في مقتطفات ليست في نص ابن هشام، وصلنا إلى الصورة التالية لمنهج ابن إسحاق:
أ- التاريخ الجاهلي:
وهو القسم الأول من كتاب ابن إسحاق- الذي يسميه: «المبتدأ» - الذي ينقسم إلى أربعة فصول، يتناول أولها الوحي قبل الإسلام، منذ خلق الله العالم، حتى عيسى ﵇، وقد لقي هذا الفصل الحظ الأوفر من إعراض ابن هشام.
ولما كان ابن إسحاق معنيّا في كل مكان بالتاريخ السنوي، أعد هذا الفصل أيضا مثل هذه الإحصاآت، وعني بروايات وهب بن منبه، وروايات ابن عباس، وأخبار الأدباء اليهود والمسيحيين، ونص الكتاب المقدس نفسه، إلى جانب رجوعه للقرآن.
ويظهر فيه إلى جانب رجال الكتاب المقدس القبائل العربية، من عاد وثمود الذين أرسل الله إليهم رسله، كما يقول القرآن الكريم، لكنه يذكر أيضا طسما وجديسا؛ وهما غير مذكورتين في القرآن.
ويتناول الجزء الثاني من المبتدأ الذي حفظت مادته في كتاب ابن هشام، والذي يمكن تكميله من الطبري أيضا: تاريخ اليمن في العصور الجاهلية.
ويتناول الفصل الثالث من المبتدأ: القبائل العربية وعبادتها الأصنام. ويتناول الفصل الرابع: أجداد النبي ﷺ والديانات المكية.
ب- المبعث:
ويشمل تاريخ حياة النبي ﷺ في مكة، والهجرة، وربما شمل العام الأول من نشاطه في المدينة، ويكثر في هذا الجزء عدد الأسانيد، وجل اعتماد ابن إسحاق فيه على روايات أساتذته المدنيين التي يبرزها في نظام سنوي، وهو يقدم الأخبار الفردية بموجز حاو لمحتوياتها في الغالب، وفي هذا الجزء إلى جانب القصص التي يوردها بإسناد أو بغير إسناد، توجد وثيقة على جانب كبير من الأهمية دونها ابن إسحاق وحده، ولم يذكرها أحد من كتاب المغازي الأولين، تلك الوثيقة هي معاهدة المدينة المشهورة- التي وقعها النبي ﷺ مع قبائل المدينة- وهي المسماة ب: نظام مجتمع المدينة، ويسميها بعض الكتاب المحدثين: دستور المدينة، وكذلك يوجد بهذا الجزء من سيرة ابن إسحاق مجموعات كاملة من القوائم بأسماء الرجال، منها قائمة بأسماء المؤمنين الأولين وقائمة بأسماء المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة، وقائمة بأسماء أول من أسلم من الأنصار، وقائمة بأسماء الذين اشتركوا في بيعة العقبة،
стр. 37
وقائمة بأسماء المهاجرين والأنصار الذين تلقوهم في المدينة، وقائمة بأسماء المهاجرين والأنصار الذين آخى بينهم النبي ﷺ .
ج- المغازي:
الجزء الثالث والأخير من كتاب ابن إسحاق- والذي يسمى المغازي هو تأريخ لحياة النبي ﷺ في المدينة منذ أول يوم إلى أن لحق بالرفيق الأعلى في الثاني عشر من ربيع الأول (سنة ١١ هـ) إضافة إلى بعض الأحداث التي ترتبت على وفاته ﷺ مثل: مؤتمر سقيفة بني ساعدة، الذي ناقش فيه الصحابة من المهاجرين والأنصار مسألة الخلافة، والذي انتهوا فيه إلى بيعة أبي بكر الصدّيق خليفة لرسول الله ﷺ في حكم الأمة الإسلامية. ولم يكد ابن إسحاق يترك شيئا من أعمال النبي ﷺ في المدينة، بدا من تأسيس مسجده والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار- طبعا جل المؤاخاة كانت بين المهاجرين والأنصار- لكن كانت إلى جانب ذلك مؤاخاة بين مهاجر ومهاجر؛ كمؤاخاته ﷺ مع علي بن أبي طالب، وكمؤاخاة عمه حمزة بن عبد المطلب مع مولاه زيد بن حارثة- وهم مهاجرون- إضافة إلى معاهدة المدينة، وهذه الثلاثة، بناء المسجد والمؤاخاة والمعاهدة يعتبرها المؤرخون أهم أركان وأسس الدولة الإسلامية، التي أقامها الرسول ﷺ في المدينة بعد الهجرة، ثم تنتشر في هذا الجزء من كتاب ابن إسحاق أخبار غزوات الرسول ﷺ بشكل تفصيلي وكل ما يتعلق بذلك من تشريع وأخبار وأحكام، كما تنتشر فيه أيضا أخبار النبي الشخصية خاصة أزواجه وعلاقاته بهن، وهكذا إلى أن وصل إلى مرض ووفاة النبي ﷺ . فعالج كل ذلك بتفصيل واف والقاعدة الرئيسية هنا هي وجود الإسناد، ومصادر ابن إسحاق في كل ذلك شيوخه المدنيون، وأهمهم محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو.
* عمرو بن حزم الأنصاري:
الذي يدين له ابن إسحاق بالنظام السنوي في ترتيب الأحداث، وإضافة إلى هؤلاء الشيوخ الكبار؛ فإن ابن إسحاق أخذ كثيرا عن غيرهم، خاصة من أقارب الرجال والنساء الذين اشتركوا في الحوادث، وسمعوا منهم، وأدوا ما سمعوه لابن إسحاق وغيره، ويستخدم ابن إسحاق منهجا واضحا ومحددا في عرض غزوات الرسول ﷺ فيقدم ملخصا للمحتويات في المقدمة، ثم يتبع ذلك بخبر جماعي
стр. 38
قيض الله له الأستاذ وستنفيلد فقام على تحقيقه، وطبعه في مدينة جوتنجن بألمانيا (سنة ١٨٥٩ م) . ومنذ أن ظهر مطبوعا عرف الناس قيمته، وتوجهت إليه أنظار الباحثين والمهتمين بسيرة رسول الله ﷺ ، وانتشر انتشارا واسع النطاق في ربوع العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه.
وتوالت طبعاته بعد ذلك، فطبع في مطبعة بولاق، وظهرت له أكثر من طبعة محققة، من أهمها تلك التي حققها فضيلة الشيخ المرحوم محمد محيي الدين عبد الحميد- عميد كلية اللغة العربية الأسبق- وأحد كبار العلماء، ومن الذين لهم في مجال التحقيق باع طويل. كذلك من الطبقات المحققة تحقيقا جيدا تلك التي قام بتحقيقها الأستاذ مصطفى السقا وزملاؤه.
وبعد؛ فهذا هو محمد بن إسحاق- أحد أعلام الطبقة الثالثة- بل رأس تلك الطبقة من كتّاب المغازي والسير، والرائد الأول للكتابة المنظمة المنهجية في سيرة رسول الله ﷺ ، وهذا هو كتابه الخالد الذي لم يسبقه أحد إلى مثله، والذي أصبح الأصل الأصيل لكل من كتب في السيرة النبوية منذئذ إلى وقتنا هذا، وسيظل هو المرجع الأساسي في علوم السيرة.
ولا أظن أن هذا البحث يكتمل دون أن يتضمن تعريفا بعلمين آخرين من أعلام كتابة المغازي والسير، وهما محمد بن عمر الواقدي ، وتلميذه وكاتبه محمد بن سعد.
* الواقدي:
هو محمد بن عمر بن واقد- الملقب بلقبه المشهور الواقدي- وهو مولى من الموالي، قيل: مولى بني هاشم، وقيل: مولى بني سهم بن أسلم.
يعتبر الواقدي- عند العلماء- «١» الثاني بعد ابن إسحاق في سعة العلم بالمغازي والسير. وقد ولد الواقدي بالمدينة المنورة (سنة ١٣٠ هـ) وتوفي (سنة ٢٠٧ هـ) ببغداد، ودفن في مقابر الخيزران، حسب رواية تلميذه محمد بن سعد، وقد لقي كثيرا من الشيوخ وأخذ عنهم العلم مثل معمر بن راشد، ومالك بن أنس- الإمام المشهور- وسفيان الثوري، ومن أشهر شيوخه في السير والمغازي والتاريخ أبو معشر
стр. 39
السّندي، الذي وصفة الإمام أحمد بن حنبل بأنه كان بصيرا بالمغازي «١» . وقد ألف فيها كتابا ذكره ابن النديم في الفهرست، اقتبس منه ابن سعد في كتابه الطبقات الكبرى في الجزء الخاص بالسيرة النبوية وكذلك الطبري. وقد استفاد الواقدي كثيرا من علم أبي معشر خاصة في المغازي والتاريخ عندما تتلمذ عليه وهو في المدينة «٢» .
وقد اتصل الواقدي بالخلفاء العباسيين، بدا من هارون الرشيد عن طريق علمه وسعة معلوماته عن الغزوات ومشاهد رسول الله ﷺ ، فقد روي أن أمير المؤمنين هارون الرشيد لما حجّ في أول سنة من خلافته (سنة ١٧٠ هـ) ، قال ليحيى بن خالد البرمكي: «ارتد لي رجلا عارفا بالمدينة والمشاهد، وكيف كان نزول جبريل ﵇ على النبي ﷺ . ومن أي وجه كان يأتيه، وقبور الشهداء. فسأل يحيى بن خالد عن العالم الذي تتوفر فيه تلك الصفات التي طلبها الخليفة فدله الناس على الواقدي، وذلك حسب قوله هو- أي: الواقدي- فقد قال: «كلهم دلّه عليّ، فبعث إليّ فأتيته، وذلك بعد العصر، فقال لي: يا شيخ؛ إن أمير المؤمنين- أعزه الله- يريد أن تصلي العشاء الآخرة في المسجد، وتمضي معنا إلى هذه المشاهد، فتوقفنا عليها ففعلت، ولم أدع موضعا من المواضع، ولا مشهدا من المشاهد إلا مررت بهما- يعني الخليفة هارون الرشيد ووزيره يحيى بن خالد البرمكي- عليه، ومنحاه مالا كثيرا وطلب إليه يحيى بن خالد البرمكي- الذي كانت كلمته نافذة في الدولة العباسية كلها في ذلك الوقت- أن يصير إليه في العراق، ففعل، وتوطدت صلته به وأغدق عليه كثيرا من الأموال وأخلص هو في حبه للبرامكة، حتى أنه بعد نكبتهم المشهورة (سنة ١٨٧ هـ) كان كثير الترحم على يحيى بن خالد كلما ذكر اسمه.
ورغم صلة الواقدي القوية بالبرامكة إلا أن مكانته في بلاط خلفاء بني العباس ظلت كما هي ولم ينله ضرر بسبب تلك الصلة بعد نكبتهم، بل ازدادت مكانته وثقة الخلفاء فيه إلى الحد الذي جعل المأمون يوليه القضاء في عسكر المهدي، وهي المحلة المعروفة بالرصافة في شرق بغداد. وكان المأمون كثير الإكرام له، ويداوم على رعايته، وظل في منصب القضاء حتى وفاته (سنة ٢٠٧ هـ) على أرجح الأقوال.
стр. 40
لهم على سلامة منهجه، فجاءهم بالأحاديث الخاصة بغزوة أحد باتباع إفراد كل حديث بسنده فاستكثروا ذلك، وقالوا: ردّنا إلى الأمر الأول «١» .
والخلاصة، أنه مهما كان من أمر اختلاف العلماء حول الواقدي- والناس لا يختلفون عادة إلا على الأشياء الكبيرة- فقد كان واسع العلم بالمغازي والسير، كما كان عالما بالفقه والحديث والتفسير، وكان من أكبر المصادر التي عول عليها واعتمدها كبار المؤرخين، خاصة الطبري. وقد سبق أن ابن النديم عدّ للواقدي ما يقرب من أربعين كتابا في مختلف العلوم الإسلامية، أشهرها في السير والمغازي، والفتوح، كفتوح الشام، وفتوح العراق. فرحمه الله وجزاه عن العلم خير الجزاء.
* محمد بن سعد:
يعتبر محمد بن سعد آخر الكتاب الكبار في المغازي والسير، وهو من مواليد البصرة (سنة ١٦٨ هـ) ، وكان من الموالي؛ فاباؤه كانوا موالي للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وقد رحل ابن سعد إلى المدينة المنورة، ثم إلى بغداد، حيث اتصل بأستاذه محمد بن عمر الواقدي، وارتبط به ارتباطا وثيقا، وكان يدوّن له كتبه وأحاديثه «٢» ، ومن أجل ذلك اشتهر بأنه كاتب الواقدي، واستفاد ابن سعد من أستاذه فائدة كبرى، ومعظم كتبه التي ألفها استقاها من علمه- وليس معنى هذا أنه لم يستفد من علم غيره، فقد استفاد كثيرا من علماء آخرين سبقوا الواقدي كابن إسحاق وأبي معشر السندي، وموسى بن عقبة، وغيرهم- وكما استفاد ابن سعد من علم أستاذه، فقد كان هو نفسه صاحب فضل كبير في ترتيب علم أستاذه، وكثيرا ما كان يزيد عليه، فقد كان يكمل ما كان ينقص الواقدي من أخبار الجاهلية. وقد استعان في ذلك بعلم هشام الكلبي، الذي كان حجة في أخبار الجاهلية وقد خلف لنا ابن سعد واحدا من أهم وأشهر المصادر الإسلامية، في السير والمغازي، وأخبار الصحابة والتابعين وطبقاتهم- وهو كتاب الطبقات الكبرى، والذي وصلنا سالما- لحسن الحظ- وهو في ثمانية أجزاء، وقد خصص ابن سعد الجزأين الأول والثاني منه لسيرة رسول الله ﷺ ومغازيه والأجزاء الستة الباقية خصصها لأخبار الصحابة والصاحبيات والتابعين
стр. 41
والتابعيات حسب مواطنهم وأمصارهم؛ فمن في مكة المكرمة، ومن في المدينة المنورة، ومن في البصرة، ومن في الكوفة، ثم رتب علماء كل مصر، حسب شهرتهم وزمانهم.
وكان ابن سعد موضع ثقة المحدثين، ومدحه كثيرون منهم، فقد قال فيه الخطيب البغدادي: «محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه، فإنه يتحرى في كثير من رواياته» «١» .
وإذا كان ابن سعد قد تتلمذ على أشهر علماء السير والمغازي في وقته، وارتبط اسمه واشتهر بأنه كاتبه، وهو الواقدي؛ فقد كان هو بدوره أستاذا لكثير من العلماء، من أشهرهم المؤرخ الكبير، البلاذري صاحب كتاب فتوح البلدان، وهو من أشهر وأهم الكتب في موضوعه. وقد توفي ابن سعد في بغداد (سنة ٢٣٠ هـ) ﵀ رحمة واسعة.
هؤلاء العلماء الذين ذكرناهم، هم أشهر وأكبر مؤرخي وكتاب المغازي والسير، طوال القرنين الأول والثاني للهجرة ومطلع القرن الثالث، ومن خلال ما مر نستطيع أن نستنتج النتائج الآتية «٢» :
١- إن أكثر وأشهر كتاب السير والمغازي الأولين، كانوا من أهل من المدينة، وكان ذلك أمرا طبيعيّا؛ لأن أكثر أحداث السيرة وكل المغازي كانت في المدينة، والنبي ﷺ هو محور كل ذلك، وكان من حوله من الصحابة أعرف الناس بتلك الأخبار؛ لأنهم شهودها ومشتركون فيها، وكان يروونها ويحدثون بها ويتناقلونها في فخر واعتزاز كبيرين، وقد تلقى التابعون منهم كل ذلك بشغف كبير وسلموا كل ذلك إلى رجال التدوين الذين حفظوه بكل تفاصيله وسلموه بدورهم للأجيال التالية حتى وصل إلينا، وهو ثروة قلما حظيت بها أمة من الأمم عن تاريخ نبيها وسيرته ومغازيه، فجزاهم الله خير الجزاء، وغفر لهم، وأسكنهم فسيح جناته.
٢- كانت السير والمغازي- في البداية- جزآ من الحديث يرويه الصحابة، كما يروون الأحاديث، وقد شغلت السيرة النبوية حيزا غير قليل من الأحاديث، والذين ألفوا في الأحاديث لم تخل كتبهم من ذكر ما يتعلق بحياة النبي ﷺ ومغازيه
стр. 42
بحوث في السّيرة النّبويّة والتّاريخ الإسلاميّ قراءة ورؤية جديدة واقع الإنسان في المجتمعات الإسلامية المعاصرة
стр. 43
[البحث الثاني] صدى الدعوة في مدن الحجاز غير مكة- كالطائف والمدينة
* الحالة الدينية في الحجاز قبيل ظهور الإسلام:
شبه جزيرة العرب- بصفة عامة- من أولى بقاع الأرض التي عرفت الأديان السماوية، فكل الرسالات التي عرفها تاريخ البشرية نزلت على رسل، إما نشؤوا في شبه جزيرة العرب أو على مقربة منها. ومهما حاولنا تعليل اختصاص الله سبحانه تعالى هذه البقعة من الأرض برسالات السماء وتشريفها بها، فلن نصل إلى كنه الحقيقة؛ لأن الله وحده هو الذي يعلم حيث يجعل رسالته. ومع هذا فإن شبه الجزيرة العربية، كانت بصفة عامة تعيش، قبيل ظهور الإسلام، عهدا وثنيّا، فكيف يتفق هذا مع كونها مهدا للأديان السماوية، ومن أين جاءتهم الوثنية إذن؟ القصة المشهورة هي أن عمرو بن لحي الخزاعي هو أول من أدخل الوثنية إلى بلاد العرب «١» ، نقلها من الشام إلى الحجاز، ومن ثم انتقلت إلى بقية بلاد العرب «٢» ، ولكن يبدو أن هذه القصة ليست حقيقة تاريخية. فمن تتبع قصص الأنبياء الذين نشؤوا في شبه الجزيرة العربية في القرآن الكريم، يتضح لنا أنها عرفت الوثنية بأشكال متعددة قبل أن تعرف رسالات السماء، فعندما تقول عاد- وهم من العرب البائدة الموغلة في القدم- لهود ﵇: يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ [هود: ٥٣] . فمعنى ذلك أنهم كانت لهم آلهة وثنية يعبدونها، وأن بلاد العرب عرفت الوثنية قبل قصة عمرو ابن لحي. ولما امتنّ الله على هذه البلاد برسالات السماء آمن بها من آمن، وظل على وثنيته من ظل إلى أن كانت رسالة إبراهيم وإسماعيل ﵈ في إقليم الحجاز وعاشت زمنا طويلا. وبتطاول الزمن نسي الناس، إلا قليلا منهم، هذه الرسالات السماوية، وعادوا أدراجهم إلى الوثنية، ولم يبق من رسالات السماء في الحجاز إلا ظل باهت، ظل في عقول بعض الرجال الذين أدركوا فساد عبادة الأوثان، ومنافاتها حتى للكرامة الإنسانية «٣» .
стр. 44
حتى يروى أن النبي ﷺ قال وقد روي له بعض شعر أمية: «أمية آمن شعره وكفر قلبه» «١» ؛ لأن الرجل رغم عزوفه عن عبادة الأوثان وإيمانه بالبعث إلا أنه لم يؤمن بالنبي ﷺ حينما جاءته رسالة التوحيد؛ لأن الحسد أكل قلبه على النبي ﷺ «٢» ، شأن الكثيرين- سواء في مكة أو الطائف- من الذين حسدوه ﷺ على النبوة وكانوا يرون أنفسهم أحق بها، ولكن الله تعالى رد عليهم أبلغ رد بأن النبوة هبة من الخالق يهبها لمن يشاء من عباده، فعندما قالوا: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] ، قال: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [الزخرف: ٣٢] .
«وللحسد والتنافس والتنازع في هذه النفوس البدوية من عميق الأثر ما يخطئ الإنسان إذا هو حاول الإغضاء عنه أو لم يقدره حق قدره» «٣» . وقد أعمى الحسد بصائرهم عن إدراك الحقيقة، فأمية بن أبي الصلت- الذي كان يبشر في شعره بدين جديد- دفعه الحسد لأن يتخذ من النبي ﷺ موقفا معاديا، فلم يؤمن به، بل أكثر من ذلك أظهر تعاطفه مع قريش، حتى إنه حزن على قتلاها في بدر ورثاهم بشعر كثير «٤» .
معنى ذلك أن صدى الدعوة أخذ يتردد في الطائف منذ وقت مبكر، فالمسافة بين مكة والطائف ليست طويلة، والركبان لا تنقطع بين المدينتين لتشابك المصالح وترابط العلاقات، فكل ما يحدث في مكة- وبصفة خاصة إذا كان أمرا كالدعوة الإسلامية- لابد أن يكون له صدى في الطائف، ولكن رغم ذلك فإن المصادر لا تحدثنا عن ميل أحد من أهل الطائف إلى الإسلام من ناحية، ولم تحدثنا كذلك عن موقف عدائي إيجابي ضد النبي ﷺ قبل أن يتصل بهم في رحلته المشهورة إليهم، والتي كانت في العام العاشر للبعثة.
والذي يبدو لنا أن أهل الطائف اعتبروا أمر النبي ﷺ ودعوته في مكة، أمرا داخليّا يخص قريشا وحدها، ولم يشاؤوا أن يقحموا أنفسهم في هذا الأمر، ولكن إذا جاز لنا أن نتعرف على أسباب وقوف الطائف هذا الموقف من دعوة النبي، فإن
стр. 45
هذا الموقف لا يمكن أن يفهم إلا في ضوء مكانة قريش بين العرب من ناحية، وفي ضوء علاقات ثقيف بقريش من ناحية. فمكانة قريش الممتازة بين العرب وزعامتها ليست محل نزاع، وبناء على ذلك فإن أية قبيلة تقترب من النبي ﷺ في مرحلة الصراع بينه وبين قريش، كان يعتبر ذلك عداء مكشوفا لقريش، فإذا آمنت به وآزرته فإنها الحرب الصريحة لا محالة، ولم يكن أحد من العرب- لا ثقيف ولا غيرها- راغبا في أن يدخل مع قريش لا في عداء ولا في حرب. وقد يتميز موقف ثقيف عن غيرها من العرب في هذه الناحية بعلاقاتها القوية مع قريش، وكانت هذه العلاقات متعددة ومتنوعة، فيوجد بين مكة؛ حيث تسيطر قريش، وبين الطائف؛ حيث تسيطر ثقيف- أكثر من وجه للشبه، فإذا كانت مكة هي قلعة الوثنية في بلاد العرب؛ فإن الطائف مركز من مراكزها، وإذا كانت مكة مدينة تجارية؛ فإن الطائف مدينة تجارية زراعية صناعية، وكانت تصرف منتجاتها في مكة، وفي الأسواق الواقعة بينهما «وكان تجار مكة يجلبون من الطائف الخمور والزبيب والأدم (الجلود المدبوغة) ، وكان أهل مكة يستهلكون كثيرا من أعناب الطائف ورمانها، كما أن الثقيفيين كانوا يشاركون في قوافل مكة التجارية» «١» . وفوق ذلك فقد كانت هناك كثير من المصاهرات بين قريش وثقيف «٢» وكان معظم أغنياء مكة يملكون دورا وعقارات في الطائف ويقضون الصيف بها، بل كان هناك قرشيون يعيشون في الطائف بصفة دائمة «٣» . كما كانت القبيلتان تتشاوران في الأمور الخطيرة، وتتبادلان الرأي «٤» .
مما سبق يتضح لنا أن العلاقات والمصالح المشتركة، جمعت بين المدينتين ووحدت بين مواقفهما، فلما بعث النبي ﷺ وعارضته قريش، بل تزعمت معارضته؛ كانت حريصة على أن تضمن ولاء أصدقائها للوقوف معها في وجه النبي ﷺ الذي رأت- لقصر نظرها- أن رسالته تهدد مصالحها، ولذلك يلمح الإنسان نوعا من توحيد المواقف. فقولهم جميعا كما يقص القرآن الكريم: وَقالُوا*
стр. 46
الله أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك، وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك» «١» .
هذا هو موقف زعماء ثقيف من النبي ﷺ ، وقد تخلوا حتى عن أبسط مبادئ الرجولة والنخوة العربية؛ إذ لم يكفهم أنهم خيبوا أمله فيهم ولم يؤمنوا به ولم ينصروه، بل سبوه وأغروا به سفهاءهم يصيحون به ويشتمونه ويقذفونه بالحجارة.
ورفضوا أن يكتموا أمره، حيث كان يخشى انعكاس الموقف على أهل مكة وشماتتهم به، لكنهم لم يكتموه بل تعمدوا إظهار موقفهم المخزي هذا، لتطمئن قريش على موقفهم معها ومعاضدتها في عدائها للنبي ﷺ وسبب له ذلك حرجا وضيقا، فلم يستطع دخول مكة إلا في جوار المطعم بن عدي، ولم يكونوا يدرون أنهم بذلك فوتوا على أنفسهم فرصة نادرة، فلو قبلوا منه ونصروه لسموا أنصارا، ولكن هذا شرف كان الله تعالى قد ادخره لقوم آخرين. ولن يمر وقت طويل حتى يهيئ الله تعالى لدينه ونبيه أنصارا ودارا آمنة في المدينة، وسيتمكن من دحر قريش وإجبارها على قبول الإسلام كارهة، بعد أن رفضته طائعة. وبعد إذعان قريش تحت قوة السلاح، سيأتي دور ثقيف. فبعد إذعان قريش لم يعد في طاقة أحد من العرب أن يقف في وجه الدعوة التي جاءت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور. وصدق الله العظيم إذ يقول: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٢، ٣٣] .
* الحالة الدينية في المدينة قبيل البعثة:
المدينة المنورة؛ ذلك هو الاسم الذي أصبح أشهر الأسماء لمدينة يثرب الحجازية «٢» ، بعد أن هاجر إليها كامل النور محمد بن عبد الله ﷺ ، ولا يسمح لنا المقام في هذا الحديث أن نخوض في تاريخ يثرب القديم، وتطورها وعناصر سكانها عبر مراحل هذا
стр. 47
التاريخ، خصوصا وأنه تاريخ يحوطه الغموض إلى حد كبير «١» ، وإنما يعنينا في المقام الأول هنا، هو معرفة الحالة الدينية في يثرب قبل البعثة- بإيجاز شديد- لنعرف أثر ذلك في صدى الدعوة لدى أهل يثرب. والوضع الديني في يثرب يختلف عنه في مدن الحجاز الآخرى كمكة والطائف مثلا؛ فمكة والطائف مدينتان وثنيتان، أما يثرب فقد تجاورت فيها الوثنية مع اليهودية، ولم تختلف يثرب عن مكة والطائف في الناصية الدينية فقط؛ وإنما في عناصر السكان والسيطرة كذلك، فمكة والطائف مدينتان عربيتان خالصتان، تسيطر على كل منهما قبيلة عربية واحدة. أما في يثرب فقد اختلف الوضع، فقد تجاور فيها العرب مع اليهود، وكان لهؤلاء دينهم، ولهؤلاء دينهم، بل يمكن القول: إن اختلاف الدين كان بسبب اختلاف عناصر السكان، فقد كان عرب يثرب (الأوس والخزرج) وثنيين وقد لا يختلفون في ذلك عن عرب مكة والطائف، من حيث تعلقهم بالأصنام والالتفاف حولها.
أما اليهود فكانت لهم ديانتهم؛ وهي في أصلها وجوهرها ديانة توحيد، لكن اليهود الذين عاصروا الدعوة حرفوها وانحرفوا بها عن أصلها، كما أخبر بذلك القرآن الكريم (المائدة: ١٣، ٤١ على سبيل المثال) . ولعل تحريف اليهود لديانتهم والبعد بها عن جوهرها كان أحد أسباب عدم اعتناق عرب يثرب لها؛ لأنها لم تكن مقنعة لهم، بالإضافة إلى ادّعاء اليهود أنهم شعب الله المختار، وأن الله اختصهم بهذه الديانة ولم يشاؤوا أن يشاركهم غيرهم فيها؛ فلم يبذلوا أي جهد لدعوة العرب إلي دينهم.
ولما كان لليهود من أثر في موقف أهل يثرب (بل مواقف كثيرين من العرب) ، من الدعوة وفي تطور هذا الموقف، فينبغي أن نعرف شيئا من أخبارهم وتطور وجودهم وعلاقاتهم بمواطنيهم من العرب إلى أن جاء الإسلام، أو بمعنى آخر ينبغي أن نعرف متى جاؤوا إلى يثرب، ومن أين جاؤوا وما هو أصلهم؟ يختلف المؤرخون حول تحديد الزمن الذي جاء فيه اليهود إلى يثرب، وإقليم الحجاز عامة، فيرى البعض أنهم جاؤوا إلى الحجاز بعد خروج موسى ﵇ بهم من مصر «٢» ، وقبل دخولهم إلى فلسطين. ومنهم من يرى أنهم جاؤوا في عهد داود ﵇. وهذه أقوال
стр. 48
بعيدة جدّا عن الاحتمال؛ لأن قصة مجيئهم في عهد موسى ﵇ أقرب إلى الأسطورة منها إلى التاريخ الصحيح؛ لأنها تحكي أنهم دخلوا الحجاز- ويثرب بصفة خاصة- مهاجمين محاربين، وهذا لا يتناسب مع جبنهم- في الفترة نفسها- عن دخول فلسطين مع موسى ﵇، كما يقص علينا القرآن الكريم (المائدة:
٢٣- ٢٦) . فلا يعقل أن يجبنوا عن دخول فلسطين ثم يهاجموا الحجاز، خصوصا وأن القرآن يتحدث عن تيههم في صحراء سيناء قبل دخولهم فلسطين (مع يوشع بن نون) ، والقرآن الكريم هو مصدرنا الرئيس عن تاريخ اليهود في جزيرة العرب «١» ، وإنما الأقرب إلى المنطق والقبول ذلك الرأي الذي يذهب أصحابه إلى أن مجيء اليهود إلى الحجاز بدأ منذ القرن الأول بعد الميلاد، بعد أن اشتد ضغط الرومان عليهم، فهاجر بعضهم إلى الحجاز وسكنوا يثرب وخيبر وفدك وتيماء ووادي القرى، وهي منطقة الواحات والوديان- الصالحة للزراعة- الواقعة بين يثرب وفلسطين «٢» . وبناء على اعتماد ذلك الرأي تكون جنسية يهود الحجاز محددة بأنهم إسرائيليون، أي: ينتسبون إلى إسرائيل- وهو يعقوب ﵇ لأن الآيات القرآنية التي تحدثت عنهم قد نسبتهم صراحة إلى إسرائيل دون استثناء.
«وربطت بينهم وبين بني إسرائيل الأولين من لدن موسى، بل من لدن يعقوب- الذي كان إسرائيل اسمه الثاني- على ما ذكره سفر التكوين» «٣» . لذلك لا عبرة بما يذهب إليه بعض المؤرخين من أن يهود يثرب كانوا عربا تهودوا «٤» ، أي:
اعتنقوا اليهودية. أما عرب المدينة- الأوس والخزرج- فينتمون إلى قبائل الأزد اليمنية التي هاجرت من اليمن بعد انهيار سد مأرب وتدهور الأحوال الاقتصادية فيها، وأرجح الأقوال أن مجيئهم إلى يثرب كان في حوالي أواخر القرن الرابع الميلادي «٥» . ومعنى ذلك أن وصولهم إلى يثرب كان لاحقا على وصول اليهود إليها، الذين كانوا أصحاب النفوذ والثروة فيها، ومع ذلك فقد قبلوا سكنى العرب معهم في يثرب على مضض، وتراوحت العلاقات بينهم من الصراع إلى الحلف
стр. 49
والموالاة، وفي النهاية تغلب العرب وأصبح زمام الأمر بأيديهم، غير أن نقطة الضعف الرئيسة في موقف عرب يثرب من الأوس والخزرج هي التنافس والعصبية فيما بينهم، وكانت تلك هي فرصة اليهود- غالبا- الذين كانوا يحرشون بينهم ويذكون روح العصبية والتنافس حتى يصل الأمر إلى الحروب وسفك الدماء بين الإخوة، وظهر الإسلام والأمر على تلك الحال، وكانت آخر الحروب بين الأوس والخزرج، هي حرب بعاث التي وقعت قبيل الهجرة بقليل.
* صدى الدعوة في يثرب:
كان من الطبيعي أن ينتشر أمر الدعوة، وبصفة خاصة بعد أن جهر بها رسول الله ﷺ بين العرب عامة؛ لأنه ما إن جهر بها حتى أصبحت حديث مكة كلها. وأمر خطير كهذا لا بد أن يتردد صداه في كل بلاد العرب؛ لأنه ما من قبيلة من قبائل العرب بعدت ديارها عن مكة أو قربت، إلا كان يأتي بعض رجالها إلى مكة في موسم الحج، ومكة بلد تجاري، لها ارتباطات تجارية كانت تتعدى حدود بلاد العرب نفسها، فإليها يفد الناس لشتى الأغراض، ومنها تخرج الوفود والقوافل التجارية ومن ثم يمكن القول: إن أخبار مكة تصل إلى جميع بلاد العرب، بل خارج بلاد العرب. وكان من عادة العرب أن يجتمعوا في الموسم، كما كانوا قبل الموسم وبعده يجتمعون في الأسواق العربية الشهيرة مثل عكاظ ومجنة وذي المجاز- القريبة من مكة- والتي كانت تعتبر فوق غرضها التجاري منتديات أدبية وسياسية لتبادل المعلومات والأخبار عن أحوال العرب. وكان من الطبيعي أن يكون أمر رسول الله ﷺ ودعوته على رأس الموضوعات التي يدور حولها الجدل والنقاش وتبادل الأفكار والآراء، وتعود وفود العرب بعد الموسم إلى ديارها فيكون خبر الرسول ﷺ والرسالة أهم الأخبار التي يعودون بها.
وكان من الطبيعي كذلك أن تكون يثرب من أوائل المدن العربية التي يتردد فيها صدى دعوة النبي ﷺ ، ويكون له دوي يختلف عن دويه في غيرها من المناطق؛ ذلك لأن لأهل يثرب علما مسبقا بها، مما كانوا يسمعونه من مواطنيهم اليهود الذين كانوا يعلمون ذلك من كتبهم المقدسة، يقول ابن إسحاق: «فلما انتشر أمر رسول الله ﷺ في العرب وبلغ البلدان، ذكر بالمدينة، ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله ﷺ حين ذكر وقبل أن يذكر، من هذا الحي من الأوس والخزرج، وذلك لما كانوا يسمعون
стр. 50
من أحبار اليهود، وكانوا لهم حلفاء ومعهم في بلادهم» «١» .
ولكن رغم ذلك فإن ما توحي به لنا المصادر- التي بين أيدينا- أن موقف أهل يثرب من الدعوة في البداية، وقبل الاتصالات التي تمت بين بعضهم وبين الرسول ﷺ ، تلك الاتصالات التي انتهت ببيعتي العقبة، اللتين مهدتا للهجرة، كان مشابها لموقف سائر العرب، وهو موقف الترقب والانتظار، واعتبار الأمر يخص قريشا وحدها. وكان بين أهل يثرب وأهل مكة صلات طيبة ومصاهرات. «فقد أصهر هاشم بن عبد مناف إلى بني النجار، وظل ابنه عبد المطلب على صلة وثيقة بأخواله هؤلاء، كما كان لغيره من زعماء مكة صداقات مع زعماء يثرب، فقد كان أمية بن خلف الجمحي صديقا لسعد ابن معاذ الأشهلي زعيم الأوس، كما كان العاص بن وائل السهمي وعتبة بن ربيعة بن عبد شمس وغيرهم، على صلات طيبة ووثيقة بأهل يثرب» «٢» . لذلك كان أهل يثرب حريصين على استمرار تلك الصلات الطيبة مع مكة، ولم يشاؤوا أن يقحموا أنفسهم في أمر كانوا يعتبرونه خاصّا بها، وكان يهمهم أن تحل مكة مشكلاتها مع المحافظة على وحدتها وصلاح ذات بينها؛ لذلك لما ترامت إليهم أخبار تصاعد موقف أهل مكة في عداوتهم للنبي ﷺ وإيذائهم له، أظهروا قلقهم وخوفهم من حدوث حرب أهلية بين أهل مكة بسبب النبي ﷺ ، ودفع هذا القلق رجلا من أهل يثرب، هو أبو قيس بن الأسلت، إلى أن يحذر قريشا من مغبة التمادي في عداوتها للنبي ﷺ ، وينصحها بعدم اللجوء إلى الحرب. يقول ابن إسحاق: فلما وقع ذكره- أي: رسول الله- بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف، قال أبو قيس بن الأسلت- وكان يحب قريشا وكان لهم صهرا- قصيدة يعظم فيها الحرمة، وينهى قريشا فيها عن الحرب، ويأمرهم بالكف بعضهم عن بعض، ويذكر فضلهم وأحلامهم، ويأمرهم بالكف عن رسول الله ﷺ ويذكرهم بلاء الله عندهم ودفعه عنهم الفيل وكيده، فقال:
أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن ... مغلغلة عني لؤي بن غالب
رسول امرئ قد راعه ذات بينكم ... على النّأي محزون بذلك ناصب
أعيذكم بالله من شر صنعكم ... وشر تباغيكم ودس العقارب
стр. 51
أقيموا لنا دينا حنيفا فأنتم ... لنا غاية قد يهتدي بالذوائب
وأنتم لهذا الناس نور وعصمة ... تؤمون والأحلام غير عوازب
وأنتم إذا ما حصل الناس جوهر ... لكم سرة البطحاء شم الأرانب «١»
ودلالة هذه القصيدة، أن أهل يثرب كانوا يحرصون على أن تنهي قريش عداوتها للنبي، وأن تقبل دعوته، وإذا هي فعلت فإن العرب سيتبعونها؛ لأنها إمام العرب وهاديهم «٢» وخليقة بأن تسن لهم دينا يؤمنون به. ويعني ذلك أن أهل يثرب كسائر العرب كانوا يعلقون اتباعهم للنبي على إيمان قريش به ومتابعتها له، لكن موقف يثرب هذا سيتغير ويتطور، ولن تنتظر يثرب حتى تؤمن قريش بالنبي ﷺ ، بل سيأخذون زمام المبادرة، وسيدعونه إلى بلدهم ويكونون هم بقيادته ﷺ الذين سيجبرون قريشا على الإذعان للدعوة بالقوة.
* صدى الدعوة لدى اليهود في يثرب:
اختلف صدى الدعوة لدى يهود يثرب عنه لدى عربها، فاليهود كانوا أعلم الناس بأمر رسول الله ﷺ ، حتى قبل أن يبعث؛ لأنه مذكور عندهم في كتبهم، كما يؤكد ذلك القرآن الكريم. يقول تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ.. [الأعراف: ١٥٧] .
فكان المنتظر من اليهود أن يكونوا أول من يؤمن برسول الله ويصدقه ويؤازره، وكان من المفروض أن يسعوا إليه في مكة ويسبقوا العرب، لعلمهم بصدقه وصدق رسالته، وأنها آخر الرسالات، وهم أنفسهم كانوا يستفتحون على العرب بقرب ظهور الرسول، وأنهم عندما يظهر سيؤمنون به ويقاتلونهم معه قتل عاد وإرم «٣» . لكن الواقع أن الذي حدث من اليهود كان عكس المنتظر تماما «٤» ، فما أن علموا بظهور النبي ﷺ
стр. 52
حتى انزعجوا ودب الحسد إلى قلوبهم بل أكلها أكلا، وتحرك فيهم الخلق والطباع القديمة الكامنة، من المكر والخديعة والخبث، وأظهروا التعالي والغطرسة والادعاء بالتفوق على سائر البشر، وآيات القرآن الكريم صريحة في أن عدم إيمان اليهود برسالة النبي ﷺ مع علمهم بصدقه، يرجع إلى الحسد والبغي. ويكفي أن نشير إلى قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ [البقرة: ٨٩، ٩٠] .
بل لم يكتفوا بمجرد عدم الإيمان، بل دفعهم الحسد والبغي وعماء البصائر إلى التورط الفاضح والمخزي في تفضيل الوثنية على الإسلام، فقد أفتوا أهل مكة بأن وثنيتهم أفضل من الإسلام. فقد روى ابن كثير في تفسيره مرفوعا إلى عكرمة قال: «جاء حييّ بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة، فقالوا لهم- أي: أهل مكة-: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم، فأخبرونا عنا وعن محمد. فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا:
نحن نصل الأرحام وننحر الكوماء ونسقي الماء على اللبن، ونفك العاني ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج من غفار، فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلا. فأنزل الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً «١» [النساء: ٥١، ٥٢] .
إذن موقف اليهود من الدعوة كان موقف الحسد والبغي والرفض، وتحريض قريش على الرسول ﷺ ، وتفضيل وثنيتهم على ما جاء به من التوحيد، والأكثر من ذلك أنهم كانوا يغرونهم بتوجيه أسئلة للنبي ﷺ ، يصوغونها لهم هم أنفسهم، ظنّا منهم- لعنهم الله- بأنها ستعجزه وتحرجه، كما حدث منهم عندما ذهب إليهم النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، موفدين من قريش لسؤالهم عن النبي ورسالته «٢» . هذا هو موقف اليهود من الدعوة وصداها لديهم، بغض وكفر وكيد وتحريض.
* اثر اليهود في تطور موقف عرب يثرب من الدعوة:
لقد هيأت المقادير ليثرب حظّا عظيما وخيرا وفيرا لم تهيئه لبلد آخر من بلاد
стр. 53
العرب، حيث أكرمها الله وهداها إلى الإيمان به ولنصرة رسوله وإعزاز دينه وإعلاء كلمته. ولا شك أن جوار اليهود للعرب في يثرب لم يكن شرّا كله، بل كان فيه بعض الخير، فمن كثرة حديث اليهود عن الأديان والكتب المقدسة، ومن تعييرهم العرب بوثنيتهم وشركهم، فقد نبهوهم إلى هذه القضايا الروحية، وأثاروا فيهم روح التطلع والتشوق إلى ظهور النبي الذي طالما حدثوهم عنه، وأوضح دليل على ذلك استجابة عرب يثرب لدعوة النبي ﷺ بل ومخاطرتهم من أجلها، منذ اتصلوا به واتصل بهم مباشرة استجابة لم يلقها عند حي آخر من أحياء العرب، على كثرة ما كان يلقى من وفودهم ويعرض نفسه عليهم في المواسم وغيرها. روى ابن اسحاق قال:
«حدثني عاصم بن عمر بن قتادة- عن رجال من قومه- قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام- مع رحمة الله تعالى وهداه- لما كنا نسمع من رجال يهود، كنا أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا ما نسمع منهم ذلك، فلما بعث رسول الله ﷺ أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه، فامنا به وكفروا به ففينا وفيهم نزلت هذه الآية من سورة البقرة: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [البقرة: ٨٩] «١» .
ثم كان لليهود أثر آخر- غير الأثر الروحي- في استجابة عرب يثرب لدعوة النبي ﷺ ، وذلك أن اليهود لما غلبوا على أمرهم في يثرب وتراجعت مكانتهم عما كانت عليه، وأصبحت كلمة العرب هي النافذة، لجأ اليهود إلى أسلوب الدس والوقيعة وبث الفرقة بين الأوس والخزرج لإضعافهم جميعا، وقد نجحوا في ذلك وكان دورهم في حرب بعاث واضحا، تلك الحرب التي كادت أن تقضي على الأوس والخزرج جميعا لتعود سيطرة اليهود على يثرب دون منازع، وهنا تنبه الأوس والخزرج جميعا للخطر الماحق، وسرى بينهم اتجاه لتوحيد صفوفهم وتناسي خلافاتهم، لدرجة أنهم فكروا في تنصيب ملك عليهم ليوحدهم ضد خطر اليهود، وقد رشحوا فعلا عبد الله بن أبيّ بن سلول لهذا المنصب وإذا كانت هذه الخطوة لم تتم فذلك لأن الله تعالى قد أعدهم لشيء أعظم وأفضل مما كانوا يفكرون فيه، فهم
стр. 54
كانوا يعدون بلدهم لتكون مقر مملكة صغيرة محدودة، فأراد الله لها أن تكون مهاجر نبيه ومنطلق رسالته وعاصمة لدولة الإسلام العالمية، فقد كانت الاتصالات المباشرة بدأت بينهم وبين النبي ﷺ الذي فتح لهم أبواب التاريخ على مصاريعها.
* صدى الدعوة في يثرب بعد اتصالاتها المباشرة بالنبي ﷺ :
لقد خيبت ثقيف أمل النبي ﷺ ، عندما ذهب إليهم يعرض عليهم دعوته ويلتمس منهم النصر والمؤازرة، وردوه ردّا قبيحا أثر فيه وآلمه، ولكنه لم ينل من عزيمته وإصراره على المضي قدما في تبليغ رسالته مهما كانت الصعاب، ولذلك كانت الفترة التي أعقبت رحلة الطائف من أقسى الفترات على النبي ﷺ . ولقد عبر نفسه ﵇ عن ذلك عندما سألته السيدة عائشة ﵂ قائلة: «هل أتى عليك يوم هو أشد من يوم أحد؟» فأخبرها أن ما رآه من أهل الطائف وما سببه له ذلك الموقف كان أشد وأقسى «١» .
ولقد ازدادت مناوآت قريش وأذاها للرسول ﷺ وأصحابه في تلك الفترة، لموت خديجة وأبي طالب، ولكنه لم يضعف ولم يهن، وبدأ يعرض نفسه على وفود القبائل العربية التي كانت تأتي الموسم، لعله يجد من بينهم نصيرا أو معينا، بعد أن صدته وآذته قريش ولم يجد خيرا عند ثقيف، فعرض نفسه على كندة وكلب وبني حنيفة وبني عامر بن صعصعة وغيرهم «٢» ، فلم يجد عند أحد منهم خيرا.
والحقيقة أن هذه القبائل كانت ترى أنها لو تابعت محمدا فإن قريشا سوف تعتبر هذا عداء سافرا لها، ولم يكن أحد من العرب يود أن يفتح بينه وبين قريش بابا للعداء؛ وذلك لمكانة قريش من العرب، وللروابط العديدة التي كانت تربطها بها، كما أن قريشا كانت تلاحق النبي ﷺ ؛ لتنفّر الناس منه ولتفسد عليه أمره «٣» . ولكن بينما كانت
стр. 55
الأمور تجري على هذا الوضع الصعب في مكة، وبينما كان خصوم الدعوة يظنون أنهم حاصروها وجعلوها تسير في طريق مسدود، كانت المقادير تهيئ للدعوة قوما آخرين اختارهم الله تعالى لها أنصارا ولنبيه أتباعا، فجاءت تباشير النصر من يثرب.
فبينما كان النبي ﷺ يعرض نفسه على القبائل في المواسم- دون جدوى- كان عرب يثرب مشغولين في التحضيرات لحرب بعاث، التي كانت آخر مراحل الصراع بينهم، وقد جاء إلى مكة وفد من بني عبد الأشهل على رأسهم أبو الحيسر ابن رافع يلتمسون حلف قريش على بني عمهم الخزرج، فسمع بهم رسول الله ﷺ ، فأتاهم وقال لهم: «هل لكم في خير مما جئتم إليه؟» قالوا: وما ذاك؟ قال: «أنا رسول الله، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وأنزل عليّ الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن» . فقال أحد أعضاء الوفد، وهو إياس بن معاذ: «أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له» «١» . ولكن رئيس الوفد رده بأنهم مشغولون بغير هذا.
وإذا كان هؤلاء في شغل بأمر الحرب، فقد شاء الله تعالى أن يلقى النبي ﷺ في الموسم نفسه رجالا من الخزرج، فتكلم إليهم بمثل ما تكلم به إلى الأوس؛ فشرح الله صدورهم للإسلام، وقال بعضهم لبعض: «يا قوم، والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه» . فأجابوه وصدقوه وقالوا له: «إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقوم عليهم، وندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الذين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا وقد آمنوا وصدقوا» «٢» .
* التحول الكبير في موقف عرب يثرب:
كان لقاء النبي ﷺ بهؤلاء الرجال الخزرجين، فتحا هائلا أمام الدعوة الخالدة، فما أن وصلوا إلى بلدهم وأخبروا قومهم بما حدث بينهم وبينه، حتى أقبلوا عليه بشعف وفشا فيهم الإسلام، فلم يبق دار من دور المدينة إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ ودعوته، وكان صدى ذلك واسع النطاق، وكانت النتيجة أن وفدا من
стр. 56
اثني عشر رجلا ذهب إلى مكة في الموسم التالي، بهدف مقابلة النبي ﷺ لمعرفة المزيد عن الإسلام، والتقدم خطوات إلى الأمام. وتقابل هؤلاء الرجال مع رسول الله ﷺ ، وشرح لهم وعلمهم وفقّههم وانتهى اللقاء بما عرف في التاريخ ببيعة العقبة الأولى. ولما أزمعوا العودة إلى بلدهم، أرسل النبي ﷺ معهم مصعب بن عمير رضى الله عنه كأول مبعوث له؛ ليعلمهم الإسلام ويقرئهم القرآن ويفقههم في الدين «١» .
* صدى رحلة مصعب بن عمير:
منذ أن عاد رجال الخزرج الذين التقوا برسول الله ﷺ لأول مرة إلى بلدهم، ونقلوا إلى هناك ما سمعوه من النبي ﷺ ، بدأ الموقف في يثرب يتبدل تبدلا كاملا وانتهت مرحلة الانتظار والترقب واعتبار الأمر يخص قريشا وحدها، وبدأت مرحلة جديدة، هي مرحلة الاتصالات المباشرة بصاحب الدعوة ﵊ ، والتفاهم معه، ومعرفة المزيد من أخبار الدعوة. ولم يكونوا يجهلون أن مجرد الاتصال بالنبي ﷺ في مكة، سوف يضعهم في مواجهة مع قريش. وخلاصة القول بدأ عرب يثرب يتهيؤون، أو قل هيأهم الله للدخول في الإسلام ولنصرة نبيه، فما أن وصل مصعب بن عمير مع رجال بيعة العقبة الأولى إلى المدينة، حتى اتخذ من منزل أسعد بن زرارة رضى الله عنه مقرّا له، وأخذ يشرح للناس ما هو الإسلام ويقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وأخذ أناس يقبلون عليه إقبالا عظيما. وأخذت دائرة الذين آمنوا بالله ورسوله تتسع، وكان للباقة هذا الداعية العظيم، وسعة أفقه وعلمه وإخلاصه لما يدعو إليه، كان لهذا كله أكبر الأثر في نجاحه الكبير في اجتذاب أهل يثرب إلى الإسلام، وجعله حديث كل لسان، حتى أنه في لحظات استطاع إقناع أكبر زعيمين من زعماء الأوس، وهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير رضى الله عنه، فتحولا من معارضين للدعوة إلى أنصار متحمسين لها، وكان لإسلامهما أكبر الأثر في إسلام الأوس بأسرها لمكانتهما منها. وهكذا نجح مصعب بن عمير في إدخال الإسلام إلى دور الأنصار؛ «فلم يبق دار من دور المدينة إلا وفيها رجال مسلمون ونساء مسلمات» على حد تعبير ابن إسحاق «٢» .
стр. 57
* اهل يثرب والتحدي الكبير:
أدى مصعب بن عمير مهمته بنجاح، وعاد إلى مكة ليزف إلى النبي ﷺ وأصحابه بشرى ذلك النجاح وليخبر النبي ﷺ بأن يثرب عقدت العزم على الوقوف معه، فهي لم تكتف بمجرد الإيمان به وأن تبقى بعيدا عن الصراع الدائر مع أهل مكة، بل إنها على استعداد لنصرة النبي ﷺ ، وعلى استعداد لاستقباله فيها وبذل الأنفس والأموال في الدفاع عنه وعن دعوته، وآية ذلك الوفد الكبير الذي ذهب إلى مكة عقب وصول مصعب إليها، واتفق مع النبي ﷺ على تفاصيل كل شيء فيما عرف ببيعة العقبة الثانية أو الكبرى، وأغلب الظن أن هذه البيعة كانت تتويجا للمفاوضات السرية التي دارت بين مصعب وبين زعماء الأنصار أثناء وجوده في يثرب، وأنه عاد إلى النبي بتقرير مفصل عن عزمهم نصرة النبي ﷺ ، وقبوله في بلدهم مهاجرا عظيما، والذود عنه وعن دعوته، وأن الرجال الذين شهدوا العقبة الثانية كانوا على يقين مما هم مقدمون عليه، وعلى يقين كذلك من أن ما هم مقدمون عليه، سيضعهم مع قريش في مواجهة مريرة وقاسية، ولكن ما قريش وما عداوتها أمام ما فتح الله عليهم به من الخير والمجد والسيادة؟ حيث اختارهم أنصارا لدينه وذادة عن نبيه، وإذا كانت قريش قد استطاعت إلى ذلك الوقت أن تقف سدّا منيعا أمام الدعوة، وإذا كان العرب الآخرون قد جاملوها ووقفوا على الحياد، فإن يثرب قد تخلت عن هذا الموقف وسوف تحمل على عاتقها إنهاء معارضة قريش للدعوة، وسوف تقف خلف قيادة الرسول لدحر كل من يتصدى له حتى ولو كانت قريش.
وآية ذلك أنه أثناء المفاوضات بين النبي ﷺ وبينهم في العقبة الثانية، قال لهم العباس بن عبد المطلب- الذي لم يكن قد أسلم بعد ولكنه حضر مع النبي ليطمئن على مستقبله-: «يا معشر الخزرج إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هم على مثل رأينا فيه، فهو في عز ومنعة في بلده، وقد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه؛ فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم؛ فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده» .
لم يخف على أهل يثرب مرمى كلام العباس بن عبد المطلب، فقالوا له على الفور: «قد سمعنا ما قلت، تكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت» ، فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغّب في الإسلام، ثم قال:
стр. 58
«أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم؟» . فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: «نعم، والذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن أهل للحروب وأهل الحلقة، ورثناها كابرا عن كابر» «١» .
وهكذا تمت بيعة العقبة الكبري لتفتح أمام الإسلام آفاقا بعيدة، ففي الوقت الذي ظنت فيه قريش أنها سدت في وجه الرسول ﷺ كل السبل، جاءت بشائر النصر من يثرب، وهيأ الله لنبيه أنصارا وبلدا آمنا، وهيأ ليثرب التي كانت غاية ما يطمح إليه أهلها أن تكون مقرّا لمملكة صغيرة لتكون مهاجرا لنبيه ومنطلقا لدينه وعاصمة لدولة الإسلام الكبري، ومهدا لحضارة إسلامية عالمية، وصدق الله إذ يقول: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [يوسف: ١١٠] .
* صدى الدعوة في خيبر:
ما قيل عن يهود يثرب من حيث تاريخ مجيئهم إلى الحجاز، ومن حيث أصلهم، يقال عن يهود خيبر، غير أن يهود خيبر يختلف موقفهم عن يهود يثرب من الدعوة الإسلامية، فإذا كان يهود خيبر قد علموا بأمر الدعوة منذ البداية، فهذا شيء طبيعي، وإذا كانوا يتحدثون عنها ويتناقلون أخبارها وتطورها، فهذا شيء طبيعي كذلك، فالدعوة الإسلامية ليست حدثا عاديا، وإنما منذ أن ظهر أمرها وهي حديث الجزيرة العربية كلها، ولا همّ للناس إلا أن يعرفوا ماذا فعل محمد ﷺ ، وماذا فعلت قريش معه؟ هذا كله شيء طبيعي ومنتظر من يهود خيبر، غير أن المصادر التي بين أيدينا لا تحدثنا عن موقف محدد ليهود خيبر من الدعوة، ولا ندري سببا لسكوت المصادر عنهم في المرحلة المكية، فهل طغى موقف يهود يثرب واهتمت به المصادر وأهملت أمر خيبر، أم أن يهود خيبر أنفسهم قد تركوا أمر التصدي للدعوة ليهود المدينة ووقفوا هم على الحياد؟ يبدو أن هذا هو الأظهر؛ لأننا لم نسمع أن خيبر قد أرسلت أحدا إلى مكة، لتحريض أهلها على النبي ﷺ كما فعل ذلك يهود المدينة كثيرا ويبدو أن موقف يهود خيبر الحيادي هذا قد استمر حتى بعد الهجرة؛ فرغم ما حدث بين النبي ﷺ وبين يهود المدينة، وبصفة خاصة،
стр. 59
قينقاع، والنضير، وقريظة، وما دأبوا عليه من الغدر والمكر والخيانة، الأمر الذي اضطره إلى إجلاء بعضهم وقتل البعض الآخر، فلم نسمع أن يهود خيبر تحركوا لنصرة يهود يثرب أو الوقوف معهم. غاية ما في الأمر أنهم قبلوا بعضهم لاجئين في بلدهم، ومن هنا بدأ موقف يهود خيبر يتغير، أو قل: إن الذين لجؤوا إليهم من يهود المدينة- خاصة من بني النضير- قد أفسدوهم، وغيروهم وحولوا خيبر إلى وكر خبيث للكيد وتدبير المؤامرات والمكائد ضد الإسلام. وهنا كان لا بد من العقاب فقرر النبي ﷺ غزو خيبر، وبعد أن غزاهم وانتصر عليهم، كان رحيما معهم فلم يصنع بهم ما صنع مع يهود المدينة، بل صالحهم على نصف ثمار بلدهم، وأبقاهم فيها وأعطاهم أمانا، وهذا يدل على أنهم لم تكن لهم مواقف عدائية سابقة مع الدعوة، فقدّر لهم النبي ﷺ هذا واكتفى بتأديبهم وكسر شوكتهم «١» .
стр. 60
بحوث في السّيرة النّبويّة والتّاريخ الاسلامي قراءة ورؤية جديدة
[البحث الثالث] العلاقات بين المسلمين وقريش من الهجرة إلى بدر
стр. 61
العلاقات بين المسلمين وقريش من الهجرة إلى بدر
عندما هاجر الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة، على الوضع المعروف، لم يكن من خطته أن يبدأ قريشا بالحرب إزاء ما قامت به ضد الدعوة خلال ثلاثة عشر عاما.. بل كانت هناك فترة بين الهجرة وبدر كانت بمثابة «هدنة مسلحة» ، هذه الفترة- وهي موضوع بحثنا- تؤكد لنا أن النبي ﷺ لم يكن من خطته حرب قريش ولا تدميرها والقضاء عليها، فهو ﵇ في أصل رسالته- لم يأت لتدمير قريش ولا غيرها، وإنما جاء رحمة للعالمين، ونحن نعرف من سيرته ﷺ أنه وهو في أقسى الظروف وعندما بلغ أذى قومه له غاية السوء لم يطلب ولم يتمنّ هلاكهم، وإنما رجا من الله تعالى هدايتهم إلى الصراط المستقيم، وأن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا. فقد ثبت في الصحيحين من طريق عبد الله بن وهب عن عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ حدثته أنها قالت لرسول الله ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من أحد؟ قال: «ما لقيت من قومك كان أشد منه، يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت. ثم ناداني ملك الجبال فسلّم عليّ ثم قال: يا محمد قد بعثني الله، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال قد بعثني إليك ربك لتأمرني ما شئت، إن شئت تطبق عليهم الأخشبين» . فقال رسول الله ﷺ : «أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا» «١» .
ومن الجدير بالذكر أن الفترة التي نحاول أن نتناولها من سيرة الرسول ﷺ وهي ما بين الهجرة وبدر- شهدت تحركات عسكرية؛ سرايا وغزوات، ولكن لم يصطدم المسلمون بقريش، وهذا فيما يبدو لنا كأنه كان تلويحا لقريش بالقوة، وإفهامها أن استخدام القوة ضدها لم يكن أمرا مستبعدا من جانب المسلمين، إذا هي لجّت في عنادها، فعليها أن تفكر جيدا في الأمر، وعليها أن تضع في حسابها أنها
стр. 62
إن لم تبتعد عن طريق الدعوة، وأن تكف عن ملاحقة المسلمين بالأذى، وإن لم ترفع أذاها عن المستضعفين من المسلمين، الذين حبستهم في مكة، وحالت بينهم وبين الهجرة إلى المدينة، فسوف يهدد الرسول تجارتها، بل مصدر عزها ومجدها وثرائها، وتفوقها على غيرها من قبائل العرب. فإن هي أفاقت لنفسها، وإلّا فلتأت الضربة القاضية.
* قريش تستمر في إلحاق الأذى بالمهاجرين:
لم تكتف قريش بما صنعته بالنبي ﷺ والمسلمين في مكة طوال ثلاثة عشر عاما، وما أذاقتهم من الأذى والاضطهاد؛ فمن تعذيب جسدي لأصحاب النبي، إلى تجويع وحصار اقتصادي واجتماعي، إلى غير ذلك من الجرائم الوحشية التي ارتكبتها في حق الجماعة المؤمنة، بل إنها صعدت جرائمها إلى حد التامر على قتل النبي ﷺ مما اضطره أن يهاجر من مكة- أحب بلاد الله إليه- ولم تترك المسلمين في موطنهم الجديد في المدينة المنورة وقد أجبرتهم على ترك ديارهم وأموالهم يمارسون شعائر دينهم، ويدعون إلى الله في حرية وأمان، بل أخذت تلاحق المهاجرين منهم لتردهم إلى مكة وتفتنهم عن دينهم، وتضعهم في السجون، وتحرمهم من حريتهم، متجاوزة بذلك كل الأعراف والتقاليد، ولم ترع لأحد حرمة. فقد روى نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله عن أبيه عمر بن الخطاب رضى الله عنهما أنه قال- أي عمر-:
«اتّعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعيّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل السهمي التّناضب «١» من أضاة بني غفار فوق سرف، وقلنا: أيّنا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه، قال: فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التّناضب، وحبس عنها هشام، وفتن فافتتن. فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو ابن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام والحرث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة، وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما، حتى قدما علينا المدينة، ورسول الله ﷺ بمكة، فكلّماه- أي: عيّاش- وقالا: إن أمّك قد نذرت ألايمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرقّ لها، فقلت له: يا عياش، إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فو الله لو قد آذى أمّك القمل
стр. 63
لا متشطت، ولو قد اشتد عليها حرّ مكة لا ستظلّت، قال: فقال: أبرّ قسم أمّي، ولي هناك مال فاخده، قال: فقلت: والله إنك لتعلم أنّي لمن أكثر قريش مالا، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما، قال: فأبى عليّ إلا أن يخرج معهما؛ فلما أبى إلا ذلك قلت: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: والله يا أخي لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى، قال: فأناخ وأناخا ليتحوّل عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن. قال ابن إسحاق:
فحدثني به بعض آل عياش بن أبي ربيعة أنهما حين دخلا به نهارا موثقا، ثم قالا:
يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا» «١» .
هذا مثل من أمثلة التنكيل والأذى الذي ألحقه القرشيّون بالمسلمين ليفتنوهم عن دينهم، وإليك قصة أخرى من قصص قريش المخزية مع المسلمين، والتي تجردت فيها من كل إنسانية، وبطل هذه القصة أبو سلمة المخزومي ﵁ أوّل مهاجر من مكة إلى المدينة، بعد أن أذن الرسول ﷺ لأصحابه بالهجرة إليها، بعد بيعة العقبة الثانية، قال ابن إسحاق: فحدثني أبي إسحاق بن يسار، عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة، عن جدّته أمّ سلمة زوج النبي ﷺ ، قالت: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة ورحل لي بعيره، ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بي بعيره، فلمّا رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده، فأخذوني منه، قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة، قالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم، حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، قالت: ففرّق بيني وبين زوجي وبين ابني «٢» .
стр. 64
* قريش تصادر ديار المهاجرين واموالهم:
ظلّ المسلمون في مكة منذ بعثة النبي ﷺ حتى الهجرة للمدينة وهم يعانون من قريش، ومن سوء معاملتها لهم، واضطهادها إيّاهم وتعذيبهم، وتجويعهم، وترويعهم، لتفتنهم عن دينهم، وهم صابرون محتسبون، ينتظرون الفرج والمخرج من عند الله مما هم فيه. وما حلّ بال ياسر وبلال وخبّاب بن الأرتّ، وصهيب مشهور ومعروف. وإذا كانت الهجرة إلى الحبشة «١» قد حلّت مشكلة بعض المسلمين، فلا زالت الغالبية منهم في مكة تعيش في ضيق، وفي عنت شديد تنتظر انكشاف المحنة، ومع أن مكّة أحب بلاد الله إليهم جميعا، إلا أن فرحتهم كانت عظيمة عندما أذن لهم الرسول الله ﷺ بالهجرة إلى المدينة، وودّعوا مكة إلى حين.
يقول ابن إسحاق: «فلما أذن الله تعالى له ﷺ في الحرب، وتابعه هذا الحيّ من الأنصار على الإسلام والنّصرة له ولمن اتّبعه، وأوى اليهم من المسلمين؛ أمر رسول الله ﷺ أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه من المسلمين بمكة بالخروج إلى المدينة، والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار وقال: «إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها» فخرجوا أرسالا، وأقام رسول الله ﷺ بمكة ينتظر إلى أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة» «٢» .
هكذا بدأت بشائر الفرج تأتي من يثرب- المدينة المنورة- وأصبح للمسلمين هناك إخوان يأمنون عندهم، كما أخبرهم رسول الله ﷺ ، فليتوكلوا على الله، ولا يلوون على شيء في مكة كائنا ما كان. ولماذا يلوون على شيء والله تعالى يقول: وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [النساء: ١٠٠] ؟!
لذلك ترك المسلمون ديارهم وأموالهم في مكة مهاجرين في سبيل الله، وهناك أسر بكاملها غلّقت دورها في مكة وآثرت أن تعبد الله في حرية وأمان في كنف إخوانهم الأنصار في المدينة. يقول ابن إسحاق: «وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله ﷺ ، فلم يبق منهم بمكة أحد إلا مفتونا أو محبوسا، ولم يوعب أهل هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى الله ﵎ وإلى رسول الله ﷺ إلا أهل دور مسمّون:
стр. 65
بنو مظعون من بني جمح، وبنو جحش بن رئاب حلفاء بني أمية، وبنو البكير من بني سعد بن ليث حلفاء بني عديّ بن كعب، فإن دورهم غلّقت بمكة هجرة ليس فيها ساكن، ولما خرج بنو جحش بن رئاب من دارهم عدا عليها أبو سفيان بن حرب فباعها من عمرو بن علقمة أخي بني عامر بن لؤي، فلما بلغ بني جحش ما صنع أبو سفيان بدارهم ذكر ذلك عبد الله بن جحش لرسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : «ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارا خيرا منها في الجنّة؟» قال: بلى، قال: «فذلك لك» «١» . وهكذا لم يكتف المشركون من قريش بطرد المسلمين من ديارهم، وإنما أوغلوا في أذاهم فأضافوا ذلك الألم النفسي الذي يعانيه الإنسان الحر عندما يعلم أن داره اغتصبت منه، وأن غيره يتصرف فيها ويبيعها، حارما له من أبسط حقوق التصرف في الملك.
وهذا هو الصحابي الجليل صهيب ﵁ لا يطيق صبرا على فراق رسول الله ﷺ ، ولا يحتمل البقاء بعده في مكة، لكن المشركين لم يسمحوا له بالخروج من مكة إلا بعد أن أخذوا كل ما يملك، وقالوا له: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب رضى الله عنه: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلّون سبيلي؟ قالوا: نعم. قال:
فإني جعلت لكم مالي ... وخرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ بقباء قبل أن يتحوّل منها، فلما رآني قال: «يا أبا يحيى ربح البيع» فقلت: يا رسول الله ما سبقني إليك أحد وما أخبرك بذلك إلا جبريل ﵇ «٢» .
وهكذا كان صحابة محمد ﷺ ، لم يكن شيء أحب إليهم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، ألم يقل سعد بن أبي وقاص، فاتح العراق ﵁ غداة دخول المدائن عاصمة الأكاسرة، وهو يجول ببصره فيما احتواه القصر الأبيض «٣» - حيث كان يحكم الطغاة المستبدون من أكاسرة الفرس- من نفائس وتحف ومتع، ألم يردد وقد أخذه العجب والدهش مما رأى قول الله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (٢٨) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ [الدخان: ٢٥، ٢٩]
стр. 66
* المهاجرون في سجون مكّة:
مرّ بك ذكر قصة هشام بن العاص بن وائل السهمي وعياش بن أبي ربيعة، كما رواها صاحبهما ورفيقهما في الهجرة عمر بن الخطاب ﵃ جميعا وعرفت كيف أن الأوّل منهما- هشام بن العاص- منعه المشركون من الهجرة، وحبسوه في مكة، وفتنوه في دينه، وأن الثاني- عيّاش بن أبي ربيعة- استطاع الهجرة في رفقة عمر بن الخطاب، ولكنه لم يكد يصل إلى المدينة حتى ذهب إليه أبو جهل بن هشام، وأخوه الحرث بن هشام، واستدرجاه حتى عادا به إلى مكة مقيّدا في الأغلال ووضعوه هو وهشام بن العاص في سجن واحد. ولما هاجر النبي ﷺ ، واطمأن به المقام في المدينة، رقّ لأصحابه الذين لا يزالون يعانون في مكة القهر والظلم والسجن، ومنهم هشام بن العاص، وعيّاش بن أبي ربيعة، فقال ﵊: «من لي بعيّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص؟» فقال الوليد ابن الوليد بن المغيرة: أنا لك يا رسول الله بهما، فخرج إلى مكة، فقدمها مستخفيا فلقي امرأة تحمل طعاما، فقال لها: أين تريدين يا أمة الله؟ قالت: أريد هذين المحبوسين عياش وهشام فتبعها حتى عرف موضعهما وكانا محبوسين في بيت لا سقف له، فلما أمسى تسوّر عليهما، ثم أخذ مروة «١» فوضعها تحت قيديهما ثم ضربهما بسيفه فقطعهما، فكان يقال لسيفه: ذا المروة، ثم حملهما على بعيره وساق بهما، فعثر فدميت أصبعه، فقال: هل أنت إلّا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت؟ ثم قدم بهما على رسول الله ﷺ المدينة» «٢» .
هذه صور وأمثلة- وهي قليل من كثير- من تعامل قريش مع المسلمين، قبل الهجرة وأثنائها وبعدها. فهل كان بوسع المسلمين أن يسكتوا على هذا وأن يقفوا مكتوفي الأيدي، وأن يقبلوا هذه المهانة، كلا وألف كلا! بل لا بد من المواجهة، والمواجهة القوية الحاسمة التي تضع قريشا أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن تؤمن بالله الواحد الأحد، وأن محمدا عبده ورسوله، وإما القتال. ولكن قبل المواجهة لا بد من أن يعدّ الرسول ﷺ المسلمين لمواجهة قريش، العدو الرئيس للإسلام في هذه المرحلة.
* الدولة الإسلامية تقوم في المدينة لتحمي الدعوة:
كان الإسلام في مكة دعوة، وأصبح في المدينة- بعد الهجرة- دعوة ودولة؛
стр. 67
أو بمعنى آخر أصبح الإسلام دعوة تحميها الدولة، فالدولة الإسلامية كانت- منذ وجدت- ويجب أن تبقى- سواء أكانت دولة واحدة أو أكثر من دولة- في خدمة الدعوة الإسلامية، وقائمة على أساس شريعة الله كما جاءت في كتاب الله وسنة الرسول ﵊.
وفي مكة لم تكن الظروف مواتية لقيام دولة الإسلام، أما في المدينة فقد أصبحت الظروف مواتية؛ ولذلك لم يضع الرسول ﷺ وقتا في المدينة، فقد شرع منذ الأيام الأولى في تأسيس الدولة الإسلامية. وليس من شأن هذا البحث أن يتعرض لنشأة الدولة الإسلامية، وحسبنا أن نقول: إنه أقام بين المهاجرين والأنصار المؤاخاة ونشر السلام العام وأسّس المسجد ليقوم بوظيفته الشاملة التي أرادها له الإسلام.
* التحديات الكبرى أمام الدولة الوليدة:
إذا كان النبي ﷺ قد نجح في إقامة دولة الإسلام في المدينة، على النحو الذي أشرنا ورتّب العلاقات السليمة بين سكانها جميعا، وإذا كان الله تعالى قد مكّن له ولأصحابه في هذا البلد وجعل كلمته هي العليا، فليس معنى هذا أن المتاعب قد انتهت، ولم يغب عن فكر النبي ﷺ أن هذه الدولة الوليدة تحيط بها أخطار جسيمة من كل جانب، أخطار ليس أقلّها خطر اليهود القابعين في المدينة وحولها، يحيكون المؤامرات ويبثون الشائعات، فهولاء اليهود وإن كانوا لم يقاوموا دخول الرسول ﷺ المدينة أوّل الأمر، فإن ذلك لم يكن حبّا منهم في الرسول وإيمانا بدعوته، ولكن كان عجزا، فلما استقر الرسول في المدينة، وأقام الدولة، ورأوا أمره وأمر المسلمين في صعود، وأمر دعوته يزداد انتشارا بين العرب سواء في المدينة أو خارجها، عندئذ تحركت أحقادهم ومكائدهم، ولسنا الآن بصدد الحديث غن علاقات المسلمين باليهود حتى نفصل القول فيما كان من أمر يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، وحتى يهود خيبر التي أصبحت وكرا للتامر على المسلمين، وحتى نفصل القول فيما كان من أمر النبي معهم. ولقد كان المنطق يقضي بأن يطمئن اليهود في كنف المسلمين ينعمون بالأمن والحرية التي منحهم إياها رسول الله ﷺ في معاهدة مكتوبة، ولكن متى كان اليهود أهل منطق سليم؟ ومتى كانوا أهل وفاء وحفظ للجميل؟ على كل حال نحن الآن بصدد العلاقات بين المسلمين وقريش؛ فقريش هي العدو الرئيس في هذه المرحلة، ولذلك أعطى النبي ﷺ لجبهة قريش الأولوية على ما عداها، وأجلّ غيرها من المسائل
стр. 68
ومنها مسألة اليهود، فبدون أن يحسم الموقف مع قريش لا يمكن أن تنطلق الدعوة الإسلامية إلى الآفاق العالمية، ولا يمكن أن يحسم مع أعداء الدعوة الآخرين، فيجب أن تتوجه الجهود إلى قريش؛ لأنها أقوى وأشرس أعداء الدعوة على الإطلاق في هذه المرحلة؛ لهذا كانت قريش أولا.
بعد نجاح النبي ﷺ في تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة، وبعد أن اطمأن به وبأصحابه المقام، اتجه ناحية مكة وقريش بالذات؛ ليس فقط لأن مكة هي أحب بلاد الله إليه، ولكن لأن عداء قريش للإسلام وموقفها الشرس منه كانت له انعكاساته السلبية على بقية القبائل في شبه الجزيرة العربية. فما دامت قريش لم تسلم ولم تذعن لله ورسوله، فإن بقية القبائل العربية- أو معظمها- سوف تحجم عن الاقتراب من الإسلام، أو بمعنى آخر سوف تكون حركة الدخول في الإسلام محدودة، وليس في هذا الكلام أية مبالغة، فقد كان واضحا أن قسما من قبائل العرب كان يحجم عن الدخول في الإسلام خوفا من قريش وسطوتها، وقسما آخر كان يجاملها لمركزها وسلطانها ومكانتها بين العرب التي هيأها لها جوارها للبيت العتيق. وكذلك لثرائها الذي حققه لها نشاطها التجاري الواسع بمقاييس عصرها.
وهل يخضع الناس لغير سلطان القوة والمال في أي زمان ومكان؟ وهل لو كانت قريش أسملت وتابعت رسول الله ﷺ منذ البداية هل كان يلقى ما لقي من صدّ وإيذاء العرب الآخرين؟ ولو كانت قريش تابعت رسول الله ﷺ وآمنت به يوم ذهب إلى الطائف يعرض نفسه على ثقيف «١» هل كان الثقفيون يجدون الجرأة على أن يصنعوا به ما صنعوا من السخرية والاستهزاء والإيذاء؟ أم أن ثقيفا صنعوا به ما صنعوا؛ لعلمهم أن قريشا- وهم أهله وعشيرته- لن يسكتوا على ذلك قط، بل إن ذلك سيسعدهم وسيتشفّون به لدرجة أنه ﷺ لم يستطع أن يدخل مكة إلا في جوار المطعم بن عديّ «٢» .
بل لعل ثقيفا بالغت في إيذاء النبي ﷺ والسخرية منه لعلمها أن ذلك يسعد مشركي قريش ويسرّهم. وبالفعل فرحوا كثيرا، وأخذوا يتناقلون أخبار رحلته إلى
стр. 69
الطائف في نشوة. وهل كان النبي ﷺ يجد من الصدّ من قبائل العرب مثل ما وجد لو خلّت قريش بينه وبين تلك القبائل يدعوها إلى الإيمان بالله الواحد الأحد؟
كلّا؛ بل كانت قريش تلاحقه وتسبقه إلى تلك القبائل، وكان أقرب الناس إليه من بني هاشم ومن أعمامه بالذات أبو لهب- عليه لعنة الله- ينفّر الناس منه ومن دعوته، قال ابن إسحاق: وحدّثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، قال: سمعت ربيعة بن عباد يحدّثه أبي؛ فقال: إني لغلام شاب مع أبي بمنى، ورسول الله ﷺ يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: «يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بي وتصدّقوني، وتمنعوني حتى أبينّ عن الله ما بعثني به» قال: وخلفه رجل أحول ... فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله، وما دعا إليه، قال ذلك الرجل: يا بني فلان، إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللّات والعزّى من أعناقكم ... إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه، ولا تسمعوا منه، قال: فقلت لأبي: يا أبت من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول؟
قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب- أبو لهب- «١» .
لكل ذلك كان من الضروري معالجة موقف قريش وحسمه- إن سلما وإن حربا- حتى تنطلق الدعوة وتشقّ طريقها في شبه جزيرة العرب، ومنها إلى العالم في أرجاء الأرض.
وقد يقول قائل: كان هذا في مكة، ورسول الله هناك يسفّه أحلامهم ويعيب آلهتهم، حيث كانوا يعتبرون ذلك إهانة لهم لا يمكنهم السكوت عليها، أمّا الآن وقد هاجر النبي ﷺ من مكة وتركها بمن فيها وما فيها، ووجد في المدينة أنصارا آمنوا به وآزروه وأسّس دولته هناك، وقد تغير الموقف تغيرا كبيرا عما كانت عليه الحال قبل الهجرة، أفما كان الأجدر بالنبي ﷺ أن يدع قريشا وشأنها، وأن يدعو إلى دينه من موطنه الجديد، وأن يجنّد كل طاقاته لهذه الدعوة، بدلا من التربّص بقريش والاستعداد لها، ومضايقتها في تجارتها، وأن يغض النظر عما كان منها قبل الهجرة فهذه مرحلة قد انتهت؟ ويمكن أن يكون هذا الكلام صحيحا لو أن الهجرة كانت نهاية المتاعب من ناحية قريش، ولو كان نسيان طرد المسلمين من ديارهم
стр. 70
وأموالهم أمرا سهلا.
أما وأنّ الهجرة ليست نهاية المتاعب من ناحية قريش- فهي نهاية مرحلة فقط وبداية مرحلة أخرى في الجهاد ضد أعداء الله- فإن هذا الكلام لا يمكن أن يكون صحيحا، وقد رأيت فيما سبق أن مشركي قريش أخذوا يلاحقون المسلمين في مهجرهم، ويردّونهم إلى مكة ويعذّبونهم، ويضعونهم في السجون. وهذا أمر لا يمكن السكوت عليه من ناحية المسلمين. وفوق ذلك فإن إخضاع قريش كان أمرا ضروريّا لتنطلق الدعوة الإسلامية انطلاقتها الكبرى إلى النّاس في مشارق الأرض ومغاربها.
وتاريخ الدعوة الإسلامية، وسيرة الرسول ﷺ تدلّنا على أن الدعوة الإسلامية لم تنتشر في شبه جزيرة العرب، ويقبل عليها الناس إلا بعد فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، وإلا بعد أن أذعنت قريش بعد أن أثخنتها الجراح على يد جند الإسلام بقيادة الرسول ﷺ عندئذ زالت العقبة الكبرى من أمام الدعوة، وأقبلت وفود العرب من جميع أرجاء شبه الجزيرة العربية معلنة إسلامها ومبايعتها للرسول ﷺ ؛ وذلك لأن قريشا كانت ذات مكانة كبيرة بين العرب، فهم أوسط العرب نسبا ودارا وهم أهل الحرم وقادة العرب. لذلك كان العرب جميعا ينتظرون نهاية موقف قريش من الدعوة الإسلامية حتى يقرروا موقفهم على ضوء هذه النهاية. يقول ابن إسحاق:
«وإنما كانت العرب تربّص بإسلامها أمر هذا الحيّ من قريش؛ لأن قريشا كانوا إمام الناس وهاديتهم وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم، وقادة العرب لا ينكرون ذلك. وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله ﷺ وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش، ودوّخها الإسلام، عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوته فدخلوا في دين الله» «١» والذي يتتبّع سير الدعوة الإسلامية منذ ظهورها في مكة حتى وفاة الرسول ﷺ يجد مصداق المقولة السابقة، ويدرك أن قريشا هي العدو الرئيس- حينئذ- للإسلام ففي مكة كانت حركة الدعوة الإسلامية بطيئة للغاية- لا لتقصير من جانب النبي حاشا لله- ولكن لموقف قريش المعادي للدعوة. فمع إسلام طائفة من الشخصيات البارزة في مكة من مختلف البطون، مثل أبي بكر وعثمان بن عفان. وعبد الرحمن
стр. 71
ابن عوف، وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي عبيدة بن الجراح، وحمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب- ﵃ جميعا- وغيرهم من السابقين، مع إسلام هذه الشخصيات ذات المكانة الرفيعة في مكة، وذات الحسب والنسب في قريش، ومع اعتزاز الإسلام بهذه الشخصيات- خصوصا حمزة وعمر- مع كل ذلك ففي خلال ثلاثة عشر عاما في مكة- قبل الهجرة- لم يزد عدد المسلمين عن بضع عشرات من المسلمين، ضيّق عليهم مشركو قريش غاية الضيق، وآذوهم أشد الإيذاء.
ولما هاجر المسلمون إلى المدينة، وأصبحوا آمنين على أنفسهم ودعوتهم، ووجدوا في الأنصار من أهل المدينة عونا وساعدا، وكرما وإيثارا، مع كل هذا ظلّت حركة الدخول في الإسلام محدودة؛ لأن العرب لا يزالون ينتظرون ويتربّصون موقف قريش من الإسلام. ففي معركة بدر الكبرى- مثلا وهي أول معركة عسكرية بين المسلمين وقريش، والتي كانت في رمضان من السنة الثانية للهجرة، كان عدد جند الله الذين قادهم رسول الله ﷺ في هذه المعركة أكثر قليلا من الثلاثمائة- «١» وهم معظم المسلمين عندئذ.
وفي الحديبية- في ذي القعدة (سنة ٦ للهجرة) - كان عدد الذين ساروا خلف الرسول ﷺ لزيارة البيت، والذين بايعوه تحت الشجرة- عندما تأزّم الموقف بينهم وبين قريش- كان عدد هؤلاء المسلمين (١٤٠٠) حسب رواية أغلب المؤرخين «٢» .
يعني نحن الآن في العام العشرين من عمر الدعوة الإسلامية، وهذا هو عدد المسلمين. فانظر ماذا حدث بعد صلح الحديبية مع قريش؟ تضاعف عدد المسلمين عدة مرات في أقل من عامين، فقد كان عدد جيش النبي ﷺ الذي دخل به مكة عام الفتح في رمضان من السنة الثامنة عشرة آلاف مسلم «٣» . فما السر في زيادة عدد المسلمين هذه الزيادة الكبيرة في هذه المدة القصيرة؟ السّرّ يكمن في موقف قريش فقد هادنت قريش الإسلام، وصالحها رسول الله ﷺ ووضعت الحرب معها
стр. 72
أوزارها عشر سنين- طبقا لمعاهدة الحديبية- وذلك بعد أن أحرجتها سياسة النبي ﷺ السلمية أمام العرب، فاضطرت إلى تغيير موقفها راغمة، وتسامع العرب في شبه الجزيرة بأمر صلح الحديبية، وعلموا أن قريشا بدأت تلين كانت نتيجة ذلك ازدياد عدد الداخلين في الإسلام من العرب، هذه الزيادة التي ظهر أثرها في فتح مكة- عندما نقضت قريش صلح الحديبية- وسار النبي ﷺ أمام المسلمين- عشرة آلاف- ليؤدبها ويعلّمها الالتزام بالعهود والمعاهدات.
فلما فتحت مكة، وأسلمت قريش، علم العرب جميعا بدخول النبي ﷺ مكة ظافرا منتصرا، وعلموا أن قريشا أسلمت بعد أن عفا عنها النبي وتجاوز عن سيئاتها معه. ماذا كانت النتيجة؟ جاءت وفود العرب من جميع أنحاء شبه الجزيرة معلنة إسلامها؛ حتى سمّي العام التالي لفتح مكة- العام التاسع الهجري-: عام الوفود، وقد ظهر الأثر الملموس لهذه النتيجة في عدد الجيش الذي سار خلف النبي ﷺ في العام التاسع في غزوة تبوك، فقد بلغ عدد هذا الجيش ثلاثين ألفا من المسلمين «١» .
أرأيت كيف كان موقف قريش من الدعوة الإسلامية مهمّا لنجاح هذه الدعوة وانسيابها في شبه الجزيرة العربية وخارجها؟ أرأيت كيف كانت قريش عقبة رئيسية في طريق الدعوة الإسلامية؟ ولعلك تعلم أن النبي ﷺ بعد أن عاد من الحديبية وبعد أن أمن جانب قريش من ناحية الجنوب، قصد توّا إلى خيبر ليصفي الحساب مع هذا الوكر من أوكار الخيانة والغدر التي كانت طابع اليهود، فقد أصبحت خيبر مركزا للتامر على الإسلام «٢» بعد أن لجأ إليها فلول المطرودين من المدينة من بني قينقاع وبني النضير. وفتح الله خيبر لرسوله ﷺ ثم بعد ذلك توجّه رسول الله بدعوته إلى العالم ممثلا في ملوكه وزعمائه، فكانت رسائله إلى كسرى فارس، وقيصر الروم، ونجاشي الحبشة، ومقوقس مصر، وغيرهم من الزعماء والأمراء «٣» . كل هذا النشاط، سواء القضاء على نفوذ اليهود في خيبر وما جاورها من مستعمرات اليهود- في فدك وتيماء ووادي القرى- أو التوجه بالدعوة الإسلامية إلى النطاق
стр. 73
العالمي، ممثلا في الرسائل التي حملها مبعوثو النبي ﷺ إلى زعماء العالم، كل ذلك لم يكن ممكنا قبل إخضاع قريش وتقييد حركتها ضد الإسلام، ورغم أنها ظنّت- بل ظنّ بعض المسلمين- أنها خرجت كاسبة من معاهدة الحديبية، ولكن في واقع الأمر كان صلح الحديبية انتصارا رائعا لدبلوماسية الرسول ﷺ وسياسته الحكيمة وبعد نظره، وقد دلّت كل وقائع التاريخ بعد ذلك على نجاح هذه السياسة النبوية، وصدق الله العظيم الذي سمى هذا الصلح: فَتْحاً مُبِيناً [الفتح: ١] .
هل تعجب- بعد أن علمت ورأيت كل ذلك- من أن الرسول ﷺ قد أعطى كل هذه الأهمية لقريش، وكرّس معظم جهوده لمعالجة العلاقات معها؟ حتى علاقاته بالقبائل الآخرى التي كانت تقطن المناطق الساحلية على الطريق بين مكة والمدينة- خزاعة وجهينة وغفار وضمرة وبنو مدلج وغيرهم- والتي حالفها ووادعها وعاهدها، كانت جزآ رئيسيّا من سياسته ﷺ ضد قريش ومن خطته في محاصرتها، وتضييق الخناق عليها، وأخذ طريق تجارتها لإجبارها على التخلي عن معاداتها للدعوة الإسلامية. ودراسة خطة النبي ﷺ في تلك الفترة تجاه قريش بالذات، تعتبر ذات أهمية كبيرة لدارس سيرة الرسول، وخط سير الدعوة الإسلامية، ومراحلها الرئيسية، وما تتميز به من حركية تلائم كل مرحلة، ففي مكة كانت الدعوة إلى الله بالحجة والإقناع والصبر على الأذى في سبيل الله. وفي المدينة- بعد الهجرة وقبل بدر- كانت مرحلة الاستعداد والاستكشاف والدراسة، والتلويح بالقوة أحيانا- لإعلام خصوم الدعوة الإسلامية- وقريش بالذات- أن القوة لم تكن أمرا مستبعدا عند الضرورة. فخير لها من الآن أن تذعن لله ولرسوله. ولما لم تفهم قريش، أو لم تحاول أن تفهم؛ أو قل: لم ترد أن تفهم، كانت الحرب الصريحة- منذ بدر- لتحطيم قوى البغي والعدوان والطغيان وتطهير الطريق أمام الدعوة منها، وفي كل المراحل لم تتوقف الدعوة بالحجة والإقناع؛ لأن هذا هو الأساس والقاعدة، أما الحرب فكانت الاستثناء؛ يلجأ إليه عند الضرورة، وهي لرد العدوان؛ وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة ١٩٠] .
* النشاط العسكري الإسلامي قبل بدر:
ظلّ النبي ﷺ أكثر من ستة شهور في المدينة بعد الهجرة قبل أن يقوم بأي نشاط عسكري، ورأيت أنه كان مشغولا في تلك الفترة بتأسيس الدولة الإسلامية وترتيب
стр. 74
أوضاع المسلمين في موطنهم الجديد، ولكنه مع ذلك لم يغافل أمر تدريب المسلمين على فنون القتال، وحثهم على تعلم الرّمي، وأثر عنه ﷺ أنه قال: «ألا إنّ القوة الرّمي» قالها ثلاثا.
وأول عمل عسكري قام به النبي ﷺ كانت السّريّة التي عقد لواءها لعمّه حمزة ابن عبد المطلب ﵁ وكان ذلك في شهر رمضان من العام الأول الهجري على رأس سبعة أشهر من مهاجره- ﵊ وكان اللواء أبيض، وحمله أبو مرثد كنّاز بن الحصين الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب، وبعثه رسول الله في ثلاثين رجلا من المهاجرين «وخرج حمزة يعترض لعير قريش قد جاءت من الشام تريد مكة، وفيها أبو جهل بن هشام، في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر؛ يعني ساحله، من ناحية العيص، فالتقوا حتى اصطفوا للقتال، فمشى مجديّ بن عمرو الجهيني، وكان حليفا للفريقين جميعا إلى هؤلاء مرة وهؤلاء مرة، حتى حجز بينهم ولم يقتتلوا، فتوجه أبو جهل وأصحابه إلى مكة، وانصرف حمزة بن عبد المطلب في أصحابه إلى المدينة» «١» . هذه رواية ابن سعد في الطبقات عن أول لواء عقده رسول الله وأول حملة عسكرية أرسلها لتناوش قريشا وتعترض طريق تجارتها. أما ابن إسحاق فيقدّم سريّة عبيدة بن الحارث في السياق على سريّة حمزة، ولكنه يتبع ذلك بقوله: «وبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله ﷺ لأحد من المسلمين؛ وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معا فشبّه ذلك على الناس» «٢» . وكيفما كان الأمر، وسواء أكانت سرية حمزة أولا أم سرية عبيدة؛ فقد تتابعت السرايا والغزوات- قبل بدر- لتصل إلى أربع سرايا، وأربع غزوات قادها النبي ﷺ بنفسه، فبالإضافة إلى سريتي حمزة وعبيدة، كانت هناك سرية سعد بن أبي وقاص، في ذي القعدة من العام الأول الهجري، ثم سريّة عبد الله بن جحش في رجب من العام الثاني الهجري، وسنرجئ الحديث عن سريّة عبد الله بن جحش؛ لأنها تستحق كلمة خاصة، لما تدل عليه من تطور في العلاقات بين قريش والمسلمين، ولما ترتب عليها من نتائج جعلت الصدام العسكري بين المسلمين وقريش أصبح وشيكا ومحتما.
إلى جانب هذه السرايا التي كان النبي ﷺ يرسل على رأسها أحد أصحابه، فقد
стр. 75
قاد بنفسه أربع غزوات، وأولى هذه الغزوات هي غزوة الأبواء في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مهاجره. «وحمل لواءها حمزة بن عبد المطلب وكان لواء أبيض، واستخلف على المدينة سعد بن عبادة، وخرج في المهاجرين ليس فيهم أنصاري حتى بلغ الأبواء يعترض لعير قريش فلم يلق كيدا، وهي غزوة ودّان، وكلاهما قد ورد، وبينهما ستة أميال، وهي أول غزوة غزاها بنفسه. وفي هذه الغزوة وادع مخشيّ بن عمر الضّمري، وكان سيّدهم في زمانه، على ألا يغزو بني ضمرة ولا يغزوه، ولا يكثّروا عليه جمعا، ولا يعينوا عدوّا، وكتب بينه وبينهم كتابا. وضمرة من بني كنانة. ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة» «١» .
«ثم غزا رسول الله ﷺ بواط في ربيع الأول، من السنة الثانية للهجرة، وخرج في مائتين من أصحابه، يعترض لعير قريش فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير، فبلغ بواط، وهي جبال من جبال جهينة من ناحية رضوى، وهي قريب من ذي خشب، مما يلي طريق الشام، وبين بواط والمدينة نحوا من أربعة برد فلم يلق رسول الله كيدا فرجع إلى المدينة.
وفي الشهر نفسه خرج رسول الله ﷺ يطلب كرز بن جابر الفهريّ، الذي كان أغار على سرح المدينة، فطلبه رسول الله ﷺ حتى بلغ سفوان من ناحية بدر، وفاته كرز ابن جابر فعاد ﷺ إلى المدينة. وهذه الغزوة يطلق عليها بعض المؤرخين غزوة بدر الأولى.
أما آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ بنفسه قبل معركة بدر- فكانت غزوة ذي العشيرة في جمادى الآخرة من السنة الثانية للهجرة. خرج في مائتين من أصحابه يعترض لعير قريش حين أبدأت إلى الشام، وقد جاءه الخبر بفصولها من مكة فيها أموال قريش، فبلغ ذا العشيرة، وهي لبني مدلج بناحية ينبع، وبين ينبع والمدينة تسعة برد، فوجد العير التي خرج لها قد مضت قبل ذلك بأيام، وهي العير التي خرج لها أيضا يريدها حين رجعت من الشام فساحلت البحر، وبلغ قريشا خبرها فخرجوا يمنعونها، فلقوا رسول الله ﷺ ببدر فواقعهم وقتل منهم من قتل ... وفي