة ويبدو أن عروة قد ألف كتبا كثيرة في

стр. 20

السيرة وغيرها، فهناك خبر جدير بالتنويه، يرويه ابن سعد «١» عن هشام بن عروة أن أباه أحرق يوم الحرة- يقصد يوم وقعة الحرة المشهورة بين ثوار المدينة وجيش الخليفة الأموي يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (سنة ٦٣ هـ) - عدة كتب، وقد حزن كثيرا على فقدها فيما بعد، فهذا الخبر يدل على انتشار الكتابة والتأليف في ذلك الوقت المبكر من عهد المسلمين بالتأليف والتدوين العلمي. وإذا كانت مؤلفات عروة بن الزبير لم تصل إلينا، فقد حفظت لنا المصادر الباقية لدينا، الكثير من المادة العلمية والروايات التي كان مصدرها عروة ففي سيرة ابن إسحاق ومغازي الواقدي وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري روايات كثيرة عن أحداث سيرة الرسول ﷺ ومغازيه عن عروة بن الزبير، وقد توفي رحمه الله تعالى (سنة ٩٤ هـ) «٢» . ٣- شرحبيل بن سعد: ثالث الثلاثة في الطبقة الأولى من كتّاب السيرة المدنيين؛ وهو مولى بني خطمة، نشأ في المدينة، وتلقى عن جمع من الصحابة، منهم زيد بن ثابت وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم من كبار الصحابة «٣» . وروي عن سفيان بن عيينة أنه لم يكن أحد أعلم بالمغازي والبدريين منه، وبرهن موسى بن عقبة أن شرحبيل دوّن قوائم بأسماء المهاجرين إلى المدينة، وأسماء الرجال الذين اشتركوا في غزوتي بدر وأحد «٤» . وقد امتد العمر بشرحبيل، حيث توفي (عام ١٢٣ هـ) . ٤- وهب بن منبه: يعتبر وهب بن منبه من رجال الطبقة الأولى من كتّاب المغازي والسير وهو من مواليد اليمن، فقد ولد في قرية تسمى زمار بجوار صنعاء حوالي (سنة ٣٤ هـ) . وهو من هذه الناحية- ناحية النشأة والميلاد- يختلف عن الرجال الثلاثة الذين سبق الحديث عنهم، فكلهم مدنيون، نشؤوا في مدينة الرسول ﷺ ، ومعنى هذا أنّ

стр. 21

الاهتمام بالمغازي والسّير لم يعد مقصورا على أهل المدينة وحدهم، بل أصبح الاشتغال بها موضع اهتمام العلماء في كل الأقطار الإسلامية. ويختلف مؤرخو وهب بن منبه حول نسبه؛ فمنهم من يرى أنه من أصل يهودي، ومنهم من يرى- وهو الأرجح- أنه من أصل فارسي؛ أي من الفرس الذين سكنوا اليمن في فترة السيطرة الفارسية وسموا بالأبناء، ولكن الأهم من هذا كله أنه قد نشأ في أسرة مسلمة، اشتهر معظم رجالها بالعلم، وكانوا أهل ثقة عند العلماء «١» ، وقد تأثر وهب بالجو العلمي الذي كان يحيط به في أسرته، وروى عن طائفة من الصحابة، منهم أبو هريرة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله وغيرهم وعنده من علم أهل الكتاب شيء كثير، وحديثه في الصحيحين عن أخيه همام بن منبه، وكان ثقة واسع العلم «٢» . ويعتبر من العلماء الموسوعيين، الذين تناولوا موضوعات شتى، فقد كانت له عناية واهتمام بأحاديث أهل الكتاب الذين كثر عددهم في جنوب بلاد العرب، وهو من الثقات المعتمدين خاصة في قصص الأنبياء «٣» . ويرجح أنه كتب كثيرا في المغازي والسير، مما جعل العلماء يضعونه بين رجال الطبقة الأولى من علماء هذا الفن. ويوجد في مجموعة البرديات الموجودة في مدينة هيدلبرج في ألمانيا مجلد، يقول عنه بيكر: إنه يرجح أنه يحتوي على قطعة من كتاب المغازي لوهب بن منبه، وتاريخ نسخ هذه القطعة (عام ٢٢٨ هـ) . وفيها معلومات عن بيعة العقبة الكبرى، وحديث قريش في دار الندوة- الذي قرروا فيه قتل النبي ﷺ ، والاستعداد للهجرة نفسها، ووصول النبي ﷺ إلى المدينة «٤» . وهكذا أسهم وهب بن منبه إسهاما طيبا في إثراء حركة التأليف في المغازي والسير وعاش حياة علمية ثرية حتى توفاه الله (سنة ١١٠ هـ) . * رجال الطبقة الثانية من كتّاب المغازي والسير: لا يعني تقسيم علماء المغازي والسير إلى طبقات- أولى وثانية وثالثة.. إلخ-

стр. 22

أنه لا تبدأ الطبقة الثانية إلا إذا انتهت الطبقة الأولى؛ لأنه ليس هناك حد زمني فاصل بين هذه الطبقات، فالعلم متصل، وحلقاته ممتدة ومستمرة، وأجيال العلماء متداخلة، وربما يكون الواحد منهم تلميذا وأستاذا في نفس الوقت، بل المقصود من هذا التقسيم، تمييز رجال كل مرحلة عن التي سبقتها والتي تلتها. وكلما امتد الزمن اتسعت دائرة العلم وزاد عدد العلماء وتلاميذهم؛ ولذلك سنجد في هذه الطبقة الثانية، حشدا كبيرا من علماء المغازي والسير ذوي المكانة العلمية الرفيعة، خاصة في مدينة الرسول ﷺ . ويكفي أن نلقي نظرة على سيرة ابن إسحاق- الذي سنخصه بحديث مفصل في هذا الكتاب لتميزه وإمامته في ميدان السيرة النبوية- والتي جاءتنا عن طريق عبد الملك بن هشام برواية زياد بن عبد الله البكائي، لنعرف مدى الحجم الذي وصل إليه عدد العلماء، وكيف كان اهتمام هذا الجيل بسيرة الرسول ﷺ ؛ فابن إسحاق يروي مباشرة بطريق المشافهة، عن أكثر من مائة راو من علماء المدينة وكلهم يروي عنه بقوله: حدثني فلان، أو أخبرني فلان، أو سألت فلانا فأخبرني، فبالإضافة إلى أستاذه الأكبر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، نجده يروي عن عدد كبير من العلماء، كثيرون منهم من أسرة واحدة، مثل آل الزبير ومواليهم، فهو يروي عن هشام بن عروة بن الزبير، وعن يحيى بن عروة بن الزبير، وعن عمر بن عبد الله بن الزبير، وعن محمد بن جعفر بن الزبير، وعن يحيى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير، وعن يزيد بن رومان مولى عروة بن الزبير، وغيره من مواليهم، ورواية ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه، أو عن الزهري عن عروة بن الزبير، لها قيمتها الكبرى من ناحية التوثيق العلمي؛ فهي مرفوعة في أغلب الأحوال إلى السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂، وإذا رفعت الرواية عن الثقات، عن سيرة الرسول ﷺ ، إلى السيدة عائشة؛ كانت هي الصدق بعينه، كذلك يروي ابن إسحاق عن نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، وعن عبد الله بن أبي بكر بن حزم الأنصاري، وعن أبيه إسحاق بن يسار. رجال هذه الطبقة- الثانية- من علماء المغازي والسير هم أساتذة محمد بن إسحاق وشيوخه المباشرون، ولكثرة عددهم فمن الصعب الحديث عنهم كلهم في حيز هذا الكتيب، ولذلك سنقصر الحديث على أشهرهم وأكثرهم تأثيرا في إثراء حركة التأليف في ميدان المغازي والسير، ويأتي على رأس القائمة:

стр. 23

١- محمد بن مسلم بن شهاب الزهري «١» : ينتسب الزهري إلى بني زهرة، وهم أخوال النبي ﷺ ، وهو من كبار التابعين وأعلامهم، ويعتبر من أعظم مؤرخي المغازي والسير، وإليه يرجع الفضل في تأسيس مدرسة المدينة التاريخية، إلى جانب كونه من كبار الفقهاء والمحدثين. وقد رأى الزهري عشرة من الصحابة، وتتلمذ على كبار علماء التابعين وأعلامهم، ومنهم سعيد ابن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة؛ وهؤلاء هم الذين كان الزهري يعتبرهم بحور قريش في العلم. وروى عن الزهري جماعة من العلماء الأئمة الأعلام، يأتي في مقدمتهم فقيه المدينة وعالمها الأشهر- الذي قيل عنه: لا يفتى ومالك في المدينة- مالك بن أنس الأصبحي، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وقد ذاع صيت الزهري، وأصبحت له مكانة علمية رفيعة في أوساط العلماء، فقد سئل مكحول الدمشقي: من أعلم من رأيت؟ فقال: ابن شهاب، قيل له: ثم من؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من؟ قال: ابن شهاب كان قد حفظ علم الفقهاء السبعة- يقصد فقهاء المدينة المشهورين- وكتب عمر بن عبد العزيز- وهو خليفة- إلى سائر الأقاليم: «عليكم بابن شهاب، فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه» «٢» . فعمر بن عبد العزيز- وهو من هو- لا يقول مثل ذلك الكلام عن ابن شهاب إلا إذا كان الرجل فعلا يستحق هذا الثناء من الخليفة العالم، بما بلغ من مكانة علمية. والحق أن ابن شهاب كان موضع احترام وإجلال خلفاء بني أمية؛ لأنه إلى جانب تبحره في العلوم، كان يحترم نفسه، ولم يداهن في الحق «٣» . وقد امتاز محمد بن شهاب الزهري عن معاصريه بكثرة الكتابة والتدوين واقتناء الكتب. وكان إذا جلس في بيته بين كتبه اشتغل بها عن كل شيء سواها من أمور الدنيا، حتى يروى أن امرأته كانت تقول له: «إن هذه الكتب أشدّ عليّ من ثلاث ضرائر» «٤» ؛ لاشتغاله بها عنها.

стр. 24

وكان اهتمام الزهري بالكتابة والتدوين هو الذي مكّنه من نشر علمه، وبوّأه تلك المكانة العلمية الرفيعة التي حظي بها في أوساط العلماء، وفي بلاط الخلفاء ومجالسهم، وكان هو شديد الفخر بذلك، وروي عنه أنه كان يقول: «ما نشر أحد من الناس هذا العلم نشري، ولا بذله بذلي» . ولقد ضاع ما كتبه ودونه الزهري بنفسه، ولم يصل إلينا كما هو. ولولا ما بقي لنا من علمه مما رواه تلامذته- وبصفة خاصة أشهرهم وأنبغهم محمد بن إسحاق- لكانت خسارتنا فادحة، فإلى ابن إسحاق يرجع الفضل الأكبر في حفظ علم أستاذه الزهري، فهو الذي أوصله إلينا؛ لأنه كانت تربطه بأستاذه علاقة متينة قائمة على الحب والاحترام، ومما دل على قوة تلك العلاقة ومتانتها ورفعة مكانة ابن إسحاق عند أستاذه وثقته فيه؛ أنه كان يعتبره مرجعه الأول في كل ما يتعلق بسيرة الرسول ﷺ مما يحصل عليه من معلومات من طرق أخرى ليتثبّت من صحتها. فعندما زار ابن إسحاق مصر والتقى بعالمها الكبير يزيد بن أبي حبيب، وروى عنه العلم، أرسل إلى أستاذه الزهري، ليتثبت من صحة بعض الروايات وذلك من أمثال القصة التالية فقد قال ابن إسحاق نفسه: «حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري، أنه وجد كتابا فيه ذكر من بعث رسول الله ﷺ إلى البلدان، وملوك العرب والعجم، وما قال لأصحابه حين بعثهم، قال- ابن إسحاق-: فبعثت به إلى محمد بن شهاب الزهري فعرفه» «١» . واسم الزهري هو الأشهر والأكثر ذكرا في سيرة ابن إسحاق، وكثيرا ما يعبر فيما يتعلق بروايته عن الزهري، بقوله: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وأحيانا يقول: حدثني الزهري فقط، أو حدثني ابن شهاب، أو سألت ابن شهاب الزهري، إلى غير ذلك من التعابير. وكان للزهري- الذي توفي (سنة ١٢٤ هـ) - عدد آخر من التلاميذ غير ابن إسحاق، وإن كانوا أقل شهرة من ابن إسحاق، ومنهم موسى بن عقبة المتوفى حوالي عام (١٤١ هـ) ، ومعمر بن راشد المتوفى حوالي (عام ١٥٤ هـ) وهما من رجال الطبقة الثالثة ومن كبار علماء المغازي والسير.

стр. 25

٢- عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري «١» : من علماء الطبقة الثانية من مؤلفي المغازي والسير، وهو مدني- أي من أهل المدينة- وكان جده الأعلى عمرو بن حزم أحد صحابة رسول الله ﷺ وقد ولاه الرسول على نجران، وكتب له كتابا حين بعثه، أمره فيه بتقوى الله في أمره كله، ثم أمره بقبض الصدقات وتوزيعها على مستحقيها، وأن يعلمهم القرآن والسنة ويفقههم في الدين. أما جده المباشر، محمد بن عمرو فقد قيل: إن له رؤية- أي: رأى رسول الله ﷺ توفي (عام ٦٣ هـ) أما أبوه أبو بكر فقد ولي قضاء المدينة المنورة أثناء ولاية عمر بن عبد العزيز عليها من (سنة ٨٧) إلى (سنة ٩٣ هـ) . وذلك في خلافة الوليد ابن عبد الملك ابن مروان (٨٦- ٩٦ هـ) . ثم أصبح واليا على المدينة في خلافة سليمان ابن عبد الملك ابن مروان (٨٦- ٩٩ هـ) . وخلافة عمر بن عبد العزيز (٩٩- ١٠١ هـ) .. وقد عرف بمقدرته الفائقة في رواية الحديث، وكان من الثقات، ولذلك عهد إليه عمر بن عبد العزيز- أثناء خلافته- بجمع أحاديث رسول الله ﷺ . يقول عنه الذهبي «٢» : «أمير المدينة ثم قاضي المدينة، أحد الأئمة الأثبات وقيل: كان أعلم أهل زمانه بالقضاء» . وقال عنه الإمام مالك بن أنس: «ما رأيت مثل ابن حزم، أعظم مروءة وأتم حالا، ولا رأيت من أوتي مثل ما أوتي ولاية المدينة والقضاء والموسم» «٣» وهو من شيوخ ابن إسحاق. فعبد الله بن أبي بكر نشأ إذن في بيت علم وقضاء وإمارة، وورث عن أبيه مواهبه، واختص برواية الحديث- خاصة الأحاديث المتصلة بالمغازي- وكان حجة في ذلك وهو أحد مصادر كبار علماء السيرة والمؤرخين، فقد روى عنه ابن إسحاق، ومحمد ابن عمر الواقدي، ومحمد بن سعد- كاتب الواقدي، والطبري. خاصة الروايات التي تتصل بأخبار الرسول في المدينة، ووفود القبائل إلى رسول الله- في عام الوفود- وأخبار تتعلق بحروب الردة. وكانت زوجته فاطمة بنت عمارة راوية للحديث، وكانت تروي عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، وعمرة كانت تروي

стр. 26

عن السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂، وكان هو يروي عن زوجته، بل كان يسمح لها أن تحدث الغير بما عندها من أخبار عن السيرة النبوية؛ فقد أخبر الطبري عن محمد بن إسحاق أنه دخل على عبد الله بن أبي بكر- ابن حزم- فقال عبد الله لامرأته فاطمة: حدثي محمدا ما سمعت من عمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: سمعت عمرة تقول: سمعت عائشة تقول ... إلخ، ويروي الطبري عن محمد بن إسحاق- أيضا- عن عبد الله بن أبي بكر قال: كان جميع ما غزا رسول الله ﷺ بنفسه ستّا وعشرين غزوة، أول غزوة غزاها ودّان، ثم بواط.. إلخ. وعلى الجملة فقد كان عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري عظيم الأثر في كتب السير والمغازي، وكان له من بيته العظيم في الأنصار- وهو بيت علم وقضاء وإمارة- وتزوّجه من فاطمة بنت عمارة الأنصارية والتي كانت تروي عن عمرة بنت عبد الرحمن، التي تروي بدورها عن السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂، كان له من كل ذلك ما يسر له جمع الأحاديث التي تتصل بالمغازي «١» ، وأن يصبح مصدرا كبيرا من مصادرها، وأحد أعلام الطبقة الثانية من علماء المغازي والسير. ٣- عاصم بن عمر بن قتادة: يعتبر المؤرخون عاصما أحد رجال الطبقة الثانية البارزين من كتاب المغازي والسير، وجدّه قتادة بن النعمان الظفري الأنصاري كان من صحابة رسول الله ﷺ وشهد معه بدرا وأحدا، ويوم أحد أصيبت عينه وسقطت على وجنتيه، فردّها رسول الله ﷺ فعادت أحسن عينيه وأحدّهما «٢» . ولما كان قتادة أحد الصحابة المجاهدين الذين شهدوا المشاهد مع رسول الله فقد روى لابنه عمر ما شهده وشاهده بنفسه من مغاز وسير وأخبار رسول الله، ورواها عمر لابنه عاصم الذي أصبح حجة في ذلك، قال عنه محمد بن سعد: وكان راوية للعلم، وله علم بالمغازي والسير ولتبحره فيهما فقد كلّفه الخليفة عمر بن عبد العزيز (٩٩- ١٠١ هـ) أن يجلس في المسجد الأموي في دمشق ليحدث الناس عن المغازي ومناقب الصحابة ففعل «٣» . وكان من المصادر المهمة التي اعتمد عليها أصحاب السير

стр. 27

السير والمغازي، مثل محمد بن إسحاق ومحمد بن عمر الواقدي، وقد توفي عاصم (عام ١٢٠ هـ) وقيل عام سبع وعشرين ومائة. * رجال الطبقة الثالثة من كتّاب المغازي والسير: قلنا في صدر هذا البحث: إن الكتابة والتأليف في المغازي والسير خضعت لسنة التدرج والتطور، وكلّما مرّ الزمن اتسعت دائرة العلماء، ولذلك ففرسان هذه الطبقة كثيرون، ومن ثم فنحن مضطرون للحديث عن أشهرهم، مثل موسى بن عقبة، ومعمر بن راشد، حديثا موجزا، ثم نتحدث بالتفصيل عن أشهر رجال هذه الطبقة على الإطلاق وإمام هذا الفن، وهو محمد بن إسحاق؛ لأهميته وتأثيره الكبير في ذلك العلم الذي أصبح الناس فيه عيالا عليه، حسب تعبير الإمام الشافعي- رحمة الله تعالى عليه- والآن إلى الحديث عن: ١- موسى بن عقبة: هو مولى من الموالي، وكان مولى لآل الزبير، وقد مر بنا أن بيت الزّبيريين كان حافلا بعدد هائل من العلماء خاصة في ميدان المغازي والسير، مثل عروة بن الزبير وابنيه هشام ويحيى، وعمر بن عبد الله بن الزبير، ومحمد بن جعفر بن عبد الله بن الزبير، ويحيى بن عباد بن الزبير، وقد عرفنا الصلة التي كانت تربط الزبيريين ببيت النبي ﷺ عن طريق خالتهم السيدة عائشة ﵂ مما جعلهم مصدرا موثوقا به عن أخبار سير ومغازي رسول الله، وقد استفاد مواليهم من صلتهم بهم، ومن أبرزهم عالمنا هذا الذي نحن بصدد الحديث عنه، وهو موسى بن عقبة الذي كان له أخوان أكبر منه سنّا، وهما إبراهيم بن عقبة ومحمد بن عقبة، وكان الثلاثة من أبرز تلاميذ مدرسة المدينة المنورة في الفقه والحديث، وإن كان عقبة قد برز واشتهر في علم المغازي، وكان ثقة عند العلماء حتى استحق أن يقول عنه الإمام مالك بن أنس: «عليكم بمغازي ابن عقبة، وهي أصح المغازي» «١» . وقد كتب سيرة مختصرة موجزة، لم تصل إلينا كاملة، وإنما وصلتنا منها مقتطفات في طبقات ابن سعد، وتاريخ الطبري، ويروي موسى بن عقبة أن أحد موالى عبد الله بن عباس وهو كريب بن أبي مسلم- وضع عنده حمل بعير من

стр. 28

كتب ابن عباس، مما يدل على أن التدوين قد بدأ مبكرا، غير أن معظم مدونات الفترة الأولى قد ضاعت، وقد توفي موسى بن عقبة (سنة ١٤١ هـ) . ٢- معمر بن راشد: من رجال الطبقة الثالثة البارزين من كتّاب السير والمغازي، وهو مولى من الموالي وكان من أهل الكوفة، كما يقول ابن النديم «١» ، ثم رحل إلى البصرة ثم اليمن، وظل ينتقل بين هذه البلاد، يتلقى العلم عن الشيوخ، وكان أبرز شيوخه محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وكان هو من أنبل وأنجب تلاميذ الزهري- بعد ابن إسحاق- ولذلك فأكثر ما يرويه معمر عن السير والمغازي ينسبه إلى شيخه الإمام الزهري، وكان يتحلى بخلق كريم، وصفات حميدة كثيرة، يقول عنه ابن سعد: «كان معمر رجلا له حلم ومروءة ونبل في نفسه» «٢» . كما كان واسع العلم بالحديث والسير والمغازي، وإن كان ابن النديم في الفهرست لم ينسب له سوى كتاب واحد في المغازي، فقد قال عنه: «معمر بن راشد من أهل الكوفة، يروي عنه عبد الرزاق، من أصحاب السير والأحداث، وله من الكتب: كتاب المغازي» «٣» . وحتى هذا الكتاب لم يصل إلينا، وإنما وصلنا منه مقتطفات في الواقدي وابن سعد والبلاذري والطبري. وكانت وفاته (سنة ١٥٠ هـ) أو (١٥٢ هـ) «٤» . ٣- محمد بن إسحاق المطلبي «٥» : إذا نحن وصلنا إلى ابن إسحاق فقد وصلنا إلى إمام الأئمة وأكبر علماء السير والمغازي على الإطلاق، وفي كل العصور، ومن عليه كان اعتماد كل من كتب في السيرة النبوية ومغازي الرسول ﷺ ممن جاؤوا بعده. فهو فارس هذا الميدان دون منازع، لقد شهد له بذلك جمع من العلماء، منهم أستاذه محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، حيث قال: «من أراد المغازي فعليه

стр. 29

بابن إسحاق» . وقال عنه الإمام الشافعي: «من أراد التبحر في المغازي فهو عيال على ابن إسحاق» . ويقول عنه ابن خلكان وهو راوي هذه الأخبار: «وأما في المغازي والسير فلا تجهل إمامته» ، وسئل يحيى بن معين عن ابن إسحاق فقال: «قال عاصم بن عمر بن قتادة: لا يزال في الناس علم ما عاش ابن إسحاق» . وقال سفيان بن عيينة: «لا يزال في المدينة علم ما عاش هذا الغلام- يقصد ابن إسحاق-» وقال عنه الذهبي، وهو معروف بتحريه ودقته وصرامته في الحكم على الرجال: «والذي تقرر عليه العمل أن ابن إسحاق إليه المرجع في المغازي والأيام النبوية.. وكان أحد أوعية العلم، حبرا في معرفة المغازي والسير» «١» . وأقوال العلماء فيه مستفيضة، وكلها مجمعة على إمامته في المغازي والسير، لذلك رأينا أن نخصه بمزيد من التقصي والتفصيل لأخباره، حتى يعرف المسلمون علماءهم وأصحاب الفضل في إيصال أخبار وسير ومغاز وجهاد رسولهم وصحابته إليهم فمن هو ابن إسحاق. هو محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار- وقيل: يسار بن كوتان- المطلبي بالولاء، المديني؛ نسبة إلى مدينة الرسول ﷺ وكان يكنّى بأبي بكر، وقيل: بأبي عبد الله، وكان جده يسار من أهل قرية عين التمر بالعراق، وقد وقع في أسر المسلمين عندما فتح خالد بن الوليد ﵁ عين التمر فيما فتح من أرض العراق (سنة ١٢ هـ) في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ (١١- ١٣ هـ) وأرسل يسار بن خيار مع غيره من الأسرى إلى المدينة المنورة- عاصمة الدولة الإسلامية في ذلك الوقت- ولا يعرف على وجه اليقين ما إذا كانت أسرته عربية أم أعجمية، وإن كان ليس بعيدا أن تكون عربية مسيحية، وصار ولاء يسار إلى قيس بن مخرمة بن المطّلب، وقد أسلم فأعتقه مولاه، ومن ثم نسب إليهم فلقب بالمطّلبي. وكان ليسار بن خيار ثلاثة أولاد؛ أحدهم إسحاق، والد عالمنا الذي نتحدث عنه والذي طبقت شهرته الآفاق، وهو محمد بن إسحاق الذي ولد في المدينة المنورة، حوالي (عام ٨٥ هـ) ونشأ بها، وقد سبق أن أشرنا كثيرا إلى بيئة المدينة وفضلها وصلاحها وحركتها العلمية الواسعة في مسجد الرسول ﷺ ولا ينكر أحد فضل البيئة والوسط المحيط وتأثيرهما في تنشئته الناشئة، وأي بيئة أفضل من بيئة

стр. 30

فقد أسس الفاتح عمرو بن العاص مدينة الفسطاط (سنة ٢١ هـ) أي: عند تمام الفتح، أسس مسجده العتيق- أو تاج الجوامع- الذي يعتبر أول مسجد يؤسس في قارة أفريقيا والذي أصبح مركزا للدراسات الإسلامية، ومدرسة من أشهر المدارس، أساتذتها هم صحابة رسول الله ﷺ سواء الذين جاؤوا مع جيش الفتح مجاهدين، أو الذين لحقوا بهم وجاؤوا بعد تمام الفتح وطاب لهم المقام في أرض الكنانة، وعلى ضفاف النيل واستقروا فيها، وقد ازدهرت المدرسة المصرية في الدراسات الإسلامية، وذاع صيتها، وأصبحت لها مكانة علمية رفيعة، فتاقت نفوس علماء الأقطار الآخرى إلى زيارتها وملاقاة علمائها والأخذ عنهم وإعطائهم أيضا، فالعلم أخذ وعطاء، فما من عالم كبير في المشرق- في ذلك الوقت- سواء في مكة المكرمة، أو المدينة المنورة، أو الكوفة، أو البصرة، أو دمشق، أو بغداد، إلا وتراه قد زار مصر، وتعرف على علمائها وأخذ عنهم وأعطاهم. وكان من الطبيعي أن يتطلع طالب علم نابه مثل ابن إسحاق إلى زيارة بلد مثل مصر، فشد رحاله إليها، وهو في شرخ شبابه وفي مرحلة القوة والفتوة والقدرة على السفر، والشد والترحال، وحدة الذهن والقدرة على الحفظ والاستيعاب، فقد بدأ زيارته لمصر (عام ١١٥ هـ) ، أي: عندما كان في حوالي الثلاثين من عمره، وقد تجول في أقاليم مصر، وزار مدينة الإسكندية، التي كانت عاصمة مصر منذ أسسها الإسكندر الأكبر المقدوني، في الثلث الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد إلى الفتح الإسلامي في منتصف القرن السابع الميلادي، أي: أنها ظلت عاصمة مصر قرابة ألف عام، وكانت بها مدرسة علمية لها شهرة عالمية، في علوم الطب والفلك والهندسة والرياضيات والكيمياء والفلسفة. فكان من الطبيعي أن يزور ابن إسحاق الإسكندرية ما دام قد حل بأرض مصر. وقد التقى بكثيرين من علماء مصر، وفي مقدمتهم عالمها الأكبر، يزيد بن أبي حبيب، وروى عنه كثيرا، وقد أشرنا فيما سبق- ونحن نتحدث عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري شيخ ابن إسحاق- إلى الوثيقة التي رواها ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب، ثم عرضها على شيخه الزهري، ليتأكد من صحة المعلومات التي جاءت بها ثم التقى بعبد الله بن جعفر، والقاسم بن قزمان، وعبيد الله بن المغيرة وغيرهم، وبعد أن تزود من علم علماء مصر، وتأثر بهم وأثر فيهم، واطلع على اتجاهات المدرسة المصرية في الدراسات الإسلامية، عاد إلى المدينة ليواصل

стр. 31

دراسته على أيدي أساتذته فيها. ولم يغادرها بصفة نهائية- على ما يرجح- إلا في رحلته الأخيرة إلى العراق بعد قيام الدولة العباسية (سنة ١٣٢ هـ) ، حيث عاش بقية حياته فيها. * رحلته إلى العراق: عاش ابن إسحاق في المدينة المنورة بصفة مستمرة حوالي نصف قرن، ولم يغادرها إلا للحج إلى مكة المكرمة، وزيارته لمصر سنة (١١٥ هـ) - والتي يبدو أنها لم تطل- ويبدو أن من الأسباب التي جعلت ابن إسحاق يلزم المدينة المنورة ولم يغادرها كثيرا أن صلته لم تكن ودية مع دولة بني أمية، فلم نسمع أنه قام بزيارة لعاصمتهم دمشق، وذلك عكس أستاذه محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، الذي كان على علاقة وطيدة مع خلفاء بني أمية ومنحوه ثقتهم، خاصة أصلحهم وأعلمهم عمر بن عبد العزيز، وقد رأينا فيما سبق ثناء عمر بن عبد العزيز على الزهري. أما تلميذه ابن إسحاق فلم نسمع منه أنه اتصل بأحد من خلفاء بني أمية، ولعل موقف ابن إسحاق هذا من الدولة الأموية كان منسجما مع موقف عامة أهل المدينة الذين كانوا لا يحملون ودّا لبني أمية، ولم تنطو قلوبهم على حب لدولتهم وخلفائها ورجالها- باستثناء عمر بن عبد العزيز- الذي كان موضع حب وإعجاب وثقة جميع المسلمين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم لسلوكه القويم وصلاحه وتقواه وعدله وطهارة سيرته، أما بقية خلفاء بني أمية فلم يحظوا بحب أهل المدينة ولا رضاهم، أو قل: إن موقف أهل المدينة من خلفاء بني أمية كان أقرب إلى العداء والبغضاء منه إلى الولاء والحب والود. ولعل أهل المدينة لم ينسوا قط يوم الحرة أو موقعة الحرة التي جرت بينهم وبين جيش الخليفة الأموي يزيد بن معاوية (سنة ٦٣ هـ) على إثر ثورتهم ضده التي قادها عبد الله بن حنظلة، والتي انتهت بهزيمتهم وقتل الكثيرين منهم. ونسب للجيش الأموي أعمال فظيعة إذا صحت تكون كارثة؛ لأنها تخالف مبادئ الإسلام وآداب الحرب فيه حتى مع غير المسلمين فكيف مع مسلمين يعيشون في جوار رسول الله ﷺ ، على أية حال لم ينس أهل المدينة ذلك اليوم ولم تصف نفوسهم لبني أمية، وظلت ذكرى ذلك اليوم الحزين عالقة في نفوسهم، وكان ابن إسحاق واحدا منهم، شاركهم في مشاعرهم تلك وليس هذا غريبا.

стр. 32

خرج الناس جميعا يشيعون جنازته حتى لم يوجد في البصرة من يقيم صلاة العصر، وكذلك كانت نظرة الناس لمحمد بن سيرين وغيره من الموالي. لهذا نرى أن ما نسب لابن إسحاق في ذلك غير صحيح؛ لأنه لو كان في الولاء نقص لعاد عليه هو نفسه. أما الذي يمكن أن يكون سببا من أسباب الخلاف، فهو كثرة انتقاد ابن إسحاق لعلم مالك، فقد روي عنه أنه كان يقول: «ائتوني ببعض كتب مالك، حتى أبين عيوبه، أنا بيطار كتبه» فلما سمع مالك ذلك حنق على ابن إسحاق، وحمل عليه وسفه علمه. وقد روى الخطيب البغدادي عن أحد تلاميذ ابن إسحاق؛ وهو عبد الله بن إدريس أنه قال: قلت لمالك بن أنس- وقد ذكر المغازي-: قال ابن إسحاق: أنا بيطارها، فقال: هو قال لك: أنا بيطارها؟ نحن نفيناه من المدينة. ويضيف العلماء سببا آخر للخلاف والجفاء بين ابن إسحاق، والإمام مالك بن أنس، فيقولون: إن ابن إسحاق كان يتهم بالتشيع، فعاداه مالك بن أنس- وهو إمام من أكبر أئمة أهل السنة- من أجل ذلك «١» . وإذا كان ذلك الاتهام صحيحا فمن الجائز أن يكون أيضا وراء الجفاء وعدم المودة بين ابن إسحاق والدولة الأموية. هذا عن الخلاف- وأسبابه- بين ابن إسحاق والإمام مالك بن أنس. أما خلاف ابن إسحاق مع هشام بن عروة بن الزبير، فترجعه المصادر التي تناولته إلى أن ابن إسحاق كان يروي الحديث عن فاطمة بنت المنذر- زوج هشام بن عروة- فأغضب ذلك هشاما وأثار غيرته وحفيظته، وقال: «متى دخل عليها ومتى سمع منها؟» «٢» . ويبدو أن رواية ابن إسحاق عن فاطمة بنت المنذر صحيحة، أكدها سفيان الثوري حين سئل: أكان ابن إسحاق قد جالس فاطمة بنت المنذر وسمع منها؟ فقال: «أخبرني ابن إسحاق أنها حدثته وأنه دخل عليها» «٣» . وهذا الخبر في حد ذاته ليس غريبا ولا مستنكرا، إنما الغريب حقّا هو غضب هشام بن عروة من ابن إسحاق، وحملته عليه بسببه، فرواية الرجال عن النساء وقعت وتقع كثيرا، ولم يستغربه أو ينكره أحد من علماء المسلمين، وقد روى الصحابة والتابعون عن أمهات المؤمنين- أزواج النبي ﷺ ولم يستنكر ذلك أحد. بل إن ابن إسحاق نفسه روى عن زوجة أستاذ آخر من أساتذته، وهي فاطمة بنت عمارة الأنصارية زوج عبد الله ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، ولم ينكره ولم يعترض عليه،

стр. 33

بل يروى أن زوجها نفسه- عبد الله بن أبي بكر- هو الذي طلب منها أن تحدّث ابن إسحاق وقال لها: «حدثي محمدا ما سمعت من عمرة بنت عبد الرحمن» فقالت له- أي لابن إسحاق- «سمعت عمرة تقول: سمعت عائشة تقول ... إلى آخر الحديث» فرواية ابن إسحاق إذا عن فاطمة بنت المنذر- زوج هشام بن عروة- ليست حدثا فريدا نادر الوقوع، بل هو أمر مألوف في تراثنا الإسلامي ولا غبار عليه. وفوق ذلك فإن فارق السن بين فاطمة بنت المنذر وبين تلميذها ابن إسحاق كبير وينتفي معه أي سبب للغيرة- التي هي شيء طبيعي في طبائع الناس لو كان لها ما يبررها- فقد ولدت فاطمة- زوج هشام- (عام ٤٨ هـ) ، وأما ابن إسحاق فقد ولد (عام ٨٥ هـ) كما سبق ذكره؛ فهي تكبره بسبع وثلاثين سنة. * مكانة ابن إسحاق العلمية: سبق الحديث عن مكانة ابن إسحاق العلمية وإمامته في علم المغازي والسير ولا يكاد يوجد خلاف- بل هناك إجماع- على أنه إمام ورائد في ذلك الفن، وكتابه في سيرة الرسول ﷺ عمدة في ذلك العلم الجليل، وعليه اعتمد ومنه أخذ ونهل كل من كتب بعده في سيرة الرسول ومغازيه، وإليك آراء العلماء في مكانة ابن إسحاق، ودرجة الثقة به في الحديث الشريف عن رجال الجرح والتعديل. فمن المعلوم أن العلماء- خاصة رجال الجرح والتعديل أو من يسمّون بعلماء الرجال- يتشددون للغاية في الحكم على الرجال الذين يأخذون عنهم الحديث، أكثر من تشددهم في الحكم على رجال المغازي والسير ورواة التاريخ والأخبار؛ وذلك لأن الحديث الشريف هو المصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية- بعد القرآن الكريم- وينبني عليه معرفة الحلال والحرام، وأحكام العبادات والمعاملات. لذلك وضع علماء الجرح والتعديل شروطا قاسية لرجال السند- سند الحديث- وهم سلسلة الرواة، وليس هنا مكان تفصيل ذلك. ورغم كل ذلك فإن معظم علماء الحديث يكادون يجمعون على توثيق حديث ابن إسحاق، فقد سئل يحيى بن معين- وهو من هو في علم الرجال- فقال: «كان ثقة حسن الحديث» «١» . وقال شعبة بن الحجاج: «محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث» ، وقال: «لو سوّد أحد في الحديث لسوّد ابن إسحاق» «٢» .

стр. 34

مشاهدة مواقع الغزوات بنفسه ويتفقد الميادين التي شهدت جهاد الرسول ﷺ وأصحابه. بل إن الاهتمام بمغازي رسول الله ﷺ لم يبق مقصورا على مؤلفات علماء المغازي والسير؛ فعلماء الحديث من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد وغيرهم قد ضمّنوا كتبهم أبوابا عن مغازي رسول الله ﷺ ؛ لهذا- ربما- اكتفى محمد بن سعد بأن سمى كتاب ابن إسحاق: كتاب «المغازي» . ثم أخذت فكرة الكتابة في هذا المجال تنمو وتتطور حتى شملت حياة الرسول كلها والتأريخ للدعوة والدولة الإسلامية في عهده ﷺ وهذا ما يفهمه الناس الآن إذا تحدثوا عن السيرة النبوية. * متى ألف ابن إسحاق ؟ الرواية المشهورة أن محمد بن إسحاق ألف كتابه- السيرة والمبتدأ والمغازي- في العراق بتكليف من الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، فالبغدادي في تاريخ بغداد، وابن خلكان في وفيات الأعيان «١» ، وغيرهما ممن ترجموا لابن إسحاق: يروون أنه وفد على أبي جعفر المنصور في الحيرة، وذلك قبل أن يتم بناء بغداد وينتقل إليها المنصور- ولقد انتقل المنصور إلى بغداد واتخذها عاصمة لدولته (سنة ١٤٥ هـ) - وبينما كان ابن إسحاق عند المنصور، ودخل عليه محمد بن المنصور- الذي لقب بالمهدي بعد أن أصبح خليفة بعد وفاة أبيه- فقال المنصور لابن إسحاق: أتعرف هذا يا ابن إسحاق؟ قال: نعم، هذا ابن أمير المؤمنين. قال: اذهب فصنف له كتابا منذ خلق الله آدم ﵇ إلى يومنا هذا. فذهب فصنف له هذا الكتاب، فقال المنصور: لقد طولته يا ابن إسحاق، فاذهب فاختصره. فاختصره، فهو هذا الكتاب المختصر، وألقى الكتاب الكبير في خزانة أمير المؤمنين. معنى هذا أن سيرة ابن هشام التي بين أيدينا، والتي هي تلخيص لسيرة ابن إسحاق الأصلية، هي تلخيص التلخيص، أو مختصر المختصر، وأن الكتاب الأصلي كان كبير الحجم جدّا ولم يصل إلينا لسوء الحظ، حتى تلخيص ابن إسحاق الأصلي لم يصل إلينا كاملا حتى الآن، وإن كنا سمعنا أنهم عثروا عليه مخطوطا في المملكة المغربية ولكنهم يتكتمون أمره، وحتى الآن لا نعرف ما إذا كانوا عثروا عليه حقيقة أم لا، وإذا كانوا عثروا عليه هل نشروه أم لا، وكل ما نعرف منه هو

стр. 35

ما جاءنا عن طريق ابن هشام والذي يعرفه الناس الآن بسيرة ابن هشام والرواية السابقة عن تكليف أبي جعفر المنصور لابن إسحاق بكتابة كتاب في التاريخ من بدء الخليفة إلى وقته هي المشهورة، ومع شهرتها فإن النفس لا تطمئن إليها؛ بل يمكننا أن نقول: إن محمد بن إسحاق قد ألف كتابه، أو وضع أصوله على الأقل قبل أن يغادر المدينة المنورة إلى العراق؛ وذلك للأسباب الآتية: أولا: تنص تلك الرواية المشهورة- التي أوردها البغدادي وابن خلكان وغيرهما- على أن الخليفة أبا جعفر المنصور طلب من ابن إسحاق أن يؤلف لابنه وولي عهده- محمد المهدي- كتابا منذ خلق الله آدم إلى وقته الذي هو فيه، وذلك الوقت وإن لم يحدد بدقة، فهو بالتأكيد بعد (سنة ١٣٦ هـ) ، وهي السنة التي تولى فيها أبو جعفر المنصور الخلافة- بعد وفاة أخيه أبي العباس السفّاح- وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا توقف ابن إسحاق بالكتاب عند وفاة الرسول ﷺ ولم يضمنه شيئا سوى سيرة الرسول ﷺ ، إلا ما كان من حديثه عن مؤتمر السقيفة، وبيعة الخليفة الأول أبي بكر الصديق ﵁ وهي أمور من النتائج المباشرة لوفاة الرسول ﷺ . ثانيا: إن كتاب ابن إسحاق الأصلي الذي اختصره ابن هشام كان يحتوي على أخبار ما كان يرضى عنها العباسيون؛ بل كانوا يستاؤون منها، مثل مشاركة جدهم العباس بن عبد المطلب في معركة بدر في صفوف المشركين ضد النبي ﷺ ووقوعه في الأسر، وفداؤه نفسه بقدر كبير من المال، ورغم ما روي من أن الرسول ﷺ قال عن العباس: إنه خرج مكرها، بل نهى عن قتله- إلا أن العباسيين كانوا يستاؤون جدّا من تلك القصة- التي ذكرها ابن إسحاق في كتابه الأصلي- ونحن عرفنا ذلك من رواية العلماء الذين أخذوا عن الأصل، مثل الطبري- ولذلك حذفها ابن هشام عند تلخيصه لسيرة ابن إسحاق إرضاء للعباسيين، وتحاشى ذكرها في كتاباته كل من محمد بن عمر الواقدي، وكاتبه محمد بن سعد لنفس السبب وهو كراهية العباسيين لذكرها. لذلك لو كان ابن إسحاق قد ألف كتابه بأمر أبي جعفر المنصور لكان من المستبعد أن يذكر هذه القصة، وهو يعلم أن الخليفة يستاء من ذكرها. لذلك نرجح أن أصول الكتاب وضعت في المدينة.

стр. 36

في مقتطفات ليست في نص ابن هشام، وصلنا إلى الصورة التالية لمنهج ابن إسحاق: أ- التاريخ الجاهلي: وهو القسم الأول من كتاب ابن إسحاق- الذي يسميه: «المبتدأ» - الذي ينقسم إلى أربعة فصول، يتناول أولها الوحي قبل الإسلام، منذ خلق الله العالم، حتى عيسى ﵇، وقد لقي هذا الفصل الحظ الأوفر من إعراض ابن هشام. ولما كان ابن إسحاق معنيّا في كل مكان بالتاريخ السنوي، أعد هذا الفصل أيضا مثل هذه الإحصاآت، وعني بروايات وهب بن منبه، وروايات ابن عباس، وأخبار الأدباء اليهود والمسيحيين، ونص الكتاب المقدس نفسه، إلى جانب رجوعه للقرآن. ويظهر فيه إلى جانب رجال الكتاب المقدس القبائل العربية، من عاد وثمود الذين أرسل الله إليهم رسله، كما يقول القرآن الكريم، لكنه يذكر أيضا طسما وجديسا؛ وهما غير مذكورتين في القرآن. ويتناول الجزء الثاني من المبتدأ الذي حفظت مادته في كتاب ابن هشام، والذي يمكن تكميله من الطبري أيضا: تاريخ اليمن في العصور الجاهلية. ويتناول الفصل الثالث من المبتدأ: القبائل العربية وعبادتها الأصنام. ويتناول الفصل الرابع: أجداد النبي ﷺ والديانات المكية. ب- المبعث: ويشمل تاريخ حياة النبي ﷺ في مكة، والهجرة، وربما شمل العام الأول من نشاطه في المدينة، ويكثر في هذا الجزء عدد الأسانيد، وجل اعتماد ابن إسحاق فيه على روايات أساتذته المدنيين التي يبرزها في نظام سنوي، وهو يقدم الأخبار الفردية بموجز حاو لمحتوياتها في الغالب، وفي هذا الجزء إلى جانب القصص التي يوردها بإسناد أو بغير إسناد، توجد وثيقة على جانب كبير من الأهمية دونها ابن إسحاق وحده، ولم يذكرها أحد من كتاب المغازي الأولين، تلك الوثيقة هي معاهدة المدينة المشهورة- التي وقعها النبي ﷺ مع قبائل المدينة- وهي المسماة ب: نظام مجتمع المدينة، ويسميها بعض الكتاب المحدثين: دستور المدينة، وكذلك يوجد بهذا الجزء من سيرة ابن إسحاق مجموعات كاملة من القوائم بأسماء الرجال، منها قائمة بأسماء المؤمنين الأولين وقائمة بأسماء المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة، وقائمة بأسماء أول من أسلم من الأنصار، وقائمة بأسماء الذين اشتركوا في بيعة العقبة،

стр. 37

وقائمة بأسماء المهاجرين والأنصار الذين تلقوهم في المدينة، وقائمة بأسماء المهاجرين والأنصار الذين آخى بينهم النبي ﷺ . ج- المغازي: الجزء الثالث والأخير من كتاب ابن إسحاق- والذي يسمى المغازي هو تأريخ لحياة النبي ﷺ في المدينة منذ أول يوم إلى أن لحق بالرفيق الأعلى في الثاني عشر من ربيع الأول (سنة ١١ هـ) إضافة إلى بعض الأحداث التي ترتبت على وفاته ﷺ مثل: مؤتمر سقيفة بني ساعدة، الذي ناقش فيه الصحابة من المهاجرين والأنصار مسألة الخلافة، والذي انتهوا فيه إلى بيعة أبي بكر الصدّيق خليفة لرسول الله ﷺ في حكم الأمة الإسلامية. ولم يكد ابن إسحاق يترك شيئا من أعمال النبي ﷺ في المدينة، بدا من تأسيس مسجده والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار- طبعا جل المؤاخاة كانت بين المهاجرين والأنصار- لكن كانت إلى جانب ذلك مؤاخاة بين مهاجر ومهاجر؛ كمؤاخاته ﷺ مع علي بن أبي طالب، وكمؤاخاة عمه حمزة بن عبد المطلب مع مولاه زيد بن حارثة- وهم مهاجرون- إضافة إلى معاهدة المدينة، وهذه الثلاثة، بناء المسجد والمؤاخاة والمعاهدة يعتبرها المؤرخون أهم أركان وأسس الدولة الإسلامية، التي أقامها الرسول ﷺ في المدينة بعد الهجرة، ثم تنتشر في هذا الجزء من كتاب ابن إسحاق أخبار غزوات الرسول ﷺ بشكل تفصيلي وكل ما يتعلق بذلك من تشريع وأخبار وأحكام، كما تنتشر فيه أيضا أخبار النبي الشخصية خاصة أزواجه وعلاقاته بهن، وهكذا إلى أن وصل إلى مرض ووفاة النبي ﷺ . فعالج كل ذلك بتفصيل واف والقاعدة الرئيسية هنا هي وجود الإسناد، ومصادر ابن إسحاق في كل ذلك شيوخه المدنيون، وأهمهم محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو. * عمرو بن حزم الأنصاري: الذي يدين له ابن إسحاق بالنظام السنوي في ترتيب الأحداث، وإضافة إلى هؤلاء الشيوخ الكبار؛ فإن ابن إسحاق أخذ كثيرا عن غيرهم، خاصة من أقارب الرجال والنساء الذين اشتركوا في الحوادث، وسمعوا منهم، وأدوا ما سمعوه لابن إسحاق وغيره، ويستخدم ابن إسحاق منهجا واضحا ومحددا في عرض غزوات الرسول ﷺ فيقدم ملخصا للمحتويات في المقدمة، ثم يتبع ذلك بخبر جماعي

стр. 38

قيض الله له الأستاذ وستنفيلد فقام على تحقيقه، وطبعه في مدينة جوتنجن بألمانيا (سنة ١٨٥٩ م) . ومنذ أن ظهر مطبوعا عرف الناس قيمته، وتوجهت إليه أنظار الباحثين والمهتمين بسيرة رسول الله ﷺ ، وانتشر انتشارا واسع النطاق في ربوع العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه. وتوالت طبعاته بعد ذلك، فطبع في مطبعة بولاق، وظهرت له أكثر من طبعة محققة، من أهمها تلك التي حققها فضيلة الشيخ المرحوم محمد محيي الدين عبد الحميد- عميد كلية اللغة العربية الأسبق- وأحد كبار العلماء، ومن الذين لهم في مجال التحقيق باع طويل. كذلك من الطبقات المحققة تحقيقا جيدا تلك التي قام بتحقيقها الأستاذ مصطفى السقا وزملاؤه. وبعد؛ فهذا هو محمد بن إسحاق- أحد أعلام الطبقة الثالثة- بل رأس تلك الطبقة من كتّاب المغازي والسير، والرائد الأول للكتابة المنظمة المنهجية في سيرة رسول الله ﷺ ، وهذا هو كتابه الخالد الذي لم يسبقه أحد إلى مثله، والذي أصبح الأصل الأصيل لكل من كتب في السيرة النبوية منذئذ إلى وقتنا هذا، وسيظل هو المرجع الأساسي في علوم السيرة. ولا أظن أن هذا البحث يكتمل دون أن يتضمن تعريفا بعلمين آخرين من أعلام كتابة المغازي والسير، وهما محمد بن عمر الواقدي ، وتلميذه وكاتبه محمد بن سعد. * الواقدي: هو محمد بن عمر بن واقد- الملقب بلقبه المشهور الواقدي- وهو مولى من الموالي، قيل: مولى بني هاشم، وقيل: مولى بني سهم بن أسلم. يعتبر الواقدي- عند العلماء- «١» الثاني بعد ابن إسحاق في سعة العلم بالمغازي والسير. وقد ولد الواقدي بالمدينة المنورة (سنة ١٣٠ هـ) وتوفي (سنة ٢٠٧ هـ) ببغداد، ودفن في مقابر الخيزران، حسب رواية تلميذه محمد بن سعد، وقد لقي كثيرا من الشيوخ وأخذ عنهم العلم مثل معمر بن راشد، ومالك بن أنس- الإمام المشهور- وسفيان الثوري، ومن أشهر شيوخه في السير والمغازي والتاريخ أبو معشر

стр. 39

السّندي، الذي وصفة الإمام أحمد بن حنبل بأنه كان بصيرا بالمغازي «١» . وقد ألف فيها كتابا ذكره ابن النديم في الفهرست، اقتبس منه ابن سعد في كتابه الطبقات الكبرى في الجزء الخاص بالسيرة النبوية وكذلك الطبري. وقد استفاد الواقدي كثيرا من علم أبي معشر خاصة في المغازي والتاريخ عندما تتلمذ عليه وهو في المدينة «٢» . وقد اتصل الواقدي بالخلفاء العباسيين، بدا من هارون الرشيد عن طريق علمه وسعة معلوماته عن الغزوات ومشاهد رسول الله ﷺ ، فقد روي أن أمير المؤمنين هارون الرشيد لما حجّ في أول سنة من خلافته (سنة ١٧٠ هـ) ، قال ليحيى بن خالد البرمكي: «ارتد لي رجلا عارفا بالمدينة والمشاهد، وكيف كان نزول جبريل ﵇ على النبي ﷺ . ومن أي وجه كان يأتيه، وقبور الشهداء. فسأل يحيى بن خالد عن العالم الذي تتوفر فيه تلك الصفات التي طلبها الخليفة فدله الناس على الواقدي، وذلك حسب قوله هو- أي: الواقدي- فقد قال: «كلهم دلّه عليّ، فبعث إليّ فأتيته، وذلك بعد العصر، فقال لي: يا شيخ؛ إن أمير المؤمنين- أعزه الله- يريد أن تصلي العشاء الآخرة في المسجد، وتمضي معنا إلى هذه المشاهد، فتوقفنا عليها ففعلت، ولم أدع موضعا من المواضع، ولا مشهدا من المشاهد إلا مررت بهما- يعني الخليفة هارون الرشيد ووزيره يحيى بن خالد البرمكي- عليه، ومنحاه مالا كثيرا وطلب إليه يحيى بن خالد البرمكي- الذي كانت كلمته نافذة في الدولة العباسية كلها في ذلك الوقت- أن يصير إليه في العراق، ففعل، وتوطدت صلته به وأغدق عليه كثيرا من الأموال وأخلص هو في حبه للبرامكة، حتى أنه بعد نكبتهم المشهورة (سنة ١٨٧ هـ) كان كثير الترحم على يحيى بن خالد كلما ذكر اسمه. ورغم صلة الواقدي القوية بالبرامكة إلا أن مكانته في بلاط خلفاء بني العباس ظلت كما هي ولم ينله ضرر بسبب تلك الصلة بعد نكبتهم، بل ازدادت مكانته وثقة الخلفاء فيه إلى الحد الذي جعل المأمون يوليه القضاء في عسكر المهدي، وهي المحلة المعروفة بالرصافة في شرق بغداد. وكان المأمون كثير الإكرام له، ويداوم على رعايته، وظل في منصب القضاء حتى وفاته (سنة ٢٠٧ هـ) على أرجح الأقوال.

стр. 40

لهم على سلامة منهجه، فجاءهم بالأحاديث الخاصة بغزوة أحد باتباع إفراد كل حديث بسنده فاستكثروا ذلك، وقالوا: ردّنا إلى الأمر الأول «١» . والخلاصة، أنه مهما كان من أمر اختلاف العلماء حول الواقدي- والناس لا يختلفون عادة إلا على الأشياء الكبيرة- فقد كان واسع العلم بالمغازي والسير، كما كان عالما بالفقه والحديث والتفسير، وكان من أكبر المصادر التي عول عليها واعتمدها كبار المؤرخين، خاصة الطبري. وقد سبق أن ابن النديم عدّ للواقدي ما يقرب من أربعين كتابا في مختلف العلوم الإسلامية، أشهرها في السير والمغازي، والفتوح، كفتوح الشام، وفتوح العراق. فرحمه الله وجزاه عن العلم خير الجزاء. * محمد بن سعد: يعتبر محمد بن سعد آخر الكتاب الكبار في المغازي والسير، وهو من مواليد البصرة (سنة ١٦٨ هـ) ، وكان من الموالي؛ فاباؤه كانوا موالي للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وقد رحل ابن سعد إلى المدينة المنورة، ثم إلى بغداد، حيث اتصل بأستاذه محمد بن عمر الواقدي، وارتبط به ارتباطا وثيقا، وكان يدوّن له كتبه وأحاديثه «٢» ، ومن أجل ذلك اشتهر بأنه كاتب الواقدي، واستفاد ابن سعد من أستاذه فائدة كبرى، ومعظم كتبه التي ألفها استقاها من علمه- وليس معنى هذا أنه لم يستفد من علم غيره، فقد استفاد كثيرا من علماء آخرين سبقوا الواقدي كابن إسحاق وأبي معشر السندي، وموسى بن عقبة، وغيرهم- وكما استفاد ابن سعد من علم أستاذه، فقد كان هو نفسه صاحب فضل كبير في ترتيب علم أستاذه، وكثيرا ما كان يزيد عليه، فقد كان يكمل ما كان ينقص الواقدي من أخبار الجاهلية. وقد استعان في ذلك بعلم هشام الكلبي، الذي كان حجة في أخبار الجاهلية وقد خلف لنا ابن سعد واحدا من أهم وأشهر المصادر الإسلامية، في السير والمغازي، وأخبار الصحابة والتابعين وطبقاتهم- وهو كتاب الطبقات الكبرى، والذي وصلنا سالما- لحسن الحظ- وهو في ثمانية أجزاء، وقد خصص ابن سعد الجزأين الأول والثاني منه لسيرة رسول الله ﷺ ومغازيه والأجزاء الستة الباقية خصصها لأخبار الصحابة والصاحبيات والتابعين
следующие страницы →