واطمأن إلى موقعه"١، والواقع أن هذا المكان كان ميدانًا قفرًا به حصى وحجارة، محاطًا بالماء والكلأ، فهو مناسب تمامًا لطبيعة العربي.
وضع عتبة أساس المدينة، وبنى المسجد الجامع من القصب، وكذلك بنى الناس منازلهم، وكلف عاصمًا بن دلف لينزل القبائل في مواضعها، وتم بناء المباني الخاصة بدوائر الحكومة والإدارة، وفي عام "١٧هـ/ ٦٣٨م" اندلعت النار في المكان، فاحترق أكثر البيوت، فأرسل سعد إلى الخليفة يستأذنه في بناء مبان من اللبن تكون أكثر ثباتًا، فوافق عمر لكنه أكد على ألا يبني الفرد أكثر من ثلاث حجرات في المنزل٢، كما أمر بشق قناة تصل المدينة بدجلة، وأضحت البصرة بعد ذلك، ثغر العراق على الخليج العربي.
استأذن عتبة الخليفة في أن يقدم عليه في المدينة، فأذن له، فاستخلف المغيرة بن شعبة على البصرة، وأقر عمر إمارته، فظل بها حتى شهر "ربيع الأول ١٧هـ/ نيسان ٦٣٨م"، عندما استبدله بأبي موسى الأشعري، فاختط البصرة من جديد، وأقام البناء باللبن، والطين ووسع المسجد الجامع، وجدد دار الإمارة٣.
تمصير الكوفة:
استقر المسلمون في المدائن بعد فتحها، ويبدو أن البنية الجغرافية لهذا الإقليم لم تتناسب مع ما ألفه العرب من جو صحراوي مفتوح، فشحب لونهم، فلما وقف الخليفة على ذلك كتب إلى سعد يأمره بأن يتخذ للمسلمين دار هجرة يقيمون فيها، وأن يختار مكانًا مناسبًا بحيث لا يكون بينهم، وبينه بحر ولا جسر٤، وإنما أراد عمر بهذا أن يحقق عدة أهداف لعل أهمها:
- أن يكون المكان المختار لمقام هؤلاء العرب جافًا كالبادية، وتجري فيه، مع ذلك، المياه الصالحة.
- أن تكون المدينة الجديدة قاعدة متقدمة لإمداد بشري للفاتحين بحيث لا يحول بحر، ولا جسر دون إرسال المدد إلى الجند المقيمين في هذه المنطقة إذا احتاجوا يومًا إليه.
- أن يشكل الموضع مركز انطلاق عسكري يساعد على تثبيت أقدام المسلمين في البلدان المفتوحة
стр. 212
نزل سعد في الأنبار، وقرر اتخاذها مقرًا، ولكن كثرة الذباب فيها اضطره إلى النزوح إلى كويفة عمر، فلم يجدها كما يرغب، فكتب إلى الخليفة للوقوف على رأيه، فأجابه: "إن العرب لا يوافقها إلا ما وافق إبلها من البلدان، فابعث سلمان، وحذيفة١ رائدين، فليرتادوا منزلًا بريًا بحريًا ليس بيني وبينكم فيه بحر ولا جسر"، نفذ سعد أوامر عمر، ونجح الرائدان في اختيار مكان مناسب بين الحيرة والفرات، فنزله المسلمون في شهر "محرم ١٧هـ/ كانون الثاني ٦٣٨م"، وضربوا خيامًا في بادئ الأمر حتى يظلوا متأهبين للجهاد، ويبدو أن هذه كانت رغبة الخليفة حتى لا يلجأ المسلمون إلى الدعة، ثم أذن لهم بعد ذلك بأن يقيموا بيوتًا من القصب والقش، ولكن حريقًا كبيرًا شب، فالتهم معظم هذه البيوت، فطلب المسلمون من عمر أن يأذن لهم بإعادة البناء باللبن، فأذن لهم بشرط ألا يتطاولوا في البنيان٢.
أشرف أبو الهيجاء بن مالك الأسدي على تخطيط المدينة، وأول ما شيد من أبنيتها المسجد الجامع، وبنيت أمامه ظلة واسعة المساحة أقيمت على أعمدة، وشيدت دار الإمارة بجوار المسجد، وسميت قصر سعد، وأقام الجند منازلهم حول فناء المسجد، فاختارت كل قبيلة مكانًا نزلت فيه وجعلت به خيامها. وكان من أهم مميزات المدينة الجديدة اتساع طرقها، حتى لا تحجب الأبنية هواء البادية عن سكانها.
فتوح فارس "إيران":
стр. 213
فتوح فارس "إيران ":
تمهيد:
لم يكن عمر بن الخطاب قد خطط في هذا الوقت لتفح بلاد فارس المعروفة بإيران اليوم، وكان هدف الاصطدامات التي حدثت حتى الآن داخل الأراضي الفارسية هو الحفاظ على إنجازات المسلمين، والمحافظة على الأراضي الإسلامية، إلا أن العراق الذي ضم إلى رقعة الدولة الإسلامية، يعد جزءًا من بلاد العرب؛ لأن العرب سكنوا في أنحائه قبل الإسلام، وكان عمر يقول: "وددت أن بيننا وبين فارس جبلًا من نار لا يصلون إلينا منه، ولا نصل إليهم"، ولكن الفرس لم يركنوا إلى الهدوء، فكانوا يجهزون الجيوش استعدادًا لمواصلة الحرب، كما كانوا يقومون بأعمال التمرد في البلاد المفتوحة١، ولما سأل عمر كبار الصحابة عن سبب ذلك
стр. 214
أجابوه: "لا يمكن أن تخمد هذه الفتنة ما لم يخرج يزدجرد من حدود إيران، ولا يمكن أن تنقطع آمال الإيرانيين طالما تراودهم هذه الفكرة، وهي أن وارث عرش "كنعان" موجود على قيد الحياة"١.
ومما زاد في تشجيع الفرس على التمادي في الخروج على حكم المسلمين، والاستعداد لحرب الاسترداد؛ إخفاق هؤلاء في فتح مدينة إصطخر٢، والمعروف أن العلاء بن الحضرمي عامل عمر على البحرين عبر الخليخ إلى البر الفارسي دون الحصول على إذن من الخليفة، فقصد اصطخر، وتغلب على حامية السواحل، وتابع زحفه باتجاه المدينة، إلا أنه لم يؤمن على مؤخرته حيث تقضي السياسة العسكرية السليمة بتمركز قوة عسكرية في النقاط المهمة على الطريق إلى اصطخر، فقطع الفرس عليه خط الرجعة بقيادة الهربذ، ولم ينقذه سوى قرار الخليفة بإرسال مدد من حاميات البصرة، والكوفة وعزله عمر بعد ذلك جزاء مغامرته، ووضعه بتصرف سعد٣.
فتح الأهواز وتستر ٤:
اعتقد الفرس أن الأندفاع الإسلامي سوف يتوقف بعد أن يصل المسلمون إلى الثور، ولهذا اطمأنوا على ديمومة مملكتهم، والواقع أن سياسة عمر أن يتوقف المسلمون عن الزحف شرقًا، ولا يتعدوا العراق انسجامًا مع تطلعاته العربية حيث كانت بعض القبائل العربية تقيم فيه؛ لكن الأحداث المتسارعة دفعته خإلى تغيير هذه السياسة تجاه الفرس، وشجعته الانتصارات الإسلامية على التوغل في عمق الأراضي الفارسية.
كانت الأوضاع السياسية في فارس مزعزعة، وأركان الحكم متفرقين في النواحي، فقد رحل يزدجرد إلى الري كما ذكرنا، إلا أنه تعرض لمؤامرة من قبل حاكمها آبان جاذويه، فغادرها إلى خراسان عن طريق أصفهان وكرمان، وأقام بمرو، واتخذها قاعدة جديدة يحكم منها ما تبقى من مملكته، واستقر الهرمزان في الأهواز، وتشتت جنود فارس في مختلف النواحي٥.
стр. 215
وعندما علم يزدجرد، وأهل فارس بقرار الخليفة بألا يتعدى المسلمون العراق، ظنوا بأن هؤلاء أمسكوا عن تعقبهم خوفًا ورهبة، فطمعوا في استرداد ما فقدوه، ولم يزل يزدجرد يثير الفرس من قاعدته في مرو حتى تحركت قوة عسكرية ضخزة نحو تستر عاصمة الأهواز بقيادة الهرمزان، فأرسل سعد فرقة عسكرية من الكوفة إلى الأهواز بقيادة النعمان بن مقرن المزني، بناء على تعليمات عمر، كما كتب "عمر" إلى أبي موسى الأشعري عامله على البصرة بأن يرسل قوة عسكرية من جند البصرة بقيادة سهل بن عدي١.
كان سكان الأهواز قد أشعلوا الثورة ضد الوجود الإسلامي بفعل قرب بلادهم من الأبلة والبصرة، وقد أثارهم التغيير السريع للولاة في البصرة، وقد أملوا أن تندلع الاضطرابات الداخلية بين المسلمين، مما يساعدهم على طردهم من المنطقة.
سلك النعمان طريق السواد، وعبر دجلة عند ميسان وتابع زحفه إلى الأهواز، فاجتاز نهر تيري، ومناذر وسوق الأهواز، ثم اصطدم بالقوة الفارسية بقيادة الهرمزان بن رامهرمز في أربك٢، وتغلب عليها، وانسحب الهرمزان إلى تستر وأخلى رامهرمز، فدخلها النعمان، ثم أتم فتح الأهواز بعد أن انضم إليه الجند الذين قدموا من البصرة بقيادة سهل بن عدي، كما انضم أبو موسى الأشعري إلى الجيش الإسلامي بعد ذلك، وحاصر المسلمون تستر، وقد تحصن بها الهرمزان، دام الحصار بضعة أشهر تخلله مناوشات بين الطرفين كانت سجالًا قبل أن يقتحم المسلمون المدينة بمساعدة أحد سكانها، وأسر الهرمزان، وأرسل إلى عمر في المدينة، فأعلن إسلامه أمامه٣.
فتح السوس ٤:
أحاط المسلمون بالسوس، وعليها شهريار أخو الهرمزان، وجرت بين الطرفين عدة مناوشات.
وعلم المسلمون أثناء الحصار بأن الفرس يحشدون قوات كثيفة في نهاوند، فرأوا أن يسيطروا على السوس قبل الزحف نحوها، فشنوا هجومًا مركزًا على المدينة واخترقوا تحصيناتها، فاستسلم سكانها وطلبوا الأمان٥.
стр. 216
فتح نهاوند:
تراجعت هيبة الإمبراطورية الفارسية بعد خسارة العراق، وانسحاب الفرس من الأهواز إلى عمق الأراضي الفارسية، وحركت هذه الظاهرة العنصرية الفارسية، وأحدثت يقظة في طبرستان١، وجرجان٢ ودنباوند٣، والري وأصفهان٤ وهمذان، وأثارت الفرس في خراسان والسند٥، فكتب سكان تلك المناطق إلى يزدجرد، وهو يومئذ في مرو، وأثاروه لتحرك جديد، فدعا إلى التعبئة، وحشد مائة ألف مقاتل، عين عليهم مردانشاه، ذا الحاجب، وسيرهم جميعًا إلى نهاوند٦.
رصد قباذ بن عبد الله، الوالي على ثغر حلوان٧، هذه الحشود فكتب إلى سعد بذلك، فأخبر سعد بدوره عمر، ثم حدث أن عزل سعد في هذه الظروف الحرجة بسبب وشايات أهل الكوفة ضده، وخلفه عبد الله بن عبد الله بن عتبان، وهو صحابي متقدم في العمر٨.
كانت سياسة عمر تقضي، حتى ذلك الوقت، بعدم السماح للمسلمين بالانسياح في الجبال، لكن حشود الفرس في نهاوند اضطرته إلى تغيير سياسته، فإذا لم يبادرهم المسلمون بالشدة ازدادوا جرأة، وربما كروا عليهم، وعقد مجلسًا للمشورة استمع فيه إلى آراء كبار الصحابة الذين أجمعوا على ضرورة الإمساك بزمام المبادرة٩، وبذلك يكون عمر قد ألغى أوامره السابقة بعدم التوغل فيما وراء السواد.
стр. 217
ومن سمات عمر الفذة أنه كان لديه معرفة كاملة بجميع أحوال البلد، لدرجة أنه كان تحت نظره ميزات كل فرد من أفراد الرعية ومؤهلاته، فاختار النعمان بن مقرن المزني لقيادة الجيش الإسلامي إلى نهاوند، وكان آنذاك عامل الخراج على كسكر من قبل سعد، وموجودًا في البصرة في جموع من أهل الكوفة، كان الخليفة قد أرسلهم مددًا عندما ثار الفرس هناك، وفي رواية أن النعمان كتب إلى عمر برغبته في الجهاد، وعدم بقائه على خراج كسكر، ووصل كتابه إلى المدينة في الوقت الذي تجمعت فيه جيوش الفرس في نهاوند، فكتب إليه بإمارة جند المسلمين١، ورسم له الخطة التي يتوجب عليه تنفيذها، وأردفه بقوات من المدينة بقيادة عبد الله بن عمر، وبثلث قوات البصرة بقيادة أبي موسى الأشعري، وثلث قوات الكوفة بقيادة حذيفة بن اليمان٢.
وقدر عمر أن القتال سيكون ضاربًا، وربما أدى إلى استشهاد القائد، فاقتدى برسول الله ﷺ في معركة مؤتة، فعين سبعة من الرجال خلفًا للنعمان في حال قتل، منهم حذيفة بن اليمان، جرير بن عبد الله البجلي، قيس بن مكشوح المرادي وغيرهم، فإن قتل واحد تولى الذي يليه٣.
وخرج النعمان من السوس على رأس جيش الكوفة الذي يقدر بثلاثين ألف جندي متوجهًا إلى نهاوند، في الوقت الذي فتحت فيه قوة إسلامية مدينة جنديسابور بقيادة زر بن عبد الله كليب٤، وبث العيون أمامه لاستكشاف المنطقة حتى لا يؤخذ على غرة، وهذا ما يفعله القادة العسكريون الناجحون عادة، وحتى يحكم الطرق على الحشود الفارسية في نهاوند، أمر قادة المسلمين بين فارس، والأهواز أن يناوشوا من يحاورهم من الفرس لمنعهم من نجدة أهل نهاوند، وأن يقيموا على الحدود الفاصلة بين فارس والأهواز، كما أرسل مجاشعًا بن مسعود السلمي إلى الأهواز، وأمره أن يخرج إلى ماه٥ لقطع طريق الإمدادات على العدو، حتى إذا وصل إلى غضى شجر٦ أمره النعمان أن يقيم مكانه٧.
стр. 218
وأخبره العيون بأن لا حشود عسكرية على طريق زحف الجيش إلى نهاوند فاطمأن النعمان، وواصل زحفه إلى أسبيهذان التي تبعد تسعة أميال عن نهاوند، وعسكر فيها بالقرب من المعسكر الفارسي، وقد خندق الفرس على أنفسهم، وألقوا حسك الحديد فيما وراءهم حتى لا يتعرضوا للهجوم من الخلف، وقد اقترن على عشرة جنود في سلسلة، وكل خمسة في سلسلة حتى لا يفروا١.
ويبدو أن الفرس تهيبوا الدخول في معركة، فطلبوا من النعمان أن يرسل إليهم رسولًا للتباحث بشأن التوصل إلى تفاهم سلمي، فأرسل إليهم المغيرة بن شعبة، لكن المباحثات انتهت إلى الفشل بسبب التصلب في المواقف، فقد عرض الفرس على المسلمين اقتراحهم القديم بالجلاء عن الأراضي الفارسية مقابل منحهم الإمان والسلم، وجاء الرد الإسلامي سريعًا بالرفض المطلق، وبدأ الطرفان يتسعدان للحرب، ثم التحما في رحى معركة ضارية، ابتدأت شديدة، واستمرت يومين، ولما لاح النصر للمسلمين، تراجع الفرس إلى المدينة وتحصنوا بها، وطرحوا حسك الحديد حول مواقعهم لعرقلة تقدم خيل المسلمين، فأحاط المسلمون بهم، ومرت أيام والجبهة على ذلك، فقلق المسلمون لعدم خروج الفرس من مواقعهم، واشتد الأمر عليهم، وبخاصة أنه دخل فصل الشتاء "شهر محرم عام ٢١هـ/ شهر كانون الأول عام ٦٤١م"٢.
والواقع أن اختيار الفرس لنهاوند كموقع دفاعي كان ممتازًا، بفعل طبيعته الجبلية، وهو اختيار يتيح لقوة صغيرة متحصنة فيه أن تواجه جيشًا بكامله، وهكذا ظنوا أن تحصنهم وراء ذلك الموقع سوف يمنحهم المنعة، ويضعف بالمقابل روح المسلمين القتالية بعد أن يدب اليأس في نفوسهم، ويزعزع ثقتهم بالنصر.
وعقد النعمان مجلسا عسكريًا مع أركان حربه للتشاور، فتقرر تخصيص قوة عسكرية تعمل على دفع الفرس إلى الخروج من تحصيناتهم بالتحرش بهم، وإغرائهم على الالتحام، بالكر والفر، في حين يترصد سائر الجيش في أماكن خلفية خافية عن أعين العدو، فإذا حدث الالتحام تظاهرت القوة بالخسارة، وتتراجع أمامهم إلى حيث يستطيع جيش المسلمين أن يشترك في المعركة، ويلتحم بهم بعيدًا عن تحصيناتهم٣.
стр. 219
ونفذ القعقاع بن عمرو، ومعه سريته من الجند هذه الخطة، فناوش الفرس وأثارهم، فخرجوا من أماكنهم، ثم تظاهر وجنده بالهزيمة، والفرار إلى حيث مكان تجمع الجيش الإسلامي، فطاردوه وأضحوا بعيدين عن المدينة وتحصيناتها، فانكشفوا أمام المسلمين الذين طوقوهم وانقضوا عليهم، ودار قتال لم يسمع، ولم يشهد مثله جيش من الفرس أو المسلمين، وصمد المسلمون لضراوة القتال وشراسة هجمات الفرس بشكل مذهل، وقاتل الفرس قتال المستميت حتى كثر القتل فيهم، واستشهد كثير من المسلمين حتى كسيت أرض المعركة بالدماء يزلق فيه الناس والدواب، وأصيبت بعض خيول المسلمين في هذه الزلقة، كما أصيب النعمان حين زلقت قوائم فرسه في هذه الدماء، فسقط من فوقه، وكان قد جرح من رمية في خاصرته، كانت السبب في استشهاده، فتناول أخوه نعيم بن مقرن الراية منه قبل أن تقع، وسجى النعمان بثوب، ثم رفع الراية إلى حذيفة بن اليمان بوصفه خليفة النعمان، وتكتم المحيطون به هذا الأمر حتى لا يدب الوهن في قلوب الجند، واستمرت المعركة كالمعتاد١.
وواصل حذيفة قيادة المعركة التي كانت قد بدأت في منتصف يوم الجمعة واستمرت إلى عتمة الليل، وانتهت بانهيار التماسك الفارسي، وبالتالي هزيمة الفرس وانتصار المسلمين، وتراجع من نجا من المعركة لكنهم ضلوا طريقهم في عتمة الليل، فسلكوا طريقًا خاطئًا أوصلهم إلى واد عميق يقال له: "واية خرد"، فسطقوا فيه مع خيولهم، وقتل منهم ثمانون ألفًا، وكان مردانشاه من بين القتلى٢.
وتمكن الفيرزان، وهو أحد قادتهم، من النجاة مع قلة من جنوده، وفروا إلى همذان فطاردهم نعيم والقعقاع، وأدرك هذا الأخير الفيرزان في ثنية همذان وقتله٣.
واستسلمت حامية نهاوند، وطلب سكانها الأمان وأقروا بدفع الجزية، فأجابهم حذيفة إلى ما طلبوا، ودخل المسلمون المدينة في موكب النصر، وكتب حذيفة إلى عمر يبشره بالفتح٤.
أصاب الفرس الهلع بهزيمة نهاوند، وتوغل المسلمين في أرضيهم، فازدادوا اضطرابًا، وتراجعت معنوياتهم، فليس إلا أن يأخذهم عمر وهم فيما هم فيه، وأن يدفع
стр. 220
بقواته لتجتاح سائر ولاياتهم حتى تذعن كلها للمسلمين، ولا يبقى فيها أي أثر لمقاومة، وفعلًا عقد عمر عدة ألوية عسكرية عهد إلى قادتها بالانسياج في أرض فارس كلها.
فتح همذان:
واصلت فلول الفرس المنهزمة فرارها حتى وصلت إلى همذان، واحتمت بتحصيناتها، فحاصرهم المسلمون، وأدرك حاكم المدينة، خسروشنوم، بعد انهيار جيش نهاوند، وبلوغ المسلمين مدينته؛ خسارة القضية وبخاصة أنه يفتقر إلى القوة الضرورية للمقاومة والصمود، فآثر الاستسلام مقابل الأمان لمدينته وسكانها١، واقتدى به حاكم الماهين، وذلك في "أواخر عام ٢١هـ/ خريف عام ٦٤٢م".
فتح أصفهان:
إلى جانب اهتمامه بفتح الجنوب الفارسي، اهتم عمر بفتح المناطق الشمالية، فأرسل عبد الله بن عتبان على رأس مقاتلة الكوفة إلى الشمال لفتح أذربيجان والري، فسار إلى أصفهان حيث احتشدت فيها قوة عسركية فارسية، وذلك في عام "٢١هـ/ ٦٤٢م"، وأمده عمر بأبي موسى الأشعري من قاعدة البصرة، وانضم إليه جمع من جند النعمان بن مقرن في نهاوند، فأضحى من القوى ما جعله يصطدم بالقوة الفارسية المدافعة عن المدينة بقيادة شهريار جاذويه، ويتغلب عليها، ويقتل قائدها، وجرت المعركة في ضاحية سميت بعد ذلك برستاق الشيخ، نسبة إلى القائد شهريار المسن، تولي الأسبيران مهمة الدفاع عن المدينة، ولما كان عاجزًا عن الصمود، طلب الصلح وعرض الاعتراف بفتح المسلمين رستاق الشيخ، فكان أول رستاق فتحه هؤلاء من أصفهان٢، واقتدى الفاذوسفان بالأسبيران، فصالح المسلمين، وسلمهم مدينته جي٣، فأقر بالجزية لمن شاء الإقامة في المدينة، وبعودة الذين فروا منها، وقد صودرت أراضيهم حتى يدفعوا الجزية، ومن رفض سمح له بالخروج إلى حيث يشاء، وصودرت أراضيه٤، وحدث فتح أصفهان في عام "٢١هـ/ ٦٤٢م".
стр. 221
إعادة فتح همذان:
انتهز سكان همذان فرصة عودة الجيوش الإسلامية إلى الكوفة، وانهماك المسلمين في فتوح مناطق أخرى، فانتفضوا على الحكم الإسلامي، ونقضوا صلحهم مع المسلمين، فأمر عمر نعيم بن مقرن أن يخرج إليهم في اثني عشر ألف مقاتل، وأن يدخل المدينة عنوة عقابًا لأهلها١.
حاصر نعيم المدينة، وأرغم سكانها على إعادة طلب الصلح، ولم يدخلها عنوة٢، ولعل السبب في ذلك هو أنه سمع عن حشود فارسية أخرى بقيادة أسفنديار، كانت تتجمع للاصطدام به طمعًا في إخراجه من المنطقة، واسترداد ما كسبه هو وأخوه من قبل، فآثر أن يحتفظ بقواته سليمة ليواجه بها هذه الجموع المتزايدة.
والواقع أنه في ظل غياب التنسيق الفارسي العام، أخذت حاميات المدن على عاتقها مقاومة المسلمين منفردة أو مجتمعة، فقد تبادلت حاميات الري، وأذربيجان، والديلم الرسائل، واتفقوا على التصدي للمسلمين، فخرج جيش من الديلم بقيادة موتًا، وعسكر في واج روذ، وانضم إليه جيش من الري بقيادة الزينبي أبي فرخان، وجيش آخر قدم من أذربيجان بقيادة أسفنديار الرازي٣.
تجاه هذه التحركات الفارسية، تحصن أمراء المسالح وراء أسوارهم، وكتبوا إلى نعيم في همذان يطلبون مساعدته، كما أخبروا عمر بذلك، خرج نعيم من همذان، ونزل بجنده في واج روذ، واشتبك مع القوى الفارسية في معركة ضاربة، حتى تذكر الناس معركة نهاوند، أسفرت عن انتصار المسملين، وقتل من الفرس
عدد لا يحصى، ونجا أسفنديار الرازي مع قلة من جنوده، وكذلك الزينبي، وأخبر عمر بهذا الانتصار٤.
فتح الري:
توجه نعيم بعد انتصاره، إلى الري، فاستسلمت له حامية قها الواقعة بين واج روذ، والري بقيادة الزينبي، وسار هذا الأخير مع نعيم نحو الري، استنفر سياوخش بن مهران بن بهرام جوبين حاكم الري حاميات المدن المجاورة، فجاءته الإمدادات من دنباوند، وطبرستان وقومس٥، واشتبك مع القوات الإسلامية على سفج جبل الري.
стр. 222
وتمكنت قوة إسلامية من دخول المدينة بمساعدة الزينبي في الوقت الذي شن فيه الجيش الرئيسي هجومًا ليليًا عنيفًا، فانهزم القوم وكثر القتل فيهم، وخرب نعيم مدينة الري، وبنى على أنقاضها مدينة حديثة، وعين عليها الزينبي، وكتب لسكان الري، كتاب معاهدة، استتب الأمر للمسلمين في إقليم الري، ودخل مردانشاه مصمغان حاكم دنباوند في عهدة الصلح، وفتحت الري في عام "٢٢هـ/ ٦٤٣م"١.
فتح قومس:
كان نصر المسلمين بالري حاسمًا، لذلك أسرعت حاميات المدن، والأقاليم المجاورة في الدخول في ذمة المسلمين لقاء الأمان وتأدية الجزية، فلما سار سويد بن مقرن إلى قومس، بأمر عمر، لم يتصد له أحد، ودخلها سلمًا بلا حرب، ولا مقاومة٢، وبفتح الري وقومس، ودنباوند لم يبق بين المسلمين، وشواطئ بحر قزوين من أرض فارس غير جرجان، وطبرستان وأذربيجان.
فتح جرجان:
عسكر سويد بعد صلح قومس ببسطام٣، وكاتب ملك جرجان، وهو رزبان صول، يدعوه إلى الدخول في طاعة المسلمين، وهدده بالمسير إليه، فاستجاب لنداء الصلح، أقام سويد في جرجان حتى جبى خراجها، ووضع على مداخلها من يحرسها من أتراك دهستان٤.
بعد صلح جرجان نقطة تحول في مسار التعامل مع القوى المحلية، ونظرًا لأهميته نورد نصوصه كما ذكره الطبري:
"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من سويد بن مقرن لرزبان صول بن رزبان، وأهل دهستان وسائر أهل جرجان؛ إن لكم الذمة، وعلينا المنعة، على أن عليكم من الجزاء في كل سنة على قدر طاقتكم، على كل حالم، ومن استعنًا به منكم، فله جزاؤه في معونته عوضًا من جزائه، ولهم الأمان على أنفسهم، وأموالهم ومللهم، وشرائعهم ولا يغير شيء من ذلك هو إليهم ما أدوا وأرشدوا ابن السبيل، ونصحوا وقروا المسلمين، ولم يبد منهم سل ولا غل، ومن أقام فيهم فله مثل ما لهم، ومن خرج
стр. 223
فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، وعلى أن من سب مسلمًا بلغ جهده، ومن ضربه حل دمه"١.
نلاحظ في كتاب الصلح هذا ظاهرة ملفتة، فلأول مرة ممنذ فتح جرجان بدأ المسملون يستعينون بأصحاب البلالد المفتوحة الذين ما زالوا على وثنيتهم، ولعل مرد ذلك يعود إلى سببين:
الأول: إن حركة الفتوح قد امتدت، وتشعبت مع قلة عدد الفاتحين أمام كثرة أعدائهم، لقد كان جيش سويد بن مقرن اثني عشر ألفًا منذ خرج بهم من نهاوند، ففتح همذان والري، ثم فصل قسمًا من جيشه، وأرسله إلى أذربيجان بقيادة سماك بن خرشة، مددًا لبكير بن عبد الله، فنقص عدد قواته عما كان عليه بما لا يقل عن ألفين، ومع ذلك فإنه فتح قومس وجرجان، وهو مقدم على فتح المزيد مما وراء طبرستان، فكان عليه في هذه الحالة أن يستعين بالقوى المحلية ما دام ذلك ممكنًا مقابل إغراءات مادية، وهي الإعفاء من الجزية.
الثاني: إن تعاون بعض الفرس مع المسلمين من شأنه أن يدمر البنية التحتية للمجتمع الفارسي؛ لأنه يقسم الفرس إلى قسمين متناحرين، وإن إسقاط الجزية عن المتعاملين مع المسلمين من شأنه أن يشجع غيرهم على التهافت على هذا التعاون للتخلص من الجزية، ومن ثم يفتح الباب واسعًا لنشر الإسلام في المجتمع الفارسي في ظروف أكثر ملاءمة٢.
يضاف إلى ذلك، أنه لأول مرة أضيفت إلى عهدة الصلح فقرة تتعلق بسب المسلم وضربه، وجزاء ذلك حل دمه، ويبدو أن سكان هذه المناطق كانوا يشتمون المسملين بسبب فتحهم لبلادهم، فلجأ سويد إلى هذا البند الجزائي حتى يردعهم.
فتح طبرستان:
بلغت أنباء انتصار المسملين، ودخولهم قومس وجرجان، مسامع فرخان حاكم خراسان، وكانت طبرستان داخلة في حكمه، فآثر السلامة، وصالح سويدًا٣.
فتح أذربيجان:
تقع أذربيجان إلى الغرب من طبرستان وتجاورها، ويتاخم جنوبها بلاد العراق
стр. 224
العربي والجزيرة الفراتية، والغالب على أرضها الجبال، واشتهرت بكثرة معابد النار فيها، ولهذا سميت بأذربيجان، ومعناها أرض النار، أو معابد النار.
عين عمر حذيفة بن اليمان على حرب أذربيجان، فسار إليها، حتى إذا وصل إلى أردبيل، وهي قصبتها، تصدى له حاكمها المرزبان، وجرى بينهما قتال ضار، ويبدو أنه "المرزبان" أدرك عدم جدوى المقاومة بعد أن مالت كفة المعركة لصالح المسلمين، فعرض الصلح على حذيفة، فأجابه إلى ذلك، وشمل الصلح جميع أهل أذربيجان على ثمانمائة ألف درهم، وزن ثمانية، مقابل عدم التعرض لأحد من السكان بالقتل، أو بالسبي مع المحافظة على بيوت النار، وللسكان أن يمارسوا شعائرهم الدينية، وإظهار ما كانوا يظهرونه١، ثم عزل عمر حذيفة، وولى عتبة بن فرقد السلمي أذربيجان، فأتاها من الموصل أو شهرزور، ولما دخل أردبيل وجد أهلها على العهد، وانتفضت عليه نواح فغزاها فظفر وغنم، وكان معه عمرو بن عتبة الزاهد٢.
فتح إقليم فارس:
لم تشكل الأراضي التي سيطر عليها الفرس، والتي غزاها المسلمون، دولة مستقلة بالمفهوم العام للدولة، وإنما كانت داخلة ضمن إمبراطورية تضم دويلات، أو ولايات تخضع للحكم الفارسي، في حين تركزت الدولة التي أقامها الساسانيون، في إقليم فارس، ثم ضم هؤلاء إلى دولتهم ما جاورها من أقاليم، ووصل المسملون في عام "٢٣هـ/ ٦٤٤م" إلى قلب الإمبراطورية الفارسية الساسانية، إلى أرض الشعب الذي حكم الشعوب المجاورة؛ وبدأوا بفتح مدنها.
أرسل عمر ثلاثة ألوية لفتح إقليم فارس، انطلقت جميعها من قاعدة البصرة، وهي على الشكل التالي:
- مجاشع بن مسعود إلى أردشير خرة وسابور.
- عثمان بن أبي العاص إلى اصطخر.
- سارية بن زنيم الكناني إلى فسا وداربجرد.
وبعد أن اجتازوا جميعًا أرجان دون مقاومة، وكانت في طريقهم، تفرقوا كل إلى وجهته المحددة، وفتحوا كامل الإقليم٣، والملفت أن كافة عمليات الفتح كانت عبارة
стр. 225
عن معارك صغيرة بالمقارنة مع معارك البويب، والقادسية وجلولاء ونهاوند، وذلك بفعل قضاء المسلمين في تلك المعارك على القوة الميدانية للإمبراطورية الفارسية المنهارة.
فتح كرمان:
تقع كرمان إلى الشرق من إقليم فارس، وإلى الجنوب من صحراء خراسان وسجستان، ويحدها من الجنوب بحر فارس، اختص سهيل بن عدي الأنصاري الخزرجي بفتح هذا الإقليم، فخرج من البصرة على رأس الجيش، واصطدم بحاميات الإقليم، وانتصر عليها وفتحه١.
فتح سجستان:
تقع سجستان إلى الشمال من مكران، وتشغل الآن أجزاء من إيران وأفغانستان، كان يزدجرد يكرمان حين هاجمها المسلمون، فخرج منها إلى خراسان، وحاول أن يعبئ أهلها، وأهل سجستان لمقاومة الزحف الإسلامي، وبخاصة أن المسافة بين هذين الإقليمين، وكل من البصرة والكوفة، قاعدتي الإمدادات الإسلامية، شاسعة جدًا.
كان عاصم بن عمرو التميمي هو المكلف بفتح هذا الإقليم، فسار إليه ولحق به عبد الله بن عمير الأشجعي من غطفان، فالتقيا بقوات سجستانية في أول حدود الإقليم، فاصطدما بها وتغلبا عليها، فتراجع أفرادها إلى الداخل، وتحصنوا بعاصمتهم زرنج، فحاصرهم المسلمون، وضيقوا عليهم بما كانوا يشنونه من غارات على الضواحي، واضطر سكان زرنج إلى طلب الصلح، فصالحهم عاصم على مدينتهم، وما احتازوا من الأرض، وأن تكون مزارعهم حمى لهم لا يمسها المسلمون٢.
فتح مكران:
تدخل مكران ضمن أراضي السند -باكستان اليوم- ولكن جزءًا منها يقع ضمن أراضي إيران، وهي ناحية واسعة، غزاها الحكم بن عمرو التغلبي، فاصطدم بحاكمها راسل، وانتصر عليه واستقر فيها، وكتب إلى عمر يبشره بالفتح مع صحار العبدي، وسأله عمر عن مكران، كما هي عادته كلما قدم عليه رسول يبشره بفتح ناحية، فأجابه: "يا أمير المؤمنين، أرض سهلها جبل، وماؤها وشل -قليل-وتمرها دقل-أردأ التمر-، ولصها بطل، وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير بها قليل، والقليل بها
стр. 226
ضائع، وما وراءها شر منها"، فتأثر عمر من هذا الوصف، وقال: "لا يغزوها جيش لي ما أطعت"، وكتب إلى الحكم، وسهيل بن عدي، وهو أحد مساعديه "لا يجوزن مكران أحد من جنودكما، واقتصرا على ما دون النهر"١، لذا تعد مكران آخر حدود فتوح عمر، استنادًا لرواية الطبري، في حين ذكر البلاذري٢ أن الجيوش الإسلامية، وصلت إلى المنطقة المنخفضة من الديبل٣ وبلدة تانة، وإذا أخذنا بهذه الرواية، فإن الإسلام قد دخل السند، والهند في عهد عمر.
فتح خراسان:
بعد فتح خراسان محورًا رئيسيًا في الصراع الإسلامي -الفارسي من واقع ناحيتين:
الأولى: أن يزدجرد تمركز في مرو٤ بخراسان بعد فراره من أمام زحف المسلمين، وسوف يخرجه هذا القرار من أرض فارس إلى بلاد الأتراك والصين، فيقيم في حماية حكامهما.
الثانية: أن سقوط خراسان بيد المسلمين من شأنه أن يقضي على:
- آخر أمل لدى الفرس لطرد المسلمين من المناطق الشرقية المفتوحة.
- آخر ملوك بني ساسان، فتسقط بذلك الأسرة الحاكمة.
عقد عمر للأحنف بن قيس لواء قيادة الجيش، فخرج من البصرة، وسلك طريق أصفهان، وتزامن اجتيازه لها مع حصار عبد الله بن عبد الله بن عتبان لمدينة جي، وهذا يعني أن الحملة خرجت من قاعدة البصرة في عام "٢١هـ/ ٦٤٢م"، غير أنها أتمت مهمتها خلال عام "٢٢هـ/ ٦٤٣م"، ثم وصل الأحنف إلى الطبسين٥، وتوغل حتى بلغ هراة٦، وفتحها عنوة٧.
стр. 227
يعد سقوط هراة خطوة أولى على طريق سقوط خراسان كلها، فأرسل الأحنف فرقة عسكرية بقيادة مطرف بن عبد الله بن الشخير لفتح نيسابور١، وفرقة أخرى لفتح سرخس٢ بقيادة الحارث بن حسان السدوسي، وسار بنفسه باتجاه مرو الشاهجان، حيث يقيم يزدجرد لله، فلما اقترب منها غادرها الملك الفارسي إلى مرو الروذ، واستقر الأحنف مكانه في مرو الشاهجان٣.
والواضح أن المسلمين جردوا يزدجرد من كل أرضه، واضطروه على الفرار حتى آخر حدود مملكته، ولم يبق أمامه سوى الالتجاء إلى جيرانه، وطلب مساعدتهم, وفعلًا، فقد كتب إلى ثلاثة ملوك يستمدهم، ويستنجد بهم وهم خاقان الترك، وملك الصغد٤ وملك الصين، لكن الأحنف لم يمهله، وهاجمه في مرو الروذ بعد أن تلقى إمدادات من الكوفة، ومرة أخرى، يفر يزدجرد، إلى بلخ٥، ودخل الأحنف مرو الروذ، وأرسل وحدات عسكرية في إثره، لم لحق بها، فحاضر المدينة وفتحها٦.
كان طبيعيًا أن يتابع يزدجرد فراره من أمام المسلمين، ولما لم يكن له في أرض مملكته مكان يفر إليه ويحتمي به، عبر نهر جيحون إلى خاقان الترك الذي توافقت مصلحته مع مصلحة العاهل الفارسي، وقد خشي من الامتداد الإسلامي باتجاه بلاده، وتعاون الرجلان في مقاومة فاشلة حيث جندا جيشًا، وهاجما المسلمين في خراسان، وانتهى الأمر بانسحاب خاقان الترك إلى بلاده مقتنعًا بما تناهى إلى أسماعه من أن المسلمين لن يعبروا النهر، على تعليمات عمر٧.
أما يزدجرد فقد نزل ضيفًا على حاكم مرو، ماهويه، الذي لم يكن يتمنى غير التخلص من ضيفه الذي رفض أن يزوجه ابنته، وتحالف مع نيزك طرخان التابع لبيغو حاكم طخارستان٨، فأرسل نيزك جماعة لأسره، فاشتبكوا معه وهزموه، فمضى هاربًا حتى انتهى إلى بيت طحان على شاطئ نهر المرغاب، فمكث ليلتين
стр. 228
وماهويه يبحث عنه، فلما أصبح اليوم الثاني دخل الطحان إلى بيته، فرأى يزدجرد بهيئته الملكية وهو لا يعرفه، فبهت، وطمع به، فقتله بعد أن وشى به إلى ماهويه، وطرح جثته في النهر، وذلك في عام "٣١هـ/ ٦٥٢م"، ولما يبلغ الثامنة والعشرين من عمره، وقد خلف ابنين هما بهرام وفيروز وثلاث بنات هن أورج، وشهربانو ومرداوند١.
وبفرار يزدجرد إلى ملك الترك، ومقتله بعد ذلك تم القضاء على الإمبراطورية الفارسية.
стр. 229
الفصل الثامن: استكمال فتوح بلاد الشام-فتوح الجزيرة وأرمينية والباب
مدخل
...
الفصل الثامن: استكمال فتوح بلاد الشام -فتوح الجزيرة، وأرمينية والباب:
عزل خالد بن الوليد عن قيادة الجيوش في بلاد الشام:
تتباين روايات المصادر حول سبب عزل عمر بن الخطاب خالدًا بن الوليد عن إمارة جيوش المسلمين في بلاد الشام، والواقع أن موضوعًا كهذا لا يجب أن يكون مثيرًا للجدل؛ لأن المسألة تتعلق بحدث منفرد لا يمس على نحو مباشر سوى ثلاث شخصيات، عمر وخالد وأبي عبيدة، ويبدو أن إثارة الجدل تكمن في فشل المؤرخين في التوفيق بين الأقوال المتباينة التي اصطنعوها هم أنفسهم خلال سردهم للأحداث١، ويمكن إجمال دوافع العزل كما جاءت في المصادر في ثلاثة:
الدافع الأول: ضغينة قديمة من جانب عمر تجاه خالد: إن كثيرًا من المؤرخين يقتصرون على إيماءات ملتبسة كثيرة تبلغ ذروتها في قول عمر: أنه لو صارت إليه الخلافة لعزل خالد
لا محالة، فإلى جانب ما تقدمه المصادر من قضية مالك بن نويرة، تبرز تأويلات خالد في أيام خلافة أبي بكر التي عدها عمر أخطاء، بالإضافة إلى كلام صدر عن خالد بحق عمر، أنه ألحق أذى جسديًا بعمر أيام صباه، وأنه أبقى عليه عن إرادة، وقصد في معركة أحد، ورما كان هذا يمثل الخلفية المتعلقة بمطلب عمر بأن يكذب خالد نفسه٢، فقد روى الطبري عن ابن إسحاق: "إنما نزع عمر خالدًا في كلام كان خالد قد تكلم به -فيما يزعمون- ولم يزل عليه ساخطًا، ولأمره كارهًا في زمان أبي بكر كله لوقعته بابن نويرة، وما كان يعمل به في حربه، فلما استخلف عمر كان أول ما تكلم به عزله، فقال: لا يلي لي عملًا أبدًا، وكتب عمر إلى أبي عبيدة يقول: إن خالد أكذب نفسه، فهو أمير على ما هو عليه، وإن هو لم يكذب نفسه، فأنت الأمير على ما هو عليه"٣.
стр. 230
الدافع الثاني: قلق عمر من تعلق الناس بشخص خالد: ويظهر هذا الدافع في روايات متعددة، "لما ولي عمر قال: لأعزلن خالدًا حتى يعلم أن الله ينصر دينه"١.
وقال: "إني لم أعزله والمثنى عن ريبة، ولكن الناس عظموهما، فخشيت أن يوكلوا إليهما"، وفي رواية: "إنما عزلتهما ليعلم الناس أن الله نصر الدين لا بنصرهما، وأن القوة لله جميعًا"٢.
الدافع الثالث: العناد والتصرف بالمال، وغنائم الحرب: اعتذر عمر إلى الناس بالجابية عن عزل خالد، فقال: "أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين، فأعطاه ذا البأس والشرف واللسان، فنزعته وأمرت أبا عبيدة"٣، وتجري رواية أنه قال: "ما كرهت ولاية خالد على المسلمين إلا؛ لأن خالدًا فيه تبذير المال، ويعطي الشاعر إذا مدحه، ويعطي للمجد والفارس بين يديه فوق ما يستحقه من حقه، ولا يبقي لفقراء المسلمين، ولا لضعفائهم شيئًا، وإني أريد عزله وولاية أبي عبيد مكانة٤، وفي حوار جرى بين عمر، وعلي بن أبي طالب ينتقد فيه الثاني الأول بسبب عزله خالدًا، فيدافع عمر عن نفسه قائلًا: "إن خالدًا أبى أن يعده بالكف عن صنوف عناده"٥، وكان عمر يدعوه إلى أن يستعمله، فيأبي إلا أن يخليه يعل ما يشاء، فيأبى عمر.
تعقيب على حادثة العزل:
- تبدو الأسباب المبنية على عداوة قديمة، واتهامات شخصية واهية، ولا تثبت أمام النقد البناء، ثم إن قضية عزل أقدر قادة المسلمين من منصبه بسبب أذى جسدي تبقى مدعاة للاستهزاء٦، ولا يسعنا الأخذ بها نظرًا لما اشتهر به عمر من عدالة، ونزاهة وترفع عن الصغائر، وجرأة في قول الحق تنزهه عن الوقوع في حمأة الحقد والضغينة.
- تتسم الروايات التي تذكر قلق عمر من تعلق الناس بشخص خالد بالأهمية، مما قد ينعكس سلبًا على إيمان المجتمع الإسلامي بفعل ما قد ينسبه الناس إليه من أسباب النصر، وفي هذه الحالة، تغدو غيرة المسلمين على عقيدتهم، وثباتهم عليها بعد وفاة النبي موضعًا للتساؤل، والمعروف أن خالدًا لم يكن قد سجل كامل انتصاراته.
стр. 231
- لا تتصل المآخذ التي أخذت على خالد فيما يتعلق بتوزيع الغنائم، بإثراء غير مشروع، وإنما نتيجة قراراته المتسمة بالعناد، سواء أكان ذلك عائدًا إلى إخلاله بمبدأ المساواة أو؛ لأنه خص الشخصيات المرموقة، أو المقاتلين ذوي الشجاعة أنصبة أعلى، أو؛ لأنه تفرد باتخاذ قرارات مفصلية دون العودة إلى المدينة، وتوحي الروايات أن الخليفة كان هو القائد العام للمسلمين، وهو يدير العمليات العسكرية، من المدينة، بواسطة تبادل الرسائل مع قادته في ميادين القتال، وجاءت عملية العزل كمحاولة جدية لعمر لكي ينهي المحلية السائدة في عمليات الفتوح، ولكي يحصر القرار، والقيادة الفعلية في يد الخليفة، أي في يد المركز السياسي، لكن هل كان القادة في بلاد الشام يضطرون قبل اتخاذ كل قرار إلى الحصول على موافقة الخليفة مع بعد المسافة بين الحجاز، وأقصى بلاد الشام؟ قد يبدو ذلك واقعيًا بصدد القضايا الهامة، ولكن لا يبرر ذلك عزل خالد بسبب اتخاذه قرارات قبل العودة إلى الخليفة١، ويستوقفنا هنا قرار خالد بالزحف نحو بطاح بني تميم بعد أن انتهى من معركة البزاخة دون العودة إلى الخليفة، واحتجاج الأنصار على تصرفه.
- لا يمكن الركون إلى أي من هذه الدوافع المذكورة، وبخاصة إذا علمنا بأن عمر ترحم على خالد بعد وفاته، وأثنى عليه بكلمات تدل على الاعتذار، فقال: "رحم الله أبا سليمان، لقد كنا نظن به أمورًا ما كانت"٢، وقال أيضًا: "رحم الله أبا سليمان ما عند الله خير له مما كان فيه، ولقد مات سعيدًا، وعاش حميدًا، ولكن رأيت الدهر ليس بقائل"٣.
- يبقى أن مسألة العزل قد تكون لها دوافعها الخاصة المتعلقة بـ:
أ- مصلحة الأمة: فعزل قائد أو والِ أمرًا طبيعيًا آنذاك، ولم يكن تعيين أبي عبيدة إساءة إلى خالد بمقدار ما كان محاولة من الخليفة للتأثير بنفسه على مجريات الأمور.
ب- تغير الظروف السياسية من واقع تغيير الحكام.
ج- تغير الظروف العسكرية نتيجة توغل المسلمين في بلاد الشام، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من نظام جديد مثل فتح المدن، وتنظيم عمليات الفتح، والعلاقة مع سكان البلدان المفتوحة، إذ إن الوضع الجديد المتوقع بحاجة إلى رجل إداري، ومسالم
стр. 232
كأبي عبيدة، وتنم عملية العزل عن براعة سياسية من عمر وبعد نظر، ولا يسعنا إلا الأخذ بهذا التبرير نظرًا لما اشتهر به عمر من صفات حميدة ذكرناها آنفًا، وبتقديمه مصلحة الإسلام، والمسلمين على مصالحه الشخصية، وتستوقفنا هنا عهود الصلح التي أبرمها أبو عبيدة مع سكان المدن المفتوحة، وهي مفعمة بهذا التوجه السلمي، كما أن إدارة البلاد المفتوحة قبل مؤتمر الجابية مليئة بنفحات أبي عبيدة الإدارية.
- ظلت مكانة خالد محفوظة من قبل عمر وأبي عبيدة، على الرغم من حادثة العزل، ففي الرسالة التي أرسلها الأول إلى الثاني عقب توليه الخلافة، أوصاه باحتباس خالد إلى جانبه: "فإنه لا غنى بك عنه"، وكان أبو عبيدة يستشيره في كل أمر، بل كان يأخذ برأيه، ويأتمر بأمره، ويقول له: "قل ما علمك الله".
معركة فحل -بيسان ١:
انسحبت فلول القوات البيزنطية بعد معركة أجنادين إلى دمشق، وتحصنت فيها، في حين عاد تيودور، أخو هرقل، إلى القسطنطينية، وكان الإمبراطور يتابع تطورات الموقف العسكري، فأمر بتجميع القوات البيزنطية المنتشرة في جنوبي بلاد الشام، في فحل -بيسان الواقعة على الطريق بين الأردن ودمشق، وأرسل في الوقت نفسه جيشًا من حمص يقدر بعشرة آلاف مقاتل بقيادة درنجارين٢، باتجاه دمشق، وذلك بهدف الإطباق على المسلمين من الجنوب والشمال، والقضاء عليهم، وإنقاذ دمشق المحاصرة من قبلهم، ثم غادر حمص إلى أنطاكية.
وصل الدرنجاران إلى بعلبك، وعلما وهما فيها بهزيمة البيزنطيين في مرج الصفر، فتوقفا عن الزحف وأقاما في المدينة، وكتبا بذلك إلى هرقل، وانتظرا تعليماته٣.
نتيجة لهذه التطورات العسكرية، عقد أبو عبيدة وخالد اجتماعًا تشاورا فيه بشأن كيفية الخروج من هذا المأزق، فتقرر أن يهاجم خالد القوة البيزنطية المتمركزة في بعلبك لمنعها من التقدم، ومساعدة القوى البيزنطية في جنوبي بلاد الشام، ومن جهة أخرى، تلقت قيادة الجيش البيزنطي في بعلبك أمرًا من هرقل بالتقدم إلى الجنوب، والانضمام إلى القوة المتمركزة في فحل -بيسان، وعندما وصل خالد إلى بعلبك
стр. 233
على رأس خمسة آلاف مقاتل، لم يجد فيها الجيش البيزنطي، وأخبر بأن أفراده توجهوا إلى الأردن، فأغار على نواحي المدينة، وعاد إلى أبي عبيدة أمام دمشق فأخبره الخبر، وتشاور معه في الأمر، فتقرر أن يسير أبو عبيدة بجموع المسلمين إلى فحل -بيسان لضرب القوة البيزنطية المتمركزة هناك، وأن يتقدم خالد الجيش كطليعة، على أن يبقى يزيد بن أبي سفيان حول دمشق١.
وتوافد المسلمون إلى فحل -بيسان، وانحاز إليهم بعض العرب المتنصرة من لخم وجذام وغسان، وعاملة والقين وقضاعة، بعد أن أدركوا أن كفة الصراع بدأت تميل لصالح المسلمين، وتردد نصارى فحل، والواقع أن القبائل المتنصرة كانت تغير مواقفها من المسلمين كلما جمع البيزنطيون حشدًا جديدًا، وكانت أكثر القبائل التي كانت لها مصلحة بالارتباط بالبيزنطيين هم الغساسنة، ويبدو أن انتصار المسلمين في معركة أجنادين قد جعل القبائل المتنصرة تفكر جديًا في الانحياز إلى أحد الجانبين، فكان أن انقسمت في هذه المعركة إلى قسمين:
الأول: سارع بالانحياز إلى المسلمين.
الثاني: انتظر ما ينجلي عليه الموقف، وربما غير موقفه بعد أن وصلت إمدادات بيزنطية إلى فحل.
وحشد البيزنطيون زهاء ثمانين ألفًا بقيادة سقلار بن مخراق، ودمروا سدود الأنهار الغربية لعرقلة تقدم المسلمين، وخشية من أن يفاجئوهم، فامتلأت الأرض بالماء من بيسان إلى فحل٢.
وعلى الرغم من ذلك، فقد تقدم المسلمون نحو البيزنطيين، ونفذوا غارات خاطفة، وسريعة على القرى والرساتيق، والزروع في وادي الأردن، ومرج ابن عامر وراء بيسان، ووادي نهر الجالود، فقطعوا بذلك مصادر التموين، والمدد عنهم، ويبدو أن عرب الأردن تضايقوا، وأرادوا أن يحموا أنفسهم، فاجتمع زعيمهم ابن الجعيد بأبي عبيدة، وصالحه على سواد الأردن٣.
وحاول البيزنطيون التفاهم مع المسلمين لتفادي وقوع اشتباك بينهم، فعرض القائد البيزنطي التناول عن إقليم البلقاء، وتلك المنطقة من الأردن التي تتصل بالجزيرة العربية، مقابل انسحاب المسلمين، فرفض المسلمون هذا الاقتراح، لم
стр. 234
ييأس سقلار من التوصل إلى تفاهم مع أبي عبيدة، فأرسل إليه رسولًا خاصًا عرض عليه منح كل جندي مسلم دينارين مقابل الرحيل، فرفض أبو عبيدة هذا العرض أيضًا؛ لأن القضية لا تتعلق ببضعة آلاف من الدنانير أو الدراهم، وإنما هي قضية مبدأ ديني اعتقادي، عندئذ كان لا بد من الاشتباك العسكري لتقرير مصير الصراع١.
وعبأ الطرفان قواتهما استعدادًا للقتال، واشتبكا في رحى معركة ضارية انتهت بانتصار المسلمين، فقذفوا البيزنطيين في الوحول التي حاولوا هم قذفهم فيها، وهزم سقلار وجنوده، وقتل منهم ما يقارب العشرة آلاف مقاتل كان سقلار من بينهم، وتفرق من نجا في مدن الشام، ولحق بعضهم بهرقل في أنطاكية، وجرت المعركة في "٢٨ ذي القعدة ١٣هـ/ ٢٣ كانون الثاني ٦٣٥م"٢.
فتحت هذه المعركة الطريق أمام المسلمين، فسيطروا على جميع مدن، وقرى إقليم الأردن بسهولة مثل بيسان وطبرية، وأضحوا في رغد من الخصب، والعيش واضطر السكان إلى طلب الأمان، وكتبت عهود الصلح في كل مكان بمنح الأمان على أرواح المغلوبين، وأموالهم وأرضهم وكنائسهم، وأماكن عبادتهم مقابل الجزية٣.
الواقع أن البيزنطيين تعرضوا لنكسة أخرى أمام المسلمين الذين رجحت كفاءة فرسانهم أمام فرسان هؤلاء، كما أن وعي القيادة الإسلامية أفشلت الخطة التي وضعوها على أساس إرباك المسلمين، ومفاجأتهم، وارتكب سقلار خطأ عسكريًا جسيمًا عندما أهل بث العيون في معسكر المسلمين، مما حرمه من الحصول على معلومات ضرورية مساعدة، بالإضافة إلى ذلك، فإنه فقد خط الرجعة إلى بيسان حين أسند ظهره إلى مستنقعات الوحول التي أحدثها بتدمير السدود، وعندما حاول التراجع تحت ضغط القتال وقع جنوده في الوحول، فتعذر عليهم السير فيها، فكانوا هدفًا سهلًا للمسلمين.
معركة مرج الروم ٤:
عندما بلغت أخبار هزيمة الجيش البيزنطي في فحل -بيسان مسامع هرقل، عقد مجلسًا عسكريًا ضم معظم قادته للتشاور، ووفد عليه أثناء الاجتماع وفد من أهل قيسارية، وإيلياء -بيت المقدس- يخبرونه بتمسكهم بأمره، وبإقامتهم على طاعته
стр. 235
وبخلافهم للمسلمين وكراهيتهم لهم، ويطلبون منه المدد والمساعدة، فقرر حينئذ أن يستمر في الحربق، وأرسل جيشين لوقف الزحف الإسلامي إلى دمشق، وحماية حمص، وعين عليهما اثنين من خيرة قادته هما توذر وشنس، وقد سارا في طريقين منفصلين، وصل الأول إلى مرج دمشق وغربها، وعسكر هناك، في حين عسكر الثاني في مرج الروم.
وكان أبو عبيدة قد وصل إلى مرج دمشق في طريقه إليها قادمًا من فحل، فقسم جيشه إلى قسمين قاد هو القسم الأول على أن يصطدم بجيش شنس، وعين خالدًا على القسم الثاني على أن يصطدم بنوذر، وعندما وصل خالد إلى مكان جيش توذر لم يجده، إذ كان قد غادر المكان تحت جنح الظلام، ويبدو أن هذا الانسحاب كان وفق خطة عسكرية مبيتة تقتضي بأن ينهمك المسلمون بقتال جيش شنس في مرج الروم في الوقت الذي ينطلق فيه جيش توذر إلى دمشق لفك الحصار عنها١.
فطن خالد لهذه الخطة، فطلب من أبي عبيدة أن يسمح له بمطاردة توذر الذي كان يتقدم مسرعًا على طريق دمشق ليباغت القوة الإسلامية، استعد للقائها، واشتبك معها، وصل خالد والمعركة دائرة، فوقع الجيش البيزنطي بين فكي الكماشة، ودارت الدائرة على أفراده، وقتل خالد توذر، وغنم المسلمون دوابهم، وركائبهم وأدواتهم، وثيابهم٢.
عاد يزيد بعد انتهاء المعركة إلى دمشق ليستأنف حصارها، في حين عاد خالد إلى أبي عبيدة، فألفاه قد اشتبك مع جيش شنس بمرج الروم، وانتصر عليه، وقتل شنس، وفر من نجا إلى حمص، فطاردهم أبو عبيدة٣.
فتح دمشق ٤:
استأنف المسلمون حصار دمشق بعد عودتهم من الأردن، ويذكر البلاذري أنه "لما فرغ المسلمون من قتال من اجتمع منهم بالمرج أقاموا خمس عشرة ليلة، ثم
стр. 236
مدينة دمشق
стр. 237
رجعوا إلى مدينة دمشق لأربع عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة ١٤هـ، فأخذوا الغوطة، وكنائسها عنوة، وتحصن أهل المدينة وأغلقوا بابها"١، وقد أملوا بوصول نجدة من الشمال على وجه السرعة تفك الحصار عن المدينة، وتوزعت مهام الحصار كما يلي:
- عسكر أبو عبيدة على باب الجابية غربي المدينة.
- نزل خالد بن الوليد أمام الباب الشرقي تجاه دير صليبا.
- أقام يزيد بن أبي سفيان على الباب الصغير إلى باب كيسان جنوبي المدينة.
- نزل عمرو بن العاص على باب توما شمالًا بشرق.
- عسكر شرحبيل بن حسنة على باب الفراديس٢.
وعمد أبو عبيدة إلى عزل المدينة عمن حولها، وقطع اتصالاتها مع العالم الخارجي حتى يجبر حاميتها، وسكانها على الاستسلام، فأرسل ثلاث فرق عسكرية تمركزت:
- على سفح جبل قاسيون، على مسافة خمس كيلومترات إلى الشمال من المدينة عند قرية برزة٣.
- على طريق حمص، للحئول دون وصول الإمدادات من الشمال، وقطع الاتصالات بينها، وبين القيادة البيزنطية.
- على الطريق بين دمشق، وفلسطين لقطع طريق الجنوب٤.
وطال أمد الحصار على الدمشقيين، الذي دام سبعين يومًا، وازداد التوتر بينهم، وبخاصة بعد أن انسحبت الحامية البيزنطية من مواقعها تاركة للدمشقيين تدبر أمرهم بأنفسهم، ولما يئسوا من حصول نجدة تنقذهم، وتجلي المسلمين عن مدينتهم؛ وهنت عزيمتهم، ومالوا إلى الاستسلام.
تتباين روايات المصادر في وصف أيام دمشق الأخيرة قبل دخول المسلمين إليها، وفي تحديد كيفية هذا الدخول، فقد ذكر البلاذري أن أبا عبيدة دخل المدينة عنوة من باب الجابية، ولما رأى الأسقف منصور بن سرجون أنه قارب الدخول، بادر إلى خالد فصالحه، وفتح له الباب الشرقي، فدخل الأسقف معه ناشرًا كتاب الصلح
стр. 238
والتقى خالد مع أبي عبيدة بالمقسلاط، وهو موضع النحاسين بدمشق١، فتحدث بعض المسلمين في ذلك، وقالوا: والله ما خالد بأمير، فكيف يجوز صلحه، فقال أبو عبيدة: إنه يجيز على المسلمين أدناهم، وأجاز صلحه، وأمضاه ولم يلتفت إلى ما فتح عنوة، فصارت دمشق صلحًا كلها"، وكتب بذلك إلى عمر وأنفذه٢.
وروى الطبري أن خالدًا اقتحم المدينة، فاستيقظ السكان مذعورين على جند المسلمين يلجونها، ويمعنون في جندها تقتيلًا، ففتحوا أبواب مدينتهم للفرق الإسلامية الأخرى، والتجأوا إلى أبي عبيدة يعرضون عليه الصلح، فقبل عرضهم، ودخل كل قائد من الباب الذي هو عليه صلحًا باستثناء خالد، فقد دخل عنوة، واجتمعت الفرق الإسلامية الخمس في وسط المدينة، وكان صلح دمشق على المقاسمة على الدينار، والعقار وعلى جزية دينار عن كل رأس٣؛ لأن جانبًا من المدينة فتح عنوة، فكان كله حقًا للمسلمين، في حين فتح جانب منها صلحًا، فوجبت عليه الجزية دون سواها، لذلك أخذ المسلمون نصف ما في المدينة من كنائس، ومنازل وأموال بحكم الفتح عنوة، وفرضوا الجزية بحكم الفتح صلحًا٤.
وأخذ المسلمون سبع كنائس من أصل أربع عشرة القائمة بدمشق، كما اقتسموا الكنيسة الكبرى، كنيسة القديس يوحنا المعمدان، مع الدمشقيين، فتركوا نصفها للنصارى يقيمون فيه صلواتهم، وجعلوا النصف الآخر مسجدًا للمسلمين٥.
فتح بعلبك:
أمضى المسلمون فصل الشتاء في دمشق، وكانت الخطوة التالية فتح حمص، فقد كان هرقل مقيمًا فيها أثناء حصار دمشق، فلما رأى أن قواته لا تستطيع الوصول إلى عاصمة الشام للدفاع عنها جلا عن حمص إلى أنطاكية٦.
ويربط دمشق وحمص طريقان، أحدهما شرقي خارجي لصحراء السماوة، ويمر بدومة وقطيف، والنبك وقارا وشمسين وصولًا إلى حمص، والآخر غربي ويمر في وادي البقاع إلى بعلبك، وجوسية وحمص، ويشكل أحد فروع طرق التجارة الشرقية الذي يمر بوادي العاصي، وكانت تسلكه الفرق العسكرية والبريد، وهذا يعني أنه كان الأكثر استعمالًا، ويبدو أنه كان الأكثر إيناسًا.
стр. 239
واختار خالد، بعد مشاورات مع أبي عبيدة، أن يسلك المسلمون الطريق الثاني، بهدف السيطرة عليه نظرًا لأهميته العسكرية، والمعروف أن المسلمين كانوا يتحركون سابقًا على الطريق الأول مع توفر الطريق الثاني.
استخلف أبو عبيدة، قبل أن ينطلق إلى حمص، يزيد بن أبي سفيان على دمشق، وعمرو بن العاص على فلسطين، وشرحبيلًا بن حسنة على الأردن، وسار إلى سهل البقاع يتقدمه خالد، ولما اقترب من بعلبك تصدت له قوة عسكرية لعلها كانت طليعة لجيش أكبر، فتغلب خالد عليها، وأجبر أفرادها على الارتداد، والاحتماء داخل الحصن١.
وضرب المسلمون الحصار على بعلبك، ولما رأى سكانها ألا أمل لهم في الانتصار استسلموا في "٢٥ ربيع الأول ١٥هـ/ ٦ أيار ٦٣٦م"، فأعطاهم أبو عبيدة الأمان على أنفسهم، وأموالهم وكنائسهم، وكتب لهم كتابًا بذلك ومنحهم مدة شهرين، فمن أراد المغادرة سار إلى حيث شاء، ومن أقام فعليه الجزية، وهذا نص الكتاب:
"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب أمان لفلان بن فلان، وأهل بعلبك رومها وفرسها وعربها، على أنفسهم وأموالهم، وكنائسهم ودورهم داخل المدينة وخارجها، وعلى أرحائهم، وللروم أن يرعوا سرحهم ما بينهم، وبين خمسة عشر ميلًا، ولا ينزلوا قرية عامرة، فإذا مضى شهر ربيع، وجمادى الأولى ساروا حيث شاءوا، ومن أسلم منهم فله ما لنا وعليه ما علينا، ولتجارهم أن يسافروا إلى حيث أرادوا من البلاد التي صالحنا عليها، وعلى ما أقام منهم الجزية والخراج، شهد الله وكفى بالله شهيدًا"٢.
الملفت في كتاب الصلح مع أهل بعلبك تنوع سكانها النصارى من دون تحديد معتقداتهم المذهبية، ونسبة توزعهم عليها، ولمضمون العهد دلالة جديرة بالانتباه، إذ يوضح أن العرب يشكلون العنصر السامي الغالب، فيدعو للمحافظة عليهم، ولا يأمر بإجلاء أحد منهم، أما البيزنطيون، فإنه أمر بإجلائهم في ظل شروط
ميسرة، وتزداد دلالة هذا العهد أهمية من حيث صيرورته نموذجًا أمام أنظار
أهل حمص، المدينة المجاورة لبعلبك٣، وهذه العناصر هي:
- الروم: وهم رعاة الإمبراطورية البيزنطية الحاكمة.
стр. 240
- الفرس: وهم من بقايا الفرس الذين أخضعوا بلاد الشام لحكمهم أثناء صراعهم مع البيزنطيين، وقد استقر الكثير منهم، وانتشروا في عدة أماكن من بلاد العرب والشام، ثم انتقلوا إلى السواحل فيما بعد.
- العرب: وكانوا يستوطنون بعلبك قبل الفتح الإسلامي، مما يدل على قدم الوجود العربي في هذه المنطقة من بلاد الشام.
- النصارى: وهم السكان الوطنيون من أهل بعلبك، ومنهم النبط١.
فتح حمص:
كانت مدينة حمص في النصف الأول من القرن السابع الميلادي، أي قبل فتح المسلمين لها، مركزًا إداريًا هامًا، كما كانت قاعدة هرقل، يرسل منها الجيوش لمحاربة المسلمين في الجنوب، ويدبر منها العمليات العسكرية.
سار أبو عبيدة بعد فتح بعلبك إلى حمص، ولما وصل إلى ضواحيها تصدت له قوة عسكرية في جوسية، على بعد ستة فراسخ منها بين جبل لبنان، وجبل سنير، فوجه إليها خالدًا، فاشتبك مع أفرادها وهزمهم، فولوا الأدبار ودخلوا المدينة٢.
وكما امتنعت دمشق على المسلمين، فاضطروا لحصارها، كذلك كان حالهم مع حمص التي أغلقت أبوابها في وجههم.
كانت القوة المدافعة عن المدينة تأمل في تلقي دعم سريع من جيوش الإمبراطورية، والواقع أن هرقل أرسل إلى أفراد الحامية بعدهم بالمساعدة، ويشجعهم على المقاومة، لكن هذه الوعود لم تتحقق حيث كان من الصعب على الإمبراطور البيزنطي أن يجمع جيشًا على وجه السرعة، ويقذف به في المعركة نجدة لحمص، عند ذلك أمل هؤلاء أن يجبر البرد، وقساوة الطقس المسلمين على التراجع، ويبدو أنهم انقسموا إلى فئتين: مالت الأولى إلى التفاهم مع المسلمين بفعل قوتهم التي لا تقهر، وعجز البيزنطيين عن إمدادهم بالمساعدة، وأصرت الثانية على الاستمرار في المقاومة والصمود٣.
стр. 241
خريطة محاولة تطويق المسلمين
стр. 242
وطال أمد الحصار على أهل حمص، وساءت حالتهم، وخشوا على أنفسهم من السبي إن فتحت مدينتهم عنوة، ووقع، في هذه الأثناء، زلزال في المدينة أدى إلى تدمير بعض البيوت والمنشآت، وألحق أضرارًا أخرى بالسكان، في الوقت الذي تجاوز فيه المسلمون الأوضاع المناخية؛ الأمر الذي أدى إلى التوافق بين الحامية البيزنطية، والسكان إلى طلب الصلح، فنالوه حسب الشروط التي باتت معروفة، والتي تتضمن دفع الجزية، والحفاظ على حياة الناس، وأملاكهم ودورهم وأماكن عبادتهم، وساير المسلمون مشاعر الحمصيين إلى حد بعيد، فلم يدخلوا المدينة بل نصبوا خيامهم بالقرب منه على ضفاف نهر العاصي.
يعد فتح حمص من بين أهم الفتوح التي حققها المسلمون في بلاد الشام، وكتب أبو عبيدة إلى عمر في المدينة بهذا المعنى: "أما بعد، فالحمد لله الذي أفاء علينا وعليك يا أمير المؤمنين أفضل كورة في الشام أهلًا وقلاعًا، وأكثرهم عددًا وجمعًا وخراجًا، وأكبثهم للمشركين كبثًا، وأيسرهم على المسلمين فتحًا"١.
ولعل هذا الوصف من أبي عبيدة يعطينا صورة واضحة للمدينة من الناحية السكانية، والعسكرية والاقتصادية، ويتابع أبو عبيدة كلامه قائلًا: "أخبرك يا أمير المؤمنين أنا قدمنا بلاد حمص، وبها من المشركين عدد كبير"، ثم يصف كيف طلبوا الصلح من المسلمين: "وأذعنوا بأداء الجزية"، ويتابع "فقبلنا منهم وكففنا عنهم، وفتحوا لنا الحصون، واكتتبوا منا الأمان"٢، كما أخبره بأن الجيش الإسلامي سيتوجه نحو الشمال لمطاردة هرقل.
والواقع أن أبا عبيدة خطط لاستئناف التوسع نحو الشمال حيث بات الطريق مفتوحًا أمامه، وتشاور مع خالد في ذلك، فاستقر الرأي على فتح منطقة شمالي بلاد الشام بما فيها أنطاكية، وحلب ومطاردة الإمبراطور البيزنطي، فأرسل ميسرة بن مسروق العبسي إلى حلب، في حين خرج هو من حمص لاستكمال فتح قطاعها، واصطحب معه خالدًا، واستخلف عبادة بن الصامت على المدينة، فوصل إلى حماة، فصالحه أهلها على الجزية في رءوسهم، والخراج على أرضهم. ومضى نحو شيزر، فخرج أهلها وصالحوه على ما صالح به أهل حماة، وتابع تقدمه حتى بلغ معرة النعمان ففتحها، ثم أتى أفامية فأذعن له أهلها بالجزية والخراج، وبهذه الفتوح أتم المسلمون فتح بلاد الشام الوسطى٣.
стр. 243
كان من رأي عمر أن يستقر المسلمون في حمص حتى نهاية الحول قبل أن ينطلقوا نحو الشمال، لذلك استدعى أبو عبيدة ميسرة١، ووزع قواته على مختلف نواحي بلاد الشام لضبط أمورها بعد أن استتب الوضع الميداني للمسلمين، وليعطوا سكان البلاد طابع الدولة الجديدة، واستقر هو في حمص وأرسل خالدًا إلى دمشق ليقيم بها، وكلف عمرو بن العاص أن يقيم في فلسطين.
وهكذا أمر عمر أن تتوقف حركة الفتوح في بلاد الشام ذلك العام، ولعل ذلك علاقة بالمدى الذي وصلت إليه الأوضاع العسكرية على الجبهة الفارسية، حيث كان سعد بن أبي وقاص يستعد للاصطدام بالفرس في القادسية، فرأى عمر أن يركز جهوده على هذه الجبهة، ثم يرى رأيه بعد ذلك.
стр. 244
معركة اليرموك ١:
استعدادات التجهيز من جانب البيزنطيين:
لم يصمد البيزنطيون في بعلبك، ولم يدافعوا دفاعًا جادًا عن حمص، فاتسع الخرق على هرقل بعد سقوط عدد من المدن الصغرى والكبرى، فكان ذلك بمثابة التحدي للإرادة البيزنطية، غير أن الإمبراطور البيزنطي، العسكري المحترف، لم يدع الهزائم تدفعه إلى اليأس والتراجع، ولم يفقد الأمل في تحقيق انتصار على المسلمين يعيد إليه هيبته، ومكانة الإمبراطورية، ويجلي هؤلاء عن بلاد الشام، فاستجاب لهذا التحدي، وكان قد انهمك بعد أجنادين، وسقوط دمشق، وبعلبك وحمص، في إعادة تشكيل قواته، وتكثيفها على نحو يطمئن معه إلى تعديل الموقف في بلاد الشام لمصلحة البيزنطيين، فراح يتنقل بين الجزيرة، وأرمينية وأنطاكية يجند المتطوعين، وكتب إلى عماله أن يحشدوا كل من أدرك الحلم من سكان الإمبراطورية، كما دعا
стр. 245
خريطة تعديل أوضاع الروم والمسلمين على اليرموك
стр. 246
سكان العاصمة، القسطنطينة بالتطوع للقتال، ولم يكتف بذلك، بل كتب إلى رومة عاصمة الإمبراطورية الرومانية الغربية يطلب نجدة عاجلة تساعده على التخلص من موقفه العصيب، إلا أنه واجه عدة صعاب في جمع فلول جيوشه، وتجنيد أعداد من المرتزقة والأرمن، وبعض نصارى العرب في الوقت الذي كان يعاني من نفاد المال، والإرهاق الشديد، بعد الجهد الذي بذله بصورة متواصلة طوال أربعة عشر عامًا منذ خروجه في عام ٦٢٢م من القسطنطينية.
وبعد جهد سريع، استطاع أن يجمع جيشًا يفوق تعداده مائة ألف مقاتل١، وضم:
- وحدات بيزنطية نظامية، وطبيعي أنها تتألف من مقاتلين غير عرب.
- فرقًا من أنطاكية وقنسرين وحلب، وأغلب الظن أنهم من السكان الوطنيين غير العرب، والذين كانوا على النصرانية.
- اثني عشر ألف مقاتل من رجال القبائل العربية المنتصرة المقيمة في بلاد الشام بقيادة الأمير الغساني جبلة بن الأيهم، وبينهم مقاتلين من لخم وجذام، والقين وبلي، وعاملة بالإضافة إلى غسان، وقبائل أخرى من قضاعة، والمعروف أن المعركة وقعت في منطقة كانت تابعة للغساسنة، وأن هؤلاء لم يرضوا عن سيطرة المسلمين عليها، ومن ثم فقد كانوا مشاركين مهمين في المعركة، وعين على هذا الجيش قائدًا أرمينيًا هو باهان كان يدين بالنصرانية، وانخرط في الجيش البيزنطي.
وواضح من كل ما سبق أن الرابطة التي كانت تؤلف بين أفراد هذا الجيش هي:
- الهوية البيزنطية كهوية سياسية.
- النصرانية كانتماء ديني٢.
وأحاط الحملة بهالة من الضخامة والدعاية، مما جعلها تتخذ طابعًا صليبيًا.
وضع هرقل خطته العسكرية على أساس ضرب كل قائد من قادة المسلمين
стр. 247
المتفرقين في الجنوب، على حدة، فخرج الجيش البيزنطي من أنطاكية متوجهًا نحو الجنوب، حتى إذا اقترب من حمص انسحب المسلمون من أمامه، فتعقبهم حينًا، وسابقهم أحيانًا حتى استقر في أذهان أفراده أن المسلمين يريدون الانصراف عن بلاد الشام، ثم واصل تقدمه خلال وادي البقاع إلى بعلبك، ولم يتوجه بعد ذلك إلى دمشق التي تجمع فيها المسلمون، وإنما توجه نحو الحولة في حركة التفاف تستهدف تطويق هؤلاء على ما يبدو، وقطع اتصالاتهم مع الجنوب حيث سائر جيوشهم بسواد الأردن ونواحيها، ومع التفوق العددي للجيش البيزنطي يصبح هذا الوضع بالغ الخطورة.
ثم حدث أن غادر الجيش البيزنطي المنطقة، وتوجه نحو فلسطين حيث تجمع المسلمون في اليرموك بعد أن أخلوا منطقة شمالي بلاد الشام، وعسكر أفراده شرق وادي علان، أو العلك ابتداء من الضفة الشمالية لليرموك، ونحو الشمال، وانتشروا في العمق غربًا باتجاه وادي الرقاد، وامتدوا من اليرموك جنوبًا مرورًا بسحم الجولان، فتسيل حتى غرب نون شمالًا بحيث استندت مؤخرتهم على الضفة الشرقية لوادي الرقاد غربًا، واستندت ميمنتهم على الضفة الشمالية لنهر اليرموك جنوبًا، أما ميسرتهم، فظلت طليقة باتجاه الشمال، وبهذا التمركز حشروا أنفسهم بين وادي الرقاد غربًا، ووادي اليرموك جنوبًا إلا أن طريق الشمال ظلت مفتوحة أمامهم، فكانت الإمدادات تصل إليهم، عبرها، ويتصلون من خلالها بقيادتهم العليا في أنطاكية، وكانت نقطة ضعفهم أنه كان من اليسير على المسلمين الالتفاف على مسيرتهم، وسد المنفذ الوحيد الذي يصلهم بداخل بلاد الشام، وبالتالي بعاصمتهم وقيادتهم١.
استعدادات التجهيز من جانب المسلمين:
علم أبو عبيدة بواسطة الجواسيس التي بثها بين البيزنطيين بهذا الحشد الضخم، فعقد اجتماعًا فوريًا لقادته للتشاور، فتقرر أن يغادر المسلمون حمص إلى دمشق حيث يوجند خالد؛ ولأنها أقرب إلى حدود الجزيرة العربية.
كان أبو عبيدة قد استعمل حبيبًا بن مسلمة على خراج حمص، فأرسل إليه كتابًا يقول فيه: "أردد على القوم الذين صالحناهم من أهل البلد ما كنا أخذنا منهم، فإنه لا ينبغي لنا إذا لم نمنعهم أن نأخذ منهم شيئًا، وقل لهم نحن على ما كنا عليه فيما بيننا، وبينكم من الصلح لا نرجع فيه إلا أن ترجعوا عنه، وإنما ردنا عليكم أموالكم أنا
стр. 248
كرهنا أن نأخذ أموالكم، ولا تمنع بلادكم، ولكنا نتنحى إلى بعض الأرض، ونبعث إلى إخواننا، فيتقدموا علينا ثم نلقي عدونا فنقاتلهم، فإن أظفرنا الله بهم وفينا لكم بعهدكم إلا أن لا تطلبوا ذلك"١.
نفذ حبيب أمر أبي عبيدة ورد للقوم ما كان قد أخذه منهم من الجزية، وقد تأثر أهل حمص بهذا الموقف، وقد أشرنا إلى رد فعلهم في فصل سابق.
والواقع أن هذا التدبير لم يقتصر على أهل حمص فقط، بل شمل كافة المدن والقرى المفتوحة التي وقعت عهودًا مع المسلمين، فقد كتب أبو عبيدة إلى كافة عمالة أن يردوا الجزية التي حصلوا عليها إلى أصحابها٢.
ومهما يكن من أمر، فقد أمر أبو عبيدة برحيل جيش المسلمين إلى دمشق وأخبر عمر بذلك، تألم الخليفة من رحيل المسلمين عن حمص خوفًا من البيزنطيين، وتركوا أرضًا فتحها الله عليهم، ولكنه اطمأن عندما علم أن هذا التدبير جاء عن إجماع القادة، وأمد أبا عبيدة بقوة عسكرية إضافية بقيادة سعيد بن عامر.
أزال هذا التطور العسكري على الأرض الرعب من قلوب سكان بعض الأقاليم المفتوحة، فنقضوا عهودهم مع المسلمين، وأثاروا الاضطرابات ضدهم.
وشهدت مناطق الأردن، وفلسطين ثورات عاتبة أثرت سلبًا على الوجود الإسلامي، وقد رفع عمرو بن العاص تقريرًا بذلك إلى أبي عبيدة، مما استدعى عقد اجتماع آخر للقادة قرروا فيه الخروج إلى الجابية، واستدعاء عمرو بن العاص للانضمام إليهم، ثم يتهيأون للقتال، وهكذا قرر القادة المسلمون الصمود، والمقاومة على أرض الشام٣.
وفوض أبو عبيدة في هذه الأثناء سلطانه إلى خالد٤، إذ كان أقدر القادة في تحمل مسئوليات المهمات الصعبة، فاختار اليرموك مركزًا لتجمع القوات، ومن الواضح أن اختيار ذلك المكان إنما جاء خشية المسلمين في ذلك الدور من عملية إنزال بحري يقوم بها البيزنطيون، الأمر الذي يجبرهم على الاحتماء بداخل البلاد، هذا فضلًا على أنه يمكنهم من الانسحاب في حال الضرورة إلى داخل الصحراء العربية، والمعروف أن قوى البيزنطيين كانت تسيطر على البحر المتوسط.
وصل المسلمون إلى اليرموك، فوجدوا البيزنطيين قد سبقوهم إليه، فنزلوا عليهم
стр. 249
بحذائهم وعلى طريقهم، إذ ليس للبيزنطيين طريق إلا عليهم١، وقد بلغ عددهم ستة وثلاثون ألف مقاتل٢، والواقع أن خالدًا تمركز بجيشه قبالة البيزنطيين. غرب وادي الهرير ابتداء من الضفة الشمالية لليرموك، ونحو الشمال، وانتشر في العمق شرقًا باتجاه وادي الهرير، وامتد عسكره من تل الأشعري عند مجرى اليرموك جنوبًا حتى غرب جلين، فشرق سحم الجولان، وتسيل ونوى شمالًا؛ بحيث استندت مؤخرته على وادي الهرير شرقًا، واستندت ميسرته على اليرموك جنوبًا، أما ميمنته، فظلت طليقة باتجاه شمال نوى٣، فسد بذلك على البيزنطيين منفذهم الوحيد إلى الشمال.
استعدادات القتال:
عبأ باهان جيشه كعادة البيزنطيين في ذلك العهد في كراديس، كل كردوس مؤلف من ستمائة جندي، وفي فرق كل فرقة مؤلفة من عشرة كراديس، ورتب هذه الكراديس في ثلاثة خطوط، فوضع أربعة كراديس في الخط الأول، وثلاثة في كل من الخطين الثاني والثالث، ثم وضع الرماة في المقدمة، والخيالة في الجناحين، وبهذه التعبئة شكلت كراديس المشاة قلب الجيش الذي رتب ثلاثين خطًا، وأوكل إلى كل من هذه القوى مهمات قتالية محددة، ووضع القساوسة أمام كل خط يحملون الصلبان في أيديهم لبث الحماس في نفوسهم الجند، وفعلًا دفع الحماس ببعض الجند أن ثلاثين ألفًا منهم وضعوا القيود في أرجلهم، حتى لا تراودهم فكرة الانسحاب٤.
أما المسلمون، فإنه لم يكن لهم تنظيم عسكري حديث قبل اليرموك، بل كانوا يتبعون تنظيم الخميس، وهو الذي عرفه العرب في حروبهم السابقة كأمة دون أن يعرفوا تنظيم الكراديس، لكن خالدًا عرف بفطنته العسكرية أن جيشه بحاجة إلى تنظيم جديد يضاهي تنظيم البيزنطيين حتى يتمكن من مجابهتهم، فلم يجد أفضل من تنظيمهم لقتالهم به، وهكذا اعتمد المسلمون لأول مرة في تاريخ الحروب الإسلامية تنظيم الكراديس مع تنظيم الخميس مجتمعين، وهو ما سمي بـ"التعبئة الخالدية"٥، فعبأ خالد جيشه، مشاة وخيالة في ستة وثلاثين كردوسًا، كل كردوس مؤلف من ألف مقاتل، ثم في فرق، كل فرقة مؤلفة من عدد من الكراديس يتراوح بين عشرة وعشرين كردوسًا، وذلك على أساس التجمعات القبلية، نظرًا لما يقاتل به العرب