إدارة البلاد المفتوحة من خلال عقود الصلح:
الطابع العام لعقود الصلح:
تميز روايات المصادر بين الفتح صلحًا، والفتح عنوة لدى استعراضها لفتوح البلدان، وهذا يعني أن شروط الصلح كانت تتعلق مباشرة بالشكل الذي تم فيه الفتح، فإذا تم الفتح صلحًا دون قتال من جانب السكان، فقد أقر المسلمون لهؤلاء حريتهم، وأموالهم وأمانهم مقابل دفع جزية سنوية، أما إذا كان الفتح قد تم عنوة، وحدث قتال مع السكان، وأخذت الأراضي بالقوة، فقد يتم سبي الناس ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم، وهذا يعني الاختلاف في الوضعية الحقوقية للسكان، يضاف
стр. 352
إلى ذلك، فقد راعى المسلمون شكل الفتح لدى فرضهم للجزية على الناس حيث كانت جزية من صالح أقل من جزية من قاتل، لكنها تترك مجالًا واسعًا لعقود فتح خاصة، ثم من خلالها تعديل هذا القانون العام، أو حتى إلغائه في بعض الأحيان وفقًا للظروف الملموسة للفتح١.
فبعد تحطيم القوة الميدانية للجيوش المركزية الفارسية، والبيزنطية في المعارك الفاصلة كالقادسية واليرموك، غادرت الأجهزة الحكومية المركزية أماكن تواجدها في المدن والقرى المفتوحة، فبرز الأمراء المحليون ليملأوا الفراغ، وأضحوا الممثلين المباشرين أمام الفاتحين، وقد أخذوا على عاتقهم توقيع عقود الصلح التي تباينت أشكالها وفقًا لشكل الفتح، ففي حين عرضت بعض المدن، والقرى على المسلمين دفع الجزية مقابل الأمان، حاولت مدن وقرى أخرى مقاومة الفاتحين في بادئ الأمر، ثم ما لبثت أن بادرت إلى القبول بدفع الجزية مقابل وقف القتال بعد أن أدركت عدم جدوى الاستمرار فيه، وأقدم المسلمون أحيانًا على فرض عقود الصلح بغض النظر عما إذا كان قد جرى قتال أم لا، كما كان الحال في فتوح الجزيرة، إذ تضمنت عقود الصلح لهذه المنطقة الشروط نفسها على الرغم من أن روايات المصادر تشير إلى أن هذه القرية قد فتحت صلحًا، وتلك قد فتحت عنوة، فرأس العين مثلًا، قاومت المسلمين بشدة، لكن هؤلاء ألحقوها بعد أن استسلمت بغيرها من نواحي الجزيرة التي فتحت صلحًا، وبالشروط نفسها٢.
ولا يخلو استعراض البلاذري لفتح مصر من هذا التداخل في شروط الفتح صلحًا، وعنوة من خلال وضعه لمسار الفتوح لمختلف أرجاء الديار المصرية، على الرغم من أن رواياته تشير إلى تشابه، وتطابق عقود الصلح التي عقدها المسلمون مع جميع المدن، والقرى المصرية٣، وكذلك تشير روايات الطبري بأن أهل مصر كلهم دخلوا في صلح بابليون وقبلوا بمضمونه، والمعروف أن بعض القرى المصرية قاومت المسلمين وقاتلتهم، وأن حصن بابليون نفسه قد فتح عنوة في قسم منه، لكن المسلمين أجروا ما أخذه عنوه مجرى ما صالحوا عليه، فصار أهل مصر كلهم ذمة٤.
وما حصل في بلاد فارس من المقاومة الشديدة بالمقارنة مع ما حصل في بلاد
стр. 353
الشام حيث كانت معظم الفتوح سلمية؛ لا تميز روايات المصادر بشكل لافت بين عقود الصلح التي عقدها المسلمون في فارس، وبين عقودهم في بلاد الشام، فالقتال الشديد الذي جرى في نهاوند لم يمنع، بعد خسارة الفرس، من إلحاقهم بشروط الصلح للمدن المفتوحكة قبلها على الرغم من أن كثيرًا منها قد تم صلحًا، وبمبادرة من السكان١، وفتح همذان لم يختلف عن فتح نهاوند٢، ولو تأملنا مليًا روايات المصادر الخاصة بفتح أذربيجان حيث المرزبان، ملك هذه البلاد، قاتل المسلمين قتالًا ضاربًا وعنيفًا، ثم صالحهم على الجزية٣.
الواضح من استعراض روايات الطبري أن مسألة الفتح صلحًا، وعنوة تحولت إلى مسائل فقهية متنازع عليها، وأن المسلمين الفاتحين ساووا في المعاملة بين جميع الأمم والناس، حتى المجوس، أثناء الفتوح على الرغم من طرق مواجهتها، والمعروف أن مؤرخنا كان صاحب مدرسة فقهية، إلا أن مذهبه الفقهي لم يقدر له النجاح والاستمرار٤.
لذلك نرى معظم رواياته تصب في هذا الاتجاه على الرغم من الإشارات لمسألة الفتح صلحًا، أو عنوة لدى وصفها لأحداث الفتوح، ففي مسألة السواد، يذكر الطبري أنه فتح عنوة، ولكن مع ذلك عومل أهل السواد كأصحاب عقد، وذمة مثلهم مثل غيرهم من الناس٥، ولم ينكر إمكان الربط بين شكل الفتح وشروط الصلح، ولكنه كان يرى أن الصحابة لم يستخدموا هذه الإمكانية، وأنهم صالحوا كل الناس بذات الشروط، لهذا يؤكد تساوي الوضعية الحقوقية لجميع الناس، والأمم والبلدان في دار الإسلام٦.
اعتمد المسلمون نموذجًا واحدًا لعقود الصلح، والأمان مع المدن، والقرى المفتوحة، فرضوه على الجميع بغض النظر عما إذا كان قد حدث قتال، وبغض النظر عن سهولته أو عنفه، وتشير روايات البلاذري أن بعض المدن في بلاد الشام مثل عرقة، وصيدا وبيروت وجبيل، فتحت بشكل يسير، وعقدت الصلح مع المسلمين بعد أن رأيت سرعة زحفهم وشدته، وانعدام المقاومة لوقفهم، ومع ذلك
стр. 354
لا تشير هذه الروايات أي إشارة إلى اختلاف شروط الصلح بين هذه المدن، وبين سائر مدن بلاد الشام التي قاتلت قبل التوقيع على هذه الصورة أو تلك١.
الواضح أن مسألة الفتح صلحًا، وعنوة إنما نشأت تاريخية في بادئ الأمر نتيجة الوضعية الفعلية لشكل الفتح، ثم اتخذت بعد ذلك منحى فقهيًا٢، وأن النقاش الفقهي ارتبط مع قضية التعديل في نظام الجزية والخراج، وفي نظام الضرائب عمومًا، في العصرين الأموي والعباسي، والتي كانت تطرح باستمرار كلما اشتدت حاجة بيت المال للأموال، والمعروف أن الكثير من عقود الصلح حددت آنذاك كمية الجزية، والخراج تحديدًا عدديًا، وأن تغيير هذا كان يتطلب تبريرًا شرعيًا، وكان تحديد هذه البلاد، أو تلك قد فتحت عنوة يساعد على إطلاق البدء في تعديل، وتغيير الشروط كما يشاء، وأما تحديد الفتح صلحًا، فكان يعني الإقرار بأن أهل البلاد المعنيين أصحاب عقد لا يجوز لمسلم أن يخل به٣، يروي الطبري بشأن فتح الإسكندرية " ... أن ملوك بني أمية كانوا يكتبون إلى أمرءا مصر أن مصر إنما دخلت عنوة، وإنما هم عبيدنا نزيد عليهم كيف شئنا، ونضع ما شئنا"٤.
ويؤكد الماوردي ظاهرة تحول شكل الفتح إلى مسألة فقهية، عندما أدخلها في صلب المعالجات الفقهية، من واقع استعراضه بالتفصيل للمواقف الفقهية المختلفة في تحديد الأشكال التاريخية لفتوح البلدان، وبالتالي ما يترتب على تقسيم كهذا من تنوع في مسائل تحديد الجزية والخراج٥، ويخصص فصلًا كاملًا حول حكم أرض السواد٦، ويبرر أهمية هذه البلاد؛ لأنها "أصل حكم الفقهاء بما يعتبر به نظائرها"٧، ويشير إلى أن الفقهاء اختلفوا في حكم السواد وفتحه، فذهب أهل العراق إلى أنه فتح عنوة، ولكن لم يقسمه عمير بين الغانمين، وأقره على سكانه، وضرب الخارج على أرضه، ويقر الشافعي بأن السواد فتح عنوة، واقتسمه الغانمون ملكًا ثم استنزلهم عمر، فنزلوا إلا طائفة استطاب نفوسهم بمال عاوضهم به عن حقوقهم منه، فلما خلص للمسلمين، ضرب عمر عليه خراجًا، فاختلف أصحاب الشافعي، فذهب أكثرهم إلى
стр. 355
أن عمر وقفه على كافة المسلمين، وأقره في أيدي أربابه بخراج ضربه على رقاب الأرضين١.
نستنتج مما قدمنا أن مقولة الارتباط بين أشكال الفتح، وشروطه مقولة تاريخية، وهي منتشرة في كل المصادر، ثم تحولت بعد ذلك إلى مسألة فقهية بفعل تطور النظام الضريبي٢، وقد ارتبطت عقود الصلح بعاملين:
الأول: حال الفتح؛ لأن المسلمين كانوا غرباء في بلاد شاسعة لها لغاتها، وأديانها وعاداتها، وكانوا أيضًا غير مستقرين يفتحون ليصالحوا، ثم يتابعون المسير للتوسع.
الثاني: الحالة الاجتماعية للفاتحين، وهذا يعني أن نموذج الصلح مع سكان البلاد المفتوحة كانت تفرضه عقلية الفاتحين أنفسهم، وأعرافهم، وعلاقاتهم فيما بينهم، أي أن الفتح كان الشكل الاجتماعي لحياة القبائل، وعيشها ورزقها، في هذه المرحلة٣.
علاقة الفاتحين بسكان البلاد المفتوحة:
بعد القضاء على الإمبراطورية الفارسية، وإخراج البيزنطيين من بلاد الشام ومصر، انتهى عمليًا في هذه البلاد وجود مؤسسة الدولة، وأضحى الولاة المحليون، وأعيان المدن والمقاطعات هم الذين يمثلون الهيئات العامة، والتفاوض مع المسلمين، لهذا حافظت التقسيمات الإدارية لدولتي الفرس، والبيزنطيين على وجودها ووظيفتها سواء من الناحية الشخصية، حيث استقرت طبقة الحكام المحليين في عملها، أو من الناحية الإدارية حيث استمرت الدواوين في أداء وظائفها، وحددت طبيعة مرحلة الفتوح شكل العلاقة بين المسلمين الفاتحين، وأصحاب البلاد المحليين التي بقيت علاقة خارجية، وذلك بفعل تفرغ المسلمين للفتوح، والسكن في معسكرات خاصة، مما لا يسمح بالاندماج، والاختلاط اللذين يتطلبان استقرار الفاتحين، وارتبطت هذه العلاقة الخارجية بثلاثة أمور: الجزية والذمة، والاستقلال الإداري والثقافي٤.
شكلت الجزية الأرضية الحقوقية للممارسة السيادة من خلال عقود الصلح، وهي عبارة عن جملة القيم المادية، العينية، والنقدية التي يتوجب على المغلوبين دفعها سنويًا إلى المسلمين الفاتحين، إنها علاقة عقدية بين طرفين لكل منهما حقوق وواجبات، ففي مقابل ضمان الأمان الشامل للسكان، وصونهم والدفاع عنهم تجاه أي عدوان خارجي، كانت الجزية المتوجبة على هؤلاء للمسلمين الذين أدخلوهم في
стр. 356
ذمتهم، وهذه الحقوق والواجبات تكمل بعضها البعض، وتشترط بعضها البعض، فإذا عجز المسلمون عن تنفيذ وعودهم، لم تعد الجزية حقًا لهم، وإذا امتنع السكان عن دفعها، أو نقضوا العهود وقاتلوا المسلمين مجددًا، سقطت عنهم الذمة، وأضحوا أهل حرب لا أهل صلح١.
أما كل ما تعدى هذه العلاقة، فقد تم النظر إليه على أنه يدخل في الشئون الداخلية للسكان لا علاقة للمسلمين به، وهذا يعني إقرار المسلمين للسكان المحليين بالإدارة الذاتية في المدن، والمقاطعات بما تحويه من دواوين، والإقرار بالاستقلالية الثقافية لهؤلاء، وبالتالي تركهم على أوضاعهم، وعاداتهم وثقافاتهم وأديانهم، وطبقاتهم دون التدخل فيها.
تذكر روايات المصادر أنه بعد توقيع صلح الإسكندرية تقدم أعيانها لعمرو بن العاص، وقالوا له: "نريد أن تولوا علينا رجلًا من أصحابك حتى يجمع المال الذي طلبت منا"، فكان جوابه: "إنا لا نعلم بأمور أصحابكم، ولا نعرف القادر منكم ولا الضعيف، فانظروا في أكابركم ممن تختارونه عليكم لجمع المال، فولوه عليكم، ويكون معه رجل من أصحابنا مساعدًا له على ذلك"٢.
لقد تم فتح مدينة بعلبك بعد حصار وقتال، وقيل حاكم المدينة بعقد الصلح شرط ألا يدخل المسلمون إلى المدينة، وأن يبقوا خارجها، تأتيهم الجزية إليهم في وقتها المحدد، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.
اتفق أبو عبيدة مع أعيان حلب أثناء عقد الصلح معهم، على أن تخلي المدينة نصف دورها٣، وتعهدت الرها بموجب عقد الصلح مع عياض بن غنم بأن تقوم بصورة دورية بإصلاح الطرق والجسور٤، ونصت الكثير من عقود الصلح على حق المسلمين المحتاجين بالنزول ضويفًا على السكان المحليين لمدة ثلاثة أيام، ولما فتح عمرو بن العاص برقة، صالح أهلها على الجزية التي بلغت قيمتها ثلاثة عشر ألف دينار، وسمح لهم أن يبيعوا من أبنائهم من أحبوا بيعه لقاء تأمين هذا المبلغ، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل، ومن بين عقود الصلح التي عقدها المسلمون مع أمراء الولايات الشرقية من بلاد فارس، كان العقد الذي أبرمه سويد بن مقرن مع حاكم
стр. 357
خراسان على منطقة طبرستان: "هذا كتاب من سويد بن مقرن للفرخان اصبهذ خراسان على طبرستان، وجيل جيلان من أهل العدو، إنك آمن بأمان الله على أن تكف لصوتك، وأهل حواشي أرضك، ولا تؤوي لنا بغية، وتتقي من ولي خرج أرضك بخمسمائة ألف درهم من دراهم أرضك، فإذا فعلت ذلك فليس لأحد منا أن يغير عليك، ولا يتطرق إلى أرضك، ولا يدخل عليك إلا بإذنك، سبيلنا عليكم بالإذن آمنة، وكذلك سبيلكم، ولا تؤوون لنا بغية ولا تسلون لنا إلى عدو، ولا تغلون، فإن فعلتم فلا عهد بيننا وبينكم، شهد سواد بن قطبة التميمي، وهند بن عمرو المرادي، وسماك بن مخرمة الأسدي، وسماك بن عبيد العبسي، وعتيبة بن النهاس البكري، وكتب سنة
ثمان عشرة"١.
اضطر المسلمون بعد انتهاء عمليات الفتوح إلى الحفاظ على الأوضاع العامة السائدة في المناطق المفتوحة، حيث تركوا الناس تحت رحمة الحكام المحليين الذين أضحوا الطرف الوسيط، وكان من مصلحة الفاتحين الحفاظ على استقرار أوضاع هؤلاء الوسطاء حيث أوكلت إليهم مهمات الحفاظ على الأمن، والنظام وتنفيذ شروط عقود الصلح، وكان التشاور معهم ضروريًا لحسن سير الأعمال٢.
بعد أن استتب الفتح على أراضي السواد، تشاور سعد بن أبي وقاص مع دهاقنتها بشأن كيفية التعامل مع الفلاحين، فأشاروا أن يترك الناس على أرضهم يزرعونها؛ لأنه من سيزرع أو يحصد إذا سبي الفلاحون، وأبعدوا عن أرضهم؟ وكان عمر يأمر عماله على العراق أن سمعوا لنصائح الدهاقنة إذا ما اعترضتهم صعاب ومشكلات؛ لأن هؤلاء أعلم ببلادهم وناسهم من غيرهم.
لذلك، لم تكن للمسلمين الفاتحين أي علاقة مباشرة مع السكان، وانحصرت معاملاتهم مع دهاقنة الأهواز، وأمرائها الذين قبلوا منذ البدء على أنهم أسياد هذه البلاد وساسة سكانها، وبالتالي ممثلوها أمام الفاتحين.
هكذا كان أسلوب التعامل مع البلاد المفتوحة عامًا يتعلق بأوضاع الفاتحين أنفسهم، وعلاقاتهم الداخلية، أما الأوضاع الداخلية للسكان، فكانت هامشية لم تؤد دورًا يذكر في تحديد شكل هذا التعامل.
مقتل عمر:
قتل عمر فجأة بيد شخص مغمور لا يعرف الناس من أمره إلا أنه خادم للمغيرة
стр. 358
ابن شعبة، وهو من زعماء ثقيف بالطائف، أما اسمه فهو فيروز أبو لؤلؤة المجوسي، وهو فارسي الأصل من سبي نهاوند، وكان قد شكا إلى الخليفة ثقل خراجه.
ففي فجر يوم الأربعاء "لأربع بقين من شهر ذي الحجة عام ٢٣هـ/ ٢٣ تشرين الثاني عام ٦٤٤م"١، خرج عمر من منزلة ليؤم الناس لصلاة الفجر، حتى إذا انتظم جمع المصلين، بدأ ينوي للصلاة ليكبر، ودخل في تلك اللحظة رجل ظهر فجأة بجانبيه، وطعنه بخنجر له نصلان حادان، ثلاث طعنان أو ست إحداها تحت سرته، وشعر عمر بحر السلاح، فالتفت إلى المصلين باسطًا يديه يقول: "أدركوا الكلب فقد قتلني"٢، وحاول القاتل الفرار، فتصدى له المصلون، فراح يطعنهم يمينًا وشمالًا فأصاب ثلاثة عشر منهم، ثم إن عبد الله بن عوف أتاه من ورائه، وألقى عليه رداءه وطرحه أرضًا، وعندما أيقن فيروز أنه مقتول لا محالة، انتحر بخنجره٣ مسدلًا الستار على دوافع أهم، وأخطر قضية واجهت المسلمين حتى ذلك الوقت؛ لأنها كانت فاتحة لحوادث مماثلة سوف تواجه المسلمين في المستقبل.
كانت الطعنة التي أصابت عمر تحت سرته قاتلة، فلم يستطع الوقوف من أثرها وسقط طريحًا، فاستخلف عبد الرحمن بن عوف على الصلاة بالناس، ونقل إلى منزله وهو ينزف دمًا، ولما علم أن أبا لؤلؤة هو الذي طعنه، حمد الله الذي لم يجعل قاتله يحاجه عند الله بسجدة سجدها له، وتوفي بعد ثلاث ليال، ودفن يوم الأحد مستهل محرم من عام ٢٤هـ بالحجرة النبوية إلى جانب أبي بكر بعد أن استأذن عائشة٤.
كان لمقتل عمر مقدمات تكشف عن إنذار وجهه إليه أبو لؤلؤة، وتحذير من كعب الأحبرا، أحد كبار أحبار اليهود في المدينة، فقد خرج عمر يومًا بعد عودته من الحج يطوف في السوق، فلقيه أبو لؤلؤة، فقال له: "يا أمير المؤمنين أعدني -انصرني- على المغيرة بن شعبة، فإن علي خراجًا كثيرًا، وقال عمر: كم خراجك؟ قال: درهمان في كل يوم، قال عمر: وما صناعتك؟ قال: نجار، نقاش، حداد، قال عمر: فما أرى خراجك بكثير على ما تصنع من الأعمال. قد بلغني أنك تقول: لو أردت أن أعمل رحى تطحن بالريح فعلت، قال: نعم. قال عمر: فأعمل لي رحى، قال: لئن سلمت لأعملن لك رحى يتحدث بها من بالمشرق والمغرب، ثم انصرف عنه، قال عمر:
стр. 359
لقد توعدني العبد آنفًا"١، ودخل عمر منزله دون أن يكترث
جديًا بهذا التهديد، فلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار، فقال له: "يا أمير المؤمنين، فإنك ميت في ثلاثة أيام"، وأعاد عليه القول في اليوم الثاني، وفي الغداة
من ذلك اليوم قال له: "ذهب يومان وبقي يوم وليلة، وهي لك إلى صبيحتها"٢. وقد شهد عبد الرحمن بن أبي بكر أنه رأى الخنجر الذي طعن به عمر مع الهرمزان الأمير الفارسي، وجفينة أحد نصارى الحيرة وأبي لؤلؤة، أثناء اجتماع لهم، مما دفع عبيد الله بن عمر، وهو في ثورة غضب إلى قتل الهرمزان وجفينة٣.
إن حادثة على هذا المستوى تحتاج إلى إثباتات مقنعة قبل الحكم الموضوعي على دوافعها، وقد اندثرت مع قتل الأشخاص الثلاثة، إذ إن إقدام أبي لؤلؤة على قتل الرجل الأول في الدولة، لأمر يخرج عن القواعد المألوفة إلا إذا كان به مس من الجنون، وهذا لم تشر إليه الرواية التاريخية٤، وفي هذه الحالة لا يستطيع الباحث أن يتجاهل ربط هذه القضية بعوامل خارجية بعد رفض الأسباب الهزيلة التي تناقلها المؤرخون التقليديون حول ثقل خراج حول ثقل خراج أبي لؤلؤة، ولا أستبعد أن يكون كعب الأحبار مشتركًا فيها، أو مطلعًا على خيوطها، إذ إن تحذيره لعمر، وتحديده ليوم القتل وساعته، له دلالته، والمعروف أن اليهود أخذوا يتآمرون ضد الإسلام في كل بلد وصل إليه، ويدبرون الاغتيالات لحكام هذه البلاد المسلمة، وبدأت مؤامرتهم الدنيئة باغتيار عمر مستعينين بالفرس الموجودين في المدينة، لقد قضى عمر على الإمبراطورية الفارسية، وأخرج البيزنطيين من بلاد الشام ومصر، كما أخرج اليهود من جزيرة العرب، فأضمروا الحقد للإسلام والمسلمين بعامة، ولعمر بخاصة، فحاكوا هذه المؤامرة التي كان أبو لؤلؤة أداتها التنفيذية، وروي عن عمر قوله حين علم بأن أبا لؤلؤة هو الذي طعنه: "قد كنت نهيتكم عن أن تجلبوا علينا من علوجهم أحد، فعصيتموني"
قد تكون حادثة الاغتيال تصب في مصلحة بعض المتذمرين من بقايا التجار، وأصحاب الثروات الذين وجدوا في نظام عمر الصارم ضربة لمصالحهم الحيوية، والمعروف أن عمر فرض رقابة مشددة على انتقال الشخصيات الحجازية إلى المدن
стр. 360
والقرى في البلدان المفتوحة، وكان يرى أن كثرة الأموال والثروات، وانتشار قريش في الأمصار المفتوحة يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة في تطور المسلمين، تبعدهم عن الأجواء الأولى لظهور الإسلام، واسنجامًا مع هذه الرؤية ضيق على المهاجرين بخاصة، وعلى قريش بعامة، وحصرهم في المدينة١، فمنعهم عمليًا من التنعم بثمار الفتوح، مما أثار صدمة لدى هؤلاء الذين شعروا بأن فرض الثراء تضيع من أمامهم دون أن ينجحوا في حمل الخليفة المتشدد على تعديل قراره، ولهذا تعارضت أهدافهم ومواقفهم مع أهداف عمر ومواقفه، وهو الملتزم بفكرة الدولة وقوانينها، ولعل أبرز مؤشرات الانفصال هي اندماج الخليفة بصورة عضوية مع الفئات المتسوطة، والشعبية المستفيدة عمليًا من تنظيم العطاء٢، لكني استبعد اشتراك هؤلاء في المؤامرة، بدليل قول عمر: "ما كانت العرب لتقتلني"، هذا على الرغم من أن هذه الفئة سوف تؤدي دورًا بارزًا في اختيار شخصية البديل بما يتوافق، وحوافزها المتحركة.
стр. 361
الباب الثالث: عثمان بن عفان ٢٣-٣٥هـ/ ٦٤٤-٦٥٦م
الفصل الحادي عشر: الفتوح في عهد عثمان
التعريف بعثمان:
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، الأموي القرشي، أمير المؤمنين، ولد بعد مولد النبي بخمس سنين، أمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمها البيضاء
بنت عبد المطلب، عمة النبي، وكانت توأمة لوالده عبد الله١.
اشتهر عثمان بالعفة والحياء والكرم٢، لين العريكة، كثير الإحسان والحلم، لا يوقظ نائمًا من أهل بيته إلا أن يجده يقظان فيدعوه، فيناوله وضوءه، وكان يصوم الدهر عدا الأيام المكروهة، وهي أيام العيدين، والشك في أول رمضان٣.
زوجه النبي ابنته رقية، فأنجب منها ابنه عبد الله وبه كان يكنى، والمعروف أنه مات صغيرًا له من العمر ست سنوات٤، ولما تعرض المسلمون الأوائل للاضطهاد، والعذاب من جانب قريش، وأذن لهم النبي بالهجرة إلى الحبشة، هاجر عثمان مع زوجته إليها٥، ولما علم برضاء قريش عن النبي، عاد إلى مكة٦، ثم هاجر إلى المدينة ونزل على أوس بن ثابت أخي حسان بن ثابت في دار بني النجار٧.
اشترك عثمان في الغزوات باستثناء غزوة بدر، لاشتغاله بتمريض زوجته التي ماتت، ودفنت في اليوم الذي انتصر فيه المسلمون، فعده النبي من البدريين، وزوجه
стр. 362
ابنته الثانية أم كلثوم١، ولهذا لقب بذي النورين، لزواجه بابنتي النبي، رقية وأم كلثوم التي توفيت في السنة التاسعة للهجرة٢.
استعان النبي بعثمان في كثير من المناسبات، فكان سفيره إلى قريش في السنة السادسة للهجرة حين منعت دخول المسلمين إلى مكة لأداء العمرة، فاحتبسته قريش عندها، فبلغ النبي والمسلمين أن عثمان قد قتل، فبايع المسلمون النبي بيعة الرضوان في المكان المعروف بالحديبية على مقربة من مكة٣.
بذل عثمان كثيرًا من ماله في سبيل الإسلام، كان له نصيب وافر في تجهيز جيش العسرة الذي أعده النبي لغزوة تبوك في "شهر رجب عام ٩هـ/ شهر تشرين الأول ٦٣٠م"، إنه أمد المسلمين بتسعمائة وخمسين فرسًا وألف دينار، وقد قال النبي: "من جهز جيش العسرة فله الجنة، فجهزه عثمان"٤، كما اشترى بئر معونة من يهودي بعشرين ألف درهم، وتصدق بها على المسلمين، وقد قال النبي: "من يحفر بئر رومة فله الجنة، فحفرها عثمان" ٥، وبشره النبي بالجنة وعده من أهلها، فقال: "لكل نبي رفيق في الجنة، ورفيق في الجنة عثمان" ٦.
كان عثمان من رواة الحديث، فقد روى عن النبي وعن أبي بكر وعمر، كما روى عنه أولاده، عمر وأبان وسعيد، وابن عمه مروان بن الحكم، ومن الصحابة عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر وعبد الله بن العباس، وعبد الله بن الزبير، وزيد بن ثابت وأبو هريرة وغيرهم، ومن التابعين: الأحنف بن قيس ومحمد بن الحنفية بن علي، وسعيد بن المسيب٧، واتخذه أبو بكر أمينًا، وكاتبًا له يستشيره في أمور الدولة.
قضية الشورى -اختيار عثمان خليفة:
وجد المسلمون أنفسهم بعد طعن عمر بن الخطاب أمام مهمة اختيار خليفة يدير شئونهم، فقد رفض عمر أن يعين خليفة له، مع أن توليه الخلافة كان نتيجة عهد أبي بكر الصديق له، وتخلى بكل تبصر عن تعيين أحد من أفراد عائلته خشية تحويل
стр. 363
الحكم إلى وراثة، كما أنه امتنع عن تعيين عثمان بن عفان الذي كان مساعده تقريبًا، وحجته في ذلك أنه لا يريد أن يتحمل تبعات الخلافة حيًا وميتًا١.
ويبدو أنه لم يكن هناك مرشح واضح، كما أن عمر أراد العودة إلى نظام الشورى، وتشير بعض روايات المصادر أنه كان يعمد إلى بلورة وجهة نظر جديدة تجاه مسألة الحكم تنطلق من إحياء الشورى التي تأسست عليها بيعة السقيفة، تاركًا لنخبة المسلمين قرار اختيار الخليفة المناسب، والتي طرح شكلها النهائي بعد أن طعنه أبو لؤلؤة٢.
والواضح أن ظروف المسلمين آنذاك فرضت أن تكون مبايعة خليفة مسألة اختيار بين شخصيات قرشية، بالإضافة إلى السابقة والقدم في الإسلام، وكانت الآراء السائدة في المجتمع القرشي بعامة، وبين كبار الصحابة، وأهل الفضل والسابقة بخاصة، وبين صفوف المهاجرين الذين كانت لهم في نهاية المطاف الكلمة النهائية؛ هي العامل الحاسم في الاختيار٣.
وهكذا اختيار عمر قبل وفاته مجلسًا للشورى مؤلفًا من: عثمان بن عفان من بني أمية، علي بن أبي طالب من بني عبد المطلب، الزبير بن العوام، من بني عبد العزة، وينتسب إلى عبد المطلب من جهة النساء إذا إن والدته عمة النبي، عبد الرحمن بن عوف من بني زهرة عشيرة والدة النبي وصهر عثمان، سعد بن أبي وقاص من بني زهرة أيضًا، وطلحة بن عبيد الله من بني تيم عشيرة أبي بكر٤.
إن قراءة متأنية في اختيار هؤلاء الصحابة تطلعنا على الحقائق التالية:
- جميعهم من المهاجرين، أي قرشيين، من أوائل الصحابة، وتوفي النبي وهو راض عنهم، وهم من بين العشرة المبشرين بالجنة.
- يمثلون مراكز القوى في المدينة من حيث النفوذ، والقدرة والشهرة بدليل وصف عمر لهم بأنهم: "رؤساء الناس وقادتهم"، وقوله: "لا يكون هذا الأمر إلا فيكم"، "إني لا أخاف عليكم إن استقمتم، لكني أخاف عليكم اختلافكم فيما بينكم، فيختلف الناس"٥.
- المفاضلة بينهم تبعًا لدورهم في الإسلام أمر شاق، وعسير؛ لأنهم كانوا جميعًا من أمضى سيوفه، وأرسخ أعمدته طوال تاريخه٦.
стр. 364
- كانت قضية اختيار خليفة منذ بدايتها قرشية محضة، لقد كان النبي من قريش، وما كان يمكن استخلافه إلا من قريش أيضًا، لقد اختصرت قريش قضية الحكم، وحصرتها برجالها، وهذه القضية هي استمرار العمل بمقولة: "الأئمة من قريش" التي طرحت يوم مبايعة أبي بكر على الرغم من تغير الظروف العامة، لكن يبدو أنها أضحت عرفًا لم يطعن به أحد من ذلك العصر؛ لأنه ينسجم مع روحه انسجامًا تامًا، لذلك استبعد الأنصار على الرغم من مآثرهم واستحقاقهم.
ونظم عمر طريقة عمل المجلس قبل وفاته، فحدد مدة الاختيار بثلاثة أيام، فإذا انقسم مجلس الشوى إلى ثلاث مجموعات من شخصين، فلا بد من استئناف التشاور، وإذا كان هناك أكثرية، فلا بد لهم من اتباعها، أما إذا انقسم المجتمعون إلى مجموعتين متساويتين من ثلاثة أشخاص، تكون الأولوية للمجموعة التي يكون فيها عبد الرحمن بن عوف، وهذا يعني إعطاء هذا الصحابي دورًا مفصليًا وبارزًا، إلا أن التطورات التي رافقت انعقاد مجلس الشورى في بدايته، على الأقل، لا تعطيه هذا الدور، إذ بدأ كأحد أعضاء المجلس الآخرين، ولم يبرز إلا عندما انسحب من ميدان التنافس كما سنرى، الأمر الذي يرجح أن الروايات الخاصة بذلك شيعية الهوى تحمله مسئولية تقديم عثمان١، وأمر بقتل كل من يتخلف عن مبايعة من يتم اختياره للخلافة خشية الفتنة، وحث المؤتمرين على سرعة إنجاز اختيارهم، وأمر أيضًا أن يتولى صهيب الرومي إمامة الصلاة طيلة ثلاثة أيام، وشكل فصيلة من الأنصار للمحافظة على الأمن، وحماية أعضاء المجلس٢.
توقع عمر أن يتجه الاختيار في مجلس الشورى لصالح عثمان أو علي، وكلاهما من سلالة عبد مناف وختن النبي، بل إنه وجه المسلمين في المدينة نحوهما بصورة غير مباشرة، إذ بدا للوهلة الأولى أن التنافس سيجري بينهما، وأن باقي أعضاء مجلس الشورى ناخبين فحسب.
فقد انتقد عثمان لحبه أهله وقومه، وخشي إن هو تولى الخلافة أن يحمل بني أبي معيط على رقاب الناس "ولو فعلها لقتلوه"، وهو تأكيد هدف إلى إيجاد غطاء شرعي لعملية قتل عثمان التي تمت فيما بعد، ووصف عليًا بالرجل الذي فيه دعابة، وبطانة
стр. 365
وفكاهة، وخشي إن هو تولى الخلافة أن يحمل بني عبد المطلب على رقاب الناس، إلا أنه أكد في الوقت نفسه على ثقته بمقدرته، ونزاهته في الحكم "إن ولوها الأجلح سلك بهم الطريق"١.
يبدو أنه من الصعب الأخذ بهذه الروايات؛ لأن عمر نفسه هوالذي اختار أعضاء مجلس الشورى لكونهم من أبرز الشخصيات العامة، الأمر الذي يثير التساؤل بشأن ما نسب إليه من انتقادات وجهها إليهم، والواقع أنها مهمة تؤكد التزام عمر بما تم إنجازه في حصر الخلافة في قريش بين المهاجرين الأولين.
عقد مجلس الشورى اجتماعه الأول بناء على رغبة عمر قبل وفاته، إلا أن أعضاءه اختلفوا فيما بينهم؛ لأنهم كلهم كانوا يطمحون للسلطة، ولم يتوصلوا إلى نتيجة٢، وعقد الاجتماع الثاني بعد وفاة عمر، وقد أشارت روايات المصادر إلى عدم اتفاق أعضاء مجلس الشورى على رجل منهم، ووقعوا في مأزق حقيقي، لم يخرجوا مه إلا بمبادرة عبد الرحمن بن عوف الذي أخرج نفسه من إطار المنافسة، ومجال الاختيار، إلا أنه اشترط أن يتركوا له حرية الاختيار، وأخذ عليهم يمين المبايعة لمن يختار، وأعطاهم عهدًا "أن لا يميل إلى هوى، وأن يؤثر الحق، وأن يجتهد للأمة، وأن لا يحابي ذا قرابة"٣، ولهذا السبب فقدت الشورى طابعها كمجمع، وفقد المجلس طابعه كجهاز انتخاب مباشر، إذا فوض لعبد الرحمن أن يختار عنه وباسمه، وتحول الانتخاب إلى تعيين من قبل شخص واحد من أعضاء مجلس الشورى، وأضحى محصورًا، وفي المقابل غدًا واسعًا بما سيقدم عليه عبد الرحمن من مشاورات، فقد لجأ هذا الصحابي إلى مشاورة المسلمين، واستطلع رأي أهل المدينة، وقادة الجند الذين توافدوا على المدينة، وأشراف الناس، لكي يعرف من تود الأمة أن تجتمع عليه بعد عمر.
وبما أن القضية قرشية منذ بدايتها، فقد كان واضحًا أن مشاورة الناس تعني في نهاية المطاف مشاورة قريش، ولا يمكننا أن نتجاهل في هذا المقام، الحقيقة التي تحدثت عنها روايات المصادر، والتي لا يمكن استيعاب مآل مجلس الشورى، واختيار عثمان إلا على ضوئها، ألا وهي أن قريشًا ملت شدة عمر، وطالبت باستبدال هذه الشدة باللين، وبفك الحصار، والقيود عنها٤.
стр. 366
كان علي يرى أنه الأجدر بتولي منصب الخلافة نظرا لقرابته من النبي، والتصاقه به، ولكنه كان يشعر أنه محكوم بمجرى الأحداث لا سيما بالدور الموكل إلى عبد الرحمن بن عوف زوج شقيقة عثمان من أمه، والذي كان له تأثير على سعد بن أبي وقاص المنتمي إلى العشيرة نفسها، ويذكر أن العباس عم النبي، وعم علي كان متخوفًا من أن تخرج الخلافة مرة أخرى من يد عشيرته، فنصح عليًا بعدم الاشتراك في الشورى، لكن عليًا الذي كان يكره الخلاف١ آثر القيام بمسعى لدى سعد بن أبي وقاص، ويبدو أنه نجح في ذلك٢، فهل كان هذا الأمر هو الذي بدل طابع الشورى أم بدل خوف عبد الرحمن بن عوف من أن يرى استمرار الفراغ دون التوصل إلى نتيجة طالما كانت المطامع كبيرة؟ ٣.
استشار عبد الرحمن بن عوف صحابة رسول الله ﷺ ، ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد، وأشراف الناس كما ذكرنا، ثم دار متنكرًا لا يعرفه أحد، واستشار عامة المهاجرين، والأنصار وغيرهم من ضعاف الناس٤، فأشار عليه الجميع بعثمان، فاقتنع عندئذ بأن وجوه قريش وعامتها، وقادة الجند يريدون عثمان خليفة عليهم.
والواقع أن بني أمية أدوا دورا نشطًا في توجيه "الرأي العام" نحو عثمان، ونظموا دعاية واسعة له، بهدف تعزيز نفوذهم الذي فقدوه بعد فتح مكة، ونجحوا في استعادته جزئيًا في عهد أبي بكر وعمر، فقد تنافسوا مع بني هاشم في تعاقب خطبائهم على منبر مسجد النبي٥.
كان هناك إذن تياران متنافسان مرتبطان بالسابقة في الإسلام، وبروابط الدم:
الأول: عشيرة النبي الأقربون الذين كان علي مرشحهم.
الثاني: قرشي متصل بالقابلية على التمثيل الأفضل لقريش، وبالتالي مقرب من الأمويين، وكان عثمان مرشحهم.
ثم إن مفهوم البيت الذي جرى طرحه لتمييز عثمان، وعلي كان يفسر بالمعنى الواسع، معنى بيت عبد مناف، وليس بالمعنى الضيق بيت بني هاشم، وكان هذا يناسب أغلبية الصحابة الذين خشوا من تفسير ضيق لمفهوم البيت أن تؤسس ملكية وراثية على حسابهم لصالح البيت الهاشمي٦.
стр. 367
تروي المصادر أنه في اليوم الثالث، وفي ظل بوادر انقسام بين المسلمين خيف أن يتفاقم، قرر عبد الرحمن بن عوف حسم الأمر، وفي المسجد النبوي، وأمام جمع من المهاجرين والأنصار، وقادة الجند وممثلي الأمصار؛ نادى عثمان وعليًا وسألهما على التوالي إن كانا بعد انتخابهما سيتبعان سيرة رسول الله ﷺ ، وأبي بكر وعمر، وتجنب حمل أقاربهما على رقاب الناس، فأجاب علي بتحفظ متعللًا بأنه سوف يبذل جهده، وطاقته مستيعنًا بالأمناء، والأقوياء من بني هاشم وغيره، وأضاف أن عليه الاجتهاد قدر الإمكان: "لا أحمل عهد الله وميثاقه على ما لا أدركه، ولا يدركه أحد، من ذا يطيق سيرة رسول الله، ولكني أسير من سيرته بما يبلغه الاجتهاد مني، وبما يمكنني وبقدر علمي"١، أما عثمان فقد أعلن موافقته على شرط عبد الرحمن بن عوف قائلًا: "اللهم نعم"، "علي عهد الله وميثاقه، وأشد ما أخذ على أنبيائه، ألا أخالف سيرة رسول الله وأبي بكر وعمر في شيء، ولا أقصر عنها"٢؛ مما دفع عبد الرحمن بن عوف، وأصحاب الشورى، وعامة الناس إلى مبايعته٣.
قد تدعو روايات المصادر هذه للتساؤل: فهي تعطي عبد الرحمن بن عوف ذريعة صالحة لإعلان عثمان بدلًا من علي خليفة على المسلمين، وتبرز اختيارًا يبدو أنه قد تم قبل ذلك، وتقدم عليًا كأنه مجدد له نهجه الخاص، وفهمه لسيرة رسول الله ﷺ ، مما قد يختلف عن نهج الخليفتين السابقين، وهو أمر ربما نسب إلى علي في وقت لاحق، كما أن شرط عبد الرحمن للترجيح بين المتنافسين قد يكون تصريحًا طلب من عثمان وحده بعد اختيار الأغلبية له٤، ويبرزه، وكأنه أكثر الأعضاء، توافقًا مع التحولات المنشودة، فهو إلى جانب كونه واحدًا من النخبة في الإسلام، كان ينفرد عن الآخرين بانتمائه إلى البيت الذي كاننت له الزعامة الفعلية إبان ظهور الإسلام، ذلك البيت الذي بات يمثل، بعد اغتيار عمر، أحد أقوى مراكز النفوذ في الدولة الإسلامية٥.
والواقع أن ما جرى من مشاورات مكثفة داخل مجلس الشورى وخارجه، وما أحاط بهيئة المجلس من اتصالات خارجية، كانت بعيدة عن الشورى في الشكل والمضمون.
стр. 368
ردود الفعل على اختيار عثمان:
أثار اختيار عثمان خليفة ردود فعل متباينة بين أعضاء مجلس الشورى وخارجه، يمكن ربطها بالأدوار التي قام بها أصحابها في مجمل تطورات الفتنة بعد ذلك، وتوضحت الصورة السياسية للمجتمع الإسلامي الذي انقسم إلى أربع فئات على النحو التالي:
١- الفئة الموالية لآل البيت بعامة ولعلي بخاصة، وقد عارض أفرادها قرار مجلس الشورى، فقد أظهر على منذ البداية عدم اطمئنانه إلى تركيبة هذا المجلس الذي كانت آراء معظم أعضائه تميل لغير صالحه، وشكا ذلك إلى بني هشام "إن أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدًا"١، وأضاف أن عبد الرحمن بن عوف، وسعدًا بن أبي وقاص لا يخالف أحدهما الآخر، وعبد الرحمن صهر عثمان، فأحدهما لا يخالف صاحبه، فيوليها عبد الرحمن عثمان، أو يوليها عثمان عبد الرحمن. وخشي إن ولي عثمان "ليتداولنها، ولئن فعلوا ليجدني حيث يكرهون"، بالإضافة إلى ذلك، فإنه شك في مواقف طلحة والزبير، وبفعل عدم ثقته بعبد الرحمن بن عوف رفض إعطاءه مهمة الاختيار إلا بعد أن حلف له بألا يتبع الهوى، وألا يؤثر إلا الحق، ولا يخص ذا رحم، ولا يأل الأمة٢، كما اجتمع بسعد بن أبي وقاص وناشده، بعدم هضم حقه بالخلافة٣، واتهم قريشًا بالممالأة على هضم حقوق آل البيت، وإبعاده عن الحكم٤، وهو اتهام يعكس وجهة نظر عمر بن الخطاب في فرص كل عضو من أعضاء مجلس الشورى في تسلم الحكم٥: "إن عليًا لأحق الناس بها، ولكن قريشًا لا تحتمله، ولئن وليهم ليأخذنهم بمر الحق، لا يجدون عنده رخصة، ولئن فعل لينكثن بيعته ثم ليتحاربن"٦، ومع ذلك فإن عليًا بايع عثمان فورًا، أو بعد تردد٧.
نذكر من بين شخصيات هذه الفئة: العباس بن عبد المطلب، والمقداد بن عمرو وأبا ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وقد حفلت الروايات التي استعرضت مواقفهم بالميول الشيعية، والعباسية الواضحة، ويلاحظ بأن هذه الشخصيات ستؤدي دورًا.
стр. 369
بارزًا في الفتنة من خلال معارضتها الصارمة لسياسة عثمان.
٢- الفئة الموالية لعثمان، وتألفت من أعضاء مجلس الشورى، وعامة بني أمية، فقد بايع الزبير بن العوام عثمان فورًا، وكذلك فعل سعيد بن أبي وقاص، وبايع عبد الله بن عمر عثمان محترمًا قرار أعضاء المجلس، أما طلحة بن عبيد الله، فقد بايع عثمان فورًا، أو بعد تردد احتجاجًا على إسراع مجلس الشورى في انتخاب خليفة للمسلمين، وكن قد عاد إلى المدينة، واعتكف في منزله.
٣- الفئة التي أيد أفرادها قرار مجلس الشورى باختيار عثمان، ومع أن الروايات تباينت في توضيح أسباب هذا التأييد، إلا أنها حصرتهم في أصحاب المصالح الخاصة، نذكر منهم: المغيرة بني شعبة، وبعض أقارب عثمان مثل عبد
الله بن أبي ربيعة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن مسعود أبرز زعماء القراء.
٤- عامة المسلمين الذين تماشوا مع قرار مجلس الشورى بهدف استمرار الحياة العامة.
لقد توضحت إذن، الأجواء الاجتاعية، والقوى الاجتماعية -السياسية التي أعاقت تسلم علي الخلافة بعد عمر، وبدا واضحًا أن شدة علي ستضاهي شدة عمر، لكن قريشًا كانت تسعى إلى تحول في التعامل معها، وقد دفع هذا المزاج السائد عثمان إلى الخلافة حيث علقت عليه قريش آمالها في تصفية نهج عمر نحوها، وبالتالي في فتح الباب أمامها للانطلاق نحو الأمصار، كما دلت عليه التطورات اللاحقة، فشخصية عثمان كانت أقرب إلى تفكير، وطباع قريش من عمر وعلي، وهكذا كان اختيار عثمان خليفة، قرارًا اجتماعيًا، ولم يكن مفاضلة بين صحابيين، وشكل هذا النزوع القرشي نحو انفراج حياتي ومعاشي، واجتماعي شامل، على قاعدة البيئة الجديدة التي أفرزتها الفتوح؛ الأرضية المادية الواقعية التي أوصلت عثمان إلى الخلافة، ولهذا كان نهج عثمان منذ بدايته متعلقًا بهذه الأرضية، ومشروطًا بها ومقرونًا معها، ويتناغم مع التطور الاجتماعي داخل الأمة١.
الثورات ضد الحكم الإسلامي:
اتسعت رقعة الدولة الإسلامية في عهد عمر بفتح أراضي الإمبراطورية الفارسية،
والأراضي البيزنطية في بلاد الشام، ومصر وجزء من شمالي إفريقية، واضحت هذه المناطق تحت الحكم الإسلامي، ولم تتوقف سلسلة هذه الفتوح في عهد عثمان،
стр. 370
وعمل المسلمون على توطيد نفوذهم من جديد من بعض المدن الفارسية التي ثارت ضد الحكم الإسلامي، ذلك أن المسلمين لم يستقروا تمامًا في مناطق الأطراف، ولم يوطدوا حكمهم فيها، فكانوا ينطلقون من الكوفة أو البصرة للفتح، ثم يعودون إليها بعد أن يعقدوا الصلح مع السكان المحليين، ثم إن هؤلاء ظلوا مخلصين لقوميتهم مما أتاح لهم القيام بثورات للتخلص من الحكم الإسلامي كلما سنحت لهم الفرصة، وكان التغيير في مركز القيادة فرصة سانحة لهؤلاء لتحقيق أمانيهم.
تصدى المسلمون لهذه الثورات على حكمهم، وتمكنوا من إخمادها، وثبتوا أقدامهم في المناطق الثائرة، نذكر منها: ثورة همذان وأذربيجان، والري واصطخر
وطبرستان، وجرجان وخراسان، وكرمان، وأعاد المسلمون فتح مدينة الإسكندرية في عام "٢٥هـ/ ٦٤٥م" في عهد ولاية عبد الله بن سعد بن أبي
سرح، بعد أن هاجمها البيزنطيون انطلاقًا من جزيرة رودس بهدف استعادتها، وقد فاجأ هؤلاء الحامية الإسلامية، ونزلوا على البر واستولوا عليها، توغلوا في
أرض مصر حتى كادوا يصلون إلى بابليون، ولم ينقذ الموقف سوى عمرو بن العاص الذي عينه الخليفة واليًا على الإسكندرية، وأمره بطرد البيزنطيين منها، ودمر عمرو أسوار الإسكندرية حتى لا يتحصن البيزنطيون فيها مرة أخرى إذا نجحوا في استعادتها١.
فتح أرمينية:
توغل المسلمون في الربوع الأرمينية في عهد عثمان، إذ إن الحملات الإسلامية المتواترة ضد بلاد الأرمن كانت تسير وفق خطة عسكرية محكمة، وموضوعة مسبقًا، بهدف فتح هذه البلاد، وضمها إلى الأملاك الإسلامية، ونشر الإسلام في ربوعها، ونجح المسلمون بقيادة مسلمة بن حبيب الفهري، في بسط سلطانهم على أودية نهر الرس، ونهر الفرات، وصادفوا مقاومة في تفليس، والمناطق الجبلية المرتفعة٢.
وخاب أمل الأرمن في بيزنطية التي عجزت عن الدفاع عنهم وحمايتهم، واضطر القائد الأرميني تيودور الرشتوني، الذي تخلت بيزنطية عنه بسبب ميوله المذهبية المعادية، وموقفه السابق من القائد الإمبراطوري بروكوبيوس في معركة ساراكين؛ إلى إجراء مفاوضات منفردة مع المسلمين انتهت إلى التسوية التالية:
стр. 371
- يعترف المسلمون باستقلال الأقاليم الأرمينية.
- يعترف الأرمن بسيادة المسلمين عليهم بالشروط نفسها التي سبق للفرس أن مارسوا بها سيادتهم على أرمينية.
- يعين المسلمون حاكمًا أرمينيًا عامًا على أرمينية.
- يضع الأرمن فرقة عسكرية تعدادها خمسة عشر ألف جندي بتصرف المسلمين١.
الواضح أن المعاهدة كانت مناسبة للأرمن من واقع وضعهم الحرج بعد إحجام بيزنطية عن مساعدتهم، في حين سببت لبيزنطية خيبة أمل كبيرة؛ لأن البيزنطيين كانوا يأملون في استمرار سخونة الجبهة الأرمينية، لتخفيف الضغط عن الجهات الأخرى مع المسلمين، كما أن الأرمن لم يكونوا راغبين في التضحية بأنفسهم من أجل إمبراطورية هرمة، أضحت عاجزة عن الدفاع عن حدودها، وولاياتها. ثم حدت أن تطورت العلاقات الإسلامية -الأرمينية نحو الأفضل، وأبدى الأرمن استعدادهم للتحالف مع المسلمين، وانفصالهم نهائيًا عن الدولة البيزنطية، مقابل منحهم نوعًا من الاستقلال المحلي، وجرت مفاوضات بين الطرفين من أجل ذلك أسفسرت عن اتفاق آخر يعد متممًا للاتفاق السابق، وتضمن البنود التالية:
- عدم فرض جزية على أرمينية لمدة سبع سنوات.
- يقدم الأرمن فدية خلال مدة الاتفاق التي تركت مفتوحة تتناسب مع قدرتهم الاقتصادية، وذلك ضمانًا لبقاء استقلالهم، وفعلًا دفعوا للدولة الإسلامية مبلغًا رمزيًا مقداره خمسمائة دينار٢.
- يقدم الأرمن قوة عسكرية قوامها خمسة عشر ألف مقاتل تساعد القوات الإسلامية في حروبها مع أعدائها باستثناء جبهة بلاد الشام.
- يعين المسلمون على بلاد الأرمن حاكمًا أرمينيًا.
- لا يأوي الأرمن عدوًا للمسلمين، ولا يساعدونه.
- يتعهد المسلمون بمساعدة الأرمن إذا تعرضوا لغزو بيزنطي٣.
لم ترحب بيزنطية بهذا الاتفاق الذي سلخ أرمينية عن التبعية البيزنطية، لذلك قاد الإمبراطور البيزنطي قنسطانز الثاني في عام "٣٤هـ/ ٦٥٤م" جيشًا بيزنطيًا كثيفًا بلغ تعداده مائة ألف مقاتل، إلى الأراضي الأرمينية، بهدف إعادة البلاد إلى الحظيرة.
стр. 372
البيزنطية، ولما وصل إلى ترجان، تلقي إنذارًا إسلاميًا بعدم دخول الأراضي الأرمينية، لكن الإمبراطور لم يعر الإنذار التفاتة جدية، واستمر في زحفه حتى وصل إلى ثيودوبوليس "أرضروم"، وعسكر فيها واستقبل عددًا كبيرًا من الإقطاعيين، وحكام المناطق الأرمينية الذين ساءهم الانسلاخ عن البيزنطيين وتخلوا عما تعهدوا به لتيودور الرشتوني، وكذلك فعل البطريرك الذي تنصل أمام الإمبراطور من الاتفاق مع المسلمين، وتبرأ مما فعله القائد الأرميني المذكور.
تشجع الإمبراطور بهذا التغيير الولاني من جانب قادة الأرمن، فدخل الأراضي الأرمينية، وعزل تيودور الرشتوني، وعين هامازسب ماميكونيان مكانه، وراح يعمل على توحيد أرمينية تحت قيادته وسلطته١.
وما أحرزه المسلمون من انتصار في معركة ذات الصواري، لم يترتب عليه نتائج مباشرة، وحاسمة في الصراع بينهم وبين البيزنطيين، بالإضافة إلى ما تعرضت له الدولة الإسلامية من مشكلات تفاقمت عقب مقتل الخليفة عثمان في عام "٣٥هـ/ ٦٥٦م"، مما دفع معاوية بن أبي سفيان إلى عقد صلح مع البيزنطيين في عام "٣٨هـ/ ٦٥٩م"، وقد تأثر وضع أرمينية بهذا الاتفاق من واقع استئناف الأسر الأرمينية الإقطاعية صلاتها بالبيزنطيين، وانحسار النفوذ الإسلامي عن هذه البلاد، وعودة النفوذ البيزنطي، وسحب معاوية القوات الإسلامية المرابطة في أرمينية، ليدعم موقفه في الصراع مع علي بن أبي طالب.
فتح طرابلس الشام:
تمهيد:
استطاع البيزنطيون في عام "٢٣هـ/ ٦٤٤م" أن يستعيدوا بعض مدن بلاد الشام الساحلية، وأن يتمسكوا بها مدة عامين، منها بيروت وجبيل، وقد ساعدهم في ذلك كثرة عدد أفراد الجالية البيزنطية الموجودة في طرابلس، وهي المدينة التي بقيت تحت السيطرة البيزنطية حتى ذلك الوقت، وقد تحصن بها البيزنطيون الذين فروا من المدن الساحلية الأخرى التي فتحها المسلمون.
والواقع أنه تضافرت ثلاثة عوامل دفعت المسلمين إلى فتح طرابلس، سياسية واقتصادية، وعسكرية.
стр. 373
فمن الناحية السياسية، كان لا بد من إحكام السيطرة الإسلامية على مدن الساحل الشامي، ولا يتم ذلك إلا بفتح طرابلس آخر المعاقل البيزنطية على هذا الساحل.
ومن الناحية الاقتصادية، تشكل طرابلس منفذًا بحريًا هامًا لبلاد الشام، وثغرًا لدمشق وحمص.
ومن الناحية العسكرية، كانت طرابلس قاعدة بيزنطية مهمة، راحت تهدد مكتسبات المسلمين من واقع مهاجمة الثغور البحرية الإسلامية، والمعروف أن البيزنطيين كانوا لا يزالون متفوقين بحرًا على المسلمين، ولهم أساطيلهم البحرية التي تجوب عباب البحر المتوسط، وبقي الساحل الشامي عرضة لهجماتهم، كما أن المدينة كانت محاطة بالمدن الإسلامية من ثلاث جهات، عرقة في الشمال، وجبيل في الجنوب، وبعلبك في الشرق.
أحداث الحصار والفتح:
بعد أن حصل معاوية على موافقة الخليفة عثمان بغزو الجزر البحرية، أرسل سفيان بن مجيب الأزدي، والي بعلبك، إلى طرابلس على رأس جيش كبير لفتحها في خطوة ضرورية لتحقيق الهدف الأساس، وكانت المدينة تتكون من ثلاث مدن مجتمعة من اللسان الرومي الداخل في البحر، وبها ثلاثة حصون، وعسكر في مشارفها في مرج السلسلة عند سفح جبل تربل شمالي شرقي المدينة على بعد خمسة أميال، منها، وراح يهاجم البيزنطيين، إلا أنه فشل في تحقيق أي تقدم، وذلك لسببين:
الأول: إن المدينة كانت منيعة بتحصيناتها، وإنه من الصعب محاصرتها، وفتحها دون الاستناد إلى قاعدة قريبة ثابتة ينطلق منها.
الثاني: كان سكان طرابلس يتلقون إمدادات تموينية من بيزنطية عن طريق البحر، مما يجعل أمر الحصار طويلًا، وشاقًا ودون حسم١.
ويبدو أن سفيان أدرك هذه الصعاب، فكتب إلى معاوية يطلب منه الرأي والمشورة، فأجابه "أن ابن لك ولعسكرك حصنًا يأوون إليه ليلا، ويغزونهم نهارًا"٢.
نفذ سفيان ما أشار عليه معاوية فانتقل من المرج، وعبر النهر إلى ضفته الغربية، واختار مكانًا ملائمًا يبعد عن المدينة مسافة ميلين، وبنى فيه حصنًا عرف باسمه، وراح يشدد ضغطه على المدينة، ووضع حراسًا على الشواطئ المحيطة بها لمراقبة
стр. 374
البيزنطيين، بذلك الإمدادت عنها١، فاضطر سكانها إلى الانتقال إلى الحصن الغربي عند رأس الميناء وتحصنوا به، وراحوا يفكرون جديًا بالنجاة بأنفسهم، وقد يئسوا من طول مدة الحصار التي امتدت أشهرًا، وبخاصة أن المؤن قد نفذت منهم، كما عجزوا عن الخروج للتصدي للقوات الإسلامية، ولم ينقذهم من هذا الوضع الحرج سوى وصول بواخر بيزنطية نقلتهم ليلًا، وخفية إلى الجزر القريبة الواقعة تحت السيطرة البيزنطية٢، وهكذا أضحت المدينة خالية ممن يحميها أو يدافع عنها، فدخلها المسلمون وسيطروا عليها٣.
تعمير طرابلس:
اهتم معاوية بن أبي سفيان بتعمير طرابلس بعد فرار سكانها، فأرسل إليها جماعة من يهود الأردن٤، وأسكنهم في حصنها، ولم يسكنها غيرهم ليضع سنوات٥.
ويبدو أنه أدرك أن اليهوم قوم لا هم لهم إلا تأمين مصالحهم الخاصة، وأن كثيرًا منهم خانوا البيزنطيين وعملوا عيونًا للمسلمين مقابل إعفائهم من الجزية، ومنحهم الأراضي٦، كما أنهم اشتهروا بالأعمال التجارية، التي كان معاوية يعمل على تنشيطها مع بلدان البحر المتوسط، لذلك أسكنهم في مدينة طرابلس، ثم استقدم الفرس من الداخل، وأنزلهم فيها أيضًا.
وكان عثمان قد أمر معاوية "بتحصين السواحل وشحنها، وإقطاع من ينزله إياها قطائع ففعل"٧، والمعروف أن المسلمين كانوا يخشون الإقامة في الثغور الساحلية المعرضة دائمًا لغارات البيزنطيين، لذلك واجه معاوية صعابًا في إغراء المسلمين على الرغم من أنه وزع الأراضي عليهم، واضطر أخيرًا إلى إسكانها بخليط غير مسلم، كما أذن لبعض البيزنطيين بالإقامة فيها بعد أن استأمنهم٨. وكان يشحنها في كل عام، بفرق من الجند المسلمين ليدافعوا عنها ضد غارات البيزنطيين، وولى عليها عاملًا من قبله.
فتح جزيرة قبرص:
كانت قبرص ولاية بيزنطية عاصمتها قنسطنطيا "سلاميس القديمة"، ويدين سكانها
стр. 375
بالعقيدة النصرانية الأرثوذكسية منذ عام ٤٣١م، وقد صهرت الكنيسة شعب الجزيرة، وجعلت منه وحدة اجتماعية ودينية وثقافية، كما أن الروابط القديمة القوية بين رجال الدين، والسكان خلقت نوعًا من الشعور بالتضامن الاجتماعي في ظل سمة قائمة على مدار العصور المتتالية، التي خضعت فيها الجزيرة للسيادة الأجنبية١.
وعندما فتح المسلمون الثغور البحرية، أضحت هذه عرضة لهجمات البيزنطيين المنطلقين من الجزر القريبة، ونظرًا؛ لأن الصراع العسكري بين المسلمين، والبيزنطيين كان بأحد وجهيه بحريًا، أدرك معاوية أهمية بناء أسطور إسلامي بهدف:
- الدفاع عن السواحل.
- غزو الجزر البحرية المواجهة لساحل بلاد الشام.
- الدفاع عن المناطق الداخلية المفتوحة.
- استمرار العلاقات التجارية الخارجية مع دول البحر المتوسط، وبخاصة أن هذا البحر كان لا يزال تحت قبضة البيزنطيين٢.
وتنفيذًا لهذا المخطط كتب إلى عمر بن الخطاب يطلب منه السماح بركوب البحر، وغزو الجزر القريبة من ساحل بلاد الشام، لكن الخليفة لم يأذن له إذ "كان يكره أن يحمل المسلمين غزاة فيه"، وكتب إليه بترميم حصون الثغور البحرية، وترتيب المقاتلة فيها، وإقامة الحرس على مناظرها، واتخاذ المواقيد لها، لحمايتها من غارات البيزنطيين٣.
وحدث في أواخر أيام عمر وأوائل عهد عثمان أن استعاد البيزنطيون بعض المدن الساحلية، كما استردوا مدينة الإسكندرية، فأدرك معاوية أنه لا بد من إنشاء أسطول إسلامي للتصدي للخطر البيزنطي، وفتح الجزر البحرية التي ينطلق منها العدو، واتخاذها قواعد انطلاق لغزو القسطنطينية، وهو الهدف الأسمى للمسلمين، ونجح في إقناع عثمان بركوب البحر، وسمح له بغزو قبرص على أن يحمل معه امرأته فاختة بنت قرظة وولده، حتى يعلم أن البحر هين كما صوره، له، وأمره بعدم إجبار الناس على الركوب معه إلا من اختار الغزو طائعًا٤.
وفور الحصول على موافقة الخليفة، قرر معاوية إصلاح المراكب التي استولى
стр. 376
عليها المسلمون من البيزنطيين، وتقريبها إلى ساحل حصن عكا الذي أمر بترميمه، كما رمم ثغر صور١، وكتب إلى أهل السواحل بالاستعداد لغزو قبرص التي اختارها هدفًا عسكريًا لنشاط الأسطول الإسلامي، بفضل وضعها الجغرافي المتميز آنذاك، كقاعدة لغزو القسطنطينية.
وخرج معاوية على رأس حملته الأولى على الجزيرة في عام "٢٨هـ/ ٦٤٩م"٢، وتألف الأسطول الإسلامي من مائة وعشرين مركبًا بقيادة عبد الله بن قيس٣، وخرج معه جمع من الصحابة منهم أبو ذر الغفاري، وعبادة بن الصامت، وزوجته أم حرام، والمقداد بن الأسود وغيرهم٤.
وصادف الأسطول الإسلامي، وهو في طريقه إلى قبرص، بعض المراكب البيزنطية المحملة بالهدايا، وقد بعث بها ملك قبرص إلى الإمبراطور قنسطانز الثاني، فاستولى المسلمون عليها، وعندما وصل الأسطول الإسلامي إلى قبرص رسا على ساحلها، وأغار الجنود المسلمون على نواحيها، وغنموا الكثير من أهلها، واضطر ملك قبرص في ظل عجزه عن المقاومة إلى طلب الصلح، فصالحه معاوية على أن:
- يؤدي أهل الجزيرة جزية سنوية مقدارها سبعة آلاف دينار، كما يؤدون للبيزنطيين مثلها، وليس للمسلمين أن يحولوا بينهم، وبين ذلك.
- يمتنع المسلمون عن غزو الجزيرة، ولا يقاتلون عن أهلها من أرادهم من ورائهم.
- يعلم أهل الجزويرة المسلمين بتحركات البيزنطيين المعادية لهم.
- يعين المسلمون على أهل الجزيرة بطريقًا منهم٥.
الواقع أن هذه الشروط التي فرضها معاوية على مالك قبرص، متواضعة، ويبدو أنه رأى أن الظروف الضرورية للاستقرار في الجزيرة لم تتوفر بعد، وأن الحملة لم تكن أكثر من حملة استكشافية، واختبار قوة البحرية الإسلامية، لكن الدواعي العسكرية دفعته إلى تغيير تفكيره، وذلك في عام "٣٢هـ/ ٦٥٣م"، حين ساعد أهل الجزيرة البيزنطيين، في حربهم ضد المسلمين، وأعطوهم بعض المراكب من أجل ذلك، فنقضوا الصلح المبرم بينهم وبين المسلمين، مما حمل معاوية على غزو الجزيرة
стр. 377
للمرة الثانية في عام "٣٣هـ/ ٦٥٤م" ففتحها عنوة، وأخذ السبي منها وأقر أهلها على صلحهم، وعمد إلى تمصيرها، واستقرار المسلمين فيها، فبعث إليها اثني عشر ألفًا من أهل الديوان المكتتبين، فبنوا بها المساجد، كما نقل إليها جماعة من أهل بعلبك، وبنى بها مدينة، وأقاموا يعطون الأعطيات إلى أن توفي١.
غزو الجزر البحرية:
تتابعت الغارات الإسلامية على جزر البحر المتوسط، مثل أرواد وكوس ورودس، وهي التي تتحكم في المضائق البحرية، وبدأ المسلمون بجزيرة أرواد قرب ساحل بلاد الشام بين طرابلس وجبلة، أمام مدينة أنطرطوس، وقد هاجمتها الحملة الأولى العائدة من قبرص، ونزل الجنود المسلمون على أرض الجزيرة، لكن أهلها اعتصموا بالقلعة، فلم تفتح إلا في عام "٢٩هـ/ ٦٥٠م" في الوقت نفسه التي فتحت فيه جزيرة كوس٢، غير أن البلاذري يذكر أن جزيرة أرواد فتحت في عام "٥٤هـ/ ٦٧٤م" على على يد جنادة بن أبي أمية، وأسكنها معاوية المسلمين٣، والواقع أن الحملات البحرية كانت تتوالى على هذه الجزر، ولم يتسن للمسلمين إخضاعها في حملة واحدة، أو عام واحد.
غزوة إفريقية:
كان عمرو بن العاص قد أمن حدود مصر الغربية بفتح برقة صلحًا في عام "٢٢هـ/ ٦٤٣م"، وفتح طرابلس الغرب عنوة في العام التالي، وفي عام "٢٧هـ/ ٦٤٨م"، ولي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فاستأنف عمليات الفتوح، وكان البيزنطيون يسيطرون على إفريقية، فأرسل سراياه إلى أطراف هذه البلاد، ثم استأذن عثمان بغزوها، فأذن له، وأرسل إليه مددًا بقيادة الحارث بن الحكم٤، وخرج عبد الله بن سعد بن أبي سرح على رأس جيش كثيف قاصدًا قرطاجنة٥، وهي مركز تجمعات الجيوش البيزنطية بقيادة جرجيوس، فلما علم القائد البيزنطي بزحف المسلمين حشد جيشًا مؤلفًا من مائة وعشرين ألف مقاتل٦، واصطدم بهم في مكان يبعد عن سبيطلة٧ يومًا وليلة، وتبادل الطرفان النصر والهزيمة، ولم يحقق أي منهما انتصارًا واضحًا، ولم يتغير الموقف العسكري لصالح المسلمين إلا عندما أرسل الخليفة عثمان مددًا بقيادة عبد الله بن الزبير، وقتل القائد البيزنطي في المعركة، وفر من نجا من
стр. 378
جنوده في كل اتجاه، ودخل عبد الله بن سعد بن أبي سرح مدينة سبيطلة، وبث جنوده في البلاد، وبلغ قفصة١، وفتح حصن الأجم جنوبي القيروان، ويبدو أنه اكتفى بهذه الفتوح القليلة، فعقد صلحًا مع زعماء البلاد من البربر، وعاد إلى مصر دون أن يترك أثرًا يذكر، إلا أن غزواته التي تمت على هذا النحو كانت تجربة مفيدة للمسلمين إذ أوقفتهم على حال هذه البلاد، وعلى مدى أهميتها إليهم.
غزو بلاد النوبة:
بعد عودة عبد الله بن سعد بن أبي سرح من إفريقية قام بغزو بلاد النوبة، فبلغ عاصمتها دنقلة، وذلك في عام "٣١هـ/ ٦٥٢م"، واصطدم بأهلها في قتال شديد إلا أنه لم يتمكن من فتحها، فهادنهم وعقد صلحًا معهم، وهو أشبه بمعاهدة اقتصادية بين مصر وبلاد النوبة، فتمد مصر هذه البلاد بالحبوب والعدس، ويرسل النوبيون الدقيق إلى مصر٢.
معركة ذات الصواري ٣:
نتيجة لانتصارات المسلمين في البحر المتوسط خشي الإمبراطور البيزنطي من تعاظم القوة البحرية الإسلامية، والتي سوف تشكل خطرًا مباشرًا على الوجود البيزنطي في الحوض الشرقي لهذا البحر، بالإضافة إلى تهديد القسطنطينية، كما ترامت إلى مسامعه أخبار الاستعدادات الضخمة، البرية والبحرية، التي يقوم بها معاوية لغزو القسطنطينية، لذلك كان لا بد من مواجهة الموقف بتحطيم هذه القوة الإسلامية النامية في مهدها، وعندما علم عثمان بنوايا البيزنطيين المعادية، أمر معاوية بن أبي سفيان بإعداد أسطول ضخم من السفن، ويحشد الجنود، والعتاد إلى جانب حشد بري ضخم، تمهيدًا لتسيير حملة برية -بحرية، لمهاجمتهم، وتشير روايات المصادر إلى أن معاوية خرج من دمشق مع أهل الشام في عام "٣٤هـ/ ٦٥٤م" على رأس الحملة البرية، وأبحرت في الوقت نفسه السفن من ميناء طرابلس بقيادة بسر بن أبي أرطأة، وانضمت إلى الأسطول القادم من مصر بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح، واجتمع الأسطولان بساحل مدينة عكا، وانطلقا باتجاه الشمال، وبلغ تعداد الأسطول الإسلامي مائتي سفينة ونيف٤.
стр. 379
وصل معاوية بقواته إلى قيصرية في كبادوكيا بآسيا الصغرى، في حين كانت السفن الإسلامية تقترب من مياه الدولة البيزنطية، عند الساحل الجنوبي لآسيا الصغرى، ومن جهته خرج الإمبراطور البيزنطي من عاصمته على رأس أسطوله الذي تراوح عدد سفنه بين خمسمائة وألف، بحيث "لم يجتمع للروم مثله قط منذ كان الإسلام"١.
والتقى الأسطولان قرب شاطئ ليكيا عند ميناء فوينكس في "شهر محرم عام ٣٤هـ/ شهر تموز عام ٦٥٤م"، وخشي المسلمون من أن تكون الغلبة لعدوهم، إذا هالهم الأسطول البيزنطي، ولم يكن قد سبق لهم أن خاضوا معركة بحرية ضد أسطول ضخم كهذا، وقد عبر أحد المقاتلين المسلمين، وهو مالك بن أوس بن الحدثان، عندما شاهد ضخامة الأسطول البيزنطي بقوله: "فالتقينا في البحر، فنظرنا إلى مراكب ما رأينا مثلها قط"٢.
أجرى المسلمون اتصالًا مع البيزنطيين قبل بدء القتال، وعرضوا عليهم أن يكون القتال على الساحل، وإن شاءوا فالبحر، ففضلوا القتال في الماء لثقتهم بقدرتهم القتالية في البحر من جهة، ونظرتهم إلى المسلمين على أنهم بدو يجيدون ركوب الجمال، والقتال في البر، من جهة أخرى٣.
ونفذ الإمبراطور البيزنطي الذي قاد المعركة بنفسه خطة ذكية، لإنهاك المسملين بأن دفعهم لرمي البيزنطيين بالسهام، والقسي حتى نفدت ذخيرتهم، ولم يحاول الاقتراب بسفنه من السفن الإسلامية، فاضطر المسلمون بقذفهم بالرماح والحجارة، عند هذه المرحلة من أحداث المعركة اطمأن الإمبراطور البيزنطي على سلامة وضعه العسكري، وظن أن الانتصار بات من نصيبه، وأن البيزنطيين لن يحتاجوا إلا إلى هجمة واحدة حتى يحطموا الأسطول الإسلامي، وردد قوله: "غلبت الروم"، لكن المسلمين غيروا خطة القتال عندما نفدت ذخيرتهم، فربطوا سفنهم إلى بعضها، واصطفوا على ظهورها متسلحين بالسيوف والخناجر، وقذفوا السفن البيزنطية بالخطاطيف، والكلاليب وجذبوها إليهم، وبذلك تحولت ظهور السفن إلى ميدان قتال، فحولوا بذلك المعركة البحرية إلى معركة أقرب ما تكون إلى المعارك البرية، وأمام هذا التغيير السريع والمفاجئ في سير المعركة، ارتبكت القيادة البيزنطية، وفقدت السيطرة على عوامل الانتصار، بل أيقن الإمبراطور حينئذ
стр. 380
بأن الهزيمة ستحل بقواته من واقع أن المسلمين أكثر ثباتًا في قتال من هذا النوع، استغل المسلمون تضعضع القوة الميدانية للبحرية البيزنطية، والفوضى التي بدت في صفوف البيزنطيين حيث كانوا "يقاتلون على غير صفوف"، فوثبوا إلى السفن البيزنطية، وقاتلوا البيزنطيين قتالًا شديدًا، وانتصروا عليهم، وأصيب الإمبراطور بجراح، وفر من مكان المعركة١.
أما تسمية المعركة بذات الصواري، فتعود على الأرجح إلى كثرة عدد صواري السفن التي اشتركت في المعركة، على الرغم مما يستدل من رواية الطبري بأن ذات الصواري اسم للمكان الذي جرت فيه المعركة٢.
نتائج معركة ذات الصواري:
- أكد هذا الانتصار قوة المسلمين البحرية النامية، وقارن المؤرخون بينها وبين معركة اليرموك البرية.
- تعد هذه المعركة من المعارك الحاسمة في التاريخ الوسيط؛ لأنها حولت العلاقات الإسلامية -البيزنطية نحو اتجاه جديد في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، إذ إنها عدت المدخل الذي أطل منه المسلمون على العالم الوسيط كقوة بحرية منافسة في المنطقة.
- تخلي الإمبراطور البيزنطي قنسطانز، ومن جاء بعده من الأباطرة، عن فكرة طرد المسلمين من الأراضي التي فتحوها في شرقي البحر المتوسط، والاكتفاء بتأمين الدفاع عن الأراضي البيزنطية في الجبهة الجنوبية من آسيا الصغرى.
- أفاد هذا التغيير في الخطط العسكرية البيزنطية الدولة الإسلامية في وقت دخلت فيه في دور من القلق، والنزاع الداخلي بسبب مقتل عثمان، والحرب الأهلية بين علي ومعاوية، حيث ساد الهدوء العلاقات العسكرية بين الجانبين.
- أضاعت هذه المعركة آخر فرص البيزنطيين لاستعادة مواقعهم في بلاد الشام، ومصر حيث كان اعتمادهم على التفوق البحري.
стр. 381
الفصل الثاني عشر: الفتنة الكبرى ومقتل عثمان
تمهيد:
أدى استقرار الموجة الأولى من الفاتحين المسلمين في الأقطار المفتوحة، إلى نشوء بيئة اجتماعية جديدة تعيش فيها مختلف شرائح المجتمع الفاتح، وجسد تخطيط المدن الإسلامية، وبخاصة الكوفة والبصرة، استقرار القبائل التي حملت عبء الفتوح، في الأراضي المفتوحة، وترسيخ سيطرتها بشكل مثير للانتباه، وساهم تدفق الأموال، وتكديس الثروات في المدينة، والأمصار نتيجة الفتوح؛ في خلق طبقة اجتماعية جديدة أخذت في النمو بحيث أضحى من الضروري إعادة تنظيم هيكل الحياة الاجتماعية، فهناك الأمصار بما تحويه من المقاتلين المتفرغين للجهاد، وهناك أيضًا السلطة المركزية في المدينة مع بيت مالها، وولاتها وعمالها، تتابع دورها الرئيس كمشرفة على نشاط المقاتلين، وعلاقتهم بالأرض التي يفتحونها، والشعوب التي ينتصرون عليها.
والواقع أن تدفق الأموال على بيت المال، وتكديس الثروات في أيدي الطبقات الاجتماعية، ترك آثارًا على مختلف نواحي الحياة، فقد تدفقت الأموال على المدينة، وتركزت فيها حيث كانت تنقل إلى هناك في ظل قلة النفقات، فالعطاء لا يطال سوى بضع مئات، أو آلاف من الناس لا يمكن مقارنتهم مع التجمعات الضخمة في العراق وبلاد الشام، كما أن المدينة لم تكن تشارك في النفقات الإدارية، والعسكرية التي كانت تجبى محليًا في الأمصار، كما وجدت الثروات طرائقها إلى المقاتلين، والقادة والتجار وحتى المواطنين العاديين، فتركزت القوة المالية والعسكرية في الأمصار، فأغرت أصحابها بالاستمتاع بها، ودفعت بعضهم إلى حياة البذخ والترف.
كان من الطبيعي أن تفرز هذه الحياة الجديدة علاقات أخرى أكثر ملاءمة بين الحكم في المدينة، وجمهور القبائل تتناسب مع التوجهات المفرزة، وتفتح آفاقًا جديدة للتطور الاجتماعي والسياسي، كان لا بد أن يصطدم مع سيادة المدينة
стр. 382
وهيمنتها على القرار السياسي من واقع إعادة هيكلية، وتحديد وظيفة الخلافة وصلاحيات الخليفة على حساب دور القبائل ومنزلتها.
ويبدو أن أول ما وقع الاختلاف بين المعارضة، وعثمان حين خطأ بعضهم بعضًا في أشياء نقموها عليه، وكان المسلمون بعامة، قبل ذلك يختلفون في الفقه ولا يخطئ بعضهم بعضًا١.
والواضح أن هذه الظاهرة تعكس النوعية السياسية الجديدة التي حاول عثمان إحداثها في تاريخ الأمة الإسلامية، إذ إن الخلافات والمناقشات قبل أن يتسلم الخلافة، كانت تحدث في إطار واحد مشترك، وضمن هيكل اجتماعي متفق عليه من قبل جميع الأطراف، تمثل في الفقه فقط، أي في القضايا التنفيذية الإجرائية٢.
أما سياسة عثمان الإدارية والمالية، فعلى الرغم من أنها حافظت على النبي الاجتماعية التوزيعية، والتراتبية المنبثقة عن الفتوح٣، إلا أنها مست أمورًا رئيسية في النظام السياسي، وإن حافظت على القضايا الجوهرية مثل الفتوح، والموقف من المشروع الأساسي للمجتمع الإسلامي، وطرحت قضايا جديدة كانت موضوعًا للمناقشة، وخالفت سياسة عمر بن الخطاب في طريقة ترتيب الأمور، كما تبلورت في سياق استقرار الموجة الأولى للفتوح فارضة قضايا جوهرية، مثل الموقف من بيت المال، وتعيين الولاة واختيار قادة الأمة وغيرها، الأمر الذي أثار نفاشًا حادًا، وعلنيًا بين كبار الصحابة.
كانت النتيجة الحتمية لهذا التطور نشوء معارضة سياسية ضد الخليفة في ظاهرة لم تشهدها الأمة الإسلامية من قبل، وانزلق المسلمون في متاهة الفتنة، التي أدت إلى مقتل الخليفة.
والواقع أن قسمًا من الانتقادات التي ستوجه إلى عثمان، والتي سيجري التذكير بها لتعبئة الرأي العام، رد فعل لهيمنة الأمويين على مقدرات الخلافة، واستثارهم بالنفوذ، والسلطان مع تباطؤ الخليفة في العمل على الحد من اندفاعهم، أو محاسبتهم، وقد ظهرت الانتقادات في وسط الصحابة مبدئيًا، وهم الذين شعروا بأنهم المعنيون سياسيًا، ودينيًا أكثر من غيرهم بمصير الأمة الإسلامية، إلا أنهم تكتموا في البداية تجاه تجاوزات الأسرة الأموية، وسكوت الخليفة عنها، أما الذين
стр. 383
إله إلا الله"١، كما أن هذا القرار يعد خطوة خطيرة، وتجاوزًا لمبادئ الإسلام، وتشجيعًا للقاتل على جريمته، ومخالفة لرغبة عمر بمعاقبة ابنه، مع الإشارة إلى أن اليعقوبي انفرد بقوله: "إن عمر أوصى أن يقاد عبيد الله بالهرمزان"٢ إلا أن هؤلاء لم يتسرعوا في الحكم على عثمان بسبب هذه القضية نظرا لانقسامهم تجاهها، ثم لمكانة عمر بن الخطاب في نفوسهم، ولما كانوا يرونه من رعاية حقه في أهل بيته، إلا أن ذلك أعطى جمهور الصحابة، وعامة المسلمين مؤشرًا واضحًا على أنهم أمام سياسة جديدة لخليفة جديد، على الرغم من تأكيداته المتكررة بأنه يسير على النهج نفسه الذي سار عليه من سبقه من الخلفاء٣.
والواقع أن حجج المعارضين واهية لا تثبت أمام النقد البناء، إذ إن حقيقة إسلام الهرمزان مشكوك فيها "لما عضه السيف قال: لا إله إلا الله"، الأمر الذي يعني دفاعًا غير مباشر عن عبيد الله بن عمر الذي قتل رجلًا أسلم بعد أن طعنه وليس قبل ذلك، والفارق بين الأمرين كبيرًا جدًا٤، ثم إن قرار الخليفة بدفع دية القتلى من ماله الخاص، بوصفه ولي القتلى، ثم بعد مشاورة الصحابة، وجمهور المسلمين الذين رفضوا قتل عبيد الله بن عمر٥.
السماح للقرشيين الانسياح في الأمصار:
الواضح أن الظروف السياسية، والاجتماعية التي ترك عليها عمر بن الخطاب المسلمين بعامة وقريشًا بخاصة، من واقع شدته وقسوته، فرضت اتجاهًا قرشيًا يطالب باستبدال هذه القسوة باللين، وبفك القيود والحصار عنها، وإنهاء التقليد الذي فرضه، وذلك لحرص القرشيين على جمع الأموال، والوصول إلى السلطة، وهو ما أثبتته التطورات اللاحقة.
ويبدو أن هذه العلاقة الحذرة بين عمر، وقريش ليست جديدة، بل كانت موجودة من قبل، فقد خشي أهل الشام، وأعني وجوه الناس من قريش الذين استقروا في هذا البلد، حين سمعوا بمرض أبي بكر، أن يستخلف عمر؛ لأن عمر ليس لهم بصاحب وهو يرون خلعه، فأرسلوا رسولًا لاستطلاع الأمر٦.
والواقع أن عمر كان له رأي خاص في انتشار قريش في الأمصار، وتكديس
стр. 384
القرشيين للأموال، وذلك من خلال أن هذا التطور سوف يبعد هؤلاء عن الأجواء الأولى لظهور الإسلام١، لذلك ضيق على المهاجرين بخاصة، وعلى قريش بعامة وحصرهم في المدينة، ومنعهم من التنعم بثمار الفتوح، مما دفع القرشيين إلى بذل جهود حثيثة بعد وفاته كي يصل إلى منصب الخلافة شخص مغاير لتفكير عمر، وقد نجحوا في ذلك، فكان اختيار عثمان الذي انتهج سياسة حياتية، واجتماعية استهدفت النزوع نحو الانفراج من واقع البيئة الجديدة التي أفرزتها الفتوح، ولهذا كان نهجه المرن، والمتحرر متوافقًا مع تطلعات القرشيين، ومقرونًا بها٢.
إذن لم تكن القضية تعديلًا جزئيًا ناتجًا عن اجتهاد عثمان، بل كانت قضية نموذج سياسي وقيادي، قدمه الخليفة لإعادة صياغة وظيفة الخلافة، ومحاولة فك ارتهانها بسلوك القبائل، وذلك بالارتباط الوثيق مع اتجاهات التطور الاجتماعي داخل الأمة الإسلامية التي أوصلته عمليًا للخلافة٣.
فلما ولي عثمان أذن لكبار الصحابة بالخروج إلى أي مكان يريدون، فانتشروا في الأمصار، واتصلوا بالقوى العسكرية، وبأهل البلاد الوطنيين، وجمعوا الثروات، وكدسوا الأموال من خلال امتلاكهم الضياع، وأشادوا القصور، وشكلوا طبقة غنية مترفهة، والتف المسلمون حولهم بوصفهم زعامات دينية ساعدت النبي ونصرته، وأنشأوا لأنفسهم عصابات بما كانوا يضفونه على أتباعهم من هبات وأعطيات، فعظمت مراكزهم، وكثر أتباعهم والموالون لهم حتى أضحى كل فريق منهم يتمنى أن تصير الخلافة في يد صاحبه لتكون لهم الحظوة عنده٤.
واتخذ عثمان قرارًا في عام "٣٠هـ/ ٦٥٠م" يتوافق مع توجهاته سمح بموجبه بحرية تبادل، وبيع الأراضي بصورة شخصية٥، والواضح أنه رأى أن أهل المدينة الذين شاركوا في المعارك الكبرى كالقادسية كان لهم الحق بنصيب من تلك الأراضي المفتوحة، وبما أنهم كانوا يقيمون في الحجاز، فقد أجاز لهؤلاء ممن كانت لهم أرض في الجزيرة العربية، أي في الحجاز، واليمن وحضرموت، بمقايضتها بنصيب أهل المدينة من أراضي الفيء في العراق كما أجاز بيع الأسهم من الفتوح.
وهكذا سيكون لهؤلاء مقابل اشتراكهم في حروب الفتوح أراض تقع في الجزيرة العربية، وبالمقابل سيحصل آخرون على أرض في سواد العراق بدلًا من ممتلكاتهم
стр. 385
في الجزيرة العربية التي يريدون مقايضتها، مع فارق قيمة الأرض الزراعية بين المنطقتين.
وقد هدف عثمان إلى تعزيز مواقع المهاجرين، والأنصار في الأمصار حيث كانت الكلمة العليا للقبائل أي للمتأخرين في الإسلام، وطمح في تثبيت أملاك، وتحسين أوضاع أهل الفضل، والقدم والسابقة في الفتوح.
وهكذا جرت حركة واسعة من البيع، والتبادل أدت عمليًا إلى تركيز أراضٍ واسعة في الأمصار في أيدي الأغنياء من القرشيين، وبعض زعماء القبائل الذين كانوا يملكون شيئًا في الجزيرة العربية، أو حتى أولئك الذين كانوا يملكون المال، وتمت هذه الاستفادة على حساب الكثير من العامة من الجمهور القبلي الذي حمل عبء الفتوح بسيوفه١.
والواقع أن قرار عثمان لاقى قبل تنفيذه تأييد الصحابة، وموافقتهم؛ لأنه خفف أعباء إدارة أملاكهم، كما شجع الناس على الإقامة في أمصارهم، وحال دون انتقالهم منها، لذلك فإن أي نتائج سلبية نتيجة تطبيق هذا القرار يجب أن لا توجه إلى الخليفة وحده، ومن جانب آخر إن حجم ممتلكات الصحابة الكبير نما باطراد خلال الأعوام التي سبقت عهد عثمان، ومع ذلك، فإن ما قام به الخليفة أثار نتائج خطيرة، أبرزها أنه خلق فجوات اقتصادية كبيرة في الأمصار بخاصة، وتحديدًا في الكوفة بين المهاجرين القدامى من أله الأيام والقادسية، وبين المهاجرين الجدد "الروادف" مما أدى إلى تنكر القبائل لاحقًا لهذا القرار مشيرة إلى دوافعه وعواقبه، وقد خلق تمييزًا بين وضعية أراضي الخراج، وأراضي الصوافي من الفيء، كما كرهه المستفيدون منه؛ لأنه يخرج الأمور من التباس تمكن الإفادة منه، وكرهه أهل الأيام أيضًا الذين رأوا أن تبادل الأراضي أدى إلى تقلص أراضي الصوافي، واتهموا القرشيين برغبة الاستيلاء على أراضيهم، وكان أحد أسباب تمرد أهل الكوفة على ولاتهم في عام "٣٣هـ/ ٦٥٣- ٦٥٤م"٢.
نذكر من بين الشخصيات التي أثرت، واغتنت نتيجة تطبيق هذا القرار، الزبير بن العوام الذي بنى دارًا له في كل من البصرة، والكوفة والإسكندرية، كما امتلك الدور والضياع٣، والواضح أن هذا الصحابي لم يكن حالة فردية، بل مثل القسم الأكبر
стр. 386
من نخبة قريش الذين أخذوا يجمعون الثروات بشكل ملفت، بالاستناد إلى مراكزهم، ومواقعهم المميزة في المجتمع من خلال تدبر شئون الأمة الإسلامية، وتنظيم حياتها في الأمصار المفتوحة، وكان كل من طلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن العاص، وزيد بن ثابت على هذا النمط.
دعم عثمان سياسته هذا بإقطاع الصوافي، وهو أول من تصرف بها، وأقطع الأراضي في الإسلام، ويشير البلاذري إلى هذا التوجه بقوله: "أول من أقطع العراق عثمان بن عفان، أقطع القطائع من صوافي كسرى، وما كان من أرض الجالية"، وسمى الذين أقطعهم١.
والمعروف أن سواد العراق اشتهر بخصوبته، وهو ينقسم إلى قسمين: أراضي الخراج التي كانت تضم القسم الأكبر، وتستخدم في تمويل العطاء العراقي، وربما عطاء المدينة، وأراضي الصوافي أو الفيء العائدة لمقاتلة القادسية وجلولاء، والتي كان يديرها ممثلوهم من أهل الأيام، ويزودونهم بالمكاسب والأرباح الإضافية٢، وتعد هذه أراضٍ يمكن التصرف بها.
جاءت خطوة عثمان هذه كنتيجة لتقديره الصائب لتطورات أوضاع المسلمين في الأمصار، لقد أدت الفتوح إلى نزوح أعداد سكانية هائلة من الجزيرة العربية إلى الأمصار المفتوحة، وبالتحديد إلى الكوفة والبصرة، وطغت على نواة الأمة الإسلامية من المهاجرين والأنصار، وأهل الفضل والسابقة التي أضحت تشكل أقلية عددية، وقد أدرك عثمان ذلك، وكان يرفض أن يميل ميزان القوى السياسي لصالح القبائل على حساب هؤلاء، لذلك أراد دعمهم، وتقوية سيطرتهم على المراكز القيادية بنقل الفيء إلى أيديهم مباشرة حتى تترسخ أموالهم وأملاكهم، من هنا جاءت دوافع الأقطاع العثماني، والتصرف بأراضي الصوافي، ونقل ملكيتها إلى قدماء المسلمين، كان فحوى هذا النظام، التكريس المالي، والأخلاقي لرئاسة قريش على القبائل، ومن الواضح أن سياسة كهذه ما كان لها أن تمر دون معارضة جدية من قبل القبائل في مواقعها الأساسية في الكوفة، والبصرة، ومصر٣.
والواضح أن توقف الفتوحن، وزوال وأردت الغنائم دفع أهل الأمصار إلى الاعتراض على إعطاء أهل المدينة من فيئهم، ودعوا إلى توزيع وارد كل مصر على
стр. 387
من فيه من المقاتلة بوصفه مال المسلمين، في حين الخليفة يعده مال الله، أي مال الدولة، فضجوا بالشكوى من عثمان وعماله١، ولعل في مطالبة وفود مصر التي استقرت في المدينة دليلًا واضحًا على ذلك "نريد ألا يأخذ أهل المدينة عطاء، فإنما هذا المال لمن قاتل عليه، ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم٢".
موقف عثمان من بيت المال:
تتباين روايات المصادر حول تصرف عثمان في أموال بيت مال المسلمين، وذلك من خلال ميول أصحابها المذهبية والسياسية، وتقييمهم لنهج عثمان على ضوء ذلك، فقد انتقد اليعقوبي أعمال عثمان ونهجه، في حين أبرز البلاذري الانتقادات التي وجهت إلى عثمان، ونحا الطبري منحى آخر دافع فيه أحيانًا عن أعمال عثمان.
والراجح أن عثمان بوصفه خليفة للمسلمين، وإمامًا لهم، كانت له وجهة نظر خاصة، من واقع وظيفته القيادية، تعطيه الحق في حرية التصرف في بيت المال ضمن حدود المصلحة العامة.
يروي البلاذري أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أخا عثمان في الرضاعة وعامله على المغرب، غزا إفريقية في عام "٢٧هـ/ ٦٤٨م"، ففتحها وأصاب فيها غنائم كثيرة، وكان معه مروان بن الحكم، فكتب إليه يأمره بتقديم خمس غنائم إفريقية إلى مروان، وكانت قيمتها مائة إلى مائتي ألف دينار، فوهبها له فأنكر الناس ذلك على عثمان٣.
ويستنتج من رواية الطبري لهذا الحدث أن والي مصر عمرو بن العاص هو الذي منح أمير جيشه عبد الله بن سعد بن أبي سرح خمس خمس غنائم إفريقية تنفيذًا لوعد قطعه، الأمر الذي أثار سخط المسلمين، فأرسلوا إلى عمرو بن العاص وفدًا طالبه بعزل أميرهم، واسترجاع ما استولى عليه من أموال، فوافق على ذلك٤.
وأثار الطبري الشك في صحة رواية الواقدي التي تحدثت عن تقديم عثمان إلى مروان بن الحكم ثلاثمائة قنطار ذهب، كان قد صالح عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح زعماء إفريقية، "فأمر بها عثمان لآل الحكم، قلت: أو لمروان؟ قال: لا أدري"٥.
стр. 388
وتحدث الطبري عن إعادة عثمان إلى بيت مال المسلمين مبلغ خمسة عشر ألف دينار كان قد وهبها إلى مروان بن الحكم، تلبية لمطالب الصحابة له باستعادتها١.
وفي عام "٣٠هـ/ ٦٥١م" زوج عثمان ابنته من عبد الله بن خالد بن أسيد، وأمر له بستمائة ألف درهم، وكتب إلى عبد الله بن عامر أن يدفعهما إليه من بيت مال البصرة٢، ويشير الطبري إلى أنه أعادها إلى بيت المال٣، والحقيقة أن عثمان الذي اشتهر بالثراء، قسم ماله وأرضه في بني أمية٤، وكان يمنح أقاربه هبات مالية إضافية من بيت مال المسلمين لقضاء حاجة طارئة، أو ضرورية، ثم يستردها، على الرغم من أن بعض رواة المصادر يسكتون عن عملية الاسترداد لإثارة الرأي العام ضده.
لم يركن عثمان إلى السكوت، بل دافع عن نفسه في وجه الانتقادات المالية التي وجهت إليه، واعترض صراحة بأن ما يمنحه لأقاربه من هبات هي من ماله الخاص، فقال: "إني أحب أهل بيتي وأعطيهم، فأما حبي فإنه لم يمل معهم على جور، بل أحمل الحقوق علهيم، وأما إعطاؤهم فإن ما أعطيهم من مالي، ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي، ولا لأحد من الناس"٥.
ومهما يكن من أمر، فإنه لا بد من تقدير هذه الأحداث المتعلقة بخاصية التطورات التاريخية التي عاشتها الأمة الإسلامية في عهد عثمان، وتكمن أهميتها في أنها غيرت قاعدة السلوك المتبعة منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب، ففي حين كان ديوان الخليفة الثاني يقوم على مبدأ ثابت، وهو أن الفيء مال المسلمين لا يحق لأحد أن يتصرف به، نشأت في عهد عثمان مصطلحات فقهية جديدة من واقع رؤية هذه الخليفة لماهية، ووظيفة الخلافة، وربط بشكل طبيعي بين تحمل المسئولية السياسية، والقيادية للمسلمين، وبين حرية التصرف في بيت مال المسلمين، إنما ضمن حدود المصلحة العامة لتسيير شئون الحكم، وعلى أن لا ينفق مال المسملين في مصاريف خاصة، وقد أثارت هذه القضية مناقشات علنية بين الصحابة، من واقع تباطؤ بعض المدينين بإعادة الدين إلى بيت مال المسلمين، أو تعمدهم بعدم تسديد ما استلفوه.
ولعل لأبي ذر دورًا محوريًا في تلك المناقشات من خلال رؤيته لماهية المال العام. إذ عندما اجتمع بمعاوية في دمشق سأله: "ما يدعوك أن تسمي مال المسلمين
стр. 389
مال الله؟ قال: يرحمك الله أبا ذر، ألسنا عباد الله والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره؟ قال: فلا تقله، قال: فإني لا أقول: إنه ليس مال الله، ولكن سأقول: مال المسلمين"١.
وحين أعاد معاوية أبا ذر إلى عثمان قال له: "يا أبا ذر ما لأهل الشام يشكون ذربك؟! فأخبره أنه لا ينبغي أن يقال: مال الله، ولا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالًا، فقال: يا أباذر؛ علي أن أقضي ما علي، وآخذ ما على الرعية، ولا أجبرهم على الزهد، وأن أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد"٢.
لقد كان لأبي ذر مفهومه الخاص في ماهية المال العام من واقع تغيير المصطلحات المتداولة في عهد عمر، فقد أجاز هذا الخليفة تلقيبه بـ"خليفة الله"، وأكد أنه خليفة المسلمين، كما أكد أن المال مال المسلمين، الأمر الذي لم يكن له إلا تفسير اجتماعي واحد، وهو أنه مال القبائل التي قامت الفتوح الأولى على أكتافها.
والواضح أنه تتباين تفسيرات هذين المصلحين من حيث الممارسة بين ما كان مفهومًا، ومطبقًا في عهد عمر، وبين المفهوم الجديد، والتطبيق العملي في عهد عثمان، وما كان يمارسه هو وعماله، وهو الذي أدى إلى الخلط، فإذا كان المال مال الله، فسيكون للخليفة حق حرية التصرف به، ولا علاقة مباشرة للمسلمين في هذا الأمر؛ لأن الخليفة هو إمام المسلمين أمام الله، وهذه كانت عمليًا الفلسفة السياسية الكامنة وراء تصرفات عثمان، وقراراته بهذا الشأن٣، لتسيير شئون الحكم.
والمعروف أن تصرفات عثمان في بيت مال المسلمين لم تكن على حساب عطاءات المقاتلة وأرزاق القبائل، إذ إن الظروف السياسية والاقتصادية، والعسكرية التي رافقت تسلم عثمان لمنصب الخلافة أدت إلى تكديس الثروات، وجرى تداولها، وإنفاقها وتخزينها على مختلف المستويات،
فكان لا يأتي يوم على الناس إلا وهم ينالون خيرًا، والواقع أنه كان يسود عهد عثمان بحبوحة مالية بحيث أن كل مسلم كان يأخذ حقه وفق نظام الديوان دونما حاجة إلى المس ببيت المال٤.
تغيير العمال:
ينسجم هذا النهج مع السلوك السياسي للخليفة الخاص بيت المال، لكن الإثارة
стр. 390
التي أحدثتها القرارات التي أصدرها عثمان بشأن تغيير العمال، بين الصحابة، فيها شيء من المبالغة، والحقيقة أن الخليفة انتهج سياسة منسقة، وبشكل تدريجي في تولية أقربائه متجاوزًا شخصيات صحابية كبرى، مثل علي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام وغيرهم من أهل الفضل، والسابقة من المهاجرين والأنصار، متخليًا بذلك عن أسس مجلس الشورى، ونظامه على عهد عمر بن الخطاب الذي كان يفاضل بين المسلمين، وفقًا لمعيار القدم والسابقة، وكان بعضهم حديثي السن، ليس لهم تجربة في الأمور، وليس لهم صحبة برسول الله، وقد تسببت هذه السياسة في انقسام المجتمع الإسلامي في الأمصار، وألبت المصاعب على عثمان، وذلك من واقع سيرة هؤلاء.
ويبدو أن عثمان، بحكم رؤيته الجديدة لصلاحيات الخليفة، وممارسة السيادة، وجد نفسه أنه لا يستطيع التعاون مع الشخصيات القيادية التي أدارت نظام عمر، وساهمت في بنائه، فكان استبدال الأشخاص نقلة نوعية طبيعية لاستبدال المواقف، وارتكب بعض هؤلاء مخالفات مسلكية، وأحيانًا شرعية نفر منها المسلمون، وظنوا أنهم فوق المساءلة، والمحاسبة لقرابتهم من الخليفة.
لقد ثبت عثمان في بداية حياته السياسية عمال عمر سنة أخرى تلبية لطلبه١، إلا أنه عزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة في عام "٢٤هـ/ ٦٤٥م"، وعين سعدًا بن أبي وقاص بدلًا منه، تلبية لوصية عمر لمن يلي بعده بأن يستعمله خشية أن يلحق به أذى من جراء قرار سابق بعزله عن الكوفة٢، إلا أن عثمان أصدر قرارًا بعزله بعد عام من تعيينه بسبب خلافات نشبت بينه، وبين عبد الله بن مسعود، عامل بيت مال المسلمين في الكوفة لإبطاء سعد في رد أموال اقترضها من بيت المال، فارتفع الكلام بينهما، وأدى ذلك إلى انقسام أهل الكوفة، فقد استعان عبد الله بأناس على استخراج المال، واستعان سعد بأناس على استنظاره، فافترقوا وبعضهم يلوم بعض٣، الأمر الذي أثار الخليفة عليهما، فعزل سعدًا من منصبه، وعين الوليد بن عقبة بن أبي معيط على الكوفة بدلًا منه، وهو شقيقه لأمه٤، والمعروف أن الوليد هذا كان مؤمنًا متأخرًا، وأحد الطلقاء، ويشير البلاذري، من خلال نقده لسياسة عثمان، إلى أن الوليد هو أحد الطلقاء الذين غلبوا، وعفي عنهم بعد فتح مكة، وقد وصفه القرآن شخصيًا بصفة.