المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، وبعد:
تتناول هذه الدراسة موضوعًا شائكًا في التاريخ الإسلامي المبكر، يعد من أهم الموضوعات في مجال البحث العلمي، ويشكل استمرارًا لانتقال الأمة الإسلامية من مرحلة التحالف القبلي إلى مرحلة الدولة الإسلامية التي ابتدأت في حياة النبي، ويحدد النهج لمرحلة ما بعد عصر الرسالة، ويتضمن ملابسات تكوينه، وتطوره في ضوء ما حدث في عصر صدر الإسلام من فتوح، وما ارتبط بها ونتج عنها من صراعات سياسية، ونقاشات دينية حادة، ونزاعات حزبية وتطورات اجتماعية، ويشير مصطلح صدر الإسلام إلى عصر الخلفاء الراشدين، ويعد الارتباط بين الجانب الديني، والتطور التاريخي أحد أهم ملامحه.
لقد تفاعلت عوامل مختلفة داخلية وخارجية، سياسية واجتماعية، اقتصادية ودينية؛ ساهمت، بشكل متفاوت، في رسم مسار الأحداث التاريخية، وتحديد غاياتها، ولا يمكننا استيعاب هذا التطور إلا من واقع متابعة الأحداث الأساسية المفردة، وتعقب نشاط الشخصيات التاريخية البارزة لهذا العصر، بالإضافة إلى نشاط مختلف شرائح المجتمع، والملاحظ أنه كلما توسعنا، وتعمقنا في التحليل التاريخي لأحداث هذا العصر؛ ازداد تنوع وتضارب الآراء، والتوجهات حول تقييمها.
وسوف يتم تسليط الأضواء على الأحداث التاريخية، والمشكلات الاجتماعية التي واجهت المسلمين الأوائل، الناتجة عن خلافة النبي ﷺ وحروب الردة، والفتوح بدءًا بخلافة أبي بكر الصديق، ومرورًا بخلافة عمر بن الخطاب، ووصولًا إلى خلافة عثمان بن عفان، وانتهاء بخلافة علي بن أبي طالب.
والواقع أن قضية نظام الحكم كانت المشكلة الأولى التي واجهت المسلمين بعد وفاة النبي الذي لم يعهد لأحد بتدبير أمور المسلمين من بعده، سياسيًا بشكل خاص.
стр. 2
وأضحى لزامًا على المسلمين أن يتصرفوا ضمن حدود القرآن والسنة، وينشئوا نظامًا يفهم الاختلاف والفرقة، فأنشأوا نظام الخلافة.
واجه أبو بكر، خلائل حياته السياسية القصيرة بعد أن اختير أول خليفة على المسلمين، مشكلتين كبيرتين، تمثلتا بردة العرب عن الدين الإسلامي بعد وفاة النبي، وبالفتوح خارج الجزيرة العربية، لكنه ما لبث أن تغلب عليهما، فاستعادت الجزيرة العربية وحدتها، ودانت بالطاعة للحكومة المركزية في المدينة مما سمح ببدء عمليات الفتوح والتوسع في العراق، وبلاد الشام التي وضع أساسها النبي لنشر الدين الإسلامي بين القبائل العربية خارج الجزيرة العربية.
وواصل عمر بعد انتخابه خليفة، على أثر وفاة أبي بكر وبعهدته، عمل هذا الأخير، فاستكمل الفتوح في العراق، وبلاد الشام بالإضافة إلى بلاد فارس ومصر، وأضحى المسلمون في عهده عاملًا مهمًا في التاريخ العام بعد أن فتحوا هذه المناطق، وقضوا على الإمبراطورية الفارسية، وانتزعوا أملاكًا واسعة من الإمبراطورية البيزنطية، وهو الحدث الملفت في التاريخ الذي تم إنجازه في أعوام معدودة، وتميز بطول المسافة وإتساع الرقعة، وعمق الأثر ودوامه، وشهد عهده نقلة نوعية من واقع استكمال خطوات النبي في الانتقال من مرحلة التحالف القبلي إلى مرحلة الدولة الإسلامية، وذلك بما وضع من تنظيمات سياسية، واجتماعية واقتصادية نظمت العلاقات بين مختلف أفراد المجتمع الإسلامي من جهة، وبينهم وبين الدولة المركزية من جهة أخرى، بالإضافة إلى تنظيم العلاقات بين الدولة الإسلامية، وسكان البلاد المفتوحة، والواقع أن هذه العملية تتميز بالتعقيد؛ لأنها خرجت إثر انقلاب شامل في جميع مجالات الحياة، وترافقت مع انتشار الإسلام.
وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة الإسلامية تسير بخطى واسعة، وثابتة نحو الاستقرار، تعرضت لاضطرابات داخلية نتيجة تنامي النفوذ السياسي، والاقتصادي "للأرستقراطية" القرشية، فتجدد التنافس بعد مقتل عمر بن الخطاب، بين بني هاشم وبني أمية، تجلى منذ اختيار عثمان بن عفان خليفة للمسلمين، وتعرضت سياسة هذا الخليفة للسخط من جانب بعض الشخصيات الإسلامية من واقع انقسام المجتمع الإسلامي على نفسه بين مؤيد لبني هاشم، ومؤيد لبني أمية، بالإضافة إلى الفرز الاجتماعي الناتج عن عمليات الفتوح، والمتمثل بتحديد العطاء، وتوزيع الثروات المحصلة من الغنائم، وتنامي قوة الأمصار على حساب القوة المركزية في المدينة، وقد أدى كل ذلك إلى مقتل عثمان.
стр. 3
ودفع علي بن أبي طالب إلى تسلم الخلافة في خطوة تكاد تكون انقلابية ضد سياسة سلفه، لكنه ما لبث أن واجه معارضة سياسية مغلفة بإطار الثأر لمقتل عثمان، وبدا التنافس السياسي على السلطة واضحا بين قادة المسلمين، مما انعكس سلبا على أوضاعهم وقدراتهم، فتراجعت حركة الفتوح، وواجه علي حركتين معارضتين لحكمه، تمثلت الأولى بخروج طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعائشة أم المؤمنين، وانتهت هذه الحركة بانتصاره في حرب الجمل، وتمثلت الثانية بمعارضة بني أمية بزعامة معاوية بن أبي سفيان والي الشام، وقد تطورت إلى حرب دارت رحاها في صفين، وانتهت باتفاق الطرفين على التحكيم، لكن هذه الخطوة لم تنه الخصومة بين الهاشميين والأمويين، وأخذت الصعاب تلاحق عليًا في دولته حتى قتل على يد الخوارج، وانتهى بمقتله عصر صدر الإسلام.
اعتمدت في هذه الدراسة على مصادر أساسية، ومراجع متنوعة مبينة في ثبت المصادر والمراجع، وآمل بما اعتمدت عليه أن يخدم الحقيقة التاريخية.
أما تشكيل الموضوعات التي يراها القارئ بعناوينها، فقد قسمتها إلى أربعة أبواب تتضمن أربعة عشر فصلًا.
عالجت في الفصل الأول الأوضاع السياسية في الجزيرة العربية عقب وفاة النبي، حيث برزت مشكلتان سياسيتان أمام المسلمين، تمثلت الولى في اختيار خليفة للنبي، وتمثلت الثانية في بروز الردة بين القبائل العربية، وإذا كان المسلمون قد نجحوا في حل المشكلة الأولى باختيار أبي بكر الصديق خليفة عليهم، فقد أخذ هذا على عاتقه التصدي لحل المشكلة الثانية.
وعالجت في الفصل الثاني تفشي ظاهرة التنبؤ في المجتمع العربي، حيث ظهر المتنبئون مثل: الأسود العنسي في اليمن، ومسيلمة الكذاب في اليمامة، وطليحة الأسدي في بزاخة، وسجاح التميمية، وذي التاج لقيط في عمان.
وتطرقت في الفصل الثالث إلى حروب الردة التي خاضها المسلمون ضد المتنبئين، والمرتدين حتى القضاء عليهم، مما أتاح لأبي بكر إعادة الوحدة السياسية، والدينية للعرب في جزيرتهم.
وتضمن الفصل الرابع سجلًا بأوضاع الدولتين الفارسية، والبيزنطية عشية الفتوح الإسلامية من كافة الجوانب السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية والدينية، بالإضافة إلى العلاقات بينهما تلك التي اتسمت بالعدائية غالبًا، والمعروف أن الدولة الأولى كانت تمر بمراحل شيخوختها، وأن الثانية كانت تعاني من صعاب داخلية وخارجية، مما سمح للمسلمين بالإنسياب إلى أراضيهما.
стр. 4
وعالجت في الفصل الخامس الفتوح في عهد أبي بكر الصديق، في العراق وبلاد الشام، وقد ارتبطت بدايات فتوح العراق بانتهاء حروب الردة حيث وجد المسلمون أنفسهم على حدود هذا البلد، فسيطروا على جنوبه ووسطه. واشتهر كل من المثنى ابن حارثة الشيباني، وخالد بن الوليد، اللذان حققا هذا الإنجاز، وكانت بلاد الشام في مقدمة اهتمامات أبي بكر الهادفة إلى
التوسع عبر المناطق المألوفة للعرب جغرافيًا، فأرسل الجيوش إلى هذه البلاد
لفتحها، فانتشر المسلمون في ربوعها، ونتيجة للصحوة البيزنطية المتمثلة برد الفعل، احتاج المسلمون إلى قيادة خالد بن الوليد، فانتقل من العراق إلى بلاد الشام بناء لأوامر الخليفة، وقاد المسلمين من نصر إلى نصر في عدة معارك أهمها أجنادين.
وخصصت الفصل السادس لتدوين أحداث فتوح العراق حتى معركة القادسية، وذلك في عهد عمر بن الخطاب الذي تولى الخلافة بعد وفاة أبي بكر الصديق. وخاض المسلمون عدة معارك ضد الجيوش الفارسية، أشهرها القادسية، وقد انتصر المسلمون فيها، وحطموا القوة الميدانية للجيش الفارسي، وأدى مقتل رستم، القائد الفارسي، في هذه المعركة إلى ازدياد اليأس، والاضطراب في المجتمع الفارسي، وفتح هذا الانتصار الباب واسعًا أمام المسلمين لاستكمال فتوح العراق، والانطلاق إلى المناطق الشرقية للإمبراطورية الفارسية، وبرز سعد بن أبي وقاص كقائد محترف أدار المعركة بنجاح.
وعالجت في الفصل السابع استكمال فتوح العراق، وفتوح بلاد فارس حيث نجح المسلمون في فتح المدائن عاصمة الإمبراطورية الفارسية، وجلولاء وحلوان، وطهروا العراق من بقايا الوجود الفارسي، ثم فتحوا تكريت ونينوى، والموصل في شمالي العراق، وقرقيسياء وهيت على الفرات، وماسبذان الواقعة على الحدود العراقية الفارسية، ثم الأبلة والبصرة في الجنوب، ودخلوا الأقاليم الفارسية الشرقية، ففتحوا الأهواز وتستر والسوس، ونهاوند وهمذان وأصفهان، وقومس وجرجان، وطبرستان وأذربيجان، وإقليم فارس وكرمان وسجستان، ومكران وخراسان، وطاردوا الإمبراطور الفارسي يزدجرد الذي فر من مدينة إلى مدينة حتى انتهى به المطاف إلى الخروج من بلاده، واحتمى بملك الترك حيث قتل بعد ذلك، وتم القضاء على الإمبراطورية الفارسية.
وتطرقت في الفصل الثامن إلى أحداث استكمال فتوح بلاد الشام، وفتوح الجزيرة وأرمينية والباب، وتحدثت عن عزل خالد بن الوليد، عن قيادة جيوش المسلمين في
стр. 5
بلاد الشام، وإسناد القيادة إلى أبي عبيدة بن الجراح، وهو القرار الذي اتخذه عمر، وخاض المسلمون عدة معارك كان أشدها اليرموك التي فتحت الباب واسعًا أمامهم للولوج إلى عمق بلاد الشام، وفتحوا كافة مدنها إما صلحًا، وإما عنوة، كما فتحوا الثغور الساحلية باستثناء طرابلس الشام، وإقليم الجزيرة الفراتية، وجزءًا من أرمينية، والباب على بحر قزوين.
وتضمن الفصل التاسع سجلًا بفتوح مصر التي كانت تحت الحكم البيزنطي، وقاد عمرو بن العاص جيش المسلمين، وحقق انتصارات مذهلة على القوى البيزنطية، وفتح كافة المدن المصرية بما فيها الإسكندرية، وأسس الفسطاط، وحتى يؤمن على مكتسبات الفتح من جهة الحدود الغربية، أو نتيجة لغريزة التوسع لدى القائد الإسلامي، فقد قام بحملة باتجاه الغرب، وفتح برقة وطرابلس الغرب، وكما حاول تأمين حدود مصر من جهة الجنوب بمهاجمة بلاد النوبة.
وعالجت في الفصل العاشر تنظيم الدولة في عهد عمر في خطوة،
فرضتها أوضاع المسلمين السياسية، والاجتماعية والاقتصادية، واحتكاكهم الحضاري بشعوب البلاد المفتوحة، ونمو الدولة بسرعة مذهلة، فتحدثت عن نظام الحكم والإدارة، والدواوين وبيت المال والقضاء، وعن علاقة الخليفة بالمجتمع الإسلامي، وإدارة البلاد المفتوحة من واقع الطابع العام لعقود الصالح، وختمته بعلاقة الفاتحين بسكان البلاد المفتوحة.
ودونت في الفصل الحادي عشر أحداث الفتوح في عهد عثمان بن عفان الذي خلف عمر بن الخطاب بعد مقتله، والواقع أن عمر عمد إلى بلورة وجهة نظر جديدة تجاه مسألة الحكم تنطلق من إحياء الشورى، التي تأستت عليها بيعة سقيفة بني ساعدة تاركًا لنخبة المسلمين من أهل الحل، والعقد قرار اختيار الخليفة المناسب، فاختار مجلسًا للشورى مؤلفًا من ستة أعضاء من بينهم عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وبعد مداولات تداخلت فيها المصالح العامة، والخاصة اختير عثمان خليفة، وقد واجه في مستهل حياته السياسية عدة ثورات في البلاد المفتوحة، ونجح في قمعها، ثم التفت إلى استكمال الفتوح، ففتح أرمينية وطرابلس الشام، وغزا الجزر البحرية, وإفريقية وبلاد النوبة، وخاض المسلمون في عهده معركة بحرية كبرى ضد البحرية البيزنطية في ذات الصواري.
وتناولت في الفصل الثاني عشر أحداث الفتنة الكبرى التي عصفت بالمسلمين، وأدت إلى قتل عثمان، وذلك من واقع التطور الاجتماعي، والسياسي للمجتمع
стр. 6
الإسلامي نتيجة الفتوح، وتدفق الأموال وتكديسها، وقد أفرزت حياة جديدة للمسلمين، وعلاقات تصادمية بين الإدارة المركزية، وجمهور القبائل الذين تركزوا في الأمصار بفعل هيمنة المدينة على القرار السياسي من خلائل إعادة هيكلية، وتحديد وظيفة الخلافة، وصلاحيات الخليفة على حساب دور القبائل ومنزلتها، وقد ذهب عثمان ضحية ذلك.
وعالجت في الفصل الثالث عشر أوضاع المسلمين العامة في ظل خلافة علي بن أبي طالب الذي تولى الخلافة بعد مقتل عثمان في ظل الانقسام الذي أفرزته الثورة، واتساع الهوة بين الفئات المتناقضة التوجهات في المجتمع الإسلامي، وقد خلقت فرزًا اجتماعيًا جذريًا بين الجمهور القبلي من جانب، وبين النخبة القرشية من جانب آخر، وعد اختياره انقلابًا على نهج عثمان، وعودة إلى نهج عمر المتشدد، على الرغم من تغير الظروف الموضوعية واختلافها كثيرًا، مما خلق معارضة سياسية ضد حكمه تمثلت بقيام حلف بين طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعائشة أم المؤمنين، كما عارضته الفئات الأموية بزعامة معاويءة بن أبي سفيان، بحجة الثأر لمقتل عثمان، وتواجه المسلمون عسكريًا لأول مرة في تاريخهم في معركة الجمل، وانتصر علي على قوى التحالف، وقتل كل من طلحة والزبير، وسيطر علي على العراق، واستعد لمواجهة معاوية القابع في بلاد الشام.
واستكملت في الفصل الرابع عشر الحديث عن أوضاع المسلمين العامة في ظل خلافة علي بن أبي طالب من واقع الصراع بينه، وبين معاوية بالإضافة إلى الخوارج الذين ظهروا على الساحة السياسية بعد معركة صفين التي جرت بين الرجلين، وما جرى من إشكالات سياسية على أثر معركة صفين، فقد اتفق الخوارج على التخلص من علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص الذين عدوهم المسئولين المباشرين عن انقسام المسلمين وتشتتهم، فنجحوا في اغتيال الأول في الكوفة، وفشلوا في اغتيال معاوية في دمشق، وعمرو في مصر، وبمقتل علي بن أبي طالب، انتهى عصر صدر الإسلام.
وأنا على ثقة بأن القارئ سيجد في هذه الدراسة متعة وافئدة، كما سيلمس موضوعية في معالجة الأحداث.
والله أسأل أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفع بها القارئ العربي والمسلم، إنه سميع مجيب.
بيروت في ٣/١/ ٢٠٠٣.
أ. د. محمد سهيل طقوش.
стр. 7
الباب الأول: أبو بكر الصديق ١١-١٣هـ-٦٣٢-٦٣٤م
الفصل الأول: الأوضاع السياسية في الجزيرة العربية عقب وفاة النبي
الأوضاع السياسية في المدينة
...
الفصل الأول: الأوضاع السياسية في الجزيرة العربية عقب وفاة النبي
الأوضاع السياسية في المدينة:
التعريف بأبي بكر:
هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب١، ويلتقي بنسبه مع النبي في مرة، كان يسمى في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه النبي عبد الله، ولقبه بـ"عتيق" لحسن وجهه، وعتقه من النار٢، وبالصديق؛ لأنه بادر إلى تصديقه لا سيما صبيحة الإسراء٣. أبوه عثمان، ولقبه أبو قحافة، وأمه سلمى بنت صخر بن عمرو بن عامر بن كعب بن مرة، وكنيتها أم الخير٤.
ولد أبو بكر في مكة بعد عام الفيل بعامين وأشهر، وهو من سراة أهلها، عالمًا بأنساب العرب وأخبارهم٥، عمل بزازًا يتاجر بالثياب، وهو أول من أسلم من الرجال، وسرعان ما ترك التجارة بعد إسلامه، وتفرغ للدعوة الإسلامية مع النبي.
اشتهر أبو بكر بالعفة والخصال الحميدة، لم يشرب الخمر التي كانت متفشية في المجتمع الجاهلي، زاهدًا متواضعًا في أخلاقه ولباسه، ومطعمه ومشربه سخيًا كثير البذل والعطاء، لينًا، رقيقًا، بعيد النظر، ثاقب الفكر، حازمًا في اتخاذ القرارات، أعتق سبعة من المسلمين كانت قريش تعذبهم، منهم بلال من رباح وعامر بن فهيرة، أسلم بدعوته كثير من العرب الذين افتخر بهم الإسلام، مثل عثمان بن عفان، والزبير بن
стр. 8
العوام وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله١.
كان إيمان أبي بكر بالنبي شديدًا، صدقه في صباه، ورافقه عندما هاجر إلى المدينة، فهو المقصود بقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوب: ٤٠] .
وعندما استقر النبي في المدينة كان أبو بكر ساعده الأيمن، وقد خصه بمزايا لم يخص أحدًا بها، وقدر له منزلته، وأشاد بذكره كثيرًا: "ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه إلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة"٢، "ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له فيه كبوة، غير أبي بكر، فإنه ما عكم"٣.
روى أبو بكر مائة واثنين وأربعين حديثًا عن النبي، معظمها في حق الأنصار. وعندما قال النبي في آخر خطبة له: "إن عبدًا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار الله"، فهمها أبو بكر وعلم أن النبي إنما يريد نفسه، وأن وفاته قد حانت؟ بكى وقال: "نفديك بأنفسنا وأبنائنا"، فقال: "على رسلك يا أبا بكر، انظروا هذه الأبواب الشوارع اللافظة في المسجد، فسدوها، إلا ما كان من بيت أبي بكر، فإني لا أعلم أحدًا كان أفضل عندي في الصحبة يدًا منه"، وفي رواية أنه قال: "إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن إخوة الإسلام؛ لا تبقى خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر" ٤.
стр. 9
اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ١
دوافع الاجتماع:
توفي النبي محمد ﷺ ضحى يوم الاثنين "في ١٢ ربيع الأول ١١هـ/ ٧ حزيران ٦٣٢م" في المدينة٢، وأحدثت وفاته صدمة عنيفة، فاجأت المسلمين عامة، وخلقت
стр. 10
وضعية خاصة ذات ملامح منفردة ومصيرية، وبرزت فورًا مسألة الحفاظ على أنجازاته من دين ودولة، وبالتالي مسألة خلافته.
وساهمت غيبته في إبراز الطابع الدنيوي لأحداث، حيث أخذت المصالح الاجتماعية للقبائل المختلفة، التي ما زالت ضمن الحظيرة الإسلامية، تعبر عن نفسها بأشكال مباشرة، وصريحة تتلاءم مباشرة مع محتواها.
والواضح أن مسألة قيادة المسلمين بعد وفاة النبي، كانت المسألة الرئيسية والحماسة التي ارتبطت بها كل المسائل الأخرى على أن تتلازم مع الأسس التي وضعها لإقامة دولة، ولا يستطيع المؤرخ لتاريخ صدر الإسلام السياسي، والاجتماعي أن يتجاهل التناقضات، والصراعات التي تفجرت بعد وفاته.
ففي الوقت الذي أعلن فيه خبر الوفاة، برزت لدى كبار الصحابة من الأنصار، الأوس والخزرج، قضية اختيار خليفة للنبي، ذلك أنه لم يرد في القرآن الكريم نص صريح يحدد أسس انتخاب خليفة لرسول الله، لكنه دعا إلى الشورى، يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ، وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٧، ٣٨] ، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
الواضح أن كلمة الشورى قرآنية كما يتضح من الآيتين السالفتين، أما الأولى، فتحدد للأمة الإسلامية خصائص من بينها أن "أمرهم شورى بينهم"، وأما الثانية، فقد نزلت بعد هزية أحد، ومن المعروف أن النبي شاور أصحابه قبل الخروج إلى أحد، وهي التي أدت إلى هذا الخروج للقاء المشركين في ميدان مكشون، وكان رأي النبي التحصن بالمدينة، وعدم الخروج.
وهكذا فإن القرآن الكريم يطلب من النبي استشارة الأمة في الأمر حتى تنتفي الشبهة تمامًا في المسألة، وهذا الأمر هو لفظ عام للأفعال، والأقوال والأحوال، ومن ضمنها مسائل الحرب التي أدت الآراء المختلفة فيها إلى الهزيمة١.
وتنفيذًا لهذا التوجه، لم يضع النبي تفاصيل خارجة عن إطار هذه المعاني القرآنية العامة، وبقيت سياسته منسجمة مع الهيكلية القبلية، ولم تمس نهائيًا زعاماتها
стр. 11
ورئاستها القائمة، بالإضافة إلى ذلك، فإن لم يتصرف كسياسي باسم قريش، أو باسم قبيلة ما، بل اكتفى في عمله السياسي بشخصه وحده، وكانت هيبته الدنيوية لا تنفصل عن سلطانه النبوي الروحي، فهو لم يقم بجمع القبائل من حوله كشريف قريشي، وإنما كنبي ورسول فحسب، وقبيلته قريش كانت آخر من يمكن أن يدعي أنها قد ساهمت مساهمة جدية في مساعدته ونصرته.
وكأن النبي أراد بذلك أن يترك الأمر شورى بين المسلمين ليختاروا من يصلح لخلافته من بينهم جريًا على عادة النظام القبلي الذي ألفه العرب، وبخاصة أنه لم يكن له ولد ذكر يستخلفه من بعده.
لا يمكن لهذه الإشكالية، أن تجد حلًا معقولًا، ومقبولًا إلا على أرضية النظام القبلي السائد، وإن المؤرخ لهذه الحقبة، لا بد أن يرى جملة من التناقضات والصراعات التي تفجرت بعد وفاة النبي على أنها جزء لا يتجزأ من تركيبة الأمة نفسها١، وهو ما يفسر لنا تسابق القبائل، والبطون على أن يكون الأمر لها دون غيرها، وتجلت النفس العربية والطبيعة القبلية إذ ذاك، فالنصار يخافون قريشًا والمهارجون إن استأثروا بالأمر دونهم، وهم جميعًا فيما بينهم يتوجسون، وتخشى كل من الأوس والخزرج صاحبتها، ولم يكن الوضع في مكة بأقل منه في المدينة، فقد دب التنافس في هذا الأمر بين بطون قريش، فسعى أبو سفيان بن حرب في إيغار صدر علي على أبي بكر، ونعت عليًا والعباس بـ"الأذلين المستضعفين"٢.
ومن جهة أخرى، تضمنت روايات المصادر نية النبي، وهو على فراش الموت، كتابة وصية للمسلمين لن يضلوا بعدها، غير أنه حصل لغط، واختلاف بين الحاضرين، فمن قال: "إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجه، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله"، وعلى رأس هؤلاء عمر بن الخطاب، ومن قائل: "قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ "، الأمر الذي ضايق النبي، فقال لهم: "قوموا عني، ما ينبغي أن يكون بين يدي النبي خلاف"، فقال عندئذ، ابن عباس: "الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ ، وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم"٣.
ولعل النبي قد تأثر برأي عمر أكثر مما تأثر برأي غيره نظرًا لصدقه، وإخلاصه وصراحته في رأيه.
стр. 12
توضحت إذن الخطورة التاريخية لمسألة الخلافة على مصير الأمة الإسلامية السياسي بعد وفاة النبي، وكانت مفتوحة وموضع أخذ ورد، ومثار جدل بين قوى مختلفة، وتذكر المصادر أن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة للتباحث فيمن يتولى الأمر بعد وفاة النبي، لكنها لم تذكر من الذي دعا إلى هذا الاجتماع، ولا كيف تمت الدعوة، وإنما روت حصول الاجتماع في السقيفة.
ويبدو أن الدعوة للاجتماع تمت على عجل دون إعلام المهاجرين، وكأن الهدف أخذهم على حين غرة، وخلق واقعة سياسية، أو أن بعض الأنصار تذاكروا في أمر من يخلف النبي خلال مرضه، وأنهم توقعوا وفاته، فلما حصلت الوفاة دعوا إلى هذا الاجتماع فاجتمعوا.
يقول الطبري: "إن النبي ﷺ لما قبض اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: نولي هذا الأمر بعد محمد ﷺ سعد بن عبادة"١، والراجح أن تغلب الخزرج على الأوس هو الذي دفع الخزرج إلى ترشيح رئيسهم سعد بن عبادة، والجدير بالذكر أن سيد الأوس سعد بن معاذ كان قد توفي قبل ذلك، ويبدو أن الأوس لم يكونوا راضين في قراره أنفسهم عن تولية سيد الخزرج، ولا ندري أكانوا جميعًا حاضرين في اجتماع السقيفة، أنهم كانوا يراقبون الموقف من بعيد، وينتظرون تطوراته.
والراجح أن الأنصار كانوا مدفوعين بعدة عوامل للاجتماع على عجل لعل أهمها:
- شعورهم بأنهم بحاجة ماسة إلى اختيار خليفة يتولى شئون المدينة، وأمر المسلمين، فمدينتهم مهددة بعد وفاة النبي من الإعراب، ورجال القبائل بوصفها العاصمة الإسلامية، كما أن كثيرًا من الإعراب، ومعظم رجال القبائل لم يؤمنوا، وإنما أسلموا بلسانهم خوفًا من قوة المسلمين المتنامية.
- إدراكهم بأنهم مهددون قبل غيرهم من أولئك؛ لأنهم كانوا السند لرسول الله، وهم الذين ناصروه، واستطاعوا مع المهاجرين أن يضعوا نواة الدولة الإسلامية الأولى، التي تمكنت من إخضاعهم، والسيطرة على ديارهم٢.
- رأوا أنهم أصحاب المدينة، وأصحاب الغلبة والنفوذ فيها، وأنهم ما زالوا أصحاب الضرع والزرع، وأن الحكم حق لهم دون غيرهم، ويرغبون في التصرف
стр. 13
كأسياد واسترداد سيادتهم التي تنازلوا عنها للنبي في حياته، ولا يجوز لغيرهم أن يحكمهم في بلدهم، بدليل أن الحباب بنا لمنذر الأنصاري طلب من الأنصار، في إحدى مراحل النقاش مع أبي بكر، وأصحابه من المهاجرين، بإجلاء هؤلاء عن أرضهم إذا لم يصغوا لما يقول١.
- أحقيتهم بالخلافة من المهاجرين نظرًا لسابقتهم في الإسلام، ونصرتهم لرسول الله وأصحابه، وإيوائهم له، وإليهم كانت الهجرة٢، وما نتج عن ذلك من فضائل لم تتوفر لية قبيلة عربية، وعززوا موقفهم بالإشارة إلى أن النبي استمر مدة طويلة يدعو قومه إلى الدين الجديد، ولم يؤمن به منهم إلا عدد ضئيل لم يكونوا قادرين على الدفاع عنه أو تعزيزه، وهذا ما اختص به الأنصار، فبقوتهم دانت العرب للإسلام، وهو ما دفع سعد بن عبادة إلى أن يخاطبهم بقوله: "استبدوا بهذا الأمر، فإنه لكم دون الناس"٣.
- أرادوا تحاشي هيمنة قريش الظاهرة منذ فتح مكة، والتي ارتضوها احترامًا للنبي، وخشوا إن انتخب مرشح قرشي من المهاجرين، أن يستبد بالأمر، فيقعوا تحت سيطرة قريش التي حاربوها ثماني سنوات، مما يهدد باختلال التوازن لغير مصلحتهم في المرحلة القادمة.
والواضح أن هذه الهواجس لم تكن غائبة عن تفكيرهم منذ فتح مكة حيث كانت الراية معقودة لسعد بن عبادة، وقد بلغت به الحماسة، فقال: "اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة"٤، فعد النبي هذا القول على أنه موجه ضد قريش، فأخذ الراية منه وأعطاها لقرشي مهاجر هو علي بن أبي طالب٥، كما استثناهم النبي من العطاء في أعقاب غزوة الطائف٦، مما أثار قلقهم، وقد أدرك النبي هذا الشعور لديهم بعد أن كثرت القالة منهم، فبدده قائلًا: "ألا ترضون يا معشر الأنصار أن تذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا، لسلكت شعب الأنصار" ٧، كما أوصى المهارجين بهم في مرضه الأخير حين
стр. 14
قال: "يا معشر المهاجرين استوصوا بالأنصار خيرًا، فإن الناس يزيدون والآنصار على هيئتها لا تزيد، وإنهم كانوا عيبتي التي أويت إليها، فأحسنوا إلى محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم"١.
وتدل فكرة الانتخاب على:
- وجود نهج سياسي محصور بالنخبة.
- وإن الوظيفة النبوية كانت تفهم كوظيفة قيادية تستلزم خلفًا٢.
موقف الأنصار خلائل المناقشة مع المهاجرين:
مما لا شك فيه أن الروايات التاريخية الكثيرة التي حفظتها لنا المصادر حول ما دار في اجتماع السقيفة، يشوبها الكثير من التضارب، ومع ذلك فهي تشترك في نقاط جوهرية تشكل أرضية صالحة ينظر إليها على أنها ذات محتوى تاريخي يستند إليه في التاريخ لهذه الحقبة، حيث كانت مسألة خلافة النبي مسار جدل اتسم بالحدة أحيانًا، وقد تولى كل من سعد بن عبادة، والحباب بن المنذر، التكلم باسم الأنصار عامة، وقد افتتح الأول المناقشة بخطبة تشير إلى أن الأنصار أعطوا لأنفسهم الحق بالتفرد في تقرير مصير خلافة النبي مع ما لهذه القضية من أهمية وخطورة، دون الوقوف على رأي الطرف الآخر الذي يشكل شطر المجتمع الإسلامي في المدينة، وهم المهاجرون، وقد عللوا موقفهم هذا بأسباب موجبة لا تخرج عن موقفهم المشرف من الدين وصاحبه، ونصرتهم له، وخذلان أكثر العرب له، وعجز المهاجرين عن حمايته، وحماية أنفسهم حتى اضطروا إلى الهجرة إلى مدينة الأنصار، فكان بعد ذلك النصر المؤزر، مما أوضحناه في دوافع الاجتماع٣.
ولا شك بأن هذا التصرف هو سلوك انفصالي لا يأخذ بالحسبان مجموع الأمة، ثم إن رئاسة الدولة إنما هو أمر ديني، وسياسي معًا.
ويبدو أن بعض الأنصار أدركوا بعد ذلك، حقيقة وضعهم في أنهم ليسوا وحدهم أصحاب الحق في تقرير أمر الخلافة، وأن لهم منافسًا قويًا سوف يزاحمهم، إنهم المهاجرون، يدل على ذلك، رد الفعل الأولي عند هؤلاء على خطاب سعد بن عبادة، فبعد أن دعموا رأيه، وأيدوا موقفه، استدركوا الواقع التاريخي الذي يعيشون فيه، ورأوا أن المهاجرين لن يسلموا بهذا الأمر، ولا بد أن يعارضوه، وجرت بينهم
стр. 15
مناقشة هادئة انتهت إلى القول بالثنائية في الحكم "منا أمير ومنكم أمير"١.
كان الحباب بن المنذر صاحب هذه النظرية، وجاءت كجواب على الرفض القاطع للمهاجرين في تفرد الأنصار بالإمارة دون سواهم، معللًا رأي هؤلاء بقوله: "منا أمير ومنكم أمير، فإنا والله ما ننفس هذا الأمر عليكم أيها الرهط، ولكنا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم وإخوانهم"٢.
حاول الجاحظ أن يشرح موقف الأنصار، وسلوكهم في اجتماع السقيفة وبخاصة في ما يتعلق برأيهم في ازدواجية الإمارة، وهو يفهم كلام الأنصار: "منا أمير ومنكم أمير"، كما لو أنهم أرادوا أن يقولوا: "لا بد لنا معشر الأنصار من أمير على أي حال، وأنتم بعد أعلم بشأنكم، فأقروا عليكم من بدا لكم، وليس في هذا طعن على خاصة أبي بكر، كما أنه ليس فيه تأكيد لإمامته دون غيره"٣.
موقف المهاجرين:
كان المهاجرون آنذاك أكثر بعدًا عن هذا المناخ السياسي، بعضهم قد شغل بوفاة النبي وجهازه، ودفنه، وبعضهم ما تزال الصدمة تملأ نفسه، وبعضهم لم يفكر في اختيار خليفة، معتقدًا أن هذا الأمر هو آخر ما يقع الاختلاف فيه، وهم على يقين أن ما من طائفة من المسلمين سوف تنازعهم في هذا الأمر٤.
ولما بلغ خبر اجتماع السقيفة أبا بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، مضيًا إلى هناك مسرعين، بفعل أهمية وخطر الموضوع المطروح من مشكلة الحكم، والتقيا في طريقهما أبا عبيدة بن الجراح فأخذاه معهما، وشكل هذا الثلاثي جماعة متماسكة، ربما منذ المرحلة المكية من الدعوة، فهم ينتمون إلى عشائر قرشية صغيرة، وكان هذا سببًا لتقاربهم، وقد واجهوا خصوصية متفردة لم تكن قادرة على خلافة النبي في عمله التوحيدي.
وشق أبو بكر طريقه إلى صدر الاجتماع، وألقى خطبة في المجتمعين بين فيها وجهة نظر المهاجرين عامة من قضية اختيار خليفة لرسول الله٥، وهي تختلف في مضمونها عن خطبة سعد بن عبادة.
стр. 16
لقد فضل أبو بكر وحدة الأمة التي أسسها النبي، والسابقة في الجهاد من أجل الإسلام، وحدد الأولوية بالأقدمية في حياة الإسلام، وبالعذاب في سبيل العقيدة والإيمان، وقدم قاعدة الصحبة كمعيار لاختيار الأفضل، ثم أشاد بمزايا الأنصار، ولم يغمطهم حقهم من التكريم، إلا أن ذلك يأتي في المرتبة الثانية.
وتضمنت الخطبة الأسباب الموجبة ليكون المراء من المهاجرين محصورة في أنهم أول من عبد الله في الأرض، وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، لا ينازعهم في ذلك إلا ظالم.
ويبدو أنها رد على مقالة سعد بن عبادة التي قالها في الأنصار قبل حضور المهارجين، وكررها الحباب بن المنذر، وهي صفة جعلت كثيرًا من المسلمين يتراجعون عن المطالبة بالحكم خشية من أن يكون ظالمًا لا سيما أن توقيت إثارة هذه المطالب لم يكن مناسبًا؛ لأن الوضع كان مفعمًا بالحزن، والألم نتيجة وفاة النبي، ولكن هناك صراعًا خفيًا يكاد يعصف بالأمة الإسلامية يتمثل في اعتقاد أهل النبي، وعشيرته بأحقيتهم بهذا الأمر١.
وهكذا كانت السابقة في جانب المهاجرين من زاوية إسلامية محض، وكان التفوق في جانبهم أيضا من وجهة نظر عربية محض؛ لأنهم ينتمون إلى قبيلة قريش، قبيلة النبي، وبالتالي فإن الوراثة في جانبهم٢.
إذن لا انقسام للسلطة، بل وحدة الأمة، وتفوق قريش، وأولوية المهاجرين، ومواصلة العمل النبوي.
وحتى انتهاء أبي بكر من إلقاء كلمته التي وجهها إلى الأنصار، لم يكن المهاجرون قد استقروا على تحديد الشخص الذي سيتولى هذا الأمر، ويدل ذلك على أن اهتمامهم كان بالمبدأ، وليس بالأشخاص، على عكس الأنصار الذين كانت رؤيتهم واضحة، وقدموا مرشحهم سعد بن عبادة.
بيعة أبي بكر:
تطورت المواقف المتباينة التي عرضت في اجتماع السقيفة نحو التأزم، ولم تنفرج إلا بعد أن أيد بشير بن سعد الأنصاري أبو النعمان بن بشير، وهو من الخزرج، موقف المهاجرين٣، ويبدو أنه استاء من تولية سعد بن عبادة، ويدل ذلك
стр. 17
على أن الاعتراضات في اجتماع السقيفة نحت اتجاهًا قبليًا، فقد خشيت الأوس أن يتزعم خزرجي الأمة الإسلامية، وكذلك خشيت الخزرج من أن يترأس أوسي حكم المسلمين، وقد أنهت هذه المفارقة موقف
الأنصار ودورهم، الأمر الذي أدى إلى مبايعة أبي بكر كأمر واقع، أو فلتة١ على حد قول عمر بن الخطاب.
وتحرك أبو بكر في تلك اللحظة مستغلًا تحول الموقف لصالح المهاجرين، فلم ينح لأحد من المتكلمين التعليق على كلام بشير بن سعد، ورأى الفرصة سانحة لإقفال باب المناقشة، فدعا المجتمعين إلى مبايعة عمر بن الخطاب، أو أبي عبيدة بن الجراح، أمين هذه الأمة، ولكن عمر أبى إلا أن يتولاها أبو بكر، أفضل المهاجرين، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله على الصلاة، فطلب منه أن يبسط يده ليبايعه، فسبقه بشير بن سعد، وأسيد بن حضير، ثم أقبل الأوس والخزرج على مبايعته، ووثب بعد ذلك أهل السقيفة يبتدرون البيعة، وكأنهم كانوا يترقبون أن يأخذ أحدهم زمام المبادرة، ولم يبق أحد لم يبايع سوى سعد بن عبادة، وما منعه من ذلك سوى حراجة وضعه كزعيم رشحته الخزرج، وصحة جسمه حيث كان عليلًا، وفي اليوم التالي لهذه البيعة الخاصة، بويع أبو بكر البيعة العامة في المسجد٢.
وهكذا تولى المهاجرون السلطة الفعلية في الوقت الذي ابتعد الأنصار عنها كثيرًا دون أن يكون للتسوية التي طرحها أبو بكر في اجتماع السقيفة: "نحن الأمراء وأنتم الوزراء"، أي نصيب من التنفيذ، باستثناء مشاركة تمت لهم في عهد عمر بن الخطاب الذي قرب جماعة منهم على حساب قريش، ومشاركة أكثر فعالية في عهد علي بن أبي طالب الذي اعتمد عليهم في إدراته وحروبه.
جرت هذه الوقائع في الوقت الذي كان فيه علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، ونفر من بني هاشم، وطلحة بن عبيد الله، مشغولين بجهاز النبي، ودفنه، فغابوا عن اجتماع السقيفة، وعليه، لم يكن لعلي رأي مباشر في النقاش إلا أنه بايع أبا بكر، واتفق مع جماعة المسلمين بغض النظر عن المدة التي قضاها بدون بيعة٣.
وربما يكون من المفيد استعراض الكيفية التي حدثت بها مبايعة أبي بكر من قبل القرشيين، فقد ذكر ابن قتيبة: "وإن بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار، إلى علي بن أبي طالب، ومعهم الزبير بن العوام ﵁، وكانت أمه صفية بنت عبد
стр. 18
المطلب، وإنما كان يعد نفسه من بني هاشم، واجتمعت بنو أمية إلى عثمان، واجتمعت بنو زهرة إلى سعد وعبد الرحمن بن عوف، فكانوا في المسجد الشريف مجتمعين، فلما أقبل عليهم أبو بكر وأبو عبيدة، وقد بايع الناس أبا بكر قال لهم عمر: "ما لي أراكم مجتمعين حلقًا شتى، قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعته الأنصار، فقام عثمان بن عفان، ومن معه من بني أمية فبايعوه، وقام سعد وعبد الرحمن بن عوف، ومن معهما من بني زهرة فبايعوا"١.
كما غابت عن المنافسة المباشرة في اجتماع السقيفة الفئة "الأرستقراطية"، بزعامة أبي سفيان بن حرب، إلا أنه تبنى المرشح الأوفر حظًا بهدف استمرارية مصالحه على الرغم من أنه حرض عليًا، ودعاه إلى البيعة لنفسه، فزجره علي، غير أن خالد بن سعيد بن العاص، وهو أحد أشراف مكة ووجهًا من وجوه بني أمية، وكان النبي قد أرسله عاملًا على صدقات مذحج، كان له موقف متميز، فبعد أن قدم إلى المدينة، وكانت البيعة قد تمت، توجه إلى علي وعثمان، وخاطبهما قائلًا: "إنما الشعار دون الدثار، أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي أمركم عليكم غيركم؟ فقال علي: "أوغلبة تراها؟ إنما هو أمر الله يضعه حيث يشاء، قال: فلم يحتملها عليه أبو بكر واضطغنها عمر"، وبقي هذا الصحابي ممتنعًا عن بيعة أبي بكر مدة ستة أشهر٢.
التعقيب على اجتماع السقيفة:
- يعد اجتماع السقيفة بمثابة مؤتمر سياسي، عالج فيه المسلمون مشكلة لم يكن لهم بمثلها عهد من قبل، ودارت فيه المناقشات وفق الأساليب الحديثة.
- إن حدة الحوار في اجتماع السقيفة، وقسوة العبارات المتبادلة أحيانًا، وروعة العبارات البليغة أحيانًا أخرى، تجعلنا نقف في هذا الاجتماع على حقيقتين:
الأولى: التعرف على الدوافع التي تحرك المتحاورين وتوجههم.
الثانية: حجم الحرية الذي أوصل الحوار إلى هذا المستوى الراقي٣.
-لقد تمت بيعة أبي بكر وفقًا للعادات المتعارف عليها في تصنيف، وانتخاب الزعامات القبلية، لكن ضمن إطار الدين٤؛ لأن المسلمين افتقدوا في ذلك الوقت، وتلك المرحلة من تطور أوضاعهم السياسية والاجتماعية، إلى أسس تحدد كيفةد
стр. 19
انتخاب خليفة، ويؤكد الاختلاف القوي بين الصحابة في بداية الاجتماع على أن ما حدث لم يتحقق عن طريق الشورى كما روت المصادر، إذ المعروف أن الشورى في عهد النبي هي التي كانت تتم في المسجد، حيث يجتمع المسلمون بالنبي، ويتناقشون في أمور دينهم، ودنياهم دون تمييز، ويأخذ برأيهم ومشورتهم، وبالتالي كان يسمح بإعطاء الرأي لأكبر عدد منهم، اهتداء بما دعا إليه القرآن الكريم، كمبدأ عام ونهج كلي، وترك التفصيل فيه والتحديد له لاجتهاد الأمة وفق مصالحها المتجدة، وحاجتها المتطورة١.
- إن غيبة النبي وما نجم عنها من فراغ معنوي، خلقت توافقًا تامًا في المحتوى، والشكل في سلوك الجماعات الإسلامية المختلفة، وما كان للرابط الديني أن يطغى في هذه المرحلة، على المعايير الاجتماعية السائدة، وأخلاقياتها، وسلوكها، القائلة على القبلية، لهذا كان السجال في اجتماع السقيفة أقرب إلى السجال
القبلي بين القبائل المسلمة٢.
- لم يكن أحد أكثر تعبيرًا عن الواقع القبلي كما كان أبو بكر حين خاطب الأنصار، فبدأ الانقسام بين تجمعين، أو وحدتين قبليتين "أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، هو أوسط العرب نسبًا ودارًا"٣، ثم إن الاعتراضات التي ظهرت من كلا الفريقين لم تكن شخصية، أو دينية بقدر ما كانت ذات طابع قبلي.
- احتوت الخلافة في طورها الأول، على الأقل، على مبدأين:
الأول: الفضل والمنزلة في الإسلام.
الثاني: النسب والشرف.
ولم يكن النقاش الذي دار بين المهاجرين، والأنصار سوى انعكاس لهذين المبدأين.
- اقتنع الأنصار بما قاله أبو بكر من أن العرب لن تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، وأن المهاجرين سوف لا يستبدون بالأمر، وسيشاورونهم في الشئون العامة، ولا يتفردون باتخاذ القرارات مكتفين بالعيش إلى جانبهم، وفي كنفهم، مطمئنين إلى وصية النبي في مرضه الأخير.
стр. 20
- بغض النظر عن المناقشات التي دارت حول هذا الموضوع الحساس، عبر فريق الأنصار عن أول اتجاه سياسي في الإسلام بعد وفاة النبي، إلا أنه كان أوهى الاتجاهات، وأقلها خطورة، وبخاصة أنه اصطدم بوحدة غير منتظرة من جانب قريش مما أعاق حركته منذ بدايتها، كما أنه لم يكن بقادر على أن يقنع فريق المهاجرين بوجهه نظره في خلافة النبي، وبالتالي أن يكون سيد الموقف، والواقع أنه افتقر إلى الانسجام وإلى الزعامة، وكلتاهما من ركائز الطموح إلى السلطة، ومن شروطها المبدأية١، فمن حيث فقدان الانسجام، لم يكن الأنصار يشكلون جبهة موحدة، وإن مثلوا جبهة مشتركة لم تتأخر في التصدع أمام مقاومة المهاجرين، ولم يتفقوا على المرشح سعد بن عبادة، كان هناك الأوس من جهة والخزرج من جهة أخرى، وكان يفصل بينهما في الماضي نزاعات قبلية، فوحدهم الإسلام داخل قضية مشتركة، فقد ترددت قبيلة الأوس في منحه التأييد لكونه خزرجيًا، إذ عز عليهم أن يتفرد على زعامة المسلمين بعامة، والأنصار بخاصة، بدليل قول أسيد بن حضير، سيد الأوس، لعشيرته: "لا والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبًا أبدًا"٢، كما ساد التنافس الداخلي بين الخزرج، إذ عندما ساند بشير بن سعد الخزرجي موقف المهاجرين، وطلب من الأنصار ألا ينازعوهم في هذا الأمر؛ لأن النبي من قريش، وقومه أحق به وأولى، ثم قام فبايع أبا بكر؛ قال له الحباب بن المنذر: "أنفست الإمارة على ابن عمك؟ "٣.
ومن حيث الافتقار إلى الزعامة السياسية، فقد كان سعد بن عبادة مريضًا، ولم يكن بحجم المنصب الكبير، أما الأوس فقد تراجعت قوتهم السياسية بعد وفاة زعيمهم سعد بن معاذ، فالزعامة السياسية إذن كانت غائبة عن تكتل الأنصار الذي طالب بالسلطة٤، غير أن هؤلاء قدموا الخدمة بتفجيرهم المشكلة لفريق المهاجرين المعتدل الذي قاده أبو بكر، وعمر وأبو عبيدة، حيث كان الأقدر على التحرك بما يملكه من خلفيات نضالية، فضلًا عن التقدير لزعامته٥، كما لم يثيروا غضب التيار المتشدد الذي التف حول علي، ولا تيار المحافظين بزعامة أبي سفيان بن حرب صاحب النفوذ القوي قبل الإسلام.
стр. 21
- أدى عمر دورًا بارزًا في إيصال أبي بكر إلى منصب الخلافة من واقع قوة شخصيته، ونتيجة لتفكيره السياسي المستنير الذي جعله أحد مستشاري النبي الأكثر حظوة وإصغاء، لقد أدرك أن الأمر قد يتطور إلى نزاع مسلح حيث اعتقدت كل فئة بأحقيتها بهذا الأمر، فكانت السرعة في التحرك، وفي الاختيار، وفي الأسباب التي أدت إلى نجاحه في اختيار أبي بكر، ولئن كان صحيحًا أن هذا الأخير قد فرض نفسه بنفسه من واقع شخصيته الهادئة، والمعتدلة والمقبولة من الجمع بالإضافة إلى حب النبي له، وقربه منه، وأسبقيته في الإسلام، فمن الصحيح أيضًا أن عمر قد ساعده كثيرًا، حيث قام بالحركة الأولى للاعتراف به، وشكل معه ثنائيًا لا يقبل الانفكاك، كما ارتبطا مع الأنصار برباط المصاهرة، ويبدو أن انتماءهما لعشائر قرشية صغيرة، طمأن الأنصار إلى كونهما لا يحكمان بالاعتماد، أكثر، على عشائر قريش القوية، وأن سياستهما ستكون إسلامية قائمة على السابقة في الإيمان والعقيدة، أكثر مما تقوم على روابط الدم١.
- إن ما أوردته روايات المصادر في أن الإمامة في قريش، تستند إلى رواية أبي بكر حين قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الأئمة من قريش"، فهي مقولة استغلتها جميع الفرق الإسلامية وفسرت بها الإمامة، كل حسب رؤيتها ومصالحها، ولو سلمنا جدلًا أن النبي قد قالها، فإننا نرى أنه قصد إمامة الصلاة، والنظر في الشئون الدينية، ولم يقصد الجانب السياسي، فكلمة الإمامة لم تكن معروفة بالمفهوم السياسي إلا بعد ظهور الشيعة، والغلاة ثم الخوارج، وتحديدًا في عهد عثمان بن عفان حيث أصبح الإمام في نظرهم هو من يتولى الشئون السياسية والدينية، وخصوا بها شيعة علي، وأولاده من بعده، أما في عهد النبي فكانت الإمامة تعني الصلاة بدليل أن النبي طلب من أبي بكر أثناء مرضه أن يؤم المسلمين في الصلاة، ولهذا السبب أخذها المسلمون عن طريق القياس، في حين نجد أن النبي يستعمل لفظ أمير للقائد الذي يقود السرايا التي كان يرسلها في مهمات عسكرية، وهي ذات دلالة سياسية أكثر؛ لأنها تعني
الزعامة، وبالتالي لو أن النبي كان يقصد الزعامة، لقال لهم مثلًا: "الأمراء من قريش"، ولكنه قال: "الأئمة"٢.
стр. 22
- الواقع أن اختيار أبي بكر كان صائبًا، وملائمًا لمتطلبات المرحلة بفعل ما تمتع به من خصال حميدة، وقبول واسع في أوساط المهاجرين، والأنصار الذين وجدوا فيه الرجل القادر على جمع الصفوف، وتوفير حد مقبول من الاتفاق والإجماع، كما كان ذا شرف، وهيبة في عيون القبائل.
-ارتبط مصير المسلمين بعامة ارتباطًا وثيقًا بمسألة الخلافة، وبالتالي بمسألة تسوية الأوضاع الداخلية للمسلمين، لذلك كان الانتهاء من هذه القضية الشرط اللازم، والضروري لعملية البدء بإعادة ترميم التصدعات الكبرى في الكيان السياسي الإسلامي، وارتبطت هذه بوحدة قريش التي مثلت السند القوي لأبي بكر تجاه القبائل.
- حددت الظروف الموضوعية التي تمت فيها مبايعة أبي بكر، الإطار العام للسياسة التي وجب عليه اتباعها، وهي المحافظة على ما حققه النبي من إنجازات فعمد، بعد مبايعته، إلى التعريف بسياسته في منصبه الجديد، وشرح مهمات الخلافة، وعلاقتها بعامة المسلمين، وذلك في الخطبة التي ألقاها في المسجد حيث قال: أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوي ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، إن شاء الله تعالى، لا يدع أحد منكم الجهاد، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله"١.
إن قراءة متأنية لهذه الخطبة نلاحظ أنها تضمنت النقاط التالية:
- خليفة المسلمين هو واحد منهم وليس بخيرهم، له ما لهم وعليه ما عليهم.
- لا يجوز أن تتعدى صلاحيات الخليفة صلاحات المخلوف، وطاعة المسلمين له مقرونة ومرهونة بذلك، فعلى الخليفة أن يقود الأمة كما كان النبي قد قادها من قبله.
- إصلاح الخليفة إذا شذ عن النهج النبوي، ورقابته واجب على المسلمين٢.
وقد بقي أبو بكر مخلصًا لهذه التصورات السياسية محافظًا عليها طوال حياته.
стр. 23
النتائج السياسية لاجتماع السقيفة:
كان لاجتماع السقيفة أثر كبير في الحياة السياسية للدولة الإسلامية في العصر الراشدي، فقد:
- مثلت مسألة الإمارة، واختيار خليفة للنبي قادر على لم شمل المسلمين، البعد الداخلي لهذه الأزمة التي عصفت بالمسلمين بعد وفاة النبي.
- أقر مبدأ الشورى كما جاء في القرآن الكريم، على الرغم من أن عملية انتخاب أبي بكر كانت أقرب إلى الواقع السياسي منها إلى إجراء انتخابي، لكن سرعان ما خرجت البيعة عن إطار الشورى إلى إطار التعيين "خلافة عمر بن الخطاب"، أو إلى ما يشبه التعيين "خلافة عثمان بن عفان"، ثم إلى إطار الاختيار كأمر واقع من قبل بعض المسلمين في ظل ظروف قاهرة "خلافة علي بن أبي طالب"، وستتطور في عهد دولة الخلافة الأموية، وما يليه من عهود أخرى باتجاه التعيين، وفقًا لتطور الظروف السياسية التي يمر بها كل عهد.
- انبثق نظام الخلافة في الدولة الإسلامية، ويقوم هذا النظام على مبدأ الانتخاب المباشر لاختيار أصلح الموجودين من كبار رجال الصحابة في العصر الراشدي على الأقل، وأصبحت البيعة شرطًا من شروطه.
- ترتب على مبدأ الانتخاب مبدأ آخر هو البيعة، وكانت على ضربين: خاصة وعامة، فالبيعة الخاصة جرت في اجتماع السقيفة، ولم ير فيها المسلمون البيعة المشروعة، فعقدوا في الغداة اجتماعًا آخر في المسجد الجامع حيث بايع عامة المسلمين أبا بكر خليفة.
كانت البيعة تتم في أول الأمر بالمصافحة، أو بضرب كف المبايع على كف الخليفة، ثم تطورت في العصور اللاحقة لعصر الراشدين، واتخذت عدة طرق منها: تقبيل طرف رداء الأمير، أو تقبيل الأرض بين يديه، وهذه محاكاة لما كان يجري في بلاد الفرس١.
- استنت البيعة الخطبة التي يلقيها الخليفة، ويعلن فيها برنامجه في الحكم، واستمرت هذه الخطبة بمفهومها حتى يومنا هذا، وأصبحت تعرف بخطاب العرش، أو البيان الوزاري، والجدير بالذكر أن هذا المبدأ لم يكن من ابتكار أبي بكر، ولكنه كان معروفًا في فارس وبيزنطية، فاستحسنها العرب بعد أن بدأ بها أبو بكر، وساروا عليها٢.
- استقر الوضع السياسي على أربع فئات هي:
стр. 24
١- الفئة "الأرستقراطية" بزعامة أبي سفيان بن حرب، التي تراجعت عن الواجهة السياسية بفعل بروز النبي ﷺ ، إلا أنها استطاعت أن تستعيد مركزها بعد ذلك بفعل تسربها إلى مواقع السلطة من خلال تأييدها ودعمها للخليفة.
٢- فئة التيار الهاشمي: بزعامة علي بن أبي طالب، وقد انضم إليه بعض كبار الصحابة من عامة المسلمين بعد أن تحسنت أوضاعهم الاجتماعية بفعل الدين الجديد، أمثال سلمان الفارسي، وعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري، ولا يخفى ما لهذا التيار من أثر معنوي كبير في مسار الأحداث السياسية، وقد حاولت الفئة "الأرستقراطية"، إثارة أعضائه ضد الخليفة للوصول إلى أهدافها، وكان باستطاعة أفراده السيطرة على الحكم إلا أنهم آثروا المصلحة العامة، ودخلوا في ما دخل فيه الناس من البيعة لأبي بكر.
٣- تألفت الفئة الثالثة من شخصيات قيادية معتدلة أمثال أبي بكر، وعمر، وأبي عبيدة، وقد ساهم أفرادها في النضال الإسلامي أثناء حياة النبي، ولا سيما أبي بكر، وكان عمر أنشط أعضاء هذه الفئة، وإليه يعود الفضل في استرداد المبادرة من الأنصار، ومبايعة أبي بكر بالخلافة، وقد جمعت أعضاء هذه الفئة، وأعضاء الفئة الثانية، رؤية سياسية موحدة.
٤- فئة الأنصار، وكان لها دور عابر اقتصر على إثارة المشكلة.
стр. 25
الأوضاع السياسية خارج المدينة:
الحدثان البارزان في خلافة أبي بكر القصيرة١ هما الردة، وانطلاق الفتوح الإسلامية خارج نطاق الجزيرة العربية، وكان لكل منهما تأثيره الخاص على مستقبل الدعوة الإسلامية والعرب، وتطلق جميع روايات المصادر على التطورات التي حصلت على أطراف الجزيرة العربية عقب وفاة النبي، وما نجم عنها من انتفاضة القبائل؛ بحركة الردة أو بالارتداد عن الإسلام٢، على أن هذا الموقف، لا يمكن المحافظة عليه بعد الأبحاث المستجدة في تاريخ صدر الإسلام. ذلك أن التطورات
стр. 26
خريطة مواطن القبائل في شبه الجزيرة العربية
стр. 27
التي حدثت بعد وفاة النبي كانت أكثر تباينًا في نوعها من أن ندخلها تحت حركة الردة، ولهذا لا يمكن الحديث بأي حال، عن ارتداد عام عن الإسلام، ولا بد من أن نبحث في كل حالة على حدة، ونتوغل في عمق كل قبيلة، بل في كل بطن من بطون القبائل الكبيرة.
ويواجه المؤرخ صعوبة في استنباط أسبابها الدينية والسياسية، والاجتماعية والاقتصادية، نظرًا لقلة المادة التاريخية المتعلقة بظروفها وحيثياتها، مع أنها شكلت تحديًا كبيرًا لهيبة الدولة الإسلامية الناشئة، وأول اختبار للمجتمع الإسلامي الجديد، وأول شرخ يصيب هذا المجتمع الموحد في إطار الدين الإسلامي، كما كانت المواجهة الأولى للخليفة حين وضعت كفاءته أمام الامتحان الصعب، وعملت على إنهاء نفوذه على كثير من مناطق الجزيرة العربية، لذلك، فإن علينا البحث عن اللمحات، والإشارات المبعثرة في المصادر، ومحاولة جمعها وتصنيفها، وتنسيقها بما يسمح بتشكيل صورة قريبة نسبيًا من الحقيقة التاريخية، ويذكر أن الردة لم تنشأ صدفة، ولم تكن مفاجأة، وإنما لها مقدماتها وشروطها المرتبطة ارتباطًا عضويًا بتاريخ تنامي نفوذ المدينة، وما نجم عن ذلك من التحاق الكثير من القبائل بها.
اتجهت سياسة النبي العامة نحو توحيد العرب تحت راية الدين الإسلامي في مؤسسة تتخطى النظام القبلي، واستطاع أن يؤسس جماعة دينية سياسية جسدت كيان دولة، فدخل العرب عامتهم في هذا الدين، وانضووا تحت لواء النبي، ودانوا له بالزعامتين الدينية، والسياسية بفعل أنه يصدر أحكامه عن وحي الله وأمره، بالإضافة إلى أنه كان مثاليًا في سلوكه، إذ سوى في المعاملة بين القبائل المختلفة، ولم يخضع لنزعات النفس البشرية، وميلها إلى إيثار الأهل والعشيرة، ويعد ذلك حدثًا دينيًا، وسياسيًا بالانضمام إلى دولة المدينة، واعتناق دينها، وهذه سمة توحيدية.
وهكذا تم توحيد القبائل في الجزيرة العربية في دولة واحدة يرأسها النبي ومركزها المدينة، لكن هذه الوحدة كانت مفككة، فالاضطراب الذي لازم مواقف القبائل العربية، التي لم يترسخ الإسلام في قلوبها نظرًا لحداثته؛ وحد التيارات المختلفة في المدينة، فالتف الجميع حول الخليفة، أما خارج نطاق المدينة، وفي أرجاء واسعة من جزيرة العرب، فلم يكن يوجد سوى أشكال من التحالف السياسي مع المدينة، بالإضافة إلى ذلك فإن الدخول في الإسلام كان قرارًا سياسيًا استهدفت به زعامات القبائل المحافظة على كيانها، وتحاشي خطر المسلمين عليها.
стр. 28
لكن هذه الزعامات، ربطت بين شخص النبي وبين ما حققه للعرب بعامة من مكاسب دينية، واجتماعية، وسياسية غيرت تمامًا حياة العربي، والنظام القبلي الاجتماعي، فقد استبدل الإسلام، منذ بداياته، رابطة الدم برابطة الدين والعقيدة، والغزو والجهاد والعرف بالشريعة، والتمزق القبلي بوحدة الأمة١، وحد من النزاعات القبلية التقليدية من خلال رفع مبدأ الثأر بشكله القبلي، ونقل مسئولية ذلك إلى الجماعة الإسلامية، وشرع الجهاد في سبيل الله بدلًا من القتال من أجل الثأر، أو التسابق على الماء والكلأ، وأطاح فردية القبيلة لقاء فكرة الجماعية التي تستند عليها الأمة، وأرسى قواعد الدولة الإسلامية، وساوى بين المسلمين، ودعا إلى التكافل والتضامن، ونظم المجتمع العربي على نحو يتناسب، وطباع العرب٢، ومع ذلك لم يتمكن من الإنجاز التام، والنهائي لمد نفوذ الدولة الإسلامية الناشئة على سائر أنحاء الجزيرة العربية، وبرهنت حركة الردة عن ضعف هذا الكيان السياسي في الأطراف خاصة، وهشاشة دخول القبائل في الإسلام، وأن تجذر العادات والتقاليد القبلية في النفوس كان أقوى من رابطة الدين.
والحقيقة أن سياسة التوحيد لم تكن قد استكملت، ولم يتجذر الدين إلا بين سكان المدينة، ومكة والطائف، وبعض القبائل القاطنة بجوارهم، ولا تدع المصادر مجالًا للشك في الاتساع الشديد لحركة الردة سواء من الناحية القبلية، أو من الناحية الجغرافية، فلقد خرجت الأكثرية الساحقة للقبائل على حكم المدينة، ولم يبق مواليًا سوى نواة صغيرة جدًا تتألف من القبال التالية: قريش وحلفاؤها التقليديون الذين كانوا يعيشون بالقرب من مكة، الأوس والخزرج وحلفاؤهم التقليديون الذين كانوا يسكنون بالقرب من المدينة، ثقيف في الطائف، فقد ثبتت مزينة وغفار، وجهينة وبلى وأشجع وأسلم وخزاعة؛ على الإسلام، ويذكر بأن هذه القبائل تربطها بمكة، والمدينة مصالح مشتركة، وهي تدخل تقليديًا في تحالف معها، أما قبائل هوازن وبني عامر وسليم، فقد اتخذوا موقفًا متربصًا.
أما سكان المناطق الأخرى في الجزيرة العربية، ولا سيما اليمن وعمان وحضرموت في الجنوب، فلم يكن الدين قد تجذر في نفوس سكانها، ولقد كان إسلامهم سطحيًا ومرحليًا، واستسلامًا للأمر الواقع خشية القتل والسبي، وليس
стр. 29
اقتناعًا بالإسلام كعقيدة، ونظام ومنهج١، كما كان وليد ظروف سياسية خاصة أحدثها دخول قريش في الإسلام، ولم يؤد إلى خلق ترابط، ووثاق اجتماعي مادي فيما بينهم، كذلك، كان موقفهم من الإسلام ضعيفًا، إذ إن الإسلام لم ينتشر في هذه المناطق البعيدة عن مكة والمدينة، إلا بعد فتح مكة، وغزوة حنين والطائف، أي بعد العام الثامن للهجرة، وظل نشاط النبي قبل ذلك محصورًا في المنطقة المحيطة بالمدينتين المقدستين، ومعنى ذلك، أن كثيرًا من عرب الأطراف دخلوا في الإسلام، وفي قلوبهم مرض أو شيء من النفاق؛ لأنهم أسلموا مقتدين برؤسائهم الذين تقبلوا سلطة الحكومة الإسلامية في المدينة، وأطاعوا النبي، بعد أن حقق انتصارات كبرى على القوى المعادية له، ولدعوى الإسلام للمحافظة على كيانهم، وإبعاد خطر المسلمين عنه، ولا يدل إرسال الوفود القبلية إلى المدينة لتعلن إسلامها على أن القبائل فهمت، واستوعبت الإسلام وآمنت بتعاليمه، وحرصت على الدخول فيه، وبخاصة أن المدة الزمنية بين دخول هذه القبائل في الإسلام؛ ووفاة النبي، كانت قصيرة لا تتجاوز ثلاثة أعوام، بالمقارنة مع المدة التي استغرقها استقرار الدين الإسلامي في مكة والمدينة، البالغة عشرين عامًا، كما أن هذه القبائل الضاربة على الأطراف كانت تمر بمرحلة تحول سياسي لتتخلص من الضغط الفارسي الواقع عليها، وبخاصة في اليمن، بالإضافة إلى الصراعات الداخلية، بينها، على النفوذ.
لذلك، تفاوت إيمان هذه القبائل بين القوة، والضعف بشكل عام، ولقد كان النبي يعي ذلك تمامًا، ونزلت بهذه الصدد الكثير من الآيات القرآنية التي توثق هذه الواقعة التاريخية، وهي تتهم الأعراب، وهم الأكثرية المطلقة للعرب آنذاك، بالضعف، والتخاذل والكفر، والنفاق: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٧، ٩٨] .
نفهم من هذا النص القرآني أن عددًا من القبائل كانت لا تخفي موقفها المتربص من الإسلام، وبالنبي على الرغم من دخولها في الدين الجديد، وولائها ومبايعتها للنبي.
ولعل أكثر الآيات دلالة، وبيانًا على موقف القبائل من الإسلام تلك التي تقول:
стр. 30
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤] ، وقد نزلت هذه الآية في وقت أخذ الكثير من القبائل تسارع عبر وفودها للدخول في الإسلام١.
وكان النبي قد شعر بما تنعم به هذه القبائل من حرية العيش، فتركها تعيش حياتها الخاصة مع الالتزام بالإسلام، لذلك لم تفقد شيئًا من حريتها السياسية، ولم يكن الحكم الإسلامي عليها يتجاوز العهود التي ارتبطت بها مع النبي التي لم تكن في نظرها سوى حلقًا، أو عقدًا مع شخص النبي نفسه لدوافع، وشروط معينة، فرضتها ظروف خاصة نشأت عن اتحاد قريش تحت رايته، وبوفاة الشخص المتعاقدة معه تنتهي آليًا صلاحية العقد إن لم يتم البت فيه مجددًا مع شخص آخر.
تذكر الروايات التاريخية أن ممثلي أسد، وغطفان وطيء اجتمعوا، بعد وفاة النبي وأرسلوا وفدًا مفاوضًا عنهم إلى المدينة مطالبين بإعفائهم من الزكاة، استقبل أبو بكر الوفد استقبالًا حسنًا، لكنه رفض طلبهم بترك الزكاة رفضًا قاطعًا على الرغم من أنهم أكدوا عزمهم على الاستمرار في الدين والصلاة، ولما عادوا خائبين من المدينة ارتدوا، والتحقوا بالمتنبئ طليحة الأسدي٢، وما يصح على هذه القبائل يصح أيضًا على الأكثرية الساحقة من القبائل مثل كندة، وقضاعة وهوازن وغيرهم، حيث أعلنوا ارتدادهم، وفضوا عقودهم مع النبي، واستقلوا بأنفسهم.
ويبدو أن هذه القبائل التي ارتدت لم تكن تعلم ما يفرضه الدين الإسلامي عليها من واجبات، والتزامات وفروض ربما كانت غير طبيعة في نظرها، وكان معنى ذلك الخروج عما ألفت، وتغيير جذري في مجرى حياتها الدينية والاجتماعية، والحد من حريتها، وسرعان ما ضاقت ذرعًا بالواجبات التي فرضها الإسلام عليها، وبخاصة الزكاة، ورأت فيها انتقاصًا من حريتها الشخصية والجماعية، كما أوجدت نوعًا من الشعور بالإذلال لم تألفه هذه القبائل مما يتعارض مع كبرياء العربي، وأنفته على الرغم من الإسلام لم يعد الجزية أتاوة يدفعها المغلوب للمنتصر، فامتنعت عن دفع الزكاة لأبي بكر.
هذه كانت، على ما يبدو، نظرة القبائل للأمور، هذه النظرة التي لا يمكن عزلها عن أحداث الردة، وهكذا يتضح لنا كيف أن أحداث الردة كانت بهذا المعنى جزءًا لا يتجزأ من التزكية السياسية للأمة الإسلامية نفسها، وكشفت هذه الحركة بوضوح عن
стр. 31
الطابع التاريخي الملموس للكيان السياسي الذي أسسه النبي، ووطده عبر سنوات طويلة من الممارسة السياسية العملية.
وأدى العامل الأجنبي دورًا آخر في تحريك البواعث التي أدت بدورها إلى انتفاضة العرب وردتهم، ذلك أن إرسال النبي الكتب إلى المملوك، والأمراء المجاورين، ومن بينهم عاهل الفرس وإمبراطور البيزنطيين "الروم"، يدعوهم فيها إلى الإسلام، ما جعل هؤلاء يعملون على إثارة الفتنة في بلاد ليس فيها من أسباب الوحدة غير الدين الجديد١.
روى الطبري أنه "لما بويع أبو بكر ﵁، وجمع الأنصار في الأمر الذي افترقوا فيه قال: ليتم بعث أسامة، وقد ارتدت العرب إما عامة، وإما خاصة في كل قبيلة، ونجم النفاق، واشرأبت٢ اليهود والنصارى، والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم ﷺ ، وقلتهم وكثرة عدوهم"٣.
ومن ثم فإن لنا أن نتصور، على الرغم من قلة المادة التاريخية، وانعدامها أحيانًا، حجم الدور اليهودي، والنصراني في حركة الردة والتنبؤ في حياة أبي بكر. ويذكر أن اليهود بخاصة يعملون خفية، ومن وراء حجاب، وقد أخفقت محاولاتهم لضرب الإسلام في عصر الرسالة، وكانت النتيجة التشتت، والتردي بعد أن طردهم النبي من المدينة، وأخضعهم في خيبر، فتربصوا بالإسلام والمسلمين.
وكان لتنوع الحياة في الجزيرة العربية دور في اضطراب العرب، فحياة الحضر والبدو تتجاور مع ما بينها من تباين، مما يجعل الوحدة القومية أمرًا ليس سهلًا، ثم إن طبيعة حياة البدوي لا تخضع لحاكم على النحو الذي يفهمه الحضري. فالبدوي لا يقابض باستقلاله الفردي شيئًا، كما ترى القبيلة في البادية أن حياتها تكمن في استقلالها، فتقاوم كل ما من شأنه الانتقاص، أو الحد منها. وعندما انتشر الدين الإسلامي بين العرب، وهو يدعو إلى التوحيد، خشي هؤلاء من أن تمتد وحدة الإيمان بالله إلى وحدة سياسية تقضي على استقلال أهل البادية٤.
وبرزت العصبية القبلية بعد وفاة النبي بأوضح معانيها عند بعض القبائل، وقد اتخذت موقفًا سياسيًا معاديًا من قريش، بشكل خاص، التي تزعمت بنظرها جماعة المسلمين، ذلك أن هذه القبائل لم ترض من قبل بتفوق قريش، وزعامتها عليها،
стр. 32
وعدت استمرار هذه الزعامة بعد وفاة النبي كنوع من الوراثة التي لم يألفها العرب، لذلك لم تأخذ بيعة أبي بكر طابعها الإجماعي في أوساط القبائل، فكان لبعضها موقف لا ينسجم تمامًا مع الأسلوب الذي تم بموجبه اختياره كخليفة دون أن يكون لها رأي في هذا الاختيار.
ويرتبط بالعصبية، وما يتولد عنها من تنافس وتحاسد بين القبائل، ما نلاحظه من تسابق في إدعاء النبوة، فظهر المتنبئون في أنحاء مختلفة من الجزيرة العربية، وكانت هذه الظاهرة أحد الأصداء التي أحدثها نجاح النبي عقب فتح مكة، وتوسيع نفوذ الحكومة الإسلامية عبر توحيد مكة والمدينة.
وقد أتى الخطر الأكبر من شخصيتين ادعتا النبوة في حياة النبي:
الأولى: هي المتنبئ عبهلة١ بن كعب، ذو الخمار، المعروف بالأسود العنسي الذي نشر دعوته في اليمن.
والثانية: هي المتنبئ مسيلمة بن حبيب، المعروف بمسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة في بني حنيفة في اليمامة.
ويوضح الاستعراض الذي سنتعرض له في الفصل التالي للحوادث المرتبطة بظهور هاتين الشخصيتين في المركزين الخطيرين المنافسين للمدينة، كيف أنه التقت في هذه الأحداث حركتان مختلفتان.
الحركة الأولى: هي حركة تأسيس تحالفات قبلية على غرر التحالف الإسلامي، وتقليده في الشكل من خلال ظهور المتنبئين.
الحركة الثانية: هي حركة الردة الفعلية، أي نكث القبائل لعهودها التي عقدوها مع النبي في المدينة، وادعائهم بأن هذه العقود قد انتهت بوفاته، فامتنعوا عن دفع الزكاة.
وشاءت طبيعة الأحداث أن تندمج هاتان الحركتان، فكندة مثلًا التي ارتدت فعلًا بعد وفاة النبي التحقت بمركز الأسود العنسي بعد أن انفصلت عن مركز المدينة، والمعروف أن المصادر تدمج هذه الاتجاهات المختلفة في إطار واحد غير مميز، وتسميه الردة مع العلم بأن مسيلمة الكذاب مثلًا لم يعتنق الإسلام، ثم ارتد عنه وادعى النبوة حتى ننعته بالمرتد.
من خلال هذه الرؤية، فإن لحركة الردة أكثر من خلفية لا تبدو بالضرورة متجانسة، ولكنها تضافرت مع بعضها، وأدت إلى تفجير الوضع، وهذا يعني أن الردة بمفهومها
стр. 33
الفقهي لا تأخذ بعدها الشمولي لدى جميع القبائل؛ لأن بعضها كانت تحركه دوافع سياسية، أو اقتصادية لم تصب مطلقًا جوهر العقيدة١.
وإذا تجاوزنا عدم التمييز الذي تعتمده المصادر، فإن حركة الردة بعامة تمثل الجانب الديني والسياسي، والاجتماعي والاقتصادي من ردود الفعل التي أحدثها فورًا موت النبي، وعليه يمكن تصنيف المرتدين، والمنتفضين على حكم المدينة إلى أربع فئات:
الأولى: هي التي اعترضت على نتائج السقيفة مع احتفاظها بإيمانها، وصلتها بالعقيدة الإسلامية، غير أنها وعت بعد استتباب الأمر لأبي بكر، ولم ترتد عن الإسلام.
الثانية: هي التي ارتدت عن الإسلام، ووضع زعماؤها التيجان على رؤوسهم٢.
الثالثة: هي التي رفضت دفع الزكاة إلى أبي بكر بوصفها نوعًا من التبعية، والتقييد لحرية، واستقلال هذه القبائل.
الرابعة: هي التي تبعت المتنبئين حتى اعتقد بعض الزعماء القبليين أن ادعاء النبوة وسيلة للوصول إلى الحكم، مدفوعين بعامل العصبية القبلية.
انتشرت حركة الردة جغرافيًا مع معظم أنحاء الجزيرة العربية، وامتدت من البحرين، وعمان على طول ساحل الخليج العربي، ومن الشرق إلى الجنوب الشرقي، ومن هناك إلى حضرموت٣، واليمن في الجنوب، ثم من هناك إلى اليمامة٤، أي أن هذه الحركة شكلت شبه نصف دائرة أحاطت بالقسم الأكبر من الجزيرة العربية.
стр. 34
الفصل الثاني: تفشي ظاهرة التنبؤ في المجتمع العربي
تمهيد: لم يكد نبأ وفاة النبي محمد ﷺ ينتشر في بلاد العرب حتى اشتعلت الفتنة في كل أنحاء الجزيرة العربية بأشكال مختلفة، ولأسباب متباينة، وبرزت ظاهرة التنبؤ كإحدى الانعكاسات للنجاح الإسلامي في الحجاز، وإن كان بعض المتنبئين قد أعلنوا دعوتهم في أواخر حياة النبي.
فتنبأ الأسود العنسي في اليمن، ومسيلمة الكذاب في بني حنيفة في اليمامة، وطليحة في بني أسد، وسجاح التميمية، ولقيط في عمان، وكانت ثورة اليمن أعنف مظاهر الانتفاض على الدين الجديد في الجزيرة العربية في أواخر حياة النبي، لكن قبائل اليمامة وما جاور الخليج العربي، كانت تتهيأ للثورة على الدين الجديد، ومع أن النبي لم يغفل هذا التطور السلبي في أواخر حياته، إلا أن اهتمامه السياسي انحصر في الالتفات نحو الشمال من خلال تجهيزه حملة أسامة بن زيد، إذ أمره أن يتوجه إلى تخوم البلقاء١، والداروم من أرض فلسطين، واعتقد بأنه إذا استطاع تحقيق الانتصار هناك، فإن ذلك من شأنه تقوية موقفه داخل الجزيرة العربية، وبين قبائلها، وبخاصة أن الدعوة الإسلامية انتشرت آنذاك في مختلف أنحاء الجزيرة العربية من الشمال إلى الجنوب، ثم إن خروج أسامة إلى وجهته يعبر عن الإقلال من شأن هؤلاء الخارجين والمرتدين، وخطرهم، ولا شك بأن هذه السياسة تعطي المسلمين دفعًا معنويًا لمواجهة الخارجين، والمرتدين في اليمن واليمامة، وغيرهما من أنحاء الجزيرة العربية.
كان المتنبئون آنذاك يتهيأون للجهر بدعواتهم آملين بأن تحل بالمسلمين نكبة ما، وأخذوا يبشرون بها، كل في ناحيته بهدوء وأناة، دون أن يطعن أحد منهم بصحة نبوة
стр. 35
محمد، وإنما ساووا أنفسهم به، فهو نبي وهم أنبياء مثله بعثوا في أقوامهم، كما بعث هو في قومه، لكن أحدًا منهم لم يقدم خصائص لدعوته تضاهي خصائص الدعوة الإسلامية.
وتستوقفنا في هذا المقام بعض الدوافع التي أدت إلى بروز هذه الظاهرة نذكر منها ما يلي:
- إن المناطق التي انطلق منها المتنبئون، كانت أكثر مناطق الجزيرة العربية تحضرا وأضخمها ثروة، كما كانت مجاورة لأراضي الفرس، أو كان للفرس فيها نفوذ.
- اعتمد المتنبئون على الناحية العصبية، وبخاصة ما كان بين اليمنية، والمضرية من عداوة راسخة الجذور، بالإضافة إلى التنافس بين ربيعة ومضر، وإذا تغلغلنا في صميم هذه الظاهرة نلمس شواهد واضحة على أثر العصبية القبلية.
ويرتبط بالعصبية القبلية ما ينتج عنها من تحاسد، وتنافس بين القبائل العربية والتسابق في إدعاء النبوة، ذلك أن المظاهر الأساسية لحركة الردة لم تقتصر على رفض بعض أركان الإسلام، أو عدم الاعتراف بسلطة المدينة، وإنما جاءت مصحوبة بإدعاء بعض الأشخاص النبوة، إذ إن النجاح الذي حققه النبي في حياته، والمكانة التي وصلت إليها قريش في الجزيرة العربية، عند وفاته، غدت مثار حسد كافة القبائل العربية، ولم تلبث أن أضحت سيرة النبي مثلًا يحتذى لتحقيق نوع من الأهمية، والزعامة في مجتمع يمجد الأبطال.
والواضح أن كثيرًا من الأفراد في المجتمع العربي كانوا طلاب زعامة ورئاسة، فأرادوا الاقتداء بالنبي لتحقيق تطلعاتهم، فحاولوا التشبه به في ما أوحي إليه من القرآن الكريم، فأتوا بعبارات مسجوعة مفككة المعاني، ركيكة المضمون، لا روح فيها، تتصف معانيها بالسذاجة، وسجعها بالتكلف.
وتمادى المتنبئون حين امتدت أيديهم إلى التشريع، من ذلك أن مسيلمة الكذاب شرع لأصحابه أن من أصاب ولدًا واحدًا عقبًا لا يأتي امرأة إلى أن يموت ذلك الابن، فيطلب الولد حتى يصيب ابنًا ثم يمسك، فحرم بذلك النساء على من له ولد ذكر١، كما ادعوا بأن الوحي ينزل عليهم من السماء.
والحقيقة أنه لم يكن عند هؤلاء شيء من أدب النبوة، وأن بعضهم كان لا يبالي أن يطلع الناس على قبيح، ولعل في علاقة مسيلمة الكذاب مع سجاح، والتي
стр. 36
سنبحثها في موضعها ما، يثير الاشمئزاز، فضلًا عن خروجها على الآداب العامة.
ومن مظاهر التشبه بالإسلام أن بعض المتنبئين عمد إلى اتخاذ بيت حرام ينافسون به البيت الحرام في مكة، من ذلك أن مسيلمة الكذاب ضرب حرمًا في اليمامة نهى الناس عنه، وأخذ الناس به، فكان محرمًا١.
- تفجرت ظاهرة التنبؤ في بلاد وعلى أيدي أفراد عرفوا النصرانية، وسمعوا بها أو اشتهروا بالكهانة، لقد ساد الجزيرة العربية آنذاك باستثناء الحجاز، اضطراب ديني بفعل عدم استقرار العقيدة في النفوس، فالنصرانية واليهودية، والمجوسية والوثنية، تجاورت كلها في ظل نقاش جدلي في أي منها تحقق السعادة لأتباعها، مما مهد الطريق أمام المتنبئين للظهور، واستقطاب الناس بكلام منمق، وبمظاهر يتخذونها آيات صدقهم، واستطاعوا بهذه الوسيلة أن يحققوا نجاحًا مبدئيًا، ذلك أن النصرانية انتشرت في الجزيرة العربية قبل الإسلام عن طريق الأحباش في الجنوب، والأنباط في الشمال، وكان ملك اليمامة هوذة بن علي نصرانيًا أرسل إليه النبي سليط بن عمرو يدعوه إلى الإسلام٢، ثم إن العرب شأنهم في ذلك شأن معظم الشعوب الوثنية عرفوا الكهانة، وبخاصة عرب الجنوب، حمير، مثل طريفة الخبر التي تنبأت بأخبار سد مأرب، وسطيح الغساني وغيرهما، فادعى بعض الكهان أن نفوسهم قد صفت، واطلعت على أسرار الطبيعة، وادعى آخرون أن الأرواح المنفردة، وهي الجن، تخبرهم بالأشياء قبل حصولها، وحصل تقارب بين النصرانية، والكهانة عند العرب في الجاهلية، هذا على الرغم من أن أدعياء النبوة اختلفوا على الطرفين في أتباعهم أسلوب التي في سيرته، وأقواله وأفعاله، فادعوا أنهم أنبياء، وأن الوحي ينزل عليهم، وشرعوا لأتباعهم، وطالبوا لأنفسهم بسيادة وزعامة عليهم٣.
- اعتمد المتنبئون على العامل الإقليمي، فقد استغل الأسود العنسي استياء اليمنيين من الفرس، ونفورهم من الحجازيين.
- تشكل ظاهرة التنبؤ إحدى الانعكاسات التي أحدثها فتح مكة، وانتشار الإسلام في أجزاء واسعة في الجزيرة العربية، وتوسيع نفوذ الحكومة المركزية في المدينة، ذلك أن هذا التطور الإسلامي أثار عمليات مشابهة، متوازية ومتزامنة في أنحاء متفرقة، حيث بدأت تنشأ تحالفت قبلية واسعة يتزعمها أناس يدعون النبوة، اقتداء
стр. 37
بالنجاح الذي حققه النبي محمد، أدى فيها التطور الإسلامي دور الباعث والمحرك١.
- شجعت ثورة الأسود العنسي قبائل اليمامة، وبني أسد على الاقتداء به إثر وفاة النبي محمد، فقد كان كل من مسيلمة، وطليحة يخشى قوة المسلمين المتنامية، ويرى أنه لا قبل له بمقاومتها، لذلك لم يعلن ثورته مبكرًا، ولما تجرأ الأسود العنسي على إعلان دعوته، ورفع راية العصيان، وحاز من النجاح ما أثار مخاوف المسلمين، اقتدت قبائل اليمامة به، وشجعها على ذلك أن النبي محمد توفي في ذلك الوقت٢.
عبهلة بن كعب: الأسود العنسي:
إن إحدى المهمات الكبرى التي واجهت النبي محمد في السنتين الأخيرتين من حياته، كانت ضرورة محاربة المتنبئين الذين أخذوا بالظهور في أنحاء متفرقة من الجزيرة العربية؛ بحزم شديد وحكمة بالغة، وتذكر المصادر أن المتنبئ، الأول ظهر ودعا إلى نفسه، كان في قببيلة مذحج في اليمن في عام "١٠هـ/ ٦٣١م"، وهو ذو الخمار عيهلة بن كعب المعروف بالأسود العنسي من قبيلة عنس٣.
والواضح أن اليمن لم يكن موحدًا سياسيًا عند ظهور الإسلام، ولم تكن فيه سلطة عليا يتعامل معها النبي، تدلنا على ذلك كتبه التي كتبها إلى عدة أفراد وجماعات، ذكرتها المصادر، وتعدد الوفود التي قدمت إلى المدينة لإعلان اعتناق الإسلام٤.
وكان للفرس نفوذ واسع في حكم اليمن، وهم من بقايا التطورات الأخيرة التي مرت بها هذه البلاد، ولكنهم لم يشكلوا سلطة مركزية، وإنما تمركزوا في صنعاء٥، وفي بعض مناطق اليمن ذات النشاط الاقتصادي كعدن٦، وذمار٧ بينما كان لسادات القبائل من حضر، وبدو سلطاتهم المحلية، وقد شاء بعضهم أن يظهر بمظهر الملوك المنفردين بالحكم والسلطان والجاه، فلقبوا أنفسهم بلقب ملك، وقد نعتت
стр. 38
كتب التاريخ والسير سادات حمير في أيام النبي بملوك حمير١، ولم تكن العلاقات القبلية جيدة، وظهرت القبائل البدوية من خلال الأحداث كقوة مؤثرة، وكانت تضغط على اليمن من أطرافه.
ومن أبرز الكتل التي شكلها الأعراب في اليمن هي الكتلة التي نشأت عن تحالف القبائل المنتسبة إلى مذحج مثل زبيد، والحارث بن كعب، وبني عبد الودان, خولان، واجتمعوا في مذاب بالجوف٢.
واحتفظ الجيل الجديد من الفرس، الذي ظهر في اليمن بنتيجة تزاوج الجنود الفرس باليمانيات، وهو الجيل الذي عرف بالأبناء؛ بنفوذ كبير في اليمن عامة، ويبدو أن التغييرات الإدارية المستجدة في الجزيرة العربية لم تصب كثيرًا الطبقة الإدراية، وعمادها الأبناء، فظلت في مواقعها كطبقة متفوقة، يستعين بها أهل اليمن.
اصطدمت قوى التحالف بالسلطة الفارسية في مأرب٣، والجوف ونجران٤ حيث كانت معظم قبائل هذا التحالف تقيم على التخوم الشمالية الشرقية لليمن، كما تستوطنها قبائل همدان، وهي من المناطق الصحراوية الفقيرة إجمالًا بإنتاجها الاقتصادي، ولا تساعد على نشوء الاستقرار البشري، وبخاصة منطقة مذحج بين حضرموت ونجران، وللفرس فيها استثمارات في منطقة سبأ٥، والرضراض حيث مناجم الذهب والفضة.
واشتد تهديد هذه القوى للسيطرة الفارسية في عهد باذان العامل الفارسي، حيث كانت فارس تعاني من اضطراب الأوضاع الداخلية، وظهرت تكتلات معادية للفرس تمثلت في غارات قبائل تميم على طريق التجارة الشرقي في منطقة اليمامة٦، يضاف إلى ذلك، أن قوة الأذواء، سادات القبائل الحميرين، تطورت وازداد نفوذهم.
حدث ذلك، في الوقت الذي كان فيه سكان القرى اليمنية يعانون من كثرة الضرائب٧، واستغلال طبقة المرابين الذين كانوا يشترون المحاصيل قبل نضجها
стр. 39
بأسعار متدنية، فاستاءوا من هذا الوضع الاقتصادي السيئ، ومن المحتمل أن بعض القوى استغلت وضعهم هذا، ووجهتهم ضد السيطرة الفارسية.
وتحرك الفرس في اليمن للحفاظ على مكتسباتهم، فتحالفوا مع همدان التي كانت تمر بمرحلة تفكك، وقد جمعت الطرفين مصلحة مشتركة، ذلك أن الفرس أرادوا أن يعوضوا عن انقطاعهم عن الدولة الساسانية، وفي المقابل، أرادت همدان الاعتماد على قوة موالية لها لمواجهة قوة حمير المتزايدة، حيث إن توحيد همدان قد ينتزع من حمير ما كان معها من بطون همدان، بالإضافة إلى الأراضي التي خسرتها أمامها.
اجتمع باذان مع عمرو بن الحارث بن الحصين الشاكري البكيلي، وعمرو بن يزيد بن الربيع الحاشدي، واتفقوا على عقد حلف موجه ضد القبائل المحتشدة في مذاب بالجوف، والتي كانت تسعى لاستقطاب أطراف أخرى إلى جانبها. ومع أن نتيجة الاصطدام غير معروفة، إلا أن حالة التوتر قد استمرت بين همدان ومذحج، وانضمت مراد إلى هذه الأخيرة، وكانت بقيادة قيس بن هبيرة الذي يعرف أحيانًا بقيس بن عبد يغوت، وأحيانًا بقيس بن المكشوح١، ويعد هذا التوسع دليل نضج في تطور الأوضاع السياسية، وتعزيز موقف المعارضة اليمنية ضد الوجود الفارسي.
وطرأ في هذه الأثناء، تطور آخر على أوضاع اليمن، تمثل بامتداد الدولة الإسلامية باتجاه الجنوب بعد فتح مكة في عام "٨هـ/ ٦٣٠م"، فجاورت اليمن، وبدأ عمال النبي محمد يصلون إلى اليمن، يبشرون بالدين الجديد، كما أن وفودًا من أهل اليمن بدأت تتوجه نحو المدينة، لتعلن دخولها في الإسلام لتعود، ومعها عمال النبي٢.
كان لهذا التطور تأثيره على أوضاع اليمن السياسية والدينية، ذلك أن باذان اعتنق الإسلام بعد حادثة مقتل الإمبراطور الفارسي كسرى الثاني أبروبز على يد ابنه قباذ الثاني شيرويه، وتسلم هذا الأخير الحكم، وبخاصة أنه علم بهذه الأحداث، عن طريق النبي محمد ﷺ قبل أن تصل إليه من فارس، فاتجه إلى الاستفادة من الطرف الإسلامي في مقاومة قوى التحالف، واستمر في منصبه كعامل للنبي على اليمن بعد أن كان عامل الفرس عليها٣.
стр. 40
ولما مات باذان عين النبي ابنه شهر واليًا على صنعاء وما والاها، كما عين ولاة من أهل اليمن، وآخرين من أصحابه على الأقاليم المختلفة، فكان عمرو بن حزم على نجران، وخالد بن سعيد بن العاص على ما بين نجران ورفع وزبيد١، وعامر بن شهر على همدان، وطاهر بن أبي هالة على عك والأشعريين، وأبو موسى الأشعري على مأرب، ويعلى بن أمية على الجند٢، ومعاذ بن جبل معلمًا يتنقل في عمالة كل عامل باليمن، واستقر في الجند، كما عهد إليه بمهمة القضاء، وقبض جميع الصدقات.
ويبدو أن الوجود الإسلامي، وجمع الزكاة، واجها معارضة من قبل بعض زعماء القبائل، وأشارات الروايات إلى وجود تحرك معارض في منطقة حمير، وأن معاذًا قائلهم، وانتصر عليهم.
وفي الوقت الذي كان فيه العمال المسلمون ينظمون شئون ولاياتهم، ويجمعون الصدقات، جاءتهم كتب الأسود العنسي ينذرهم فيها أن يردوا ما بأيديهم، فهو أولى به "أيها المتوردون علينا أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفروا ما جمعتم، فنحن أولى به، وأنتم ما أنتم عليه"٣، وأعلن حركته الانفصالية، وكانت تلك أول ظاهرة لفتنته٤، ومعنى هذا أن الحركات الانفصالية انطلقت من بلاد اليمن، وأن خروج الأسود العنسي يمثل الشرارة الأولى لتلك الحركات.
تتضمن محتويات كتب الأسود العنسي اتجاهين:
الأول: سياسي إقليمي "أيها المتوردون علينا"، فعد عمال النبي دخلاء على اليمن، مغتصبين لأرضهم، وكان معاذ بن جبل عامل النبي على اليمن قد نفذ سياسة تخدم السلطة المركزية التي كان النبي قد حدد قواعدها في المدينة، ويبدو أن هذه السياسة كانت تتعارض مع النزعات الاستقلالية التي تتحكم بأهل اليمن.
الثاني: اقتصادي "أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا"، ذلك أن النبي حدد السياسة الاقتصادية الإسلامية العامة في اليمن من خلال المباحثات التي أجراها مع رسل ملوك حمير، إذ على المسلمين أن يؤتوا الزكاة، ويعطوا خمس الله من المغانم، وسهم نبيه وصفيه٥، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار٦ عشر ما سقت العين