← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 98

جامع الورع وقامع البدع

أبو بكر الدشتي

Полный текст (266 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وصح وثبت عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﵇ قال: "يكون في آخر زمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم وآباؤكم، فإيّاكم وإيّاهم فيضلّونكم ويفتنوكم" (١).

стр. 212

هذا حديث أخرجه مسلم في صحيحه، فكثير من هؤلاء الذين لهم صيت عند الأعاجم والأغراب وعند الفلاحين والأكراد قد نبذوا بالعباد وهم من أهل الجهل والفساد وليسوا من الخيرين الأجواد ويقولون أقوالاً ويفعلون أفعالاً لا نجدها في كتاب الله تعالى ولا في سنّة رسول الله ﵇ ولا في سنة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين والمنتمون إليهم يزعمون أنّهم يتكلمون بالحقائق وأنّ لهم كرامات وليسوا كما زعموا كذّابون دجّالون وسيأتي كبيرهم ويزعم أنّه ربّهم وربّ العباد وفراسهم وإلهامهم وكرامهم وكراماتهم من جنس كراماته ونحن منتظرون لخروجه وخائفون من افتتانه، وذلك ما روي [ق ٩١ / ب] عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﵇ خطبته ما يحدّثنا عن الدّجال ويحذّرناه، فكان من قوله: "يا أيها الناس إنه لم يكن فتنة على الأرض أعظم من فتنة الدّجال وإن الله تعالى لم يبعث نبيًّا إلا حذّر أمّته، وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وإنّه خارج، فإن خرج وأنا فيكم فأنا حجيج كل مسلم، وإن خرج بعدي فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كلّ مسلم، وإنّه يخرج من خلة بين الشام والعراق، فيعيث يمينًا ويعيث شمالاً فيا عباد الله اثبتوا، فإنّه يبدو ويقول: أنا ربكم، ولن تروا ربّكم حتى تموتوا، وإنّه أعور، وإنّ ربكم ليس بأعور، إنّ مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كلّ مؤمن، فمن لقيه منكم فليتفل في وجهه، وإنّ من فتنته أن معه جنّة ونار، فناره جنّة وجنّته نار، فمن ابتلي بناره فليقرأ خواتيم سورة الكهف وليستعذ بالله ، فإنّها تكون عليه بردًا وسلامًا كما كانت النار على إبراهيم ﷺ ، وإنّ من فتنته أن معه شياطين يتمثلون على صور الناس، فيأتي الأعرابي فيقول: رأيت أن بعثت لك أباك وأمّك أتشهد أنّي [ق ٩٢ /أ] ربّك، فيقول: نعم، فيتمثل شياطينه على صورة أبيه أمّه، فيقولان يا بنيّ اتبعه فإنه ربّك وإن من فتنته أن يسلّط على نفس فيقتلها ثم يحييها ولن يقدر لها بعد ذلك ولا يصنع ذلك بنفس غيرها ويقول: انظروا إلى عبدي فإنه أبعثه الآن، ويزعم أن له ربًا غيري فيبعثه ويقول من ربّك؟ فيقول: ربّي الله وأنت الدّجال عدوّ الله ، وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك أتشهد أني ربّك؟ فيقول: نعم، فيتمثل شياطينه على صورة أباه، وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت، فيمر بالحي

стр. 213

من العرب فيكذّبونه فلا تبقى لهم [سائمة] إلا هلكت ويمرّ بالحي من العرب فيصدّقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، فتروح عليهم مواشيهم من يومهم ذلك أعظم ما كانت [و] أسمنه وأمدها خواصرًا وأدرها ضروعًا" (١)، هذا حديث خرجته من كتاب السنة لأبي عاصم النبيل، إلا إن جميع ما يظهر من هؤلاء الخوارج الذين هم رؤساء الجهّال المخالفون للشرع والمعاندون لأهله والطريقيون (٢) والمشعبذة دون ما جاء به في الحديث من فعل الدجال وأمره أهون من أمر هؤلاء الجهال. وروي عن [ق ٩٢ / ب] النبي ﷺ أنّه قال: "يتبع الدجال من أمتي سبعون ألفًا عليهم السيجان" (٣) وهي الطيالسي وهي يلبسها الأكابر ينزو (٤)

стр. 214

بالعلماء والعباد وليسوا منهم، ألا وإن ذلك كذلك فيلزمنا أن نكذّبهم ونردّ عليهم ونعتقد ونقول في ذلك في حقهم ليس من الكرامات ولا من المكاشفات، بل من شعر الشياطين وسجعهم وخدعهم ومن تزيينهم ومن فتنتهم ومن شرّ اقتراب الساعة، والدليل على صحة ما قلناه ما روى الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ في مسنده، قال: حدثني عبد الرّزاق أخبرنا معمر عن أشعث بن عبيد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة ﵁ أنّه قال: جاء الذئب إلى راعي غنم فأخذ منه شاة، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال: فصعد الذئب على تلّ وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله ، فانتزعته مني، فقال الرجل: تالله إن رأيت كاليوم ذئب يتكلّم! فقال له الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات نبي بين الحرتين يخبركم بما مضى وبما هو كائن بعدكم، وكان الرجل يهوديًا، فجاء إلى النبي ﷺ فأسلم فصدّقه رسول الله ﵇، ثم قال: "إنّها أمارة من أمارات [ق ٩٣ /أ] بين يدي الساعة، قد أوشك الرّجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدّثه نعلاه وسوطه بما حدث في أهله بعده" (١)، وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني ﵁ قال: حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم العلاء حدثنا علقمة أخبرني أبي علقمة (٢) نصر بن علقمة عن أخيه محفوظ بن علقمة عن عبدالرحمن بن عائذ الأزدي حدثني سلمة بن نفيل التراغمي ﵀ أنه كان عند رسول الله ﵇ يومًا إذ جاءه رجل فقال: "والله يا رسول الله (٣)

стр. 215

لقد رأيت عجبًا ما أراه رجلاً قط قبل، إنّي غدوت من أهله أُضْحِي غنيمة، فعدا علي الذئب فأخذ منها حِملاً فاتبعته أطلب أن استنقذ منه حملي إن استطعت، فلما أدركته وضع الحمل وأقبل يكلمني، فقال: أيّها الرجل ارجع فوالله لا استنقذته اليوم، فقلت: والله ما رأيت عجبًا كاليوم قطّ إن الذئب يتكلم! فقال: بل أنبّئك بأعجب منه: رسول الله ﷺ وراءك بالنخلات يحدثك بالوحي من السماء، فذاك أعجب من ذئب رزقه الله حملاً، ثم قال: والذي أنزل عليك الكتاب ما جلست منذ كلمتُ الذئب، فقال رسول الله ﵇: صدقت؛ يوشك أحدكم أن يحدثه فخذه [ق ٩٣ / ب] وعصاه بما فعل أهله بعده وهي العجائب بين يدي الساعة" (١). وروي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: بينما راعٍ يرعى أخذ الذئب شاة من الشياه، فحال الراعي بينه وبين الشاة، فأقعى الذئب على ذنبه، وقال للراعي: ألا تتّقي الله تحول بيني و [بين] رزق ساقه الله إليّ! فقال: العجب لذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس! قال له الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك رسول الله عليه وسلم بين الحرتين يحدّث الناس بأنباء ما قد سبق فانطلق الراعي بشاته حتى أتى المدينة، فآواها إلى زاوية من زواياها، ثم دخل على رسول الله ﵇ فحدّثه بما قال الذئب، فخرج رسول الله ﵇ إلى الناس ثم قال للراعي: "قم فحدّثهم بما قال الذئب"، فقام الرّاعي فحدّثهم، فقال رسول الله ﵇: "صدق الراعي إنّ من أشراط الساعة كلام السباع للإنس، والذي نفس بيده لا يقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس ويكلم الرجل شراك نعله وعذبه (٢)

стр. 216

سوطه وتخبره فخذه بما أحدث أهله" (١)، فلا تشكّوا أن كثيرًا من أهل زماننا متى علموا أنّ يهوديًّا أو نصرانيًّا أو غيرهما من الكفار والمشركين كلمه السبع أو غيره من البهائم والحيوانات أو الجمادات لقالوا: هذا رجل صالح صاحب الكشوف والكرامات سيد الإسلام، ألا ومتى [ق ٩٤ /أ] شاهدوا أو بلغ إليهم أن ذئبًا أو غيره من السباع كلّم بعض هؤلاء رؤساء الجهّال لكانوا يقولون أن هذا السبع رجل صالح يتخيّل لنا على صورة السباع أو كانوا يقولون لهذا المخالف المعاند الذي كلمه الذئب أو غيره من السباع أنّه رجل صالح صاحب الكشوف والكرامات، وإن كانوا يهوديًّا أو نصرانيًّا أو كلبًا كما حدّثني محمد بن إبراهيم الدانسي (٢) ﵀ قال: "كان في قرية من قرى الموصل جويرية يتيمة وأهل القرية يجعلون لها النذور في تلك القرية، فقالت لها يومًا بعض النساء على طريق سبيل الانبساط: يا فلانة الناس ينذرون لك فأنت لمن تنذرين، فقالت: هي أيضًا على طريق الانبساط إن أعطيت الدراهم، فعليّ نذرًا إن أطعم الخبز هذا الكلب الأسود إلى أن يشبع، فكان من قضاء الله وقدره أنها خرجت من القرية إلى الزرع لأجل اللقاط، فلقيت في الطريق صرّة فيها دراهم فعظم عند ذلك أمر الكلب عند الجهّال من أهل القرية، فكانوا يجعلون النذور للكلب بعد أن كانت للجارية وكنّا نرى الكلب في الأسحار يأتي من قبل البرية، فكانوا يقولون أن هذا رجل صالح يتخيّل لنا أنه كلب وهو يخرج بالليل يزور الرّجال من الصالحين والأولياء ويأتي بالنّهار إلينا" (٣).

стр. 217

[ق ٩٤ / ب] وسمعت جماعة من أهل القرية يقولون عندنا كلب أسود ينذر له بعض الجهّال، فإذا وقف على باب دار من دورهم ينادون: "ألا قد جاء كلب النذر" ألا أيّها الناس فكفى بقوم هذا عقلهم ودينهم أنّهم قد افتتنوا بكلب أسود مع البيان من قول النبي ﵇ أن: "الكلب الأسود البهيم شيطان (١) " (٢) وأهل القرية قوم ينتمون إلى المشايخ وقد جهلوا أمر كلب، فكيف إذا رأوا شيئًا ممّا ذكرناه في هذه الأحاديث من قول النبيّ ﵇ في رؤسائهم وفي رجل منهم. عن معاوية بن قرة عن أبيه أنه قال: ذهبت لأسلم حين بعث محمد ﵇، فقلت لعلي أدخل معي رجلين أو ثلاثة في الإسلام، فأتيت المدينة حيث مجمع الماء، فإذا براعي القرية يقول: لا أراعي لكم أغنامكم، قالوا: ولم؟ قال: يجيء الذئب كلّ ليلة فيأخذ شاة وصنمكم قائم لا يضر ولا ينفعكم ولا يغير ولا ينكر، قال: فذهبوا وأنا أرجو أن يسلموا، فلمّا كان من الغد جاء الراعي يشتدّ ويقول: البشرى البشرى، قد جاء الذئب مقموطًا (٣) بين يدي الغنم بغير قماط، قال: فذهبوا وذهبت معهم، فقتلوا الذئب وسجدوا للصنم وقالوا: هكذا فاصنع [ق ٩٥ /أ] قال: فأتيت محمدًا فحدّثته الحديث، فقال النبي ﵇: لعب بهم الشيطان" (٤).

стр. 218

ألا وقد لعب الشيطان بأقوام من أبناء زماننا تحلّق بالفقراء وبالزهاد ولن ينتحلوا منهم حقيقة، فالله المستعان. ما أكثر التلاعب في هذا الزمان على يدي أقوام نبذوا بأهل الإيمان وليسوا فيه إلا من أهل الحرمان وأهل الزور والبهتان وأضلّهم شيخهم الذي هو رأس أهل الإثم والعدوان، فخرجوا به عن الدين، ومرقوا به عن الإسلام، وسوف يلقون بذلك الهوان، وأقول شعرا: شقيوا بصحبتك اللئام وما أفلحوا ... وكان يفلح وجوههم قد كلحوا في النار إذا أغديتهم عن دينهم ... شلّحتهم أثوابه فتشلّحوا لما ضللت عن الصواب جميعهم ... ضلوا وأنت رجيم من يستصلحوا وأبعتم دين الهدى بضلالكم ... لما سلاحات الضلال سلحوا ما أفلحوا مذ أبصروك ولا ... رأوا أرشد أو راحوا في الضلال يمرحوا خسروا بك الدارين يا شرّ الورى ... لما برحوا في الخسار وسرحوا مرقوا من الدين الحنيف وفارقوا ... من في الهدى قد صالحوا من أصلحوا وفارقوا نهج الهدى وتفرقوا ... في لجّ بحر ضلالة يستسبحوا صحبوا لرأس جهالة فأضلهم ... عن دينهم [ق ٩٥ / ب] واستحسنوا ما أقبحوا خسروا بصحبتهم سفيهًا جاهلاً ... جعلوه رأس ضلالهم لم يربحوا مثل الحمار تراه فيهم صافنا (١) ... والكلب يستمعوا عواه فينبحوا نبذو كتاب الله خلف ظهورهم ... وشريعة الهادي البشير وطرّحوا تالله قد شقيوا بصحبة جاهل ... ما أفلحوا ما أفلحوا ما أفلحوا وروي أن أبا عثمان النيسابوري رحمة الله عليه قال: "خرجتا جماعة مع أستاذنا أبي جعفر النيسابوري رحمة الله عليه إلى خارج نيسابور فتكلم الشيخ علينا وطابت أنفسنا، ثم نظرنا لأيّل قد نزل من الجبل حتى برك بين يدي الشيخ، فأبكاه ذلك بكاءً شديدًا، فلما سكت قلت له: يا أستاذ تكلمت علينا وطابت أنفسنا، فلما جاء هذا الوحش وبرك بين يديك أزعجك وأبكاك، فقال: نعم، رأيت اجتماعكم حولي وقد طابت أنفسكم فدار في خلدي

стр. 219

لو أن شاة ذبحتها ودعوتكم عليها فما يحكم هذا الخاطر حتى جاء هذا الوحش وبرك بين يدي، فيخيّل لي أني أنا مثل فرعون يسأل ربّه أن يجري له النيل فأجراه، فما يؤمنني أن يكون الله يعطني كلّ حظّ لي في الدنيا وأبقى في الآخرة فقيرا لا شاء لي، فهذا الذي [ق ٩٦ /أ] أزعجني" (١)، ألا فيتأسى المتأسي منكم بالنبي ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم وبمثل هذا الشيخ ﵁ وبهديهم، فاهتدوا وبهم فاقتدوا، وعن شريعتهم ومناهجهم لا تعتدوا إن أردتم تربحوا، فتسعدوا وتقرّبوا ولا تبعدوا، بصّرنا الله وإيّاكم ما نهدى به إليه، وسترنا وإيّاكم عند القدوم عليه، وغفر لنا ولكم يوم الوقوف بين يديه، وبلغنا أن الشيخ الإمام العلامة عبدالله بن قدامة المقدسي ﵀ قيل له: إن شيخًا في حواران قد تبعه كثير من الناس وله كرامات، فقال الشيخ الموفّق: "لا إله إلا الله، لقد كان فرعون يقول: لنيل مصر اجر، فيجري ويقول له: قف فيقف عند حافر دابته، فما كانت هذه كرامة لفرعون وإنما جعله الله تعالى سببًا ليضل به بني إسرائيل".

стр. 220

ألا وما نرى في الحدثين (١) من الدجاجلة والفراعنة الذين هم رؤساء زماننا، وما نرى في قومٍ ينتمون إليهم ليس ذلك كرامات ولا إلهامًا؛ لأنهم ورثة الفراعنة والجبابرة وشيعتهم وبهم مقتدون، ولما كان رسول الله ﵇ وصحابته رضوان الله عليهم عليه مخالفون وعنه حائدون، وإنما كان كما قال الله تعالى [ق ٩٦ / ب] ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] معناه: لنبتليهم لك لنعلم من يسلم لأمرك ويتبع سنّتك وهديك، وكلّ ذلك ابتلاء من الله ومحنته ليضل بذلك أقوام من جهال هذه الأمّة وكلّ من يتدين بشيء من المكروهات بإجماع أهل العلم والعبادات لم تصلح له كرامات وقد روينا في أوّل كتاب أن (٢) عائشة ﵂ قالت: قدمت عليّ امرأة من أهل دومة الجندل، جاءت تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته حداثة ذلك، تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به. قالت عائشة لعروة: يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله ﷺ فيشفيها، كانت تبكي حتى إنّي لأرحمها، وتقول: إني لأخاف أن أكون قد هلكت، كان لي زوج فغاب عنّي، فدخلت علي عجوز فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به تجعليه يأتيك، فلمَّا أتى الليل - وفي لفظ فأجعله يأتي، فلمَّا كان الليل- جاءتني بكلبين أسودين، فركبت أحدهما وركبت الآخر، ولم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل - وفي لفظ ولم يكن شيء حتى دفعنا إلى بابل- فإذا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء [ق ٩٧ /أ] بك؟ فقلت: أتعلم السحر؟ . وقد تقدم بطوله (٣)، وهذا الحديث أخرجه أبو القاسم الطبري في كتاب "السنن"، وخرجته من حديث عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي وألفاظهما داخل بعضهما في بعض، وفي بعضها زيادات ما ليس في الآخر، ألا فكثير من هؤلاء الجهّال من أهل زماننا تركوا الاشتغال بما في كتاب الله وما في سنّة رسوله وجهلوا ما كان رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم عليه واشتغلوا بالطاعات والعبادات بغير علم ودخلوا في أمر السحر بتعليم الشياطين، فكثير من الأشياء إذا أرادوا (٤)

стр. 221

وزعموا أن ذلك إلهام من الله تعالى وكرامات أكرمهم الله بها هلكوا، وإنّما الإلهام والكرامات يظهران من أقوام عاملين بالعلم ومتّبعين لما كان عليه النبي ﵇ وصحابته رضوان الله عليهم ويتمسكون بآثارهم وهم أبعد الناس من البدع والحوادث، ومبغضون لرؤساء الجهّال ومتبعيهم، وصحّ وثبت عن عائشة ﵂ أنها قال: "سئل رسول الله ﵇ عن الكهنة، فقال: "ليسوا على شيء"، فقيل له: إنّهم يخبرون بأشياء تكون حقًّا، قال: "تلك كلمة يحفظها الجنّي فيقذفها في أذن وليّه، فيزيد فيها مائة [ق ٩٧ / ب] كذبة" (١)، وللبخاري أن الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب، فتذكر الأمر قضي في السّماء فتسترق الشياطين السمع وتوحيه إلى الكهّان، فيكذبون معها مائة كذبة". هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما وما يظهر من شيوخ زماننا وفقرائهم من هذا الجنس، فافهموا ذلك يقينًا وليبلغ الشاهد منكم الغائب، فإن قال قوم: نحن عملنا ما عملنا من هذه الأمور المكروهات (٢)

стр. 222

من البدع والمحدثات شبكةً تصيد بها العصاة والجهّال ويجذبهم عن معصية الله تعالى إلى طاعته وهي حجّتنا على إباحتها، ألا والذي أعرفكم أنّ الأمر ليس كما زعموا بل صحّ وثبت أنهم يوقعون العصاة والجهّال في أعظم ممّا كانوا عليه من المعاصي، وذلك أن الجاهل العاصي يعصي الله وهو يعتقد أن الله تعالى قد حرّم عليه ما يفعله من المعاصي وما يرتكبه من الذنوب والخطايا وهو مسلم بإجماع أهل العلم، فإذا أتى إلى الشيخ من رؤساء الجهّال وقائديهم إلى النار فتاب على يديه وجعله شيخه وقدوته وأحبّه واقتدى بطريقه، وربّما كان الشيخ من أهل الكلام الذين يحبّون الزيادة في الدين والقياس [ق ٩٨ /أ] والرأي على غير الأصل أو ربّما كان الشيخ ممن يحبّ اللّهو واللّعب وأكل ألوان الطعام من الحلال والحرام والنظر إلى وجوه المرد والنسوان والاستماع إلى كلامهم وكلامهنّ والاستماع إلى الأغاني منهم والرقص معهم وإلباس الخرقة لهم والتوبة له ويجعل ذلك طريقه ويعتقد أن هذا كلّه حلال وطاعة وأنه يتقرّب به إلى الله كما يتقرّب إليه بالمندوبات والقربات وأجمع المسلمون كلّهم على أن من أحلَّ شيئًا مما حرّم الله ورسوله ﵇ مما لا يجهله أنه يكفر ويخرج عن دين الإسلام ويقع في موبقات الآثام؛ لإضافته المحرّم إلى الشرع المكرّم ولفتيانه بإباحة الحرام، وأقول شعرا: أضافوا إلى شرع النبيّ ودينه ... أراذل قالوا أنّها لتباح هي الدف والتشبيب والشر تابع ... ولهم تلك ملاهي كلهنّ قباح قد اتخذوها يا أولي العلم قربة ... ودانوا عند المساء وصباح وإذا جئتهم في لهوهم يزفنوا بها ... سمعت [لهم] مثل الكلاب نباح ومن حلل التحريم أو حرّم الذي ... أبيح فذاك الكفر منه صراح ومن ينتمي في محدث يحدثونه ... يلاقي [ق ٩٨ / ب] عذابًا ليس منه براح ومن يقتدي بالجاهلين فما له ... نعم عن عذاب الجاهلين يراح وقد شدّدوا فيه الوثاق فما له ... إلى أن يشاء الله عنه سراح فإن تاب بالتوبة النصوح فإنه ... يلاقي من مولي الكريم سماح (١)

стр. 223

فإن قالوا ما أحدثنا هذه المحدثات إلا ليجذب أقوامًا من معصية الله إلى طاعته وتتألف قلوبهم بذلك، فأقول لهم: قد كان نبيّكم ﷺ إن كنتم من أمته أعلم بأحوال الناس وما يتألّفون به وكذا من بعده من صالحي السّلف وخيار الخلق كانوا لا يجذبون الناس من المعاصي إلى طاعة الله تعالى وإلى طريق الحق بشيء من هذه المحدثات والمكروهات، وإنّما كانوا يجذبونهم بما أمر به من الذكر وقراءة القرآن والتذكير بنعم الله تعالى على عباده وآلائه وعظمته وحكمته وما ينبغي من طاعة وذكر الجنة والنار في الآخرة برفق ولين وشفقة وإرفاد شيء من الدنيا. وقد صح وثبت أن أنس بن مالك ﵁ قال: "إن كان الرجل ليُسلم وما مراده إلا الدنيا فما عسى إلا ودينه أحب إليه من الدنيا [ق ٩٩ /أ] وما فيها" (١)، ألا والذي أعرفكم بحال قوم يجذبون الجهّال من المعاصي إلى طاعة الله تعالى وإلى طريق الحق بشيء من هذه المحدثات والمكروهات التي أحدثت بعد أصحاب رسول الله ﵇ مع بقائهم عليها وتزيينهم بها أشدّ ضررًا على أهل الإسلام من الكفار والمشركين قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥، ٦]، وكلّ قوم يستحسنون شيئًا من هذه الحوادث التي أحدثت بعد رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم في الدين ممّن دعائهم الشيطان فأجابوه ودخلوا في حزبه وصاروا ممّن زيّن له سوء عمله فرآه حسنًا، وذلك أنهم لم يقنعوا أن يقولوا فيما أحدثوا أن هذه لعب وخطأ حتى قالوا إن هذا حسنًا وهذا مقامات الرجال، ومذهب أهل الحقّ من أصحاب الحديث وأهل الصدق أن من كان مصرًّا على شيء مجمع على تحريمه ويعتقد ويقوله أنّه حرام وأنّ تركه واجب مندوب إليه فهو فاسق، ومن اعتقد أنّه حلال وأنّه يتقرّب به [ق ٩٩ / ب] إلى الله بشيء مجمع على أنه مكروه فهو مبتدع ضال مضلّ قد خرج عن الملّة ومذهب أهل الإسلام وأئمتهم أن من ادّعى رتبة تزيد على السنّة وأفعال الصحابة رضوان الله عليهم لم يلتفت إليه كائنًا من كان، وأقول شعرا:

стр. 224

من ادّعى أن له حالة ... تخرجه عن منهج الشرع فلا تكوننّ له صاحبًا ... فإنه ضر بلا نفع ولكل من يزعم أن الذي ... حظر أهل العلم بالمنع (١) محلل (٢) ذاك السفيه الذي قد ضل ... ما أحسن في الصنع قد ختم الله على قلبه ... ومبصر العينين والسمع ولا له عقل فويل له ... يوم قيام الناس في الجمع سحقًا له مبتدع محدث ... قد وضع الدين عن الرفع فإن غلطوا أو قالوا رأينا شيوخًا من شيوخنا أحدثوا هذه الأحاديث وسمعوها وفعلوا هذه الأشياء التي تحرمها وتنكرها على فاعلها وضعوها ويزعمون أنّهم في ذلك مقتدون بشيوخ لهم، وهذا دقّ عليهم. فالجواب أن هذا غلط من قائله لا يسمى النصح دقًّا؛ لأنّا ما أوردنا من عندنا شيئًا؛ لأنّ الاعتبار الذي اعتبرنا به هذه المحدثات وعارضناها عليه هو الشرع الذي من خالفه بشيء أحدثه، فقد عانده فما وافقه قبل وما لم [ق ١٠٠ /أ] يوافقه سقط وأهمل، وهذا كما روي أن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ كان يكثر الجلوس إلى ربيعة الرأي، فتذاكروا يومًا في السنن فقال رجل ممن كان في المجلس: "ليس العمل على هذا"، فقال عبد الله: "أرأيت أن كثر الجهّال حتى يكونوا هم الحكّام، أفهم الحجّة على السنة"، فقال ربيعة: "أشهد أنّ هذا كلام أبناء الأنبياء" (٣)، فإن ذلك كذلك فهؤلاء المخالفون للشرع هم الجهّال وليس قولهم حجة عند من في قلبه أدنى إيمان وعلى أنا لا نسلم أنّ أحدًا من الصلحاء المتقدمين الذين يضاف إليهم هذا أنّه فضلهم، وهذه مصنفات أئمة الدين وأعلام المسلمين مثل مصنّف الإمام مالك والشافعي وأحمد وصحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود وسنن النسائي رضوان الله عليهم إلى غيرها وكلّها خالية من دعواهم، وهذه تصانيف فقهاء المسلمين الذين يدور عليهم

стр. 225

الفتيا قديمًا وحديثًا في شرق البلاد وغربها، وقد صنف المسلمين على مذاهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رضوان الله عليهم تصانيف لا تحصى، وكذلك على مذاهب غيرهم من فقهاء الإسلام كلّها مشحونة بالدق على أهل الحوادث والبدع كأهل السماع والرقص وغيرها من الحوادث والبدع [ق ١٠٠ / ب] التي أحدثت بعد الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى تفسيقهم، وإن صحّ أنّ أحدًا من المتأخرين بعد أصحاب رسول الله ﵇ فعل شيئًا من هذه المحدثات والبدع لم يقبل منه ولا كرامة؛ لأنه لا يجوز وقد أخطأ في ذلك كائنا من كان ولا يجوز الاقتداء به ويترك الاقتداء بالأئمة الراشدين الذين أخذوا كلّ شيء عن النبيّ ﷺ توثيقًا، وأقول شعرا: تراهم يضربون الأرض جورًا ... بلا وجد ولا يجدوا ملالةً إذا حذرتهم بطر العوافي ... أضافوا ذاك منك إلى الجهالة وقالوا نحن قوم قد وصلنا ... فقلت إلى هواكم (١) لا محالة فقالوا عن مشايخنا قديمًا ... ورثنا رقصنا لا عن كلالة فقلت لهم كذبتم في لحاكم ... ... لقد ركبت شيوخكم الضلالة فقالوا ادرج فما هذا بعش ... لأرباب المعارف والعدالة وهذا عشنا أكل وشرب ... فقلت ليهنكم عيش الزبالة (٢) خليلي كف لا تعجل بلومى ... لإنكاري سماع ذوى الإطالة وتحريم السماع له وجوه ... سناها إن بدا كشف الغزالة إذا أظهرتها شيوخ سوءٍ ... تراهم منكرين لها جهالة وإن أنا سمتهم يا صاح يومًا ... شراها استكثروا فيها النخالة شيوخ الجهل يتبعهم كثير ... وذووا التحقيق لن يصلوا حبالة ومرتبة السماع [ق ١٠١ /أ] لها شيوخ ... تلوح عليهم منها جلالة هم أهل الحديث وجاء عنهم ... خطاب أثبتته لنا الرسالة لهم نطق يؤيّده كتاب ... عزيز لا ترد له مقالة لهم نطق الوجود ما حواه ... وأدرك سمعهم منه سؤاله إذا انقطع التناسب بين قوم ... تنافرت الخواطر بالأصالة

стр. 226

أيا يا إخواني ومن هاهنا ذلّ من لا بصيرة له ولا حياء ولا إيمان وغاب عن كثير من الجهال الصواب تحتج عليهم بالصحابة والصلحاء المتقدّمين ويحتجون علينا برؤساء الجهال الغاشمين (١) الذين لم يقض لهم بالإصابة كما قضى لأعلام الصحابة نعوذ بالله من حرمان الصواب فهذا أبو بكر المروذي خادم الإمام أحمد رحمة الله عليهما قال: سمعت الإمام أحمد بن حنبل يرغب في النكاح فقلت له: "قد قال بعضهم"، فما تركني إن أتمم حتى صاح عليّ وقال لي: "اذكر لك رسول الله ﵇ وصحابته رضوان الله وتأتيني ببنيات الطريق" (٢) -وفي لفظ قال: قلت: - إن إبراهيم بن أدهم ﵀ حكي عنه أنّه قال: "لروعة صاحب عيال"، فما قدرت أن أتمم الحديث حتى صاح بي وقال: "وقعت في بنيات الطريق"، انظر عافاك الله ما كان عليه محمد وأصحابه وقال: قلت لأبي عبد الله: إن الفضيل يروي عنه، قال: لا يزال الرجل في قلوبنا [ق ١٠١ / ب] حتى اجتمع على مائدته جماعة زال عن قلوبنا، قال: دعني من بيّنات الطريق هذا العلم يؤخذ انظر عافاك الله ما كان عليه محمد وأصحابه" (٣)، ألا وأنا أقول لكم: انظروا عافانا الله وإيّاكم ما كان عليه محمد وأصحابه ولا تنتظروا إلى أقوام تشبّهوا بالعلماء والعبّاد وبالواعظين الزّهاد، وليسوا منهم في شيء؛ إذ هم من أهل العناد وبيقين لاشك فيه عند العارفين المحققين والعلماء المكاشفين الصًادقين ما كانت سيرة محمد وأصحابه كسيرة هؤلاء المحدثين المارقين الناكسين المنافقين الذين أحدثوا ما ليس في مذهب المحدثين وغدوا على غيهم وجهلهم وضلالتهم منبعثين، وفيما أضلّهم عن الحق مباحثين، والله ما كان يجري من محمد وأصحابه ما يجري منهم ومحمّد وأصحابه أرق الناس قلوبًا وأخشى الناس لله وأهداهم وأتقاهم وأحبّهم إلى الله وأفضلهم ممّن جاء بعدهم، وممّن كانوا قبلهم سوى النبيّين والمرسلين صلوات الله عليهم، وإذا ظهر ممّن دونهم شيئًا من أمور الدّين ولم يكن ظهر عنهم علمنا أنه بدعة وضلالة ولا يشك في هذا إلا جاهل يجاهل نقّال (٤)

стр. 227

أو معاند خبيث المقال [ق ١٠٢ /أ] وهذا أبو بكر الخلال ذكر في كتاب "العلم" أنّ أبا النصر إسماعيل بن عبد الله بن ميمون أخبره، قال: حدّثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ﵀ قال: حدثنا حجاج عن شريك عن الأعمش عن فضيل بن عمرو، وقال أحمد: أراه عن الفضيل عن سعيد بن جبير ﵀ عن بن عبّاس ﵁ قال: "تمتّع رسول الله ﷺ " فقال عروة: "قد نهى عنها أبو بكر وعمر ﵄"، فقال ابن عباس: "أراكم ستهلكون، أقول لكم قال: رسول الله ﷺ وتقولوا أبو بكر وعمر" (١)، -وفي لفظ لغيره- قال ابن عباس ﵁: "هذا والله هو الذي أهلككم، والله إنّي لا أرى الله إلا سيعذّبكم، أحدّثكم عن رسول الله ﵇ وتحدثوني عن أبي بكر وعمر ﵄" (٢)، قلت: والتمتع أن يحرم بالعمرة من الميقات ويقول: لبيّك بعمرة، فإذا أتى مكة طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة حلق أو قصر من شعره وحلّ، فإذا كان يوم التروية أحرم بالحج من مكة، ثم يخرج إلى منًى وعرفات، ألا فهذا قول ابن عباس ﵁ لمن عارض قول رسول الله ﵇ يقول أبي بكر وعمر ﵄ الذين شهد لهما رسول الله ﵇ أنهما من أهل الجنة، ووصينا بقبول قوليهما: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر رضي [ق ١٠٢ / ب] الله عنهما" (٣)،

стр. 228

فكيف بأقوام ضلال قد أعمى الله بصائرهم يعارضون قول رسول الله ﷺ بقول فقيه أو عالم أو شيخ من العبّاد، لقد خابوا وخسروا خسرانًا مبينًا، وضلوا ضلالاً بعيدًا، ألا ليس أحد بعد رسول الله ﵇ يؤخذ من قوله ويترك منه حتى عمر بن الخطاب ﵁ يترك من قوله: الوضوء من مسّ الإبط (١) وابن مسعود ﵁ من قوله أن المعوّذتين ليستا من القرآن (٢) قال الهيثم بن جميل: سألت مالكًا ابن أنس رحمة الله عليه ورضوانه، فقلت عندنا بالعراق قوم يبلغهم الحديث عن [رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم فيتركونه ولا يتبعونه ويتبعون ما بلغهم عن] إبراهيم والشعبي، فقال: "يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا" (٣)،

стр. 229

ألا فقوم تبلغهم الأحاديث عن رسول الله علي السلام أو عن أصحابه فتركونها ولا يتّبعونها ويتّبعون ما بلغهم عن أقوام جاءوا بعدهم يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا، وصحّ وثبت أنّ وبرة بن عبد الرحمن قال: كنت جالسًا عند ابن عمر ﵁ فجاء رجل فقال: أيصح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف، قال: نعم، قال: فإنّ ابن عباس قال: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف، فقال ابن عمر: قد حجّ رسول الله ﷺ فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول الله ﷺ [ق ١٠٣ /أ] "أحقّ أن تأخذ"، أو بقول ابن عباس: إن كنت صادقًا" (١) - وفي لفظ أن وبرة - قال: "سأل رجل ابن عمر أطوف بالبيت وقد أحرمت بالحج؟ "، قال: "وما يمنعك؟ " فقال: "إني رأيت ابن فلان يكرهه وأنت أحبّ إلينا منه رأيناه قد فتنته الدنيا"، فقال: "وأينا أو قال: وأيّكم الذي لم تفتنه الدنيا؟ ثم قال: "رأينا رسول الله ﵇ أحرم بالحجّ وطاف بالبيت وسعى بين الصّفا والمروة فسنة الله وسنة رسول الله أحقّ أن يتتبع من سنة ابن فلان إن كنت صادقًا" (٢). هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (٣) إلا أن الاقتداء بعلمائنا وبمشايخنا وبفقرائنا لا يجوز لمن آمن بالله وبرسوله في أمر من الأمور من غير برهان، قال الله ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، فكلّ من لم يقم البرهان على ما ادّعى من قولٍ قاله أو من فعلٍ فعله من كتاب الله تعالى، ـ ولا من سنة رسوله ﵇ ولا من سنة الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم، فهو كذّاب وليس بصادق فيما ادّعى.

стр. 230

ومن له برهان من كتاب الله أو من سنّة رسوله ﵇ أو من سنة الخلفاء الراشدين في أمرٍ من الأمور المتشابهات غير المحكمات تركه واجب؛ لأن [ق ١٠٣ / ب] الله تعالى قال في محكم كتابه العزيز: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، فذمّ مبتغي المتشابه وقرنهم بمبتغى الفتنة، ثم أخبر أنّه لا يعلم تأويله إلا الله والوقف الصحيح عند أهل العلم عند قوله ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ (١)،

стр. 231

وقيل للإمام أحمد بن حنبل ﵀: كيف لي أن أعرف المتشابه من المحكم؟ فقال: "المتشابه الذي يكون في موضع كذا وفي موضع مختلف فيه والمحكم الذي ليس له اختلاف" (١)، فإذ ذلك كذلك في كتاب الله ، فترك ما دونه أولى وأوجب، وصحّ وثبت أنّ النبي ﵇ قال "إنّه من يعش منكم بعدي فيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنّتي" (٢) وقد تقدم الحديث شرحه وبالاتفاق أن النبي ﵇ ما قال عليكم بسنّة علمائكم ومشايخكم ولا قال فاقتدوا بهم واتبعوا طريقهم، ألا فكلما اختلف الناس فيه ممّا لا نصّ لهم فيه من كلام الله ولا في سنّة رسول الله ﵇ ولا في سنّة الخلفاء الراشدين ولا إجماع الصّحابة رضوان الله عليهم أنّ ذلك من الشبهات ومن وقع [ق ١٠٤ /أ] في الشبهات وقع في الحرام لما صحّ وثبت عن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتّقى الشبهات استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإنّ لكلّ ملك حمى، وحمى الله محارمه، ألا وإنّ في الجسد مضغة، إذا صلحت، صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (٣).

стр. 232

هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وهذا لفظ عن أبي هريرة ﵁ أنّ النبيّ ﵇ قال: «يأتي على الناس زمان، لا يبالي المرء بما أخذ المال، أَمِنَ الحلال أو من الحرام» (١). هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه وروي عن ابن عبّاس ﵁ أنّ رسول الله قال: "إنّ عيسى المسيح ﷺ قام في بني إسرائيل خطيبًا، فقال: يا بني إسرائيل لا تتكلّموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، لا تظلموا ولا تكافئوا ظالمًا بظلمه فيبطل فضلكم عند ربّكم، إنّما الأمر ثلاثة: أمر تبيّن رشده فاتبعوه، وأمر تبيّن [ق ١٠٤ / ب] زيفه فاجتنبوه، وأمر اختلف فيه فردّوه إلى الله " (٢). هذا حديث خرجته من حديث أبي بكر أحمد بن الحسين الموصلي ﵀، ألا فإنّ الرقص واستماع الغناء والشبابات واللّعب بالشطرنج ولبس الخرقة من المشايخ وتقليد الجهّال من العباد أمر تبيّن زيفه عند أهل الإسلام والسنة وعند هذه الطائفة المخالفة أمر اختلفوا فيه على ما زعمت بجهلها، فالأولى أن يتركوا هذه الأمر ويردّوه إلى الله وإلى رسول الله ﵇ كما قال الله تعالى، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وأما على مذهب أهل الإسلام والسنّة فواجب عليهم تركه؛ لأنه أمر تبين زيفه.

стр. 233

وروي عن حذيفة اليماني ﵁ أنّه قال: "كان الناس يسألون رسول الله ﵇ عن الخير وأنا أسأله عن الشرّ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله ﵇ إنّا كنّا في جاهلية وشرٍّ فجاءنا الله بهذا الخبر، فهل بعد هذا الخير شرّ؟ قال: "نعم"، قلت: وهل بعد ذلك الشرّ من خير؟ قال: "نعم"، قلت: وهل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: "نعم"، وفيه دخن - يعني وفيه فساد- يقول خير متضمّن فسادًا وتخالطه فتنة"، قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم تعرف منهم [ق ١٠٥ /أ] وتنكر؟ " قلت: وهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم دعاه على أبواب جهنّم من أجابهم إليها قذفوه فيها"، قلت: يا رسول الله فما تأمرني أن أفعل إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم"، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق وكلّها ولو تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت كذلك"، قلت: يا رسول الله صفهم لنا! قال: "هم قوم من جلدتنا ويتكلّمون بألْسنتنا" (١). هذا حديث خرجته من كتاب الترغيب والترهيب للحافظ إسماعيل بن الفضل الأصبهاني، ألا فاعتزلوا ما تجدونه في زمانكم من الفرق والاختلاف، فإن ذلك من البدع والشبهات وتمسّكوا بما تجدونه في كتاب الله تعالى وفي سنّة رسول الله ﵇ وفي أثر من آثار الصحابة واتركوا ما سوى ذلك من المحدثات ومن البدع والضلالة وقوله ﵇: "من جلدتنا" أي: على خلقتنا ويتكلّمون بألسنتنا يمكن أن يراد بذلك أنّهم يتكلّمون بالعربية ويمكن أن يراد به أنّهم من بني آدم خلقوا كما خُلقنا ويتكلمون كما نتكلّم، وقرأت عن جابر بن عبد الله ﵁ أنّ النبيّ ﵇ قال: "يكون بعدي في أمّتي اختلاف وفرقة، وإنّ قومًا منهم يقولون: ما وجدنا في كتاب الله وما اجتمع عليه المسلمون [ق ١٠٥ / ب] صدّقناه، وما اختلفوا فيه وكلّناه إلى الله تعالى أولئك أهدى أمتي أو أرشد أمّتي" (٢)،

стр. 234

ألا فكونوا من أهدى أمّة محمد، ألا وكونوا من أرشد أمّة محمد ﵇، وقد روي عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: أخبرني ابن أبي نملة الأنصاري، رحمة الله عليه أنّ أبا نملة، أخبره أنه بينما هو جالس عند النبي ﷺ جالس جاءه رجل من اليهود، ومرّ بجنازة، فقال: يا محمّد، هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله ﷺ : «والله أعلم»، فقال اليهودي: إنّها تتكلم، فقال رسول الله ﷺ : «ما حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم، ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوه، وإن كان حقًّا لم تكذبوه» (١).

стр. 235

وروي عن أبي هريرة ﵁ أنّه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانيّة ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال لنا رسول الله ﵇: "لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقولوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦] " (١)، ألا فمنعهم رسول الله ﵇ من التصديق خشية أن يكون كذبًا ومن التكذيب خشية أن يكون حقًّا وأمرهم بالعدول إلى قول يدخل فيه الإيمان [ق ١٠٦ /أ] بالحقّ وحده، وهذا كذلك والسلام. وذكر أبو عبد الله بن بطة في كتاب الإنابة: قال: حدّثنا أبو القاسم حفص بن عمر أبنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي أبنا المسيب [بن] واضح السلمي قال: أتيت يوسف بن أسباط فسلمت عليه وانتسبت إليه وقلت له: يا أبا محمد إنّك بقية أسلاف العلماء الماضين وإنّك إمام السنّة وأنت على من لقيك حجّة، ولم آتك لأسمع الأحاديث ولكن لأسألك عن تفسيرها، قد جاء الحديث عن النبي ﵇ أن بني إسرائيل افترقوا على اثنين وسبعين فرقة وأنّ أمّتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقة، فأخبرني ما هذه الفرق حتى أتوقاها، قال لي: إنّ أصلها أربعة: القدرية والمرجئة والخوارج والشيعة، وهم الروافض، فثمانية عشر في القدرية وثماني عشرة في الشيعة، ثم قال: ألا أحدّثك بحديث لعلّ الله ينفعك به، قلت: بلى رحمك الله، قال: أسلم رجل على عهد عمرو بن مرّة، فدخل مسجد الكوفة، فجعل يجلس إلى أصحاب الأهواء، فكلّ يدعوا هواه، فجاء إلى عمرو بن مرّة، فقال: إنّي كنت رجلاً كافرًا وإني دخلت هذا الدّين رجاء بركة، إنّي دخلتُ مسجد الكوفة فجعلت أجلس إلى قوم أصحب أهواء، فكلّ يدعوا إلى [ق ١٠٦ / ب] هواه، وقد اختلفوا علي ولا أدري بأيّهم أتمسّك، فقال له عمرو بن مرّة: اختلفوا في الله تعالى أنه ربّهم، قال: لا، قال: اختلفوا عليك في محمد ﷺ أنه نبيهم، فقال: لا، قال: فاختلفوا عليك في الكعبة أنّها قبلتهم، فقال: لا، قال: فاختلفوا عليك في شهر رمضان أنّه صومهم، ، قال: فاختلفوا عليك في الصلوات الخمس والزكاة والغسل من الجنابة، ، فقال: لا، قال: فانظر هذا الذي اجتمعوا عليه فهو دينك ودينهم، فتمسّك به وانظر تلك الفرق التي اختلفوا فيها فاتركها فليست من دينهم في شيء" (٢)،

стр. 236

ألا إن قومًا جعلوا الكفر في تمييز ما اشتبه عليهم وطلب الراحة في اتّباع ما يسهل حتى ظنّوا أن ذلك أوفق أمريهم وأحمد حاليهم اغترارًا بأنّ الأسهل محمود، والأوعر مذموم فلن يعدم أن يتورّطوا في الفتنة بخدع الهوى وزينة المكر في كلّ مخوف حذر ومكروه عسر، وكذلك قال عامر بن الظَّرِب (١): "الهوى يقظان والعقل نائم، فمن ثم غلب"، وقيل في المثل: "العقل وزير ناصح والهوى وكيل فاضح"، أقول شعرا: إذا ما دعتك النفس يومًا لشهوة ... وكان عليها للخلاف طريق فلا تتبعها في [ق ١٠٧ /أ] هواها مطاوعًا ... فتصبح في بحر الذنوب غريق وكن لهواها ما استطعت مخالفا ... كما فعل العباد خير فريق فقد خالفوها ما استطاعوا على الهوى ... فنيران ما تهوى النفوس تحيق (٢) ولا تطع النفس الغرور فإنّها ... الأمارة بالسوء بئس رفيق فإن تطع النفس المضلة في الهوى ... بك الطير تهوى والمكان سحيق فخالف هواها ما استطعت فإنما ... هواها عدّو والخلاف صديق

стр. 237

ألا فيجب عليكم إن كنتم من العقلاء أن تنبهوا أنفسكم (١) في صواب ما أحببتم وتحسين ما اشتهيتم؛ ليصحّ لكم الصوب، ويتبيّن لكم الحقّ، فإن الحق أثقل محملاً وأصعب ركابًا، أيها الناس متى وجدتم اثنين اختلفوا في شيء فانظروا أيّهم أعلم بكتاب الله وبسنة رسوله وأي قول أقرب وأشبه إلى ما كان عليه [عليه] السلام وصحابته رضوان الله عليهم، فتمسكوا به ودعوا ما سوى ذلك، فإن جهلتم أمر ذلك وأشكل عليكم ولم يتبين لكم في ذلك شيء فانظروا أيّ القولين أثقل على أنفسكم فتمسكوا به واجتنبوا أحبهما إليكم ودعوا واتركوا أسهلهما عليكم وخذوا بأثقلهما لديكم، فإن النفس عن الحق أنفر وللهوى آثر وتميل إلى ما ليس في حضوره كلفة ولا فيه مجاهدة [ق ١٠٧ / ب] بل هو مشتهًا عندها مستلذًّا لها غاية الالتذاذ، وهذا يقطع بأنه باطل، فإنّ الحقّ من سائر أنواعه شاقّ على النفوس ثقيل على أكثر الطباع فقد صحّ وثبت أنّ رسول الله ﵇ قال: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» (٢)، وقال ابن مسعود ﵁: «الحق ثقيل مَرِيءٌ، والباطل خفيف وَبِيءٌ، وربّ شهوة ساعة، تورث حزنا طويلا» (٣)، فقد جاء في الحديث عن النبي ﵇: "ألا ربّ شهوة ساعة أورثت حزنًا طويلاً" (٤).

стр. 238

اعلم أن الشهوات ما دعا إليه الطبع ومال إليه هوى النفس من لذّات الدنيا، فكأنّه ﵇ أشار إلى أن شهوة دنية من شهوات الدنيا تنقضي في أدنى زمان فتذهب لذّتها وتفنى سريعًا قد تورث صاحبها حزنًا طويلاً وكآبةً وغمًّا طويلاً قد لا ينفك عنه أيّام دنياه، وربّما اتّصل بحسرة وحزن وندامة وتأسّف طويل لا يفارقه في أخراه غدًا ولا يبيد ولا ينقضي أبدًا، وذلك كشهوة نظرة إلى مستحسن محرّم يفضي به إلى مواقعة الكبائر أو كلمة باطل يمنع بها حقًّا أو يحق بها باطلاً فيعقبه بها حزنًا طويلاً كما قال ﷺ "أن الرجل ليتكلّم بالكلمة لا يرفع بها بالاً (١) يهوي [ق ١٠٨ /أ] بها في النار سبعين خريفًا" (٢)، وأما النظرة نظرة العابد الذي كان مجاب الدعوة فجيء بامرأة مريضة جميلة فتركت عنده ليدعو لها فنظر إليها نظرة، فلم تزل به الشهوة حتى واقعها وعلقت فخشي الفضيحة فقتلها ودفنها إلى جانب الصومعة، ثم قال لأهلها أنها ماتت ودفنتها فقبلوا قوله فجاء الشيطان، فأعلم أخوتها بما صنع بها العابد ودلّهم على قبرها في صومعة فجاؤها فوجدوها فأخذوه ليصلبوه، فجاء الشيطان فقال له: أنا أوقعتك في هذا كلّه، فإن سجدت لي سجدة واحدة خلّصتُك من القتل فسجد له فكفر وقتل على هذه الحال ذكر هذه القصة المفسّرون في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ ... ﴾ الآية [الحشر: ١٦] (٣)

стр. 239

وفي وجيز هذا اللفظ منه ﵇ أتمّ وأزجر وأبلغ ردع عن متابعة الشهوات وغرور الأماني لما يعقب من طول البلاء ودوام الحزن والخسران أبدًا بعد قصر لذّة التهاني، وأقول شعرا: يا مطيعًا لنفسه في هواها ... عندما تشتهي معاصي الجليل تابعًا نفسه مطيعًا هواها ... في معاصيه لذةً بالقليل كلّما سوّلت لأمر أتاه ... ما عصاها في ذلك التسويل [ق ١٠٨ / ب] ما له عن شهواتها من براح ... يقتضي في خلافها التحويل سوف ترميه باتباع في هواها ... وبال بكلّ أمر وسبيل ويلاقي بذاك حزنًا طويلاً ... في قبيل يا ذلة من قبيل في قبيل العصاة مع كلّ عاص ... مات لا توبة له بالسبيل كم قتيل لشهوة وإسراف من ... مشته (١) خلاف الجميل شهوات الإنسان تورثه الذّل ... وتلقيه في البلاء الطويل قرأت أنّ العباس ﵁ عمّ نبيّنا ﵇ قال: "إذا اشتبه عليك أمرين فدع أحبّهما إليك، وخذ بأثقلهما عليك" (٢)، قال الأصمعي: قيل لبعض العرب إذا أشكل على الرجل أمران لا يدري أيّهما أرشد فأيّهما يتبع، قال ليخالف أقربهما من هواه، فإن أكثر ما يكون الخطب باتّباع الهوى. وروي نحو هذا عن سفيان بن عيينة ﵁ ألا ليس التشديد مما يستمال به العامة والجهال غالبًا، بل النفوس إلى الرخص والبطالة واللهو أميل كما قيل شعرا: داعيات الهوى يهون علينا ... وخلاف الهوى علينا ثقيل مع نفوس لا تنثني عن هواها ... الفتنة رواحها والمقيل ولا تثن عزمها عنه يومًا ... عنده يستقبلها المستقيل كيف هذا وقد تمكن منها ... شهوات [ق ١٠٩ /أ] ... ......... ......................................... (٣) كخيل ترتمي في الهوى إذا ما دعاها ... عند لهو تراه حسنًا جميل فارهبوا من نفوسكم واحذروها ... أن تميلوا إلى هواها المميل فهي أعدى عدوكم فاتقوها ... قبل تلقونها بها البكاء والعويل فمطيع الهوى غدا سوف يلقى ... في عذاب الجحيم [حز] نا طويل

стр. 240

وعلّة هذا القول أن الثقيل تبطئ النفوس عن التسرع إليه، فيتضح مع الإبطاء وتطاول الزمان صوابُ ما استعجم وظهور ما اشتبه، والمحبوب السهل تُسرع النفس إليه وتعجل بالإقدام عليه فيقصر الزمان عن تصفحه ويفوت استدراكه؛ لتقضي فعله فلا ينفع التصفّح (١) بعد العمل ولا الاستبانة بعد الفوت، وأقول شعرا: إذا فات المفات فلا رجوع ... ويبقى من عواقبه الوجيع ويبقى ردّه صعبًا عسيرًا ... وفي عُقباه عبرته نجيع وليس يردّ ما قد فات يومًا ... خميس كلّه بطل شجيع أليس طِلاب ما قد فات جهل ... وذكر المرء ما لا يستطيع فلا تك غافلاً عن كلّ خير ... وكن لله في الدنيا مطيع (٢) ولا تطع الهوى ودع الأماني ... ونفسك في هواها لا تطيع وكن بالعمر في الدنيا ضنينًا ... ولا أيامه لهوًا مطيع فعمرك رأس مالك فاستفده ... ووقتك لا تضيّعه بما (٣) تضيع وكن حذرًا [ق ١٠٩ / ب] وقوفك في ميعادٍ ... بيوم قد يشيب له الرضيع وقد روينا عن رسول الله ﵇: "أفضل الأعمال ما خولفت عليه النفوس" (٤)، وأقول شعرا: ألا قل لمن يهوى ورود المناهل ... على كلّ ما يهوى النفوس نباهل يبلغ جهلاً نفسه كلما اشتهت ... وسحقًا لتباع النفوس الجواهل إذا طالبته النفس يومًا بشهوة ... تساهل ما يهوى بكلّ التساهل أطاع الهوى طوعًا ولم يعص نفسه ... يسارع ما تهواه لا بالتماهل إذ المرء أعطى نفسه كلّما اشتهت ... ولم ينهها تافت إلى كلّ باطل إذ نفسه لم ينهها عند غيّها ... وطوّل نهيًا نفسه بالتماطل إذا طعمت فيه أماتت حياته ... وعامره ما كان حيا بعاطل وساقت إليه الإثم والعار للذي ... دعته إليه من حلاوة عاجل فكن حذرًا منها على كلّ حالة ... وإيّاك أمرًا أنت [منه] بخاجل

стр. 241

ألا فإن لم يتبيّن لكم في ذلك شيء فاتركوا كلا الأمرين الذين اختلف فيها؛ لأنهما من المتشابهات وقد قال الله ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] قال أبو بكر الخلال: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن النّاقد ابنا أبو طالب قال: قال عبد السلام لأبي عبد الله [ق ١١٠ /أ] هو الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه أنّ بطرسوس رجلاً قد سمع رأي عبد الله بن المبارك يفتي به قال: هذا من ضيق علم الرجل تقلّد دينه رجلاً لا يكون واسعًا في العلم، فقال عبد السلام: ذهب إليه أبو بكر فقال: إذا جاءك عن رسول الله ﷺ خبر وجاء عن سفيان وابن المبارك بأيّهما تأخذ؟ فقال بخبر ابن المبارك وسفيان، فقال: لو أمكنني لضربتك بالسيف حتى أقتلك ونحو هذا فقال أبو عبد الله سبحان الله واستعظم قوله أخذ بقول ابن المبارك واترك قول النبي ﵇ قال له الشامي القتل بمرة لو كان قال غير هذا، فقال أبو عبد الله تنكر عليه يدع حديث رسول الله ﵇ ويأخذ بقول ابن المبارك وسفيان، وقد قال الله : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، فمن ردّ حديث رسول الله ﵇ أيكون مؤمنًا وهو قد كفر في بعض حالاته وأيّ شيء شرّ من رجل يردّ على رسول الله ﵇ حديثه، وابن أبي ذئب ﵀ بلغه أنّ فلانًا (١) ﵀ لم يأخذ بحديث "البيعان بالخيار" (٢)، فقال يستتاب وإلا ضربت عنقه.

стр. 242

هذا حديث مستفيض بالمدينة عن رسول الله ﵇ لا يأخذ إن تاب وإلا ضربت عنقه وفلانًا [ق ١١٠ / ب] ﵀ لم يردّ الحديث إنّما تأويله على غير ذلك، فقال له الشامي: من أعلم فلان أو ابن أبي ذئب قال: ابن أبي ذئب في هذا أكثر من فلان وابن أبي ذئب أصلح في دينه وأورع وأقوم من فلان بالحقّ عند السلاطين وقد دخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر، فلم يهبه أن قال له الحقّ قال: الظلم فاش ببابك، وأبو جعفر أبو جعفر، وقال حماد بن خالد: كان يشبه ابن أبي ذئب سعيد بن المسيب في زمانه [وما كان ابن أبي ذئب] وفلان رحمهما الله عند السلطان، وكان ابن أبي ذئب إذا تكلّم بالحقّ والأمر والنهي وفلان ﵀ ساكت، وإنّما كان يقال ابن أبي ذئب وسعد بن إبراهيم أصحاب أمر ونهي، قلت: ما يقول أحد في حديثه شيئًا – يعني سعد بن إبراهيم- فقال: كان ثقة في حديثه ورجلاً صالحًا ورعا صدوقًا (١). قال له الشامي: رأيت يزيد بن هارون جاء والإمام يخطب ولم يصلّ ركعتين، فقلت له: أليس حدثتنا بحديث جابر عن النبي ﵇ "إذا جاء الرجل والإمام يخطب فليصل ركعتين" (٢) وأنت لم تصلّ، فقال: ما قال النبي ﷺ فهو حقّ، فقال أبو عبد الله: ليس قول يزيد قرآنًا، فقد ردّ على النبي ﵇ حديث؛ حيث لم يعمل به. وفيه أن سعيد بن جبير حدّث بحديث النبي ﵇، [ق ١١١ /أ] فقال له رجل: أليس قد قال الله في كتابه كذا وكذا؟ قال: "أحدثك عن رسول الله وتقول قال الله في كتابه كذا وكذا كان رسول الله ﵇ أعلم بكتاب الله منّي ومنك" (٣)،

стр. 243

وفيه قيل للإمام أحمد بن حنبل ﵀ فإذا اختلف أصحاب رسول الله ﵇ وعليهم، فهل يجوز لرجل أن يأخذ بقول بعضهم على غير اختيار؟ قال: لا إلا على الاختيار، وقيل له: كيف يختار؟ قال: ينظر إلى أقرب الأقوال إلى الكتاب والسنّة وفيه أنّ مجاهدا والشعبي رحمهما الله قالا: إذا اختلف الناس فانظروا ما قال عمر فخذوا به (١)، وفيه أن الإمام أحمد قال: من ردّ حديث رسول الله ﵇ فقد هلك، والذي يجب عليه: العمل بحديث رسول الله ﵇ إذا صحّ عنده وإنّما يصحّ الحديث بصحة إسناده وثقة رواته (٢)، فإذا كان هكذا وجب العمل به ولمن قلد الخبر أن يسلم، وفيه أنّ الإمام أحمد قال: إنّ الإتباع أن يتّبع الرجل ما جاء عن النبي ﵇ وعن أصحابه وهو في التابعين بعد مخيّر، وفيه أن الإمام أحمد قال: ما تصنع بالتابعين مع أصحاب النبي ﵇، وفيه أن الإمام أحمد كان يذاكر رجلاً فقال الرجل: قال عطاء، وقال عطاء فأخذ الإمام أحمد نعله وقام وقال: أقول لك قال ابن عمرو تقول قال عطاء [ق ١١١ / ب] من عطاء ومن أبوه، وصفق الباب ودخل. وسئل الإمام أحمد ﵀ عن الحديثين يجيئان عن النبي ﵇ مختلفين بإسناد صحيح، فقال: إذا تكافئا ينظر إلى ما عمل به أو قال إلى ما فعل به الخلفاء بعده وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم -وفي لفظ- قال ينظر إلى ما كان عليه أصحاب رسول الله ﵇ ويؤخذ به. وفيه أنّ ابن سيرين رحمة الله عليه كان إذا سمع الحديثين المختلفين عن النبي ﵇ أخذ بما صنع عمر ﵁، وفيه عن الإمام أحمد ﵀ أنه قيل له: إن بعض من يقول أنّ أصحاب رسول الله ﵇ إذا اختلفوا فلي أن أخرج من أقاويلهم واختار أنا أيضًا، فقال الإمام أحمد: هذا قول خبيث قول أهل البدع ليس لأحد أن يخرج عن أقاويل أصحاب رسول الله ﵇ وإن اختلفوا، وفيه قال الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي أبنا مؤمل أبنا ثنا حماد بن زيد عن علي عن الحسن (٣)

стр. 244

عن عمران بن حصين قال: "نزل القرآن وسنّ رسول الله ﵇ [السنن]، ثم قال: اتّبعوا فوالله إن لم تفعلوا تضلّوا" (١)، وقال الخلال: أخبرنا يحيى ثنا عبد الوهاب أنا داود عن الشعبي وقال: قال [ق ١١٢ /أ] شريح ﵀: "إنّ الله سنّ سننًا، وإنّ الناس ابتدعوا بدعةً فخلطوا بدعهم بسنن رسول الله ﷺ ، فإذا سئلتم عن شيء من ذلك فميّزوا السنن على وجهها وردّوا البدع على أهلها" (٢)، وفيه أنّ أبا الخلال قال: سمعت أبا عبد الله - يعني الإمام أحمد بن حنبل- يقول وذكَرَ أهل الرد (٣) وردّهم الحديث واستعمالهم القياس، فقال الخبر عن رسول الله عليه وسلم صحيحًا، ونقله الثقات فهو سنّته ويجب العمل به على من عقله ولا يلتفت إلى غيره من رأي ولا قياسٍ إذا كان الحديث نقي الإسناد، وفي الحديث ما يغنيك عن القياس"، وقيل له الرجل يعرف الحديث وطرقه ولا يذهب إليه، قال: "لا يقال لهذا صالح ولا كرامة طاعة رسول الله ﵇ في كتاب الله في ثلاثة وثلاثين موضعًا". ألا أيّها الناس فاعتبروا تدبّروا ما ذكرناه، فإذا كان هذا حال قوم يعارضون قول رسول الله ﵇ بقول الله أو بقول أصحاب الرّسول أو يعارضون قول الصحابة بقول (٤) التابعين، فصحّ بيقين لا شك فيه أن قومًا يعرضون (٥) ما أقرأُ عليهم على أقوال [ق ١١٢ / ب] أقوام من رؤسائهم وساداتهم وعلى أفعالهم أنّهم على ﴿شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٩]، وأقول شعرا: أهل التصوّف أفٍّ من ديانتكم ... فإنّ دينكم دين الزرادير (٦) أكل وشرب ورقص واستماع غنا ... ماذا تركتم لأصحاب المواخير (٧)

стр. 245

بعتم دينكم بخسًا بمأكلة ... من الطعام ورقصًا كالمساخير جعلتم رقصكم أعلى عبادتكم ... ورنة الدف معه صوت المزامير تشمصون (١) إذا قام السماع لكم ... مثل البهائم مع صوت الصفافير وتزعمون بأنّ الحقّ مذهبكم ... وكذبتم وكفرتم بالمقادير تركتم سنّة المختار واضحة ... لم تتبعوها وعنها بالكواسير ثم اتفقتم على الأهواء كلّهم ... في لذّة اللّهو إثم بالنحارير خالفتم سنّة الهادي بفعلكم ... مثل الفسافس (٢) شدّو بالزنانير وأقول: أيا من يبتغي اللّهو ... على الرقص له حرص أباع الدين بالبخس ... إذا الشهوات يختصّ أضاع العمر في لهو ... على آثاره القصّ إذا ما شاهد القصا ... ص في اللهو لهم رص كما البنيان مرصوص ... غدا في الحجر الجصّ إذا ما ذكر الرقص ... غدا وافيه مختصّ تركت الرقص عن علم ... لأن الرقص في نقص وهل يرقص يا قوم ... سوى [ق ١١٣ /أ] مبتدع لصً وهل يرقص ذو لبّ ... وما جاء به النص وأقول: يا من يروم الأنام بخربة ... في بلد فداخله وطنا في النّاس أخلاقهم وطبعهم ... في بلدة يبتلي بها القطنا نراه ما بيننا يمرّنا ... بعينه وآرنا مخالطنا اسمع يقينًا وكن على ثقة ... ثم افهم القول لا تبالطنا (٣) شر الورى يا أخي وأحمقهم ... تراه إن كنت عاقلاً فطنا كلُّ عتلّ كأنّه وعل ... قد عظمت بطنه وقد سمنا خال من العلم شيخ طائفة ... قد جعلوه ما بينهم وثنا وأقول: قد نصبوه شيخًا لقدوتهم ... به فضلّوا وخالفوا السننا دينهم الرقص والغنا لقد ... ضلّوا بهذا وفارحوا (٤) الفتنا عدوي كف عن لومي عدوّي ... فإنّي عنك مشغول بسؤلي ولا تلقي بنفسك في جحيم ... أعدّت للمضل عن السبيل أَيا جِيَل التصوّف شر جيل ... لقد جئتم بأمر مستحيل غدا من دينكم أكل وشرب ... ورقص في البيوت والحقول أفي القرآن قال لكم إلهى ... كلوا أكل البهائم وارقصوا لي أم الأخبار تنبئكم بهذا ... من النصّ الصحيح عن الرسول فلا والله ما هذا طريق التّـ ... ـعبّد والمراد إلي الوصول

стр. 246

ولكن بدعة ظهرت وشاعت ... لأرباب الجهالة والفضول فإن لم تسمعوا منّيّ مقالي [ق ١١٣ / ب] ... فإنّ الله فوقكم وكيلي (١) فصل وقد استدلّ كثير من شيوخهم أيضًا على إباحة الرقص واستماع الأغاني بالطفل الصغير وبالجمل، فقالوا إن الجمل يقاسي تعب السير ومشقة الحمولة إذا سمع الحداة يصغي لذلك عنقه ويقوي على حملِه، وكذلك نحن نسمع الغناء والشبابة والرقص حتى نقوّي على طاعة الله تعالى وعبادته. وقال بعض العلماء: فلان كان كلّما أطرب البهائم مندوبًا إليه أو مباحًا فإنّا نرى البهائم تنزوا على امتهانها، فليقتدوا بالبهائم في هذا. قلت: وفيهم من فعل ذلك أذكره فيما بعده إن شاء الله تعالى، وقد روي أن بعض ملوك المجوس غلب على نواحي البصرة، فكان يعطي المجوس ضعف ما يعطي المسلم، فجاء أعرابيّ يقود حمارًا له، فأعطاه جائزته (٢)، فقال: أيّها الأمير اضعف العطاء لحماري، قال: ولِمَ؟ فقال: لأني رأيته آنفًا ينزوا على أمه، وقال ذلك لأنّ المجوس يقولون بنكاح الأمّهات فكأنّه قال: اضعف العطاء لحماري فإنه على مذهبكم وقد صحّ أن في هذه الطائفة من يقولون بنكاح الأمّهات والبنات والإخوان والدّليل على صحة ذلك أنّ هذا من سنن [ق ١١٤ /أ] من كان قبلنا من المجوس وغيرهم، وقد صحّ أنّ النبي ﷺ قال: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى لو كان فيهم من يأتي أمّه علانية لكان في أمّتي من يفعل ذلك" (٣)، وقال: "إنّكم لتركبنّ سنن من كان قبلكم" - وفي لفظ: "حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدَخلتم، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " (٤)

стр. 247

-وفي لفظ "ليأخذ أمّتي ما أخذ الأمم والقرون قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع"، قيل: يا رسول الله [كـ]ـما فعلـ[ـت] فارس والروم؟ فقال رسول الله ﵇: "ومن الناس إلا أولئك" (١)، قال أبو محمد الدشتي رحمة الله عليه: فعلمنا بيقين لا شك فيه أن هذه الأمّة قد أخذت ما أخذ الأمم والقرون قبلها وكان فيهم بلا خلاف منّا من يقول بنكاح الأمّهات والبنات والأخوات، وهذا مستحيل أن يقول بذلك أحد في هذه الأمة غير الرقاصين الذين تشبّهوا بالعبّاد؛ لأنّا لم نجد في الأديان السالفة والمذاهب المخالفة إلى يومنا هذا من بدّل الدين وغيّر ما جاء به نبيّهم واتبعه على ذلك الجهّال المعاندون إلاّ الملوك والعلماء والعبّاد الحائدين. كما روي عن [ق ١١٤ / ب] ابن المبارك ﵀ أنه قال شعرًا: ألا قل لمنتقد ديننا ... بأمّتنا طلب أعيانها لها ناقدا ما أذانت به ... إذا انتقد العلماء أديانها يميّز من زيغها ما اهتدت ... لدى زايغيها ودريانها ويفرق بين الهدى والضلا ... ل بعلم هداها وغيّانها بميزان علم تربص غدًا ... يقوم في ذلك أوزانها فخذ بيقين لما غيرت ... ملوك وعبّاد عزانها (٢) وهل غير الدّين إلاّ الملو ... ك وأحبار سوء ورهبانها لقد رتع القوم في جيفة ... يبينُ لذي العقل إنتانها وباعوا النفوس ولم يربحوا ... ولم تغل في البيع أثمانها

стр. 248

وهذا شيء لا يقبل العقل أن يكون ذلك في مذهب ملوك الفجرة ولا في مذهب علماء السوء وقد صحّ أنّ هذا في مذهب طائفة من الجهّال تشبّهوا بالعبّاد أصحاب الرقص والغناء وهم قوم يقال لهم الروحانية وهم زعموا أن حبّ لله تعالى تغلب على قلوبهم وأهوائهم وإراداتهم حتى يكون حبّة أغلب الأشياء عليهم، فإذا كان الله عندهم كذلك كانوا عنده بهذه المنزلة وقعت لهم الخِلة (١) من الله فحلّ لهم الزّنا والسرقة والشرب [ق ١١٥ /أ] ونكاح الأمّهات والأخوات والبنات والفواحش كلّها على وجه الخلة التي بينهم وبين الله لا على وجه الحلال، ولكن على وجه الخلّة كما يحلّ للخليل الأخذ من مال خليله بغير إذنه ذكر ذلك الإمام الحافظ خشيش بن أصرم (٢) في كتاب الاستقامة، وقال: فافترقت الزنادقة إلى خمس فرق وافترقت منهم فرقة إلى ستّ فرق وهم الروحانية، وذكر صفاتهم كما (٣)

стр. 249

ذكر صفة كلّ فرقة، فمن وقف على ما وصف العلماء من وصف فرق الزنادقة، تبيّن له أنّ هؤلاء الموصوفين على ما ذكرنا من صفة الزنادقة الذين إذا تابوا يقتلوا ولم تقبل توبتهم على مذهب الإمامين مالك وأحمد ﵁ وبعض أصحاب الشافعي ﵀ عليه (١)، فمن أهل الرقص والغناء خرج المباجتة (٢) والحلولية تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، ولقد أحفظني ما أراهم عليه من التجرئ على الله تعالى وعلى رسوله ﵇ حتى لقد صرتُ لا آوي إلى قول قائل ولا ألوى على عدل عادل وأنا في ذلك كما أقول شعر: خلياني (٣) والعذل يا عاذلاني ... وذراني أذري دمًا الأجفان فإذا أنفذ البكاء دموعي ... ودمي فابكيان بالمسعدان وتعالوا لندب (٤) الدين وابكوا ... المصاب نلقى [ق ١١٥ / ب] من الفرعان امم ما لهم من الذكر إلا خش ... يا رؤس بالفرحان

стр. 250

واقتصاف (١) الخمور من ورق القنب ... قربانهم إلى الرحمن صدّهم عن تلاوة الذكر أيضًا ... واستماع الحديث صوت الأغاني فالبطلان دينهم وهواهم ... حيث كانت مرابع المردان وإذا حلّ ذكرهم بين قوم ... أخربت أرضهم من البنيان إنما الرقص والسّماع لشيء ... محدث في فعائل الشيطان يترامى إليهما أرذل ... العالم قوم صم بلا أذهان ليس لي صالح تسر به النفس ... سوى بغضهم بكلّ مكان
следующие страницы →