كان هذا المسجد في الأصل بسيطًا من حيث البناء والمظهر، ولم يكن له صحن، ثم ظهر ضيقه بالمسلمين، فكان هؤلاء يصطفون للصلاة في الفضاء أمامه، لذلك زيدت فيه عدة زيادات على مر الأيام كان أولها ما زاده مسلمة بن مخلد الأنصاري في عام "٥٣هـ/ ٦٧٣م"، فإنه مده إلى جهة الشمال، وفرشه بالحصر بدل الحصباء١.
ودعي هذا المسجد بـ الجامع العتيق، وجامع عمرو بن العاص، وتاج الجوامع٢.
стр. 317
التوسع نحو الغرب:
فتح برقة ١:
من الصعب استنباط دوافع عمرو بن العاص التوسعية باتجاه الغرب في أعقاب فتح الإسكندرية، فقد تكون:
- جزءًا من الخطة التي استهدفت مصر.
- أو نتيجة لظروف طارئة واجهت القيادة العسكرية، فارتأت ضرورة تأمين الغطاء الدفاعي للحدود الغربية، بفتح مواقع أخرى تشغلها حاميات عسكرية، ومراكز مراقبة.
- أو نتيجة غريزة التوسع لدى القائد الإسلامي.
الواضح أن الحملة التي قام بها عمرو بن العاص في هذا الاتجاه، والتي أثمرت عن فتح برقة وطرابلس٢، لم تكن عملًا مخططًا له، إذ لم تكن هناك خطة مسبقة للفتح المنظم في ذلك الوقت، تتعدى مصر، وربما قدر عمرو أن تكون للبيزنطيين قوات في برقة، وطرابلس قد تغريهم بالتحصن هناك، والتربص حتى تحين الفرصة للثأر، والعودة إلى مصر لاستعادتها، فكان عليه فتح هذه المنطقة، وتأمين مركز المسلمين في مصر.
لذلك خرج بقواته من الإسكندرية في عام "٢٢هـ/ ٦٤٣م"، بعد أن اطمأن على استقرار الأوضاع في مصر، وتوجه نحو برقة التابعة للإمبراطورية البيزنطية، وتسكنها قبيلة لواتة البربرية٣، لم يكن الطريق إلى برقة آنذاك صحراويًا، بل كانت عليه
стр. 318
سلسلة من المدائن والمنازل متصلة، وأكثره أرض خصبة ذات زرع، كانت الرحلة بمثابة نزهة للمسلمين، فلم يصادفوا مقاومة تذكر، فاستسلمت المدينة، ورضي أهلها بدفع الجزية، ومقدارها ثلاثة عشر ألف دينار سنويًا، وتضمن الصلح شرطين ملفتين:
الأول: أنه أبيح لسكان برقة أن يبيعوا من أحبوا من أبنائهم ليؤمنوا الجزية المفروضة عليهم، ويبدو أن عادة بيع الأبناء كانت شائعة في أوساط هذه القبيلة، فلم يحرمه المسلمون إلا على من أسلم.
الثاني: أنه كان على سكان برقة أن يحملوا الجزية إلى مصر، حتى لا يسمح بدخول الجباة إلى بلادهم١، وأرسل عمرو عقبة بن نافع حتى بلغ زويلة٢، وأضحى ما بين برقة إلى زويلة خاضعًا للمسلمين٣.
فتح طرابلس الغرب:
وسار عمرو بن العاص من برقة إلى طرابلس، وكانت مرفأ حصينًا فيه حامية بيزنطية قوية، فأقفلت أبوابها، واستعد السكان للحصار الذي ضربه المسملون عليهم، وأملوا في تلقي إمدادات عن طريق البحر تساعدهم على الصمود، والمعروف أن الجبهة البحرية كانت مفتوحة وغير محصنة، وذلك بفعل اعتمادها على قوة البحرية البيزنطية، وانقضت عدة أسابيع دون أن يلوح في الأفق ما يشير إلى إمكان وصول المساعدة، المنتظرة، وتعرض المدافعون عنها إلى الهلكة نتيجة الجهد في القتال وشدة الجوع، وعلم المسلمون آنذاك أن الجهة البحرية خالية من الدفاعات وغير محصنة، وأنهم يستطيعون النفاذ إليها من هناك، فدخلت جماعة منهم بين أسوار المدينة، والبحر وقاتلت الحامية المولجة بالدفاع عن هذه الجهة، وصاح أفرادها "الله أكبر"، فترددت أصداء التكبير في طرقات المدينة وأزقتها، ولمعت سيوف المسلمين بفعل انعكاس أشعة الشمس، فذعر المدافعون عن المدينة، ودبت الفوضى في صفوفهم، فحملوا ما استطاعوا من متاعهم، وأسرعوا إلى السفن، وأبحروا عليها هاربين، ولما رأى الحراس فرار الحامية تركوا مراكزهم، فدخل عمرو وجيشه إلى المدينة٤.
стр. 319
وأرسل عمرو فرقًا عسكرية جابت المناطق المجاورة، وسار هو على وجه السرعة إلى مدينة سبرت١، وهاجمها صباحًا على حين غرة، وذعر السكان، وقد ظنوا أن المسلمين، لا يزالون يحاصرون طرابلس، واضطروا إلى فتح أبواب المدينة عند أول هجمة إسلامية، واحتوى المسلمون على ما فيها؛ لأنها فتحت عنوة٢.
وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في الزحف إلى تونس، وما وراءها من شمالي إفريقية، فلم يأذن له، وربما خشي عمر من تفرق المسلمين في بلاد واسعة، ولما تثبت أقدامهم فيها٣.
تأمين حدود مصر الجنوبية:
تطلع عمرو بن العاص، بعد عودته من الغرب؛ إلى الجنوب لإخضاع بلاد النوبة وتأمين حدود مصر الجنوبية، فأرسل عقبة بن نافع إلى هذه البلاد، فقاتله أهلها قتالًا شديدًا ارتد عقبة على أثره، ولم يعقد صلحًا ولا هدنة٤، والمعروف أن أهل النوبة اشتهروا برمي النبل، فلا يخطئون، وكانوا يتحرون الأعين فيرمونها فيفقأونها، فسماهم المسلمون رماة الحدق، وظل المسلمون يناوشون النوبيين من وراء الحدود٥.
стр. 320
الفصل العاشر: الدولة الإسلامية في عهد عمر-مقتل عمر
مدخل
...
الفصل العاشر: تنظيم الدولة الإسلامية في عهد عمر-مقتل عمر
نظام الحكم:
كان عهد عمر بن الخطاب عهد فتوح، كما رأينا، حالف النصر فيه المسلمين، فامتدت رقعة دولتهم حتى جاورت أفغانستان، والصين شرقًا والأناضول، وبحر قزوين شمالًا وتونس غربًا، وبلاد النوبة جنوبًا، وكان لا بد لهذه الدولة المترامية الأطراف من تنظيم حتى تستمر، وقدر لعمر بن الخطاب أن يكون رائد هذا التنظيم بما استوحى من نهج من سبقه، النبي ﷺ ، وأبي بكر الصديق، وربما طرأ على أوضاع المسلمين السياسية، والاجتماعية والاقتصادية بفعل احتكاكهم الحضاري بشعوب البلاد المفتوحة، ونمو الدولة بسرعة مذهلة، فكان على حاكمها أن يتابع هذا التطور في النمو.
التفت عمر، في بادئ الأمر، إلى تنظيم مركز القوة الدافعة في بلاد العرب، ثم عمل على توثيق الروابط بين أجزاء الدولة، وتأكيد تضامنها، فإن التطور الذي طرأ على أجهزة الحكم في عهده يعد نقلة نوعية في إطار بناء الدولة بما يتجاوز مفهوم العرب لها.
كانت الدلالة المباشرة للخلافة، أن الخليفة هو خليفة رسول الله ﷺ ، ينتهج نهجه، ويسلك مسلكه، ولعل الماوردي كان الأكثر دقة في تحديد المفهوم الإسلامي لهذا الاصطلاح الذي تم التداول به بين المسلمين بشكل عفوي: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حرساة الدين، وسياسة الدنيا وعقدها لمن يقوم في الأمة واجب الإجماع"١.
لم يحدد النبي محمد ﷺ قبل وفاته ماهية الخلافة لا في الشكل، ولا في
стр. 321
المضمون، وهو الذي تولى هذا المنصب كرجل دولة بالإضافة إلى سلطته كنبي. وهذا التغيير العملي الذي طبقه، والذي يختلف عن الأطر الجاهلية المعروفة عبر الانسجام المطلق في الصلاحيات؛ هو الذي حدد الإطار العام لمؤسسة الدولة الإسلامية، وتعد هذه الممارسة المزدوجة من جانبه أول ظاهرة في التاريخ١.
وحافظ أبو بكر الصديق على روحية هذا الإطار العام، إلا أنه أعطى الخلافة دورًا محددًا، ومضمونًا خاصًا اتضح في العهود اللاحقة، على الرغم من أنه لم يتمكن من أن يعطي منصب الخلافة شخصية، أكثر تفصيلًا، وذلك بفعل ولايته القصيرة، وانهماكه في إخضاع المرتدين بالإضافة إلى الفتوح التي ابتدأت في عهده، وقد وقع عبء هذه المهمة بالضرورة على عاتق عمر بن الخطاب الذي وجد نفسه أمام ظروف مستجدة لا يمكن تجاوزها، لا سيما في مجال حالات خاصة ليست لها سابقة لا في عصر الرسالة، ولا في عهد سلفه، وقد دفعته إلى أن يتخذ صفة تشريعية، كذلك، لمعالجة المواقف الطارئة التي واجهت الحكم.
شكلت هذه الازدواجية، بين فكرة الخلافة بمفهومها الروحي، وبين مؤسسة الدولة كنظام سياسي، الخطوة الأولى في مسيرة الدولة الإسلامية منذ عهد عمر بن الخطاب٢، والمعروف أن النظام السياسي يشمل: الفكر السياسي، والنظم السياسية بما فيها الدستور والحكومة المركزية، والحكومات الإقليمية، والمحلية والإدارة العامة، والوظائف الاقتصادية، والاجتماعية للحكومة، والنظم السياسية المقارنة، والأحزاب والجماعات والهيئات، ودور الفرد في الحكومة والرأي العام٣.
وبعد هجرة النبي محمد ﷺ ، وظهور نواة الدولة الإسلامية، تمثلت المبادئ الخاصة بها بمضمون الوثيقة التي حددت قواعد السلوك الداخلي، والتعايش بين فئات المجتمع المدني، ووضعت الأسس للعلاقات الخارجية، وعالجت شئون الحرب.
لكن هذا النظام على الرغم من أنه لبى حاجة ماسة إليه في ذلك الوقت، وأحدث انقلابًا في قوانين التعامل الاجتماعي، والعلاقات السياسية، فإنه ظل لمدة في النطاق الحجازي دونما حاجة إلى تطوير، وذلك في عصر الرسالة، وعهد أبي بكر الذي لم يكن بوسعه أن ينصرف عن إخضاع المرتدين، ومواجهة الفرس والبيزنطيين، إلى
стр. 322
تفصيل النظام الملائم للوضع لاجديد في ظل عدم تجانس المجتمع الإسلامي الجديد، حيث لم تكن وحدة الدولة قد استقرت بعد.
وبعد الانتشار الإسلامي السريع في عهد عمر، والاحتكاك بشعوب البلاد المفتوحة التي تمتلك تجربة في شئون الحكم والعلاقات السياسية؛ أضحى هذا النظام بحاجة إلى تطوير ليتماشى مع الظروف البيئية، والاجتماعية والسياسية الجديدة، وهي في مضمونها استجابة حتمية لتحديات ما أفرزته الفتوح.
والواقع أن نظام الحكم في عهد عمر هو استمرار للأساس الذي قام عليه في عهد النبي، وعهد أبي بكر من بعده، وهو أن الخليفة يجمع في يده، من حيث المبدأ، السلطة المطلقة وفقًا لشروط، وأعراف غير مكتوبة، غير أن القرارات لم تأخذ طابعها الفردي المحض، بل كان هناك ثلاثة أنواع من المجالس الاستشارية غير الرسمية، ولم تكن هذه المجالس يومئذ نطاقًا غايته الحد من سلطان الخليفة، كما لم يكن لأصحاب الرأي الذين يستشارون حقوق يفرضونها عليه، بل كان الخليفة مطلق الصلاحية، وهو الذي يختار من يستشيرهم، ثم كان يفاضل بين آرائهم، فيأخذ منها ما يشاء، ويدع ما يشاء.
كان المهاجرون والأنصار هم أهل الرأي، والمشورة في عهد النبي يلتفون من حوله، ويستمعون منه ويشيرون عليه، ويسيرون معه، فلما كان عهد أبي بكر انساح كثير منهم في العراق، وفي بلاد الشام، وبقي بعض كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار إلى جانبه، واستمروا في عهد عمر.
أما المجالس الاستشارية الثلاثة، فهي:
١- مجلس المهاجرين والأنصار:
يتشكل هذا المجلس من كبار الصحابة من المهاجرين، والأنصار من ذوي الخبرة والتجربة، فكانوا يزودون الخليفة بالنصيحة، ويتناقشون معه في القضايا الهامة، فإذا طرأ أمر يحتاج إلى التدبير كان أعضاء هذا المجلس يجتمعون، والمعروف أن عامة المسلمين اعترفوا بتقدم المهاجرين والأنصار وأسبقيتهم، فكان اشتراك أعضاء من كلا الجماعتين أمرًا حتميًا، ومن أعضاء هذا المجلس: العباس بن عبد المطلب، عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، عبد الرحمن بن عوف، معاذ بن جبل، أبي بن كعب وزيد بن ثابت، وتعد أحكام هذا المجالس كافية في شئون الحياة اليومية العادية.
٢- مجلس العامة:
يتألف هذا المجلس من عامة المسلمين، المهاجرين والأنصار، وزعماء البدو
стр. 323
الوافدين على المدينة، فتعرض عليهم القضايا الهامة على مستوى الأمة الإسلامية، ويناقشونها، أما طريقة انعقاد المجلس، فكان ينادي الصلاة جامعة، وعندما يجتمع الناس يذهب عمر إلى المسجد النبوي، وهو المكان المخصص لانعقاد المجلس، فيصلي ركعتين، ويصعد بعد الصلاة على المنبر، ويلقي خطبة، ثم يقدم القضية التي تحتاج إلى النقاش والبحث.
نذكر من بين القضايا التي ناقشها هذاا لمجلس، قضية توزيع أراضي البلاد المفتوحة كإقطاع على أفراد الجيش، وقد افتتح عم الجلسة بقوله: "إني لم أزعجكم إلا، لأن تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم، فإني واحد كأحدكم، ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي"، استمرت جلسات المناقشة عدة أيام كان الناس يدلون برأيهم بحرية وجرأة١، وناقش هذا المجلس كذلك، الوضع على الجبهة العراقية بعد مقتل أبي عبيد الثقفي، إذ هم الخليفة أن يذهب بنفسه٢، فقال العامة: "سر وسر بنا معك"، وأجمع الخاصة على أن يبعث رجلًا من أصحاب رسول الله على رأس الجيش إلى العراق، ويبقى هو في المدينة يمد هذا الرجل، عند ذلك جمع الناس، وقال لهم: "يحق للمسلمين أن يكونوا وأمرهم شورى بينهم، وإني إنما كنت كرجل منكم حتى صرفني ذوو الرأي منكم على الخروج، فقد رأيت أن أقيم، وأن أبعث رجلًا".
وعندما أراد عمر أن يذهب إلى بلاد الشام مع اشتداد وباء طاعون عمواس خرج من المدينة حتى إذا نزل بسرغ٢ لقيه أمراء الجند، فأخبروه بأن الأرض سقيمة، وأن فتك الطاعون شديد، فجمع المهاجرين الأولين، واستشارهم في ما يفعل، أيتابع طريقه أم يعود أدراجه؟. فاختلفوا عليه فمنهم من أشار بالخروج، ومنهم من نصحه بالعودة، فجمع عند ذلك الأنصار واستشارهم، فسلكوا طريق المهاجرين، ثم جمع مهاجرة الفتح من قريش فنصحوه بالعودة، وقالوا له: "ارجع بالناس، فإنه بلاء وفناء"، فقرر عندئذ العودة، وأمر عبد الله بن عباس أن يجمع الناس ليعرض عليهم قراره٣.
وهكذا كان الأمر في ما يتعلق بمرتبات الجند، وترتيب الدواوين وتعيين العمال وحرية التجارة للأجانب، وتحديد الضرائب عليها، وكثير من القضايا من هذا النوع، عرضت على
стр. 324
مجلس الشورى للاستئناس برأي أعضائه، ومن ثم يتخذ الخليفة القرار المناسب١.
روى أبو يوسف أنه "لما قدم على عمر بن الخطاب ﵁ جيش العراق من قبل سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، شاور أصحاب محمد ﷺ في تدوين الدواوين، وكان قد اتبع رأي أبي بكر في التسوية بين الناس، فلما جاء فتح العراق شاور الناس في التفضيل، ورأي أنه الرأي، فأشار بذلك عليه من رآه"٢.
٣- مجلس المهاجرين:
ووجد في عهد عمر مجلس آخر مخصص لمناقشة الشئون الإدارية، والمتطلبات اليومية الخاصة الناتجة عن الفتوح، ولا يشترك فيه إلا المهاجرين من الصحابة. إنه مجلس خاص كان عمر يعرض فيه الأخبار اليومية التي كانت تصل إليه من الأقاليم والمراكز، وقد عرضت على هذا المجلس مسألة فرض الجزية على المجوس٣.
والواقع أن دولة لها ذلك الاتساع وتلك الطاقات، من الصعوبة أن تدار من قهبل شخص واحد مهما كان نشيطًا، وملمًا بمرافق الحياة، وعلى الرغم من أن مفهوم عمر لنظام الحكم المستمد من النظرية الدينية، وعدم السماح بنشوء مراكز قوى داخلية؛ فإن هذا الخليفة كان يميل إلى مناقشة القضايا الهامة مع كبار الصحابة، وقد اختار بعضهم ليكونوا لصيقين به حاضرين أمامه، وجاهزين كلما احتاج إليهم للمناقشة.
تلك كانت صورة النظام السياسي في عهد عمر، حيث تمتع هذا الخليفة بنفوذ رئيسي نابع من خصوصية مركزه الجامع لكافة الوظائف الدينية، والدنيوية التي فرضها القرآن الكريم، ولما كان الخليفة هو صاحب الرأي الأخير، والقول الفصل في كل أمر؛ فقد كان عليه لقاء ذلك على التبعية عن سياسة الدولة.
стр. 325
الإدارة في عهد عمر:
تعريف الإدارة:
الإدارة لغة من أدرت فلانًا على الأمر إذا حاولت إلزامه إياه، وأدرته عن الأمر إذا طلبت منه تركه١، أما اصطلاحًا فالإدارة فن يعتمد على الصفات الذاتية، والمواهب الشخصية للمدير، ولكنها من حيث الاعتماد على الصفات العلمية فهي علم، ولم يتبلور ذلك إلا مؤخرًا حين أضحت الدولة تقوم على أساس الخدمة العامة لا
стр. 326
السلطة، وبعد أن شمل نشاطها الأحوال الشخصية للأفراد، فبدأت الدراسات الحديثة بالظهور، المتعلقة بكيفية تنظيم أجهزة الدولة، واختيار الحكام، واكتشاف مبادئ الإدارة العامة التي تكفل أداء الوظائف الحكومية في أقصر وقت، وأقل كلفة وبأقصى فاعلية، لكن الإدارة موجودة منذ وجود الدول والمجتمعات الإنسانية، فكل تجمع إنساني يقيم على أرض واحدة، له مصالح مشتركة، لا بد له من قيادة ترعاه وتسوس أمره، بالقدر الذي تتمتع به من الكفاءة، والمقدرة الشخصية.
والإدارة العامة هو فن تنظيم، وإدارة القوى البشرية، والمادية لتحقيق الأهداف الحكومية، وهي جزء لا ينفصل عن نشاط كل جماعة منظمة، وتكون جانبًا من عمل الحاكم، وتشمل كافة الواجبات، والوظائف التي تختص أو تتعلق بإدارة المشروع، من حيث تمويله ووضع سياسته الرئيسة، وتوفير ما يلزمه من معدات وإعداد الإطار الذي يعمل فيه، واختيار الرؤساء والأفراد القياديين، وذلك للوصول إلى الهدف بأحسن الوسائل وأقل التكاليف، في حدود الموارد المتاحة ويحسن استخدامها، فالإدارة إذن، تتكون من جميع العمليات التي تستهدف تنفيذ السياسة العامة١.
تطور الإدارة العامة:
ظهرت الإدارة الإسلامية بعد تأسيس الدولة في المدينة، حيث اكتملت أركانها بتوفر الأرض ووجود الشعب، وقيام السلطة بأنواعها التشريعية والقضائية والتنفيذية، متمثلة بشخص النبي محمد ﷺ القائد، والمؤسس الأول لدولة الإسلام، فكان يقضي بين الناس ويفتيهم، وينظم شئون الدولة من واقع هيكل تنظيمي للوظائف المختلفة.
وبرزت في عهد أبي بكر الذي تسلم الحكم بعد وفاة النبي محمد ﷺ ، مشكلات سياسية، وإدارية بما واجهه من ارتداد العرب، واهتمامه بالقضاء على مظاهر تلك الردة، بل إنه أنفذ جيش أسامة، وبدأ بتنظيم الجيوش لمحاربة المرتدين، وبعد أن قضى على كل مظهر للردة، ورأب الصدع، وثبت دعائم الدولة، ووطد الأمن في أرجائها؛ وجه جيوش الفتوح إلى العراق، وبلاد الشام.
واستلم عمر إدارة الدولة بعد وفاة أبي بكر، وقد أحاط بها الأعداء من كل جانب، وبخاصة الدولتان الفارسية والبيزنطية، فانتدب الناس لمحاربتهما، وانتصر المسلمون عليهما، وفتحوا العراق وفارس وبلاد الشام ومصر، فاتسعت بذلك رقعة الدولة، واختلط العنصر العربي بالعنصر الأعجمي من سكان البلاد المفتوحة، وتدفقت
стр. 327
الأموال على المدينة من الغنائم وغيرها؛ مما أدى إلى بروز مشكلات كثيرة تطلبت حلا، لعل أهمها: إدارة الولايات خارج الجزيرة العربية، استمرار الفتوح أو توقفها ريثما يتم استيعاب ما أنجز منها، توزيع الغنائم على المقاتلين بعد تدفق الأموال الكثيرة، إدارة أراضي الفتح، وغيرها من المشكلات، كتأسيس المدن في بعض الجهات على شكل معسكرات كالكوفة، والبصرة في العراق والفسطاط في مصر، أما اختلاط العنصر العربي بالعنصر الأعجمي، فلم يشكل مشكلة حقيقية، بخاصة بعد إسلام هؤلاء، إلا من حيث اللغة، فرأى عمر أن يقطن العنصر العربي في المعسكرات المنشأة ليحافظ على لغته وعاداته، وكان تدفق الأموال الكثيرة من الغنائم وغيرها قضية جتديدة تطلبت حلًا مرنًا لتصريفها، فأنشأ عمر بيتًا خاصًا للمال الوارد، واختص هو بمسئولية القيام عليه، وتصريفه في وجوهه، ودون الدواوين لذلك، وأمر بإنشاء دواوين في عواصم الولايات، وفرض الأعطيات، فشمل العطاء كل فرد في الدولة ابتداء بقرابة النبي، وأزواجه وانتهاء بكل مسلم، وفرض لكل مولود ولد في الإسلام عطاء، وجعل ذلك كله في ديوان منظم، وحل قضية الأراضي المفتوحة من واقع إبقائها بيد أصحابها المحليين لكنه وضع الخراج عليها ليكون ذلك موردًا ماليًا دائمًا لبيت مال المسلمين، ولما رأى عمر سرعة انتشار الفتوح، قرر التوقف عند حدود معينة ريثما يتم استيعاب ما فتح١.
التقسيم الإداري للدولة:
اتسعت الأراضي الإسلامية في عهد عمر اتساعًا كبيرًا مما اقتضى وضع تنظيم محكم حتى تسهل إدارتها، والإشراف على مواردها، والمعروف أن الخطوة الأولى لنظام الحكم، والتي يتفرع منها جميع التنظيمات هي تقسيم الدولة إلى ولايات أو أقاليم، وعين عمر أميرًا حاكمًا على كل ولاية يتحمل تبعات الحكم، ويكون نائبًا عنه، ويمضي الوقت، أدرك أن الولاة لا يستطيعون القيام بكل الأعباء التي تتطلبها الولاية، ففصل القضاء عن اختصاص الولاة، وعين قاضيًا على تلك
الولايات، وكان يمدهم بتوجيهاته، وخصصهم بالأرزاق، وقد تنقسم الولاية
أحيانًا إلى وحدات محلية تتبع الوالي أو الأمير، كما كان يطلق عليه، وكان نظام الولاية صورة مصغرة في هيكليته لنظام المدينة المنورة المركزي، فإلى جانب الوالي كان القاضي يتمتع بسلطة واسعة، وغالبًا ما كانت له صفة استقلالية، ثم صاحب بيت المال، وصاحب الديوان المسئول.
стр. 328
المباشر عن مرتبات الجند، ولا بد من الإشارة إلى أن حاكم الولاية هو في الوقت نفسه قائد الجيش فيها، وكان يختار أعوانه القادة، ويشارك في الحملات العسكرية أو ينتدب ممثلًا عنه، وذلك بالتنسيق مع الحكومة المركزية في المدينة المنورة١.
أقر عمر النظم الفارسية في ما يختص بالتقسيمات الإدارية في العراق وفارس، فأبقى عليها، وكانت هذه التقسيمات تعرف بالرساتيق٢، والواقع أن الأراضي الفارسية كانت تنقسم إلى ثلاثة أقاليم كبيرة باستثناء العراق هي: خراسان وأذربيجان وفارس، ثم قسم العراق إلى مصرين أي ولايتين كبيرتين هما الكوفة، والبصرة بعد تأسيسهما، كما أبقى على التقسيمات البيزنطية في بلاد الشام، وكانت تسمى نظام البنود٣، وطبقه في بعض النواحي التي لم يكن موجودًا فيها من قبل، وعرف هذا النظام باسم الأجناد، كما أبقى على ما كان في مصر من نظام الكور٤، أما الجزيرة العربية وبخاصة الحجاز ونجد، فقد بقيت على ما كانت عليه، ولم يدخل عليها أي تقسيم جديد، ولعل مرد ذلك يعود إلى قربها من عاصمة الدولة.
ويبدو أن عمر تصرف أحيانًا في التقسيم القديم، فكانت فلسطين تعد منذ العهد البيزنطي إقليمًا واحدًا، وتضم عشر محافظات، وفي عام "١٥هـ/ ٦٣٦م"، قسمها عمر إلى نصفين، وجعل عاصمة إحداهما إيلياء والثاني الرملة، وولى علقمة بن محرز على الأولى، وعلقمة بن حكيم على الثانية٥، أما مصر فلا نعلم يقينًا كيف كان تقسيمها قبل الفتح، لكن عمر قسمها إلى ولايتين المنطقة العليا، وهي الصعيد وتضم ثماني وعشرين محافظة، واستعمل عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، والمنطقة السفلى، وتضم خمس عشرة محافظة، وولى عليها حاكمًا آخر، وكان عمرو بن العاص الحاكم العام على مصر، ويذكر ابن عبد الحكم أنه عندما توفي عمر كان على مصر أميران: عمرو بن العاص بأسفل الأرض، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح على الصعيد٦.
ولنأخذ التقسيم الإداري لبلاد الشام كنموذج يمكن تطبيقه على سائر الولايات مع
стр. 329
شيء من التعديل يتعلق بخصوصية كل إقليم, وذلك؛ لأن الجبهة البيزنطية استمرت ناشطة برا وبحرا في حين قضى المسلمون بشكل نهائي على الإمبراطورية الفارسية، ولم تعد لها بعد ذلك قائمة، فبالمقارنة مع نظام البنود البيزنطي، فإن هذه كانت أوسع من الأجناد١، وهذا النظام ليس إلا تطبيقًا لما أقامه هرقل في آسيا الصغرى، حيث قسم الأراضي التي لم تحتلها قوى أجنبية إلى مناطق عسكرية كبيرة، وضعت تحت إدارة قادة عسكريين يتمتعون بصلاحيات الحكام الإداريين، وقد استوحى عمر ما كان البيزنطيون قد بدأوا بتطبيقه في عهد هرقل من نظام البنود في آسيا الصغرى، إلا أن الضرورات العسكرية هي التي اوجبت عليه هذا التقسيم، فالساحل الشامي طويل، وبلاد الشام كانت لا تزال مهددة برًا، وبحرًا من قبل البيزنطيين، فكان لا بد من إيجاد مراكز عسكرية متعددة لكي يتمكن كل جند من الدفاع عن المدن الساحلية التابعة له، فقد كانت عرقة وجبيل وصيدا، وبيروت وطرابلس، تابعة لجند دمشق٢، أما اللاذقية وجبلة وبانياس وأنطرطوس، فكانت تابعة لجند حمص٣، وتبعت صور وعكا جند الأردن٤، وقيسارية ويافا وعسقلان وغزة، جند فلسطين٥، ويضم كل جند منطقة ساحلية وأخرى داخلية، بشكل تستطيع معه كل منطقة أن تعتمد على الأخرى عسكريًا واقتصاديًا، وبما أنه لم يكن للمسلمين في ذلك الوقت قوة بحرية قادرة على حماية السواحل؛ فإن مراكز الأجناد كلها كانت مدنًا داخلية، مثل حمص، دمشق، اللد، طبرية٦.
стр. 330
الموظفون الإداريون:
الهيكل التنظيمي للموظفين:
كان الوالي، أي حاكم الولاية أو الإقليم، يأتي في المقام الأول، ثم يأتي بعده على غير التراتبية الكاتب، أي كاتب في ديوان الجيش، وصاحب الخراج، وصاحب الأحداث "الشرطة"، وصاحب بيت المال، والقاضي، وهم جميعًا تحت إمرة الوالي ويعملون تحت إدارته، نذكر مثالًا على ذلك، أن عمارًا بن ياسر كان واليًا على الكوفة، وعثمان بن حنيف صاحب الخراج، وعبد الله بن مسعود صاحب بيت المال، وشريحًا قاضيًا، وعبد الله بن خلف الخواعي كاتبًا للديوان١، ووجد أحيانًا قائد للجيش في كل ولاية على الرغم من أن الوالي كان مكلفًا بهذه المهمة في معظم الأوقات، ولم تكن إدارة الأحداث مستقلة في جميع الولايات، فكثيرًا ما كان صاحب الخراج، أو الوالي يقوم بهذه الخدمة، ففي الوقت الذي كان فيه عمار بن ياسر واليًا للكوفة أسندت إليه إدارة الأحداث، وكان قدامة بن مظعون، وهو صاحب الخراج في البحرين يتولى هذه المهمة، أما إدارة الوالي فقد كانت مستقلة، وتشمل عددًا من الموظفين يعينهم الخليفة عادة، فعندما ولى عمر عمارًا على الكوفة أمده بعشرة من الإداريين من أكفاء الرجال كان من بينهم قرظ الخزرجي، أما الكاتب فكان جديرًا في الإنشاء والخطابة، فعندما كان أبو موسى الأشعري واليًا على البصرة، كان عمر يعجب لبلاغة كاتبه زياد بن سمية، ويتعجب لفصاحته.
ويتم اختيار الموظفين ضمن الإطار الديني، بالإضافة إلى الصفات الحميدة مثل الصدق، والإمانة، والكفاءة، واليقظة، وكان عمر على معرفة بكنه الرجال الذين تتوفر فيهم شروط التعيين، وكان هناك أربعة رجال عرفوا بدهاة العرب، وهم معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة وزياد بن سمية، وقد عهد عمر إلى الثلاثة الأوائل بأكبر مناصب الدولة، وعين عبد الله بن الأرقم كاتبًا، وكان النبي قد استحسن كتابته.
وعندما عقد عمر مجلس الشورى للنظر في أمر نهاوند طلب الرأي من الحاضرين في اختيار الرجل الذي يرسل ليقود المعركة، قال الحاضرون: "إن المعرفة التي لديك لا تتوفئر لأحد فينا، وأنت قدرت مؤهلاتنا وقدراتنا، ولم يستطع أحد أن يقدرها"، عندئذ سمى عمر النعمان بن مقرن، واعترف الجميع بحسن الاختيار.
وعمل عمر بمبدأ الإنابة، إنابة رجال لبعض الولاة بحضورهم، وهذه ظاهرة هامة في ميدان السياسة والإدارة، فقد عين السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي نائبًا لعبد الله بن عتبة على سوق المدينة٢، وكان عبد الله بن عبد الله بن عتبان نائبًا لسعد بن أبي وقاص على الكوفة٣.
стр. 331
الوالي:
شروط تعيين الوالي:
إن أولى بوادر التنظيم الإداري من حيث تعيين الموظفين تعيين أبي بكر القادة الذين أرسلهم لفتح بلاد الشام؛ ولاة على المناطق التي كلفوا بفتحها، فقد ولى عمرو بن العاص على فلسطين، وشرحبيل بن حسنة على الأردن، ويزيد بن أبي سفيان على دمشق، وأبا عبيدة بن الجراح على حمص، وأنه إذا حدث قتال فأميرهم هو الذي يكونون في عمله١، وأمر عمرًا مشافهة أن يصلي بالناس إذا اجتمعوا، وإذا تفرقوا صلى كل أمير بأصحابه، وأمر الأمراء أن يعقدوا لكل قبيلة لواء يكون فيهم٢، لكن نلاحظ توحيدًا للقيادات بعد ذلك عندما جاء خالد بن الوليد إلى بلادا لشام مددًا للمسلمين هناك، واستمر هذا التوحيد في خلافة عمر الذي جمع الشام كله في السلم، والحرب لأبي عبيدة بن الجراح نظرًا لمكانته، وعظيم ثقته به٣، وعمد أبو عبيدة أثناء عملية الفتوح إلى تعيين وال على كل مدينة صالحه أهلها، وضم جماعة من المسلمين إليه، ويتمتع الوالي بصلاحات عسكرية، ومدنية واسعة بوصفه رأس الهرم التنظيمي في ولايته، فهو الذي يوجه القادة، ويعين العمال على الكور، ويوافق على عقود الصلح التي يبرمها قادئه٤.
يعتمد أسلوب عمر في اختيار الولاة على توفر عدة صفات في المرشح في ما سمي بالشروط العمرية، لعل أهمها٥:
- القوة والقدرة المؤهلة للنهوض بالعمل المسند إلى المكلف به، ويقول في ذلك: "إني لأتحرج أن أستعمل الرجل، وأنا أجد أقوى منه"، فعندما عزل شرحبيل بن حسنة عن ولاية الشام، وأسندها إلى معاوية، قال له الأول: "أعن سخطة يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، إنك لكما أحب، ولكني أريد رجلًا أقوى من رجل"٦.
- الرحمة والرأفة بالناس، فكان لا يوالي الرجل الذي يخشى من شدته على الرعية لفقدان الرحمة.
стр. 332
- أن لا يكون من آل النبي، ولا من أكابر الصحابة، وذلك؛ لأن رسول الله كان لا يوليهم شيئًا من ذلك، إنه لا يريد أن يدنسهم بالعمل، فقد يرتكبون أخطاء لا يمكن السكوت عليها، فيقع الخليفة في الحرج من واقع إنزال العقاب المناسب بهم، وذلك لا يريده، أما السكوت عن تجاوزاتهم، وأخطائهم فهو أشد على عمر، ثم هناك الحاجة إلى مشورتهم وفقههم، لذلك فإنه لم يول عثمان بن عفان، أو عليًا بن أبي طالب، أو عبد الرحمن بن عوف، أو العباس بن عبد المطلب وغيرهم١.
- أن لا يكون المرشح حريصًا على الولاية، فقد أثر عن عمر أنه أراد تولية رجل على ولاية، فجاء الرجل يطلبها، فتوقف عمر عن ذلك ولم يوله؛ مقتديًا بذلك بالنبي، فإنه كان لا يولي أمرًا من طلبه ولو كان قادرًا، فطالب الولاية لا يولى٢.
- كان عمر يستشير إذا أراد أن يولي قائدًا أو أميرًا، من ذلك عندما ولى سعدًا بن أبي وقاص قيادة جيش المسلمين في العراق، استشار الناس، فأشاروا عليه بسعد٣، وكذلك حين أراد أن يولي قائدًا على أول جيش يبعث به إلى العراق مددًا للمقاتلين هناك، وبعد الاطلاع على مختلف الآراء، اختار أبا عبيد الثقفي، وهكذا نجد أن عمر كان قدوة في اختيار الولاة، فيوليهم ويعزل من يستحق العزل، ويثبت من يستحق ذلك.
- حرص عمر على اختيار ولاته، فإذا حدث أن اختار أحد الأشخاص يعطيه عهد التعيين الذي يتضمن شروطًا سلوكية مشهودًا عليها لينفذها خلال ولايته، وأهمها تطبيق حكم الله، وإحلال العدل ونشر الأمن، والطمأنينة بين الناس، وأن لا يركب برذونًا، ولعل هذا المنع يعود إلى الصفات الخلقية لهذه الدابة التي تبعث على الخيلاء، والكبر التي خشيها عمر على نفسه، فكيف على ولاته، وذلك خشية عليهم من الوصول إلى الخيلاء، والكبر التي قد تصبح صفة خلقية للوالي، وبخاصة أن له تجربة سابقة عندما قدم إلى بلاد الشام٤، ومنعهم من لبس الرقيق، وذلك بفعل حرصه على محافظة العمال على الأخلاق الإسلامية الرفيعة في المظهر، والمعروف أن لبس الرقيق من الثياب له دلالة على الإسراف والتمييز على الناس، وإذا حصل ذلك فإنه يؤدي إلى تعالي الحكام على غيرهم، وحقد الرعية عليهم، ومنعهم أيضًا من أكل النقي من الدقيق، وذلك لحرص عمر على مساواة الحكام بالمحكومين في
стр. 333
المأكل والمشرب، ومنعهم أيضًا من إغلاق بابهم دون حوائج الناس، واتخاذ حاجب يكون حاجزًا بينهم، وبين الرعية بحجبهم متى شاء، ويدخلهم متى شاء، وقد يميل الوالي إلى الدعة ويعتاد على حجب الناس مما قد يؤدي إلى حرمان
هؤلاء من الاستفادة من الوقت، والشعور بقرب الحاكم، وتفهمه لقضاياهم١.
- نهى عماله عن ممارسة أي عمل آخر، والتفرغ فقط لشئون الحكم، وذلك حتى لا يشغله العمل الخاص عن عمله العام مما يعد خسارة على الوالي والمجتمع، وكان حريصًا على إغنائهم عن العمل الخاص.
تعيين مراقب على عمل الولاة:
نتيجة لاتساع رقعة الدولة الإسلامية في عهد عمر وازدياد عدد ولاياتها، أضحى من الصعب الإحاطة بكل ما يجري في كل ولاية، ولما كان عمر حريصًا على أن يقف على دقائق الأمور في تصرف ولاته، وما كان يجري في كل ولاية؛ اختار رجلًا من خيرة رجاله تقوى وقوى، وأمانة وسنا وتجربة، هو محمد بن مسلمة الأنصاري ليكون مراقبه الخاص على العمال، وأعمالهم والنظر في الشكاوي المرفوعة لهم، ويذكر أبو يوسف: "فدعا، أي عمر، محمدًا بن مسلمة، وكان رسوله إلى العمال، فبعثه وقال: إئتيني به، أي بوالي الذي خالف الشروط، وهو عياض بن غنم، على الحال الذي تجده عليها، قال: فأتاه فوجد على بابه حاجبًا، فإذا عليه قميص رقيق، قال: أجب أمير المؤمنين، قال: دعني أطرح على قبائي، قال: لا إلا على حالك هذه فقدم به عليه، أي على عمر في المدينة"٢.
محاسبة الوالي:
كان عمر يحاسب عماله عن أخطائهم، وبخاصة تلك التصرفات التي تدل على الفخر، والتميز والتعالي وهدر الأموال العامة، وهذا الموقف، نابع من واقع موقفه من الأمة الإسلامية حيث كانت الأمة في نظره، أي جماعة المسلمين، متساوين في الحقوق والواجبات، فإذا برزت مؤشرات تدل على سوء تصرف الوالي، يستدعيه إلى المدينة مثلما حدث مع أبي موسى الأشعري حاكم البصرة عندما رفعت شكوى ضده، فاستدعاه عمر وحقق معه بنفسه٣، وكان يحصي وضع العامل المالي وقت إرساله، ثم يشاطره ماله وقت عزله إذا زاد رأس ماله بشكل يثير الشبهة، وكان يقول لعماله: "نحن
стр. 334
إنما بعثناكم ولاة ولم نبعثكم تجارًا"، على أن هذه الشدة في محاسبة الولاة لم يكن يقصد منها إضعاف سلطتهم، فقد كانت لهم الحرية المطلقة في إصدار الأحكام وتنفيذها، وسلطاتهم مساوية لسلطات عمر ما لزموا العدل، فإذا اعتدى عليهم معتد، أو استهان أحد بهم عوقب بشدة، ثم إنه كان يسمع لحجة عاملة، فإذا أقنعته لم يخف اقتناعه بها، ويثني عليه بعدها، لقد قدم إلى الشام راكبًا حمارًا، فاستقبله معاوية بن أبي سفيان في موكب فخم مهيب، ونزل معاوية وسلم على عمر بالخلافة، فمضى في سبيله ولم يرد ﵇، فقال له عبد الرحمن بن عوف: "أتعبت الرجل يا أمير المؤمنين؛ فلو كلمته! فالتفت عمر إلى معاوية، وسأله: إنك لصاحب الموكب الذي أرى؟ قال معاوية: نعم! قال عمر: مع شدة احتجاجك، ووقوفك ذوي الحاجات ببابك؟ قال معاوية: ولم! ويحك؟ وأجابه معاوية: لأننا ببلاد كثر فيها جواسيس العدو، فإن لم نتخذ العدة، والعدد استخف بنا وهجم علينا، وأما الحجاب فإننا نخاف من البذلة جرأة الرعية، وأنا بعد عاملك، فإناستنقصتني نقصت، وإن استزدتني زدت، وإن استوقفتني وقفت"، قال عمر: يا معاوية ما سألتك إلا تركتني في مثل رواجب الضرس، لئن كان ما قلت حقًا إنه لرأي أريت، ولن كان باطلًا إنه لخديعة أديت، قال: فمرني يا أمير المؤمنين بما شئت، قال: لا آمرك ولا أنهاك"١.
وكان عمر يجمع عماله بمكة في موسم الحج من كل عام، يسألهم عن أعمالهم، ويسأل الناس عنهم ليرى مدى دقتهم في الاضطلاع بواجبهم، وتنزههم حين أدائه لأنفسهم أو لذويهم، وكان يغتبط حين يرى عماله يتجردون لخير الرعية، ويثني عليهم لذلك ثناء عظيمًا.
وفق رؤية كهذه كانت السلطة الفعلية تتطابق عمليًا مع الإدارة الجماعية، والمصالح الجماعية للأمة، ولم تكن الإمارة إلا وسيلة لتحقيق هذه الإرادة وتدبير تلك المصالح الجماعية٢، وهكذا فالإمارة ليست بنظر عمر وفي سلوكه سيادة وملكًا، وإنما تفويض وتوكيل من الجماعة التي تبقى صاحبة الأمر، لذلك كان يعزل الوالي إذا أخل بشروط التفويض الخاص به من واقع تغليب المصلحة العامة، ولنا في عزل سعد بن أبي وقاص عن ولاية العراق مثل على ذلك، وإن كان يشوب التهم الموجهة إليه عدم الوضوح٣.
стр. 335
الدواوين:
تمهيد:
تعد المؤسسة الإدارية أو النظام الإداري الذي أسسه عمر، النواة الأساسية لكيان الأمة الإسلامية الاجتماعية، والسياسي في عهده، وأول أشكال الإدارة العربية الجديدة المتأثرة بالتجربة المتقدمة لشعوب البلدان المفتوحة أو المجاورة لها، وقد كان ذلك أحد أبرز الدوافع التي ساهمت في خلق إدارة مالية تعمل على تنظيم عائدات الخلافة، وتوزيعها وفق جداول ثابتة على نحخو تخرج معه هذه المؤسسة من دائرتها الضيقة في الإطار العام الشامل١، وذلك في ما يعرف بالديوان.
وكلمة ديوان فارسية معربة معناها السجل أو الجدول، على أن للكلمة مضمونًا أوسع في اللغة العربية، غذ يصبح الديوان مترادفًا مع الجهاز الإداري المنوط به تنفيذ أعمال الدولة الإدارية، والمالية والعسكرية، كما تطلق هذه الكلمة على المكان التي تحفظ فيه سجلات الدولة، ثم صارت تطلق على الأمكنة التي يجلس فيها أفراد الجهاز الإداري، ولم تتعد في عهد عمر معناها الأول، فالديوان هو سجل أحصي فيه من فرض لهم العطاء من رجال الجيش ومن غيرهم، وذكر فيه أمام كل اسم عطاء صاحبه٢، وعرف الماوردي الديوان بأنه موضع لحفظ ما يتعلق بحقوق السلطنة من الأعمال، والأموال ومن يقوم بها من الجيوش والعمال٣.
يقدم لنا الماوردي عرضًا مكثفًا لجملة الروايات الأساسية المتعلقة بديوان عمر، موضحًا الفروق والتباين فيما بينها، لذلك فإن عرضه يعطينا لمحة عامة عن تاريخ الديوان وتكريبه٤.
ديوان العطاء:
تتباين روايات المصادر في توضيح أسباب، وظروف وضع ديوان العطاء على يد عمر، وكذلك يتم تقديم عدة تواريخ لوضعه، ولكن بما أن وظيفة الديوان وبنيته، وطابعه ترتبط بظروف نشأته وتأسيسه، فلا بد لنا من البحث عن السنة الفعلية التي اتخذ فيها الخليفة قراره بوضع الديوان، وتذكر المصادر تاريخين يمكن أخذها على محمل الجد، والاهتمام والبحث في ملابساتهما.
стр. 336
فقد حدد الطبري سنة "١٥هـ/ ٦٣٦م" كتاريخ لوضع الديوان على يد عمر، فقال: "وفي هذه السنة فرض عمر للمسلمين، ودون الدواوين، وأعطى العطايا على السابقة١، في حين حدد البلاذري سنة "٢٠هـ/ ٦٤١م"، فقد ذكر "لما أجمع عمر على تدوين الديوان، وذلك في المحرم سنة عشرين"٢، ولكن جميع الروايات تتفق حول نقطة جوهرية، وهي أن كثرة تدفق الأموال على المدينة المنورة من فتوح الأمصار، كانت السبب الذي دعا عمر إلى وضع الديوان.
المعروف أن السنوات الثلاث الأولى من خلافة عمر أي ببين سنة "١٤-١٦هـ/ ٦٣٥-٦٣٧م"، اتسمت بطابع الغزوات التقليدية، حيث كانت الغنائم توزع بالتساوي على القوى المقاتلة بعد رفع الخمس للخليفة، ولهذا لم تكن هناك حاجة إلى القيام بتأسيس نظام لتوزيع، وإدارة الفيء المكتسب، والأموال المغنومة٣.
وتنامت مع المدة منذ بدايات الغزو المنسق للفتوح والاستقرار، أي منذ عام "١٧هـ/ ٦٣٨م"، كميلة الأموال المخموسة المتدفقة على المدينة، تناميًا شديدًا، نتيجة فتوح أراضي الفرس والبيزنطيين، وكانت مقدارًا عظيمًا.
وتتكرر في المصادر رواية عن خمس البحرين الذي كان سببًا لتأسيس الديوان، يقول الماوردي: "واختلف الناس في سبب وضعه له، فقال قوم: سببه أن أبا هريرة قدم عليه بمال من البحرين، فقال له عمر: ماذا جئت به؟ فقال: خمسمائة ألف درهم، فاستكثره عمر، فقال: أتدري ما تقول؟ قال: نعم مائة ألف خمس مرات، فقال عمر: أطيب هو؟ فقال: لا أدري، فصعد عمر المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم كلنا لكم كيلًا، وإن شئتم عددنا لكم عدًا، فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين قد رأيت الأعاجم يدونون ديوانًا لهم، فدون أنت لنا ديوانًا"٤، الواضح أن توزيع الأموال في المدينة كان يزداد صعوبة مع تنامي حجم هذه الأموال المتدفقة.
ذكر الجاحظ أنه لما وضع عمر الديوان قام إليه أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، فقالا: "يا أمير المؤمنين، أديوان كديوان بني الأصفر، إنك إن فعلت ذلك اتكل الناس على الديوان، وتركوا التجارات، والمعاش، فقال عمر: قد كثر الفيء والمسلمون"٥.
стр. 337
هذه نظرة سليمة للأمور، إذ عندما توقف اندفاع الفتوح، واشتراك غير العرب فيه، وذلك بعد أن انتقلت العاصمة من المدينة المنورة إلى دمشق ثم إلى بغداد، تراجع العطاء الذي كان مفروضًا لأهل الجزيرة العربية، فنشأ جيل على البطالة لم يستسغ العمل في التجارة والسعي إلى الرزق، فتراجعت بالتالي مقدرة الحجاز الاقتصادية، والواقع أن عمر أدرك هذه الظاهرة، ولم تغب عن تفكيره، وربما توقع حدوثها في المستقبل، لذلك نراه يحث الناس على العمل، والسعي والاستكثار من الرزق، كما كان شديد الحساسية ضد أولئك الذين يظهرون الأعراض عن الدنيا تعبدًا وزهدًا.
يمدنا ابن الطقطقي بمعلومات مفيدة أثناء شرحه لكيفية تدوين الدواوين في الإسلام: "وكان المسلمون هم الجنود، وكان قتالهم لأجل الدين لا لأجل الدنيا، لكنهم كانوا إذا غزوا، وغنموا أخذوا نصيبًا من الغنائم قررته الشريعة لهم، وإذا ورد إلى المدينة مال من بعض البلدان أحضر إلى مسجد رسول الله ﷺ ، وفرق فيهم حسب ما يراه ﷺ ، وجرى الأمر على ذلك مدى خلافة أبي بكر، فلما كانت سنة خمس عشرة للهجرة، وهي خلافة عمر رأى أن الفتوح قد توالت، وأن كنوز الأكاسرة قد ملكت، وأن الأحمال من الذهب والفضة، والجواهر النفيسة والثياب الفاخرة قد تتابعت، فرأى التوسيع على المسلمين، وتفريق تلك الأموال فيهم، ولم يكن يعرف كيف
يصنع، وكيف يضبط ذلك، وكان بالمدينة بعض مرارزبة الفرس، فلما رأى حيرة عمر قال له: يا أمير المؤمنين إن للأكاسرة شيئًا يسمونه ديوانًا، جميع دخلهم وخرجهم مضبوط فيه لا يشذ منه شيء، وأهل العطاء مرتبون فيه مراتب لا يتطرق عليها خلل، فتنبه عمر، وقال: صفه لي، فوصفه المرزبان، ففطن عمر لذلك ودون الدواوين، وفرض العطاء، فجعل لكل واحد من المسلمين نوعًا مكررًا"١، فإذا كانت ضرورة توزيع، وضبط الغنائم الواردة على المدينة السبب في وضع الديوان، فهذا يستتبع تحديد سنة وضعه بالخامسة عشرة للهجرة.
وتصور الروايات أنه وضع دفعة واحدة، لكن الواضح أنه تطور مع تنامي الفتوح، واستقرار المسلمين في الأمصار، وهذا يعني أن بدايته في السنة الخامسة عشرة للهجرة كانت تخص المدينة وحدها دون المسلمين في البلاد المفتوحة، لكن فتوح القادسية، والمدائن بدلت الأوضاع التي انعكست على بناء الديوان ووظيفته٢، إذ إن إعادة
стр. 338
تعريف الناس التي تضمنت تحديًا لعطاءات المقاتلة حسب طبقاتهم قد حدثت في السنة السابعة عشرة للهجرة، فيمكننا أن نستنتج أن تحويل الديوان من إجراء تنظيمي خاص بتويع الخمس القادم على المدينة إلى وسيلة تنظيمية مركزية؛ لضبط عملية توزيع غنائم الأمصار المفتوحة على المقاتلة، قد حدثت عمليًا في السنة السادسة عشرة للهجرة، بدليل أن التبدل النوعي من الغارة التقليدية إلى الفتح المنظم قد حدث في هذه السنة، كنتيجة لفتوح القادسية، والمدائن. والمعروف أن تدوين الديوان لا يمكن أن يعتمد على الفيء الذي يرد من الغزو؛ لأنه مورد غير ثابت، والديوان مصروف سنوي ثابت، لا بد إذًا أنه اعتمد على الجزوية والخراج، ولم تبلغ الجزية، ولم يبلغ الخراج الذي يسمع عطاء المسلمين جميعًا في عام ١٥هـ١، وهذا ما تشير إليه رواية الطبري التالية: "قالوا: فرض عمر العطاء حين فرض لأهل الفيء الذين أفاء الله عليهم، وهم أهل المدائن، فصاروا بعد إلى الكوفة، انتقلوا عن المدائن إلى الكوفة والبصرة، ودمشق وحمص والأردن، وفلسطين ومصر، وقال: الفيء لأهل هؤلاء الأمصار، ولمن لحق بهم وأعانهم، وأقام معهم ولم يفرض لغيرهم، ألا فيهم سكنت المدائن والقرى، وعليهم جرى الصلح، وإليهم أدى الجزاء، وبهم سدت الفروج ودوخ العدو، ثم كتب في إعطاء أهل العطاء أعطياتهم إعطاء واحدًا سنة خمس عشرة"٢.
الواضح أن الطبري ومن نقل عنه، لم يراعوا الفارق الزمني البسيط بين وضع الديوان، وبين فرض العطاء على المقاتلة في البلاد المفتوحة، مهملين التطورات النوعية الهامة التي حدثت في السنتين الخامسة عشرة والسادسة عشرة للهجرة. فالطبري يرجع تأسيس الديوان إلى السنة الخامسة عشرة للهجرة، ويؤرخ للفتوح التي تلت القادسية، وفتوح المدائن في أوائل السنة السادسة عشرة للهجرة، ويبدو واضحًا أنه يؤرخ لجملة هذه التطورات على أنها تغير واحد رمزه، وعلاقته ديوان عمر٣.
ويربط البلاذري فرض العطاء باستقرار فتوح العراق، والشام "كما افتتح عمر العراق والشام، وجبى الخراج جمع أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: إني قد رأيت أن أفرض العطاء لأهله، فقالوا: نعم رأيت الرأي يا أمير المؤمنين"٤، فعلى خليفته كثرة الفيء، وكثرة عدد المسلمين المشاركين في الفتوح جاء ديوان عمر ليعطي كل
стр. 339
فرد مقاتل نصيبه منه، فكان إحصاء الناس، وتصنيفهم إلى فئات متعددة طبقًا لقدمهم في الإسلام، وفضلهم في الفتوح، المحتوى الاجتماعي الأساسي لديوان عمر.
وهكذا فإن القاعدة التي اتخذت مقياسًا لتوزيع العطاء كانت لها خلفيات متصلة بمبدأ العقيدة التي هي جوهر المجتمع، وتبدو واضحة في قوله: "ما من الناس أحد إلا له في هذا المال حق، أعطية أو منعة، وما من أحد أحق به من أحد إلا عبد مملوك، وما أنا فيه إلا كأحدهم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله، وقسمنا من رسول الله ﷺ ، فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته، والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه"١، وقد قرر الخليفة تقدم بني هاشم أسرة النبي على غيرهم في العطاء، ثم أخذ بمبدأ الأسبقية في الإسلام، والمشاركة في أحداثه التاريخية البارزة لا سيما المعارك الولى كبدر وأحد، وبقية المعارك الكبرى في العراق، وبلاد الشام.
وعندما استشار عمر المسلمين في تدوين الديوان قال له علي بن أبي طالب: "تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من المال، ولا تمسك منه شيئًا، وقال عثمان بن عفان: أرى مالًا كثيرًا يتبع الناس، فإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأول، فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة: يا أمير المؤمنين قد جئت الشام، فرأيت ملوكها قد دونوا ديوانًا، وجندوا جندًا، فدون ديوانًا، وجند جندًا، فأخذ بقوله، فدعا عقيلًا بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل وجبيرًا بن مطعم، وكانوا من نساب قريش، فقال: اكتبوا الناس على منازلهم، فكتبوا، فبدأوا ببني هاشم، ثم اتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم عمر وقومه على الخلافة، فلما نظر فيه عمر قال: لوددت والله أنه هكذا، ولكن ابدأوا بقرابة رسول الله ﷺ ، الأقرب فالأقرب، حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله"٢.
روى الطبري: "ولما أراد عمر وضع الديوان، قال له علي، وعبد الرحمن بن عوف: ابدأ بنفسك، قال: لا، بل أبدأ بعم رسول الله ﷺ ، ثم الأقرب فالأقرب، ففرض للعباس وبدأ به، ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف، ثم فرض لمن بعد بدر إلى الحديبية أربعة آلاف أربعة آلاف، ثم فرض لمن بعد الحديبية إلى أن أقلع أبو بكر عن أهل الردة ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، في ذلك من شهد الفتح، وقاتل عن أبي بكر، ومن ولى الأيام قبل القادسية، كل هؤلاء ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، ثم
стр. 340
فرض لأهل القادسية، وأهل الشام ألفين ألفين، وفرض لأهل البلاد البارع منهم ألفين وخمسمائة ألفين وخمسمائة، فقيل له: لو ألحقت أهل القادسية بأهل الأيام! فقال: لم أكن لألحقهم بدرجة من لم يدركوا، وقيل له: قد سويت من بعدت داره بمن قربت داره وقاتلهم عن فنائه، فقال: من قربت داره أحق بالزيادة؛ لأنهم كانوا ردءًا للحوق وشجى للعدو، فهلًا قال المهاجرون مثل قولكم حين سوينا بين السابقين منهم والأنصار! فقد كانت نصرة الأنصار بفنائهم، وهاجر إليهم المهاجرون من بعد، وفرض لمن بعد القادسية، واليرموك ألفًا ألفًا، ثم فرض للروادف: المثنى خمسائة خمسمائة، ثم للروادف الثليث بعدهم، ثلثمائة ثلثمائة، سوى كل طبقة في العطاء قويهم وضعيفهم، عربهم وعجمهم، وفرض للروادف الربيع على مائتين وخمسين، وفرض لمن بعدهم وهم أهل هجر والعباد على مائتين، وألحق بأهل بدر أربعة غير أهلها: الحسن والحسين وأبا ذر وسلمان، وكان فرض للعباس خمسة وعشرين ألفًا، وقيل: اثنا عشر ألفًا، وأعطى نساء النبي ﷺ عشرة آلاف عشرة آلاف، إلا من جرى عليها الملك، وفضل عائشة بألفين لمحبة رسول الله ﷺ إياها فلم تأخذ، وجعل نساء أهل بدر في خمسمائة خمسمائة، ونساء من بعدهم إلى الحديبية على أربعمائة أربعمائة، ونساء من بعد ذلك إلى الأيام ثلثمائة ثلثمائة، ونساء أهل القادسية مائتين مائتين، ثم سوى بين النساء بعد ذلك، وجعل الصبيان سواء على مائة مائة، ثم جمع ستين مسكينًا، وأطعمهم الخبز، فأحصوا ما أكلوا، فوجوده يخرج من جريبتين، ففرض لكل إنسان منهم، ولعياله جريبتين في الشهر"١.
تعقيب على ديوان العطاء:
- كان أبو بكر يرى أن السابقة والقدم في الإسلام ثوابه على الله، وأن المعاش "فالأسوة فيه خير من الأثرة"، لهذا قام بتوزيع الأموال القليلة التي كانت تصل إليه من أخماس الغنائم بالتساوي بين جميع المسلمين، وكان عمر أول من رفع هذه المساواة في الرزق، وقد جاءت هذه الخطوة انسجامًا مع التطورات الجذرية، والعميقة التي نتجت عن الفتوح، لهذا لبى حاجة جدية لمستجدات الظروف الحياتية الجديدة للمسلمين في البلاد المفتوحة٢.
- لقد تضمنت جيوش الفتوح البدريين، وأهل الردة على حد سواء، لهذا كان من الضروري مراعاة هذه الفوارق لدى قسمة الفيء عليهم.
стр. 341
- لاقت هذه السلوكية العمرية الرضى، والقبول من عامة المسلمين، وبخاصة أنها لم تتعارض مع الأعراف، والقيم السلوكية للقبائل الإسلامية المختلفة، ولا مع البنية القبلية للفاتحين، وتحقق العدالة من واقع نصيب القبيلة في الجهاد، وتنسجم مع الأخلاقية الدينية؛ لأن إحصاء عمر للناس صنفهم وفق معيار ديني، وهو الفضل والأسبقية في الإسلام ونصرته١.
- تداخل نظام العراقة تداخلًا عضويًا مع ديوان عمر من واقع السيادة القبلية التي كانت الأساس الاجتماعي للفتوح، كما وضح لنا هذا النظام هيكلية الديوان من واقع المحافظة على الوضع الاجتماعي للقبائل، والعشائر والبطون. ويروي الماوردي في هذا الصدد: "وكان الديوان موضوعًا على دعوة العرب في ترتيب الناس فيه معتبرًا بالسابقة في الإسلام، وحسن الأثر في الدين، ثم روعي في التفضيل عند انقراض أهل السوابق بالتقدم في الشجاعة، والبلاء في الجهد"٢.
- إن الفصل في ترتيب الناس حسب النسب، وبين تفصيل العطاء استنادًا إلى السابقة، هام جدًا لاستيعاب الطابع التاريخي، والاجتماعي للديوان٣، فعلى الرغم من التصنيف الذي جعل بني هاشم في رأس الأفضلية، إلا أنه أوجد الفرصة المتكافئة للذين صنعوا الأحداث الكبيرة بمعزل عن أي معايير فئوية أو اجتماعية.
- استمر التقسيم القبلي للناس الأساس الاجتماعي لهذه المؤسسة الإدارية الجديدة بتحقيق فيء الناس من خلال توزيع مردوده عليهم فردًا فردًا٤.
- بقيت الوحدة القبلية الشخص الحقوقي، والمعنوي الذي تعاطى معه الديوان، إذ حينما تم تدوين ديوان الأنصار سأل المدونون عمر بمن يبدأون، فقال لهم: "ابدأوا برهط سعد بن معاذ الأشهلي من الأوس، ثم الأقرب فالأقرب لسعد"٥.
- يعد ديوان عمر إجراء تنظيمًيا فنيًا يضبط علاقات المسلمين فيما بينهم بالنسبة لقسمة الفيء، وتخصيص توزيعه، وهو بالمقارنة مع ظروف تلك المرحلة حدث غير عادي، تحول نحو مصالح الفئات الشعبية التي أخذت تتحسس عمليًا حجمها المعنوي في مجتمع تتكافأ فيه الفرص، والتضحيات بصورة نسبية٦.
- الواضح أن عمر دون الديوان، وفرض العطاء ليتفرغ المسلمون للجهاد، ولهذا منع قسمة الأراضي المفتوحة بين المقاتلين حتى لا يعملوا بالزراعة، فتشغلهم عن
стр. 342
الجهاد، وتجذبهم الأرض إليها فتنسيهم الرسالة الكبرى التي ألقى القدر عليهم أن ينهضوا بها، وقد ساعد تدوين الديوان، وفرض العطاء أولئك المسلمين على أداء الرسالة.
- لم تكن الدواوين التي هي سجلات العطاء موجودة كلها في المدينة، بل كان كل ديوان على حدة عند والي البلد، أو القبيلة التي فرض فيها لأهل العطاء. فكان ديوان حمير عند والي اليمن، وديوان البصرة عند واليها، وديوان كل إمارة عند أميرها، بحيث أضحى كل مسلم يقبض عطاءه من البلد الذي هو فيه، كما أضحى كل والٍ مسئولًا عن إيصال العطاء إلى أصحابه في ولايته، وكان عمر يوصل العطاء لأصحابه في المدينة، وما حولها١.
ديوان الجباية:
يميز الماوردي بين ديوان العطاء الذي أنشأه عمر وبين ديوان الجباية، ويحذر من الخلط بينهما "وأما ديوان الاستيفاء، وجباية الأموال فجرى هذا المر فيه بعد ظهور الإسلام، بالشام والعراق، على ما كان عليه من قبل، فكان ديوان الشام بالرومية؛ لأنه كان من ممالك الروم، وكان ديوان العراق بالفارسية؛ لأنه كان من ممالك الفرس، فلم يزل أمرهما جاريًا على ذلك إلى زمن عبد الملك بن مروان، فنقل ديوان الشام إلى العربية سنة إحدى وثمانين هجرية"٢.
ويشير ابن خلدون إلى ضرورة التمييز بين الدواوين، مؤكدًا أن ديوان عمر كان ديوانًا داخليًا عربيًا لا علاقة له بمسائل تنظيم، وجمع الضرائب من السكان والفلاحين، وهو كان مبدأ ديوان الجيش، فإنه كان ديوانًا للقبائل من أجل إيصال حقوقها إليها، وأما ديوان الجباية، فبقي بعد الإسلام على ما كان عليه من قبل، ديوان العراق بالفارسية وديوان الشام بالرومية، وكتاب الدواوين من أهل العهد من الفريقين٣.
والمعروف أن هذا الديوان بقي لا علاقة له مطلقًا بديوان عمر "العطاء" الذي دخل لاحقًا في ديوان الجيش، ويذكر بأن ديوان مصر كان يكتب بالقبطية، ويتولى هذا الديوان موظفون أقباط.
أما شئون ضبط الخراج وجمعه، وتنظيمه فبقيت من صلاحيات الدواوين الفارسية والبيزنطية المحلية، ويبدو أن العرفاء وأمراء الأجناد كانوا الوسطاء الشخصيين بين
стр. 343
هذه الدواوين المحلية، وبين المسلمين الفاتحين، وهم الذين كانوا يأخذون سنويًا الأموال المجموعة من قبل هذه الدواوين المحلية، ويقومون بتوزيعها ضمن إطار العرافة، وعلى أرضية ديوان عمر على الناس والقبائل١.
بيت المال:
وأنشأ عمر بيت المال، ولم يكن موجودًا في عهد النبي، ولا في عهد أبي بكر، حيث قضت سياستهما بتوزيع ما يأتي من الأخماس، وأموال الزكاة إلى المدينة على من فيها، وقد رفض عمر في بادئ الأمر الخروج على هذه السياسة. فعندما قال له أحد المسلمين: "يا أمير المؤمنين لو تركت في بيوت الأموال عدة لكون إن كان! فقال: كلمة ألقاها الشيطان على فيك وقاني الله شرها، وهي فتنة لمن بعدي، بل أعد لهم ما أمرنا الله ورسوله: طاعة الله ورسوله، فهما عدتنا التي بها أفضينا إلى ما ترون، فإذا كان هذا المال ثمن دين أحدكم هلكتم٢.
ويبدو أن كثرة موارد الدولة المالية بعد استقرار الفتوح، دفعت عمر إلى تغيير سياسته، ووافق على تأسيس بيت للمال يحفظ فيه الأموال الفائضة عن أعطيات الجند، والإنفاق الضروري على مصالح المسلمين.
وتعددت موارد بيت المال من الزكاة، والصدقات والجزية، والعشور والخراج، وكانت هذه الأخيرة على جانب كبير من الأهمية، وبخاصة بعد قرار الخليفة بإبقاء الأراضي الزراعية في أيدي أصحابها المحليين، مما ساهم في توفير مناخ مشجع للاستقرار في البلاد المفتوحة من جهة، ودعم عائدات الدولة المالية من جهة أخرى، وكان هذا القرار معبرًا عن نظرة الخليفة البعيدة للوصول إلى تحقيق الانصهار، والتلاحم بين مجتمعات هذه البلدان، وبين المسلمين الفاتحين، لا سيما وأن هؤلاء لم تكن لديهم التجربة الزراعية الكافية للقيام بهذا الدور٣.
وكان يجري تسجيل هذه المصادر المالية في بيت المال تحت إشراف جهاز ينتدبه الخليفة لهذه المهمة، وفي مقدمته المسئول الأول الذي صار يعرف بـ"صاحب بيت المال"، وكانت عملية التوزيع تأخذ شكلها المنظم الذي يتعدى الهبة أو المكافأة، إلى الرواتب المستقرة أو إلى إعطاء، فضلًا عن الأموال المحمولة بأمر الخليفة في مشاريع ذات خصائص عامة٤.
стр. 344
القضاء:
تطور القضاء حتى عهد عمر:
للقضاء في اللغة عدة معان، لكن أهل اللغة متفقون بأن كلمة قضى تأتي بمعنى حكم، والقضاء هو الحكم١، أما المعنى الاصطلاحي، فهو "إظهار لحكم الله تعالى وإخبار عنه"، وهو أيضًا "إلزام من له الإلزام بحكم الشرع"، وهو "الحكم بين الناس بالحق، والحكم بما أنزل الله "٢.
ارتبط القضاء بالحاكم الأعلى للدولة، أو نائبة في الولايات في عصر الرسالة، وفي عهد أبي بكر، فقد كان رسول الله ﷺ أول قاض في الإسلام، فكان يحكم بين الناس بما أنزل الله إليه، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، ما داموا يعيشون ضمن إطار الدولة الإسلامية، وما جاءه من أمر ليس فيه حكم واضح يشاور فيه ويجتهد، أما خارج المدينة، فإن الأمر كان يختلف، فالقبائل القريبة من المدينة كانت تتبع المدينة مباشرة، فيأتي المتقاضون إليها ليقضي النبي بينهم، وإن كان الأمر يقتضي الذهاب إلى مكان حصول الخلاف، فيبعث النبي أحد أصحابه نيابة عنه ليستكمل التحقيق في القضية، وأما المناطق البعيدة عن المدينة، فقد كان الأمراء الذين يعينهم النبي يقومون بأمر القضاء، واشتهر علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل كولاة يتولون القضاء في عهد النبي.
وكان عهد أبي بكر شبيهًا بعهد النبي من حيث وضع القضاء والقضاة، وبخاصة في الأمصار البعيدة، فالوالي هو القاضي، أما في المدينة فقد ابتكر أسلوبًا جديدًا حين أسند مهمة القضاء إلى عمر بن الخطاب، فيما يمكن أن نطلق عليه "فصل القضاء جزئيًا"؛ لأن أبا بكر كان يقضي بنفسه، ولم يترك القضاء بالكلية، كما أنه لم ير حاجة لفصل القضاء عن الولاية في الولايات الأخرى خارج المدينة.
стр. 345
القضاء في عهد عمر:
تمهيد:
كانت اختصاصات العمال في ولاياتهم ما يليه عمر في المدينة، فيجمعون بين القضاء والتنفيذ، وإمارة الجند، على أن الخليفة ألفى نفسه بعد قليل من ولايته قد شغلته شئون الدولة العامة، وسياستها العليان وكانت أنباء جنده في العراق، وبلاد الشام تستغرق منه الكثير من الوقت والجهد، كما كانت تصرفات عماله موضع عنايته
وتفكيره، وازدادت مصالح الناس في المدينة تعقيدًا، وتشابكًا بازدياد عدد سكانها، وكثرة المال الذي يرد عليها، وكان تقدم الفتوح وما تقتضيه من تنظيم لشئون البلاد المفتوحة، يدعوه إلى أن يكتب إلى أمراء جنده بآرائه في هذا التنظيم، لذلك كان لا بد من أن يولي أعوانًا له يقضون مصالح الأفراد، فيما لا تتأثر به مصلحة الدولة.
وكان أول ما فعله أن فصل القضاء عن الولاية، فجعل بجانب الوالي قاضيًا ينظر في أمور القضاء لا عمل له غيره، وقد يجمع لبعض القضاة التعليم، أو القيام بشئون بيت المال إلى جانب عمل القضاء، وقد نفذ هذه الخطة في الولايات الجديدة التي فتحت في عهده، في العراق، وبلاد الشام ومصر، ولعل سبب ذلك ما تمتاز به تلك الأمصار من كثافة السكان من أهل تلك البلدان، بالإضافة إلى المسلمين الفاتحين، وما ينتج عن ذلك من كثرة القضايا والمشكلات، وثقل القيام بأعباء الولاية على الوالي، لكن عمل عمر لم يكن فصلًا كاملًا للقضاء عن سلطة الخليفة، ونوابه في الولايات بحيث أضحى القضاء سلطة مستقلة، وإنما كان علمه بداية لذلك، وكان هو الذي يعين القضاة، ويعزلهم ويحاكمهم، ويكتب لنوابه باختيار الصالحين للقضاء فيولوهم، ويكتب لقضاته بالتعليمات والآداب١.
أشهر قضاة عمر:
لعل أبرز من اشتهر في أيامه من القضاة: زيد بن ثابت الأنصاري، زيد بن سعيد بن ثمامة المعروف بابن أخت النمر، علي بن أبي طالب، لكن لم يعينه قاضيًا متفرغًا، وإنما كان يكلفه النظر ببعض القضايا، ويستشيره في الأمور الهامة، فإنه كان لا يستغني عنه، ولذلك لم يوله قيادة ولا إمارة بعيدة، عامر بن مالك بن قيس المعروف بأبي الدرداء، وقد ولاه القضاء في المدينة، إياس بن صبيح بن محرش الحنفي المعروف بأبي مريم، أول قاض على البصرة، كعب بن سور الكندي من أشهر ولاة الكوفة، عبد الله بن مسعود أحد قضاة الكوفة المشهورين، عبادة بن الصامت في بلاد الشام، ويذكر بأن التاريخ لم يحفظ لنا أسماء قضاة مشهورين في عهد عمر في بلاد الشام، أما في مصر فقد كلف عامله عمرو بن العاص باختيار القضاة، نذكر من بين قضاة مصر قيس بن أبي العاص السهمي، وكعب بن يسار بن ضبة العبسي.
حكم هؤلاء القضاء مستقلين برأيهم في حدود كتاب الله وسنة نبيه، وتعد توليتهم أول خطوة في تنظيم، وفصل السلطات بعضها عن بعض، على أنها كانت خطوة أدت إليها الحاجة، وقضت بها ضرورات التطور في أوضاع الدولة.
стр. 346
تعاليم عمر في نظام القضاء:
كان عمر يختبر قضائه قبل أن يوليهم مهمة القضاء، ويحدد لهم النهج الذي يسيرون عليه، وذلك بما أرساه من تعاليم في نظام القضاء، وآداب القضاة، ولا تزال كتبه، وأقواله تشهد بسعة علمه في القضاء، وأصوله، وأحكامه، وأهم ما كتبه في ذلك كتابه الشهير إلى أبي موسى الأشعري حين ولاه القضاء، الذي يعد قطعة من أدب القضاة لا تزال خالدة، وقد اهتم به العلماء اهتمامًا عظيمًا بالشرح، فهو يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس، سلام عليك! أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فأفهم إذا أدلي إليك، وأنفذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. وآس بين الناس في وجهك، وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف في عدلك، البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، فراجعت اليوم فيه عقلك، وهديت فيه إلى رشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم أعرف نفسك الأشباه والأمثال، وقس الأمور عند ذلك بنظائرها، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق، واجعل لمن أدعى حقًا غائبًا، أو بينة أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينه أخذت له بحقه، وإلا وجهت القضاء عليه؛ فإنه أنفى للشك وأجلى للعمى، المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودًا في حد، أو مجربًا عليه شهادة زور، أو طنينًا في ولاء أو نسب؛ فإن الله سبحانه تولى منكم السرائر ودرأ بالبينات والإيمان، وإياكم والقلق، والضجر والتأذي بالخصوم، والتنكير عند الخصومات؛ فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر، ويحسن به الذكر، فمن صحت نيته وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شأنه الله، فما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته! والسلام١.
إن قراءة متأنية لمضمون الكتاب توضح لنا أهم المبادئ القضائية التالية٢:
- على القاضي أن يعلم أن ما يحكم به نوعان: أحدهما فرض محكم غير منسوخ،
стр. 347
مثل الأحكام الكلية التي أحكمها الله في كتابه، والآخر أحكام سنها النبي.
- إن صحة الفهم والفقه في القضية من أهم ما يساعد على القضاء.
- لا يكفي أن ينطق القاضي بالحكم العادل، بل عليه أن ينفذه، وذلك بإعلان الحكم والإلزام، به، ثم أخذ الحق لصاحبه إذا رفض المدعى عليه تسليمه.
- المساواة بين الخصوم في المجلس، وفي نظر القاضي وفي القضاء، فإذا اختل أحدها تسرب الطمع إلى القوى بحيف القاضي، واليأس إلى الضعيف من العدل.
- على القاضي أن يسمع الدعوى، والرد من المدعى عليه، ثم يطلب من المدعي البينة على دعوه، وعند فقدان البينة عليه أن يحلف اليمين.
- إذا رأى القاضي محاولة الصلح بين الخصوم، فذلك جائز على أن يتوافق مع الكتاب والسنة، أما الصلح الذي يحل الحرام ويحرم الحلال، فغير جائز.
- من ادعى حقًا غائبًا، وكانت له بينة ولكنها غائبة، فيؤجل وقتًا كافيًا لإحضار بينته ما لم يكن متهربًا من الحق، وإذا أحضر البينة في حدود الأجل المضروب أعطي حقه؛ لأنه قد أظهر حقه ببينته، وإن عجز المدعي عن إحضار البينة التي زعمها في الأجل المحدد له، فلا حق له في دعواه، هذا ما لم يكن قد حصل له عذر منعه من إحضار بينته، فإن اتبع القاضي هذه الطرق في سماع الدعوى والبينة، وأجل ما يستحق التأجيل يكون قد أبلغ في العذر، وجلى العمى في القضية، فلا يبقى إشكال، ولا عذر لمعتذر.
- إذا قضى القاضي في قضية، ونفذ الحكم فيها فلا رجوع فيما قضى فيه، وإذا قضى في قضية وجاءته بعدها قضية مماثلة فبان له أنه أخطأ في القضاء في الأولى، وبان له الحق، فإنه يقضي بما ظهر له، ولا يتابع الخطأ، فيقضي كما قضى بالأمس، وهذا لا يعني الرجوع عن القضاء في القضية الأولى.
- الحق أقدم من اجتهاد القاضي فيه، فإنه قضى عليه ثم ظهر، فعليه الرجوع، واجتهاده الخاطئ لا يبطل الحق.
- الأصل في جميع المسلمين العدالة، ما لم يثبت ما يخدش تلك العدالة.
- الأخذ بما ورد في الكتاب أو السنة، وتحري الحق على ضوئهما، وذلك في القضايا التي فيها حكم ظاهر، أما القضايا التي ترد على القاضي، وليس فيها حكم ظاهر في الكتاب أو السنة، فإنها تحتاج إلى فهم وعلم ونظر دقيق، ثم إن العمل في مثل هذه القضايا النظر في أشباهها من القضايا القريبة منها التي لها مستند من الدليل، فينظر القاضي ويحمل الجديد على أقرب، وأشبه قضية بها، ولا يكون ذلك إلا بعد
стр. 348
النظر الموصل إلى قناعته بأن ما توصل إليه أحب الطرق إلى الله، فيما يعلم القاضي.
- لا بد أن يبتعد القاضي عما يثير غضبه وقلقه، وضجره أثناء القضاء، ولا ينبغي له أن يضيق بالناس وقت الخصومة، ويتنكر للخصوم عند ذلك، ثم إن الصبر على القضاء، والعدل يكسبه الأجر وحسن الذكر.
- إن النية الخالصة في مهنة القضاء التي تؤدي إلى قول الحق، ولو على النفس والأقربين، تحمي القضاء مما يضمره له الناس من عداء، وشر بسبب قول الحق وإظهاره، بكفاية الله.
- إخلاص النية في جميع الأعمال، وتحذير للقضاة بخاصة، وللناس بعامة من التزين بما ليس في النفس من قول أو فضل.
تعيين راتب للقاضي:
من الأمور التي لا يمكن لقاض أن ينهض بعمله دونها الراتب المنتظم الذي يعينه، وعياله على استمرار الحياة، وأن النفقة عليه من بيت مال المسلمين تضمن استمرار مصلحته للأمة، وتفرغه لعمله، إذ لو تعاطى القاضي عملًا آخر ليؤمن رزقه، ورزق عياله لما استطاع أن يقوم بواجب وظيفة القضاء، فلا بد للقاضي إذن من التفرغ من الحاجة، وقد فرض عمر رواتب للقضاة الذين فرغهم للعمل في ميدان القضاء، نذكر منهم زيد بن ثابت، شريح الكندي، سلمان بن ربيعة الباهلي قاضي الكوفة، وعبد الله بن مسعود.
علاقة الخليفة بالمجتمع الإسلامي:
لا يمكن استيعاب الطابع التاريخي للخلافة أثناء الفتوح الأولى إلا من واقع ارتباطها، وعلاقاتها المتبادلة مع الهيكلية الاجتماعية السائدة؛ لأن القيادة السياسية المركزية كانت جزءًا لا يتجزأ من النظام الاجتماعي السائد.
لقد قدم عمر نموذجًا سياسيًا وأخلاقيًا، ربط من خلاله بين القيم الإسلامية المستمدة من القرآن والسنة، وبين حركة النظام الاجتماعي القبلي في مرحلة توسعه، وانتشاره نحو الخارج، من خلال تنظيمه المركزي للغزوات، وتقسيم فيئها، بحيث نشأت مساواة تامة بين وحدة القبائل، ووحدة الدين الجديد واستقرار الفتوح١.
رأى عمر في وظيفة إمارة المسلمين على أنها تفويض من الجماعة الإسلامية لا
стр. 349
يستقيم حالها إلا برقابة الأمة عليها، لقد وصف مهمته في قوله: "إني حريص على ألا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنا تآسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف، ولوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم، ولست معلمكم إلا بالعمل، وإني والله ما أنا بملك فأستعبدكم، وإنما أنا عبد الله عرض علي الأمانة، فإن أبيتها ورددتها عليكم، وأتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم، وترووا سعدت، وإن أنا حملتها واستتبعتكم إلى بيتي شقيت، ففرحت قليلًا، وحزنت طويلًا، وبقيت لا أقال، ولا أرد فأستعتب"١.
انسجامًا مع هذا الموقف رفض عمر أن يتخذ حاجبًا؛ لأن الحجابة تقيم حاجزًا بينه وبين الناس فينفصل عنهم٢، والواقع أن عمر لم يبتغ من الخلافة شيئًا لنفسه، بل كان يعد نفسه الحارس الأمين على مال المسلمين، وأرواحهم وحريتهم ووحدتهم، ويرى أن الخلافة أبوة تلقي على الخليفة، واجبات نحو المسلمين هي واجبات الأب نحو أبنائه، لذلك كان اشد الناس قربًا بالناس والتصاقًا بهم، خطب يومًا في الناس، فقال: "إني امرؤ مسلم وعبد ضعيف، إلا كما أعان الله ، ولن يغير الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئًا إن شاء الله، إنما العظمة لله ، وليس للعباد منها شيء، فلا يقولن أحد منكم: إن عمر تغير منذ ولي، أعقل الحق من نفسي وأتقدم، وأبين لكم أمري، فأيما رجل كانت له حاجة، أو ظلم مظلمة، أو عتب علينا في خلق، فليؤذني، فإنما أنا رجل منكم، فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانتيكم، وحرماتكم وأعراضكم، وأعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضًا على أن تحاكموا إلي، فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة"٣.
لعل أجلي تجسيد لهذه السياسة نجده في تعامل عمر مع عماله على الأمصار. قال يومًا مخاطبًا الناس: "إني والله ما أرسل إليكم عمالًا ليضربوا أبشاكرم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكني أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده لأقصنه منه، فوثب عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين أرأيتك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعية، فأدب بعض رعيته، إنك لتقصه منه! قال: إي والذي نفس عمر بيده إذًا لأقصنه منه، وكيف لا أقصنه منه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه! "٤.
وكتب إلى أمراء الأجناد: "ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم
стр. 350
فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم١.
الواضح أن عمر جهد كي لا تنشأ مراكز قوى في الأمصار تؤدي بدورها إلى إنشاء علاقة حكم، وسيادة بين الأمراء وعامة الناس، لهذا كان حريصًا على ألا يستغل الوالي وظيفته أو يستقل بها، وأن يبقى على صلة حقيقية مع أصحاب الشأن، أي مع جمهور المسلمين٢.
انسجامًا مع هذه الرؤية للإدارة السياسية انتهج عمر نحو عماله اللامركزية السياسية، حارب من خلالها اتجاهات تركيز السلطة، والثورة في أيديهم، وحافظ على هذا النهج طوال حياته، وقد افتتح هذه السياسة بعزل خالد بن الوليد عن إمارة جيوش المسلمين في بلاد الشام، وتعيين أبي عبيدة بن الجراح مكانه كما ذكرنا سابقًا.
وتروي روايات المصادر أنه أثناء تأسيس الكوفة اقترح دهقان من أهل همذان على سعد بن أبي وقاص أن يبني له قصرًا على غرار قصر كسرى، وغلق بابه، وكثر حديث الناس عن قصر سعد، وبلغ ذلك عمر في المدينة، فأرسل محمدًا بن
مسلمة ليحرق باب القصر، وأرسل معه الكتاب التالي لسعد "بلغني أنك بنيت قصرًا اتخذته حصنًا، ويسمى قصر سعد، وجعلت بينك وبين الناس بابًا، فليس بقصرك، ولكنه قصر الخبال، انزل منزلًا مما يلي بيوت الأموال وأغلقه، ولا
تجعل على القصر بابًا تمنع الناس من دخوله، وتنفيهم به عن حقوقهم ليوافقوا مجلسك، ومخرجك من دارك إذا خرجت"٣.
стр. 351
إدارة البلاد المفتوحة من خلال عقود الصلح:
الطابع العام لعقود الصلح:
تميز روايات المصادر بين الفتح صلحًا، والفتح عنوة لدى استعراضها لفتوح البلدان، وهذا يعني أن شروط الصلح كانت تتعلق مباشرة بالشكل الذي تم فيه الفتح، فإذا تم الفتح صلحًا دون قتال من جانب السكان، فقد أقر المسلمون لهؤلاء حريتهم، وأموالهم وأمانهم مقابل دفع جزية سنوية، أما إذا كان الفتح قد تم عنوة، وحدث قتال مع السكان، وأخذت الأراضي بالقوة، فقد يتم سبي الناس ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم، وهذا يعني الاختلاف في الوضعية الحقوقية للسكان، يضاف
стр. 352
إلى ذلك، فقد راعى المسلمون شكل الفتح لدى فرضهم للجزية على الناس حيث كانت جزية من صالح أقل من جزية من قاتل، لكنها تترك مجالًا واسعًا لعقود فتح خاصة، ثم من خلالها تعديل هذا القانون العام، أو حتى إلغائه في بعض الأحيان وفقًا للظروف الملموسة للفتح١.
فبعد تحطيم القوة الميدانية للجيوش المركزية الفارسية، والبيزنطية في المعارك الفاصلة كالقادسية واليرموك، غادرت الأجهزة الحكومية المركزية أماكن تواجدها في المدن والقرى المفتوحة، فبرز الأمراء المحليون ليملأوا الفراغ، وأضحوا الممثلين المباشرين أمام الفاتحين، وقد أخذوا على عاتقهم توقيع عقود الصلح التي تباينت أشكالها وفقًا لشكل الفتح، ففي حين عرضت بعض المدن، والقرى على المسلمين دفع الجزية مقابل الأمان، حاولت مدن وقرى أخرى مقاومة الفاتحين في بادئ الأمر، ثم ما لبثت أن بادرت إلى القبول بدفع الجزية مقابل وقف القتال بعد أن أدركت عدم جدوى الاستمرار فيه، وأقدم المسلمون أحيانًا على فرض عقود الصلح بغض النظر عما إذا كان قد جرى قتال أم لا، كما كان الحال في فتوح الجزيرة، إذ تضمنت عقود الصلح لهذه المنطقة الشروط نفسها على الرغم من أن روايات المصادر تشير إلى أن هذه القرية قد فتحت صلحًا، وتلك قد فتحت عنوة، فرأس العين مثلًا، قاومت المسلمين بشدة، لكن هؤلاء ألحقوها بعد أن استسلمت بغيرها من نواحي الجزيرة التي فتحت صلحًا، وبالشروط نفسها٢.
ولا يخلو استعراض البلاذري لفتح مصر من هذا التداخل في شروط الفتح صلحًا، وعنوة من خلال وضعه لمسار الفتوح لمختلف أرجاء الديار المصرية، على الرغم من أن رواياته تشير إلى تشابه، وتطابق عقود الصلح التي عقدها المسلمون مع جميع المدن، والقرى المصرية٣، وكذلك تشير روايات الطبري بأن أهل مصر كلهم دخلوا في صلح بابليون وقبلوا بمضمونه، والمعروف أن بعض القرى المصرية قاومت المسلمين وقاتلتهم، وأن حصن بابليون نفسه قد فتح عنوة في قسم منه، لكن المسلمين أجروا ما أخذه عنوه مجرى ما صالحوا عليه، فصار أهل مصر كلهم ذمة٤.
وما حصل في بلاد فارس من المقاومة الشديدة بالمقارنة مع ما حصل في بلاد
стр. 353
الشام حيث كانت معظم الفتوح سلمية؛ لا تميز روايات المصادر بشكل لافت بين عقود الصلح التي عقدها المسلمون في فارس، وبين عقودهم في بلاد الشام، فالقتال الشديد الذي جرى في نهاوند لم يمنع، بعد خسارة الفرس، من إلحاقهم بشروط الصلح للمدن المفتوحكة قبلها على الرغم من أن كثيرًا منها قد تم صلحًا، وبمبادرة من السكان١، وفتح همذان لم يختلف عن فتح نهاوند٢، ولو تأملنا مليًا روايات المصادر الخاصة بفتح أذربيجان حيث المرزبان، ملك هذه البلاد، قاتل المسلمين قتالًا ضاربًا وعنيفًا، ثم صالحهم على الجزية٣.
الواضح من استعراض روايات الطبري أن مسألة الفتح صلحًا، وعنوة تحولت إلى مسائل فقهية متنازع عليها، وأن المسلمين الفاتحين ساووا في المعاملة بين جميع الأمم والناس، حتى المجوس، أثناء الفتوح على الرغم من طرق مواجهتها، والمعروف أن مؤرخنا كان صاحب مدرسة فقهية، إلا أن مذهبه الفقهي لم يقدر له النجاح والاستمرار٤.
لذلك نرى معظم رواياته تصب في هذا الاتجاه على الرغم من الإشارات لمسألة الفتح صلحًا، أو عنوة لدى وصفها لأحداث الفتوح، ففي مسألة السواد، يذكر الطبري أنه فتح عنوة، ولكن مع ذلك عومل أهل السواد كأصحاب عقد، وذمة مثلهم مثل غيرهم من الناس٥، ولم ينكر إمكان الربط بين شكل الفتح وشروط الصلح، ولكنه كان يرى أن الصحابة لم يستخدموا هذه الإمكانية، وأنهم صالحوا كل الناس بذات الشروط، لهذا يؤكد تساوي الوضعية الحقوقية لجميع الناس، والأمم والبلدان في دار الإسلام٦.
اعتمد المسلمون نموذجًا واحدًا لعقود الصلح، والأمان مع المدن، والقرى المفتوحة، فرضوه على الجميع بغض النظر عما إذا كان قد حدث قتال، وبغض النظر عن سهولته أو عنفه، وتشير روايات البلاذري أن بعض المدن في بلاد الشام مثل عرقة، وصيدا وبيروت وجبيل، فتحت بشكل يسير، وعقدت الصلح مع المسلمين بعد أن رأيت سرعة زحفهم وشدته، وانعدام المقاومة لوقفهم، ومع ذلك
стр. 354
لا تشير هذه الروايات أي إشارة إلى اختلاف شروط الصلح بين هذه المدن، وبين سائر مدن بلاد الشام التي قاتلت قبل التوقيع على هذه الصورة أو تلك١.
الواضح أن مسألة الفتح صلحًا، وعنوة إنما نشأت تاريخية في بادئ الأمر نتيجة الوضعية الفعلية لشكل الفتح، ثم اتخذت بعد ذلك منحى فقهيًا٢، وأن النقاش الفقهي ارتبط مع قضية التعديل في نظام الجزية والخراج، وفي نظام الضرائب عمومًا، في العصرين الأموي والعباسي، والتي كانت تطرح باستمرار كلما اشتدت حاجة بيت المال للأموال، والمعروف أن الكثير من عقود الصلح حددت آنذاك كمية الجزية، والخراج تحديدًا عدديًا، وأن تغيير هذا كان يتطلب تبريرًا شرعيًا، وكان تحديد هذه البلاد، أو تلك قد فتحت عنوة يساعد على إطلاق البدء في تعديل، وتغيير الشروط كما يشاء، وأما تحديد الفتح صلحًا، فكان يعني الإقرار بأن أهل البلاد المعنيين أصحاب عقد لا يجوز لمسلم أن يخل به٣، يروي الطبري بشأن فتح الإسكندرية " ... أن ملوك بني أمية كانوا يكتبون إلى أمرءا مصر أن مصر إنما دخلت عنوة، وإنما هم عبيدنا نزيد عليهم كيف شئنا، ونضع ما شئنا"٤.
ويؤكد الماوردي ظاهرة تحول شكل الفتح إلى مسألة فقهية، عندما أدخلها في صلب المعالجات الفقهية، من واقع استعراضه بالتفصيل للمواقف الفقهية المختلفة في تحديد الأشكال التاريخية لفتوح البلدان، وبالتالي ما يترتب على تقسيم كهذا من تنوع في مسائل تحديد الجزية والخراج٥، ويخصص فصلًا كاملًا حول حكم أرض السواد٦، ويبرر أهمية هذه البلاد؛ لأنها "أصل حكم الفقهاء بما يعتبر به نظائرها"٧، ويشير إلى أن الفقهاء اختلفوا في حكم السواد وفتحه، فذهب أهل العراق إلى أنه فتح عنوة، ولكن لم يقسمه عمير بين الغانمين، وأقره على سكانه، وضرب الخارج على أرضه، ويقر الشافعي بأن السواد فتح عنوة، واقتسمه الغانمون ملكًا ثم استنزلهم عمر، فنزلوا إلا طائفة استطاب نفوسهم بمال عاوضهم به عن حقوقهم منه، فلما خلص للمسلمين، ضرب عمر عليه خراجًا، فاختلف أصحاب الشافعي، فذهب أكثرهم إلى
стр. 355
أن عمر وقفه على كافة المسلمين، وأقره في أيدي أربابه بخراج ضربه على رقاب الأرضين١.
نستنتج مما قدمنا أن مقولة الارتباط بين أشكال الفتح، وشروطه مقولة تاريخية، وهي منتشرة في كل المصادر، ثم تحولت بعد ذلك إلى مسألة فقهية بفعل تطور النظام الضريبي٢، وقد ارتبطت عقود الصلح بعاملين:
الأول: حال الفتح؛ لأن المسلمين كانوا غرباء في بلاد شاسعة لها لغاتها، وأديانها وعاداتها، وكانوا أيضًا غير مستقرين يفتحون ليصالحوا، ثم يتابعون المسير للتوسع.
الثاني: الحالة الاجتماعية للفاتحين، وهذا يعني أن نموذج الصلح مع سكان البلاد المفتوحة كانت تفرضه عقلية الفاتحين أنفسهم، وأعرافهم، وعلاقاتهم فيما بينهم، أي أن الفتح كان الشكل الاجتماعي لحياة القبائل، وعيشها ورزقها، في هذه المرحلة٣.
علاقة الفاتحين بسكان البلاد المفتوحة:
بعد القضاء على الإمبراطورية الفارسية، وإخراج البيزنطيين من بلاد الشام ومصر، انتهى عمليًا في هذه البلاد وجود مؤسسة الدولة، وأضحى الولاة المحليون، وأعيان المدن والمقاطعات هم الذين يمثلون الهيئات العامة، والتفاوض مع المسلمين، لهذا حافظت التقسيمات الإدارية لدولتي الفرس، والبيزنطيين على وجودها ووظيفتها سواء من الناحية الشخصية، حيث استقرت طبقة الحكام المحليين في عملها، أو من الناحية الإدارية حيث استمرت الدواوين في أداء وظائفها، وحددت طبيعة مرحلة الفتوح شكل العلاقة بين المسلمين الفاتحين، وأصحاب البلاد المحليين التي بقيت علاقة خارجية، وذلك بفعل تفرغ المسلمين للفتوح، والسكن في معسكرات خاصة، مما لا يسمح بالاندماج، والاختلاط اللذين يتطلبان استقرار الفاتحين، وارتبطت هذه العلاقة الخارجية بثلاثة أمور: الجزية والذمة، والاستقلال الإداري والثقافي٤.
شكلت الجزية الأرضية الحقوقية للممارسة السيادة من خلال عقود الصلح، وهي عبارة عن جملة القيم المادية، العينية، والنقدية التي يتوجب على المغلوبين دفعها سنويًا إلى المسلمين الفاتحين، إنها علاقة عقدية بين طرفين لكل منهما حقوق وواجبات، ففي مقابل ضمان الأمان الشامل للسكان، وصونهم والدفاع عنهم تجاه أي عدوان خارجي، كانت الجزية المتوجبة على هؤلاء للمسلمين الذين أدخلوهم في