← История

История · id 9911

تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية

محمد سهيل طقوش

Полный текст (492 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

سكان العاصمة، القسطنطينة بالتطوع للقتال، ولم يكتف بذلك، بل كتب إلى رومة عاصمة الإمبراطورية الرومانية الغربية يطلب نجدة عاجلة تساعده على التخلص من موقفه العصيب، إلا أنه واجه عدة صعاب في جمع فلول جيوشه، وتجنيد أعداد من المرتزقة والأرمن، وبعض نصارى العرب في الوقت الذي كان يعاني من نفاد المال، والإرهاق الشديد، بعد الجهد الذي بذله بصورة متواصلة طوال أربعة عشر عامًا منذ خروجه في عام ٦٢٢م من القسطنطينية. وبعد جهد سريع، استطاع أن يجمع جيشًا يفوق تعداده مائة ألف مقاتل١، وضم: - وحدات بيزنطية نظامية، وطبيعي أنها تتألف من مقاتلين غير عرب. - فرقًا من أنطاكية وقنسرين وحلب، وأغلب الظن أنهم من السكان الوطنيين غير العرب، والذين كانوا على النصرانية. - اثني عشر ألف مقاتل من رجال القبائل العربية المنتصرة المقيمة في بلاد الشام بقيادة الأمير الغساني جبلة بن الأيهم، وبينهم مقاتلين من لخم وجذام، والقين وبلي، وعاملة بالإضافة إلى غسان، وقبائل أخرى من قضاعة، والمعروف أن المعركة وقعت في منطقة كانت تابعة للغساسنة، وأن هؤلاء لم يرضوا عن سيطرة المسلمين عليها، ومن ثم فقد كانوا مشاركين مهمين في المعركة، وعين على هذا الجيش قائدًا أرمينيًا هو باهان كان يدين بالنصرانية، وانخرط في الجيش البيزنطي. وواضح من كل ما سبق أن الرابطة التي كانت تؤلف بين أفراد هذا الجيش هي: - الهوية البيزنطية كهوية سياسية. - النصرانية كانتماء ديني٢. وأحاط الحملة بهالة من الضخامة والدعاية، مما جعلها تتخذ طابعًا صليبيًا. وضع هرقل خطته العسكرية على أساس ضرب كل قائد من قادة المسلمين

стр. 247

المتفرقين في الجنوب، على حدة، فخرج الجيش البيزنطي من أنطاكية متوجهًا نحو الجنوب، حتى إذا اقترب من حمص انسحب المسلمون من أمامه، فتعقبهم حينًا، وسابقهم أحيانًا حتى استقر في أذهان أفراده أن المسلمين يريدون الانصراف عن بلاد الشام، ثم واصل تقدمه خلال وادي البقاع إلى بعلبك، ولم يتوجه بعد ذلك إلى دمشق التي تجمع فيها المسلمون، وإنما توجه نحو الحولة في حركة التفاف تستهدف تطويق هؤلاء على ما يبدو، وقطع اتصالاتهم مع الجنوب حيث سائر جيوشهم بسواد الأردن ونواحيها، ومع التفوق العددي للجيش البيزنطي يصبح هذا الوضع بالغ الخطورة. ثم حدث أن غادر الجيش البيزنطي المنطقة، وتوجه نحو فلسطين حيث تجمع المسلمون في اليرموك بعد أن أخلوا منطقة شمالي بلاد الشام، وعسكر أفراده شرق وادي علان، أو العلك ابتداء من الضفة الشمالية لليرموك، ونحو الشمال، وانتشروا في العمق غربًا باتجاه وادي الرقاد، وامتدوا من اليرموك جنوبًا مرورًا بسحم الجولان، فتسيل حتى غرب نون شمالًا بحيث استندت مؤخرتهم على الضفة الشرقية لوادي الرقاد غربًا، واستندت ميمنتهم على الضفة الشمالية لنهر اليرموك جنوبًا، أما ميسرتهم، فظلت طليقة باتجاه الشمال، وبهذا التمركز حشروا أنفسهم بين وادي الرقاد غربًا، ووادي اليرموك جنوبًا إلا أن طريق الشمال ظلت مفتوحة أمامهم، فكانت الإمدادات تصل إليهم، عبرها، ويتصلون من خلالها بقيادتهم العليا في أنطاكية، وكانت نقطة ضعفهم أنه كان من اليسير على المسلمين الالتفاف على مسيرتهم، وسد المنفذ الوحيد الذي يصلهم بداخل بلاد الشام، وبالتالي بعاصمتهم وقيادتهم١. استعدادات التجهيز من جانب المسلمين: علم أبو عبيدة بواسطة الجواسيس التي بثها بين البيزنطيين بهذا الحشد الضخم، فعقد اجتماعًا فوريًا لقادته للتشاور، فتقرر أن يغادر المسلمون حمص إلى دمشق حيث يوجند خالد؛ ولأنها أقرب إلى حدود الجزيرة العربية. كان أبو عبيدة قد استعمل حبيبًا بن مسلمة على خراج حمص، فأرسل إليه كتابًا يقول فيه: "أردد على القوم الذين صالحناهم من أهل البلد ما كنا أخذنا منهم، فإنه لا ينبغي لنا إذا لم نمنعهم أن نأخذ منهم شيئًا، وقل لهم نحن على ما كنا عليه فيما بيننا، وبينكم من الصلح لا نرجع فيه إلا أن ترجعوا عنه، وإنما ردنا عليكم أموالكم أنا

стр. 248

كرهنا أن نأخذ أموالكم، ولا تمنع بلادكم، ولكنا نتنحى إلى بعض الأرض، ونبعث إلى إخواننا، فيتقدموا علينا ثم نلقي عدونا فنقاتلهم، فإن أظفرنا الله بهم وفينا لكم بعهدكم إلا أن لا تطلبوا ذلك"١. نفذ حبيب أمر أبي عبيدة ورد للقوم ما كان قد أخذه منهم من الجزية، وقد تأثر أهل حمص بهذا الموقف، وقد أشرنا إلى رد فعلهم في فصل سابق. والواقع أن هذا التدبير لم يقتصر على أهل حمص فقط، بل شمل كافة المدن والقرى المفتوحة التي وقعت عهودًا مع المسلمين، فقد كتب أبو عبيدة إلى كافة عمالة أن يردوا الجزية التي حصلوا عليها إلى أصحابها٢. ومهما يكن من أمر، فقد أمر أبو عبيدة برحيل جيش المسلمين إلى دمشق وأخبر عمر بذلك، تألم الخليفة من رحيل المسلمين عن حمص خوفًا من البيزنطيين، وتركوا أرضًا فتحها الله عليهم، ولكنه اطمأن عندما علم أن هذا التدبير جاء عن إجماع القادة، وأمد أبا عبيدة بقوة عسكرية إضافية بقيادة سعيد بن عامر. أزال هذا التطور العسكري على الأرض الرعب من قلوب سكان بعض الأقاليم المفتوحة، فنقضوا عهودهم مع المسلمين، وأثاروا الاضطرابات ضدهم. وشهدت مناطق الأردن، وفلسطين ثورات عاتبة أثرت سلبًا على الوجود الإسلامي، وقد رفع عمرو بن العاص تقريرًا بذلك إلى أبي عبيدة، مما استدعى عقد اجتماع آخر للقادة قرروا فيه الخروج إلى الجابية، واستدعاء عمرو بن العاص للانضمام إليهم، ثم يتهيأون للقتال، وهكذا قرر القادة المسلمون الصمود، والمقاومة على أرض الشام٣. وفوض أبو عبيدة في هذه الأثناء سلطانه إلى خالد٤، إذ كان أقدر القادة في تحمل مسئوليات المهمات الصعبة، فاختار اليرموك مركزًا لتجمع القوات، ومن الواضح أن اختيار ذلك المكان إنما جاء خشية المسلمين في ذلك الدور من عملية إنزال بحري يقوم بها البيزنطيون، الأمر الذي يجبرهم على الاحتماء بداخل البلاد، هذا فضلًا على أنه يمكنهم من الانسحاب في حال الضرورة إلى داخل الصحراء العربية، والمعروف أن قوى البيزنطيين كانت تسيطر على البحر المتوسط. وصل المسلمون إلى اليرموك، فوجدوا البيزنطيين قد سبقوهم إليه، فنزلوا عليهم

стр. 249

بحذائهم وعلى طريقهم، إذ ليس للبيزنطيين طريق إلا عليهم١، وقد بلغ عددهم ستة وثلاثون ألف مقاتل٢، والواقع أن خالدًا تمركز بجيشه قبالة البيزنطيين. غرب وادي الهرير ابتداء من الضفة الشمالية لليرموك، ونحو الشمال، وانتشر في العمق شرقًا باتجاه وادي الهرير، وامتد عسكره من تل الأشعري عند مجرى اليرموك جنوبًا حتى غرب جلين، فشرق سحم الجولان، وتسيل ونوى شمالًا؛ بحيث استندت مؤخرته على وادي الهرير شرقًا، واستندت ميسرته على اليرموك جنوبًا، أما ميمنته، فظلت طليقة باتجاه شمال نوى٣، فسد بذلك على البيزنطيين منفذهم الوحيد إلى الشمال. استعدادات القتال: عبأ باهان جيشه كعادة البيزنطيين في ذلك العهد في كراديس، كل كردوس مؤلف من ستمائة جندي، وفي فرق كل فرقة مؤلفة من عشرة كراديس، ورتب هذه الكراديس في ثلاثة خطوط، فوضع أربعة كراديس في الخط الأول، وثلاثة في كل من الخطين الثاني والثالث، ثم وضع الرماة في المقدمة، والخيالة في الجناحين، وبهذه التعبئة شكلت كراديس المشاة قلب الجيش الذي رتب ثلاثين خطًا، وأوكل إلى كل من هذه القوى مهمات قتالية محددة، ووضع القساوسة أمام كل خط يحملون الصلبان في أيديهم لبث الحماس في نفوسهم الجند، وفعلًا دفع الحماس ببعض الجند أن ثلاثين ألفًا منهم وضعوا القيود في أرجلهم، حتى لا تراودهم فكرة الانسحاب٤. أما المسلمون، فإنه لم يكن لهم تنظيم عسكري حديث قبل اليرموك، بل كانوا يتبعون تنظيم الخميس، وهو الذي عرفه العرب في حروبهم السابقة كأمة دون أن يعرفوا تنظيم الكراديس، لكن خالدًا عرف بفطنته العسكرية أن جيشه بحاجة إلى تنظيم جديد يضاهي تنظيم البيزنطيين حتى يتمكن من مجابهتهم، فلم يجد أفضل من تنظيمهم لقتالهم به، وهكذا اعتمد المسلمون لأول مرة في تاريخ الحروب الإسلامية تنظيم الكراديس مع تنظيم الخميس مجتمعين، وهو ما سمي بـ"التعبئة الخالدية"٥، فعبأ خالد جيشه، مشاة وخيالة في ستة وثلاثين كردوسًا، كل كردوس مؤلف من ألف مقاتل، ثم في فرق، كل فرقة مؤلفة من عدد من الكراديس يتراوح بين عشرة وعشرين كردوسًا، وذلك على أساس التجمعات القبلية، نظرًا لما يقاتل به العرب

стр. 250

خريطة تقدم الروم إلى المسلمين

стр. 251

مجتمعين من روح عصبية قبلية على الرغم من إسلامهم، ونشرها على امتداد الجبهة، وأبقى لديه احتياطًا من الخيالة المتحركة، وضعها بإمرته كان ضرار بن الأزور من بين قادتها١، كما وضع النساء في المؤخرة وراء خطوط المقاتلين للعناية بالجرحى، والمرضى وسقاية المقاتلين أثناء القتال، وتشجيعهم وإثارة حماسهم، ورد الرجال الفارين إلى المعركة، وجاء التنظيم على الشكل التالي: - القلب: ستة عشر كردوسًا بقيادة أبي عبيدة، ومعه عكرمة بن أبي جهل، والقعقاع بن عمرو. - الميمنة: عشرة كراديس بقيادة عمرو بن العاص، ومعه شرحبيل بن حسنة. - الميسرة: عشرة كراديس بقيادة يزيد بن أبي سفيان. - المقدمة: بقيادة قباث بن الأشيم، وهي عبارة عن فرقة قليلة العدد نسبيًا مهمتها مراقبة تحركات العدو، والمحافظة على التماس معه. - المؤخرة: بقيادة سعيد بن زهير ومعه خمسائة فارس، ومهمته قيادة الظعن وحمايتهن. كان خالد أبعد نظرًا فيما يجب عليه أن يفعله، وما يجب أن يتجنبه، إذ كان من الواجب عليه أن لا يبدد قواته، وينهكها في معارك جانبية صغيرة، وبذل جهدًا كبيرًا لفصل الجيش البيزنطي عن قواعده، وقطع طريق إمداداته مع الشمال في الوقت الذي نجح في استدراجه للقائه تجاه الصحراء جنوبًا، والتي كانت طريقًا مفتوحًا للمسلمين كما ذكرنا، حيث ظلت الإمدادات ترد إليهم، وحيث يستطيعون الانسحاب إذا خسروا المعركة، واعتمد على الوديان الصغيرة الضيقة، والشديدة والانحدار التي تتخلل المنطقة في حماية جيشه من الهجوم البيزنطي. من أجل ذلك قضى الجيشان الشهور الأخيرة من فصل الربيع، وأوائل الصيف وكل منهما يتربص بالآخر، ويأمل في أن يضعه في موضع تكون به عوائق يستغلها٢، لقد أخر البيزنطيون الاشتباك كي يتاح لجنودهم التأقلم مع طبيعة الأرض من حولهم، والحصول على أخبار إضافية عن المسلمين، وإضعافهم عن طريق الدسائس، فيكتسبوا الثقة بأنفسهم. أحداث المعركة: وضع خالد خطته العسكرية على أساس أن يثبت المسلمون أمام هجمات

стр. 252

البيزنطيين حتى تتضعضع هذه الهجمات وتتصدع صفوفهم، وأخذ في حسبانه أيضًا إمكان عجز المسلمين عن الصمود، ولكن سوف يختل نظام صفوف البيزنطيين على أي حال، وهنا يكون الوقت مناسبًا للقيام بهجوم مضاد. ودارت في وادي اليرموك سلسلة من المعارك بين الطرفين على مدى خمسة أيام لم تكن متتالية، انتقل فيها المسلمون من نصر إلى نصر حتى توجوا هذه الانتصارات بضربة قاصمة، وجهوها إلى البيزنطيين يوم الواقوصة، وهو اليوم الخامس من القتال، وكان يوم الاثنين "٥ رجب ١٥هـ/ ١٢ آب ٦٣٦م"١، وقد تميز بهجوم إسلامي عام، وشامل على القوات البيزنطية في ظروف طبيعية شديدة الحرارة، وفي حال أقرب ما تكون إلى العاصفة الرملية اللافحة، وقد أثارت غبارًا ضرب وجوه القوات البيزنطية، مباشرة تجاه الشمال، مما ضايقها وشل تركيزها أثناء القتال، والراجح أن خالدًا استغل هذه الظاهرة الطبيعية، ومن المحتمل أنه قدر البيزنطيين يفضلون تجنب القتال في أشد أوقات اليوم حرًا، ومن ثم فقد قام بهجوم حاسم في ذلك الوقت، وبدأت جموع البيزنطيين تترنح تحت ضربات المسلمين، وبدا الإرهاق واضحًا عليهم، فمشاتهم وفرسانهم مثقلون بالعتاد والسلاح، مما أثر على مقدرتهم القتالية، فهم قليلو الحركة بطيئو المناورة، في حين يقاتل المسلم راجلًا، وفارسًا بخفة وسرعة. كان باهان يراقب تطور سير القتال، وحين لاحظ تراجع مقدرة رجاله القتالية.

стр. 253

أدرك أن المعركة خاسرة، فالتمس له ولفرسانه طريقًا للنجاة، ولاحظ خالد ذلك، ففتح له ثغرة باتجاه الشمال نفذ منها، وانسحب من المعركة مع أربعين ألفًا من فرسانه، وحمل المسلمون على من تبقى من القوات البيزنطية، والتي كانت أشبه بكتل بشرية ضخمة تدور حول نفسها، ولا تعرف من أين تؤتى، فتراجع الجنود تحت ضغط القتال نحو وادي اليرموك دون وعي، فسقط أكثرهم في الواقوصة، ولم تكد تغرب شمس ذلك اليوم حتى كان آخر مقاتل بيزنطي قد أخلى ساحة القتال، إما هاربًا أو جثة هامدة، أو في قاع الوادي١. وأورد المؤرخ الأرميني سيبيوس، وكان معاصرًا لتلك الأحداث، معلومات مفصلة لها دلالتها، عن تلك المعركة التي قررت مصير بلاد الشام، تفيد بأن الجيش البيزنطي عبر نهر الأردن متسللًا إلى بلاد العرب تاركًا معسكره مكشوفًا على شاطئ النهر، وذهب أفراده للقاء العدو وهم مشاة، وبدا عليهم التعب، والإرهاق بسبب سيرهم مسافات طويلة، وفي المقابل، تربص قسم من الجيش الإسلامي في كمائن متفرقة استعدادًا للانقضاض على البيزنطيين، وقد أقام المسلمون خيامهم حول معسكرهم ثم أحاطوا الخيام، والمعسكر بالجمال بعد أن ربطوا أرجلها بالحبال، وعندما بدأ القتال، هاجمت القوات البيزنطية المسلمين، فانطلق هؤلاء من كمائنهم وهاجموا القوات البيزنطية التي أصابها الهلع والاضطراب، وعندما أرادت الفرار للنجاة بنفسها، فشلت بسبب غزارة الرمال لدرجة أن الجندي البيزنطي كان ينغرس فيها حتى ركبتيه، في حين راح المسلمون يطاردون فلول الهاربين، بالإضافة إلى ذلك، فإن البيزنطيين لم يتحلموا شمس الشرق المحرقة، في مثل هذا الوقت من العام، وهكذا تساقطوا بين قتيل وجريح، ولم ينج من المذبحة غير عدد قليل، وتكشف روايته أن المسلمين، كانوا أمهر من البيزنطيين في إعداد الكمائن، والخدع العسكرية، وكانوا أعلم من أعدائهم بدروب المنطقة ومسالكها، وأكثر تحملصا لجوها الذي ألفوه٢، بلغت خسائر البيزنطيين سبعين ألفًا٣، وقدرت خسائر المسلمين بثلاثة آلاف قتيل وجريح، كان من القتلى عكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الأزور

стр. 254

وهشام بن العاص وأبان بن سعيد وغيرهم١، وكتب أبو عبيد بالنصر إلى عمر، وأرسل إليه سفارة صغيرة فيها حذيفة بن اليمان، وكان عمر لم ينم منذ ثلاثة أيام، وهو يتسقط أخبار اليرموك، وعندما جاءه البشير خر ساجدًا، وشكر الله٢. تعقيب على معركة اليرموك ٣: - تعد معركة اليرموك من المعارك الحاسمة في الصراع الإسلامي -البيزنطي. وقررت هذه المعركة مصير بلاد الشام ومستقبلها، إذ إنها فتحت أمام المسلمين باب الانتصارات المتتالية في هذه البلاد، ووضعت حدًا لآمال هرقل في إنقاذها بعد أن قضى المسلمون على آخر ما تبقى لديه من جيوش، وقوات جمعها بصعوبة بالغة، وأنفق عليها كل ما استدانه من الكنيسة وغيرها. - اختار البيزنطيون موقع المعركة الذي كان فسيحًا إنما ضيق المهرب، فوادي الرقاد خلفهم، ووادي اليرموك عن يمينهم، والمسلمون أمامهم، وكان هذا الاختيار لموقعهم سيئًا، إنما هدفوا إلى الحيلولة دون فرارهم، وهذا يعني أن المعركة كانت بالنسبة إليهم، معركة حياة أو موت، لكن عندما دارت الدائرة عليهم، وجدوا أنفسهم يفرون إلى وضع عسكري وقعوا فيه، وتعذر عليهم الإفلات من الموت. - شكلت معركة اليرموك انعطافة عسكرية كبرى على الجبهة الشامية؛ لأنها حطمت جيش البيزنطيين، كجيش دولة منظم بولغ في إعداده وتجهيزه، تحطيمًا كاملًا، وشتتت شمله تمامًا، ولم يعد بمقدور البيزنطيين حشد جيش آخر يضارعه في العدد والقوة، وأنهى هذا الانتصار العسكري الكبير كل مقاومة مركزية جدية لحركة الجيوش الإسلامية في الأراضي البيزنطية، وتطورت حركة الفتوح من غزو مرحلي إلى حركة منظمة تهدف إلى السيطرة على بلاد الشام، وضمها إلى الأراضي الإسلامية، والاستقرار في ربوعها، وذلك من واقع تحول غزو الإغارة إلى غزو الفتوح. - أدار الفريقان الحرب في اليرموك بمهارة، وبالحامسة الدينية بالإضافة إلى حسابات اقتصادية وقبلية. - من الواضح أن تخطيط البيزنطيين للمعركة قام على أساس توجيه ضربة سريعة، وقاضية إلى جناحي الجيش الإسلامي، وإخراجهما من المعركة، ثم تصفية القلب، وبدأوا بالهجوم على ميمنة المسلمين، تلاء هجوم على الميسرة فالقلب، وقد دفع

стр. 255

باهان كامل قواته دون الاحتفاظ بأي احتياطي في الخلف استنادًا إلى الكثرة العددية الساحقة، ولم يأخذ بالحسبان أن الأمور يمكن أن تنقلب عليه، ويبدو أنه كان واثقًا من النصر، وهذا تفكير غير سليم، وخطأ في التخطيط العسكري، وكانت النتيجة عكس ما خطط له. - قدر خالد الأمور حق قدرها، وكان يتمتع ببعد نظر شامل أمام الحلول المتعددة، وتفكير صائب واختيار ناجح للحل المناسب مع سرعة تقرير هذا الحل وتنفيذه، إنه أدرك مدى الخطر الذي يواجهه، فلم يكترث للفارق العددي، ورسم خطته على أساس دفع البيزنطيين للاصطدام به، وامتصاص الضربة على الرغم من صعوبة هذا الثبات، لذلك عمم على قادته أن لا يبدأوا بالقتال بل يتركوا البيزنطيين يهاجمونهم تاركين مواقعهم الدفاعية الحصينة، كما شكل وحدات احتياطية من الفرسان، ووضعها خلف الميمنة، والميسرة بالإضافة إلى قوة احتياطية من المشاة وضعها وراء القلب، والمعروف في الخطط العسكرية أنه يجري استعمال الوحدات العادية للاشتباك العام مع العدو، وأن تستعمل الوحدات الاحتياطية في الضغط على قوى العدو تمهيدًا للفتك النهائي به، ثم وقف ينتظر ما سوف يحصل آملًا بسنوح الفرصة من واقع طروء أي خلل في صفوف البيزنطيين، إذ إن الهجوم البيزنطي سوف يؤدي إلى تشتيت كراديسهم وبعثرتها، وسوف يتعذر على القادة البيزنطيين معالجة هذا الوضع بإعادة التنظيم إذا تدخل في اللحظة المناسبة، وضرب الوحدات البيزنطية المشتتة، وهذا ما حصل، إذ عندما هاجم البيزنطيون، امتص المسلمون الهجوم، وعجز أولئك عن اختراق صفوفهم، فارتدوا على أعقابهم، وكر المسلمون عليهم بعد أن أرهقهم الهجوم، فانتزعوا النصر. - كان للفرسان عند خالد اهتمام خاص، فقد كانوا القوة الضاربة، وشكلوا قوة الصدام في جيشه، بالإضافة إلى كونهم قوة مشاغلة، ومناورة وانقضاض، لذا نراه يقسم فرسانه إلى فرق، على كل فرقة واحد من أفضل قادته، وأشجعهم أمثال قيس بن هبيرة، وميسرة بن مسروق، وعامر بن الطفيل والقعقاع بن عمرو وغيرهم، ثم وزع هذه الفرق على المقدمة، والميمنة والميسرة وصفوف القتال الثلاثة ثم المؤخرة، ففرسان الطليعة للمشاغلة، وفرسان الجناحين للمناورة، وفرسان الصفوف للتدخل والصدم، وفرسان المؤخرة للانقضاض، وكان نصيبه دائمًا فرسان الاحتياط للانقضاض على العدو في أي مكان من المعركة يظهر فيه المسلمون في حال ضعف، أو وهن. - أتاح تنظيم خالد العسكري لقواته أقصى درجات المرونة لمواجهة الموقف.

стр. 256

فبالإضافة إلى القوات الاحتياطية التي وضعها خلف الصفوف، ترك نظام الصف وجعل قواته كراديس، لكل كردوس رئيس، ونجح في اقتباس التنظيم العسكري البيزنطي، وهو نظام الكراديس والفرق،ومحاربتهم به، وانتصاره عليهم قبل أن يدرب جنوده عليه، كما نجح في تنفيذ الحركة الإخراجية التي اعتمدها ضد الفرسان البيزنطيين خلال المعركة، فكان ذلك تطورًا هامًا، وحاسمًا في الخطط، والتنظيم العسكريين في الجيش الإسلامي. - نجح خالد في الفصل بين فرسان البيزنطيين ومشاتهم، فصرف الفرسان من المعركة عندما فتح لهم طريقًا للهرب من الفرجة التي كانت المنفذ الوحيد لهم، وبقي المشاة وحدهم في ميدان القتال، فانقض المسلمون عليهم وهزموهم، وتعد هذا الحركة من أفضل حركات خالد، وأكثرها ذكاء. - كان لكل من الطرفين أسلوبه في إذكاء معنوياته، فالبيزنطيون يزحفون في دوي عال حيث تنصح الأبحاث العسكرية البيزنطية، التي تعود إلى القرن السادس الميلادي، باستعمال الأصوات للتمويه على العدو وإرباكه، ولتغطية أعمال الجواسيس، وقساوستهم يخطبون فيهم، ويبثون الحماس في قلوبهم، لكن داخل جنودهم الرعب، فتسلسل عشرات الألوف بالسلاسل حتى لا يفروا، والمسلمون ينشدون الشهادة، ويواجهون البيزنطيين بالصمت، وغض البصر حتى أن صمتهم أرعب هؤلاء، كذلك أدت النساء دورًا في رفع معنويات الرجال. - كانت معركة اليرموك نموذجًا رائعًا من نماذج التنسيق في الجهد العسكري، والتعاون والتفاهم بين القائد، ووحداته في المعركة، إذ كان خالد يحرك كل وحدة من وحدات جيشه بدقة متناهية، ففي الوقت الذي كان فيه القلب ينشب القتال، كانت الميمنة تتأهب لترد هجمات العدو، فينثني عليها القلب ليساندها، ثم تتراجع الميسرة أمام هجمات العدو، فتقف النسوة في طريق المنهزمين تردهم إلى ساحة القتال، فينحسر البيزنطيون عن مواقعهم، وتتقدم ميسرة المسلمين نحوهم. - أعلن جبلة بن الأيهم الغساني، زعيم العرب المتنصرة، اعتناقه الإسلام بعد المعركة مع جماعة من قومه بني غسان، وانحاز إلى المسلمين١. - لقد أصاب أبو بكر حين وضع خطته العسكرية على أساس الاصطدام بالبيزنطيين، وإرغامهم على إرسال أعداد كبيرة من المقاتلين إلى بلاد الشام حيث

стр. 257

يتمكن المسلمون من إيقاع الهزيمة الفاصلة بهم هناك، وكان المسلمون على عكس البيزنطيين يسعون إلى تحقيق ذلك، فكان انتصارهم في اليرموك ساحقًا ماحقًا، لكن تلك النتيجة لم تكن أمرًا مؤكدًا عند بدء الحملات، والمناورات. - تعفي الروايات البيزنطية المتعلقة بمعركة اليرموك هرقل، ضمنًا، من أي مسئولية عن الكارثة، وتحمل القادة عوضًا عن ذلك هذه المسئولية، وهم الذين فشلوا في اتباع نصيحة هرقل الحكيمة، كما تلقي بالمسئولية على المناخ، وعلى الإثنيات الأجنبية كالأرمن مثلًا. - ثمة قدر من اللا تناسق بين وصف المصادر الإسلامية، والنصرانية للمعركة، فقد أكد المسلمون أنها كانت معركة حاسمة استعمل فيها الذكاء، والشجاعة والخلق القويم، وفي المقابل، فقد قللت المصادر النصرانية من شأنها، وعدتها نصرًا حربيًا عظيم الشأن للمسلمين، وعزت النصر إلى التسلل والخديعة، وليس إلى نجاح عسكري صادق، والراجح أن هذا التفسير النصراني الذي جاء مقتضبًا هو جزء من محاولة للاعتذار من الكارثة، لكن الأمر لا يخلو من السخرية، فقد كان على البيزنطيين أن يتميزوا باللجوء إلى البراعة في القتال، وهو الأمر الذي لم يتوفر بفعل افتقارهم إلى القدر الكافي من الذكاء، والإدراك السليم لرسم الخطط وتنفيذها. - لقد وسع الانهيار البيزنطي في معركة اليرموك المسافات بين مواقع الدفاع البيزنطية، ومع ذلك ظلت أغنى المدن في بلاد الشام في أيدي البيزنطيين، إلى جانب المناطق الأكثر إنتاجًا، ولكن حين، حيث لن تلبث أن تسقط هي الأخرى في أيدي المسلمين - كان على القادة والجنود البيزنطيين الذين نجوا من المعركة اختيار أحد السبل المتعددة للخلاص، وأهمها: - الاتفاق مع المسلمين الفاتحين الذين أضحوا السادة الجدد، والانضمام إليهم، واعتناق الإسلام أحيانًا، وهذا ما فعله جبلة بن الأيهم الغساني كما ذكرنا. - التوجه نحو الشمال عبر الطريق الرئيسة في اتجاه أنطاكية، والرها، وملطية. - اللجوء إلى الأديرة خشية العار. - اللجوء إلى المدن الشامية، والانضمام إلى حامياتها. - تلقى هرقل نبأ هزيمة جيشه في اليرموك بألم بالغ، وكان في أنطاكية، فلما توجه المسلمون بعد انتصارهم إلى حمص، خرج منها فعبر الفرات، ونزل في الرها وبقي فيها حتى وصل جند الكوفة مع عمر بن مالك إلى قرقيسياء، ثم فتحت

стр. 258

قنسرين فخرج إلى شمشاط، فلما نزل المسلمون في الرها خرج منها، وسار على الدرب نحو القسطنطينية بعد أن رفض سكان الجزيرة مؤازرته أبعد من ذلك، ولما حاذى سوريا وقف على تل مرتفع، والتفت إليها وقال: "قد كنت سلمت عليك تسليم المسافر، أما اليوم عليك السلام يا سوريا تسليم المفارق، سلام مودع لا يرى أنه يرجع إليك أبدًا، ولا يعود إليك رومي أبدًا إلا خائفًا حتى يلود المولود المشئوم وليته لا يولد، عليك يا سوريا السلام، ونعم البلد هذا للعدو"١، ويعبر هذا الوداع عن خيبة أمله الشخصية، ويشير إلى نهاية التورط العسكري البيزنطي في المنطقة، والواضح أنه فضل سلوك الطريق البري إلى القسطنطينية في محاولة منه لتأمين الأطراف الشرقية لآسيا الصغرى، حتى لا ينفذ المسلمون إلى عمق أراضيه، كما دمر التحصينات في المنحدرات الجنوبية لجبال طوروس بين الإسكندرونة، وطرسوس لخلق منطقة عازلة مهدمة فارغة لا تصلح للقتال، على أساس أنها منطقة للدفاع العمقي إزاء المسلمين، وأخذ سكانها معه إلى الداخل البيزنطي، ولا شك في أن هذه التصرفات من جانبه تدل على أنه يئس تمامًا من أمر الشام، وأدرك أنه لن يستطيع أن يفعل مع المسلمين مثلما فعله مع الفرس من قبل بإقامة التحصينات الدفاعية لتمتص غاراتهم٢. سياسة هرقل في شمالي بلاد الشام بعد معركة اليرموك: الواضح أن هرقل لم يحاول أن يدافع عن المدن الشمالية إزاء هجمات المسلمين، بعد معركة اليرموك، إذ إنه لم يشأ أن يخسر مزيدًا من رجاله الأشداء المدربين في سبيل الحفاظ على بعض المدن الشامية، وفضل الاحتفاظ بهم للدفاع عن الأناضول، ولعل الشلل البيزنطي في جنوبي بلاد الشام أقنعه بالمخاطر التي تلازم وضع أعداد كبيرة من قواته للدافع عن المدن في أوضاع عسكرية مكشوفة نسبيًا، كما أنه فقد الرغبة في أن يجازف بمواجهة دموية أخرى إلى الجنوب من جبال طوروس، وفضل أن يتخلى عن الأراضي ليقلل درجة التآكل في قواته، ويمكنها من البقاء والتعافي، وأتاح هذا التوجه الانهزامي، للمسلمين أن يجتاحوا شمالي بلاد الشام، وإقليم الجزيرة الفراتية وصولًا إلى أرمينية.

стр. 259

فتح قنسرين: عاد أبو عبيدة بعد الانتصار، إلى حمص، وأرسل خالدًا إلى قنسرين، وتقع على الطريق بين حلب وأنطاكية، ويتصل بها الطريق الذي يؤدي إلى شيزر، ثم حماة فحمص. كانت قبيلة تنوخ من بين القبائل العربية تسكن هناك منذ زمن، وكان أفرادها يعيشون منذ سنوات، في خيام من الوبر، ولكنهم تأثروا تدريجيًا بالحضارة، فشيدا المباني الفخمة، وأضحت قنسرين إحدى الحواضر. وعندما علم البيزنطيون، وحلفاؤهم العرب المتنصرة بقدوم خالد إليهم اختاروا الاصطدام به بقيادة ميناس، وهو أحد القادة الكبار، فخرج هذا على رأس الجيش إلى الحاضر، وهو مكان قريب من قنسرين وعسكر فيه، وفي الوقت الذي كان يعبئ قواته انقض عليه خالد فجأة، فتغلب عليه وقتله، وأباد جنده. واعتصم أهل قنسرين بحصنهم، فأنذرهم خالد، فطلبوا الأمان، وعرضوا الصلح على شروط حمص مع دفع الجزية، واشترط خالد عليهم أن يهدم حصنهم عقابًا لهم على مقاومتهم، وحتى لا يتحصنوا بداخله مرة أخرى، فهدمه، وفر سكانه إلى أنطاكية١. فتح حلب: تابع أبو عبيدة تقدمه إلى حلب، وهي من أعمال قنسرين، وعلى مقدمته عياض ابن غنم، وكان قد فصل من العراق إلى إقليم الجزيرة المجاور للعراق، فاشترك في فتوح الجزيرة والشمال، وكان يسكن في ظاهر المدينة كثير من القبائل العربية، فصالحهم على الجزية، وتصدت له حامية المدينة، وأحرزت بعض التقدم خلال المواجهة، ويبدو أن سكان حلب داخلهم الخوف من توجيه ضربات مضادة من جانب المسلمين، وبخاصة أن معظم المدن سقطت في أيديهم، ولن تكون حلب أمنع من غيرها من هذه المدن، فطلبوا الأمان والصلح وأقروا بالجزية، وتم الصلح على مثل صلح حمص، وكتبت المعاهدة للحفاظ على أرواحهم، وأموالهم وأسوارهم ومنازلهم، وقلاعهم وكنائسهم، واستثنى عليهم موضعًا للمسجد، ويبدو أن جماعة من أهل المدينة لم يتآلفوا مع الحكم الإسلامي، وفضلوا الرحيل إلى أنطاكية، وما لبث عدد كبير ممن بقي في المدينة أن دخل في الإسلام، بعد ذلك٢.

стр. 260

فتح أنطاكية: سار أبو عبيدة بعد ذلك، إلى أنطاكية، وكانت مركزًا لجيوش الإمبراطورية البيزنطية، وعاصمة الدولة البيزنطية في بلاد الشام، ومقر هرقل ومأمنه، وكان قد لجأ إليها كثير من البيزنطيين، وفتح أثناء زحفه عزاز بدون قتال، وحاولت قوة عسكرية خرجت منها وقف تقدمه إلا أنها فشلت، واضطر أفرادها للعودة، والتحصن بالمدينة، ولما وصل أبو عبيدة إليها ضرب الحصار عليها، وجرت مناوشات بين الطرفين اضطر بعدها السكان إلى طلب الصلح، وأقروا بالجزية، ووافق أبو عبيدة على طلبهم، ودخل المسلمون بعد ذلك إلى المدينة، ونظرًا لأهمية موقعها كمركز متقدم ملاصق لحدود العدو أمر عمر أبا عبيدة بشحنها بالمقاتلين١. فتوح أقصى شمالي بلاد الشام: كان من الضروري، لتأمين الفتوح الإسلامية في بلاد الشام، من التعرض لردات فعل البيزنطيين بالسيطرة على منطقة أقصى شمالي البلاد الملاصقة للحدود مع آسيا الصغرى، لذلك، نشر أبو عبيدة فرقه العسكرية في جميع أنحاء المنطقة، ففتحت المدن الصغيرة، والقرى بسهولة نظرًا لانعدام المقاومة الجدية، نذكر منها: معرة مصرين، بوقا، الجومة، سرمين، مرتحوان، تيزين، خناصرة، قورس، الساجور، منبج، مرعش، رعبان، دلوك، عراجين، بالس، قاصرين، اللاذقية أنطرطوس وغيرها، وقد صالحت هذه المدن، والقرى المسلمين على عهود الصلح التقليدية٢. فتوح الجزيرة: كان إقليم الجزيرة الفراتية أحد الأقاليم الأكثر إزعاجًا من حيث الاضطراب العسكري في القرنين السادس، والسابع الميلاديين، وبسبب أهميته العسكرية الدفاعية إزاء هجوم قد يأتي من فارس، فقد شحن بحاميات عسكرية ضخمة، وبعد أن فتح المسلمون العراق وبلاد الشام، شكل هذا الإقليم نتوءًا، وقاعدة يمكن أن: - تنطلق منها وحدات عسكرية لتقوم بهجوم مضاد لاسترداد الأراضي التي فتحها المسلمون. - تؤمن حصول تنسيق بيزنطي -فارسي، للقيام بعمل مشترك ضد المسملين.

стр. 261

- تقوم جزئيًا بحماية الأراضي الأرمينية التابعة لبيزنطية من هجمات المسلمين. وكان فتحه ضرورة عسكرية، وخطوة صائبة من أجل: - تثبيت الفتوح الإسلامية في العراق، وبلاد الشام وحماية المكتسبات الإسلامية. - تثبيت السلطة على القبائل العربية التي ما زالت على نصرانيتها، وقطع صلاتها ببيزنطية، ووقف تجنيد العرب في الجيش البيزنطي، وتستوقفنا هنا حادثة فرار جبلة بن الأيهم من المدينة، وتوجهه إلى بلاد البيزنطيين عبر الرقة. - إزالة الخطر الذي تتعرض له المواصلات الإسلامية. - القضاء على أية حركة فارسية معادية ومزعجة. - منع هرقل من الوصول إلى المد الأرميني. وحدث في عام "١٨هـ/ ٦٣٩م" أن أصيب أبو عبيدة بطاعون عمواس وتوفي، وكان قد استخلف عياضًا بن غنم على حمص، ولم يلبث عمر أن ولاه حمص، وقنسرين والجزيرة، فخرج على رأس الجيش في "منتصف شعبان/ ٢١آب"، وعلى مقدمته ميسرة بن مسروق العبسي، وأغار على الرقة، ثم حاصرها وفتحها صلحًا، فكانت أولى مدن الجزيرة التي فتحها المسلمون، وواصل تقدمه إلى الرها، وعسكر على أحد أبوابها، فقاومه أهلها، وبث خيله في الأماكن المجاورة، ولم تمض ستة أيام حتى طلب قائد الحامية الصلح، فأجابه عياض، وأمنه وأهل المدينة على أنفسهم وأموالهم، وأقروا بالجزية والخراج، وشيء من القمح والزيت، والخل والعسل، واشترط عياض عليهم عدم بناء كنائس أو أديرة، وأن يصلحوا الجسور للمسلمين، وأن يرشدوا من ضل الطريق منهم، ثم تقدم إلى حران فصالحه أهلها على صلح الرها، وأرسل فرقة عسكرية فتحت سميساط، ولم يلبث أهل المدن الأخرى مثل تل موزون، وقرقيسياء وآمد وماردين أن طلبوا الصلح بشروط صلح الرها، فأجابهم عياض، ثم واصل فتوحه في عام "١٩هـ/ ٦٤٠م"، ففتح ميافارقين، وكفرتوثا ونصيبين، وأرزن. وأرسل عمر بن سعد الأنصاري، ففتح رأس العين ودارا، ودخل درب الروم، وأطل على أرمينية، وكانت بغراس إحدى ضواحي أنطاكية، وتلتقي عندها حدود آسيا الصغرى، وقد سكنتها قبائل عربية مثل غسان، وتنوخ وإياد الذين كانوا يساندون البيزنطيين، فهاجمهم حبيب بن مسلمة١. أدى فتح الجزيرة الفراتية إلى فصل بيزنطية عن القبائل العربية الموالية لها، وقوتها البشرية، وأسهمت في الحاجة إلى البحث عن مصادر بشرية جديدة، وتبديل أساليبها

стр. 262

خريطة سواحل دمشق

стр. 263

القتالية ضد المسلمين، بفعل أنها لم يعد باستطاعتها أن تحارب المسلمين العرب باستئجار عرب آخرين، كما قضى هذا الفتح على إمكان قيام تحالف بين البيزنطيين، والفرس ضد المسملين، وحال دون قيام بيزنطية بإنقاذ الإمبراطورية الفارسية المتداعية. فتوح الساحل: بدأ الاحتكاك العسكري بين المسلمين، والبيزنطيين في ساحل بلاد الشام خلال حصار بعبك حيث كان للمسلمين مركزان مسلحان: الأول في برزة عليه أبو الدرداء الأنصاري، والثاني في عين ميسنون١ عليه أبو عثمان الصنعاني شراحيل بن مرثد، فأغار أحد القادة البيزنطيين، ويدعي سسناق على المركز الثاني منطلقًا من بيروت، ويبدو أنه نجح في قتل جماعة من حاميته، ولهذا دعيت هذه القرية بـ"عين الشهداء"٢. شجعت هذه الغارة البيزنطية المسلمين للسيطرة على القطاع الأوسط من ساحل بلاد الشام، والذي يمتد من عرقة شمالًا إلى صيدًا جنوبًا، وطرد البيزنطيين من ثغوره، ومنعهم من استعمالها قواعد انطلاق لمهاجمة الداخل الشامي. خرج يزيد بن أبي سفيان من دمشق على رأس قوة عسكرية متوجهًا نحو الساحل، وصحبه أخوه معاوية، ولم تحدد المصادر التاريخية الطريق الذي سلكه إلى المدن الساحلية، والراجح أنه اجتاز الطريق الحالي الذي يمر بمنعطفات جبال لبنان، وهذا يعني أن هذا الطريق كان خاليًا من أي قوة بيزنطية بعد الضربة التي تلقاها البيزنطيون في اليرموك، حتى أن أرض بلاد الشام فتحت على مصاريعها أمام المسلمين الذين تعدوا الداخل إلى إقليم الساحل دون مقاومة٣. لم يبين البلاذري، الذي أرخ لهذا الفتح، أي مدينة فتحت قبل الأخرى، إذ يذكرها دون مراعاة لترتيب مواقعها الجغرافية، فيذكر صيدا أولًا، وهي في الجنوب، ثم عرقة وتقع في أقصى الشمال، ويذكر بعدها جبيل، وبيروت وهما في الوسط٤، فهل سارت حركة الفتح على هذا النحو، أم أن الترتيب جاء عفويًا؟

стр. 264

الراجح أن البلاذري لم يذكر المدن المفتوحة على هذا النسق اعتباطًا، إذ يحتمل أن تكون القوة الإسلامية التي انطلقت من دمشق، انقسمت إلى فرقتين، توجهت إحداهما جنوبا إلى صيدا بقيادة يزيد، وتوجهت الأخرى إلى عرقة في الشمال بقيادة معاوية١، بدليل ما رواه البلاذري: "أن يزيد أتى بعد فتح مدينة دمشق، صيدا وعرقة، وجبيل وبيروت، وهي سواحل، وعلى مقدمته أخوه معاوية، ففتحها فتحًا يسيرًا وجلا كثير من أهلها، وتولى فتح عرقة معاوية نفسه في ولاية يزيد"٢. غير أن البلاذري يروي رواية أخرى تفيد بأن معاوية وحده فتح مدن الساحل، فيقول: "كان يزيد بن أبي سفيان وجه معاوية إلى سواحل دمشق سوى طرابلس، فإنه لم يكن يطمع فيها، فكان يقيم على الحصن اليومين، والأيام اليسيرة، فربما قوتل قتالًا غير شديد، وربما رمى ففتحها"٣، ثم إن "الروم غلبوا على بعغض هذه السواحل في آخر خلافة عمر بن الخطاب، أو أول خلافة عثمان بن عفان، فقصد لهم معاوية حتى فتحها ثم رمها، وشحنها بالمقاتلة وأعطاهم القطائع"٤، وهذا يعني أن العملية لم تكلل بالنجاح التام، والمعروف أن المدن الساحلية لم تخضع للمسلمين خضوعًا تامًا إلا في المرحلة المتأخرة من حركة الفتوح، ولعل السبب في ذلك أن البيزنطيين كانوا يمدون هذه الثغور بالإمدادات، والقوات عن طريق البحر الأمر الذي ساعد سكانها على مقاومة المسلمين، أو الانقضاص عليهم كلما آنسوا منهم ضعفا، وقد أدى ذلك إلى قيام المسلمين بإقامة قواعد لهم على ساحل بلاد الشام، ومصر بعد ذلك للتصدي للحملات البيزنطية البحرية، التي كانت تشن على مدن الساحل التي كانت تخضع لهم قبل الفتح٥، وظلت هذه المدن مدة غير قصيرة تتذبذب في ولائها، فمرة تخضع للمسلمين، ومرة ترفع راية العصيان عليهم. استكمال فتوح فلسطين: توجه عمرو بن العاص إلى قطاعه فلسطين، وربما كان ذلك عبر نهر الأردن، ففتح سبسطية الواقعة إلى الشمال الغربي من نابلس، ثم فتح هذه الأخيرة، وأعطى أهلها الأمان على أنفسهم، وأموالهم ومنازلهم على أداء الجزية والخراج، ثم فتح اللد ونواحيها ويبني، وعمواس وبيت جبرين، ثم هبط جنوبًا ففتح رفح، وفي رواية أنه فتح

стр. 265

عسقلان، وكان قد فتح غزة في عهد أبي بكر، وحاصر قيسارية التي تعد من أشهر المدن آنذاك١.

стр. 266

فتح بيت المقدس ١: تمهيد: لا شك بأن استسلام بيت المقدس -إيلياء- للمسلمين له علاقة بالمدى الذي وصلت إليه التطورات السياسية، والعسكرية والاجتماعية في بلاد الشام آنذاك في ظل الصراع الفارسي -البيزنطي- الإسلامي، وعلى ضوء نجاح المسلمين في السيطرة على معظم المنطقة، والجدير بالذكر في صراع القوة الثلاثي هذا، أن البيزنطيين كانوا الطرف الأضعف، على الأقل في نظر المسلمين، والمعروف أن هؤلاء لم يهاجموا بيت المقدس في بادئ الأمر، ففي حروب الصحراء يسعى البدو عادة إلى مهاجمة الحواضر التجارية التي يترددون عليها، للسيطرة عليها أولًا٢. ومهما يكن من أمر، فقد عرف العرب بيت المقدس منذ العصر الجاهلي، وقرن الإسلام نفسه، عند ظهوره، بها، إذ إن حرمتها وأهميتها البالغة عند المسلمين، أمر لا

стр. 267

يرقى إليه الشك، إنها مدينة الرسل وأولى القبلتين، والمدينة التي أسري إليها النبي محمد ﷺ ، وصعد منها إلى السماء في حادثة المعراج، فكانت مركز جذب روحي كبير، وإن فتحها كان هدفًا يحمل في طياته تحديًا لأهل الكتاب من اليهود والنصارى. شكلت بين المقدس القاعدة البيزنطية الهامة، ومركز تجمع البيزنطيين الذين فروا من الواقع التي هزمت فيها جيوشهم مثل أجنادين، وحمص وقنسرين، واليرموك وغيرها، كما كانت ملجأ للذين خرجوا من المدن التي فتحها المسلمون، ورفضوا البقاء فيها مثل دمشق، وكان الأرطبون١، وهو أحد القادة البيزنطيين، من بين الذين التجأوا إليها، وقاد عملية المقاومة ضد المسلمين. أحداث الحصار ونتائجه: قاد عمرو بن العاص عملية حصار المدينة بوصفه قائد الجبهة الفلسطينية في الوقت الذي كان فيه أبو عبيدة، وخالد بن الوليد يفتحان شمالي بلاد الشام، وقد واجه مقاومة ضارية من جانب حاميتها وسكانها، ووجد مشقة بالغة في امتصاص الهجمات البيزنطية، فأرسل إلى الأرطبون يطلب منه التسليم مثل بقية المدن، ووعده بالأمان٢. واستعمل البيزنطيون المجانيق من فوق الأسوار لضرب المواقع الإسلامية، فسببت أضرارًا بالأرواح والمعدات، وعانى المسلمون من مصاعب طبيعية قاسية، فقد بدأ الحصار في شتاء عام "٦٣٦- ٦٣٧م"، وكان البرد قارسًا، وكثر انهمار المطر، وتساقط الثلج، فاستغل الأرطبون سوء الأحوال الطبيعية التي لم يتعود عليها المسلمون، ورفض الدخول في الصلح، وأطال أمد الحرب، وشدد ضرباته ضدهم وهو يأمل أن يلحق بهم الهزيمة، أو يضطرهم إلى فك الحصار عن بيت المقدس. اضطر عمرو بن العاص، في هذه الظروف القتالية الصعبة، أن يكتب إلى عمر في المدينة يطلب منه المساعدة، ويستعين برأيه: "إني أعالج حربًا كئودًا صدومًا، وبلادًا أدخرت لك، فرأيك"٣. استجاب عمر لطلب المساعدة، وتصرف على ثلاثة محاور: الأول: فقد أمده بمدد من عنده، وأرسل إلى أبي عبيدة لينجده، وكان قد فرغ لتوه

стр. 268

من تطهير شمالي بلاد الشام، فغادر المنطقة ونزل في الجابية، وقد صحبه خالد بن الوليد١. الثاني: قرر المجيء إلى بلاد الشام ليكون قريبًا من مجرى الأحداث، وهذا يعني أنه أولى فتح بيت المقدس عناية خاصة نظرًا لأهميتها الدينية، والروحية عند المسلمين٢. الثالث: فقد أرسل إلى يزيد بأن يبعث أخاه معاوية قيسارية، وتبدو خطة عمر واضحة في أن يستغل البيزنطيين في أكثر من جبهة في وقت واحد لإضعافهم، وحتى لا يمدوا يد العون لأهل بيت المقدس، فنزل معاوية بجنوده على قيسارية وحاصرها٣. تسلم أبو عبيدة فور وصوله قيادة القوات الإسلامية، فارتفعت معنويات الجند، وتسرب في المقابل الخوف، والقلق إلى قلوب المدافعين، وبخاصة بعد أن فشلوا في إلحاق هزيمة مؤكدة بقوات عمرو، كما أن سقوط المدن المحيطة ببيت المقدس كان له أثره السلبي على معنوياتهم؛ لأنهم حرموا من الإمدادات، ولو تأتهم نجدة من هرقل، وعلموا أن عمر في طريقه إلى المنطقة، فأدركوا عندئذ أن مدينتهم لن تستطيع الاستمرار بالمقاومة، وأن سقوطها أضحى مسألة وقت، فانسحب الأرطبون مستخفيًا في قوة من الجند إلى مصر٤، وتسلم البطريك العجوز صفرونيوس مقاليد الأمور في المدينة، فأصلح استحكاماتها، وشحذ همم سكانها في محاولة أخيرة للصمود، وأجبرهم الحصار الطويل الذي استمر أربعة أشهر على البقاء داخل أسوار مدينتهم، لكن القتال بين الطرفين لم يتوقف خلال تلك المدة. وعرض أبو عبيدة على البطريك ثلاثة شروط هي: اعتناق الإسلام أو استسلام المدينة، ودفع الجزية أو تدمير المدينة٥، كان اعتناق الإسلام بالنسبة إلى سكان بيت المقدس آنذاك أمرًا صعبًا بل مستحيلًا، كما أن التجربة التي مرت بها المدينة قبل نحو خمسة وعشرين عامًا حين دمرها الفرس، جعلت المقاومة للقوات الإسلامية المحاصرة، ومن ثم تعريض الأماكن المقدسية للدمار، أمرًا مرفوضًا أيضًا، لذلك اختار البطريرك استيلام المدينة على أن يسلمها إلى عمر، وكان قد علم بنزوله في

стр. 269

الجابية، وقد رأى في الاستسلام حماية للمدينة، ولأماكنها المقدسة من الدمار من ناحية، ومنع سقوطها في أيدي اليهود المناوئين له من ناحية أخرى١. صلح بيت المقدس: تتباين روايات المصادر التاريخية التي تتحدث عن اتفاق، ولا بد لنا من أن نذكر شيئًا عن الأسلوب الذي يختاره المرء لكي يفسر تلك الروايات؛ لأن البحث فيها هو جزء مهم في فهم مضمون العهدة العمرية، وهي وثيقة الصلح التي أعطيت إلى سكان بيت المقدس، والعصر الذي دونت فيه، ويمكن تصنيف روايات المصادر إلى قسمين: قسم لا يذكر نصًا للمعاهدة وإنما يذكر فحواها بالأسلوب السردي، وقسم يذكر نص المعاهدة. القسم الأول: إن أسبق روايات هذا القسم ما رواه الواقدي، والبلاذري ثم ابن الأثير وأبو الفدا، فقد روى الأول روايتين بشأن الصلح، فقال في الأولى: إنه لما قدم عمر إلى بيت المقدس، ونظر إليه أهلها، وتأكدوا أنه هو "وكانوا قد ضاقت أنفسهم من الحصار، ففتحوا الباب وخرجوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه العهد والميثاق، والذمة ويقرون له بالجزية، ثم نزل إليهم وقال: ارجعوا إلى بلادكم ولكم الذمة، والعهد إذ سألتمونا وأقررتم بالجزية"٢، وروى في الثانية: "وارتحل عمر من بيت المقدس بعد أن كتب لأهلها كتابا أي عهدًا، وأقرهم في بلادهم على الجزية"٣. وروى الثاني أيضًا روايتين، ذكر في الأولى: "ثم طلب أهل إيلياء من أبي عبيدة الأمان، والصلح على مثل ما صولح عليه أهل مدن الشام من أداء الجزية، والخراج والدخول فيما دخل فيه نظراؤهم على أن يكون المتولي للعقد لهم عمر بن الخطاب نفسه، فكتب أبو عبيدة إلى عمر بذلك، فقدم عمر فنزل الجابية من دمشق، ثم صار إلى إيلياء فأنفذ صلح أهلها، وكتب لهم به"٤. وذكر في الرواية الثانية أن بيت المقدس سلمت إلى ابن ثابت الفهمي، وهو قائد مغمور، بشرط صريح وهو أن تكون المناطق الواقعة خارج المدينة في أيدي المسلمين، أما المدينة نفسها فلا يطالها أذى ما دام أهلوها يدفعون الجزية المفروضة عليهم، ويضيف أن عمر كان في المدينة المنورة وقت سقوط بيت المقدس، وأنه

стр. 270

زارها بعد وقت قصير من فتحها عندما جاء إلى الجابية١، وأشار كل من الثالث، والرابع إشارة عابرة إلى فحوى الصلح٢. القسم الثاني: تنقسم روايات هذا القسم إلى ثلاث فئات: الفئة الأولى: روت مصادرها نصوص المعاهدة بين عمر بن الخطاب، وأهل بيت المقدس لكنها جاءت مختصرة، ولا تختلف في مضمونها عن روايات القسم الأول اختلافًا جوهريًا، وهي على مثل صلح دمشق والمدن الشامية الكبرى. ويذكر في هذه الفئة كلًا من اليعقوي، وسعيد بن البطريق. فقد ذكر الأول أن عمر كتب إلى أهل إيلياء كتابًا جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب كتبه عمر بن الخطاب لأهل بيت المقدس، إنكم آمنون على دمائكم، وأموالكم وكنائسكم لا تسكن، ولا تخرب إلا أن تحدثوا حدثًا عامًا، وأشهد شهودًا"٣. وروى الثاني: "بسم الله، من عمر بن الخطاب لأهل مدينة إيلياء، أنهم آمنون على دمائهم، وأولادهم وأموالهم، وكنائسهم ألا تهدم ولا تسكن، وأشهد شهودًا"٤. الفئة الثانية: إن روايات هذه الفئة طويلة، وذات قيود جديدة وتتناول الوجود اليهودي في بيت المقدس، وتمثل هذه الفئة رواية الطبري، أما النص فهو: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله بن عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها، وسائر ملتها؛ أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه، وماله حتى يبلغوا مأمنهم؛ ومن أقام منهم فهو آمن؛ وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه، وماله مع الروم، ويخلي بيعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم، وعلى وبيعهم وصلبهم، حتى يبلغوا مأمنهم؛ ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان، فمن شاء منهم قعدوا

стр. 271

عليه مثل ما على أهل أيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم؛ وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذين عليهم من الجزية، يشهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب وحضر سنة خمس عشرة"١. الواضح أن نص الطبري يتوافق مع نصوص روايات الفئة الأولى في إعطاء أهل بيت المقدس الأمان لأنفسهم، وأموالهم وكنائسهم، إلا أنه يزيد المعنى إيضاحًا وتفصيلًا بعبارات، وقيود جديدة لم ترد في النصوص السابقة، ويمكن رصد القيود الجديدة التالية: ١- اشتراط أهل بيت المقدس على عمر ألا يسكن معهم في القدس أحد من اليهود. ٢- تنظيم إقامة الموجودين في بيت المقدس، أو خروجهم منها، وقد تمثل هذا في: أ- اشتراط المسلمين على أهل بيت المقدس الأصليين أن يخرجوا منها الروم واللصوص. ب- منح أهل بيت المقدس حرية البقاء فيها، أو الخروج منها مع الروم. ج- منح بقية الموجودين في بيت المقدس من سائر الأجناس حرية البقاء فيها بحيث يطبق عليهم ما يطبق على غيرهم من شروط الصلح، أو الخروج منها. ٣- جاء نص الصلح عند الطبري مؤرخًا بسنة خمس عشرة٢. إن قراءة متأنية لهذه الزيادات، والقيود تطلعنا على المعلومات التالية: - إن اشتراط أهل بيت المقدس ألا يسكن معهم بها أحد من اليهود لم يتأيد بروايات أخرى، ويبدو أنه مناف للواقع، إذ لم يؤثر عن عمر بن الخطاب أنه أخرج اليهود من بيت المقدس، أو منعهم من السكن فيها، وأن الإشارة الواضحة إلى إقصاء اليهود عنها في الاتفاق تدل على أن النصارى أرادوا أن تظل بيت المقدس مدينة نصرانية، وتذكر معظم المصادر أن أهالي بيت المقدس، والمفهوم أنهم نصارى لعدم وجود حضور يهودي فاعل آنذاك في بيت المقدس، قد عقدوا اتفاقًا مع المسلمين.

стр. 272

ويذكر اليعقوبي في هذا الصدد: "واختلف القوم في صلح بيت المقدس، فقالوا: صالح اليهود، وقالوا: صالح النصارى، والمجمع عليه النصارى"١، والراجح أن روايات يهودية دخلت في أخبار التاريخ الإسلامي قادها كعب الأحبار لإثبات الحضور اليهودي ليس في فتح بيت المقدس فحسب، بل وفي فتوح بلاد الشام أيضًا، ويفهم من مواقف الطرفين أن كلًا منهما نظر إلى المسلمين على أنهم وسطاء بينهما، فحاول استغلال الفتح الإسلامي، ونظر إليه، وكأنه خير وفرصة يستغلها، ويستخدمها لحماية نفسه ولخلاصه، فخلاص النصارى الوطنيين من الروم البيزنطيين، واليهود من النصارى بعامة، الشرقيين منهم والغربيين، والمعروف أن اليهود في بلاد الشام يكنون البغضاء للبيزنطيين، وقد بلغت ذروة التباغض بينهما في عهد هرقل الذي حرم على اليهود السكن في بيت المقدس، وثار هؤلاء ضد الحكم البيزنطي في عدة أماكن، منها أنطاكية وصور لذلك تعاون اليهود مع الفرس في الماضي، واتفقوا مع الأرمن، والنساطرة القائلين بالطبيعة الواحدة للمسيح، على التعاون معهم أيضًا وتسليم المنطقة للفرس، وقد حققوا هذا الأمر، لقد كان رد الفعل اليهودي تجاه الفتح الإسلامي إيجابيًا من حيث أنه قضى على حكم البيزنطيين في فلسطين، وأن ما ورد في بعض نصوص النبوءات اليهودية يكشف عن ذلك بجلاء٢. - إن اشتراط عمر على أهل بيت المقدس أن يخرجوا منها الروم، واللصوص، جاء بعبارة يكاد ينفي آخرها أولها، إذ إن أول الرواية يفيد بوجود إخراج الروم، إلا أنها تخيرهم، بعد ذلك، بين الخروج، أو الإقامة مع أداء الجزية٣. - إن إعطاء الأجناس الأخرى حرية البقاء، ودفع الجزية أو مغادرة المدينة، جاء بعبارة لا يمكن معها التنفيذ إذ قال: "ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان"، هكذا بصيغة المجهول دون ذكر اسم فلان هذا، أو ما يدل عليه أو تاريخ مقتله، ولما لا يمكن تحديد من ينطبق عليهم هذا الوصف، فلا يمكن التنفيذ، ويستحيل أن يكون هذا نصًا في معاهدة ملزمة٤.

стр. 273

- إن تحديد تاريخ الصلح بسنة خمس عشرة أمر لو صح لقطع الخلاف في تاريخ فتح بيت المقدس، والمعروف أن الخلاف في تاريخ الفتح كان قبل الطبري واستمر بعده، والمعروف أيضًا أن المسلميم لم يبدأوا التاريخ الهجري إلا سنة ست عشرة، وبناء عليه فلا يمكن أن تؤرخ وثيقة قبل هذه السنة بالتاريخ الهجري مما يدل على أن هذا التاريخ ملحق بالوثيقة، وليس أصليًا فيها١. والجدير بالذكر أن جميع روايات المصادر السابقة تتفق على تحديد طرفي العقد بـ عمر بن الخطاب، وأهالي بيت المقدس، وأن العهد بين الطرفين عقد في الجانبية مكان نزول عمر. الفئة الثالثة: رواية المصادر اليونانية التي نشرتها البطريركية الأرثوذكسية في القدس في عام ١٩٥٢م، وهي مؤرخة في العشرين من شهر ربيع الأول عام ١٥هـ، تعد هذه الوثيقة من أبرز النصوص التي تناولها التغيير والزيادة، وهي على طولها تعكس الأسلوب الكنسي في الكتابة الذي يبدو واضحًا، وتركز على الصلة الشخصية بين عمر بن الخطاب، والبطريرك صفرونيوس، وكلاهما رجل تقوى وصلاح، وأن لهذه الصلة ارتباطًا كبيرًا باستسلام المدينة، وتسليمها والمسلك الذي رافق التسليم، إذ عندما قرر البطريرك الاستسلام، وتسليم المدينة إلى عمر نفسه، أرسل إليه رسالة بهذا المعنى، وكان في الجابية، ودعاه للقدوم، وعندما تسلم عمر الرسالة توجه من فوره إلى بيت المقدس، وخيم عند جبل الزيتون، وهناك اجتمع بالبطريرك حيث وقعت وثيقة استسلام بيت المقدس، وتقدم عمر بعدها لدخول المدينة. سأكتفي بعض أهم نقاط الصلح كما وردت في النص، مستشهدًا بالكثير من عباراته٢: - أعطى عمر بن الخطاب عهدًا للبطريرك صفرونيوس بالأمان "للرعايا والقسوس، والرهبان والراهبات حيث كانوا، وأين وجدوا"، والواقع أن هذا ما جرى عليه المسلمون في معاملتهم لأهل الذمة. - أعطى عمر بن الخطاب الأمان "عليهم وعلى كنائسهم، ودياراتهم وكافة زياراتهم التي بيدهم داخلًا وخارجًا، وهي القمامة وبيت لحم، ومولد عيسى ﵇ كنيسة الكبرا، والمغارة ذات الثلاثة أبواب، قبلي وشمالي وغربي"، وهذا أيضًا ما جرى عليه المسلمون في معاملتهم لأهل الذمة.

стр. 274

- يكون "بقية أجناس النصارى الموجودين هناك، وهم الكرج والحبش، والذين يأتون للزيارة من الإفرنج والقبط، والسريان والأرمن والنساطرة، واليعاقبة والموارنة، تابعين للبطريرك المذكور، ويكون هو متقدمًا عليهم". يعد هذا النص بالغ الإيجابية، والقوة في يد صفرونيوس ومن يأتي بعده؛ لأنه أعطى بطريرك بيت المقدس الرسولي اليد العليا على سائر النصارى من مقيمين وزوار، وجعل له السلطان عليهم، وقد يلقي ذلك ضوءًا على أنه وضع لاحقًا لوضع حد للخلافات المذهبية على الرئاسة الروحية لكنيسة القيامة، ثم نسب إلى عمر بن الخطاب لإكسابه أهمية، واستعماله حجة على أن الرئاسة للطائفة الأرثوذكسية على مر الأيام. - إعفاء نصارى بيت المقدس من دفع "الجزية والغفر١، والواجب من كافة البلايا في البر والبحور، وفي دخلوهم للقمامة وبقية زياراتهم لا يؤخذ منهم شيء"، ويعد هذا النص وثيقة مهمة في يد سكان بيت المقدس الأصليين، لقد استثناهم من دفع الجزية، ذلك الحكم الذي جرى عليه عمل المسلمين في سائر فتوحهم، والملاحظ أننا لم نجد أي رواية تاريخية تستثني نصارى فلسطين بعامة، وبيت المقدس بخاصة من دفع الجزية، مما يفسر على أنه وضع لاحقًا لتمييز سكان بيت المقدس عن النصارى بعامة. - "وأما الذين يقبلون إلى الزيارة إلى القمامة، يؤدي النصراني إلى البطرك درهم وثلث من الفضة"، لقد أعطي هذا النصر البطريرك، ومن خلاله نصارى بيت المقدس، الملكية المطلقة للأماكن المقدسة في المدينة وما يجاورها، وأذن لهم بجبابة درهم، وثلث من الفضة من كل نصراني يزور كنيسة القيامة، والراجح أن هذا النص وضع لاحقًا أيضًَا لقطع الخلافات المذهبية على الرئاسة الروحية لكنيسة القيامة. ويذكر بأن هذه الرواية خالية من أي إشارة إلى اليهود، أما تاريخ توقيع العهدة العمرية، فهو شهر "محرم ١٧هـ/ شباط ٦٣٨م"٢. هل تدل هذه الامتيازات على أن عمر بن الخطاب ائتمن النصارى للحفاظ على حرمة الأماكن المقدسة؛ لأنهم كانوا الأكثر عددًا بين سكان المدينة، والأكثر تجانسًا؟ لا شك بأن العهدة العمرية أظهرت كرمًا بالغًا مع النصارى لم يتهيأ لهم في التاريخ، ولم يكن لهم رجاء في مثله، وهي في حد ذاتها ظاهرة ملفتة، ومميزة في العلاقات المتبادلة بين الأديان، وتكشف لنا جوانب مهمة عن طبيعة التفاهم بين

стр. 275

المسلمين والنصارى، ونوع العلاقات بينهما في تلك الحقبة من الزمن١. وأيًا كان أمر العهدة العمرية، وعلى الرغم من التباين في نصوص روايات المصادر وألفاظها، فمن المؤكد أن لها صلبًا تاريخيًا، وأن فحوى الروايات تتفق على سماحة المسلمين، ورعايتهم للحرمات الدينية بما يتفق مع السياق العام للمعاهدات الإسلامية مع أهل الذمة٢. دخول عمر إلى بيت المقدس: دخل عمر بن الخطاب، وأصحابه إلى بيت المقدس بعد عقد الصلح، ورافقهم البطريرك صفرونيوس يدلهم على آثارها، وأماكن الحج فيها، ثم دخلوا كنيسة القيامة، وجلسوا في رواقها، وهو ردهة مسقوفة أمام مدخلها الرئيسي، وأدرك عمر وقت الصلاة، فطلب البطريرك منه أن يصلي بها فهي من مساجد الله. والواضح أن البطريرك فهم حاجة عمر إلى الصلاة، ورأى، وهو المتزهد، أن أي مكان يصلح للصلاة، لذلك عرض عليه أن يصلي في رواق الكنيسة حيث كانا يجلسان، أو في داخل الكنيسة نفسها، لكن عمر اعتذر بأنه إن يفعل سوف يتبعه المسلمون على تعاقب القرون إذ يرون عمله سنة مستحبة، فإذا فعلوا فإنهم سوف يضعون يدهم عليها، ويحرمون النصارى منها، ويخالفون عهد الأمان. واعتذر عن الصلاة في كنيسة قسطنطين المجاورة للسبب نفسه، ثم خرج إلى درجات بوابة الجهة الشرقية من هذه الكنيسة الثانية، إلى جانب طريق "كاردو مكسيموس" المزدحم وصلى منفردًا، ثم أعطى عهدًا للنصارى ألا يصلي المسلمون على عتاب الكنائس جماعة، ولكن فرادى وألا يجتمعوا هنا لصلاة جماعية، وألا يدعوهم إلى صلاة الجماعة مؤذن، كانت هذه البادرة تعبر عن رغبة كريمة، وجدت في ظروف خاصة، ومهما يكن من أمر، فقد بنى المسلمون لاحقًا مسجدًا في المكان الذي صلى فيه عمر، وسموه باسمه، فهو مسجد عمر أو جامع عمر، ولما كانت ظروف الاستسلام قط أعطت النصارى عهد أمان في أداء صلواتهم في كنائسهم، فإنه من المحتمل أن منطقة الهيكل كانت تستعمل كمكان يؤدي فيه المسلمون صلواتهم عند البداية، وشيد المسلمون في هذا المكان، من بعد، مسجدًا هو المسجد الأقصى٣. وتذكر بعض المصادر أن عمر اصطحب معه اليهود الذين دلوه على المكان

стр. 276

الحقيقي للهيكل الذي كان النصارى قد طمسوه عن قصد، فأمر بإزارة ما عليه، واقترح كعب الأخبار، وكان يهوديًا فأسلم، على عمر أن يصلي خلف الصخرة المقدسة، حتى يكون بوضعه هذا مستقبلًا القبلتين، فرفض عمر ما أشار عليه حتى يتجه المسلمون في صلاتهم نحو الكعبة فقط؛ لأنها قبلة المسلمين في كتاب الله، ولعل إبراز دور اليهود هنا جرى من واقع محاولاتهم التدخل في روايات التاريخ الإسلامي بعامة، وروايات فتوح بلاد الشام بخاصة، وإعادة إحياء معالمهم الدينية في بيت المقدس بعد أن طمسها النصارى١. وزار عمر بعد ذلك كنيسة المهد في بيت لحم، ولما أدركه وقت الصلاة صلى بها، ثم إنه خشي أن يتخذ المسلمون من صلاته سنة، فيخرجوا أصحابها منها، فكتب للبطريرك عهدًا خاصًا يجعل هذه الكنيسة للنصارى، ويحدد دخول المسلمين إليها بشخص واحد في كل مرة. وبعد أن مكث في بيت المقدس عشر أيام٢، عاد عمر مع قادة جيشه إلى الجابية لاستكمال مناقشاته، ومشاوراته في شئون المسملين، وتنظيم ما تم فتحه من بلاد الشام. صلح اللد: انتشر صلح بيت المقدس في المناطق المجاورة، وبفعل ما حصل عليه النصارى بموجبه من امتيازات، تسابقت قرى المناطق في الحصول على صلح مماثل في شروطه، وقد ظفر أهل اللد من عمر بكتاب جرى عليهم، وعلى البلاد التي دخلت من بعد معهم فيه، فأعطاهم أمانًا على أنفسهم، وأموالهم وكنائسهم وصلبهم سقيمهم، وبريئهم وسائر ملتهم، وألا يكرهوا على دينهم، ولا يضار أحد منهم على أن يعطوا من الجزية ما يعطي أهل مدائن الشام٣. فتح قيسارية: الواقع أن عمليات فتح قيسارية، بدأت حين حاصرها عمرو بن العاص في "جمادى الأولى ١٣هـ/ تموز ٦٣٤م"، لكنه لم يتمكن من فتحها؛ لأن الحصار كان متقطعًا، فكان عمرو يقيم عليها ما أقام، فإذا كان المسلمين اجتماع في أمر عدوهم

стр. 277

سار إليهم، فشهد أجنادين وفحل -بيسان، ومرج الصفر ودمشق واليرموك، ثم عاد إلى فلسطين واشترك في فتح بيت المقدس، ثم ذهب إلى مصر بعد ذلك. وأرسل عمر بن الخطاب إلى يزيد بن أبي سفيان بأن يبعث أخاه معاوية لفتحها بهدف إضعاف الجبهة البيزنطية، ومنع البيزنطيين من مساعدة سكان بيت المقدس المحاضرين آنذاك، وتولى يزيد حصار المدينة بعد فتح بيت المقدس لكنه مرض أثناء الحصار، فاستخلف عليها أخاه معاوية، وعاد إلى دمشق حيث توفي بها في عام "١٨هـ/ ٦٣٩م" متأثرًا بإصابته بطاعون عمواس١. وشدد معاوية الحصار عليها، وجرت مناوشات بين الجيش الإسلامي، وحاميتها لم تسفر عن أي تغيير في الوضع الميداني، ويبدو أن البيزنطيين أرادوا الاحتفاظ بهذه المدينة موطئ قدم لهم على ساحل بلاد الشام الجنوبي، لذلك استماتوا في الدفاع عنها، ولم يتمكن معاوية من فتحها إلا بمساعدة اليهود، ففي إحدى ثوراتهم على الحكم البيزنطي، ثار اليهود في قيسارية، فأرسل هرقل أخاه ثاودووس، فأخضع الثورة وقتل معظم من فيها من اليهود وفر من نجا، كان لهذه الحادثة أثرها الإيجابي على عملية الفتح، فبفعل العداء التقليدي بين اليهود والبيزنطيين، جاء رجل يهودي يدعى يوسف إلى معسكر معاوية، ودله على نفق يصل إلى بوابة القلعة داخل المدينة، فتسللت مجموعة من المقاتلين عبر ذلك النفق، وفتحوا البوابة فدخل منها الجيش الإسلامي، فوجئ البيزنطيون عندما رأوا الجنود المسلمين داخل المدينة، وتولاهم الذعر، ولما أرادوا الفرار عبر النفق، وجدوا جنود المسلمين عليه، فقتل معظمهم، وكان فتحها في شهر "شوال ١٩هـ/ تشرين الأول ٦٤٠م"٢. استكمال فتح الأردن: استكمل شرحبيل بن حسنة فتح الأردن، وكان قد دخل أكثره في طاعة المسلمين إثر معركة فحل -بيسان، ففتح سوسية وأنيق وجرش، وبيت رأس والجولان وغلب على سواده، وجميع أرضه. محاولة فتح أرمينية: يرتبط فتح أرمينية بالفتح الإسلامي لشمالي بلاد الشام وإقليم الجزيرة، والواقع أن أرمينية البيزنطية لم تكن هدفًا للمسلمين عندما خرجوا من جزيرتهم، ولكنها أضحت

стр. 278

خريطة فتوح المسلمين نهاوند.. وما وراء النهر

стр. 279

مهمة في سياستهم التوسعية بعد وصولهم إلى أطرافها، وذلك من أجل حماية مكتسباتهم المنجزة، ومنع وقوع هجمات قد تنطلق منها، ومن جهة أخرى، لم يكن بوسع بيزنطية أن تفرط بهذه البلاد بعد أن خسرت ممتلكاتها في الجنوب، وذلك لعدة أسباب لعل أهمها: - إن أرمينية غنية بمواردها المعدنية، والأخشاب والقوة البشرية التي تغذي الإمبراطورية. - جعلت الفتوح الإسلامية، الأرمن، أكثر أهمية للبيزنطيين عن ذي قبل. - تسيطر أرمينية على بعض الطرق التجارية الرئيسة التي تربط القسطنطينية بالتجارة الشرقية، ويمكن إدراك هذه الأهمية التجارية بالنسبة لبيزنطية بعد خسارتها بلاد الشام، وإقليم الجزيرة. - كان الأرمن حلفاء طبيعيين لهرقل ولأسرته، وقد منحهم دورا مهمًا في حملاته ضد المسلمين. - لقد جمعت البيزنطيين والأرمن مصلحة سياسية مشتركة، وهي الدفاع عن مواقع عسكرية "استراتيجية" في أطراف شمالي بلاد الشام، بالإضافة إلى إقليم الجزيرة، وهو المجال الحيوي لأرمينية، هذا على الرغم من الاختلاف الديني بين الكنيستين البيزنطية، والأرمينية الذي أثر بشكل، أو بآخر على العلاقات بين الطرفين. ومهما يكن من أمر، فقد أطل المسلمون على الربوع الأرمينية بعد أن دان لهم إقليم الجزيرة الفراتية، وحفلت خلافة عمر بن الخطاب بحملتين كبيرتين قام بهما المسلمون ضد بلاد الأرمن، لفتحها. قاد الحملة الأولى عياض بن غنم بن عامي "١٩-٢٠هـ/ ٦٤٠-٦٤١م"، فدخل أرمينية من الجنوب الغربي حتى بلغ بدليس، وأغار على مقاطعتي جولتين الواقعة في منطقة جولقا التابعة لولاية سيونيك، وناختشيفان، فعبر نهر الرس عند مخاضة جولقا، ومر بالأرتاز عند قاسبوراكان، ووصل إلى كوجوفيت حيث كان يعسكر القائدان البيزنطي، بروكوبيوس والأرميني تيودور الرشتوني الذي برز في خدمة الدولة البيزنطية، فاصطدم بهما كل على حدة، مستغلًا اختلافهما حول كيفية التصدي له، فكمن تيودور الرشتوني للمسلمين بالقرب من مضيق ساراتكين، غير أنه تعرض للهزيمة، وانسحب إلى مدينة جارني على الرغم من أنه سلبهم بعض الغنائم، ولما حاول بروكوبيوس بدوره مهاجمتهم تعرض لهزيمة قاسية١.

стр. 280

وقاد الحملة الثانية في عام "٢١هـ/ ٦٤٢م" اثنان من خبرة قادة المسلمين هما حبيب بن مسلمة، وسليمان بن ربيعة الباهلي، فهاجما حدود أرمينية من الشمال الشرقي، لكن الجيش الإسلامي الذي كان مكونًا من أربع فرق حيث يقود كل قائد فرقتين، واجه مقاومة عنيفة، ومع ذلك فقد دخل المسلمون إلى مدينة دوين عاصمة بلاد الأرمن في "٧ ذي القعدة ٢١هـ/ ٦ تشرين الأول ٦٤٢م"، إلا أنهم لم يستقروا فيها بسبب الضغط الأرميني، وغادروها بعد أن غنموا مقادير هائلة من الغنائم، وحملوا معهم كثيرًا من الأسرى، وطارد تيودور الرشتوني الجيش الإسلامي أثناء خروجه من المنطقة في محاولة لاستعادة الغنائم والأسرى، وكمن له عند نهر كوجوفيت، إلا أنه فشل في مهمته١. كان من الطبيعي، تجاه المقاومة العنيفة التي واجهها المسلمون، أن تنتهي هاتان الحملتان دون نتيجة إيجابية من واقع الفشل في فتح البلاد، والاستقرار في الربوع الأرمينية. فتح الباب: كان طبيعيًا أن يتابع المسلمون زحفهم باتجاه شمال فارس حتى يقضوا على كل مقاومة، وكان على بحر قزوين، إلى جانب أذربيجان، فرصة يقال لها: الباب أو باب الأبواب، إنها دربندشروان، وتقع على الساحل الغربي للبحر المذكور، وقد بنيت وسط طرق جبلية ملتوية ومحصنة، وأصاب ماء البحر حائطها، وفي وسطها مرسى السفن، وقد بني على حافتي البحر سدان، وجعل المدخل ملتويًا، وعلى هذا الفم سلسلة ممدودة، فلا مخرج للسفن، ولا مدخل إلا بإذن٢. كان يحكم الباب شهربراز، وهو مجوسي وتابع لحكومة فارس، فأرسل عمر بن الخطاب سراقة بن عمرو الأنصاري إلى الباب، وأمره بفتح المنطقة والتوغل فيها، فأرسل هذا عبد الرحمن بن ربيعة كطليعة، ثم خرج في أثره، وانضم إليه بكير بن عبد الله الليثي، وأمد عمر المسملين بحبيب بن مسلمة من الجزيرة. وعندما اقترب عبد الرحمن من المدينة، شعر شهربراز بالخطر، وحتى يتجنب كارثة مؤكدة طلب الصلح، فأجابه عبد الرحمن وارسله إلى سراقة، وعرض أن يساعد المسلمين في صد الحملات الخارجية التي يقوم سكان المنطقة الأتراك مقابل إسقاط الجزية عنه وعن شعبه، فقبل سراقة منه ذلك، وأضحت هذه الظاهرة سنة

стр. 281

فيمن يحارب مع المسلمين، وكتب سراقة بذلك إلى عمر فأجازه١. توجه سراقة بعد أن فرغ من الباب إلى الجبال المحيطة بها، فرضي سكانها بدفع الجزية دون قتال باستثناء موقان التي قاومت في بادائ الأمر قبل أن تستسلم. وتوفي سراقة في هذه الأثناء، وخلفه عبد الرحمن بن ربيعة، فأمره عمر بغزو الترك٢، فسار بجيشه حتى اجتاز منطقة الباب، وغزا بلنجر٣، لكن المسلمين لم يتمكنوا من فتح هذه البلاد الشمالية في هذا الوقت٤.

стр. 282

الفصل التاسع: فتوح مصر مدخل ... الفصل التاسع: فتوح مصر أوضاع مصر قبل الفتح الإسلامي: تمهيد: يرتبط فتح مصر بأهميتها السياسية والاقتصادية، وذلك بما لديها من خصائص، وما توفره من إمكانات على جانب كبير من الأهمية، ويروي ابن عبد الحكم أن عمرو بن العاص أشار على عمر بن الخطاب بفتحها، وقال: "إنك إن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونًا لهم، وهي أكثر الأرض أموالًا، وأعجزها عن القتال والحرب"١، والمعروف أن عمرًا كان قد سافر إلى مصر في الجاهلية للتجارة، فوقف على معالمها وعلى أوضاعها الداخلية، وبخاصة النزاع الديني بين البيزنطيين الحاكمين، وبين الشعب المصري الذي يخالفهم في المذهب، وظن أن المصريين سوف يمتنعون عن مساعدة الحاميات العسكرية البيزنطية المنتشرة في مصر إذا هاجمها المسلمون، ومما زاده اقتناعًا بما يظنه ما تناهى إلى أسماع المصريين عن سياسة المسلمين المتسامحة في بلاد الشام. اجتمع عمرو بن العاص بعمر بن الخطاب في الجابية حين جاء إلى بلاد الشام بعد طاعون عمواس، وعرض عليه فتح مصر وطلب السماح له بالمسير إليها٢ وهنا تظهر لأول مرة في المصادر العربية فكرة فتح مصر، وكأنها فكرة طارئة عنت لعمرو بن العاص الذي كان يسعى للحصول على ميدان جديد يظهر فيه نشاطه، وحسنها للخليفة عمر، وتجري بعض المصادر أن فكرة فتح مصر تعود إلى عمر بن الخطاب نفسه الذي أمر عمرو بن العاص بالمسير إليها٣. والواقع أن فتح مصر أضحى ضرورة بعد فتح بلاد الشام، وقد أثارت هذه البلاد

стр. 283

اهتمام المسلمين الجدي بعد أن وقفوا على أوضاعها السياسية، والاقتصادية والدينية المتردية، ذلك أن تطلعات عمرو بن العاص، ومن خلالها عمر بن الخطاب تكمن في فتح مصر، وضمها إلى الدولة الإسلامية من خلال هذا الواقع. الوضع السياسي: كانت مصر ولاية رومانية تابعة مباشرة لرومة منذ عام ٣١ ق. م، حين استولى الرومان عليها، وقضوا على حكم البطالسة١ فيها، واتخذها الإمبراطور أغسطس قيصر مخزنًا يمد رومة بحاجتها من الغلال، واتصف الحكم الروماني بالتعسف، فقد برع الرومان في ابتكار الوسائل التي تتيح لهم استغلال موارد البلاد، ففرضوا على المصريين نظمًا ضريبية متعسفة شملت الأشخاص، والأشياء والصناعات، والماشية والأراضي، فضاق المصريون ذرعًا بها، وقاموا بعدة ثورات ضد الحكم الروماني لعل أشهرها تلك التي قامت في عهد الإمبراطور ماركوس أورليوس "١٦١-١٨٠م"، وتعرف بحرب الزراع، أو الحرب البوكولية٢، ولكن الرومان كانوا يقضون على هذه الثورات في كل مرة٣. ظلت مصر تحت الحكم الروماني ما يزيد على أربعة قرون، ففي عام ٣٩٥م انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين شرقي وغربي، وعلى الرغم من استمرار فكرة وحدة الإمبراطورية، فقد حكم أمبراطوران معًا، واحد في الشرق وآخر في الغرب، وفي عام ٤٧٦م سقط القسم الغربي في أيدي البرابرة الجرمان في حين نجا القسم الشرقي الذي عرف بالإمبراطورية البيزنطية، وعاصمته القسطنطينية. وكانت شمالي إفريقية ومن ضمنها مصر تابعة لهذه الإمبراطورية من خلال ما كان يعرف بأرخونية إفريقية، إلا أنها بظروفها السياسية والدينية، تعد امتدادًا طبيعيًا لبلاد الشام مع بضع الاختلاف في المدى الذي ترتبط به بالحكم المركزي في القسطنطينية، فقد وحدت بينهما العقيدة النصرانية، ولكن وفقًا لمفهوم لا يتفق كثيرًا مع المذهب الإمبراطوري الملكاني مما سنشرحه فيما بعد، ومن ناحية أخرى، كان الحكم البيزنطي، مباشرًا ومستبدًا يدار بواسطة حاكم يعينه الإمبراطور لكن الحضور السياسي كان ضعيفًا، مما أدى إلى انعدام التوازن في العلاقة بين الحكم المركزي

стр. 284

والشعب المصري، وكان المظهر الوحيد للسيادة المركزية، والإدارة التي تؤمن مصالح الدولة الحاكمة، هو وجود مراكز عسكرية في المدن الكبرى، وبعض الحاميات المنتشرة في الداخل١. وكانت مصر، بوصفها مرتبطة مباشرة بالحكم المركزي، تتأثر بما كان يحدث في البلاط البيزنطي من صراعات، ومؤامرات من أجل السلطة، فتعرض المصريون لأشد أنواع المضايقات في عهد الإمبراطور فوقاس "٦٠٢-٦١٠م"، فما اشتهر به عهده من المؤامرات والاغتيالات، إنما حدد الإطار الخارجي الذي جرى في نطاقه من العوامل ما أدى إلى انتشار الفوضى، والتفكك البطيء في الحكومة والمجتمع، وقد تأثرت مصر بذلك، فامتلأت أرض الصعيد بعصابات اللصوص، وقطاع الطرق، وغزاها البدو وأهل النوبة، واضطربت أوضاع مصر السفلى أيضًا، وأضحت ميدانًا للشغب والفتن، والثورات بين الطوائف، وقد توشك أن تكون حربًا أهلية، وانصرف الحكام إلى جمع المال لخزينة الإمبراطورية بغض النظر عن مشروعية الوسائل، أو عدم مشروعيتها، فاضطرمت مصر بنار الثورة. وتعرضت الإمبراطورية في هذه الأثناء إلى كارثة خطيرة، إذا هزمت عسكريًا في البلقان، وآسيا الصغرى، وبلاد الشام، واجتاحتها الجيوش الفارسية، ثم شرع الفرس بغزو مصر، فسقطت الإسكندرية في أيديهم في عام ٦١٩م، ولم تلبث مصر كلها أن أضحت تحت حكمهم. شعر المصريون بحرية لم يعهدوها من قبل في ظل حكم فوقاس، ذلك أن الفرس تركوا لهم أمر الحكم على نحو من اللامركزية المألوفة في بلادهم، وأسقطوا عنهم كثيرًا من الأعباء التي كانت ترهقهم، وإن ظلوا متعالين عليهم بوصفهم الطبقة الحاكمة. وهكذا استهل القرن السابع الميلادي، والدولة البيزنطية تسير في طريق الانحدار، ولم ينقذ الموقف إلا ثورة حاكم أرخونية إفريقية، على حكم فوقاس، وانحازت إليه مصر، ونجح هرقل في خلع فوقاس، وتولى الحكم. وبفضل ما اتخذه من تدابير إصلاحية، عسكرية وإدارية، نهض لقتال الفرس، واسترد ما فقدته الإمبراطورية البيزنطية على أيديهم، فاستعاد بلاد الشام ومصر، وكان الأقباط سكان مصر يأملون أن يجدوا في الحكم الجديد سيرًا أرفق بهم مما كانوا يعانونه من عسف فوقاس، وبأن يكافئهم هرقل على مساندتهم له، وألا يرهقهم حكمه.

стр. 285

والواقع أنهم لم يشعروا بخيبة أمل بالغة في بادئ الأمر، إذ ليس ثمة ما يدعو إلى الشك في أن هرقل كان حريصًا على أن يستقطب المصريين، وكان واليه على مصر نيقتاس يرى لزامًا عليه أن يجزيهم على ما قدموه من خدمة للإمبراطورية. لكن سرعان ما خاب أملهم، فقد عاد الحكيم البيزنطي إلى سيرته الأولى من التعسف، مما أدى إلى التباعد بين الشعب وحكامه، كانت تغذيه باستمرار المحاباة القمعية، التي ارتبطت بآخر الحكام البيزنطيين قيرس١، الذي سعى إلى تنفيذ برنامج هرقل الهادف إلى تدعيم مركزية النظام بضرب المذاهب المتعارضة مع المذهب الرسمي للدولة. وكانت مصر تمثل امتدادًا طبيعيًا لبلاد الشام من وجهة النظر الجغرافية والعسكرية والاقتصادية، وللبيزنطيين فيها جيش كبير قوامه ثلاثون ألفًا، فإذا ظلت تحت الحكم البيزنطي، فإن من شأن ذلك أن يحاصر البيزنطيون بلاد الشام من الجنوب، بالإضافة إلى سهولة إرسال حملة بيزنطية عن طريق البحر الأحمر لتهديد بلاد الحجاز، يضاف إلى ذلك إدراك كل من عمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص أهمية وضع المسلمين يدهم على مصر، والمزايا التي تعود عليهم بامتلاكها، وبخاصة فيما يتعلق بمواصلة نشر الدين الإسلامي على أساس توحيد القوى الحاكمة في كل من البلدين الشام، ومصر تحت زعامة حاكم مسلم، وإن من شأن ذلك أن يقطع على البيزنطيين جهودهم في مضايقة المسلمين، واستعادة بلاد الشام. وكان من البديهي أن يتأثر المسلمون بعد فتحهم لبلاد الشام، بهذه الحقيقة للأسباب نفسها، فكانت مصر في الإطار العام ذات ارتباط عضوي، وهو ما ناقشه مؤتمر الجابية٢. الوضع الاقتصادي: عرف العرب مصر منذ حقب بعيدة، وذلك بفعل ما كان بينها، وبين الجزيرة العربية من صلات أبرزها الصلة التجارية، ذلك أن مصر كانت منذ أيام الفراعنة دولة بحرية تجوب أساطيلها التجارية البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، وهيمنت على
следующие страницы →