← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 98

جامع الورع وقامع البدع

أبو بكر الدشتي

Полный текст (266 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فصار من خيار العلماء لعموم خيره وفوائد علمه للأقصى والأدنى، فيشكر نعمة الله عليه أولاً بالتواضع لله على ما أولاه. كما روي في حق العالم أن يضع التراب على رأسه تواضعًا لربّه (١)، ثم بالرفق بالخلق والتأني في الأمور حتى يصير الحلم له سجيّة وخلفًا وحينئذٍ يعدّ في الحلماء، فإن بدرت منه في وقت بادرة فلا [ق ٢٦ /أ] فلا يتغير ببهاء (٢) الحلم. والله أعلم. ولمثل هذا العالم جاء في سياق هذا الحديث بعد قوله حلماء: "إلا وإن الله تعالى [يغفر] (٣) للعالم سبعين ذنبًا قبل أن يغفر للجاهل ذنبًا واحدًا، وإن العالم الرحيم يجيء يوم القيامة يضيء وجهه كما يضيء الكوكب الدري في الدنيا" (٤) وهو غريب من طريق ابن المبارك عن الثوري عن أبي الزناد عن الأعرابي عن أبي هريرة رضوان الله عليهم. والعلم هو ما قال الله وما قال رسول الله ﵇ وما جاء عنهما ومعرفة سيرة الصحابة وأقاويلهم ومعرفة فتاواهم وما كانوا عليه وليس ما عند أهل الحوادث والبدع الذين هم رؤساء الجهال علم، ولا معرفة بل ذلك جهل وضلال وغرور منهم وتزيين الشيطان لهم من سواء أعمالهم.

стр. 72

وروي عن النبي ﵇ قال لعائشة ﵂: "يا عائشة سدي مجاري الشيطان بالجوع" (١). وروي عنه ﵇ أنه قال: «مَا مَلَأَ الْإِنْسَانُ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ» وتمامه حَسْبُ ابْنِ [آدم] (٢) لقمات تُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ غَلَبَتهُ نَفْسُهُ فَثُلْثٌ لِلْطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلْشَّرابِ، وَثُلُثٌ لِلْنَّفَسِ" (٣). اعلم أن هذا ذم الشبع والنهي عن كثرة الأكل للطعام لما فيه من المضار [ق ٢٦ / ب] والاستقامة البدنية من التخمة والأدواء (٤) بالشر المنوط بامتلاء البطن، فمن ذلك التوسع في المأكل، وقل أن تسلم الكثرة من حرام، أو شبهة، ثم إن سلم طال عليه الحساب، ثم ينشأ منه حب الدنيا وقسوة القلب وظلمته بالشهوات والمنى وتسلط الشيطان على الباطن باتساع مجاري الطعام، ثم الكسل والفتور عن الطاعات وكثرة النوم.

стр. 73

وعن عيسى ﷺ أنه قال: "من شبع شبعة دخل فيه سبع آفات: لا يقدر على حفظ العلم والحكمة، ولا يجد حلاوة العبادة والرابع يقل خوفه والخامس تقل شفقته على الناس والسادس يزداد شهوة نفسه وبصره وجوارحه والسابع يدور الجائع حول المساجد والمصاحف، ويدور أهل الشبع حول الكنف والمزابل" (١). وعن لقمان الحكيم (٢) ﵇ قال: "إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخربت الحكمة ووقفت الأعضاء عن العبادة" (٣). وعنه ﵇: "مما يوجب المقت من الله الأكل من غير جوع" (٤)، ألا ولعمري (٥)

стр. 74

إنما يمكن الشيطان من أقوام من أهل زماننا نبذوا بالعلماء وبالعباد وليسوا منهم في شيء لعدم العلم، وأنهم ما جالسوا أهل العلم ولا [ق ٢٧ /أ] ولا شمّوا ريحهم وهم كما قال أبو الفرج عبد الرحمن الجوزي رحمة الله عليه سهروا فما ناموا لتدبير الناموس وسعوا في صحة أبدانهم ولا جالينيوس وأنهم في التهافت على جمع الأحجار زباب طعم وفراش نارٍ يتشبهون بالعباد، وليسوا منهم وقد سمعوا وصاياهم ولم يحفظوا عنهم ولكثرة أكلهم وشبعهم من الألوان المختلفة التي جرى منها الشيطان إلى قلوبهم فاسدها واستحوذ عليها (١)، ولأجل جهلهم وامتلائهم من الشهوات التي غفلت قلوبهم عن الله وأقبلت بها إلى الحوادث والمكروهات كالرقص واستماع الغناء والشبابات وكل ذلك من عدم العلم وكثرة الجهل وقلة المروءة، وذهاب الخوف من الله ، فبالله العجب من حب الناس لهم وتعظيمهم إياهم، وميلهم إليهم، وما هم إلا كما أقول؟ أقول لطالبٍ بالافتقار ... من الناس: التعظم بالوقار يروه بهيبة، قد وقّروه ... ويخشى بينهم للاحتقار أحب مكانه فيهم وجيهًا ... مداهنته لهم بالاعتبار تجمل بالثياب ولا تبالي ... فإن العين قبل الإخبار [ق ٢٧ / ب] فلو لبس الحمار ثيابٍ خزٍ ... لقال الناس: يا لك من حمار وكما روي أن الحسن البصري قال: "إن قومًا جعلوا خشوعهم في لباسهم وكبرهم في صدورهم، وشهروا أنفسهم بلباس الصوف حتى أن لابس الصوف أشدّ كبرًا من صاحب المطرف بمطرفه" (٢)، وقال غيره: ولكنهم يترفعون فيه حتى يكون إسرافًا أدق من القطن والكتّان وأكثر ثمنًا، وهي الدنيا كلما رُفعَتْ وضعها الله . وروي أن سفيان الثوري ﵁ قال: "الزهد عندنا قصر الأمل لا أكل الغليظ ولا لبس العباء" (٣).

стр. 75

وروي أن محمد بن موسى الجرجاني رحمة الله عليه قال: سألت محمد بن كعب الصنعاني مِن الزهاد الذين لا يتزودون ولا يتنعلون ولا يلبسون الخفاف؟ فقال: سألتني عن أولاد الشيطان ولم تسألني عن الزهاد. قلت: فأي شيء الزهد؟ قال: التمسك بالسنة والتشبه بأصحاب رسول الله ﵇ (١). قال الحافظ الدشتي رحمة الله عليه: وكان شعار (٢) عيسى ﷺ : الصوف (٣) وبقي في رهبانه إلى اليوم والزنادقة في زماننا لبسوا الصوف شعارهم، وكان الصوفيّة ظنوا أن هذا الاسم من الصوف [ق ٢٨ /أ] فاستشعروه اعتقادًا واستشعروه ملبسًا. قال قائلهم شعرا: تنازع الناس في الصوفي واختلفوا ... فيه فظنوه مشتقًا من الصوف ولست أبيح هذا الاسم غير فتى ... صافى فصوفي حتى سمي الصوفي (٤) ولستُ أمنحُ هذا الاسمَ غيرَ فتىً ... صافي فصوفِيَ حتَّى لُقَّبَ الصُّوفي

стр. 76

آخر (١): تَصَوَّفَ وازْدَهَى بِالصُّوفِ جَهْلًا ... وَبَعْضُ النَّاسِ يَلْبَسُهُ مَجَانَة (٢) يُرِيك مَهَانَةً ويُجِنُ كِبْرًا ... وَلَيْسَ الْكِبْرُ مِنْ شَأْنِنا مَجَانَة (٣) تَصَوَّف [كي] يُقَالَ لَهُ أَمِينٌ ... ومَا مُعين تَصَوّفه الْأَمَانَهْ (٤) وَلَكِنْ قد أَرَادَ بِه معاشا ... وشعبدة المُشَعْبِد (٥) والكهانة (٦) وَلَمْ يُرِدْ الْإِلَهَ بِه وَلَكِنْ ... أَرَادَ بِه الطَّرِيقَ إلَى الْخِيَانَهْ وقال آخر (٧): ليس التصوّف لبس الصوف ترقعه ... ولا بكاؤك إن غنى المغنّونا ولا صياحًا ولا رقصًا ولا طربًا ... ولا تَغاش كأن قد صرت مجنونا بل التصوف أن تصفو بلا كدر ... وتتبع الحقّ والقرآن والدينا وأن تُرى لله خاشعاً بكيئًا ... على ذنوبك مهما عشت محزونًا ولا تكن محدثًا في ديننا حدثًا ... بعدًا لمن أظهر الأحداث المغنّونا وقال آخر: لبستَ الصوف مرقوعًا، وقلتا ... أنا الصوفي ليس كما نقلتا وما التصوف لبس الصوف، لكن ... زان لك الهوى ما قد زعمتا

стр. 77

فما الصوفي [ق ٢٨ / ب] ...................................... (١) واقطعوا الركب وانزوا على الخيل نزوًا، وأتموا الأغراض والسلام (٢). وعن بلال بن سعد ﵀ قال: "أدركت قومًا يشتدون بين الأغراض يضحك بعضهم إلى بعض، فإذا جاء الليل كانوا رهبانًا" (٣). ألا فاعتبروا أخلاق مشايخكم وفقرائكم وصوفية زمانكم بالنبي ﷺ اقتدوا أو بالفراعنة والجبابرة ألا فقد روي أن أبا حمزة الخرساني رحمة الله عليه قال: "الصوفي الصادق معناه الشيخ الصادق، وعلامة الفقير الصادق أن يذل بعد العز ويفتقر بعد الغنى، ويخمل بعد الظهور، والصوفي الكاذب معناه الشيخ الكاذب، والفقير الكاذب علامته أن يعز بعد الذلّ ويستغني بعد الفقر، ويظهر بعد الخمول" (٤).

стр. 78

فصل ألا فقد روي أن داود الطائي (١) ﵀ وهو شيخ من المشايخ كان يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز، فقيل له: أما تشتهي الخبز؟ فقال: بين مضع الخبز وشرب الفتيت قراءة خمس آيات (٢) - وفي رواية سبعين تسبيحة (٣) -.

стр. 79

وروي أن يزيد بن هارون رحمة الله عليه وهو شيخ من مشايخ الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه وكان [ق ٢٩ /أ] إذا صلى العشاء الآخرة لم يزل قائمًا بذلك الوضوء حتى يصلي الغدوة نيفَا وأربعين سنة (١). وروي أن أبا بكر الشبلي (٢) ﵁ كان يكتحل في بدايته بالملح لسهر عينه سبع سنين (٣). وروي أن جماعة دخلوا على أبي بكر النهشلي رحمة الله عليه في نزعه وهو يومئ بالصلاة، فقيل له على هذه الحال، فقال أبادر طيّ الصحيفة (٤). وروي أن رجلاً قال لعامر بن قيس (٥): قف أكلمك، فقال: فامسك الشمس وأطال قوم الجلوس عند معروف الكرخي رحمه الله تعالى، فقال: ما تريدون أن تقوموا أن ملك الشمس لا يفتر عن سوقها (٦).

стр. 80

وروي أن أبا بكر العطّار ﵀ قال: حضرت الجنيد ﵁ عند الموت، فكان يصلي قاعدًا ويثني رجله إذا أراد أن يركع ويسجد، فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من رجله فثقلت عليه حركتها، وكانتا رجلاه قد تورّمتا فقال له قائل: ما هذا؟ قال: هذه نعمة الله أكبر، فلما فرغ من صلاته قال الجريريّ: لو اضطجعت؟ فقال: يا أبا محمد هذا وقت يؤخذ منه (١). وروي أن معروفًا الكرخي ﵀ كان ينزل من مسجده إلى الشط [ق ٢٩ / ب] فيتيمم، فقيل له: يا أبا محفوظ هو ذا توضأ فيقول: وما علمي لعلي لا أبلغ إلى الماء حتى أموت (٢). وروي أن محمد بن أبي توبة ﵀ قال: أقام معروف الكرخي الصلاة، ثم قال لي: تقدم. فقلت: إني إن صليت بكم هذه الصلاة لم أصل بكم غيرها. فقال معروف: وأنت تحدّث نفسك أنك تصلي صلاة أخرى نعوذ بالله من طول الأمل، فإنه يمنع من خير العمل (٣). وروي أن معروفًا قال: أترى المؤمن يشرب من الماء حتى يروي (٤). وروي أن أيوب بن وهب العطار رحمة الله عليه قال: كنت أرى بشر بن الحرث إذا انصرف من المسجد الجامع يرى الناس يشيرون إليه بأيديهم، فإذا خلا يقول: اللهم إنك قد شهرتني وما شهرت عبدًا لك ولا حاجة (٥).

стр. 81

قال: وكان بشر إذا حدث في الناس حديثًا يغمّهم أقبل على نفسه يقول: ما يؤتي هذا الناس إلا من قبلك (١). وروي أن بشرًا قال: إذا رأيتني أحب أن يجالسني غنيّ فاعلم أني قد بليتُ (٢). وقال بشر: يأتي على الناس زمان لا تقرّ فيه عين حكيم، ويأتي على الناس زمان يكون الدولة للحمقاء على الأكياس (٣). وروي أن روميّة جارة أمّ بشرٍ قالت: كنت أسمع بشرًا يقول: الموت يا موت، فقيل: يا أبا نصر ألا تنام؟ [ق ٣٠ /أ] فقال: وكيف ينام من يخاف البيات؟ (٤) وأقول شعرًا: أخوف ونوم إن ذا لعجيب ... ثكلتك من قلب فأنت كذوب وهل من رُقادٍ للمروع قلبه ... وأخشاه من خوف الحساب تذوب أما وجلال الله لو كنت صادقًا ... لما كان للإغماض فيك نصيب أما تستحي يا نفس من خالق الورى ... إذا نُشرت عليك يومًا ذنوب وقمت إذا كان الحساب مناقشًا ... بقبح فقال لست عنه أتوب وما حيلتي أن أخذوني بزلتي ... ليوم عبوس القمطرين عصيب وكانت شهودي عند ذاك جوارحي ... ونفسي على نفسي عليّ رقيب وروي أن الفضيل بن عياض ﵁ قال: إذا رأيت الليل مقبلاً فرحت وقلت: أخلو بريي ولا أرى الناس، فإذا نظرت الصبح استرجعت وبكيته (٥) كراهية اللقاء الناس أو يجيئني من يشغلني عن ربي (٦) وأقول شعرا: هذى فعال الصالحين وقد مضَوا ... أهل الصلاح من الذين تقدموا كانوا يصومون النهار وليلهم ... في (٧) القيام لربّهم يتخدّموا

стр. 82

كانـ[ـوا] بخدمة ربهم لا يفتروا ... ومشيّد (١) عصيان المهيمن (٢) هدموا إذا رأيت مخالفين فعالهم ... فاعلم يقينًا في الجزاء يتندّموا [ق ٣٠ / ب] والمقتدين بهم غنوا بغنائهم ... ومخالفيهم في جزاءهم أعدموا فصل وروي أن بنت الفتح الموصلي عريَتْ فقيل لفتحٍ: ألا تطلب من يَكسوها؟ قال: لا دَعها حتى يرى الله عريها وصبري عليها. قال: وكان فتح إذا كان ليالي البرد والشتاء جمع عياله وقال عليهم بكسائه، ثم يقول: اللهم أفقرتني وأفقرت عيالي بأي وسيلة توسلتها إليك، وإنما تفعل ذلك بأوليائك وأحبابك، فهل أنا منهم حتى أفرح (٣). وروي أن ذا النون المصريّ رحمة الله عليه قال: قال بعض العلماء: ما أخلص لله أحد إلا أحب أن يكون في جبّ لا يعرف (٤). وأقول شعرا: وليّ الله بين الناس مخفي ... ولا يهوى ولي الله شهره يودّ بأنهم لا يعرفوه ... ... ولا يرضى بما أعطيه جهره تراه يسر ما أعطيه فيهم ... ويجعل ربه في الناس ظهره يفر بدنيه عن كل حي ... ليجهل بين خلق الله ذكره ويعبد ربّه سرًا وجهرًا ... ويخفي عن جميع الناس أمره

стр. 83

وروي أن عبد الله بن هارون ﵀ قال: لو أصبتُ من يبغضني علي الحقيقة في الله لأوجبت على نفسي محبّته (١). [ق ٣١ /أ] وروي أن حذيفة بن قتادة المرعشي ﵀ قال: قال لي أخ من إخواني: إني لأدري الرجل محبًّا لي حريصًا عليّ، فأستصغره حيث لم يستصغرني (٢). وروي أن أبا جعفر الرقي ﵀ قال: كتب إليّ يوسف بن أسباط مسائل، فكتبت إليه جوابها: أما ما ذكرت أن يكون العبد عارفًا بالله تعالى وعارفًا بنفسه، فالعارف بالله المطيع لله والعارف بنفسه الذي يخاف من حسناته أن لا تقبل منه، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أي خائفة ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ قال: قال يعطون ما أعطوا وهم يخافون أن لا يقبل منهم (٣). وروي عن عائشة الصّدّيقة بنت الصّدّيق ﵄ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية، فقال: "يا بنت الصّدّيق هم الذين يصومون ويفرقون أن لا يقبل منهم ويصلّون ويفرقون أن لا تقبل منهم ويتصدّقون ويفرقون أن لا يتقبل منهم" (٤).

стр. 84

وقال المفسرون: كانوا إذا عملوا من أعمال البرّ شيئا يرون أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله (١). [ق ٣١ / ب] وروي أن سفيان الثوري ﵁ قال: أبْصر ابنُ الحُّر رجلاً قد خرج من الحمام، فقال: أين كنت؟ قال: في الحمام. فقال له: ذهبت طائفة من عمرك في الحمام وذلك لغير فائدة (٢). ألا فكيف تعتقدوا صلاح قوم أذهبوا أعمارهم في الرقص واستماع الأغاني والشبابات بحضرة أحداث المرد بعد إملاء بطونهم من ألوان الطعام من صدقات الناس وأوساخهم.

стр. 85

فصل وروي أن عبد الرحمن بن مهدي رحمة الله عليه قال: ما عاشرتُ من الناس رجلاً أرقّ من سفيان الثوري، وكنت أرمقه (١) في الليلة بعد الليلة ينهض مرعوبًا ينادي النار شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات (٢). قال عبدالله بن عمر الكوفي ﵀: سمعت [أبا] (٣) أسامة يقول: اشتكى سفيان الثوري ﵀ فذهبت بمائه في قارورة إلى الدِّيرَانِيَّ فنظر إليه وقال: بول من هذا؟ ينبغي أن يكون هذا بول راهب هذا رجل قد فتت الخوف كبده، ما لهذا دواء (٤). عن يحيى بن أيوب (٥) قال: سمعت عليّ بن ثابت يقول: "لو أن معك فلسَين تريد أن تتصدّق بهما، ثم رأيت سفيان الثوري [ق ٣٢ /أ] وأنت لا تعرفه لظننت أنك لا تمتنع من أن تضعهما في يده" (٦)، "وما رأيت سفيان في صدر مجلس قط كان يقعد إلى جانب الحائط ويجمع بين ركبتيه، ورأيت سفيان في طريق مكّة فقوّمت كل شيء عليه حتى نعليه درهم وأربعة دوانيق" (٧). وقال أبو بكر المروزي: قلت لأبي عبد الله الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: الثوريّ لأي شيء خرج إلى اليمن؟ قال: خرج للتجارة وللقاء معمَر. قلت: قالوا كان له مائة دينار! قال: أمّا سبعون فصحيحة (٨). قال أبو بكر الخلال ﵀: أخبرني يحيى بن طالب الأنطاكي: إن المسيّب بن واضح قال: قال لي يوسف (٩) بن أسباط: "مات سفيان الثوريّ وخلف مائتي دينار.

стр. 86

قلت له: من أين له مائتي دينار وهو كان زاهد العلماء؟ قال: كان يضع الشيء بعد الشيء مع إخوانه فبورك له فيه، قال: وكان سفيان الثوري يقول: ما كانت الْقُوَّةُ منذ بعث الله محمدًا ﷺ أنفع لأهلها منها في هذا الزمان" (١). وقال سفيان الثوري ﵀: "لأن أموت وأخلف عشرة آلاف درهم يحاسبني الله عليها أحبّ إليّ من أن أحتاج إلى أحد" (٢) [ق ٣٢ / ب] وروي أن إبراهيم بن أدهم رحمة الله عليه قال: "ما تهنيت بالعيش إلا في بلاد الشام أفرّ بديني من شاهق إلى شاهق، ومن جبل إلى جبل، فمن يراني يقول موسوس، ومن يراني يقول: حمال. وقال: لم ينبل عندنا من نبل بالحجّ ولا بالجهاد، وإنما نبل عندنا من نبل من كان يعقل ما يدخل جوفه - يعني الرغيفين- من حله" (٣) ألا فيتأسي المتأسي بهدي هؤلاء السادة لا برؤساء الجهّال وقائديهم إلى النار. فصل وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: الخوف يمنعني عن أكل الطعام والشراب، فما أشتهيه. قال بشر بن الحرث ﵀: إذا ذكرت الموت هان عليّ كل شيء. وقال فضيل بن عياض ﵀: إذا ذكرت الموت تصدّعت مرارتي. وقال: "وإني لأتمنى المرض. قيل له: ولم ذلك؟ قال: لئلا تجب عليّ الصلاة في الجماعة؟ قيل له: ولم ذلك؟ قال: لأن لا أرى الناس" ألا فاعتبروا قول فضيل بن عياض في زمانه، ومات سنة سبع وثمانين ومائة في أوّل المحرّم، وقيل في عاشوراء وأقول شعرا: أما والله لو علم الأنام ... لِمَا خُلقوا لَمَا غفلوا وناموا لقد خلقوا لِما لَوْ أَبْصَرتْه ... عيون قلوبهم ساحوا وهاموا ممات ثم قبر [ثم] [ق ٣٣ /أ] حشر ... وأهوال به منها يضاموا ليوم الحشر قد عملت رجال ... فصلوا من مخافته وصاموا وأهل زماننا يقظى نيام ... على الغافلات قاموا استقاموا

стр. 87

عن يوسف بن الحسن ﵀ قال: لقي رجل رجلاً فقال له: يا هذا إنني أراك قد تغير لونك ونحل جسمك، فمم هو؟ قال الآخر: وإني لأرى ذا بك فمم هو؟ قال: أصبحت منذ ثلاثة أيام صائمًا، فلمّا أتيت بإفطار عرضَت له هذه الآية ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧]، فلما لم أستطع العشاء فأصبحت صائمًا، ففعلت ذلك ثلاثًا وأنا صائم (١). عن خليد بن حسان الهجري قال: "أصبح الحسن صائمًا فأتي بعشاء فعرضت له هذه الآية: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٢، ١٣]، فقلصت يده وقال: ارفعوه. فقلنا: يا أبا سعيد تَهلُكَ تَضْعَفُ، فأصبح اليوم الثاني والثالث صائمًا، فذهب ابنه إلى يحيى البكاء وثابت البناني ويزيد الضبي، فقال: أدركوا أبي فإنه هالك، فلم يزالوا به حتى سقوه شربة من سويق" (٢). حدثنا الحسن بن موسى قال: سمعت معمَّرًا يذكر عن أبيه أنه كان يأتي عطاء السلمي فيدعوا [ق ٣٣ / ب] لكي يلتمس بركة عطاء أن يؤمن علي دعائه، قال: وكان قد امتنع من الطعام من الخوف إنما يحسوا الشيء من السويق وغيره (٣). قال: دخل عبيد (٤) الله بن الوليد التيمي على حبابة التيمية، فقدَّمَت إليه خبزِ أو سمنًا وعسلاً، قال: يا حبابة مخافتي أن يكون بعد هذا الضريع فمازال يبكي وتبكي حتّى قام ولم يأكل (٥). حدثنا سفيان قال: شوى نافع بن جبي دجاجةً، فلما وُضعَت بين يديه جاء مسكين، فقال ارفعوها إليه، فرفعت إليه، فقيل له: ما أردتَ بها؟ قال: أردتُ ما [هو] (٦) خير منها (٧).

стр. 88

حدثنا سوار بن عبد الله قال: "كنّا مع عمرو بن درهم في بعض السواحل، وكان لا يأكل إلا من السحر إلى السحر، فجئناه بطعام، فلمّا رفع اللقمة إلى فيه سمع بعض المتهجدين وهو يقرأ هذه الآية ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦]، فعشي عليه وسقطت اللقمة من يده ولم يفق إلى بعد طلوع الفجر، فمكث كذلك سبعًا لا يأكل شيئًا كلما قرب إليه الطعام عرضت له الآية، فيقوم ولا يأكل شيئًا، فاجتمع أصحابه فقالوا: سبحان الله تقتل نفسك فلم يزالوا به حتى أصاب شيئًا" (١). حدثنا مسلم العباداني (٢) [ق ٣٤ /أ] أنه قال: قدم علينا مرة: صالح المري وعبد الواحد بن زيد [وعتبة الغلام] وسلمة الأسواري، فنزلوا على الساحل فهيأت ذات ليلةٍ طعامًا ودعوتهم إليه، فجاءوا إليه، فلما وضعت الطعام إذا قائل يقول: وَتُلْهِيكَ عَنْ دَارِ الْخُلُودِ مَطَاعِمٌ ... وَلَذَّةُ نَفْسٍ غَيُّهَا غَيْرُ نَافِعِ (٣) قال: فصاح عتبة صيحةً وسقط مغشيًا عليه، وبكى القوم فرفعنا الطعام وما ذاقوا والله منه لقمةً (٤). حدثنا إبراهيم بن أبي سنان العابد قال: قدمت بعض السواحل مرابطًا، فقيل: إنّ هاهنا رجل لا يطعم إلا من الجمعة للجمعة. قلت: فأيّ شيء طعامه إذا طعمه قالوا: تسع تمرات وكفّ من شعير يعجنها جميعًا بالماء، ثم يأكل فهو إلى الجمعة، وقد كان يصوم النهار، فإذا كان الليل أفطر فرأى في منامه رؤيا هالته، فأخذ في الجدّ والاجتهاد. قلت: وما رأى؟ قال: آتاه آتٍ في منامه فقال شعرا: تجوع فإن الجوع يورث أهله ... موارد خير [و] الدهر دائم ولا تك ذا بطن رغيب وشهوة ... فتصبح في الدنيا وعقلك هائم

стр. 89

وتصبح في شغل [عن] الدين متشاغلاً ... للأكل في الدنيا تعيش البهائم" (١) ألا فتدبّروا صفات هؤلاء (٢) السادة، وتشبّهوا بهم، فمن تشبه بقوم فهو منهم (٣) ومن أحب قومًا حشر (٤) معهم. (٥) [ق ٣٤ / ب]

стр. 90

فصل وروي أن عبد الرحمن بن زيد رحمة الله عليه قال: "وصف أهل الجنة بالبكاء والحزن والوجل والخوف ووصف أهل النار بالضحك والسرور والتفكّه حتى يعلم أن حُلْوَاتِ (١) الدنيا مرارات الآخرة، ومرارات الدنيا حُلْوَاتِ الآخرة" (٢). ألا فمن رأيتم فيه وصف أهل الجنة فأحبّوه لله ، ومن رأيتم فيه وصف أهل النار فأبغضوه لله ، ولا تحسنوا إليه خصوصًا إذا كان يشار إليه بالصلاح، فإنه زنديق ملعون (٣). وروي أن علقمة بن مرثد قال في سيرة الحسن البصري ﵀: "ما رأيت أحدًا من الناس أطول حزنًا منه ما كنَّا نراه إلا حديث عهد بمصيبة". ثم قال الحسن: "نضحك ولا تدري لعلّ الله تعالى [قد] أطلع [على] (٤) بعض أعمال لنا فقال لا أقبل منكم شيئًا" (٥). وروي أن ناسًا من أهل دمشق أتوا أبا مسلم الخولاني ﵀ في منزله غازيًا أرض الروم، فوجدوه قد حفر في فسطاط جوبة، ووضع في الجوبة نطعًا، وأفرغ فيه الماء، فهو ينطل فيه (٦) و [هو] (٧) صائم، فقال له النفر: ما يحملك على الصيام وأنت مسافر وقد رخّص لك في الفطر في السفر؟ قال: لو حضر قتال [ق ٣٥ /أ] لأفطرت وتقوّيتُ للقتال، إن الخيل لا تجري [إلى] (٨) الغايات وهي بدنٍ إنما تجري ومع ضمر إن بين يدي الساعة أيام (٩) لها نعمل (١٠). وروي أن عامر بن [عبد] (١١)

стр. 91

قيس ﵀ كان إذا صلّى الصبح تنحى في ناحية المسجد، وقال: من أُقرئه فيأتيه قوم فيقرئهم حتى إذا طلعت الشمس وأمكنت الصلاة قام يصلي [إلى] إن ينتصف النهار، ثم يرجع إلى منزله، فإذا زالت الشمس أتى المسجد فيصلي حتى يصلّي العصر، فإذا صلى العصر تنحى إلى ناحية المسجد وقال: من أقرئه فيأتيه قوم فيقرئهم حتى إذا غابت الشمس وصلى المغرب لا يزال يصلي حتى يصلي العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى منزله فيتناول أحد رغيفيه فيأكله، ثم يهجع (١) هجعة خفيفة، ثم يقوم، فإذا كان وقت

стр. 92

السحر تناول رغيفه الآخر فأكله وشرب عليه شربة من الماء، ثم يخرج إلى المسجد (١). وروي أن منصور بن زادان ﵀ كان يعمل هذا ويفضله بخصلة لا يبيت كل ليلة حتى يبلّ عمامته بدموعه، ثم يضعها (٢). وعن ثابت البناني ﵁ أنه قال: "ما في المسجد سارية إلا وقد ختمتُ القرآن عندها وبكيت عندها" (٣). [ق ٣٥ / ب] وروي عن ابنه محمد رحمهما الله أنه قال: "ذهبت ألقن أبي وهو في النزع، فقلت له: يا أبه قل (لا إله إلا الله) فقال: يا بني كف عني؟ فإني في الوِرْد السادس أو السابع" (٤). وروي أن حجير بن الربيع ﵀ كان يصلي حتى ما يأتي فراشه إلا زحفًا وما يعدّوه من أعبدهم (٥). وروي أن الشافعي ﵀ كان يقرأ في كلّ شهر ثلاثين ختمة، وفي كل شهر رمضان ستين ختمة (٦).

стр. 93

وروي أن عبد العزيز قال: قلت لعمر بن هانئ رحمهما الله: "أرى لسانك لا يفتر عن ذكر الله ! فكم تسبّح كل يوم؟ قال: مائة ألف إلا أن تخطئ الأصابع" (١). عن محمد بن فضيل أنه قال: رأيت ابن طارق (٢) ﵀ في الطواف قد انفرج له أهل الطواف وعليه نعلاه مطرقتان (٣) فحرّزوا طوافه في ذلك الزمان فإذا هو يطوف في اليوم والليلة عشر فراسخ (٤). عن معاذة العدوية أو رابعة العدوية رحمهما الله أنها كانت إذا جاء النهار قالت: "هذا يومي الذي أموت فيه، فما تنام حتى يمسي، وإذا جاء الليل قالت: هذه ليلتي التي أموت فيها، فما تنام حتى تصبح، وإذا جاء البرد لبست الثياب الرقاق حتى يمنعها البرد من النوم" (٥). عن نافع عن ابن عمر ﵄ [ق ٣٦ /أ] "أنه خرج في بعض المدينة هو وأصحاب له فوضعوا سفرة لهم، فمرّ بهم راعٍ فقال له ابن عمر: هلم! قال: إني صائم. فقال: في مثل هذا اليوم الصائف وأنت في مثل هذه الشعب! قال: والله إني أبادر الأيام الخالية" (٦).

стр. 94

وقد روي عن روح بن زنباع ﵁ أنه نزل منزلاً، فإذا هو براعٍ قال: هلمّ! فقال: إني صائم. قال: أفي هذا الحرّ؟ قال: أفأدّع أيّامي تذهب باطلاً؟ فقال روح: لقد ضننت بأيّامك يا راع ... حين جاد بها روح بن زنباع (١).

стр. 95

وروي أن منصور بن المعتمر ﵀ أربعين سنة قام ليلها وصام نهارها، وكان يبكي فتقول أمّه: يا بُنيّ أقتلت قتيلاً؟ فيقول: أنا أعلم بما صنعتُ بنفسي، فإذا أصبح كحل عينيه ودهن رأسه وبرق شفتيه وخرج إلى الناس. (١) وروي أن أبا بشر قال: "كانت جارة لمنصور المعتمر ﵀ وكانت لها بنتان لا تصعدان السطح إلا بعد ما ينام الناس، فقالت احديهما: يا أماه ما فعلتُ القائمة التي كانت أراها في سطح فلان. قالت: يا بنت ما كانت تلك قائمة إنما كان منصورًا يحيي الليل كله في ركعة واحدة ولا يسجد" (٢). وروي أن أبا بكر بن عياش ﵀ لما حضرته [ق ٣٦ / ب] الوفاة بكتْ أخته فقال: "لا تبكي وأشار إلى زاوية في البيت فقد ختم أخوك في تلك الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة" (٣). وروي أن مسروق ﵀ حج فما نام إلا ساجدًا (٤)، وحج الأسود ﵀ ثمانين حجة وعمرة، وكان الأسود يجهد نفسه في الصوم والعبادة حتى يخضر لونه ويصفر، وكان علقمة يقول له: كم تعذب هذا الجسد؟ فيقول: إن الأمر جدّ (٥).

стр. 96

وروي عن عطاء بن السائب قال: كان مرة (١) يصلي (٢) في كل يوم وليلة ألف ركعة، فلما ثقل وبدن صلى أربعمائة ركعة، وكنت أنظر إلى مباركه كأنها مبارك الإبل (٣). وروي أن أصبغ بن زيد (٤) ﵀ قال: كان أويس القرني ﵀ إذا أمسى قال: هذه ليلة الركوع والسجود، فيركع ويسجد حتى يصبح (٥). وروي عن محمد بن إسحاق ﵀ أنه قال: قدم علينا عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد حاجًّا، فاعتلّت إحدى قدمَيه، فقام يصلي حتى أصبح على قدم واحدة، وصلى الصبح بوضوء العشاء وقدم علينا ليث بن

стр. 97

أبي سليم، فصنع مثله (١). وروي عن معتمر بن سليمان ﵀ أنه [حدث عن أبيه أنه] (٢) مكث أربعين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا ويصلي الصبح بوضوء العشاء (٣). [ق ٣٧ /أ] وبلغنا عن رقبة بن مصقلة رحمة الله عليه أنه قال: رأيت ربّ العزة في المنام فقال: يا رقبة! وعزتي وجلالي لأكرمنّ مثوى سليمان التيمي فإنه صلى أربعين سنة الغداة على طهر العتمة (٤). وروي أن عبد الواحد ﵀ صلى الغداة بوضوء العتمة أربعين سنة (٥). وروي أن كهمسا ﵀ كان يصلي ألف ركعة في اليوم والليل، فإذا فرغ قال لنفسه: قومي يا مأوى كل سوء! فوالله ما رضيتك لله تعالى ساعةً قطّ (٦). وأقول: هذي عبادات الذين تقدَموا ... من سادة كان الصلاح شعارهم، هذي عبادتهم وهذي جهدهم ... في دينهم ما يستقرّ قرارهم فاسلك سبيلهم يا طالبًا ... متطلّبًا متتبعًا آثارهم وإذا رأيت مخالفين فعالهم ... فيما أضلّ هلاكهم ودمارهم فاحكم عليهم بالضلالة والعمى ... قطعًا يقينًا لا شكَّ بوارهم (٧) يا من غدا متتبعًا آثارهم ... طوبا [لـ]ـأنك في لحوقك جارهم في جنة الفردوس غدًا مسكنهم ... طوبى لهم دار المقامة دارهم

стр. 98

ألا فيتأسى المتأسي بهؤلاء السادة الأبرار والقادة الأخيار من المشايخ والفقراء وأهل العلم والعبادات والكرامات [ق ٣٧ / ب] وبالأولياء لا بالمنافقين المخالفين الغوغاء أهل الزيغ والضلالة الظلماء الذين لهم صيت وذكر عند الملوك والسلاطين والأمراء والأغنياء، وعند العامة الذين هم أهل الجهل والعمى والخلاف للعلماء الذين مقتهم آلة الأرض والسماء. والعامة اسم مشتق من العمى ما رضي الله أن يشبه بالأنعام حتى قال عز من قائل: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤]. فصل وروي أن محمد بن عبد العزيز العبّاسي رحمة الله عليه قال: مضيت يومًا في صحبة خالي إلى عثمان بن عيسى الباقلاء، فتلقيناه خارجًا من المسجد إلى داره، فإذا هو شيخ كبير، فقال له خالي: أدع الله لي! قال: يا أبا عبد الله شغلتني انظر ما تظنه فيّ فاجعله فيك، وأدع الله لي! قلت له أنا: بالله أدع الله لي! فقال: رفق الله بك، فاستزدته، فقال: الزمان يذهب والصحائف تختم، وعثمان بن عيسى ﵀ كان دائم الذكر، وكان يقول: إذا كان وقت غروب الشمس أحسست بروحي كأنها تخرج لاشتغاله في تلك الساعة بالإفطار عن الذكر (١). وروي أن نفرًا من القراء (٢) دخلوا على زجلة العابدة ﵏، فكلّموها في الرفق [ق ٣٨ /أ] بنفسها، فقالت: ما لي [و] (٣) الرفق بها إنما هي أيّام مبادرة، فمن فاته اليوم شيئًا لم يدركه غدًا، والله يا أخواتاه لأصليّن له مهما أقلتني جوارحي ولأصومنّ له أيّام حياتي ولأبكين ما حملت الماء عيناي، ثم قالت أيّكم يكون له عبد يأمره بأمر فيحبّ أن يقصّر فيه (٤). وأقول شعرا: يا سادة وسط الحُشاشة (٥) خيموا ... رفقا (٦) فديتم بالكئيب فديتم وسقيتم ورعيتم (٧) ووقيتم ... وكفيتم وحميتم وهديتم أبعدتم غَبِيّ (٨) لبعد سيرتي ... ما القرب منها أو أراكم عدتم أفسدتم نظري عليّ فلا أرى ... من بعدكم حسنًا بما غبتم فدعوا ملامي ليس يجمل أن ترى ... عين الرضا والسخط أحسن منكم فلئن نظرت إلى جمال سواكم ... فالذنب لي لا تجرعوا إن ملتم ها قد رضيتُ بحكمكم ما تحكموا ... أو تبعثُ في شرع الهواء ما قلتم لا تحسبوا إني أحول عن الذي ... ما بيننا يا ساداتي لو حلتم حاشا وكلا أن يخون دمامكم ... عبدًا محبًا جرتم وعدلتم

стр. 99

ألا فاعتبروا بقوم كانوا هذه حالهم وهذه سيرتهم واجتهادهم كيف يحل لقائل يقول أنهم كانوا يرقصون ويستمعون إلى الغناء والطرب والشبابات بحضرة أحداث المرد المغنين، ألا ومن استبصر [ق ٣٨ / ب] من أبناء الملوك فرأى عيب الدنيا ونقص كمالها وفنائها وسرعة انتقالها ووشيك رحلتها وزوالها إبراهيم بن أدهم بن منصور من أبناء الملوك خراسان من كورة بلخ، ولما زهد في الدنيا عن ثمانين سريرًا قال إبراهيم بن بشار: سألت إبراهيم بن أدهم ﵀ كيف كان بدأُ أمرك حتى صرتَ إلى هذا؟ فقال: غير هذا أولى بك. فقلت: يرحمك الله لعل الله أن ينفعني به يومًا. ثم سألت ثانية فقال: ويحك اشتغل بالله ، ثم سألت ثالثة فقلت: إن رأيت يرحمك الله أن تخبرني لعل الله تعالى ينفعني به! قال: كان أبي من ملوك خراسان، وكنتُ من المياسير، وكان قد حبّب إليّ الصيد، فبينا أنا راكب فرسي وكلبي معي، وأنا أطرد ذئبًا أو أرنبًا، فحركتُ فرسي نحوه وراءه، فسمعت نداء من ورائي: يا إبراهيم ليس لهذا خُلقت، ولا بهذا أُمرت، فوفقت أنظر يمنةً ويسرةً فلم أر أحدًا، فقلت في نفسي: لعن الله الشيطان، ثم حركت فرسي فسمعت نداءً أعلى من الأول وهو يقول: يا إبراهيم ما لهذا خُلقت ولا بهذا أمرت، فوقفتُ مقشعِّرًا انظر يمنةً ويسرةً فلم أر أحدًا [ق ٣٩ /أ] فقلت: لعن الله الشيطان، ثم حركت فرسي فسمعت من قربوس (١) سَرْجي: يا إبراهيم ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت، فوقفت وقلت: هيهات جاءني النذير من ربّ العالمين، والله لا عَصيتُ ربي ما عصمني بعد يومي هذا، فتوجّهت إلى أهلي وخلفتُ فرسي وجئت إلى بعض رعاة أبي فأخذت جُّبّة وكساء وألقيتُ إليه ثيابي، ولم أزل أرض ترفعني وأرض تضعني حتى صرت إلى العراق، فعملت به أيَّامًا فلم يصف لي شيء من الحلال، فسألت بعض المشايخ عن الحلال، فقال لي: عليك بالشام، فانصرفتُ إلى مدينة يقال لها المنصورة (٢)

стр. 100

وهي المصيصة، فعملت أيَّامًا، فلم يصف لي شيء من الحلال، فسألت أيضًا بعض المشايخ فقال لي: إن أردت الحلال فعليك بطرسوس فإنّ المباحات فيها والعمل كثير، قال: فدخلتُها، فبينما أنا قاعد على باب البحر؛ إذ جاءني رجل فاكتراني انظر له بستانًا، فتوجهت معه فكنت في البستان أيامًا كثيرة، فلما كان في بعض الأيّام إذ أتى بخادم قد أظل ومعه أصحاب له، ولو علمتُ أنّ البستان للخادم أي للجندي ما نظرته [ق ٣٩ / ب] فقعد في مجلسه، ثم قال: يا ناظورنا! فأجبتُهُ. قال: اذهب فأتنا بأكبر رمّان تقدر عليه وأطيبه، فأتيته به فأخذ الخادم الرّمَّان وكسر رمّانةً، فوجدها حامضة، فقال: يا ناظورنا ما أنت منذ كذا وكذا في بستاننا تأكل من فاكهتنا ورمّاننا لا تعرف الحلو من الحامض. قلت: والله ما أكلتُ من فاكهتكم، ولا أعرف الحلو من الحامض. قال: فغمز الخادم أصحابَه وقال: ألا تعجبون من هذا! ثم قال: لو كنت إبراهيم بن أدهم ما (١) زاد على هذا، فلمّا كان من الغد حدث الناس بالصفة في المسجد، فجاء الناس عنقًا إلى البستان، فلمَّا رأيت كثرة الناس اختفيت والناس داخلون وأنا هارب عنهم" وكان إبراهيم ﵀ يأكل من عمل يديه مثل الحصاد، وعمل البساتين والعمل في الطين وشبه ذلك، وكان يومًا يحفظ كرمًا فمرّ جنديّ فقال: أعطنا من هذا العنب. قال: ما أمرني بذلك صاحبه، فأخذ يضربه بالسّوط فطأطأ رأسه وقال: اضرب رأسًا طال ما عصى الله ، فأعجز الرجل ومضى وتركه (٢). ألا فهل رأيتم من مشايخكم وفقرائكم الذين تزعمون أنّهم من الأولياء والزّهاد؟ [ق ٤٠ /أ] وأنّهم من الصالحين العباد؟ وأنهم من أهل المكاشفات والكرامات مَن ضُرب رأسه يقول مثل ما قال إبراهيم بن أدهم. وقال سهل بن إبراهيم رحمهما الله إبراهيم بن أدهم رحمهما الله فمرضتُ، فأنفق عليّ جميع نفقته، فاشتهيتُ شهوةً فباع حماره، وأنفق عليّ ثمنه، فلمّا تماثلتُ قلت: يا إبراهيم أين الحمار؟ قال: بعناه. قلتُ: على ما أركب؟ قال: يا أخي على عنقي، فحملني ثلاث منازل رحمهما الله (٣).

стр. 101

هذا ما نقلته من كتاب محمد بن الوليد الفهري (١). وروي أن يونس بن سليمان البلخي ﵀ قال: كان إبراهيم بن أدهم ﵀ من الأشراف كثير المال والخدم، فخرج يومًا إلى الصيد مع الغلمان والخدم والموكب والجنائب والبزاة، فبينما في عمله ذلك أخذ براية وكلاب للصيد وهو على فرسه تركض به إذا هو بصوت من فوقه يا إبراهيم ما هذا العبث؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] اتق الله وعليك بالزاد ليوم الفاقة. قال: فنزل عن فرسه ورفض الدنيا وأخذ في عمل الآخرة (٢). وروي عن إبراهيم بن أدهم ﵁ أنه كان إذا سئل عن العلم جاء بالأدب (٣). وقال الإمام [ق ٤٠ / ب] أبو حنيفة ﵁: "يا إبراهيم! إنّك رزقتَ (٤) من العبادة شيئًا صالحًا فليكن العلم من بالك، فإنه رأس العبادة، وبه قوام الدين" (٥). وقيل لإبراهيم: ألا تحدّث فقد كان أصحابك محدّثون؟ فقال: كان همّي هدي العلماء وآدابهم (٦). وروي أن إبراهيم بن أدهم دخل على أبي جعفر المنصور فقال له أبو جعفر: ما عملُك؟ قال إبراهيم: نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

стр. 102

فقال له: اخرج عنِّي. فخرج وهو يقول: خذْ عن الناس جانبًا، واجعل الله صاحبًا (١). وروي أن رجلاً أتى إبراهيم بن أدهم فقال له: أنت إبراهيم؟ قال: نعم. فقال له: من أين معيشتك؟ قال: نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع (٢). وروي أن إبراهيم بن أدهم كان في سفر ومعه ثلاثة نفر، لدخلوا مسجدًا وكانت ليلة باردة ولم يكن لذلك المسجد باب تسُدٌّه، فلما كان وقت النوم ناموا وقام إبراهيم على الباب إلى الصباح فقالوا له: لم لا نمت؟ (٣) قال: خشيت أن يغشاكم البرد فقمت مكان الباب (٤)، فهؤلاء لو كانوا من أهل الإسلام لكان قدوتهم هؤلاء المذكورون، وأقول شعرا: [ق ٤١ /أ] أيُّها المرء إنَّ دنياك بحر ... قد طمسا موجُه فلا تقربنّها أصبح الراغبون فيها حيارى ... والحذار الحذار يا طالبنَّها وسبيل النجاة فيها بيّن ... وهو أخذ الكفاف والقوت منها بينما المرء مغرم في هواها ... لاهيًا في نعيمها يسلبنَّها فاجتنبها ولا تكن من بنيها ... إنّما الفوز في انتزاحِك عنها

стр. 103

وقرأت في المختصر من كتاب الحسن بن عبد الله العسكري (١) ﵀ أن إبراهيم بن أدهم ﵀ كان يستقي الماء بصورٍ للناس بالأجرة فإذا مرّ به جيش إلى مصر قطع الحبل لئلا يسقيهم، وكان يضربون رأسه ويستدلّون الطريق فيتخارس عليهم ولا يدل لهم (٢). قلت: وكان يفعل ذلك لئلا يكون من أعوان الظلمة، فكيف بأقوام يأكلون طعامهم ويطلبون منهم الدنيا بالدّين ويصادقونهم، فويل لهم ولمن زعم أنهم صالحون ولا يعتقد أنهم مفسدون فاسقون ما أسوء حالهم وأقوى ضلالهم، وما أبعدهم من أهل الحقّ وأبغضهم إليه، عافانا الله وإيَّاكم يا أخوتي مما ابتلى به خصومنا من القفازين أهل الحوادث في الدين. ألا فهؤلاء الجهّال هلا اتبعوا هؤلاء العبّاد من الشيوخ والفقراء فيما صحّ عنهم [ق ٤١ /ب] من إتباعهم للكتاب والسنة، ويتركوا ما قيل عن بعضهم من الشبهات مع أنّه لا يصحّ عن أحد من علماء الإسلام ولا عن عبّادهم وما ذكرناه من أخلاق المتقدّمين وآدابهم وسيرهم كله يدل على ضلالة قوم من أهل زماننا نبذوا بهم زورًا وبهتانًا واسمًا دون رسم؛ لأنهم خالفوا السلف الصالح عقدًا وقولاً وفعلاً. ألا فما ذكرناه من سيرتهم وطريقتهم ومجاهداتهم وغير ذلك من أفعالهم وأحوالهم وأقوالهم يقمع النفوس عن الرقص واستماع الغناء والشبابات، ويخمل الطباع عن النظر إلى المرد وغيرهم، ويقطع شهوات النفوس عن كل ما يؤذي القلوب ويفند عن علاّم الغيوب. ألا فاعتبروا وتدبّروا هذه القاعدة وليتأسى المتأسي منكم بالنبي ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم ومن بعدهم من التابعين لهم بإحسان رحمة الله عليهم أجمعين، عصمنا الله وإيّاكم من الفتن والبدع ما ظهر وما بطن وسلك بنا وبكم طريق الجدّ والورع، وأعاننا وإياكم على هول (٣) المطلع (٤)، وأعطانا وإيَّاكم الأمان يوم الفزع، إنه برٌّ رءوف رحيم.

стр. 104

ألا فإني لما رأيت ما ظهر [ق ٤٢ / أ] في بلاد الإسلام وشاع من نُوَيْسٍ (١) ينزوا بالمشايخ والفقراء من إكثار اللعب بالقضيب والرقص وصحبته إحداثِ المرد والجهّال غير متنزهين منه ولا منزّهين بقعة، ولا متحاشين من فعل ذلك مع ما أجمع أئمة الإسلام من العلماء والعبّاد على تجنّب ذلك، والإنكار على أهله وتفسيق فاعله إذا رآه حرامًا وتكفيره إذا رآه حلالاً على الوجه الذي هو المشهور بين هذه الطائفة من أبناء زماننا، ولم يخل في كلّ عصر من إمام عالم وشيخ صالح ينكر ذلك ويكرهه ويحذّر الجهّال والصبيان من أن يقعوا في فخوخ الملحدين وفي شباك معاندي الدّين فصنّفت في تحريم ذلك هذا الكتاب وفي بيان ضلال هذه الطائفة الخبيثة مختصرًا اقتداء بأئمة الإسلام من العلماء والعبّاد لعل الله أن يحشرنا وإيّاكم في زمرتهم إنه تعالى بنا وبكم خبير، وهو على كل شيء قدير. فصل في تحريم السماع بالكتاب والسنة والإجماع ألا فاستمعوا الآن ما أذكره من النصوص والبراهين من قول الله ومن قول رسوله ﷺ ، ومن أقوال الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم [ق ٤٢ /ب] أجمعين ومن أقوال الأئمة الأربعة المقتدين بهم رضوان الله تعالى عليهم في الردّ على هذه الطائفة أصلحها الله. فأما الردّ عليها من قول الله تعالى فآيات كثيرة: فمنها قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤]؛ لأنه تعالى نبّه على أسباب المهالك والخسران ومع مطلقة، فتجري عليهم بإطلاقها قاله أبو الليث الفقيه السمرقندي (٢) ﵀. ومنها قوله : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] أراد باللغو الغناء قاله الضحاك وعكرمة وقال عطاء: أراد كلما يُلهي.

стр. 105

ومنها قوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٥٩ - ٦١] أي وأنتم تغنّون بلغة حمير، ويقول أهل اليمن: سمد فلان إذا غنى قاله ابن عبّاس (١) ومجاهد (٢). ومنها قوله في حقّ إبليس اللعين: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]، وقال مجاهد: صوته الغناء والمزامير. ألا فكفى بقومٍ ضلالةً وخزيًا أن جعلوا صوت الشيطان عبادة الرحمن وأنهم أعمى وأضل من قوم عابهم الله [ق ٤٣ / أ] بقوله ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] قيل: المكاء: التصفير والتصدية: التصفيق. ومنها قوله : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] أي: لا يشهدون الغناء قاله محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية ومجاهد.

стр. 106

ومنها قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦] لهو الحديث: الغناء. قاله ابن العباس (١) وابن مسعود (٢) وابن عمر (٣)

стр. 107

وعكرمة والحسن البصري وقتادة وإبراهيم النخعي رضوان الله عليهم، وفي لفظ لابن عبّاس ﵁: "الباطلُ والغناء" (١). ولا شكّ ولا مرية عند ذوي البصائر والعقول أن لعب القضيب والرقص من اللهو ومن الباطل وسئل ابن مسعود ﵁ عن معنى هذه الآية فقال: "هو والذي لا إله إلا هو الغناء"، وفي لفظ قال: "والذي لا إله إلا هو الغناء، والذي لا إله إلا هو الغناء" (٢). وقال مجاهد: لهو الحديث الغناء والمغنية بالمال الكثير والاستماع إليها وإلى مثلها من الباطل، فذلك لهو الحديث يتخذها هزوًا ولحديث مجاهد طرق كثيرة، وبه يقول جماعة آخرون من أئمة الإسلام وعلمائهم أن لهو الحديث الغناء. وأكذب الله أهل الرقص والسماع بقوله: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] وبقوله [ق ٤٣ / ب] : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وبقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] إلى غير ذلك من الآيات الناطقة بتكذيب من أحدث في دين الله ما لم يأذن به الله تعالى ولا رسوله ﷺ .

стр. 108

وعمل هذه الطائفة الخبيثة شرع في دين الله غير مأذون به من الله وكل ما كان كذلك فهو مردود ومذموم لقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] فمن زعم أنَّ ما تفعل هذه الطائفة المحدثة من ضرب القضيب والتواجد والرقص واستماع الغناء والشبابات حسن ومندوب إليه يكون قد شرع في دين الله ما لم يأذن به الله ، والله قد منع ذلك وأبين من هذا أن من شرع شرعًا لم يأذن به فهو صاحب شرك؛ لأن اتّباع الشرع عبادة والمعبود رب فمن لا رب له إلا الله فهو لا يتبع إلا لربّه ، ولماء جاء عنه وعن رسوله ﷺ ، ومن له ربّ غير الله تعالى فإنّه متّبع له، ولما شرع عنه فمعبود أهل الرقص والسماع من شرع لهم الرقص والسماع أعاذنا الله وإيّاكم [ق ٤٤ /أ] من ذلك. وقد جاء في القرآن النهي عن الرقص قال الله : ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧] وقد ذمّ الله المختال ونهى عن الرقص أشد من الخيلاء وأشدّ من المرح والبطر. أولسنا قسنا النبيذ على الخمر لاتفاقهما في السكر، فما لنا لا نقيس القضيب وتلحين الشعر معه على الطنبور والمزمار والطبل؛ لاجتماعهم في الإطراب وهل يحسن يا إخواني بمن يريد الموت والسؤال والحشر والصراط، ثم صائر إلى إحدى الدارين أن يشمص بالرقص تشميص البهائم (١)، ويصفق تصفيق النسوة عند حضور المرد ألا وهل شيء يرزي (٢)

стр. 109

بذوي العقل والوقار ويخرجهم عن سمت الحلم والأدب بأقبح من ذي لحية أن ينفذ كالدب عند استماع الأغاني خصوصًا إذا كان ذا شيبة على وقاع الألحان مع الاستماع إلى أصوات الأغاني من النساء والمرادان فإذا تمكن الطرب منهم في حال رفضهم جذب أحدهم بعد الجلوس ليقوم معه ولا يجوز على مذهبهم الخبيث للمجذب أن يقعد، فإذا قام قام الباقون تبعًا له، وإذا كشف رأسه كشف الباقون رؤوسهم موافقة له، وهذا قبيح وجهل منهم [ق ٤٤ / ب] شرع لهم هذا القبيح ولا يخفى على عاقل أن كشف الرأس مستقبح، وفيه إسقاط مروءة وترك أدب، وما ذاك إلا من هوى نفوسهم الخبيثة استحوذ عليهم، فاستفزهم، أعاذنا الله إيّاكم يا إخواني مما يصم وبصرنا وإياكم بما يعصم (١)، وأقول شعرا: شيوخ الخبز باللهو استطالوا ... وأمكنهم مقالهم فقالوا وكثر من سوادهم أناس ... دعاهم حظّ أنفسهم فمالوا قد اتبعوا شيوخ الخبز قومًا ... إذا رأوا الطبيخ عليه صالوا تراهم دائرين على القُرايَا ... إذا ما جال أشقاهم وجالوا على هوائهم تبعوه طرا ... وكل مآل جهل فيه آلوا أطاعوه على فعل المناهي ... وطال بهم وهم إذ ذاك طالوا غدوا سكرى خَبارَى تابعوه ... قد ارتكبوا الحرام ولم يبالوا بما تبعوا لدجال كذوب ... عليهم مستحيل ما استحالوا وقد خسروا به ما لم يتوبوا ... نصوحًا توبة لله نالوا

стр. 110

فصل وأما من قول النبي ﷺ في الرد على هذه الطائفة الخبيثة أخبار كثير فمنها ما صح وثبت عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال: "من دخل ديننا ما ليس منه فهو ردٌّ" وفي لفظ [ق ٤٥ /أ] قال: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" وفي لفظ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١). ألا والذي أنكرناه على هذه الطائفة الخبيثة حدث وفعل وأمر وعمل قد أدخل في ديننا ما ليس منه [ولا] (٢) عليه أمر نبينا ﷺ لما دانوا ما أنكرناه على الطائفة الخبيثة، وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما وهو أحد الأحاديث الأربعة التي قال أبو داود مدار الإسلام عليها. ألا فكلما أحدثه لما أحدثه (٣) لم يسنده إلى نصٍّ كتاب منزل أو إلى أمر رسول مرسل فهو مردود على محدثه مذموم بإحداثه ذلك، متهم في دينه ساقط العدالة بفعله، ممقوت عند ربه، وعند صالحي [المؤمنين] وصح وثبت أن رسول الله ﷺ [قال]: "لعن الله من آوى محدثا" (٤)،
следующие страницы →