قال الإمام أبو الفرج عبدالله بن علي ﵁ (١): أما مذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه فإنه كان الغناء في زمانه قصائد الزهد لأنهم لما كانوا يلحنونها اختلفت الرواية عنه، فروي عن ابنه عبد الله ﵀ أنه قال: "الغناء ينبت النفاق في [القلب] ولا يعجبني". وروى عنه إسماعيل بن إسحاق الثقفي أنه سئل عن استماع القصائد. فقال: "أكرهها هو بدعة ولا يجالَسون". وروى عنه يعقوب الهاشمي أنه قال: "التغبير (٢) بدعة محدث". وقال الحافظ أبو بكر الأثرم: سمعت الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يقول التغبير محدث. وروى عنه يعقوب بن بختان أنه قال: أكره التغبير، وأنه (٣) نهي استماعه، فهذه الروايات كلها دليل على تحريم الغناء، وقال أبو بكر الخلال [ق ٧٣ / ب] ﵀ إنما كره أحمد القصائد لما قيل له إنهم يتماجنون ويتصافقون (٤)، ثم روي عنه أنه يدل على أنّه لا بأس بها. قال المروزي: سألت أبا عبد الله عن القصائد فقال: بدعة. فقلت له: يهجرون، فقال: لا يبلغ بهذا كلّه، وقد روينا أن الإمام أحمد ﵀ سمع قوالاً عند ابنه صالح فلم ينكر عليه، وإنما أشار إلى ما كان في زمانهم من القصائد الزهديات ينشدونها بغير تلحين، وعلى هذا يحمل ما لا يكرهه أحمد، ويدل على ما قلت (٥)
стр. 177
أن أحمد ﵀ سئل عن رجل مات وخلف ولدًا وجاريةً مغنّية، فاحتاج الصبيّ إلى بيعها، فقال: تباع على أنّها ساذجة لا على أنّها مغنّية، فقيل له: أنها تساوي ثلاثين ألفًا ولعلّها أن بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارًا. قال: لا تباع إلا على أنها ساذجة. فقال ابن عقيل: وهذا فقه حسن من أحمد ﵀؛ لأن الغناء في الجارية كالتالف في آلة اللهو، وذلك لا يقوّم له في الغصب جارية مغنّية، فنسيت الغناء لم يغرم (١) قال: وهذا دليل على أن الغناء محظور؛ إذ لو لم يكن محظورًا ما أجاز تفويت المال على اليتيم، وصار هذا كقول أبي طلحة ﵁ للنبي ﵇: عندي [ق ٧٤ /أ] خمر لأيتام فقال: "ارقها" (٢). فلو جاز استصلاحها لما أمره بتضييع مال اليتيم. وروى المروزي عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: كسب المخنّث خبيث، وكسبه بالغناء. فبان من هذه الجملة أن الرّوايتين عن أحمد بالكراهية وعدمها يتعلّق بالزهديات الملحنة، فأما الغناء المعروف اليوم فمحظور عنده كيف ولو علم ما أحدث الناس فيه من الزيادات، وقد كان الإمام أحمد ﵀ كثير الإتباع شديد الكراهية للمحدثات واللّهو والبطالات، والروايات المشهورة عنه على ذمّ الغناء والتغبير وكسر الملاهي والطنابير. وروي عن الإمام أحمد ﵁ قال: ما كتبت حديثًا عن النبي ﷺ إلا وقد عملت به حتّى مرّ بي في الحديث "أن النبي ﷺ احتجم (٣)
стр. 178
وأعطى أبا طيبة دينارًا (١)، فأعطيتُ للحجام دينارًا حين احتجمتُ" (٢)، وقال ﵀: "كتبت بخطي ألف ألف حديث سوى ما كتب لي". وروى ابنه عبد الله رحمهما الله قال: "نظرت بالحزر (٣)
стр. 179
مني فإذا قد كتب أبي مقدار ألف ألف حديث وترك لقوم لم يحدث عنهم فترك حديثهم مقدار مائة ألف وخمسين ألفًا أخرى"، ألا والذي أقول لأهل البصائر والعقول أنّ هذه الطائفة الضالة ضلّت عن طريق الصواب وخالفت السنة والكتاب على ما قاله [ق ٧٤ / ب] أبو الليث السمرقندي الحنفي المذهب في كتابه في الردّ على هذه الطائفة وعلى ما قاله أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى بن الفراء (١) وأبو المحاسن الحراني (٢) الحنبليان المذهب في كتابيها في الردّ على هذه الطائفة، وبه قال خلق كثير غيرهم (٣)
стр. 180
أنّ هذه الطائفة خالفت الإجماع على ما زعمت في زمانهم، وذكر القاضي أبو الطيب الطبري الشافعي المذهب في كتابه (١) قال: "إن اعتقاد هذه الطائفة مخالف لإجماع علماء المسلمين؛ لأنه ليس فيهم من جعله دينًا وطاعةً ولا أرى إعلانه في المساجد والجوامع، وحيث كان من البقاع الشريفة والأماكن والمشاهد الكريمة، فكان مذهب هذه الطائفة مخالف لما اجتمعت العلماء عليه". وهذا قول العلماء الشافعية وأهل التدين منهم، ولا يرخّص في ذلك إلاّ من قلّ علمه. وذكر الإمام أبو بكر الطرطوشي المالكي المذهب ﵀ قال: "وهذه الطائفة خالفت جماعة المسلمين؛ لأنهم جعلوا الغناء دينًا وطاعةً، ورأوا إعلانه في الجوامع والمساجد وسائر البقاع الشريفة والمشاهد الكريمة، وليس في الأمّة من رأى هذا الرأي وقد كان أولى الناس بالاحتياط لدينه هذه الطائفة؛ لأنهم يتلبّسون [ق ٧٥ /أ] بالدين ويدعون الورع والزهد حتى يوافق باطنهم ظاهرهم". وذكر الإمام أبو الليث السمرقندي تحريم الغناء والرقص قال: "والدليل على تحريم الغناء والرقص وغيرهما من اللهو الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وذكر في كتابه الوجوه الثلاثة (٢)، وذكر أبو المحاسن الحراني الحنبلي المذهب ﵀ في كتابه قال: "والدليل على تحريم السماع والغناء واللّعب بالقضيب من ثلاثة أوجه: الكتاب، والسنة، وأقاويل العلماء. وذكر في كتابه الوجوه الثلاثة"، ثم قال: فهذه آيات القرآن وأخبار رسول الله ﷺ وآثار الصّحابة والتابعين وأقوال الأئمة الأربعة أئمة الدين في الإسلام، فقد صار تحريمه إجماعًا منعقدًا، فمن خالفه خرج عن الإجماع وفارق الجماعة ومات ميتة جاهلية واتّبع غير سبيل المؤمنين فـ ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] ".
стр. 181
وذكر القاضي أبو الحسين بن الفراء الحنبلي في كتابه في ذمّ أهل الرقص والردّ على هذه الطائفة الضالّة المخالفة قال: "وقد أكذبهم الكتاب والسنّة وأقاويل الصّحابة والتابعين وصالحون هذه الأمة". ألا فاعتبروا وتدبّروا ما قال هؤلاء الأعلام من الإسلام وعلمائهم [ق ٧٥ / ب] وعبّادهم أن أهل الرقص والسماع خالفوا الإجماع، على ما كانوا يفعلونه في زمانهم، فكيف بهم لو أدركوا أهل زماننا، وشاهدوا ما يفعلونه، وتحقّقوا ما يعتقدونه، ويقولونه. ولي بالكتاب والسنّة وبهؤلاء الأئمة أسوة حسنة وأقول كما قالوا، فمن لم يرض بما أقوله من ذلك فلا ﵁ وأصلاه جهنّم وساءت مصيرًا. عن الإمام مالك بن أنس ﵁ عن محمد بن المنكدر ﵀ قال: يقول الله تعالى للملائكة صلوات الله وسلامه عليهم يوم القيامة: "أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَسْمَاعَهُمْ عَنْ اللَّهْوِ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ؟ أَدْخِلُوهُمْ رِيَاضِ الْمِسْكِ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّة. قَالَ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ: أَسْمِعُوهُمْ حَمْدِي، وَثَنَائِي عَلَيَّ، وَأَخْبِرُوهُمْ أَنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ". وفي لفظ قال: "إذا كان يوم نادي منادٍ "أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَسْمَاعَهُمْ عَنْ اللَّهْوِ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ؟ ". وقد روي عن اللّهو والمزامير والغناء: أسكنوهم رياض المسك. وفي لفظ: رياض الجنّة، ثم يقول للملائكة: "أَسْمِعُوهُمْ حَمْدِي وَثَنَائِي، وَأَعْلِمُوهُمْ أَنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" [ق ٧٦ /أ] هذا حديث رواه الإمام مالك في موطئه (١)، وروي عن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال هل في الجنة سماع، فإني أحب السماع، فقال ﵇: "نعم، والذي نفسي بيده إن الله ليوحي إلى شجر (٢)
стр. 182
الجنّة أن أسمع عبادي الذين شغلوا أسماعهم عن المعازف
والمزامير بذكري، فتسمعهم بأصوات ما سمع الخلائق مثلها قطّ بالتسبيح والتقديس" (١). وفي لفظ: قال ﷺ : "نعم، يوحي ربّك إلى ورق الجنة أسمعي عبادي الذين نزّهوا أنفسهم عن البرابط والمزامير والمعازف"، قال: "فتأتي بأصوات من التسبيح والتقديس والتهليل لم يسمع الخلائق أصواتًا أحسن منها" (٢). هذا حديث خرجته من كتاب "الترغيب والترهيب" وقرأت في كتاب الردّ على أهل الرقص والسماع (٣) للإمام أبي المحاسن هبة الله بن نصر الحراني رحمة الله عليه أنه قال: وروي عن رسول الله ﷺ "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل" (٤)، وقد تقدّم هذا الحديث، وبإسناده عن أبي أمامة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "ما رفع أحد بغناء" -وفي لفظ: لغيره - ما رفع أحد صوته بغناء إلا بعث الله [ق ٧٦ / ب] إليه شيطانين فيجلسان على منكبيه يضربانه بأعقابهما على صدره حتى يمسك" (٥). وحسب أقوام ضلالةً أن الشيطان قرينهم ويهمزهم بالفحشاء وهم يظنون أنّهم يحسنون صنعًا وينسوقون (٦) إلى الله .
стр. 183
فصل
وقال يزيد بن هارون: التغبير بدعة وضلالة، وما يغبر إلا فاسق، ومتى كان التغبير اسما للمحدث، فكذلك التغبير اسم قد أحدث لهذا السماع المحدث، وكان في الزمن الأوّل يقولون لأقوام يذكرون الله تعالى بدعاء وبتضرّع يغبرون. قاله أبو الليث، كما قال قائلهم: عبادك المغبرة رشّ عليهم المغفرة، وقال أبو إسحاق الزجاج: قيل للذين يقولون القصائد في الزهد المغبرون، والواحد مغبر؛ لأنّه يزهد في الشيء الفاني، وترغب في الشيء الباقي، وكان الشافعي ﵀ يكره التغبير ويقول: وضعته الزنادقة ليشغلون به [الناس] عن القرآن، فإذا كان الشافعي ﵁ يقول لقوم يقولون القصائد في الزهد أنّهم زنادقة، فما عسى كان يقول في أهل الرقص واستماع الأغاني والشبابات مع الدفوف المزوقة الجلاجل بحضرة أحداث المرد والنّساء وغير ذلك [ق ٧٧ /أ] من المشتهيات بعد ملء بطونهم من ألوان الطعام من الشبهة والحرام ومن غنائهم:
شم الحاجب المقرون والمقلة الكحلا ... وقل لي فدتك النفس أيّهما أحلا (١)
стр. 184
وأقبح منه قبّحهم الله وقبح قومًا ينتمون إليهم ويحبّونهم، وقد جاء في القرآن بنعت أهله وصفتهم وغيّهم وغي أتباعه وأتباع أهله لكذبهم. قال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦]، وقد جمع الله تعالى في هذه الآية أوصاف قائليه وسامعيه ومتبعيه، ونزّه المؤمنين والصالحين والذاكرين من استماعه وإتباع أهله، وبيّن الله تعالى في آخر الآية أوصاف المتأوّلين في ظلمهم لأهل القرآن، وتعظيمهم للشعراء، وسيقفون بين يدي الله تعالى إذا انقلبوا إليه أيّ شيء قصدوا من النصر للشعراء ولمستمعيهم والمدح لأهله واللهج به فيهم، فليستعدّوا لله جوابًا إذا قال لهم: "ما ألهاكم عن ذكري وعن محكم كتابي وما خدعكم عن معظم آياتي وتلاوتها".
стр. 185
نعوذ بالله من سوء الاقتداء والاشتغال بما يؤدي إلى مهالك العطب [ق ٧٧ / ب] والردي، ألا فتدبروا هذا الكلام بعقولكم وحسّكم، واعلموا أنّ التصوف والمشيخة والفقر وذكر الله تعالى غير حديث سعدي وليلى، ألا وهذه الطائفة المخالفة المشتغلة بالرقص والبطالات، وباستماع الأغاني والشبابات وبصحبة أحداث المرد وأهل الحوادث والضلالات أن من عادتهم وعادة مشايخهم الكذب على نبيّنا محمد ﷺ في أشياء كثيرة ولا يحصيها إلا الله تعالى، كما أن اليهود كذبوا على نبيّهم هارون ﵇ وذلك سنة لهم من سنن اليهود وهي ما زادوا من افترائهم وكذبهم في كتاب الله التوراة، قالوا: إن نبيّ الله تعالى هارون ﵇ قال لبني إسرائيل: اقلعوا إلى أقراط الذهب من آذان نساءكم وأبناءكم وبناتكم، فأتوني بها فأفرغها، فجعلها لهم عجلاً جسدًا له خوار، قالوا: ثم أمر هارون أن ينبني مذبحًا بين يدي العجل، ثم قال: غدًا عيد السيد، فلما جاء موسى ﵇ وجد بني إسرائيل عراة بين يدي العجل يغنون ويرقصون، قالوا: وكان هارون قد عراهم بجهالة قلبه، ألا فهذا ما فعل السامريّ عدوّ الله أضافوه إلى نبيّ من [ق ٧٨ /أ] من أنبياء الله تعالى، وكذلك الأراذل والسفهاء منّا أضافوا ما فعل رؤساؤهم الجهّال من أعداء الله إلى نبيّه، المصطفى ﷺ ورسوله المجتبى وحبيبه المرتضي، أشياء، بافترائهم وكذبهم، ألا فاعتبرها عقول اليهود، وانظروا كيف يجوز أن يقولون على نبيّ من أنبياء الله بأن يتّخذ عجلاً للعبادة من دون الله تعالى، ثم يرقص هو وهم تعظيمًا للعجل أنه إلههم، فما أشبه عقول قوم استحسنوا الرقص واستماع الأغاني والشبابات بعقول اليهود في تجويزهم على نبيّ من أنبياء الله أن يتخذ إلهًا يتعبد له اليهود بالرقص والقربى من دون الله ، ألا فقوم يزعمون أنهم يستمعون إلى الغناء المطرب والشبابات ويرقصون شوقًا إلى الله تعالى ومحبته له ويرقصون بين يديه ويتواجدون له، فإلههم عجلاً جسدًا له خوار. قال بعض العلماء ﵃: الرقص والتواجد أوّل من أحدثه أصحاب السامري لمّا اتخذوا لهم عجلاً جسدًا له خوار قاموا ورقصوا حوله وتواجدوا، فهو دين الكفّار وعبدة العجل، فمن تشبّه بهم فهو بلا شك منهم.
وأقول شعرا:
ولا يبالون غنوا أم تلوا سورًا ... سيان أن رقصوا [ق ٧٨ / ب] لله أو ركعوا
стр. 186
أولئك اعتقدوا أن الإله لهم ... يحل في كلما تستحسن [الشبع وا] (١)
كذاك متخذي العجل الأولى رقصوا ... من حوله ونهوا عنه فما رجعوا
وإنما فتنوا لما رأوا جسدًا ... له خوار وراق القوم ما اخترعوا
قالوا إلهكم ذا فاعبدوه وذا ... إله موسى فضلوا بئس ما صنعوا
بالسامري اقتدوا في رقصهم وهم له ... إذا رقصوا من بعده تبعوا
فالكهل والطفل منهم يرقصان فما ... للكهل عقل ولا في الشيب ما يزعوا
در يصبوا مثل صبا الأطفاليا عجبًا ... من شيخهم كيف يخزى وينقمعوا (٢)
ليس فيهم رشيد عالم ينهي ... فظن الجهوا (٣) فيستحي ويرتدعوا
هم الحلولية الكفار مثلهم ... في الحج إلا إذا تابوا أو ارتجعوا
يسمون صوفية كلا لو أنهم ... صوفية عصموا من زيفهم ورعوا
وصانهم ربّهم عن شرّ ما عملوا ... أو يحصدوا من فعال الخير ما زرعوا
ألا ولو علموا ايش الذي اعتقدوا ... وما شيوخ الهوى من قبلهم وضعوا
إذًا لتابوا إلى ذي العرش من بدع ... قد أحدثوها وشرع موبق شرعوا
لكنهم جهلوا أصل الذي ذهبوا ... إليه حتى عموا عما إليه دعوا
غدوا حيارى عن الحق المبين فلا ... [ق ٧٩ /أ] لداعي الحق لما أن دعا أن (٤) سمعوا
لا يعرفون سوى رقص ومأكله من ... التصوف أو نوم إذا اضطجعوا
стр. 187
فإن اعترض معترض وقال أنت تنشد الأشعار وتهجوا أقوامًا على المنابر والكراسي وتنهانا عن الغناء والاستماع إليه، وتحذر الناس منه ومن أهله. فأقول: الفرق بيني وبين غناهم بالأشعار في الأوصاف ملحنة وما يتبعها ظاهر، وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه "أن النبي ﷺ نهى عن تناشد الأشعار في المسجد" (١). رواه النسائي وأبو داود، ورخّص لحسّان ﵁، فروى سعيد بن المسيّب ﵁ قال: مرّ عمر ﵁ بحسان ﵁ وهو ينشد في المسجد، فلحظ إليه فقال: قد أنشدتُ فيه بحضرة من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة ﵁ وقال: أسمعت رسول الله ﵇ يقول: "أجبّ عني اللهم أيده بروح القدس"؟ قال أبو هريرة: اللهم نعم" (٢).
стр. 188
وأورد طاهر حديثًا أن لحسّان كان ينصب له المنبر ويهجوا المشركين منافحة عن رسول الله ﷺ (١) وراويه عبد الرحمن بن أبي الزناد، وقد قال فيه الإمام أحمد مضطرب الحديث، وقال النسائي ضعيف، وكان ابن مهدي لا [ق ٧٩ / ب] يحدث عنه، وقال يحيى مرّة: لا يستوي حديثه فلسًا (٢)، وقد رواه البخاري ولم يسنده؛ لأنه لم يثبت عنده، وإنما قال وقال ابن أبي الزنّاد (٣)
стр. 189
والحديث الصحيح المعروف لم يذكر فيه المنبر وإنما كان حسان بن ثابت يهجوا المشركين ليكفّ أذاهم عن المسلمين، وكان جهادًا باللسان لما صحّ وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "أفضل الجهاد كلمة الحقّ عند أمير جائر" (١) اعلم أنه إنما صار هذا أفضل من الجهاد للكفّار؛ لأنّك تجاهد الكفار لإعلاء كلمة الله ونصرة من الله، فتقاومهم مع المماثلة في العدد والعُدد ومساعدة المجاهدين لك بالمدد وتأميل الغلبة عليهم، ولم يتيقن تسلّطهم عليك، وهذا الجهاد أيسر وأهون من جهادك الأمير الجائر في أمرك له بالمعروف أو نهيك له عن المنكر، وردّه عن جوره مع وحدتك وقلّة عدّتك، وعدم مساعدك ورؤيتك تسلّطه عليه وغلبته واستشعارك فتكه بك وسطوته، فمحنتك أبلغ وأتمّ، وجهادك أصعب وأعظم، فكان أفضل من كلّ جهاد وأبلغ وأعمّ. وقد روي في الأثر: "أعظم الجهاد كلمة حق عند من يخاف ويرجي" (٢). قلت: لأن خوف [ق ٨٠ /أ] سطوته ورجاء برّه وصلته يمنعان النفس عن إظهار كلمة الحقّ له، فيعظم جهادها والله أعلم، وها أنا أفعل كما فعل حسان ﵁ وأجاهد (٣) أعداء الله المبتدعين بلسانه وأكفّهم عن إيذاء المسلمين وأهجو المبتدعين المنافقين منافحة عن رسول الله ﵇ وصحابته رضوان الله عليهم أسوة حسنة وعن دين الإسلام ولي برسول الله ﵇ وصحابته رضوان الله عليهم أسوة حسنة، وأقول شعرا:
يا لائمي كف عن ملامي مقصرا ... فلأبكين تأسفًا وتحسرًا
стр. 190
أسفًا على الإسلام يفض كيف يشينه ... بجهّال البرية (١) مفترا
الرقص والتصفيق قد شرعاهما ... في سائر الآفاق أوباش القرى
صار الحمير مشايخًا في عصرنا ... هذا فأصبح ديننا واهي العرى
من كل جلف كالحمار مدمع ... قد عاش دهرًا ما استفاد ولا قرا
شيئًا من العلم المشرف أهله ... لكنّه يأتي الورى متنمرا
وتقوم أوباش الخليقة خلفه ... فكأنه كلب ثنا الجراء (٢)
نحو الجفان من الذين عقولهم ... قد غيبت من تحت الطباق الثراء (٣)
فالجهل ينفق في البرية أهلَه ... والعلم راح بكده لا يشترى
فإذا تكلم عالم بعلومه ... قالوا بجهل إن هذا [ق ٨٠ / ب] منكرا
وإذا السفيه بمحفل متكلّمًا ... قالوا أصبت وليس في هذا مرا
فلأبكين مدا الزمان تحسرًا ... فلقد كفى في ديننا ما قد جرا
في ديننا الغمر السفيه مقدمًا ... وفقيهه العلام عنه مؤخرا.
وأقول شعرا:
أقول للائمي في سب قوم ... جهالتهم تقدر منتهاها
دعاهم حظ أنفسهم فمالوا ... إليها كالبهائم في هواها
وحسبك من أناس ليس يدري ... شيوخ القوم منهم ما طحاها
فماذا يأخذ الأتباع عنهم ... وقد أبدت شيوخهم عماها
ولا فرقان عندهم ليبدو ... من ابتدع الأمور ومن هجاها
أيا عجبًا فلا عقل رزين ... ولا ورع تصون به تقاها
فليت الصمت بينهم ليبقى ... على مستور عورتهم غطاها
لقد لعبت بعقلهم نفوس ... وأخفت عن سليمهم دهاها
تقمص غيرها في زي نصحّ ... وتزعم أنها نصحت أخاها
ولو وفقت عقولهم بما قد ... أراد بها مدبرها كفاها
ولا احتاجت إلى قيل وقال ... يشيّد عند شيعتها بناها
وكم كادت بنا الحساد كيدًا ... فأعجزها وأعياها عياها
فما قرت بما راموا عيون ... ولا بلغت نفوسهم مناها
وأقول:
تفكرت أختبر المدعين ... بين الموالي وبين العبيد
فألفيت أكثرهم كالسراب ... يروقك منظره من بعيد
فناديتُ يا قوم من تعبدون ... فكلّ أشار بقدر الوجود
فبعض أشار إلى نفسه ... وأقسم ما [ق ٨١ /أ] فوقها من مزيد
وبعض إلى خرقة رقعت ... [وبعض] إليّ ركوة من جلود
وآخر يعبد أهواءه ... وما عابد للهوى بالرشيد
ومجتهد وقته ريه ... إذا فات بات بليل عنيد
وذو كلف باستماع السماع ... بين البسيط وبين النشيد
يئن إذا ما بدت رنة ... ويزأر منها زئير الأسود
стр. 191
يخرق خلقانه عامدًا ... ليعتاض منها ثبوت جديد
ويرمي بهيكله في السعير ... لقلع الثريد، وبلع العصيد
فيا للرجال! ألا تعجبون ... لشيطان إخواننا ذا المزيد
يخبطهم بفنون الجنون ... وما للمجانين غير القيود
وأقسم ما عرفوا ذا (١) الجلال ... ولا أثبتوه بغير الجحود
ولولا الوفاء لأهل الوفاء ... سلقتهم بلسان حديد
فمالي يطالبني بالوصا ... ل من ليس يعلم ما في الصدود
أضن بودي ويسخوا به ... وقد كنت أسخوا به للودود
ولكن إذا لم أجد صاحبا ... يسرّ الصديق ويشجو الحسود
عطفت بودي منّي إليه ... فغاب نحوسي وآب السعود
فمال قومي على جهلهم ... بعزّ الفريد وأنس الوحيد
إذا أبصروني بكوا رحمة ... ونيران أحقادهم في وقود (٢)
أقول شعرا:
لأني بعدتُ عن المدّعين ... ولو صدقوا كنت غير البعيد
ولكن لشيطانهم والهوى ... غدو تبعًا لا يخافوا الوعيد
أعاذنا [ق ٨١ / ب] الله من شيوخ ... تَشَيَّخوا قبل أن يَشِيْخوا (٣)
تحادبوا وانحنوا رياء ... فاحذرهم أنّهم فخوخ
وأقول:
ألا فمذهب أهل الإسلام وأئمتهم أن من ادّعى رتبة تزيد على السيد وعلى أفعال الصحابة رضوان الله عليهم لم يلتفت إليه كائنًا من كان ومن ادّعى أنّ له حالة تخرجه عن منهج الشرع فلا تكون له صاحبًا، فإنه ضرّ بلا نفع.
وروي أن رسول الله ﷺ قال: "من وقّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام" (٤)،
стр. 192
وروي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا أكل طعامك إلا تقي" (١). قلت: والتقيّ هو الذي يتّبع آثار النبي ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم. وروي عنه ﵇ أنّه قال: "من بانت بدعته فاجتنبوه" (٢). وروى مالك بن دينار ﵀ قال: بلغنا أنّ نبيّ الله موسى ﷺ قال: ربّ من أهلك الذين تظلّهم في ظلّ عرشك. قال: المتحابون بجلالي الطاهرة قلوبُهم، النقيّة أبدانهم الذين إذا ذكروا ذكرتُ بهم، والذين يأوون إلى ذكري كما يأوي النسور إلى أوكارها، والذين يكلّفون بذكري كما يكلّف الصبيّ بأمّه، والذين يغضبون لمحارمي إذا استحلّت [ق ٨٢ /أ] كما يغضب النمر إذا حورب" (٣)، ألا فهذه الطائفة قد استحلّت محارم الله تعالى عقدًا وقولاً وفعلاً، وروي أن مالك بن مغول ﵀ قال: قال عيسى بن مريم ﵉: "تحبّبوا إلى الله تعالى ببغض أهل المعاصي، وتقرّبوا إليه بالتباعد عنهم، والتمسوا رضاه بسخطهم.
стр. 193
قالوا: يا روح الله من نجالس؟ قال: جالسوا من تذكّركم الله رؤيته، ومن يزيد في عملكم منطقه ومن يرغبكم في الآخرة عملُه" (١). وروي أن الحسن البصري ﵀ قال: "إن أهل الأهواء -وفي لفظ قال: إن أهل البدع- بمنزلة اليهود والنصارى" (٢)، إلا وهذه الطائفة الخبيثة الذين هم أهل الرقص والسّماع أهل الأهواء والبدع والحوادث والضلالات أعظم جرمًا من أهل المعاصي، ألا فتحبّبوا إلى الله تعالى ببغضهم وتقرّبوا إليه بالتباعد عنهم، والتمسوا رضاه بسخطهم، فإنّهم أعداء الله وأعداء الإسلام. وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنّه قال: "اجتنبوا أعداء الله اليهود والنصارى في عيدهم يوم جمعهم، فإن السخط ينزل عليهم، فأخشى أن يصيبك" (٣). ألا فهذه الطائفة الخبيثة ليست من قوم يذنبون ثم يستغفرون، بل هم قوم [ق ٨٢ / ب] زيّن لهم سوء عملهم فرأوه حسنًا، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] أي قبيح عمله زيّن له الشيطان ذلك بالوسواس. وفي الآية [حذف] تقديره وتمثيله، أفمن زيّن له سوء عمله فرأى الباطل حقًّا كمن هداه الله فرأى الحقّ حقًّا والباطل باطلاً.
стр. 194
فصل
وأما الردّ على هذه الطائفة الخبيثة المخالفة من استماعهم إلى المزامير والشبابات فمن وجوه كثيرة، فمنها ما روي عن الإمام علي بن أبي طالب ﵁: "أنّ النبيّ ﷺ نهى عن الطبل والمزمار" (١). هذا حديث أخرجه الإمام أبو بكر الخلال ﵀ في كتاب "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (٢)، وفيه عن أبي هريرة ﵁ "أنّ النبيّ ﷺ نهى عن كسب زَّمَّارَة" (٣)،
стр. 195
وأخبرنا الشيخ الزاهد أبو الحسن علي بن المقير البغدادي (١) بقراءتي عليه بمكة تجاه الكعبة شرفها الله تعالى في ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وستمائة (٢) بإسناد متّصل إلى نافع مولى بن عمر ﵁ أن ابن عمر سمع زمارة راعٍ، فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع: أتسمع فأقول نعم.
стр. 196
قال: فمضى [ق ٨٣ /أ] حتى قلت: لا، فأخرج أصبعيه من أذنيه وأعاد الراحلة إلى الطريق، وقال: رأيت رسول الله ﷺ سمع صوت زمارة راعٍ، فصنع مثل هذا" (١) هذه رواية الإمام أحمد. وفي رواية أبي داود قال: كنت مع ابن عمر ﵁ في طريق، فسمع مزمار فوضع إصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق إلى الجانب الآخر، ثم قال لي بعد أن نأى: يا نافع! هل تسمع شيئًا؟ قلت: لا، فرفع إصبعيه من أذنيه وقال: كنت مع رسول الله ﵇، فسمع صوت راعٍ، صنع مثل ما صنعت. قال نافع: وكنت إذ ذاك صغيرًا (٢). وفي رواية أخرى له: قال: كنت رديف ابن عمر ﵁ إذا مرّ براع، فذكر نحوه وفي لفظ آخر له في حديثه: كنت مع رسول الله ﷺ ، فسمع مثل هذا، فصنع مثل هذا، ولم يذكر قول نافع كنت صغيرًا. هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود في سننه والإمام أحمد في مسنده ورجال إسناده كلّهم أئمة ثقات، مخرج عنهم في الصحيحين البخاري ومسلم جميعًا، ألا أيّها الناس إذا كان هذا فعلهما مع جلالة قدرها ورفيع منزلتهما في صوت لا يخرج عن الاعتدال، فكيف بغناء هذا الزمان وزمرهم (٣)
стр. 197
مع الدفوف المزوقة [ق ٨٣ / ب] بالجلاجل، وما ذكرنا في هذا الحديث نصّ صريح، وحجّة قاطعة في تحريم سماع الزمور والشبابات وما يجري مجراهما، وردّ على من يترخص في سماعها، فصح وثبت؛ لأن الإمام العلامة أبا محمد عبد الله بن قدامة المقدسي المعروف بالشيخ الموفق (١) ﵁ قال: "وهذا مبالغة من النبيّ ﷺ لسدّه أذنيه وعدوله عن الطريق ولم يكتف بأحدهما عن الآخر، ولأنها من المزامير وما بلغنا [عن] أحد عن العلماء الرّخصة في المزامير فهي كالطنبور، بل هي أغلظ، فإنه ورد فيها ما لم يرد في غيرها" (٢)، ألا وعلى كلّ حال فهي منهي عنها وليس هي من شأن أهل الدّين، فمن جعلها قربة وطريقة إلى الله ، فالمنصوص عند أهل العلم أنه يكفر (٣)،
стр. 198
وذلك أن المعاصي لا يتقرب بها إلى الله سبحانه وهو خلاف لجميع علماء الأمصار، وقد ذهب بعض من يتأول في سماع ذلك من المحدثين ما ليس في مذهب المحدثين إلى تأويل يترخص أخطأ فيه ولم يوفق للصواب وإتباع السنّة والكتاب، فقال: لو لم يجز سماعها لما كان نافع يستمع ويخبر ابن عمر، وكذلك ابن عمر أخبر النبيّ ﵇ فعل ذلك، ولم ينه ابن عمر مولاه عن سماعها (١)
стр. 199
وهي محرّمة في حقّ النبي ﵇ [ق ٨٤ /أ] خاصّة ومباح لغيره سماعها، وليس ذلك كما زعم بجهله وتأوّل بقلة عقله؛ لأنه غفل عن الحقّ، ونزل عن درجة الصدق، وتعدى عن الأخذ بالجزم وأخطأ بهذا التأويل البعيد الذي لم يقله أحد من أهل التقليد والتوحيد، وإنّما قال ذلك من حادّ الله ورسوله ولم يخش يوم الوعيد، وإنّما جاز لنافع ولمولاه ابن عمر ولمن فعل مثل فعلهما سماع شبابة لأجل الضرورة؛ لأن عمر ﵁ عدل عن طريقه التي قصد إليها وسدّ مسامعه عن سماعها، فاحتاج أن يعلم بانقطاع الصوت المحرّم عليه سماعه؛ ليرجع إلى طريقه [و] يكشف عن سمعه؛ لأنه قد كان ترك طريقه التي هو ذاهب فيها وسدّ مسامعه، ولم يمكنه أن يعلم ذلك، فرخّص لمولاه نافعًا أن يسمع ويخبره، وهذه الحال حال ضرورة، وعند الضرورة يباح المحظور المحرّم، والدليل على ذلك أن النّظر إلى العورة من الإنسان محرّم، ثم عند الضرورة يباح للطبيب والخاتن أن ينظر إلى العورة، وكذلك أنّ شك في إنبات الغلام والجارية وبلوغها جاز أن ينظر إلى عورتهما، ومثل ذلك كثير يباح عند الضرورات استعماله مثل مداواة الرجل للمرأة الأجنبيّة إذا كان لها مرض يخاف [ق ٨٤ / ب] عليها التلف منه، فله أن ينظر إلى جسدها وشعرها ومثل أن يشق خراجة تكون بها ويحسّ جسدها لقطع العرق، ومثل إذا غصّ الرجل عند الأكل باللقمة ولم يكن عنده ما يسيغها به وجد شرابًا محرّمًا شُربه له أن يشرب ما يسيغ به لقمته ولا شيء عليه؛ لأنه يرفع به عن نفسه التلف، وكذلك هاهنا إذا ابتلي إنسان بمثل ذلك في طريق سواها جاز له أن يفعل كما فعل نافع، وكما فعل مولاه ابن عمر ﵁، وأمّا أن يقعد إلى سماع ذلك وهو مندوب إلى تركه، فلا، ولأن النبي ﷺ قال: "بعثت بمحو المزامير وكسرها" (١)،
стр. 200
وأمّا قول المتأوّل إنما التحريم في حق النبي ﵇ خاصّته، فأخطأ في قول ذلك أيضًا وحادّ عن الحقّ؛ لأن النبي ﵇ لم يخّص بتحريم شيء دون أمّته، فإذا حرمه الله تعالى أشياء ونهاه عنه فهو عام في حقّه، وفي حقّ أمته وإنّما خصّه الله تعالى بأشياء في العبادات مثل قيام الليل، والسواك، والوتر، والوصال في الصوم، وغير ذلك ممّا نقل عنه، فأمّا التحريم في استماع الزمر والشبابة فلا يجوز أن يقال خاصًّا في حقّ النبيّ ﵇، بل هو عامّ له ولأمته في تحريمه، فأمّا رجل [ق ٨٥ /أ] يدّعي الصلاح والزهد مجاهدًا لنفسه قد حبسها في رباط منعزل عن المخالطة والاجتماع بالناس يزعم بجهله أن سماع الشبابة وما يجري مجراها من صوت العزف الذي يعمله سفهاء الأكراد والأعاجم والفلاحين صلاحًا لقلبه ولنفسه ويتبع قول من أخطأ في تأويله بإباحته، ويعتمد عليه بل هو فساد لقلبه وشغل لنفسه عمّا أمر به من الذكر وترك اللغو وهو يعلم قطعًا يقينًا أنّه إذا ميّزت غدًا أعمال الحقّ والباطل كان الغناء والرقص والشبابة مع الباطل لا مع الحقّ، فأين يذهب عن الحق والصواب إلى ما يؤدي إلى المحق والتباب (١)؟ فما هذا من أعمال الصالحين والزهاد، ولا فعل من يخاف يوم المعاد، فأين هو من قول رسول الله ﷺ ، وقد شكا إليه رجل قساوة يجدها في قلبه، فقال له: "عليك سماع القرآن وتلاوته وكثرة الذكر ودراسته" (٢)، فهل يحسن بالإنسان العاقل أن يعدل عن الذكر وسماع القرآن إلى سماع مزمار الشيطان ويتخذ ذلك قربة إلى الرحمن، بل يجب عليه أن يغلب نفسه على هواها ويصرفها عن ذلك ويقبل على ذكر الموت [ق ٨٥ / ب] ليكسرها به، ففي ذكر الموت والبعث والعرض والنشور والحساب ما يليّن
стр. 201
القلوب الصلاب، ويشغل النفوس عن الخوض في الترهات وتضييع الأوقات، فإن قيل: لم لم يأمر (١) النبي ﷺ بكسرها ومنع الراعي عن نشرها، قيل: إنّما كان هذا في بدء الإسلام، وكان ذلك الراعي في جبل بعيد عن طريق النبي ﵇، وهذا كان قبل الفتح وظهور الإسلام، فلما ظهر الإسلام وانتشر وأسلم القوم [و] حرمها الله لم يعودوا [لـ]ـذلك، والدليل عليه ما أمر النبي ﷺ جميع أصحابه بمحو المزمار والطنبور والكوبة، وهي الطبل ومحو الصور في البيوت، ونهى عن جميع الفواحش والملاهي وكلّ ما شغل عن طاعة الله لمّا ظهر الإيمان ودخل الإسلام على جميع الأعراب، فإن قيل: فإن ابن عمر ﵁ قد عاش بعد النبي ﷺ بضعًا وستين سنة، فلما [ما] كسر زمارة إذا سمعها؟ قيل له: كان سماعه ذلك في زمن الفتنة ومجيء أهل الشام إلى مكّة لقتل ابن الزبير ﵁ مع الحجاج بن يوسف الثقفيّ [ق ٨٦ /أ] الفاسق، وهو كان أميرهم، وكان ابن عمر قد خرج عازمًا على الحج والعمرة وقال: إن صددت عن البيت فعلت كما فعل النبي ﷺ ، وكان ابن عمر ﵄ قد اعتزل الفتنة وما يجري من الحروب بعد قتل عثمان ﵁، فلو أنه كسر مزمار الفاسق من أهل الشام كان ذلك يؤدي إلى القتال، ففعل كما فعل النبي ﷺ عند الضرورة، وليس لمن استنّ بفعل الفسّاق دليل يقول عليه ولا تأويل يرجع إليه فقد روي أن أبا عثمان النهدي رحمة الله عليه وكان من كبار التابعين قال: "ما سمعت مزمارًا ولا طنبورًا ولا صَنْجا (٢) أحسن من صوت أبي موسى ﵁ إن كان ليصلّي بنا فنودّ أنه قرأ البقرة من حسن صوته" (٣)
стр. 202
وكان أبو عثمان النهدي قد أدرك الجاهلية وبلغ من العمر مائة وثلاثين سنة، فلأجل ذا قال: ما سمعت مزمارًا ولا طنبورًا -يعني في الجاهلية- قبل أن يسلم، فأما في الإسلام فمعاذ الله أن يسمعوا ما حرّم الله تعالى عليهم، وقد نزههم الله عن ذلك وأثنى عليهم في القرآن، ولقد كان عبد الله بن مسعود وأصحابه علقمة والأسود وزر وأبو وائل وشريح رضوان الله عليهم بالكوفة يأخذون الدفوف والمزامير والطبول الصغار من أيدي الغلمان والجواري [ق ٨٦ / ب] الصغار فيكسرونها ويشقّون زقوقها (١) ولا يمكنون من إظهارها في الأسواق والدروب (٢) والبيوت إتباعًا منهم لقوله ﷺ : "بعثت بمحو المزامير والطنابير والكوبة" (٣)
стр. 203
وهي الطبل، وروي أبو داود في سننه أن زبيد اليامي رأى غلامًا معه زمارة قصب فأخذها وشقّها وقال: لا ينبغي هذا (١). وفي لفظ آخر لابن أبي الدنيا عن أشعث بن عبد الرحمن ﵀ قال: "كنت أمشي مع زبيد وهو آخذ بيدي فرأى امرأة ومعها دفّ فأخذه وكسره" (٢) أعاننا الله وإيّاكم على إتباع أوامر الله وأمر رسول الله ﷺ وقوّانا على اجتناب نواهيهما بمنّته ورحمته أنه قريب يسمع الدعاء واسع العطاء وينصر من نصر سنّته نبيّه ﷺ ويخذل من أعان على هدم ملّته ودرس شريعته. وأقول:
شرف المأخذ في السماع تفاوتت ... فيه المراتب للبيب (٣) العاقل
سندا لكلهم قد انتهى فيه ... إلى أعلى أسانيد سماع الكامل
خلع الوسائط كلّها في خلعه ... نعليه مسلك كلّ حر فاضل
من أجل ذاك تقدس الواد الذي ... تدربه عن سند بعيد نازل
أين العزائم من رجال قد سوى ... أوطانهم [ق ٨٧ /أ] عن زامر أو طابل
تقدس سمع المصطفى أما غدًا ... يومًا يسد صماخه بأنامل
حتى يصح تناسب سرى من ... حكم المقام إلى محلّ القائل
إلقائه سمع في شهود بصيرة ... وخمود أوصاف وهدى مفاصل
اذهب فما هذا مقامك يا فتى ... إذ أنت في شغل برقصك شاغل
ترعى موازين الجدال مخافة ... من أن تكون عن الوازن بزائل
فعن العناصر أخذ مشكل خطّه ... وهي التي وضعت بسفل سافل
أو لأرحام فيك منهم نسبة ... إذ فيهم زفن الطروب الهازل
هي دعوة نوحية شملتهم ... يوم السفينة إذ رست بالساحل
стр. 204
قيل: وذلك أنّ نوحًا ﷺ لما خرج من السفينة وهو تعب استظل في ظل جبل ونام فانتشر عليه، فنظر إليه حام وقام وصفق ويافث لم ينكر فوافى سام، فضرب أخاه وغطى أباه فانتبه نوح ﵇، فقال: أمّا أنت يا حام فشوّه الله خلقك وخلق أولادك وجعل أولادك خولاً لأولاد سام وجعل له الرياسة والملك عليكم وزادك الله طربًا ولذرّيتك إلى يوم القيامة ونقص عقولهم، وأنت يا يافث فكثر ولدك ومحق خيرك وسلبك عقلك وحرّمك الدولة إلى يوم القيامة، وأما أنت يا سام [ق ٨٧ / ب] جعل الله فيك البركة والنبوّة والخير والحكمة والرياسة إلى يوم القيامة (١)، وأقول شعرا:
هاربا من محافل اللغو ... واللهو كيبا بيتي (٢) ضرارًا
خائفًا منهما يتاقي هواه ... فتنة فيهما رمته شرارًا (٣)
سفقة (٤) يرى مشتراها ... صفقة لا تفيد إلا خسارًا
فهم الأمر فاستقام ولم ... يقف ولم يتبع سبيل الخيارا
اعرف النفس فاتخذها عدوًّا ... ثم نادي منهما الحذر الحذارا
ذاك وصف الرجال قدما ... وأما وصفنا الآن فهو وصف العذارا
وانتقام من عادل لم يزده منك ... نقض العهود إلا تبارا
نقضوا عهدك المصون فلا ... يرجون لله والرسول وقارا
جازهم وصفهم فديناك حتى لا ... يرى الحاضرون إلا جارا
صابر قابض على الخمر لما ... أن أبحنا الطبول والمزمارا
اقتداء بعادل كان هذا الوصف ... فيه للصابرين شعارا
تابعًا للرسول ما سنّ طوعًا ... وكتاب المهيمن الجبارا
ما رآه الشيطان ألا تولى ... نافرًا صارخًا يضاهي الجمادا
مثل ما فرّ من أبي حفص ... قدما لم يكن تابعًا له الآثار
فاتخذ نحو ما أعدّوه ما ... استطعت اقتداء كي ترهب الكفارا
стр. 205
فإن قال قوم فنحن نرى من أهل الرقص واستماع الأغاني والشبابات ما يشبه الكرامات [ق ٨٨ /أ] المغيّبات والمكاشفات، وما يشبه الإلهام والفراسة ويظهر ذلك منهم وممّن يأخذ صدقات الناس وأوساخهم مع القدرة على استغنائهم ومن غيرهم من أهل الحوادث والبدع، فكيف ذلك فبيّنه لنا ممّا علّمك الله تعالى من علم كتابه ومن سنّة رسوله ﷺ أو من أثر من آثار الصحابة رضوان الله عليهم، فأسرع إليهم بالجواب وأقوالهم. اعلموا وفّقنا الله تعالى وإيّاكم للصواب أنّ من العبّاد أو من غيرهم من يرى ضوءًا أو نورًا في السماء، فإن كان في شهر رمضان قال: رأيت ليلة القدر، وإن كان في غيره قال: قد فتحت لي أبواب السّماء، وقد يتّفق الشيء يطلبه فيظنّ أن ذلك كرامة وربّما كان كرامة، وربّما كان اختبارا وربّما كان من تلبيس إبليس ومن خدعه ومن تزيينه ومن شرّ اقتراب الساعة ومن الفتن كما قال الله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] معناه: ليبتليهم بذلك؛ ليعلم من يسلم لأمره، وقال : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧، والملك: ٢] وقولنا إذًا وربّما كان كرامة إنما يكون ذلك للعباد؛ إذ كان عالمًا وعاملاً بما في كتاب [ق ٨٨ / ب] الله تعالى وسنّة رسوله ﷺ متّبعًا ما كان رسول الله وصحابته عليه، ومع ذلك لا يكون له خدن ولا صاحب ممّن استحسن شيئًا أحدث بعد الصحابة ولا ممّن استحسن مكروهًا، فمن كان هذا حاله وسيرته يحتمل أن يكون له كرامات وإلا كان من تلبيس إبليس ومن خدعه وتزيينه ومن شرّ اقتراب الساعة، ومن الفتن والشبهات. كما روي أن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع منكم بخروج الدجال فلينأى عنه ما استطاع, فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن , فما يزال به حتى يتّبعه لما يرى من الشبهات» (١)،
стр. 206
ألا فما ترون أنتم من شيوخ الجهّال ومن الفقراء المنتمين إليهم من الشبهات، فمن سمع منكم بشخص منهم فليأنى عنه ما استطاع، فإنه من الدجاجلة، وروى ابن مسعود ﵁ أنّ رسول الله ﵇ قال: «إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشرّ وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحقّ فمن وجد ذلك شيئًا فليعلم أنه من الله تعالى وليحمد الله تعالى [ق ٨٩ / أ] ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قرأ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨]» (١).
стр. 207
ألا فمهما رأى الإنسان أو علم شيئًا من الشبهات التي تشبه الكرامات والإلهام أو ما يشبههما من شرّ اقتراب الساعة وفتنتها، وغير ذلك منامًا أو يقظته فواجب عليه، ألا تعتمد على شيء من ذلك حتى يعرضه على ما في كتاب الله تعالى وعلى ما في أحاديث رسول الله ﵇ أو على أثر من آثار الخلفاء الراشدين الذين قضوا بالحقّ وبه كانوا يعدلون، فإن وجد فليعلم أنّها لمة الملكة وإن لم يجد فليعلم أنّها من الشيطان الرجيم وممّا فيه سخط الرحمن الرحيم، وروى مالك بن دينار وحبيب العجمي ﵄ قالا: "إن الشيطان ليلعب بالقرّاء –يعني بالزهّاد- كما يلعب الصبيان بالجوز" (١). ألا والذي أعرفكم أن الله تعالى أخبرنا أن من سنّته في رسله وسيرته في أنبيائه صلواته وسلامه عليهم أجمعين إذا قالوا عن الله تعالى قولاً زاد الشيطان فيه من قبل نفسه كما يفعل في سائر المعاصي يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] أيّ تلاوته، ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [ق ٨٩ /ب] وكان سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عبّاس ﵁
стр. 208
أنّ رسول الله ﵇ وقرأ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] تلك الغرانيق العلى وشفاعتهنّ ترتجي، ففرح المشركون بذلك وقالوا: قد ذكر آلهتنا فجاء جبريل ﵇ فقال: اقرأ عليّ ما جئتك به، فقرأ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] تلك الغرانيق العلى وشفاعتهنّ ترتجي، فقال: ما جئتك بهذا من الشيطان أو قال: هذا من الشيطان لم آتك به، فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] الآية (١).
стр. 209
هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم، وقرأت في كتاب أحكام القرآن ومعانيه لابن العربي (١) المغربي ﵀ وذكر قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] أي: تلاوته. قال: فهذا نصّ في أن الشيطان زاد في الذي قاله النبي ﵇، وذلك أنّ النبي ﵇ كان إذا تلا قرأ قرآنًا مقطّعًا وسكت في مقاطع الآي سكوتًا محصلاً، وكذلك كان حديثه ﷺ مترسّلاً فيه متأنيًا، فتتبع الشيطان تلك السكتات بين [ق ٩٠ / أ] قوله ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠]، وبين قوله ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢١] يحاكي صوت النبي ﵇، فقال: "إنّهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهنّ لترجي" –يعني الأصنام-، ففرح المشركون والذين في قلوبهم مرض بقلة البصيرة وفساد السريرة، فتلوها عن النبي ﵇ ونسبوها بجهلهم إليه حتى سجدوا معه اعتقادًا أنه معهم وعلم الذين أوتوا العلم والإيمان أنّ القرآن حقّ من عند الله فآمنوا به، ورفضوا غيره وتجيب قلوبهم إلى الحقّ وتنقر عن الباطل، وكلّ ذلك ابتلاء من الله ومحنة (٢).
стр. 210
ألا فقد أوعزنا إليكم بوصيّة أن تجعلوا القرآن والأحاديث النبوية أمامكم وجرّدوها قدّامكم ولا تحملوا عليهما ما ليس فيهما ولا تربطوا بهما ما ليس منهما ولا تقلّدوا غيرهما اللّهم إلا أن يكون من آثار الصحابة موافقًا لهما، ألا فاعتبروا يا أولي القلوب والأبصار ومن بقلبه أدنى حبوة، هذا رسول الله ﵇ وهو في الصلاة ويقرأ كلام الله المنزل عليه غير مخلوق، فزاد الشيطان في الذي نزل عليه بين سكتاته وهو في صلواته أنهنّ الغرانيق العلى وإن شفاعتهنّ لترجي –يعني الأصنام- وكانوا يقولون أنّها [ق ٩٠ /ب] أجسام طاهرة ليس لها ذنوب، فهي أولى بالعبادة من غيرها من الملوك والملائكة؛ لأنه لهم ذنوبًا وهم ذوو أرواح فشبّهوا الأصنام بالغرانيق والغرانيق هي الذكور من طيور الماء؛ لكونها تعلو وترتفع في السماء، ألا فهذا ما جرى لنبيّنا ﷺ وهو أعبد البشر وخير الأنبياء والمرسلين وأفضلهم وأكرمهم وخير الخلائق أجمعين وأحبّهم إلى الله وإلى أوليائه، ألا واذكروا ما جرى إلى أبوينا آدم وحواء وما جرى لداود ولإخوة يوسف الصديق صلوات الله عليهم أجمعين، وما جرى للملكين هاروت وماروت وغيرهم من الأولياء والصالحين من تزيين الأبالسة والشياطين ومن سحرهم وتدقيق مكرهم وجعلهم فإذ ذلك كذلك، فكيف يأمن على نفسه من دونهم ومع ذلك فما ظنّكم يا أخوتي برفيع ظهر عليه أشياء من الشبهات واشتهر بما يشبه الإلهام والكرامات والمكاشفات من سفهاء الأعاجم والأعراب، ومن جهّال الفلاحين والأكراد، الله المستعان، ما أكثر ما قد ظهر في البرّ والبحر من الفساد وما قد كثر فينا من القاضين إلى الارتداد، وهم الذين روى فيهم [ق ٩١ / أ] الحديث عن ابن عمر ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "يكون بين يدي الساعة دجّالون كذّابون"، قالوا: جلهم لنا يا رسول الله؟ قال ﷺ : "يأتونكم بسنّة غير سنّتكم، ويبدّلون سنّتكم ودينكم، فاجتنبوهم وعادوهم" (١)،
стр. 211
وصح وثبت عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﵇ قال: "يكون في آخر زمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم وآباؤكم، فإيّاكم وإيّاهم فيضلّونكم ويفتنوكم" (١).
стр. 212
هذا حديث أخرجه مسلم في صحيحه، فكثير من هؤلاء الذين لهم صيت عند الأعاجم والأغراب وعند الفلاحين والأكراد قد نبذوا بالعباد وهم من أهل الجهل والفساد وليسوا من الخيرين الأجواد ويقولون أقوالاً ويفعلون أفعالاً لا نجدها في كتاب الله تعالى ولا في سنّة رسول الله ﵇ ولا في سنة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين والمنتمون إليهم يزعمون أنّهم يتكلمون بالحقائق وأنّ لهم كرامات وليسوا كما زعموا كذّابون دجّالون وسيأتي كبيرهم ويزعم أنّه ربّهم وربّ العباد وفراسهم وإلهامهم وكرامهم وكراماتهم من جنس كراماته ونحن منتظرون لخروجه وخائفون من افتتانه، وذلك ما روي [ق ٩١ / ب] عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﵇ خطبته ما يحدّثنا عن الدّجال ويحذّرناه، فكان من قوله: "يا أيها الناس إنه لم يكن فتنة على الأرض أعظم من فتنة الدّجال وإن الله تعالى لم يبعث نبيًّا إلا حذّر أمّته، وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وإنّه خارج، فإن خرج وأنا فيكم فأنا حجيج كل مسلم، وإن خرج بعدي فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كلّ مسلم، وإنّه يخرج من خلة بين الشام والعراق، فيعيث يمينًا ويعيث شمالاً فيا عباد الله اثبتوا، فإنّه يبدو ويقول: أنا ربكم، ولن تروا ربّكم حتى تموتوا، وإنّه أعور، وإنّ ربكم ليس بأعور، إنّ مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كلّ مؤمن، فمن لقيه منكم فليتفل في وجهه، وإنّ من فتنته أن معه جنّة ونار، فناره جنّة وجنّته نار، فمن ابتلي بناره فليقرأ خواتيم سورة الكهف وليستعذ بالله ، فإنّها تكون عليه بردًا وسلامًا كما كانت النار على إبراهيم ﷺ ، وإنّ من فتنته أن معه شياطين يتمثلون على صور الناس، فيأتي الأعرابي فيقول: رأيت أن بعثت لك أباك وأمّك أتشهد أنّي [ق ٩٢ /أ] ربّك، فيقول: نعم، فيتمثل شياطينه على صورة أبيه أمّه، فيقولان يا بنيّ اتبعه فإنه ربّك وإن من فتنته أن يسلّط على نفس فيقتلها ثم يحييها ولن يقدر لها بعد ذلك ولا يصنع ذلك بنفس غيرها ويقول: انظروا إلى عبدي فإنه أبعثه الآن، ويزعم أن له ربًا غيري فيبعثه ويقول من ربّك؟ فيقول: ربّي الله وأنت الدّجال عدوّ الله ، وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك أتشهد أني ربّك؟ فيقول: نعم، فيتمثل شياطينه على صورة أباه، وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت، فيمر بالحي
стр. 213
من العرب فيكذّبونه فلا تبقى لهم [سائمة] إلا هلكت ويمرّ بالحي من العرب فيصدّقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، فتروح عليهم مواشيهم من يومهم ذلك أعظم ما كانت [و] أسمنه وأمدها
خواصرًا وأدرها ضروعًا" (١)، هذا حديث خرجته من كتاب السنة لأبي عاصم النبيل، إلا إن جميع ما يظهر من هؤلاء الخوارج الذين هم رؤساء الجهّال المخالفون للشرع والمعاندون لأهله والطريقيون (٢) والمشعبذة دون ما جاء به في الحديث من فعل الدجال وأمره أهون من أمر هؤلاء الجهال. وروي عن [ق ٩٢ / ب] النبي ﷺ أنّه قال: "يتبع الدجال من أمتي سبعون ألفًا عليهم السيجان" (٣) وهي الطيالسي وهي يلبسها الأكابر ينزو (٤)
стр. 214
بالعلماء والعباد وليسوا منهم، ألا وإن ذلك كذلك فيلزمنا أن نكذّبهم ونردّ عليهم ونعتقد ونقول في ذلك في حقهم ليس من الكرامات ولا من المكاشفات، بل من شعر الشياطين وسجعهم وخدعهم ومن تزيينهم ومن فتنتهم ومن شرّ اقتراب الساعة، والدليل على صحة ما قلناه ما روى الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ في مسنده، قال: حدثني عبد الرّزاق أخبرنا معمر عن أشعث بن عبيد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة ﵁ أنّه قال: جاء الذئب إلى راعي غنم فأخذ منه شاة، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال: فصعد الذئب على تلّ وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله ، فانتزعته مني، فقال الرجل: تالله إن رأيت كاليوم ذئب يتكلّم! فقال له الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات نبي بين الحرتين يخبركم بما مضى وبما هو كائن بعدكم، وكان الرجل يهوديًا، فجاء إلى النبي ﷺ فأسلم فصدّقه رسول الله ﵇، ثم قال: "إنّها أمارة من أمارات [ق ٩٣ /أ] بين يدي الساعة، قد أوشك الرّجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدّثه نعلاه وسوطه بما حدث في أهله بعده" (١)، وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني ﵁ قال: حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم العلاء حدثنا علقمة أخبرني أبي علقمة (٢) نصر بن علقمة عن أخيه محفوظ بن علقمة عن عبدالرحمن بن عائذ الأزدي حدثني سلمة بن نفيل التراغمي ﵀ أنه كان عند رسول الله ﵇ يومًا إذ جاءه رجل فقال: "والله يا رسول الله (٣)
стр. 215
لقد رأيت عجبًا ما أراه رجلاً قط قبل، إنّي غدوت من أهله أُضْحِي غنيمة، فعدا علي الذئب فأخذ منها حِملاً فاتبعته أطلب أن استنقذ منه حملي إن استطعت، فلما أدركته وضع الحمل وأقبل يكلمني، فقال: أيّها الرجل ارجع فوالله لا استنقذته اليوم، فقلت: والله ما رأيت عجبًا كاليوم قطّ إن الذئب يتكلم! فقال: بل أنبّئك بأعجب منه: رسول الله ﷺ وراءك بالنخلات يحدثك بالوحي من السماء، فذاك أعجب من ذئب رزقه الله حملاً، ثم قال: والذي أنزل عليك الكتاب ما جلست منذ كلمتُ الذئب، فقال رسول الله ﵇: صدقت؛ يوشك أحدكم أن يحدثه فخذه [ق ٩٣ / ب] وعصاه بما فعل أهله بعده وهي العجائب بين يدي الساعة" (١). وروي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: بينما راعٍ يرعى أخذ الذئب شاة من الشياه، فحال الراعي بينه وبين الشاة، فأقعى الذئب على ذنبه، وقال للراعي: ألا تتّقي الله تحول بيني و [بين] رزق ساقه الله إليّ! فقال: العجب لذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس! قال له الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك رسول الله عليه وسلم بين الحرتين يحدّث الناس بأنباء ما قد سبق فانطلق الراعي بشاته حتى أتى المدينة، فآواها إلى زاوية من زواياها، ثم دخل على رسول الله ﵇ فحدّثه بما قال الذئب، فخرج رسول الله ﵇ إلى الناس ثم قال للراعي: "قم فحدّثهم بما قال الذئب"، فقام الرّاعي فحدّثهم، فقال رسول الله ﵇: "صدق الراعي إنّ من أشراط الساعة كلام السباع للإنس، والذي نفس بيده لا يقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس ويكلم الرجل شراك نعله وعذبه (٢)