← История

История · id 9911

تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية

محمد سهيل طقوش

Полный текст (492 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

حزام، بعد وفاة فاطمة، فأنجبت له العباس وجعفرا وعبد الله وعثمان، وقد قتلوا مع الحسين بكربلاء، ولا بقية لهم غير العباس، وتزوج ليلى ابنة مسعود بن خالد النهشلي، فولدت له عبيد الله وأبا بكر، وقد قتلا كذلك في كربلاء. وتوزج أسماء ابنة عميس الخثعمية، فولدت له يحيى ومحمدًا الأصغر١، وعلى عادة العرب، فقد كانت له عدة زوجات كما كان له تسع عشرة سرية، وقد بلغ عدد أولاده الذكور أربعة عشر ولدًا، والإناث سبع عشرة، وقد توفيت بعض زوجاته في حياته وطلق بعضهن، وتوفي وفي بيته أربع منهن٢. اشترك علي في جميع الغزوات باستثناء تبوك؛ لأن النبي خلفه على المدينة، وقد روى كثيرًا عن النبي، كما روى عنه عدد من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، بالإضافة إلى ابنيه الحسن والحسين. اشتهر علي بشجاعته في الحروب، وموقفه يوم خيبر معروف، ودفع إليه النبي براية القيادة، وهو ابن عشرين سنة، وكانت شجاعته تصيب أعداءه بالهلع والارتباك، ولكنه كان يفتقد إلى حزم الحاكم ودهائه، وتنقصه الحنكة السياسية، وعدم التردد في اختيار الوسائل لتثبيت مركزه، وقد سمح هذا لمنافسيه بالتغلب عليه. ولما توفي النبي انهمك علي في تجهيزه ودفنه، وكان يرى أنه أحق المسلمين بالخلافة بعد النبي لما له من السابقة في الإسلام؛ ولأنه أقرب الناس إلى النبي نسبًا وصهرًا، فلما آلت الخلافة إلى أبي بكر بايعه بغض النظر عن المدة التي بقي فيها بدون بيعة. كان علي موضع ثقة أبي بكر، يستشيره في الأمور الهامة، وكذلك كان في أيام عمر الذي لم يكن يقدم على عمل إلا بعد استشارته، وكان أحد أعضاء مجلس الشورى الستة الذين اختارهم عمر لانتخاب أحدهم لخلافته. ظروف تولي علي الخلافة: اتخذ الانقسام الذي أفرزته الثورة على عثمان طابعًا نهائيًا بفعل عمق الجرح، واتساع الهوة بين الفئات المتناقضة التوجهات في المجتمع الإسلامي، وخلق فرزًا اجتماعيًا جذريًا بين الجمهور القبلي من جانب، وبين النخبة القرشية من جانب آخر، بالإضافة إلى ولادة الفرق السياسية، ونشوء الفكر السياسي في تاريخ الإسلام٣.

стр. 422

كان الخيار المطروح بعد مقتل عثمان هو إما العودة إلى نظام عمر الذي اعتمد أساسًا على المصالح القبلية وقيمها، وإما الاستمرار في السير على نهج عثمان من واقع النظام الجديد الذي يعتمد على أولوية المصالح القرشية، وقد توزعت مواقف الصحابة بخاصة، والمسلمين بعامة بين هذين الخيارين، ومثل الصراع بين علي، ومعاوية هذه الثنائية المتناقضة، وقد تبنى الأول مطالب الثائرين في حين جسد الثاني الاستمرارية الحية المباشرة لنهج عثمان. وتواجه الباحث صعوبات عديدة، وهو يرسم صورة الأحداث التي تم من خلالها اختيار الخليفة الراشدي الرابع، وذلك بفعل كثرة الروايات وتناقضها، لكن الدراسة الموضوعية تمكن من استيعاب الواقع التاريخي، إذ إن اختيار علي كان وليد الظروف التي أعقبت مقتل عثمان مباشرة، فقد خلفت حادثة القتل فراغًا سياسيًا كان لا بد من ملئه على وجه السرعة، لهذا كان ضغط الوقت شديدًا على الجميع للإسراع في الاتفاق على مرشح واحد للخلافة، تجمع عليه الأمة، وسط الذهول والانصدام، والحذر والتريث الذي خيم على أهل المدينة. كان الثائرون ما يزالون يسيطرون على المدينة، ويملكون ناصية القرار السياسي والعسكري، إلا أنهم لم يمارسوا السلطة فعليًا، وبدوا مرتبكين وغير متوحدين أمام جسامة الحدث الذي خلقته حركتهم، وافتقروا إلى الرؤية الواضحة للخروج من المأزق، وبالتالي لم يملكوا مشروعًا للحل يمس الخلافة مباشرة، هذا في الوقت الذي أخذ فيه معظم الصحابة يتوارون عن الأنظار في عاصمة الخلافة، مفضلين الابتعاد عن التطورات التي أفلتت من أيديهم، وكان الفراغ في السلطة ينذر بأسوأ النتائج، واشتدت الحاجة إلى منقذ يتمتع بتأييد الأغلبية في التوجهات السياسية، وبخاصة الممثلة لجماعة الثائرين المعنية مباشرة بالوضع القائم١. وهكذا، رشح المصريون عليًا، فاختبأ منهم، وطلب الكوفيون الزبير، فلم يجدوه، فأرسلوا إليه رسلًا، فباعدهم وتبرأ من مقالتهم، وطلب البصريون طلحة، فباعدهم أيضًا وتبرأ من مقالتهم، على الرغم من أن كلًا منهما كان طامعًا بالسلطة، محبًا لها، إلا أن الجو السياسي العام كان لا يسمح بتولي منصب الخلافة من دون الاتهام بممالأة الثائرين؛ الأمر الذي دفع الثائرين إلى التفاوض مع كل من عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، فرفضا وعد كل منهما نفسه قد أخرج من الأمر٢، عندئذ ترك هؤلاء الأمر لأهل المدينة.

стр. 423

توجه بعض الصحابة من المهاجرين، والأنصار نحو علي وخاطبوه قائلين: "إن هذا الرجل قد قتل، ولا بد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحدًا أحق بهذا الأمر منك، لا أقدم سابقة، ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم١. والواضح أن معالم شخصيته وحياته العامة جعلته، آنذاك، رجل الإسلام المهم. والواقع أن الوضع كان استثنائيًا، إذ لا يمكن أن يكون منصب الخلافة شاغرًا،والمسلمون بلا راع، في تلك الظروف العصيبة والمضطربة التي كانوا يعيشونها، ويشير ذلك إلى خطورة الحالة، والقلق من انهاير كل شيء، ولا بد من تنصيب خليفة. كان اسم علي يفرض نفسه، فهو الأكثر نشاطًا من خلال الأزمة، والذي بدا من خلال هذ الموقع المحاور الوحيد بعد انكفاء طلحة، والزبير واعتزال سعد بن أبي وقاص٢، وهم الأربعة الذين بقوا من أهل الشورى، ومثلوا النخبة السياسة في المدينة، كما أنه لم يكن موضع اتهام، غير أن الأمور لم تجر على نحو مؤسساتي، وفقًا لآلية مجلس الشورى التي وضعها عمر، ولا برضى بعض كبار الصحابة وموافقتهم، إنما جاءت كخطوة شعبية دون استشارات، فقد قال جمهور المسلمين: "علي بن أبي طالب نحن راضون به"٣. والملاحظ أن الثائرين الذين كانوا يشكلون عامل ضغط، تراجعوا عن التدخل في هذه العملية معترفين بأن أهل المدينة، وحدهم هم الذين كانوا يمنحون الشرعية، ونجحوا في طي خلافاتهم من مشكلة المرشحين، وهو ما عبر عنه المصريون بقولهم: "أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة، وأمركم عابر على الأمة، فانظروا رجلًا تنصبونه، ونحن لكم تبع"٤. لم يكن علي في البداية راغبًا في تولي الخلافة، وخاطب الذين رشحوه قائلًا: "لا تفعلوا، فإني أكون وزيرًا خير من أن أكون أميرًا"٥، عندئذ صعد أهل الأمصار من ضغطهم، فهددوا أهل المدينة بقتل هؤلاء الثلاثة، علي وطلحة والزبير، وناس كثير، مما دفع عامة الناس بمطالبة علي بقبول البيعة وخوفوه الفتنة، فوافق كارهًا خشية منه على الدين، والمسلمين من مزيد من التمزق، وهدف إلى وأد الفتنة وإعادة تجميع جسم الأمة المتناثر، وترميم النظام القائم للسلطة، وتعزيز التواصل بين القوى

стр. 424

الاجتماعية الجديدة الأكثر اعتدالًا، والأقل تورطًا في القتل التي يمثلها الأشتر وأصحابه١. واشترط علي على أهل المدينة أن تتم بيعتهم له عن عملية شورى يشترك فيها الصحابة من أهل الشورى، وأهل بدر وعامة الناس، وأن تكون علنية في المسجد٢، وذلك حرصًا على جميع كافة المسلمين حوله، وهكذا بايعه من بايع من عامة المسلمين، وكبار الصحابة، ومن بينهم طلحة والزبير٣، وذلك يوم الجمعة في "٢٤ ذي الحجة ٣٥هـ/ ٢٣ حزيران ٦٥٦م"٤، من هنا لا يمكن القول بأن عليًا كان رجل الثائرين، والمنتخب منهم كما سيدعي خصومه، ومن جهة أخرى، فإنه قبل بالتولية في ظروف كهذه، وهذا يعني ضمنًا التسليم بالأمر الواقع، والتحول نسبيًا إلى رهين للثورة٥. الواضح أنه كانت هناك رغبة للعودة إلى النظام من قبل عامة المسلمين بالإضافة إلى الثائرين، لكن المعارضة السياسية لن تصدر عن علي ومن سانده، بل تحولت إلى الذين يريدون الرد على مقتل عثمان، إذا وجدت فئة من كبار الصحابة ستتراجع عن بيعتها بحجة أنها جاءت تحت ظروف قاهرة، إما تحت تهديد السلاح من قبل أهل الأمصار، أو طوعًا انجرارًا مع العامة، أو خوفًا من بطش الغوغاء، وستنخرط في الحرب الأهلية، مثل مثل الزبير وطلحة٦. ويبدو أن الذين استعدوا عليًا تحركوا من خلال دافعين: الأول: هو افتقارهم إلى دور الشريك في السلطة، وما يترتب على ذلك من تهديد لمصالحهم الحيوية. الثاني: هو الخوف على امتيازات لم يعد من السهولة التخلي عنها، والعودة إلى نهج عمر الصارم والمتشدد٧. لكن عليًا أضحى الخليفة الشرعي للمسلمين؛ لأن وجوه الصحابة، والمسلمين من المهاجرين، والأنصار قد بايعوه، وهم أهل الحل والعقد، وإن لم يتوفر لبيعته إجماع كالبيعات الثلاث السابقة، فقد ظل معاوية خارج إطار المبايعة، واعتزل سعد بن أبي وقاص ولم يبايع، كما رفض عدد من الصحابة مبايعته انطلاقًا من كونهم عثمانيين،

стр. 425

مثل حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبي سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج وغيرهم، وتردد الأمويون في البيعة، إذ رأوا في تولي علي الخلافة انتقالًا للسلطة من بني أمية إلى بني هاشم، ثم غادروا المدينة إلى مكة، مثل مروان بن الحكم، والوليد بن عتبة وسعيد بن العاص١، إنه موقف قبلي عشائري. ويبدو أن المزاج العام السائد في الأمصار كان السبب الرئيسي في خلق هذه الأكثرية لصالح علي مما دفع أهل المدينة إلى مبايعته٢، وتمت البيعة بعد خمسة أيام من مقتل عثمان، والواقع أن المفارقة المأساوية في حياة علي العامة هي أنه كان المرشح الأبرز، لكنه كان مع ذلك الخليفة الأكثر إنكارًا، والأشد محاربة٣. حاول علي أن يحيى من جديد نهج عمر، على الرغم من تغير الظروف الموضوعية واختلافها كثيرًا؛ لأنه كان يرى أنه الشكل التنظيمي السليم لأوضاع الأمة، وتطورها، وأمورها المصلحية، بالإضافة إلى القيم والمبادئ الدينية، والمعروف أن الرجلين كان يحملان الرؤية نفسها للعلاقة بين الإسلام كدين، وبين تنظيم معاملات الناس بموجب تعاليمه، وأدرك أن مهمته الأولى هي تنقية، وتصفية أجواء العلاقة بين الإدارة المركزية في المدينة، وبين الأمصار. ولتحقيق ذلك، كان عليه القيام بإزالة جميع الإحداثات التي أتى بها عثمان، والتي أدت إلى نهايته، وكان تنفيذها مقرونًا بتغييرات جذرية في أجهزة الحكم، وسياسة الدولة الإدارية والاقتصادية، وتشير الكثير من روايات المصادر إلى تحفظات علي على الكثير من إجراءات عثمان السياسية، والاقتصادية الجديدة؛ لأنه كان يرى فيها ابتعادًا عن نهج النبي وخليفتيه. كان التغيير الأكثر إلحاحًا من وجهة نظر علي، هو إعادة النظر في الجهاز الإداري المسئول مباشرة، بوصفه الأداة التنفيذية للخلافة، وذلك من واقع تغيير العمال والموظفين، غير أن التصدي لرواسب النظام السابق كان يعني المواجهة مع قوى نافذة بلغت مبلغًا كبيرًا من القوة، بالإضافة إلى الاصطدام مع عدد من كبار الصحابة الذين وقفوا موقفًا سلبيًا، لذلك كان من الضروري أن يسبق هذا القرار بالتغيير اتخذا خطوات تمهد لتنفيذه من أجل تجنب إثارة المعترضين، وهذا ما أشار به عبد الله بن عباس، وهو الإبقاء على عمال عثمان، وبخاصة معاوية٤، ونصحه المغيرة بن شعبة

стр. 426

بالتريث في هذا المر حتى تهدأ الأوضاع وتستقر، وتتوطد له أسباب الحكم، ثم ينظر ما يكون١. والراجح أن عليًا أدرك ذلك، إلا أن موقف الثائرين في المدينة، والجو العام في الأمصار المشحون بالنقمة؛ كان ضاغطًا، بالإضافة إلى ذلك فإن مبدأ التغيير كان يعني الشمولية وعدم التجزئة٢، كما كان شديدًا في الحق لا يستطيع أن "يراهن في دينه"٣، ولم يكن بوسعة أن يلجأ إلى مهادنة ولاة عثمان، والمعروف أن خلع عمال عثمان كان أحد مطالب الثائرين، والمعارضين من القبائل في الكوفة، والبصرة ومصر، لهذا كانه إبعاد عمال عثمان عن الوظائف العامة مسألة مبدئية تصعب المساومة عليها، فالقضية لم تكن أساسًا قضية أشخاص، بل قضية مبدأ ونهج وتصور، بالإضافة إلى أنه كان لا يثق بهم، ولا يمكنه التعامل معهم بفعل اختلاف وجهات النظر بشأن ممارسة الخلافة٤. ومن خلال هذه الرؤية السياسية التي جاءت متسرعة، وهذا الموقف المتصلب، صدر الأمر بعزل ولاة عثمان، واستبدالهم بفئة جديدة غير متورطة في السياسة، وليست لأسمائها شهرة كبيرة خارج المدينة، فبعث قثم بن العباس واليًا على مكة، وعثمان بن حنيف واليًا على البصرة، وعمارة بن شهاب واليًا على الكوفة، وعبيد الله بن العباس واليًا على اليمن، وقيسًا بن سعد واليًا على مصر، وسهلًا بن حنيف واليًا على الشام٥. إن نظرة متأنية إلى أسماء هؤلاء الولاة، تطلعنا أنهم بأكثريتهم ينتمون إلى مجموعة الصحابة التي اتصفت بدرجة عالية من الزهد والتقشف، ولم ترتكز على جاه، أو شرف أو نسب أو مال؛ بمعنى أنهم ينتمون إلى الشريحة الاجتماعية المغايرة للشريحة "الأرستقراطية" الغنية. والتف حول علي كبار أعلام بني طالب وبني هاشم، مثل عبد الله بن عباس ومحمد بن جعفر، ومحمد بن الحنفية، بالإضافة إلى شخصيات صحابية كبرى مثل محمد بن أبي بكر، وسليمان بن صرد الخزاعي، وأبي قتادة بن ربعي وأبي أيوب الأنصاري، وعمار بن ياسر وغيرهم. ظهور المعارضة السياسية: لم يصادف الولاة الجدد عقبات تذكر، باستثناء ما كان منتظرًا من معاوية والي

стр. 427

الشام الذي كان يعمل بنزعة لا مركزية، ويجتهد ألا تفوته الفرصة لتحقيق منطق الاستمرارية للأسرة الأموية، وتمكن بحسن سياسته، وإغداق المال على أهل الشام، من استقطابهم، فالتفوا من حوله، وشكلوا قوة يناصرونه، ويأتمرون بأمره، والواضح أنه كان لولاية الشام مركز متفرد؛ لأن معظم العرب الذين كانوا يقطنونها لم يذهبوا إليها مهاجرين مثل باقي الأمصار، كما أنهم تأثروا بالحكم اليوناني، والروماني قبل الإسلام بوصفهم تابعين لدولة الغساسنة، ولذلك اعتادوا على النظام وطاعة الحاكم، والمعروف أن معاوية كان واليًا على هذه المنطقة منذ عهد عمر بن الخطاب، واستمر في عهد عثمان بن عفان، فارتبط مع أهل الشام برباط قوي من الولاء المتبادل، ونتيجة لذلك، لم يتمكن سهل بن حنيف من دخول الشام، واستلام منصبه كوال عينه علي، وهو مؤشر إلى فتح الصراع مع هذا الأخير تحت غطاء الدعوة إلى الاقتصاص من قتلة عثمان. كان علي يدرك خطورة ولاء أهل الشام لمعاوية، حيث القبائل الموحدة، والجيش القوي الذي تم إعداده، والإدارة التي قطعت شوطًا في التنظيم، أي أن الشام اجتمعت فيها كل عناصر الدولة الفتية، فيما الخلافة قد انهارت دولتها، وكان عليها أن تعيد بناءها من جديد١، فدعا طلحة والزبير، وقال لهما: "إن الذي كنت أحذركم قد وقع يا قوم، وإن الأمر الذي وقع لا يدرك إلا بإمامته، وإنها فتنة كالنار، كلما شعرت ازدادت واستنارت"٢. تجاه هذا التطور السلبي لوالي الشام، أرسل علي كتابًا إلى معاوية دعاه فيه إلى الدخول في طاعته، وعدم تفريق كلمة المسلمين، لكن الأخير لم يجبه حتى انقضت ثلاثة أشهر، فأرسل إليه رسالة بيضاء في شهر "صفر ٣٦هـ/ آب ٦٥٦م" مع رجل من أنصاره ينتمي إلى عبس، مختومة ومكتوب عليها "من معاوية إلى علي"، وأوصاه بإبراز الرسالة عند دخوله إلى المدينة حتى يراه الناس. فلما وصل إليها، في غرة ربيع الأول، رفع الرسالة فرآها أهل المدينة، فعلموا أنه رفض البيعة، وتوقعوا حدوث أمر ما، ولما فتح علي الرسالة لم يجد فيها سوى البسملة، فطلب من الرجل أن يتكلم، فأخبره بأن خمسين ألف رجل يبكون تحت قميص عثمان، وهو معلق فوق منبر جامع دمشق، ويطالبون بدمه، وقد عاهدوا الله ألا يغمدوا سيوفهم، ولا يغمضوا جفونهم حتى يقتلوا قتلة عثمان، وحمل عليًا مسئولية هذا الدم، فقال علي عندئذ: "اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان"، ثم صرف مبعوث معاوية٣.

стр. 428

وفي المقابل، نجح علي في الحصول على تأييد الأغلبية في الأمصار، فالبصريون كانو منقسمين حول الموقف الواجب اتخاذه من مقتل عثمان، لكنهم قبلوا الوالي الجديد الذي أرسله علي، في حين رفض الكوفيون استقبال الوالي الجديد، وتمسكوا بواليهم الخاص أبي موسى الأشعري، إلا أنهم بايعوا عليًا، وانقسم المصريون على أنفسهم، فقبلت الأغلبية استقبال والي علي، لكن تكونت نواة من المتربصين من ذوي النزعة العثمانية المطالبين بالثأر لدم عثمان، لكنهم لم يتحركوا مفضلين موقف الاعتزال١. وهكذا ساد القلق والاستياء كافة الأمصار من واقع الاستنكار لمقتل عثمان، لكن المسلمين حاولوا الحفاظ على وحدتهم من خلال الوقوف الحذر وراء الخليفة٢. بيد أن موقف معاوية الرافض، على خطورته، لم يكن الشاغل الوحيد للخليفة، إذ نمت في أوساط بعض الصحابة أن عليًا يتهاون في معاقبة قتلة عثمان، فئقد ذهب كل من طلحة، والزبير مع نفر من أهل المدينة، إلى علي، بعد أربعة أشهر من مقتل عثمان، وطلبوا منه إقامة الحد على قتلته٣، لكن هذه القضية لم تكن من أولويات علي الذي كان يعمل على تهدئة الجو، واستقرار الأوضاع، وتثبيت أقدامه في الحكم، أولًا، بحجة أنه لا يسيطر على الوضع العام، وأن الأمور لا تزال بأيدي الثائرين والغوغاء، وعبيد أهل المدينة وأعرابها، وخاطبهم قائلًا: "إني لست أجهل ما تعلمون، ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم"٤. ويبدو أنهما لم يقتنعا بوجهة نظره، إذ إن تطبيق مبادئ الإسلام، وحدود هي من الأولويات، فاستأذناه في الخروج إلى مكة لأداء العمرة، فأذن لهما، على الرغم من وعيه لمدى ما يمكن أن يشكلاه من خطر على شرعيته٥، ثم اتخذا من الأسلوب الذي تمت فيه التغييرات الأخيرة ذريعة للاحتجاج والمعارضة، فقد طلبا من الخليفة أن يشركهما في هذا الأمر، فقد كانت لطلحة رغبة في ولاية البصرة، وكانت للزبير رغبة في ولاية الكوفة، إلا أنه رفض ذلك، وقال لهما: "تكونان عندي فأتحمل بكما، فإني وحش لفراقكما"٦، لكن معارضتهما بقيت ضمن الإطار الاحتجاجي، ولم تأخذ طابع العمل الفعلي إلا بعد اجتماعهما بعائشة في مكة.

стр. 429

وسارعت عائشة إلى تحديد موقفها من الخليفة، فقد كانت في مكة عندما قتل عثمان، وانتخب علي، وبعد انتهاء موسم الحج غادرت مكة في طريقها إلى المدينة، وتلقت أخبار ما جرى فيها من الأمويين الذين هربوا إلى مكة، فقفلت راجعة إليها، وفصلت البقاء فيها، وأطلقت منها دعوة للتنديد بعملية القتل. والواضح أنها تأثرت بالدعاية الأموية التي كانت ناشطة آنذاك، وكونت رأيًا أحادي الجانب، وساندها والي مكة المعين من قبل عثمان، والذي كان لا يزال في منصبه، وهو عبد الله بن عامر الحضرمي١، والمعروف أن المكيين لم يبايعوا عليًا، متأثرين بنفوذ عائة، وبالتالي بقيت مكة خارج إطار سلطة الخليفة. وتذرعت عائشة بأن المدينة واقعة تحت سلطة غوغاء الأمصار وبدو نهابين، وعبيد آبقين، وأنهم هم الذين ارتكبوا جريمة القتل بعد أن حصلوا من عثمان على وعد بالتراجع عن سياسته السابقة، وبالتالي لا شيء يبرر عملهم العدواني، "فسفكوا الدم الحرام، واستحلوا البلد الحارم، وأخذوا المال الحرام، واستحلوا الشهر الحرام"٢، وأن الأمر لا يستقيم، ولهذه الغوغاء أمر "فاطلبوا بدم عثمان تعزوا الإسلام"٣، ومن المثير أن يكون هذا النداء من جانب عائشة على الثأر لعثمان في وقت كانت بعيدة عن المدينة حين حوصر، وقتل ومن دون أن تكون من قبل علي وفاق معه٤. وهكذا أبرزت عائشة فكرة أن عثمان قتل مظلومًا، والتي ستكون أساس كل المطالب لصالح قضيته سواء من جانبها، أو من جانب معاوية في وقت لاحق، أو من طرف أنصار عثمان في مصر، والواضح أنها ركيزة إسلامية شرعية أن تطالب بالقصاص لدم عثمان وفقًا لشرع الله، وهي تتوافق في هذا المقام مع موقف طلحة والزبير، إنه تعبير صادق عن طلب الحق، والعدل فيما لا يمكن التسامح به، ولا يمكن قبوله، وهو نداء إيلامي في المقام الأول، وسياسي في المقام الثاني؛ لأنه يتضمن إنكار شرعية علي التي قامت وسط هذا الجو الضاغط، ولكن هذه القضية لم تطرح صراحة، ولم يقدم توجه عائشة نفسه كمؤامرة، ولا كثورة على علي، إنما وبوصفها أما المؤمنين، فهي تمنح نفسها مسئولية تجاه أبنائها الذين يشكلون جمهور المسلمين٥. وإذا كان لنا أن نحدد دور الدوافع الشخصية مثل إرادة القوة، والرغبة في التقدم

стр. 430

إلى المقام الأول، وكراهية على المتصلة بأحداث الماضي، فقد أدت دورًا ثانويًا١، مما دفع بعض المؤرخين إلى القول بأن آثار حديث الإفك تلقي بظلالها على هذا الموقف٢. والواقع أن حركة المعارضة لم تأخذ طابع العمل الجدي إلا بمجيء طلحة، والزبير إلى مكة حيث حرضا عائشة على النهوض لمحاربة الغوغاء، وأعلماها بأن عثمان قتل مظلومًا، وأن أكثر الناس لم يرض عن بيعة علي٣، فاستجابت لهذا النداء دون أن تقف مجددًا على وجهة نظر الطرف الآخر، وهو علي، وشكلت معهما تحالفًا متينًا لا يقبل الانفكاك تحت شعار رفع الظلم الذي أحاق بالخليفة عثمان، ومعاقبة قتلته، وهو مطلب عامة المسلمين، ومن واقع أنها تملك سلطة تحكيمية، ووزنًا معنويصا كبيرًا، ستكون الناطقة باسم قوى التحالف، ومحور العمل، وسيقتصر دور طلحة، والزبير على قيادة الرجال وتنظيم القتال، وكان كافيًا أن يظهر هذا التحالف في مكان ما أمام المسلمين لكن يهزوا مشاعرهم، ويستقطبوهم، وأن يشكلوا قوة ضاربة٤. وسرعان ما استقطبت دعوة عائشة كل الذين كانوا يعارضون مقتل عثمان، أو يحاولون إسقاط علي، وبخاصة أفراد الأسرة الأموية، مثل عبد الله بن عامر الحضرمي والي مكة، ويعلى بن منبه والى اليمن السابق، والوليد بن عقبة ومروان بن الحكم، وسائر بني أمية، وقد أدوا دورًا تحريضيًا، وهو أول ما تكلمت به بنو أمية في الحجاز، ورفعوا أصواتهم٤، ومولوا عائشة، وربما استغلوها لصالح قضيتهم دون وعي منها. وهكذا فإن التحرك الذي حرضت عليه عائشة، واتخذ واجهته طلحة والزبير، فيما التمويل والتعبئة، تولى أمرهما بنو أمية٥؛ تحول من مطلب عام، وهو المطالبة بدم عثمان، إلى مطلب خاص لصالح الأمويين. وبدا واضحًا أن ملامح انتفاضة قرشية بدأت تتكون ضد علي في محاولة لإسقاطه، على أن هذه المواجهة، دخل فيها أيضًا صراع المصالح، إذ وجد الأنصار

стр. 431

في علي الأقرب إلى تحقيق طموحهم في هذا السبيل، لا سيما المشاركة الفعلية في السلطة التي حرموا منها في العهود السابقة، فيما كانت قريش تنتقض لاستعادة موقعها المميز الذي بدأ يتكرس منذ خلافة عثمان١، والمعروف أن عليًا عين رجالًا من الأنصار في بعض مراكز الولاة الأساسية في البصرة، والمدينة ومصر. والواقع أن قريشًا، وعلى رأسها بنو أمية، التي أوصلت سابقًا عثمان للخلافة، شكلت القوة السياسية الفاعلة، وكان الجفاء واضحًا بينها وبين علي منذ وفاة عمر بن الخطاب، وقد حصرت على ألا يتسلم الخلافة بعد مقتل عثمان، لتوافق منهجه مع نهج عمر، إنها رؤية التاجر القرشي، فمصالح قريش كان قد عبر عنها بصورة أمثل في نهج عثمان لترتيب أوضاع المسلمين، وليس في نظام عمر أو علي، كان علي يدرك ذلك، لهذا كان يتوقع دائمًا معارضة قريش له في كل موقف يقفه، وفي كل قرار يتخذه، ويرى أن قريشًا تظلمه؛ لأنها تنكر فضله ومنزلته في تاريخ الإسلام٢، والواضح أن في ذلك عود للصراع القديم بين بني هاشم، وبني أمية. تقدم لنا روايات المصادر ما يكفي من المعلومات التي توضح هذه الرؤية الهامة في ترتيب القوى، وتوازنها داخل المجتمع الإسلامي في نهاية مرحلة صدر الإسلام، ففي الكتاب الذي أرسله إلى أخيه عقيل بن أبي طالب ردًا على رسالته التي أخبره فيها بخروج عائشة، وطلحة، والزبير قال له: "فإن قريشًا قد اجتمعت على حرب أخيك اجتماعها على رسول الله ﷺ قبل اليوم، وجهلوا حقي، وجحدوا فضلي، ونصبوا لي الحرب، وجدوا في إطفاء نور الله، اللهم فاجز قريشًا عني بفعالها، فقد قطعت رحمي، وظاهرت علي، وسلبتني سلطان ابن عمي، وسلمت ذلك لمن لي في قرابتي، وحقي في الإسلام، وسابقتي التي لا يدعي مثلها مدع، إلا أن يدعي ما لا أعرف"٣. وخطب علي في أنصاره في ذي قار، عندما خرج لقتال أهل البصرة في موقعة الجمل، خطبة طويلة ذكر فيها، "ما لي ولقريش، والله لقد قاتلتهم كافرين، ولأقاتلنهم مفتونين، وإني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم، والله ما تزحم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم، فأدخلناهم في حيزنا"٤.

стр. 432

المواجهة المسلحة الأولى بين المسلمين: سيطرة قوى التحالف على البصرة: كان وضع المتحالفين في مكة مضطربًا، إذا لم يكن ملائمًا لحركة تحتاج إلى عناصر للصمود يمكن أن توفرها هذه المدينة؛ لأن الفتوح أفرغتها من العناصر البشرية التي استقرت في الأمصار، واحتاجوا إلى دعم أقوى لم يتوفر لهم في الحجاز، فقرروا البحث عن مكان أكثر ملاءمة، وأكثر بعدًا عن نفوذ الخليفة الذي لن يجد صعوبة في القضاء على حركتهم في هذا المكان١، وجرى نقاش حاد حول اختيار المكان الذي سيذهبون إليه، ويدل ذلك على أن المتحالفين لم يملكوا الرؤية السياسية الواضحة، وبدا عليهم الارتباك بشأن الخطوة التالية، مما أتاخ للناشطين من الأمويين توجيههم وفق مصالحهم. لقد اقترحت عائشة المسير إلى المدينة لقتال الغوغاء، فعارض أنصارها ذلك لعدم مقدرتهم على مواجهتهم بفعل الفارق العددي بين الفريقين، "فإن من معنا لا يقرنون لتلك الغوغاء التي بها"٢، واقترحوا عليها الذهاب إلى بلاد الشام بهدف طلب المساعدة من أهلها، فرفضت اقتراحهم قائلة: "فقد كفاكم أهل الشام ما عندهم، لعل الله يدرك لعثمان، وللمسلمين بثأرهم"٣. وتدخل عبد الله بن عامر الحضري، فقال: "قد كفاكم الشام من يستمر في حوزته"٤، وهذه إشارة إلى نجاح معاوية في إدارة بلاد الشام، وأنهم لن ينالوا ما يريدون، وهو أولى منهم بما يحاولون؛ لأنه ابن عم عثمان، وهو غيور على سلطته بحيث لا يمكنه التساهل بأي تدخل، واقترح طلحة، والزبير الذهاب إلى الكوفة، "فنسد على هؤلاء القوم المذاهب"٥، إذ لطلحة فيها شيعة، وتدخل عبد الله بن عامر الحضرمي مجددًا، وأقنعهما بالمسير إلى البصرة إذ للزبير فيها من يهواه ويميل إليه، وأنها تحتفظ بود معين تجاه عثمان على الرغم من مبايعة البصريين عليًا، وأنه يحتفظ فيها بعلاقات وصنائع٦، والواضح أن الأمويين أرادوا إبعاد قوى التحالف عن بلاد الشام لتجنيبها معركة كانت آتية، وطلب طلحة، والزبير من عائشة أن تشخص معهما إلى البصرة لإقناع البصريين بالانضمام إلى حركتهما "اشخصي معنا إلى البصرة، فإنا نأتي بلدًا

стр. 433

مضيعًا سيحتجون علينا فيه ببيعة علي بن أبي طالب، فتنهضينهم كما أنهضت أهل مكة، ثم تقعدين، فإن أصلح الله الأمر، كان الذي تريدين وإلا احتسبنا، ودفعنا عن هذا الأمر بجهدنا حتى يقضي الله ما أراد"١، وهكذا استقر الأمر على الذهاب إلى البصرة لحث أهلها على مساعدة قوى التحالف في معاقبة قتلة عثمان، والمعروف أن بعض من اشترك في قتل عثمان تفرقوا في الأمصار بعد مبايعة علي. لم تستطع قوى التحالف حشد قوة كبيرة في الحجاز، فقد اقتصر المنضمون إليهم على سبعمائة رجل من أهل المدينة ومكة، لكن انضم إليهم بعض المؤيدين حتى بلغوا ثلاثة آلاف١، ففاجأوا حذر علي، وسبقوه إلى العراق الذي اختاروه أرضصا للمواجهة، وعسكروا في المريد وهو ساحة البصرة الخارجية، حيث جرت محاورات طويلة كان على قادة التحالف تبرير تحركهم، من خلالها، فتكلم طلحة أولًا، فاسترجع موضوع العدوان على عثمان، وعلى البلد الحرام، وضخم فضيحة الإثم وطالب بدم عثمان؛ لأنه حد من حدود الله، إذ في ذلك إعزاز لدينه، وسلطانه، ولن يتم إصلاح هذه الأمة إلا بتنفيذ ذلك. فالواضح إذن أن المرجعية إسلامية؛ لأن الله أمر بقتل كل قاتل، وهذا واجب قرآني مفروض على كل مسلم، وهو أيضًا واجب سياسي؛ لأن المسلمين سيستعيدون، من خلال القصاص، وحدتهم وتماسكهم وقوتهم، وتكلم الزبير بمثل ذلك٢، وكانت مسألة السلطة العليا مغيبة، فلم يعلنا خلع علي كما لم يعلنا نفسيهما خليفتين، واكتفيا بدورهما كمنصفين يهدفان إلى إصلاح الأمة، وتكلمت عائشة كذلك، فاسترجعت الموضوعات السابقة، وطلبت منهم المساعدة لمعاقبة قتلة عثمان حسب الشرع٣. ويبدو أن المجابهة الكلامية كانت لغير مصلحة الوالي، إذ انسحب قسم من المقاتلة الذين كانا معه، وانضموا إلى قوات التحالف، والواقع أن المجتمع البصري كان منقسمًا آنذاك إلى قسمين: الأول: التزم القتال مع علي، وساند الوالي عثمان بن حنيف، وعلى رأسه حكيم بن جبلة من بني عبد القيس٤. الثاني: تعاطف مع المتحالفين، وانضم إلى صفوفهم٥.

стр. 434

لقد قرر الوالي عثمان بن حنيف التمسك بولاته لعلي، فجيش الناس وعبأهم حوله، وحاول منع دخول قوى التحالف إلى البصرة بقوة السلاح، لكن موقفه كان ضعيفًا بفعل انقسام المجتمع البصري حول نفسه، كما أن المحاورات التي دارت في المربد كانت تنتشر من خلال الاهتياج، والاضطراب والتعبئة الشعبية١، وتحولت المجابهة الكلامية إلى مواجهة عسكرية مسلحة حيث جرت اشتباكات في دار الرزق، إحدى ساحات البصرة، وقع فيها قتلى وجرحى٢، ثم أعلنت هدنة، ووجدت صيغة وفاق تتعلق بإرسال رسول الله إلى المدينة للتحقق مما إذا كان طلحة، والزبير قد بايعا عليًا كما يزعمان بالإكراه والقوة، فإذا كان الأمر صحيحًا فما على الوالي إلا أن يخلي لهما الساحة، وإذا لم يكن صحيحًا، فما عليهما إلا الرحيل٣. وهكذا نقلت القضية، بشكل مفاجئ، إلى مجال آخر، مجال السلطة الشرعية ووجوب طاعتها، لكن عليًا كان قدر غادر المدينة قبل أن يصل الرسول إليها. كان في ذي قار بين الكوفة، والبصرة ساعيًا إلى استقطاب مقاتلة الكوفة إلى جانبه، ولتكوين جيش لنفسه، فوبخ عامله في رسالة بعثها إليه؛ لأنه انساق إلى هذه المكيدة، ودافع الوالي عن تصرفه بأنه يريد كسب الوقت منتظرًا قدومه شخصيًا للدفاع عن سلطته، وعن وحدة المسلمين، وأنه تأخر في القدوم، ولم يكن لديه القوة الكافية لطرد المتحالفين من البصرة، ومع ذلك، فقد جرى اقتحام البصرة، وقتل الكثير من المسلمين، وهنا نجتد توسيعًا رهيبًا لمفهوم القتلة بحيث شمل كل الذين اقتحموا المدينة٤، وسوف تؤدي هذه الأحداث إلى التصلب في المواقف، وإلى الحرب الأهلية، مما جعل قبائل برمتها تنفر من قضية كانت تبدو مبررة في البداية، فقد رفضت قبيلة بني سعد بن تميم، وهي عثمانية في الأصل، تسليم أحد أبنائها، وهو حرقوص بن زهير، أحد المشتركين في اقتحام المدينة ومقتل عثمان، وبتأثير من رئيسهم الأحنف بن قيس قرروا الانسحاب من المعركة، ووقفوا على الحياد في النزاع الذي كانت تلوح تباشيره، وغضبت عبد القيس التي لم تنكث بيعتها لعلي بعدما فقدت الكثير من أبنائها، وخرجت من البصرة مع كثير من البكريين لكي تنضوي تحت لواء علي٥، فكانوا ستة آلاف رجل جاهزين للحرب. والواقع أن هذه الدعوة الإصلاحية المرتبطة بمقتل عثمان ما كان لها أن تخترق

стр. 435

المجتمع البصري بهذه السهولة، حيث الفرز قام على أساس قبلي في توزيع القوى التي راعت مصالحها الخاصة قبل الانخراط في هذا الاتجاه أو ذاك، ومن هذه الرؤية فإن السيطرة على البصرة لم يكن بالأمر اليسير على المتحالفين. وأثبتت عائشة مقدرة التفوق حيث وضعت حدًا للجدل، ونجحت في شق صفوف الكتلة المؤيدة للوالي الذي أظهر ضعفًا عليه لومًا شديدًا من الخليفة١. وتسارعت الأحداث، وأفلت زمام الأمور من يد الوالي، وتدخلت أطراف ليس لها شأن في الصراع حيث شهر الزط٢، والسيابجة٣ السلاح في وجوه المتحالفين، وانتهى الأمر بسيطرة المتحالفين على البصرة، وقبض على عثمان بن حنيف، وزج في السجن قبل أن يطلق سراحه بعد تدخل عائشة، وطورد الأشخاص الذين اشتركوا في غزو المدينة وقتل عثمان، وكانت الوقعة في "٢٤ ربيع الآخر ٣٦هـ/ ٢٠ تشرين الأول ٦٥٦م"٤. لم تكن السيطرة على البصرة نهاية المطاف بالنسبة لقوى التحالف، إذ لم يكن الهدف الأساسي الاستيلاء على مصر، بل تطبيق أحكام الدين نحو الشريف والوضيع، كما أنهم أرسلوا رسلًا إلى أهل الشام وأهل الكوفة، وأهل اليمامة وأهل المدينة يحثونهم على الإسراع في تطبيق حدود الله على القتلة، وعلى عدم مساعدة أولئك الذين يحمونهم، ويدافعون عنهم٥، أي عدم مساعدة علي، وهذا خروج واضح على السلطة الشرعية، وقدموا أنفسهم كحماة للدين، وكمنفذين لأحكامه متجاوزين اختصاصات الخليفة، وبالتالي فإنهم كانوا أصحاب قضية سياسية مغلقة بإطار ديني، تستهدف الأمة كلها، قد تؤدي لو نجحت إلى اعتلاء السلطة العليا، لكنهم ظلوا محصورين ضمن نطاق البصرة التي لم يساندهم كل أهلها، حتى أن معظم الذين ساروا وراءهم واتبعوهم، بايعوهم فقط على المهمة المحددة التي كانوا قد أخذوها على عاتقهم. سيطرة علي على الكوفة: قرر علي مغادرة المدينة بصورة نهائية ممهدًا لذلك باتصالات مكثفة مع قبائل الكوفة٦، لتكون الأخيرة مقرًا له، فهي في نظره مستقر أعلام، ورجال العرب٧،

стр. 436

وقد اتخذ هذا القرار من واقع استحالة البقاء في الحجاز الذي أفرغته الفتوح من طاقاته البشرية والاقتصادية، وانتقال محاور الصراع الأساسية إلى مناطق الأطراف البعيدة عنه، فخرج من المدينة في الأيام الأخيرة من شهر ربيع الآخر عام ٣٦هـ، وخرج معه وجوه المهاجرين، والأنصار بالإضافة إلى بقايا البصريين، والكوفيين في المدينة، أي من قتلة عثمان، أما المصريون فقد عادوا إلى مصرهم، وكلما توغلنا في الزمان نلاحظ إلحاقًا متزايدًا على العدد الكبير من الصحابة الخارجين معه، أو المنضمين إليه لاحقًا للاشتراك في معركة الجمل، ثمانمائة من الأنصار وأربعمائة ممن شهد بيعة الرضوان١، نظرًا لما يكسبه تأييدهم من ضمانه معنوية كبيرة في مواجهة عداوة، أو ابتعاد أكثرية المهاجرين، والتباس القراء، وكراهية القرشيين المتحالفين مع الأمويين، والنفوذ الكبير لعائشة، وسيشكل خروجه نقطة تحول فاصلة في تاريخ صدر الإسلام، والدولة الإسلامية؛ لأنه يتضمن الخروج النهائي لمؤسسة الخلافة من الجزيرة العربية٢. يمم علي وجهه شطر العراق وعسكر حول مكة، ثم حط رحاله في الربذة حيث بلغته تفاصيل ما جرى في البصرة، كما استقبل فيها عاملة مغلوبًا مطرودًا، فأبدى ارتياحه بأن خصومه لم يقصدوا الكوفة٣، ويبدو أنه لم يكن على علم بتطورات الموقف فيها، ثم توجه إلى ذي قار بين الكوفة، والبصرة فيما وراء الفرات، واتخذها قاعدة لتجمع قواته، واستنفار الكوفيين، وأرسل رسلًا إلى الكوفة من أجل ذلك، وكتب إليهم يقول: " ... فإني اخترتكم والنزول بين أظهركم لما أعرف من مودتكم، وحبكم لله ولرسول الله ﷺ ، فمن جاءني ونصرني فقد أجاب الحق، وقضى الذي عليه"، "إني أخترتكم على الأمصار، وفزعت إليكم لما حدث، فكونوا للدين أعوانًا وأنصارًا، وأيدونا وانهضوا إلينا، فالإصلاح ما نريد، لتعود الأمة إخوانًا، ومن أحب ذلك وآثره فقد أحب الحق وآثره، ومن أبغض ذلك فقد أبغض الحق وغمصه"٤. كان رجل الكوفة المهم آنذاك واليها أبا موسى الأشعري، ويتمتع بنفوذ كبير فيها؛ لأن الكوفيين قد اختاروه ليحل محل الوالي الأموي، وفرضوه على هذا النحو على عثمان، واجتهد كثيرًا لتهدئة غليان الكوفة، وهكذا طرح نفسه كوسيط، وكرجل الإجماع، وتبنته الكوفة واعترفت به أميرًا عليها، وربما اكتسبت ذلك النفوذ من واقع

стр. 437

سيرته، فقد كان المرشد الكبير الهادي إلى القرآن، وشكل ثنائيًا مع ابن مسعود. وعندما انتخب علي خليفة في خلعه كما أشرنا، لكنه لم يستطع، غير أن أبا موسى اضطر تحت ضغط قوي شديدة أن يبايع عليًا وراءه كل المدينة، إنه تناقض المجتمع الكوفة المتمسك بأميره، والمحتوي في آن علي قوى مؤيدة لعلي، وهو تناقض مقبل على الانفجار١. تحفظ أبو موسى الأشعري تجاه دعوة علي، وتبعه الكوفيون، مما اضطر عليًا إلى إرسال الرسل إليه بشكل متواصل، طالبًا منه تجهيز الرجال، لكنه كان يبدي معارضة مطلقة، ويواجه طلبه برفض قاطع ضاغطًا بكل ثقله لكي يثني الكوفيين عن الوقوع في ما كان يعده بمثابة فتنة "صماء عمياء"٢، وقد مثل عقبة كأداء ومشكلة حقيقية بالنسبة لعلي الذي كان عليه تذليلها. لقد طلب أبو موسى الأشعري من الكوفيين أن يغمدوا سيوفهم، ويقبعوا في بيوتهم إلى أن تتجدد الوحدة وتزول الفتنة، كان يريد تجنيب أهل الكوفة هذا الشر الذي هو الحرب الأهلية بين المسلمين، وزرع بذور السلام٣. نجح أبو موسى الأشعري أن يدخل في ضمائر الكوفيين أفكاره السلمية، بحيث لم يتمكن علي من تجنيد أكثر من تسعة آلاف مقاتل من أصل أربعين ألفًا، وتجنب زعماء القبائل الاشتراك في الحرب الأهلية، مثل الأشعث بن قيس، وجرير بن عبد الله البجلي، كذلك فإن الذين كانوا متواجدين في الكوفة لن يشتركوا فيها أيضًا، مثل سعد بن قيس زعيم همدان، وشبث بن ربعي أحد رؤساء تميم، وساند بعضهم عليًا مثل عدي بن حاتم، ومخنف بن سليم. تمكن علي، على الرغم من الانقسام الداخلي في الكوفة، من السيطرة على المدينة، وجرى تجاوز أبي موسى الأشعري بعد أن أرسل ابنه الحسن، فعزله وطرده من الكوفة، وكون لنفسه جيشًا بلغ تعداده عشرين ألفًا٤، استند بشكل أساسي على عناصر كوفية، فهل ربط علي مصيره بالكوفيين عرضا أم بحكم الواقع؟ توحي روايات المصادر بنوع من اللامبالاة في علاقات علي بالكوفيين، وبخاصة أن هواهم كان من ابن الزبير، وأنهم تمسكوا بواليهم أبي موسى الأشعري، وعندما علم علي بذهاب خصومه إلى البصرة أعلن تفضيله الكوفة، وهذا يدل على أن الأمصار لم

стр. 438

يكن لها مرشح محدد مسبقًا، كما لم يكن لها رأي واضح ومحدد١، وكمن سر نجاحه في موقعه الشرعي كخليفة وإمام، كما كان له في الكوفة أنصار نشطون، وأتباع أكثر رصانة انضموا إليه عن رجاحة عقل، وبوصفه أقل ضررًا٢، والتفت حوله الجماعة الأولى من القراء السابقين الذين تضخم عددهم، والذين لم يتغير رؤساؤهم، الأشتر النخعي، وزيد بن صوحان وعدي بن حاتم، ويزيد بن قيس، والمسيب بن نجبة، وقد اشتركوا في غزو المدينة وحسبوا في عداد قاتلي عثمان، وبالتالي، كان يلاحقهم العقاب الانتقامي من جانب أولئك الذين كانوا يطالبون بالقصاص لدم عثمان، وفي طليعتهم عائشة وطلحة والزبير، إنهم سياسيون ربطوا مصيرهم بمصيره٣.

стр. 439

وقعة الجمل: مرحلة المفاوضات: بذل الطرفان جهودًا حثيثة لتجنب الصدام، مع أنهما كانا قد استعدا لمواجهة عسكرية محتملة، والواقع أن جهود السلم والحرب سارت بخطين متوازيين، مع أن أيا من الطرفين لم يتحدث عن الحرب، بل عن الإصلاح على الرغم من اختلاف وجهات النظر بشأن الأسلوب الذي يؤدي إلى ذلك، فمن وجهة نظر علي، يقتصر الإصلاح، على إعادة الأمور إلى نصابها، وإعادة بناء وحدة المسلمين، والتوقف عن تلك المطاردة، والاعتراف بشرعية خلافته، وقد لا يتردد عن ضرب خصومه إذا اعتقد أنهم على ضلالة، في حين كان الإصلاح في نظر عائشة، وحليفيها يمر من خلال تنفيذ العقاب بقتلة عثمان إحياء لشرع الله، ويبدو أنه لم يكن من الوارد أن توافق عائشة على بيعة علي، ولا أن يوافق علي على تسليم القتلة الموجودين في جيشه، وهكذا فإن الطريقة التي طرحت فيها قضية الخلاف كانت عائقًا دون الوصول إلى سلام بين الجانبين، ومع ذلك فقد جرت مفاوضات بينهما بواسطة القعقاع بن عمرو التميمي الذي أرسله علي بمهمة سلمية إلى البصرة١، وقد أبدى كل من طلحة، والزبير ليونة إزاء مهمة القعقاع، والواقع أن جوًا من الترقب والحذر، وأن خشية أمام أول مواجهة عسكرية بين الإخوة، كانا سائدين، إذ لم يكن أي من الجانبين مسرورًا

стр. 440

وهو يستعد لمحاربة الجانب الآخر، وأن ما يرويه سيف عن اتفاق جاهز للانعقاد على حساب القتلة، وأن هؤلاء أفشلوه من خلال مؤامرة دبرها، وأوصى بها ابن سبأ، إنما هو بعيد الاحتمال١، وتصور روايات المصادر طلحة، والزبير وهما يتراجعان أمام المجابهة على أمل إيجاد حل ينقذ كل شيء، فخندقا في منطقة الزابوقة في البصرة، وهما يرددان "خرجنا للصلح"٢، ويعلنان رفضهما الاحتكام للسلاح "إنا وهم مسلمون، وهذا أمر لم يكن قبل اليوم، فينزل فيه قرآن أو يكون فيه من رسول الله ﷺ سنة، إنما هو حدث"، وأضافا: "أمير بيننا وبين إخواننا، وهو أمر ملتبس"، "نحن نرجو الصلح إن أجابوا إليه وتموا، وإلا فإن آخر الدواء الكي"٣. رحب علي بالصلح الذي قبله طلحة والزبير، وأعلن عن تصميمه على إعادة الوحدة إلى المجتمع الإسلامي، وحذر من مخاطر القتال بين المسلمين، "بان لنا ولهم أن الإصلاح الكف عن هذا الأمر، فإن بايعونا فذلك، فإن أبوا وأبينا إلا القتال فصدع لا يلتئم"٤، وقد دفعه ذلك إلى الارتحال حتى نزل بجوارهم٥. ومن الواضح أن هذا كله ناتج عن إرادة واعية، ورؤية مستنيرة وورع وتقوى من كلا الجانبين. أحداث الوقعة: أثارت محاولات التفاهم والإصلاح غضب قيادات القوى التي شاركت في أحداث المدينة ومقتل عثمان، وعلى رأسها علباء بن الهيثم، وعدي بن حاتم وسالم بن ثعلبة العبسي وشريح بن أوفى بن ضبيعة، ومالك بن الحارث الأشتر النخعي وخالد بن ملجم من مصر، كان معهم في البصرة، وأبدى هؤلاء تخوفهم من إحلال الصلح بين المعسكرين، وتداولوا في أنجع السبل لإفشال ذلك، فاقترح الأشتر التخلص من علي وقتله، في حين أشار علباء إلى ضرورة التخلي عنه ليواجه معسكر التحالف دون مساندتهم، ودعاهم إلى الاعتزال حتى يظهر من يستحق دعمهم، وأبدى عدي استعداده لاحترام ما يقررونه، وأصر سالم على قتال القوم دفاعًا عن أنفسهم، وتقرر في النهاية دفع المعسكريين للاشتباك، وذلك بالاندساس بينهم وإثارة القتال٦. وكان الطرفان المتخاصمان قد عسكرا في الخزينة، إحدى ضواحي البصرة، فانسل هؤلاء النفر دون أن يشعر بهم أحد، وأثاروا القتال بينهما، واشتبك الجميع

стр. 441

دون وعي منهم لما خطط لهم، وخرج من معسكر علي رجل يرفع نسخة من القرآن، في خطوة تعد آخر تذكير رمزي بالوحدة، فقتل١، وتكتسب هذه الدعوة التي صدرت عن علي لتحكيم القرآن في هذا الصراع، أهمية بالغة تلقي بظلالها اللاحقة على الفتنة، وبخاصة أثناء معركة صفين٢. وواجهت القبائل المختلفة بعضها بعضًا في رحى معركة ضاربة، مضر البصرة واجهت مضر الكوفة، وربيعة البصرة واجهت ربيعة الكوفة، ويمن البصرة واجهت يمن الكوفة٣، ووجدت القبائل نفسها في أتون معركة تدفع ثمنها من أرواح أبنائها. ويبدو أن البصريين لم يتحملوا صدمة القتال، فتراجعوا، وجرح طلحة في ركبته بسهم رماه به مروان بن الحكم، فانسحب من ميدان المعركة ليموت في مكان ما من البصرة٤، وشعر الزبير بالخذلان، فانسحب هو أيضًا وأراد الفرار، لكنه طورد وقتل في ظروف غامضة، وفي رواية أنه جرى اغتياله على يد عمرو بن جرموز التميمي في منطقة وادي السباع على قدر مرحلة من باب المربد بالبصرة٥، وانتهت على هذا الشكل الجولة الأولى من المعركة قرابة الظهر٦، لتبدأ الجولة الثانية والأكثر ضراوة، فقد أعاد البصريون تنظيم صفوفهم، وكروا على الكوفيين، وتركز القتال حول جمل عائشة الجالسة في هودج مدرع بالحديد، وقد أضحى هدف الكوفيين. وكان ثمة عزيمة من الجانبين، فارتدى القتال رداء بالغ الحدة بحيث اضطرا إلى تغيير نظام صفوفهما، فانضم الجناحان إلى القلب، وكونا كتلة ضخمة، وأضحى هناك كتلتان كبيرتان تتواجهان حول الجمل الذي تكاثرت التضحيات حوله، وتدخلت عائشة، في تلك اللحظة، وهي تحض أهل الكوفة على وقف القتال "البقية البقية"٧، وهو نداء ضد الإبادة، ودعتهم "أبنائي" وذكرتهم بأنها أمهم، وهذا دليل على أن المعركة بدأت تميل لغير صالحها، وعندما رأت أنهم عازمون على ضربها، دعت أهل البصرة لكي يلعنوا قتلة عثمان٨، ثم راحت تشجع بصوتها الجهوري

стр. 442

المدافعين عن الجمل حتى حملت الوقعة اسم وقعة الجمل. وعندما تحول القتال إلى مجزرة حقيقة، أمر علي على أحد رجاله بعقر الدابة، فهوت على الأرض، ومن اللافت أن يتوقف القتال فور وقوع الجمل أرضًا وأعطي البصريون الأمان١، والواقع أن الوقعة لم تتوقف لتوقف المقاتلين بل؛ لأن الرمز قد هوى، وكأن القتال لم يكن دائرًا لقتل عائشة ذاتها أو دافعًا عنها، بل؛ لأن الجمل الذي كان يحملها هي وما تمثل من قداسة وقضية٢، وعندما أصيب الجمل توقف كل شيء، وطرح الهودج أرضًا وسط أعداد هائلة من القتلى في عدادهم مشاهير من الكوفة، والبصرة وأشراف قرشيون، مما أدى إلى ضرب الجبهة القرشية التي شكلت توازنًا سياسيًا بين العرب، والمسلمين في ذلك الوقت٣، كما تعرض الأزديون والضبيون لمجزرة حقيقية، وكانوا من أشد المدافعين عن الجمل٤، وجرت المعركة في "١٠ جمادى الثانية ٣٦هـ/ ٤ كانون الأول ٦٥٦م". ذيول الوقعة: سيطر علي على البصرة بعد انتهاء الوقعة، وبايعه البصريون طائعين بعد أن عفا عنهم، فكانت كل قبيلة تبايع وهي ترفع رايتها٥، ويبدو أنهم اعتقدوا بأنهم أدوا واجبهم تجاه دم عثمان، وفي سبيل الدفاع عن عائشة أم المؤمنين، وأنه أضحى من واجبهم الآن العودة إلى النظام، وقد ساعدهم سلوك على تجاههم. وسامح علي كل الذين رفعوا السلاح في وجهه، وأظهر رغبة عميقة وصادقة في تضميد الجراح، وفي إعادة تجميع جسم الأمة الجريح، فحرص على عدم معاملتهم بمثل ما عاملوه به، ولهذا فقد أمر قواته بعدم مطاردة أي مدبر، وأن لا يجهزوا على جريح، ولا يدخلوا الدور، وأعلن أنه من أغلق بابه، فهو آمن، وندب الناس إلى موتاهم فخرجوا إليهم ودفنوهم، وطاف معهم في القتلى، وتألم لمقتلهم، وأقام الصلاة المزدوجة على الموتى من البصريين، وعلى الموتى من الكوفيين، وكذلك على القتلى من المكيين والمدنيين، ولم يرم أعداءه بالكفر، سيقول دائمًا إنهم مسلمون، وإن الله حرم سلبهم واسترقاقهم وإذلالهم، والنيل من شرفهم ومنزلتهم٦، وأقام في معسكره ثلاثة أيام لا يدخل البصرة٦، وترحم على الزبير، وبشر قاتله

стр. 443

بالنار١، ودعا الله أن يجمعه بطلحة يوم القيامة في الجنة٢، ثم اجتمع بعائشة في دار عبد الله بن خلف الخزاعي، حيث نقلت بعد انتهاء الوقعة، وجرى بينهما حوار هادئ هو أقرب إلى الاستعتاب، فذكرها بأنها قد نهيت عن المسير إلى هذا المصير، فطلبت منه أن يصفح عنها، وأثنت عليه بسبب موقفه المتسامح معها ومع أنصارها، وعدت خلافها معه على أنه قدر مقدر أساسه مجرد استعتاب هدفت منه العمل على إعادة وحدة المسلمين بعد مقتل عثمان، إلا أن هذا الخلاف تطور رغمًا عنها حتى وصل إلى المواجهة المسلحة، ونفت أن يكون الصراع المسلح في وقعة الجمل هو تصفية خلافات قديمة بينهما، وتمنت لو استطاعت تجنبه، واتهمت طلحة والزبير بإخراجها من بيتها، وأبدت ندمها على خروجها من منزلها٣، ثم سيرها إلى المدينة يوم السبت لغرة رجب في جماعة من نساء أهل البصرة المعروفات لمؤانستها في الطريق، وجعل في صحبتها أخاها محمد بن أبي بكر، كما أرسل معها بنيه لحراستها حتى خرجت من البصرة مسيرة يوم، وزاد في تكريمها بأن خرج بنفسه مودعًا حتى خرجت من البصرة مسيرة يوم، وزاد في تكريمها بأن خرج بنفسه مودعًا، وشيعها عدة أميال، وقد أعلنت يوم انطلاقها أنه ليس بينها وبين علي فيما كان إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وأضافت: "إنه عندي على معتبتي لمن الأخيار"، فأجابها علي: "صدقت والله وبرت، وإنه ما كان بينهما إلا ذلك، وإنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة"٤، واعتزلت السياسة بقية حياتها، وكرست نفسها للعبادة. هل لنا أن نصدر حكمًا ونحدد المسئولية في وقعة الجمل، حيث التقى المسلمون بسيوفهم فيها ضد بعضهم البعض؟ فقد التزم رجال الدين بالصمت، وآثروا العافية، وابتعد أهل السنة عن إبداء رأي صريح لاعتقادهم بأن الصحابة جميعًا ناجون، وليس لهم الحق في أن يحكموا على أحد الفريقين بالمسئولية أو الخطأ، وألقى الشيعة المسئولية الكاملة على عائشة وطلحة، والزبير ولكنهم لم يفندوا الأسباب التي استندوا إليها في حكمهم، وغالى الخوراج في حكمهم، فكفروا طلحة والزبير وأتباعهما، والمعروف أنه ليس لمؤمن أن يكفر مؤمنًا، ولا يحكم عليه بالكفر، وخطأ المعتزلة أحد الفريقين لدرجة تصل به إلى الفسق، ولكنهم لم يحددوا الفريق الذي تقع عليه المسئولية٥.

стр. 444

وتباينت أحكام المؤرخين وفقًا لتعاطفهم مع هذا الفريق أو ذاك، فألقى بعضهم المسئولية على عائشة مبررين حكمهم في ذلك بأنها عارضت عثمان عندما اتضح لها أن سياسته لا ترضي عامة المسلمين، وعندما آلت الخلافة إلى علي، انقلبت عليه بما حملته في نفسها بسبب موقفه السلبي منها في حادثة الإفك، وقوله للنبي: "تزوج غيرها، فالنساء كثير"، وعدم دفاعه عنها، وحمل البعض الآخر طلحة والزبير المسئولية؛ لأنهما دفعًا الناس دفعًا إلى أتون هذا الحرب، وهما اللذان حرضًا عائشة على الخروج إلى البصرة، ولولا تحريضهما لما خرجت، ورأى فريق ثالث أن الزبير هو المسئول المباشر عن هذه الحرب، وقد استتر وراء الثلاثة الكبار ليحقق طموحه في اعتلاء منصب الخلافة، فاستغل خالته عائشة، ودفعها لخوض هذه الحرب ضد علي حتى تخلو له الساحة السياسية. والواضح أن قتلة عثمان يتحملون المسئولية المباشرة عن اندلاع هذه الحرب التي انخرطت فيها كافة الأطراف، عن وعي أو بدون وعي، كما أن قريشًا تتحمل مسئولية أدبية بفعل أنها انصرفت عن علي، فتركهم وذهب إلى الكوفة محاولًا أن يجد في قبائل اليمن المستقرة فيها السند البديل١، وأدت عصبية العشيرة دورًا في إذكاء روح الصراع، وقد انتعشت مجددًا في عهد عثمان من واقع ارتكاز هذا الخليفة عليها، "واستفزت عصبيات القبائل في الأمصار حين واجهت هذه طريقتها بمثلها في الاحتجاج أولًا، ثم في التطرف الذي هيأ الأجواء لقتله بصورة مألوفة من قبل هذه القبائل، وإذا كان بمقدور على ضبط هذه العصبية مرة أخرى قبل وقعة الجمل، فإنه أضحى عاجزا عن ذلك بعدها، لا سيما وأن خصومه لم يترددوا عن استخدامها كورقة أساسية لتعزيز موقعهم، واستقطاب الأنصار٢، وتصبح الصورة أكثر وضوحًا في هذا السياق حين نتوقف عند أسماء القتلى الذين سقطوا في وقعة الجمل، وقد بلغ عددهم نحو عشرة آلاف، مصنفين على أساس انتماءاتهم القبلية، نصفهم من أتباع علي، ونصفهم من أنصار عائشة، من الأزد ألفان ومن سائر اليمن خمسمائة، ومن مصر ألفان، وخمسمائة من قيس، وخمسمائة من تميم، وألف من بني ضبة، وخمسمائة من بكر بن وائل ... وقتل من بني عدي يومئذ سبعون شيخًا، كلهم قد قرأ القرآن، سوى الشباب، ومن لم يقرأ القرآن٣.

стр. 445

الفصل الرابع عشر: أوضاع المسلمين العامة في ظل خلافة علي بن أبي طالب الصراع بين علي، ومعاوية، والخوارج الصراع على مصر: تجلى الصراع بين علي ومعاوية بأوضح مظاهره في مصر أولًا، ورأى معاوية أن الصراع الحاسم بينه، وبين علي سوف يدور في هذا البلد، وأن تحييده أو غزوه، والسيطرة عليه من شأنه أنه يقوي وضعه على الجبهة العراقية -الشامية، وفي المقابل كان علي منهمكًا في حشد العراقيين حوله، ولم تكن مصر من أولى اهتماماته، فهي بعيدة جدًا عن قواعده، ولم يدرك أهمية الرهان عليها، على الأقل في حينه، إلا أنه دفع دفعًا إلى الدخول في صراع عليها، وقد حرصت المصادر على إظهاره بأنه شخصية سياسية محدودة الخبرة، إلى المناورة السياسية، والدهاء والحيلة، إلا أنها تؤكد على خبرته القتالية والعسكرية. وهناك حرص شديد، في المقابل، من المصادر نفسها على وصف معاوية بالشخصية السياسية الكثيرة الخبرة، والشديدة الدهاء والمكر، وأنه رجل دنيا لا دين، يتجاهل المبادئ والتعاليم الإسلامية في سبيل الحفاظ على مصالحه الخاصة، والمتمثلة بالحفاظ على السلطة والمال. والواقع أن هذه الإشارات التي تبالغ كثيرًا، قد وضعت لاحقًا بتأثيرات أموية أو عباسية، فقد كان علي سياسيًا أكثر مما تصفه به المصادر، وكان معاوية استراتيجيًا أقل كياسة، وأقل مكرًا مما جرت العادة على وصفه١. ومهما يكن من أمر، فالمعروف أن مصر بقيادة الوالي محمد بن أبي حذيفة الأموي، كانت مركزًا للثائرين على عثمان، وكان معاوية يواجه حصارًا حقيقيًا في

стр. 446

دائرة نفوذ على الواسعة، ولا يمكنه المناورة طويلًا في موقفه، ولقد شعر بوطأة الخطر بعد تعيين قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري واليًا على هذا البلد، خلفًا لمحمد بن أبي حذيفة الذي قتل في الحملة التي نفذها معاوية ضده١، وهو أحد الأشخاص البارزين في إدارة علي، بل أكثرهم حماسة لقضيته، وقد عقد الخليفة آمالًا كبيرة على نجاحه في مهمته، فيما كان معاوية في المقابل، يقدر المتاعب التي سيسببها تعيين مثل هذا الرجل على مصر، فهو عدا صلابته ينتمي إلى فئة معادية للبيت الأموي، وخشي من هجوم قد يشنه علي من العراق، وآخر قد يشنه قيس من مصر٢، فيقع بين فكي الكماشة، ويلحق به هزيمة محققة، بالإضافة إلى ذلك، فإن السيطرة على مصر من شأنها أن تمده بموارد اقتصادية وفيرة بفعل غني هذا البلد بالمقارنة مع غنى بلاد الشام، وتكسبه مركزًا عسكريًا ممتازًا بفعل موقع مصر الجغرافي، وتحصر الصراع بين العراق والشام، كما تعد خطوة أساسية في البناء السياسي للدولة الإسلامية، وقد دفعه ذلك إلى التصميم على السيطرة عليها، وتعاون من أجل ذلك، مع عمرو بن العاص الذي هدف إلى استعادة مجال نفوذه في مصر، وفقًا للتحالف الذي عقده الرجلان منذ بداية تعاونهما الذي أضحى وثيقًا جدًا. والواقع أن قيسًا نجح إلى حد ما في مهمته، وحصل على بيعة أهل مصر لعلي وسيطر على الوضع، غير أن نواة قوية من العثمانية تجمعت في خربتا٣، وقد رفض أفرادها البيعة لعلي، كان منهم مسلمة بن مخلد، وبسر بن أرطأة ومعاوية بن حديج، وقد ارتأى قيس محاورتهم دون أن يجد في موقفهم السلبي ما يشكل خطرًا على وضعه، ووقع اتفاق هدنة بين الطرفين من واقع عدم تعرض أي طرف للطرف الآخر٤، إلا أن ذلك اصطدم برأي الخليفة الذي مال إلى حسم هذا التمرد بالقوة، ومن خلال هذه الثغرة نفذ معاوية ليفسد على قيس مهمته ويسيطر على مصر، فراح يتصل بالعثمانية واعدا إياهم بمساعدة عسكرية فورية، والمعروف أن معاوية لم يقم حتى ذلك الحين بأي تحرك جدي ضد علي، ولا لأجل قضية عثمان باستثناء رفض البيعة، والهجوم الذي نفذه على مصر ضد محمد بن أبي حذيفة، الذي ربما ارتدى طابعًا أسريًا٥، ولم يفتح باب الصراع الفعلي مع علي إلا بعد تصفية جماعة الجمل

стр. 447

حيث بات مدفوعًا، أو مكرهًا على اتخاذ مواقف وقرار، كان عليه أن يعلن صراحة أنه ضد علي أو أن ينقاد له، فاختار المواجهة. تغالي المصادر كثيرًا في طريقة تمكنه من إبعاده قيس بن سعد، وإخراجه من مصر بالترغيب والتهديد١، إذ إن كل شيء يعد صالحًا للوصول إلى الهدف، وكان المقصود زرع الشكوك في نفس علي حول ولائه، مما دفعه إلى التعليق حول ما يروج عن قيس من أخبار "إني والله ما أصدق بهذا عن قيس"٢. والواضح أن خطة معاوية القاضية بإبعاد قيس عن مصر، كانت تسير نحو النجاح، من واقع رفض الوالي تنفيذ ما أمره به الخليفة من القضاء على حركة التمرد في خربتا، معللًا ذلك بأنهم وجوه أهل مصر وأشرافهم، ومن الرؤية جاء قرار عزله عن ولاية مصر٣. اختار الخليفة رجلًا يثق به، هو الأشتر من مالك النخعي، وأحد كبار قادته وعينه واليًا على مصر خلفًا لقيس، ويبدو أنه أدرك الآن أهمية مصر، وأنها تشكل نقطة توازن مهمة في الصراع بينه وبين معاوية، دون أن يعني ذلك فقدان ثقته بقيس، لكن حادثة العزل صبت في مصلحة معاوية؛ لأن الأشتر توفي، مسمومًا على الأغلب، في القلزم وهو في طريقه إلى مصر لاستلام منصبه مما حرم عليًا من رجل قدير٤؛ لأن خلفه محمد بن أبي بكر الذي عينه علي اتصف بقصر النظر السياسي، والجهل بشئون الحكم، فارتكب أعمالًا أثارت المصريين، فتعثرت مهمته، ولم تؤد إلى سد الثغرة، بل أسهمت في توسيعها ممهدة لخروج مصر من سلطة الخلافة. وسرعان ما وجد الوالي الجديد نفسه أمام مشكلة العثمانية في مصر، وفشل في تجاوزها، وسقط ضحيتها بعد تدخل مباشر من معاوية الذي انعتق من قيود الهدنة بعد معركة صفين، وتوطد مركزه من جراء التحكيم الذي جرى في شهر "محرم ٣٨هـ/ حزيران ٦٥٨م"، فراح يكشف عن مطامعه، ومطامحه لكي يقرر الاستيلاء على مصر علنًا. والواقع أنه كان قد اتخذ قراره قبل ذلك، كما أن علاقته بالعثمانية قد باتت واضحة، إلا أن التنفيذ حصل في شهر "صفر ٣٨هـ/ تموز ٦٥٨م"، فأرسل قوة عسكرية مؤلفة من ستة آلاف مقاتل بقيادة عمرو بن العاص، توغلت في أرض مصر، وانضمت إليها العثمانية.

стр. 448

وعبأ محمد بن أبي بكر أتباعه لمواجهة الزحف الشامي، وطلب نجدة عاجلة من علي، إلا أنه واجه عدة صعاب لم يتمكن من تجاوزها: - فقد تعرض لعملية تهديد نفسي من جانب معاوية والعثمانية، بسبب موقفه المناوئ لعثمان، وكان مهددًا بأشد عقوبات القصاص، وتصح بإخلاء الساحة. - لقد وعده علي بإرسال الإمدادات إليه، ولكن حثه على الاعتماد على قواه الذاتية. - لقد تعرضت قواته لارتدادات، مما أدى إلى تراجع قوته القتالية، وأدى في المقابل إلى تضخم صفوف الجيش الأموي، فانقلب ميزان القوى لغير صالحه. وخاض محمد بن أبي بكر معركة المسناة، وهو في وضع مزعزع مما أدى إلى انهزامه، ودافع عن نفسه حتى الموت، ويبالغ أبو مخنف في روايته الملحمية حول نهايته: فقد وجد نفسه وحيدًا بعد المعركة، فلجأ إلى مكان خرب حيث كشف أمره فلاحون، فأخذه معاوية بن حديج وأعدمه، خوفًا منأن يعفو عمرو بن العاص عنه، ثم أدخله في جيفة حمار وأحرقه١، والواضح أن هذا التصرف القاسي، والرهيب الذي يطال رجلًا مسلمًا، مهما كانت مواقفه السياسية، وهو أمر مستهجن، وبعيد عن مبادئ الإسلام السمحة.

стр. 449

معركة صفين: مرحلة المفاوضات: ظل علي يأمل في استقطاب معاوية، وتجنيب المسلمين مزيدًا من إراقة الدماء، وقدم نفسه منذ البداية على أنه طالب حق، فأرسل إليه رسولًا من الكوفة في شهر "رجب ٣٦هـ/ كانون الثاني ٦٥٧م"، هو جرير بن عبد الله البجلي، ومن فاتحي العراق الأوائل ورئيس قبيلة بجيلة، وأحد الأشراف الذين تعاون عثمان معهم، وأحد زعماء القبائل الذين تجنبوا الاشتراك في وقعة الجمل، واقتصرت مهمته على حمل معاوية على البيعة، ودعوته إلى الطاعة والجماعة١. ويبدو أن معاوية كان يواجه آنذاك موقفًا حرجًا، فهو لم يكن مطمئنًا على الوضع في مصر، ويرغب في تجييدها أو الاستيلاء عليها، كما أنه كان يتعرض لضغط بيزنطي متزايد، ولا بد له من تهيئة أهل الشام وتعبئتهم إلى جانبه، كما كان يراقب

стр. 450

تطور موازين القوى في معسكر علي، وهو بانتظار وصول عمرو بن العاص الذي استدعاه من فلسطين لمشاورته في الأمر؛ لذلك أجل رده إلى ما بعد وقعة الجمل، وأمسك الرسول١. ووجد معاوية في عمرو بن العاص، سندًا قويًا، فأشركه في مشروعه ووعده بمنحه ولاية مصر مدى الحياة في حال انتصاره، وبأنه سوف يساعده في تجاوز العقبات الداخلية والخارجية، ونصحه بتنظيم دعاية في أوساط مقاتلة الشام، وفلسطين ضد علي، وتحميله مسئولية قتل عثمان وإيواء قتلته، ثم يقاتله بهم٢، فاستدعى شرحبيل بن السمط الكندي، وهو من أشراف كندة، والرجل الأكثر تأثيرًا في بلاد الشام، قبليًا، وفيما يتعدى المزعامة القبلية، وأقنعه بمسئولية علي عن تفجير الوضع، ودعاه إلى دعمه للمطالبة بدم عثمان، فجال هذا في مختلف المدن الشامية يروج لأفكاره، ونجح في استقطاب أهالي الشام باستثناء أهل حمص٣، وكان ذلك كافيًا لدعم موقف معاوية ومطالبه، الأمر الذي سمح له بأن يعيد رسول علي مزودًا بشرطين: الأول: القصاص من قتله عثمان. الثاني: الشورى لانتخاب خليفة جديد٤. كان ذلك الرد بمثابة إعلان حرب، إذن هناك نقطتان أساسيتان تشكلان مضمون الصراع من جانب معاوية: الأولى ذات صلة بمقتل عثمان، والثانية متعلقة بمسألة شرعية السلطة٥، وشدد على النقطة الأولى أمام مقاتلة الشام الأشد تأثرًا بالدعوة للانتقام للخليفة المقتول، وهو يستند إلى كونه وليًا له بسبب قرابته منه٦، وأمام القراء الأقل تحمسًا للسير معه، وعندما طلب منه هؤلاء تبرير موقفه أجابهم: "إذا كان علي لم يقتل عثمان فقد تواطأ على قتله، وحمى القتلة الذين يشكلون محيطه ونواة أتباعه"٧، وعلى هذا النحو ربط بين عنصري الصراع، فكرة المطالبة بدم عثمان، والدعوة إلى الشورى٨، لكنه لم يتمكن من توجيه تهمة مباشرة لعلي بالضلوع في

стр. 451

القتل، الأمر الذي يفسر اتهاماته المتدرجة له من التجريم المباشر إلى مجرد طلب تسليم الجناة١، وحاول استقطاب المؤيدون لفكرته، فكتب إلى عبد الله بن عمر بدعوه إلى مساندته، "فأعنا يرحمك الله على حق هذا الخليفة المظلوم، فإني لست أريد الإمارة عليك، ولكني أريدها لك، فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين٢، كما كتب إلى سعد بن أبي وقاص، ودعاه إلى نصرته في معاقبة قتلة عثمان، "فإنا نردها شورى بين المسلمين"٣، وأكد خلال اتصالاته مع علي على رؤيته لحل النزاع "اعتزل أمر الناس، فيكون أمرهم شورى بينهم، يولي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم"٤. وفي المقابل، دافع علي عنه رأيه، فرأى أنه يمسك بزمام السلطة الشرعية، وقد جرى انتخابه في المدينة مركز منح السلطة، بالأغلبية الساحقة من المسلمين وبخاصة المهاجرين، والأنصار الذين بايعوا الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه، كما أن الشورى هي لهم، فإذا "اجتمعوا على رجل فسموه إمامًا كان ذلك لله رضى، فإن خرج منهم خارج ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين"٥، وعليه واجب توحيد كلمة المسلمين، ولا علاقة لمعاوية بالمطالبة بدم عثمان؛ لأن أبناء القتل أولى منه، وأنه ادعى ما ليس أهله، ونازع هذا الأمر من ليس مثله، وجادل بالباطل ليدحض به الحق"٦، وعده خارجًا. أما المقصاص من قتلة عثمان، فهي قضية ثانوية، ولا يعد نفسه متورطًا في هذا القتل، كما أنه لا يستطيع تسليم قتلته في هذه الظروف الحرجة التي يمر بها المسلمون٧. وكرر علي مطالبة معاوية العودة إلى حظيرة الجماعة الإسلامية، والاعتراف به خليفة للمسلمين، ضمن كتاب أرسله إليه في شهر "رمضان ٣٦هـ/ آذار ٦٥٧م"، مع ضمرة بن يزيد، وعمرو بن زرارة النخعي، لكن معاوية لم يبدل رأيه، وكرر تنفيذ شرطيه السابقين٨.

стр. 452

مرحلة التجهيز، والاستعداد: التعبئة البشرية في قوات علي: كان قتلة عثمان يتولون زمام الأمور في الكوفة، وقد ازداد عددهم كثيرًا بعد وقعة الجمل، ومارسوا مزيدًا من التأثير، والضغط في سبيل الحرب، متخطين الانقسامات القبلية، وقد وظفوا نفوذهم بين قبائلهم من أجل تجييش المؤيدين والأتباع، والراجح أنه كان يربطهم اعتاقد راسخ بأنهم كانوا على حق حين قتلوا عثمان، وحين حاربوا أصحاب الجمل، وأنهم الآن على حق وهم يستعدون لمحاربة "ظلمة الشام"١، لكن ربما علينا أن نفرق بين فئتين منهم: الفئة الأولى: هم القادة القلائل، وأتباعهم الذين يسيرون وراءهم، وقد تجمعوا حول علي وتبنوا قضيته، ودخلوا في لعبة السلطة الجديدة، وسوف يساندونها بقوة، وسيقاتلون في صفين من أجل شرعية علي، وبخاصة أنه عينهم ولاة على الأمصار٢. والواقع أن الخليفة اهتم باستقطابهم بعد ضعف المشاركة الكوفية إلى جانبه في وقعة الجمل، فكان بحاجة ماسة إلى نفوذهم السياسي بقدر ما كان بحاجة إلى قدرتهم القتالية لكي يؤمن قوة ضاربة، إذ لم يكن قادرًا على فرض قيادة شخصية، ومباشرة من جمهور الكوفيين، وبالتالي كان لا بد له من أن يمر من خلال الأشراف٣، وفعلًا، فقد سانده هؤلاء من واقع: - أنه الخليفة الشرعي، وقد ثبته الانتصار في وقعة الجمل في شرعيته. - لقد كان ي الكوفة اتجاه عام لصالحه. - لقد أدت الإقليمية دورًا مهمًا في دفع العراقيين بعامة إلى الوقوف خلفه، وذلك من خلال التنافس الإقليمي بين العراق والشام، بدليل قول معاوية لجنده، وهو يعبئهم لمعركة صفين " ... إنكم قد سرتم لتمنعوا الشام، وتأخذوا العراق ... "٤. - إن وجود الخليفة في الكوفة كان يفرض على الكوفيين الدفاع عنه، وعن عاصمتهم أيضًا.

стр. 453

- إن شخصية علي كانت تفرض الاحترام، وتستقطب الأتباع من خلال ماضيه الإسلامي، ومن حيث استقامته، وعدم تبديله النظام الاجتماعي القائم. الفئة الثانية: هم جماعة القراء الذين شكلوا قوة متماسكة، إنما ظلوا أقلية في الكوفة والبصرة، إنهم نواة الخوارج، وقد ركزوا على قناعاتهم الخاصة بدافع ماضي علي، وتعالي القرآن فوق كل سلطان بشري، وإدانة ما ابتدعه عثمان، والمطالبة بالتخلص منه، والعداء للمزاعم القرشية في الوصاية على الإسلام، وقد توافقت مصلحتهم مع مصلحة علي ضد الخصم المشترك، وبالتالي، فإن دعمهم له هو مصلحي بقدر ما كان على يشاطرهم آراءهم، وسوف يقاتلون من أجل فكرتهم عن العدل والعدالة، لكن الخلافات بين الطرفين سوف تغيب الآن بفعل قرب الخطر والمعركة المشتركة، وحضور علي، وبحركة قادتهم النشطة، وستنفجر بعد القتال في صفين١. وتلقى علي مساعدة محدودة من قبائل البصرة، النصف تقريبًا، وذلك بسبب مواقفها السابقة من أحداث الفتنة المتمثلة في تأييدهم لسياسة عثمان، ومعارضتهم لقتله، ووقوفهم وراء أصحاب الجمل. وساند المهاجرون والأنصار، وذوو الأصل البدوي المقيمون في المدينة، عليًا، سبعون من أهل بدر، وسبعمائة ممن بايع تحت الشجرة، وأربعمائة من سائر المهاجرين والأنصار٢، إنهم نسبيًا قليلو العدد بالمقارنة مع الجماعتين الكبيرتين الكوفية والبصرية، ولكنهم كانوا مع ذلك يملكون قوة معنوية كبيرة بوصفهم كانوا صحابة، وأبناء الصحابة وأنصار رسول الله الذين ذكرهم الله في كتابه، والمعروف أنه جرى تهميشهم على أيدي الخلفاء الثلاثة السابقين، فرفعهم علي بعد أن بنى شرعيته على إجماعهم، وبفعل أنه أراد أن يمارس سياسة إسلامية بعيدة عن الشعور القبلي المحض٣. وهكذا نجح علي في تشكيل تجمع من المقاتلين إلى جانبه، ويعد هذا انتصارًا بحد ذاته، غير أن التشكيل جاء غير متجانس، وغير منسجم عقائديًا، وإقليميًا وقبليًا، إذ ضم عناصر متباينة في الولاء والمفاهيم والتوجهات، فهناك المهاجرون والأنصار، وأشراف القبائل وأهل القادسية، والأيام والروادف وجماعات القراء، وهي عناصر

стр. 454

تتفاوت في درجة تقديرها لمصالحها، وفي نظرتها لقريش، ولسلطان المدينة، وفي تقييمها لأبعاد الصراع الذي تخوضه، بدليل أنها ظلت مثار شكوى على منذ انطلاقه لمواجهة معاوية وحتى مقتله١. التعبئة البشرية في قوات معاوية: وقفت القوى في بلاد الشام بأجمعها وراء معاوية، وساندته بكل قواها، ودعمته بشكل مطلق، وذلك بدافع: - الشعور البدائي بعصبية الدم. - الكبرياء والكراهية. - عدم القبول بسيطرة أهل العراق. شكلت هذه القوى تجمعًا مؤتلفًا نسبيًا، ووحدة إقليمية مماثلة لوحدة الكوفة وحدها أو البصرة وحدها، لكنها كانت متباعدة جغرافيًا، فقد أقام القيسيون في الجزيرة حول قرقيسياء، واتخذت الجماعات اليمنية الكبرى مكانًا لها، ومجالا حول حمص، واستوطنت قضاعة، لا سيما لخم وجذام، ساحل فلسطين والأردن، مع امتداد باتجاه الصحراء الشامية٢، ومن محاسن هذا التبعثر أنه يستبعد الاحتكاكات القبلية، ويسمح بتعايش منسجم، لكنه بحاجة إلى قوة توحيدية ومطاعة، وبخاصة أن بلاد الشام كانت في وضع حدودي ودفاعي دائم بسبب التهديد البيزنطي المستمر، لذلك كانت هذه القوى في حال جهوزية دائمة، ومدربة على القتال، من هنا كان الشعور بالحرص على الأرض والدفاع عنها، والاستقرار والولاء الشديد للسلطة٣. كانت بلاد الشام مصونة من كل أشكال الاعتداءات الخارجية في ظل حكم معاوية، وآل الأمر بالشاميين إلى تكوين عالم خاص، ملك قائم بذاته، وليس مستغربًا أن تتوافق خصوصيتهم مع قضية الخليفة المقتول، وأن تعزز شعورًا قويًا لصالح البيت الأموي، في ميله الانتقامي لقتلة عثمان، وفي طموحه السياسي وفي رفضه القبول ببيعة علي، وكان ذلك يزداد بقدر ما كان يتراءى لهم أن عليًا أضحى رجل العراقيين٤. مرحلة الصدام العسكري: بلغت معاوية أخبار استعدادات علي للمسير إليه، فجهز قواته البالغة ما بين

стр. 455

ثمانين إلى مائة ألف مقاتل١، وانحدر بها إلى صفين على شاطئ الفرات الغربي قرب الرقة؛ لأن ذلك هو الطريق الطبيعي الذي سيسلكه جيش علي ليصل إلى بلاد الشام، ووصل إليها في "أول ذي الحجة ٣٦هـ/ ٢١ أيار ٦٥٧م"، واستقر فيها، وساعدته الظروف البيئية من سهولة الأرض، وملاءمة المناخ وقرب الفرات٢. كان علي يعسكر في النخيلة على بعد ميلين من الكوفة استعدادًا للانطلاق إلى بلاد الشام، وطلب منه بعض قادته بإعطاء المفاوضات فرصة أكبر، كما طلب منه آخرون بالمسير مباشرة لقتال معاوية، وآثر هو الواجهة السريعة لحسم الوضع، فغادر النخيلة إلى الصراة، ثم المدائن فالأنبار فالرقة فصفين، فوصل إليها بعد بضعة أيام من وصول معاوية، وقد بلغ عدد قواته ما بين تسعين إلى مائة ألف مقاتل٣. وشهد شهر ذي الحجة مبارزات فردية، ومناوشات جماعية محدودة قبل أن يتوقف القتال في شهر "محرم ٣٧هـ/ حزيران ٦٥٧م"، ربما بضغط القاعدة التي كانت ترغب في السلام، ويبدو أن حرص الطرفين على الاحتفاظ بقدر معين من التفاهم يكتسب أهمية بالغة في التطورات اللاحقة، إذ يظهر الرغبة الكامنة لدى أهل الشام، والعراق في المصالحة، وبخاصة أن كل طرف كان يتخالط مع الطرف الآخر، ويدخل معسكره وسط جو من حسن الجوار٤. استمرت الهدنة شهرًا واحدًا تخللها اتصالات، ومفاوضات على أمل الوصول إلى اتفاق ينهي النزاع، ويحقن دماء المسلمين، لكن التصلب في المواقف حال دون ذلك٥، والواقع أن اندفاع قيادات الطرفين للقتال قابله حرص من سواد رجالهما على أن تكون المواجهة بينهما محدودة خشية من هلاك المسلمين٦. ويبدو من تفاصيل التعبئة حرص طرفي النزاع على أن تواجه كل قبيلة من قبائل الشام أختها من أهل العراق، إلا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد، فصرفها إلى قبيلة أخرى تكون بالشام ليس منها أحد في العراق، مثل بجيلة التي لم يكن منها في الشام إلا عدد قليل، فصرفهم إلى لخم٧.

стр. 456

واشتبك الطرفان في حرى معركة طاحنة، ستتحمل الأجنحة ثقلها، تبادل المتقاتلون خلالها الكر والفر، وتأرجحت الكفة بين النصر والهزيمة من واقع ضغط الطرفين كل على الآخر، ووصلت إحدى الهجمات العراقية إلى جوار معاوية، ووصف يوم الخميس ١٢ صفر بأنه اليوم الأطول، وأطلق على ليله اسم الهرير، وقتل فيه ذو الكلاع، وعبيد الله بن عمر، وعمار بن ياسر وهاشم بن عتبة، وهو المرقال حامل لواء علي١، وكثر القتل بفعل اشتداد المواجهة، وأمام خامة المجزرة خشيت العرب على نفسها من القتال والهلاك، ولاح في الأفق أن نهاية الدولة الإسلامية بات وشيكًا، والواقع أن المسلمين جميعًا كانوا يتقاتلون، وتتمزق الأمة دون أي أفق في انتصار طرف على آخر، فالكفتان متوازنتان والقتال سجال٢، واستفاقت قيادات الطرفين على هول الكارثة، وانطلقت نداءات سلمية من وسط القتال، "ألا تذكرون الأرحام، أفنيتم لخم الكرام، والأشعريين وآل ذي حمام، أما تذكرون أهل فارس، والروم، والأتراك"، "من لثغور الشام بعد هلاك أهل الشام؟ ومن لثغور العراق بعد هلاك أهل العراق، من للذراري والنساء"٣. وأدرك مقاتلوا الشام بأنهم يسيرون نحو الإبادة المتبادلة، فنادوا بالبقية، أي وقف القتال خوفًا من زوال الجميع "لقد أكلتنا الحرب، ولا نرى أننا سنغلب أهل العراق إلا بفناء أهل الشام"، ويبدو أن معاوية لم يكن مستعدًا للتضحية بأهل الشام للوصول إلى غاية، وتبين له أنه لن يكون هناك غالب ومغلوب، ومن هذه الرؤية دعا القادة العراقيين إلى وقف القتال، فكتب إلى علي يقول: "أما بعد، فإني أظنك أن لو علمت أن الحرب تبلغ بنا، وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، وإن كنا قد غلبنا على عقولنا، فلنا منها ما نذم به ما مضى، ونصلح ما بقي، فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو، ولا تخاف من الفناء إلا ما أخالف، وقد والله رقت الأجناد، وذهبت الرجال"٤. كما كتب إلى ابن عباس يقول: "وأدالت هذه الحرب بعضنا من بعض، حتى استوينا فيها، فما أطمعكم فينا، وما أيأسكم منا أيأسنا منكم، وقد رجونا غير الذي كان، وخشينا ما وقع، ولستم ملاقينا اليوم بأحد من حدكم أمس، وقد منعنا بما كان منا الشام، وقد منعتم بما كان منكم العراق، فاتقوا الله في قريش"٥، وكتب عمرو بن

стр. 457

العاص إلى عبد الله بن عباس يقول: "فوالله ما أبقت هذه الحرب لنا ولا لكم حياة وصبرًا، وأعلم أن الشام لا تهلك إلا بهلاك العراق، وأن العراق لا تهلك إلا بهلاك الشام"١، وفي المقابل مال مقاتلو العراق إلى الموادعة، وقالوا: "إن هذه الحرب قد أكلتنا، وأذهبت الرجال، والرأي الموادعة"٢. إن قراءة متأنية لمضمون نداءات المصالحة، والموادعة توضح اختلاطها بقيم الدين والشرف، والعرض والتعصب للأمصار، مع ملاحظة تراجع الأثر الديني في أداء الدور الرئيسي فيها، وفي هذه الأجواء، رفع مقاتلو الشام المصاحف، فتوقف القتال٣، أما الاعتقاد بأن جيش الشام كان على وشك الهزيمة والانهيار، وأنه رفع المصاحف تخلصًا من هذا المأزق؛ فهو اعتقاد مبالغ فيه، هناك رواية واحدة مصدرها أبو مخنف توهم أن الأشتر كان يأمل النصر حيث قام بعملية اختراق في صفوف جيش الشام، وأنه كان يسير نحو النصر. والواقع أن غالبية قوات علي وافقوا على وقف القتال٤، من واقع تعبير قادتهم له حين استشارهم "لم يصب منا إلا وقد أصيب مثلها منهم، وكل مقروح، ولكنا أفضل بقية منهم"٥، فأدرك عندئذ أن الوضع الميداني لقواته أضحى حرجًا بسبب الإرهاق الشديد الذي أصابهم، وأنه لم يعد باستطاعتهم المضي في القتال؛ فاتخذ قرارًا بوقف الحرب، أما إبراز أنه وافق مكرهًا بفعل ضغط القراء، أو فئة منهم أو يضغط الأشعث بن قيس، وهو قد دعا قواته إلى تجاهل النداء والاستمرار في القتال بفعل أن فكرة رفع المصاحف خدعة ومكيدة٦، فأمر لا يمكن القبول به، وبخاصة أنه قدم نفسه منذ البداية على أنه رجل سلام، وكان لديه شعور صادق تجاه الحل السلمي منذ ما قبل اندلاع القتال. إن إعادة قراءة أحداث معركة صفين أمر مهم جدًا لرصد وضع كل طرف، ولا شك بأن عليًا، ومعاوية أدارا المعركة بشكل ناجح، وحرصًا على الحفاظ على دماء المسلمين ما أمكن، على الرغم من كثرة عدد القتلى، وتمييز علي بالشجاعة، والصبر في حين ظهر معاوية كقائد سياسي محترف.

стр. 458

ويبدو التأثير الشيعي واضحًا في ما تقدمه بعض روايات المصادر من صورة علي البطل الخارق ذي القوة الجسدية الهائلة، ورجل المآثر والمواقف الصعبة، والذي قابل الإساءة بالإحسان، إذ سمح لقوات الشام بالوصول إلى ماء الفرات في الوقت الذي أصر معاوية على منع أهل العراق من الوصول إليه، الحريص على دماء المسلمين، إذ حاول إقناع معاوية بوقف القتال، ولم يؤذ النساء، ولم يأخذ أموال أهل الشام بغير وجه حق، وهو الرجل المتسامح الذي يأمر بإطلاق سراح الأسرى، وتصور قادته بأنهم ذوو مهارات عسكرية خارقة، ومقاتلون متميزون مخلصون، يرفضون خيانة قائدهم ومصرهم، ومستعدون لبذل أرواحهم ثمنا لانتصاراتهم، وتصور معاوية، في المقابل، بالرجل الذي فرط بدماء المسلمين، ويرفض الاستجابة لدعوات علي المتكررة بالموادعة ووقف القتال، ويحث قواته على القتل والتنكيل، ويفتقد إلى المزايا العسكرية التي تؤهله ليكون قائدًا، فهو يخشى مبارزة علي، وسرعان ما يفكر بالفرار من ساحة المعركة عندما يشتد ضغط الجبهة العراقية على قواته، ولا يشارك معسكره في القتال بل "يجلس وعلى رأسه رجل قائم، معه ترس ذهب يستره من الشمس، وهو إنسان مخادع عديم الرحمة، يعرض الرشوة باستمرار على قيادات علي وجنده بهدف سلخهم واستقطابهم، كما أنه يرفض دفن جثث القتلى العراقيين، ويدعو إلى قتل الأسرى، وتتصف قيادات عسكره بالجبن والخداع، وفي مقدمتهم عمرو بن العاص الذي اقترح فكرة رفع المصاحف بهدف وقف القتال بعد أن مالت كفة المعركة لصالح علي، وتصف قبائل الشام بالمترددة؛ لأنها لا تقاتل عن إيمان، وإنما تقاتل عن حمية، وأبرزت أن موازين القوى في ساحة المعركة كانت لصالح علي في حين أن معسكر معاوية كان على وشك الهزيمة١. والواقع أن هذا الأمر لا يمكن قبوله، وبخاصة أن مختلف الروايات قدمت معلومات مهمة عن الأوضاع الصعبة التي كان يعانيها طرفًا القتال في المعركة. التحكيم وظهور فرقة المحكمة: كان رفع المصاحف من قبل مقاتلي أهل الشام بمثابة دعوة إلى التعقل، ووقف القتال بين المسلمين، واتخاذ القرآن حكمًا بين الطرفين المتخاصمين "كتاب الله

стр. 459

يحكم بيننا وبينكم"، وسوف يترتب على ذلك مسألتان مترابطتان، ومتعاقبتان في الزمن الأولى وقف القتال، والثانية اللجوء إلى التحكيم، وإذا كنا قد تحدثنا عن المسألة الأولى، فسوف نبحث هنا المسألة الثانية. والواقع أن رغبة السلام كانت قوية لدى غالبية جيش علي لدرجة أن هؤلاء تقبلوا المفاوضات الأولية التي جرت بين الأشعث، ومعاوية لوضع أسس التحكيم التي آلت إلى اختيار حكمين للنظر في الخلاف بمقتضى القرآن، ويبدو أن هذه القضية هي التي أثارت عامة القراء أو بعضهم، ودفعتهم إلى رفضها. وهكذا تبدل موقفهم مباشرة بعد اتفاق الطرفين على قبول وقف الحرب، وقبل الخوض في التفاصيل الخاصة بعملية التحكيم، وقد بلغ عدد الرافضين زهاء أربعة آلاف "من ذوي بصائرهم، والعبّاد منهم"١. والراجح أن هؤلاء الرافضين لمبدأ التحكيم، اعتقدوا، حين امتثلوا لحكم القرآن، أن دورا ما سيوكل إليه لإصدار الحكم من خلال مضمونه، مع رفضهم تدخل البشر في هذا الحكم، أو أنهم كانوا يطرحون مسبقًا أن القرآن يدين معاوية؛ لأنه يمثل الفئة الباغية، ولا بد من قتاله، وأن رفعه المصاحف كان نوعًا من الاستسلام٢، أو أنهم أدركوا أنهم تسعروا كثيرًا في هذا الأمر الذي حمل في طياته بشائر النصر لمعاوية، مما يهدد مصالحهم بشكل أعظم من ذي قبل، ومنذ هذه اللحظة حصل حصل الانقسام في جيش علي٢. وعندما جال الأشعث بن قيس بين المقاتلين ليروج لفكرة التحكيم، تعرض للاغتيال، حيث اندفع الرافضون أمامه يصرخون أمامه يصرخون في وجهه "لا حكم إلا الله"، فعرفوا بالمحكمة، وأعلنوا توبتهم عن قبول وقف القتال، وطالبوا عليًا أن يستأنف الحرب٣. ومهما يكن من أمر، فئقد جرى اختيار حكمين هما: أبو موسى الأشعري ممثلًا عن أهل العراق، وعمرو بن العاص ممثلًا عن أهل الشام، وإذا كان هذا الأخير يعد حليفًا قويًا لمعاوية، فإن الأول يجسد التوجه الحيادي الذي لازمه في الكوفة من قبل، حين دعا الكوفيين إلى عدم مبايعة علي الذي عزله، كما كان قد حذر من الفتنة، والواقع أنه فرض على علي من جانب الأشتر، وأغلبية المقاتلين الذين عارضوا رغبته في اختيار عبد الله بن عباس، ويبدو أن لذلك علاقة بمدى قرابته.

стр. 460

منه، بالإضافة إلى أنه رجل تقي يثق به أهل العراق، وأهل الشام، وهو على مسافة واحدة من كلا الطرفين المتنازعين١. والواضح أن اختيار أبي موسى الأشعري أحدث نقلة نوعية سلبية في الصراع، وشكل منعطفًا حاسمًا في موقف جيش العراق، وذلك بفعل أنه تحول إلى الحياد في النزاع بين علي ومعاوية، وهو الموقف القديم للكوفيين الذين تنكروا لعلي في وقعة الجمل، ويبدو أن هذا الانقلاب جاء نتيجة خيبة أمل العراقيين من تحقيق النصر. وثيقة التحكيم: كتب الطرفان بينهما وثيقة التحكيم يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من شهر صفر عام ٣٧هـ، كتبها عبد الله بن رافع، كاتب علي، وعمير بن عباد الكناني، كاتب معاوية، وتتضمن تسليم الطرفين المتنازعين أمرهما لحكم القرآن، وأن الحكمين المذكورين في النص٢، ملزمان بالتقيد بحكم القرآن أيضًا، وحدد الأجل بثمانية أشهر ينتهي في شهر "رمضان ٣٧هـ/ شباط ٦٥٨م"، وبقي مكان اللقاء غامضًا "مكان وسط بين أهل الكوفة، وأهل الشام"، قبل أن يتأرجح بين دومة الجندل، وأذرح الأكثر توسطًا٣، والملفت في هذه الوثيقة أمران: الأول: أنها تجاهلت القضية الأساسية التي ارتكز عليها صراع علي ومعاوية، وهي القصاص من قتلة عثمان، ويبدو أن معاوية نجح في تحويل المسألة إلى قضية سياسية بينه، وبين علي في الصراع على السلطة، وعلى هذا النحو سيتطور التحكيم. الثاني: رفض معاوية كتابة "أمير المؤمنين" بجانب اسم علي، لعدم اعترافه بذلك، ولم يصر علي على ذلك مما عد تنازلًا منه عن الخلافة؛ لأنه وضع نفسه على قدم المساواة مع معاوية، ولم يعد سوى رئيس العراقيين وشيعتهم، تمامًا مثلما كان معاوية زعيم أهل الشام وشيعتهم، وقد أتاحت هذه الخطوة طرح مصطلح الشورى، وعزز من إصرار معاوية على تطوير محاور صراعه مع علي، وأعطاه غطاء شرعيًا للخروج على خلافته، وعدم الاعتراف بها٤. وهكذا، من خلال حلقات جاءت متعاقبة، ومتداخلة بدءًا بقبول التحكيم إلى فرض أبي موسى الأشعري ممثلًا له، إلى التخلي عن إمرة المؤمنين؛ كان علي يفقد
следующие страницы →