سنبحثها في موضعها ما، يثير الاشمئزاز، فضلًا عن خروجها على الآداب العامة.
ومن مظاهر التشبه بالإسلام أن بعض المتنبئين عمد إلى اتخاذ بيت حرام ينافسون به البيت الحرام في مكة، من ذلك أن مسيلمة الكذاب ضرب حرمًا في اليمامة نهى الناس عنه، وأخذ الناس به، فكان محرمًا١.
- تفجرت ظاهرة التنبؤ في بلاد وعلى أيدي أفراد عرفوا النصرانية، وسمعوا بها أو اشتهروا بالكهانة، لقد ساد الجزيرة العربية آنذاك باستثناء الحجاز، اضطراب ديني بفعل عدم استقرار العقيدة في النفوس، فالنصرانية واليهودية، والمجوسية والوثنية، تجاورت كلها في ظل نقاش جدلي في أي منها تحقق السعادة لأتباعها، مما مهد الطريق أمام المتنبئين للظهور، واستقطاب الناس بكلام منمق، وبمظاهر يتخذونها آيات صدقهم، واستطاعوا بهذه الوسيلة أن يحققوا نجاحًا مبدئيًا، ذلك أن النصرانية انتشرت في الجزيرة العربية قبل الإسلام عن طريق الأحباش في الجنوب، والأنباط في الشمال، وكان ملك اليمامة هوذة بن علي نصرانيًا أرسل إليه النبي سليط بن عمرو يدعوه إلى الإسلام٢، ثم إن العرب شأنهم في ذلك شأن معظم الشعوب الوثنية عرفوا الكهانة، وبخاصة عرب الجنوب، حمير، مثل طريفة الخبر التي تنبأت بأخبار سد مأرب، وسطيح الغساني وغيرهما، فادعى بعض الكهان أن نفوسهم قد صفت، واطلعت على أسرار الطبيعة، وادعى آخرون أن الأرواح المنفردة، وهي الجن، تخبرهم بالأشياء قبل حصولها، وحصل تقارب بين النصرانية، والكهانة عند العرب في الجاهلية، هذا على الرغم من أن أدعياء النبوة اختلفوا على الطرفين في أتباعهم أسلوب التي في سيرته، وأقواله وأفعاله، فادعوا أنهم أنبياء، وأن الوحي ينزل عليهم، وشرعوا لأتباعهم، وطالبوا لأنفسهم بسيادة وزعامة عليهم٣.
- اعتمد المتنبئون على العامل الإقليمي، فقد استغل الأسود العنسي استياء اليمنيين من الفرس، ونفورهم من الحجازيين.
- تشكل ظاهرة التنبؤ إحدى الانعكاسات التي أحدثها فتح مكة، وانتشار الإسلام في أجزاء واسعة في الجزيرة العربية، وتوسيع نفوذ الحكومة المركزية في المدينة، ذلك أن هذا التطور الإسلامي أثار عمليات مشابهة، متوازية ومتزامنة في أنحاء متفرقة، حيث بدأت تنشأ تحالفت قبلية واسعة يتزعمها أناس يدعون النبوة، اقتداء
стр. 37
بالنجاح الذي حققه النبي محمد، أدى فيها التطور الإسلامي دور الباعث والمحرك١.
- شجعت ثورة الأسود العنسي قبائل اليمامة، وبني أسد على الاقتداء به إثر وفاة النبي محمد، فقد كان كل من مسيلمة، وطليحة يخشى قوة المسلمين المتنامية، ويرى أنه لا قبل له بمقاومتها، لذلك لم يعلن ثورته مبكرًا، ولما تجرأ الأسود العنسي على إعلان دعوته، ورفع راية العصيان، وحاز من النجاح ما أثار مخاوف المسلمين، اقتدت قبائل اليمامة به، وشجعها على ذلك أن النبي محمد توفي في ذلك الوقت٢.
عبهلة بن كعب: الأسود العنسي:
إن إحدى المهمات الكبرى التي واجهت النبي محمد في السنتين الأخيرتين من حياته، كانت ضرورة محاربة المتنبئين الذين أخذوا بالظهور في أنحاء متفرقة من الجزيرة العربية؛ بحزم شديد وحكمة بالغة، وتذكر المصادر أن المتنبئ، الأول ظهر ودعا إلى نفسه، كان في قببيلة مذحج في اليمن في عام "١٠هـ/ ٦٣١م"، وهو ذو الخمار عيهلة بن كعب المعروف بالأسود العنسي من قبيلة عنس٣.
والواضح أن اليمن لم يكن موحدًا سياسيًا عند ظهور الإسلام، ولم تكن فيه سلطة عليا يتعامل معها النبي، تدلنا على ذلك كتبه التي كتبها إلى عدة أفراد وجماعات، ذكرتها المصادر، وتعدد الوفود التي قدمت إلى المدينة لإعلان اعتناق الإسلام٤.
وكان للفرس نفوذ واسع في حكم اليمن، وهم من بقايا التطورات الأخيرة التي مرت بها هذه البلاد، ولكنهم لم يشكلوا سلطة مركزية، وإنما تمركزوا في صنعاء٥، وفي بعض مناطق اليمن ذات النشاط الاقتصادي كعدن٦، وذمار٧ بينما كان لسادات القبائل من حضر، وبدو سلطاتهم المحلية، وقد شاء بعضهم أن يظهر بمظهر الملوك المنفردين بالحكم والسلطان والجاه، فلقبوا أنفسهم بلقب ملك، وقد نعتت
стр. 38
كتب التاريخ والسير سادات حمير في أيام النبي بملوك حمير١، ولم تكن العلاقات القبلية جيدة، وظهرت القبائل البدوية من خلال الأحداث كقوة مؤثرة، وكانت تضغط على اليمن من أطرافه.
ومن أبرز الكتل التي شكلها الأعراب في اليمن هي الكتلة التي نشأت عن تحالف القبائل المنتسبة إلى مذحج مثل زبيد، والحارث بن كعب، وبني عبد الودان, خولان، واجتمعوا في مذاب بالجوف٢.
واحتفظ الجيل الجديد من الفرس، الذي ظهر في اليمن بنتيجة تزاوج الجنود الفرس باليمانيات، وهو الجيل الذي عرف بالأبناء؛ بنفوذ كبير في اليمن عامة، ويبدو أن التغييرات الإدارية المستجدة في الجزيرة العربية لم تصب كثيرًا الطبقة الإدراية، وعمادها الأبناء، فظلت في مواقعها كطبقة متفوقة، يستعين بها أهل اليمن.
اصطدمت قوى التحالف بالسلطة الفارسية في مأرب٣، والجوف ونجران٤ حيث كانت معظم قبائل هذا التحالف تقيم على التخوم الشمالية الشرقية لليمن، كما تستوطنها قبائل همدان، وهي من المناطق الصحراوية الفقيرة إجمالًا بإنتاجها الاقتصادي، ولا تساعد على نشوء الاستقرار البشري، وبخاصة منطقة مذحج بين حضرموت ونجران، وللفرس فيها استثمارات في منطقة سبأ٥، والرضراض حيث مناجم الذهب والفضة.
واشتد تهديد هذه القوى للسيطرة الفارسية في عهد باذان العامل الفارسي، حيث كانت فارس تعاني من اضطراب الأوضاع الداخلية، وظهرت تكتلات معادية للفرس تمثلت في غارات قبائل تميم على طريق التجارة الشرقي في منطقة اليمامة٦، يضاف إلى ذلك، أن قوة الأذواء، سادات القبائل الحميرين، تطورت وازداد نفوذهم.
حدث ذلك، في الوقت الذي كان فيه سكان القرى اليمنية يعانون من كثرة الضرائب٧، واستغلال طبقة المرابين الذين كانوا يشترون المحاصيل قبل نضجها
стр. 39
بأسعار متدنية، فاستاءوا من هذا الوضع الاقتصادي السيئ، ومن المحتمل أن بعض القوى استغلت وضعهم هذا، ووجهتهم ضد السيطرة الفارسية.
وتحرك الفرس في اليمن للحفاظ على مكتسباتهم، فتحالفوا مع همدان التي كانت تمر بمرحلة تفكك، وقد جمعت الطرفين مصلحة مشتركة، ذلك أن الفرس أرادوا أن يعوضوا عن انقطاعهم عن الدولة الساسانية، وفي المقابل، أرادت همدان الاعتماد على قوة موالية لها لمواجهة قوة حمير المتزايدة، حيث إن توحيد همدان قد ينتزع من حمير ما كان معها من بطون همدان، بالإضافة إلى الأراضي التي خسرتها أمامها.
اجتمع باذان مع عمرو بن الحارث بن الحصين الشاكري البكيلي، وعمرو بن يزيد بن الربيع الحاشدي، واتفقوا على عقد حلف موجه ضد القبائل المحتشدة في مذاب بالجوف، والتي كانت تسعى لاستقطاب أطراف أخرى إلى جانبها. ومع أن نتيجة الاصطدام غير معروفة، إلا أن حالة التوتر قد استمرت بين همدان ومذحج، وانضمت مراد إلى هذه الأخيرة، وكانت بقيادة قيس بن هبيرة الذي يعرف أحيانًا بقيس بن عبد يغوت، وأحيانًا بقيس بن المكشوح١، ويعد هذا التوسع دليل نضج في تطور الأوضاع السياسية، وتعزيز موقف المعارضة اليمنية ضد الوجود الفارسي.
وطرأ في هذه الأثناء، تطور آخر على أوضاع اليمن، تمثل بامتداد الدولة الإسلامية باتجاه الجنوب بعد فتح مكة في عام "٨هـ/ ٦٣٠م"، فجاورت اليمن، وبدأ عمال النبي محمد يصلون إلى اليمن، يبشرون بالدين الجديد، كما أن وفودًا من أهل اليمن بدأت تتوجه نحو المدينة، لتعلن دخولها في الإسلام لتعود، ومعها عمال النبي٢.
كان لهذا التطور تأثيره على أوضاع اليمن السياسية والدينية، ذلك أن باذان اعتنق الإسلام بعد حادثة مقتل الإمبراطور الفارسي كسرى الثاني أبروبز على يد ابنه قباذ الثاني شيرويه، وتسلم هذا الأخير الحكم، وبخاصة أنه علم بهذه الأحداث، عن طريق النبي محمد ﷺ قبل أن تصل إليه من فارس، فاتجه إلى الاستفادة من الطرف الإسلامي في مقاومة قوى التحالف، واستمر في منصبه كعامل للنبي على اليمن بعد أن كان عامل الفرس عليها٣.
стр. 40
ولما مات باذان عين النبي ابنه شهر واليًا على صنعاء وما والاها، كما عين ولاة من أهل اليمن، وآخرين من أصحابه على الأقاليم المختلفة، فكان عمرو بن حزم على نجران، وخالد بن سعيد بن العاص على ما بين نجران ورفع وزبيد١، وعامر بن شهر على همدان، وطاهر بن أبي هالة على عك والأشعريين، وأبو موسى الأشعري على مأرب، ويعلى بن أمية على الجند٢، ومعاذ بن جبل معلمًا يتنقل في عمالة كل عامل باليمن، واستقر في الجند، كما عهد إليه بمهمة القضاء، وقبض جميع الصدقات.
ويبدو أن الوجود الإسلامي، وجمع الزكاة، واجها معارضة من قبل بعض زعماء القبائل، وأشارات الروايات إلى وجود تحرك معارض في منطقة حمير، وأن معاذًا قائلهم، وانتصر عليهم.
وفي الوقت الذي كان فيه العمال المسلمون ينظمون شئون ولاياتهم، ويجمعون الصدقات، جاءتهم كتب الأسود العنسي ينذرهم فيها أن يردوا ما بأيديهم، فهو أولى به "أيها المتوردون علينا أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفروا ما جمعتم، فنحن أولى به، وأنتم ما أنتم عليه"٣، وأعلن حركته الانفصالية، وكانت تلك أول ظاهرة لفتنته٤، ومعنى هذا أن الحركات الانفصالية انطلقت من بلاد اليمن، وأن خروج الأسود العنسي يمثل الشرارة الأولى لتلك الحركات.
تتضمن محتويات كتب الأسود العنسي اتجاهين:
الأول: سياسي إقليمي "أيها المتوردون علينا"، فعد عمال النبي دخلاء على اليمن، مغتصبين لأرضهم، وكان معاذ بن جبل عامل النبي على اليمن قد نفذ سياسة تخدم السلطة المركزية التي كان النبي قد حدد قواعدها في المدينة، ويبدو أن هذه السياسة كانت تتعارض مع النزعات الاستقلالية التي تتحكم بأهل اليمن.
الثاني: اقتصادي "أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا"، ذلك أن النبي حدد السياسة الاقتصادية الإسلامية العامة في اليمن من خلال المباحثات التي أجراها مع رسل ملوك حمير، إذ على المسلمين أن يؤتوا الزكاة، ويعطوا خمس الله من المغانم، وسهم نبيه وصفيه٥، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار٦ عشر ما سقت العين
стр. 41
وما سقت السماء، وكل ما سقي بالغرب١ نصف العشر، وفي الأربعين من الإبل ابنة لبون، وفي ثلاثين من الإبل ابن لبون ذكر، وفي كل خمس من الإبل شاة، وفي كل عشر من الإبل شاتان، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كلا ثلاثين من البقر تبيع، جذع أو جذعة، وفي كل أربعين من الغنم سائحة وحدها شاة، وأنها فريضة الله التي فرضها على المؤمنين في الصدقة٢.
ويبدو أن هذه السياسة الاقتصادية ضايقت بعض الفئات اليمنية، وبخاصة الأعراب الذين شعروا بعدم قدرتهم على تحملها، ولذلك تكتلوا وراء الأسود العنسي.
كان الأسود العنسي كاهنًا، مشعوذًا، قوي الشخصية، يقيم في جنوب اليمن في كهف خبان من بلاد مذحج، بري الناس الأعاجيب بفنون من الحيل، ويستهوي الناس بعباراته، فتنبأ ولقب نفسه "رحمان اليمامة"٣، وكان يزعم أن سحيقًا، وشقيقًا ملكين يأتيناه بالوحي، ولم ينكر نبوة محمد٤.
وحظيت حركته بتأييد واسع، وبخاصة أنها نحت اتجاهًا قوميًا بتصديها للنفوذ الفارسي، وللمسلمين الذين ليسوا من أصول يمنية، وذلك بعد انتشار الإسلام في ربوع اليمن، واستمدت قوتها من الحلف القديم بين مذحج، وبعض قبائل خولان والأزد، وانضم إليه بعض المقاتلين من حمير، وأيدته نجران.
هاجم الأسود العنسي بعد أن وثق من قوته، مدينة نجران واستولى عليها، وطرد منها عمرو بن حزم عامل المسلمين عليها، وانضم أهل نجران إليه، ثم سار إلى صنعاء، واصطدم فيها بشهر بن باذان، وانتصر عليه وقتله واستولى على المدينة، وفر المسلمون منها، ومن بينهم معاذ بن جبل٥.
وأخذ الأسود العنسي يدعو إلى نفسه، بعد هذه الانتصارات، وسرعان ما قوي أمره، واشتد ساعده بمن التف حوله من الأتباع، وسيطر على منطقة واسعة تمتد من حضرموت جنوبًا حتى حدود الطائف بما فيها قبيلة عك في تهامة غربي الحجاز، ومن الشواطي اليمنية على البحر الأحمر غربًا، وحتى الخليج شرقًا، وكانت جميع المدن
стр. 42
الكبري في هذه المنطقة كعدن، وصنعاء وغيرهما واقعة تحت حكمه، ثم أخذ بعين الولاة ليحكموا باسمه، ويسمى قادة فرقه العسكرية، فعين قيسًا بن هبيرة المرادي قائدًا لعسكره، وفيروز وداذويه الفارسيين وزيرين، وتزوج من امرأة شهر بن باذان١.
كانت مذحج السند القبلي الأساسي الذي اعتمد عليه وانطلق منه، وبمساعدتها تمكن من إخضاع اليمن لسلطته، والتحق به عشرات البطون، والوحدات القبلية التي كانت قبل مدة وجيزة قد أرسلت وفودها إلى المدينة.
ويبدو أن معارضي الوجود الإسلامي من مختلف القبائل أبدوا حركته، ورأوا فيه ممثلًا لمصالحهم، ومع ذلك فقد واجه معارضة تمثلت في الجماعات المسلمة من مذجح التي انسحبت مع فروة بن مسيك المرادي إلى الأحسية٢، أما في منطقة حمير، فقد كان لجهود ذي الكلاع، وآل ذي لعوة الهمدانيين، دور في الاحتفاظ بالنفوذ الإسلامي، وقد وقفوا ضد عك بتهامة.
ظل الأسود العنسي مدعيًا النبوية مدة ثلاثة أشهر، وفي رواية أربعة أشهر، ارتكب خلالها الحماقات، وفضح النساء وأنزل الرعب، والخوف في قلوب اليمنيين، وبخاصة الأبناء٣.
لم يركن النبي محمد إلى الهدوء، وهو يرى جهوده الرامية إلى نشر الإسلام في اليمن وتوحيد قبائله، تتعرض للنكسة، وكان يتجهز لغزو البيزنطيين لانتقام من هزيمة مؤتة، فواجه حركة الأسود العنسي بالحزم، ولم يشغله ما كان فيه من الوجع عن أمر الله, والدفاع عن دينه، فأرسل الرسل إلى اليمن يأمر اليمنيين بالقضاء على الأسود العنسي، ويستنهضهم للمواجهة الذاتية معه، ومعنى هذا أنه لم يرسل جيوشًا من المدينة للقضاء عليه، وإنما اعتمد على القوى المحلية. كما أرسل إلى عماله في تلك الجهات يحثهم على الاستعانة بالثابتين على الإسلام، والصمود أمام المنشقين، والقضاء على رءوس الفتنة، وكتب إلى زعماء اليمن أمثال ذي الكلاع الحميري، وذي عمرو، وذي ظليم، مع جرير بن عبد الله البجلي، وأرسل الأقرع بن عبد الله الحميري إلى ذي زود، وذي مران، فاستجاب هؤلاء لدعوته، وأعلنوا ثباتهم على
стр. 43
الإسلام، كما كتب إلى أهل نجران، وإلى عربهم وساكني الأرض من غير العرب -الأبناء- فانضم جماعة منهم إلى دعوته، وأرسل الحارث بن عبد الله الجهني إلى اليمن بمهمة تتعلق بأحداثه١.
لكن جهود هؤلاء لم تثمر في وضع حد لانتفاضة الأسود العنسي، ولا تعطي المصادر صورة واضحة عن جهودهم، ومحاولاتهم للقضاء عليه، وكان آخر من أرسله النبي هو وبر بن يحنس الأزذي، ومعه كتاب إلى المسلمين في اليمن يأمرهم فيه بالقيام على دينهم، والنهوض في الحرب، والقضاء على الأسود العنسي، إما غيلة أو مصادمة، وأن يستعينوا على ذلك بمن يرون عنده نجدة ودينًا٢، واكتفى من أمر اليمن بهذا، ووجه معظم اهتمامه لتنظيم جيش أسامة، وإرساله إلى بلاد الشام.
وسرعان ما ضايقت تحركات المسلمين الأسود العنسي فشعر بالهلاك، على أن الخطر الذي عصف به، وقضى عليه جاء من الداخل، فقد اتصل وبر بن يحنس، فور وصوله إلى اليمن، بالأبناء ليبلغهم طلب النبي محمد، ولم يتوجه إلى المسلمين من حمير وغيرها، علمًا بأن معظم هؤلاء الأبناء كانوا لا يزالون على المجوسية، ولم ترد إشارة إلى إسلامهم قبل هذا التاريخ، حتى إن الروايات التاريخية تذكر بأنه نزل عند داذويه، وكان من حاشية الأسود العنسي، يضاف إلى ذلك، لم يكن الأبناء مؤهلين لأن يؤدوا دورًا فاعلًا ضد الأسود العنسي. بعد أن فقدوا قوتهم عندما فشلوا في الدفاع عن صنعاء، ويحدد ابن سعد تاريخ إرسال وبر بن يحنس في عام "١٠هـ/ ٦٣٠م"، أما الطبري فيذكر أنه أرسل في عام "١١هـ/ ٦٣٢م"٣.
والراجح أن هذا المنحى الذي انتهجه وبر بن يحنس للتخلص من الأسود العنسي مرده إلى عدة أسباب لعل أهمها:
- أراد أن يحيك مؤامرة للتخلص منه بوساطة مستشاريه، وأعوانه المقربين منه.
- استبعد الخيار العسكري بعد أن خشي نتيجة الصدام المسلح نظرًا لعدم توازن القوتين، إذ كان الأسود العنسي متفوقًا عسكريًا.
- لقد حصل في ذلك الوقت نفور بين الأسود العنسي، ومستشاريه بفعل اعتداده بنفسه، واستخفافه بقيس بن هبيرة، وفيروز وداذويه، كما شك في ولائهم له، ورأى في سائر الفرس أنهم أعداؤه، ويأتمرون لقتله، فاستغر وبر بن يحنس هذا التطور للقضاء عليه.
стр. 44
ولأن الجيش كان أشد ما يحذر ويخاف، دعا الأسود العنسي قائد جيشه قيس بن هبيرة، وأخبره بأن شيطانه أوحى إليه، يقول: "عمدت إلى قيس فأكرمته حتى إذا دخل منك كل مدخل، وصار في العز مثلك، مال ميل عدوك, وحاول ملكك، وأضمر على الغدر"، وأجاب قيس: "كذب وذي الخمار، لأنت أعظم في نفسي، وأجل عندي من أن أحدث بك نفسي"، وأجال الأسود العنسي نظرة في قيس، وقال له: "ما أجفاك! أتكذب الملك، قد صدق الملك، وعرفت الآن أنك تائب مما اطلع عليه منك"١.
وخرج قيس من عنده مرتابًا في ما يضمر له، واجتمع بفيروز وداذويه، وذكر لهما ما جرى بينه وبين الأسود العنسي، وسألهما رأيهما، فقالا: "نحن في حذر"، ويبدو أن الأسود العنسي علم بهذا الاجتماع، فأرسل إليهما يحذرهما مما يأتمران به، فخرجا من عنده، ولقيا قيسًا وهم جميعًا في ارتياب وخطر٢.
وعلم المسلمون في اليمن بما يجري في بلاد الأسود العنسي، كما وقفوا على فحوى رسالة النبي لهم، فأرسلوا إلى قيس وأصحابه يشجعونهم على التخلص من الأسود العنسي.
واستطاع وبر بن يحنس أن يستقطب عددًا من زعماء الأبناء، أمثال فيروز وداذويه، وجشيش وغيرهم، وقرر الجميع اغتيال الأسود العنسي، فاستعانوا بامرأته أذاد التي كانت تحقد عليه؛ لأنه قتل زوجها شهر بن باذان من قبل، ثم تزوجها بعد ذلك٣.
وحانت فرصة التحرك لتنفيذ المؤامرة عندما أرسل الأسود العنسي قواته في مهمة عسكرية بين صنعاء ونجران، فدخل المتآمرون حجرة نومه بعد أن مهدت لهم آذاد الطريق، فقتله فيروز واحتز قيس رأسه، وألقاه في باحة القصر، وتنادى الناس في المدينة فخرجوا صباحًا، واضطرب الوضع ثم استقر على أن يتولى الأمر معاذ بن جبل٤.
ولا بد لنا من الإشارة أخيرًا إلى التاريخ الذي قتل فيه الأسود العنسي، فهل جرت حادثة القتل قبل وفاة النبي أما بعد وفاته؟ يذكر اليعقوبي أن الأسود العنسي تنبأ في عهد رسول الله، فلما بويع أبو بكر ظهر أمره، واتبعه على ذلك قوم، فقتله قيس بن هبيرة المرادي، وفيروز الديلمي، دخلًا منزله وهو سكران فقتلاه٥، أما الطبري فيروي، قنلًا عن سيف، أنه قتل قبل وفاة النبي، وأنه ﷺ أوحي ذلك إليه ليلة حدوثه
стр. 45
فقال: "قتل العنسي، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين" قيل: من قتله؟ قال: "فيروز، فاز فيروز"١، وفي رواية أخرى نقلًا عن عمر بن شبة أن خبر موت العنسي وصل إلى المدينة بعد أن قبض رسول الله، فأمضى أبو بكر جيش أسامة بن زيد في آخر ربيع الأول، وأتى مقتل العنسي في آخر ربيع الأول بعد مخرج أسامة؛ وكان أول فتح أتى أبا بكر، وهو في المدينة٢.
والراجح أن مقتل الأسود العنسي تم قبل وفاة النبي بيوم أو بليلة، وورد الخبر من السماء بذلك، وأعلم أصحابه به، ولكن الرسل وصلت في خلافة أبي بكر في "آخر شهر ربيع الأول عام ١١هـ/ شهر حزيران عام ٦٣٢م"٣.
ومهما يكن من أمر، فقد استقر الوضع الداخلي في اليمن بعد مقتل الأسود العنسي، وتراضى المسلمون على معاذ بن جبل، فصلى بهم في صنعاء، حتى إذا جاء خبر موت النبي عم الاضطراب مجددًا ربوع اليمن، وسنتناول أسباب ذلك، ونتائجه في موضعه من جهاد أبي بكر أهل الردة؛ لأنها تتخطى الأسود العنسي وثورته ومقتله.
مسيلمة بن حبيب الحنفي، مسيلمة الكذاب ٤:
لم يكن الأسود العنسي الوحيد الذي ادعى النبوة، فقد تكرر مثل هذا الادعاء في اليمامة بين اليمن، ونجد قرب البحرين في قبائل بني حنيفة على يد مسيلمة بن ثمامة بن كثير بن حبيب، وذلك في السنة العاشرة للهجرة، وقد عد من أشهر المتنبئين وأخطرهم، وكانت اليمامة تشبه المدينة في تركيبتها إلى حد بعيد.
كان مسيلمة قبل ادعائه النبوة يتجول في الطرقات، يطوف في الأسواق التي كانت بين دور العجم، والعرب مثل الأبلة٥ وبقة٦، والأنبار٧ والحيرة٨، يلتمس
стр. 46
تعلم الحيل والنيرنجات، واحتيالات أصحاب الرقى والنجوم، ويتابع أخبار المتنبئين١.
ويبدو أنه كان على قدر من قوة البيان والشخصية، على عكس ما تصفه المصادر بأنه كان "رويجلا، أصيفر، أخينس"٢، إذ ترك تأثيرًا ملموسًا في أوساط بني حنيفة، والقبائل المجاورة، اشتهر بالخلابة، والقدرة على استهواء النفوس من الرجال والنساء، وخليق بهذا أن يظن به السحر، وتنتظر منه الخوارق بين الجهلاء؛ لأنهم يرون سلطانه ولا يعلمون مأتاه، فيخيل إليهم أنه سر من الغيب، أو معونة من الجنة والشياطين، وهو على هذا كان يعين حيلته بما استطاع من صناعة الشعوذة، والألاعيب التي كان يحذقها بعض الكهان في بلاد العرب والعجم، ولم يكن في طبيعته بمعزل عن طبائع السحرة، وأدعياء الغيب٣، وتسمى بالرحمن، فقيل له: رحمن اليمامة٤.
وعندما كتب النبي محمد إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام، كتب إلى هوذة بن علي الحنفي النصراني وأهل اليمامة، وأرسل كتابه مع سليط بن قيس بن عمرو الأنصاري، فاشترط هوذة أن يجعل الأمر له من بعده، فرفض النبي وقال: "لا ولا كرامة اللهم أكفنيه"، فمات بعد قليل٥.
وقدم مسيلمة إلى المدينة في بضعة عشر رجلًا من قومه بني حنيفة برئاسة سلمى بن حنظلة، وفيهم الرجال بن عنفوة أحد وجهاء القبيلة، لإجراء مباحثات مع النبي، وإعلان إسلامهم، ويبدو أنهم أملوا، مقابل دخلوهم في الإسلام، الحصول على موافقة من النبي لخلافته، ويذكر أن بني حنيفة تعد من أضخم القبائل العربية، وأوفرهم حظًا بالمنعة والجاه، وقد دفعوا أولا بمسيلمة
للوقوف على رأي النبي، فاجتمع به منفردًا، وطلب منه أن يجعل الأمر له من بعده، فرفض النبي وقال له: "لو سألتني هذا القضيب -وكان بيده- ما أعطيتكه، وإني لأراك الذي رأيت فيه ما رأيت" ٦، ثم اجتمع أعضاء الوفد بالنبي في المسجد بدون مسيلمة، والواقع أن ذلك كان متعمدًا، ولم تذكر المصادر ما دار في هذا الاجتماع، إنما روت خروج أعضاء الوفد، وقد اعتنقوا الإسلام، وأعطاهم النبي جوائزهم، غير أنه استنادًا إلى تطور الأحداث بعد ذلك يحملنا على
стр. 47
الاعتقاد بأنهم كرروا طلب مسيلمة بأن يكون الأمر لهم بعد النبي، وأن النبي رفض طلبهم، ولما قرروا العودة خاطبوا رسول الله قائلين: "إنا خلفنا صاحبًا لنا في رحالنا يبصرها لنا، وفي ركابنا يحفظها علينا"، وهذا دليل على أن تخلف مسيلمة كان متعمدًا وفق خطة مبيتة علهم ينتزعون من النبي وعدًا، أو ما يشبه الوعد، بتحقيق هدفهم، ولا شك بأن النبي أدرك فورًا هدفهم بأن صاحبهم هذا هو مسيلمة، فلم يميزه، وساواه بأصحابه، وقال: "ليس بشركم مكانًا يحفظ ضيعة أصحابه"، فقيل ذلك لمسيلمة، فقال: "عرف أن الأمر إلي من بعده"١، فلما عادوا إلى ديارهم أدعى النبوة متخذًا من حديث رسول الله مع وفد قومه، وإخباره أنه ليس بشرهم مكانًا؛ دليلًا على دعواه، وهذا تفسير أحادي الجانب يتناقض مع قول النبي محمد الصريح بشأن وضعه.
ومهما يكن من أمر، فقد أدرك النبي، من خلال ما جرى مع وفد بني حنيفة، أن هؤلاء القوم سوف يغدرون به، ويرتدون عن الإسلام، وأن صاحبهم سيقودهم إلى شر عاقبة يهلكهم بها، فهم وهو في شر سواء٢.
واستغل نهار الرجال بن عنفوة وجوده في المدينة، فتعلم القرآن وتفقه في الدين، ووقف على تعاليم الإسلام، وكان هذا الرجل ذا بصيرة، وذكاء فعينه النبي معلمًا لأهل اليمامة يفقههم في الدين، ويرد من اتبع منهم مسيلمة، ويشغب معهم عليه، ويشد من عزائم المسلمين.
لكن نهارًا كان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة، وما كان تفقهه إلا رياء، فهو لم يلبث أن انضم إليه، وأقر بنبوته، وشهد بأن محمدًا أشركه معه في الرسالة، فالتف بنو حنيفة حوله، ومن جهته فقد وضع مسيلمة كل ثقته بنهار يستشيره في كل أمر يقلد فيه محمدًا٣.
وبعد أن عاد مسيلمة إلى قومه، وأظهر دعوته، كتب إلى النبي كتابًا يدعي فيه مشاركته في الرسالة، ويساومه في اقتسام الملك والسيادة في جزيرة العرب، فقال: "من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشًا يعتدون"٤.
وأبى النبي أن يترك الفرصة لمثل هؤلاء الكذابين للتشكيك في أمر الدين، فكتب إليه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام
стр. 48
على من أتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين"١.
واتخذ مسيلمة حرمًا باليمامة، كما أشرنا، فأخذ الناس به، فكان محرمًا، ونظم ونظم كلامًا مضاهاة للقرآن، وقصده الناس ليتسمعوا منه بعد أن اشتهر أمره، وتمكن من التأثير في بعضهم، وكان ممن قصده المتشمس بن معاوية، عم الأحنف بن قيس، فلما خرج من عنده قال عنه: إنه كذاب، وقال عنه الأحنف بن قيس وكان قد رآه أيضًا: ما هو بنبي صادق، ولا بمتنبئ حاذق٢.
عرف مسيلمة بين أتباعه برسول الله، وكانوا يتعصبون له، ويؤمنون بدعوته إيمانًا شديدًا، وكانت المنافسة بين قبائل مضر وربيعة على أشدها، والأخيرة تتععصب لنسبها، وتأنف أن تعلوها قريش بفضل النبوة والرئاسة، وليس أدل على ذلك من طلب هوذة الذي أشرنا إليه، بالإضافة إلى رأي طلحة النميري الذي قدم إلى اليمامة للاجتماع بمسيلمة، والوقوف على حقيقة دعوته، واختبار نبوته، إذ عندما طلب الاجتماع به وسماه باسمه، مسيلمة، رد عليه قومه: مه يا رسول الله، فقال: لا حتى أراه، فلما جاءه قال: أنت مسيلمة؟ قال: نعم، قال: من يأتيك؟ قال: رحمن، قال: أفي نور أو في ظلمة؟ فقال: في ظلمة، فقال: أشهد أنك لكذاب وأن محمدًا صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر"٣.
والراجح أن مسيلمة كان يتوق إلى استعادة مركز قبيلته بني حنيفة، التي كانت تضارع قريشًا في الجاهلية، ويطمع في أن يكون لها السيطرة على جزء من بلاد العرب، وأنكر أهل اليمامة أن يكون محمد رسول الله إليهم، وكانوا يرون لأنفسهم ما لقريش من حق، فلهم نبي ورسول، ولقريش نبي ورسول، فلجأ إلى إدعاء النبوة كذبًا ليتمكن من تحقيق أغراضه، وتطلعات قبيلته، فحركته سياسية عصبية اتخذت من الدين قناعًا زائفًا، هذا ولا تشير الأخبار التي تتحدث عنه، عندما قدم مع وفد قومه إلى المدينة، ولا التي تتحتدث عنه وهو في اليمامة؛ إلى قبوله الإسلام، بل نجد فيها كلها أنه ظل يرى نفسه نبيًا مرسلًا من الرحمن وصاحب رسالة، لذلك ليس من الصواب أن نقول: ردة مسيلمة أو ارتداد مسيلمة، أو نحو ذلك؛ لأنه لم يعتنق الإسلام، ثم ارتد عنه حتى ننعته بالمرتد! ٤.
стр. 49
وتعاون مسيلمة في إحدى مراحل ادعائه النبوة مع سجاح بنت الحارث بن سويد التميمية، التي أدعت هي الأخرى النبوة، والتف حولها قومها بنو تميم، وأخوالها من تغلب وغيرهم من قبائل ربيعة، وتزوجها مسيلمة، وانضم أتباعها إليه، فتقوى بهم، وتحدى حكومة أبي بكر في المدينة.
طليحة بن خويلد الأسدي:
كان طليحة أحد كهنة بني أسد، وقد ادعى النبوة هو الآخر في أواخر حياة النبي، شأنه في ذلك شأن الأسود العنسي ومسيلمة، واستقر في بزاخة، وهي ماء لبني أسد، وظهر أمره بعد وفاة النبي، فتبعه قومه، واستقطبوا حلفاءهم من طيء والغوث ومن إليهم، وانضمت إليه غطفان، والتف حوله عوام طيء، والغوث وبني أسد.
وكانت منازل بني أسد في نجد، وتقع إلى الشرق من ديار طيء، وإلى الجنوب من منازل بكر، وإلى الشمال من ديار هوازن وغطفان، وتتاخم قبائل عبد القيس وتميم من الغرب، وبحكم هذا التجاور تحالفت هذه القبائل، أو تخاصمت وفقًا لتطور أوضاعها، والظروف المحيطة بها.
قدم وفد بني أسد إلى المدينة، لمبايعة النبي والدخول في الإسلام، وقد تألف من عشرة أشخاص منهم ضرار بن الأزور، ووابصة بن مبعد، وطليحة بن خويلد وغيرهم، ويبدو أنهم كانوا في حال عداء مع جيرانهم بني طيء، ففصل النبي في هذا النزاع، وكتب لهم كتابًا، كتبه له خالد بن سعيد، ورد فيه: "ألا يقربن مياه طيء وأرضهم، فإنه لا تحل لهم مياههم، ولا يلحن أرضهم من أولجوا"، وأقر عليهم قضاعي بن عمرو وهو من بني عذرة، وجعله عاملًا عليهم١، كما كتب إلى حصين بن نضلة الأسدي "أن له أرامًا وكسة لا يحاقه فيها أحد"٢، أي أن له أصلًا، وشرفًا لا ينازعه فيهما أحد.
وكانت أسد وغطفان وطيء قد تحالفت في الجاهلية قبل البعثة النبوية، ثم حدث خلاف بينهم، فخرجت طيء من الحلف، فأجلاها بنو أسد وغطفان عن ديارها، وانقطع بذلك ما بينها وبينهما، وهذا الذي دفع النبي إلى إصلاح ذات البين، ومنع أسدًا من التعدي على مياه طيء وأرضهم، ثم حصل تباعد بين الحليفين، أسد وغطفان، ولما أدعي طليحة النبوة، وظهر أمره بعد وفاة النبي، ساندته غطفان؛ لأنها كانت على عداء مع قريش، وقال عيينة بن حصن الفزاري: "ما أعرف حدود غطفان منذ انقطع ما بيننا وبين بني أسد، وإني لمجدد الحلف الذي كان بيننا في القديم، ومتابع طليحة،
стр. 50
والله لأن اتبع نبيًا من الحليفين أحب إلينا من أن نتبع قريشًا، وقد مات محمد وطليحة حي"١، والواقع أن هذه القبائل المضرية كانت تكره سيادة قريش.
ليس واضحًا ما دفع طليحة إلى التنبؤ، وربما كان للتنافس القبلي دور في ذلك بدليل قول عيينة بن حصن الذي أشرنا إليه، بالإضافة إلى انتشار ظاهرة التنبؤ في بلاد العرب.
لم يدع طليحة العرب إلى العودة لعبادة الأصنام، كما لم يدع غيره من المتنبئين إلى العودة لعبادتها، والراجح أن مرد ذلك بأن النبي محمد قضى على الوثنية في الجزيرة العربية قضاء مبرمًا، واستقرت عقيدة التوحيد في النفوس بشكل جعل التفكير في العودة إلى عبادة الأصنام ضربًا من الهذيان، فدعا إلى أفكار لم يحفظ لنا التاريخ منها شيئًا يذكر٢، وكل ما وصل إلينا، أنه أنكر الركوع والسجود في الصلاة، وقال: "إن الله لم يأمر أن تمرغوا وجوهكم في التراب، أو أن تقوسوا ظهوركم في الصلاة"، وقال أيضًا: "إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم، وقبح أدباركم شيئًا، فاذكروا الله أعفة قيامًا، فإن الرغوة فوق الصريح"٣، وهذا تأثير نصراني، الراجح أن السبب في ندرة المعلومات يعود إلى أن المسلمين الأوائل لم يدونوا إلا ما كان يتوافق مع أحكام الدين الإسلامي، وأهملوا ما دون ذلك.
لقد حارب النبي انتشار ظاهرة التنبؤ في حياته، فكما أوعز إلى مقاومة الأسود العنسي، والتخلص منه إما غيلة وإما مصادمة، فقد وجه ضرار بن الأزور إلى عماله على بني أسد يأمرهم بالقيام على كل من ارتد، ونزل المسلمون واردات٤، ونزل طليحة ومن معه سميراء٥، وكانت كفة المسلمين هي الرجحة بفعل تواتر الأنباء على انتصاراتهم في غير منطقة، حتى هم ضرار بالسير إلى طليحة ومقابلته، ولقد سبقه أحد المسلمين يريد أن يتخلص من هذا المتنبئ، فضربه بالسلاح فأخطأه، وأسرع المحيطون به باستغلال هذه الحادثة، وأذاعوها بين الناس مدعين بأن السلاح لا يؤثر في نبيهم، وفي الوقت الذي كان فيه المسلمون يستعدون لمواجهة هذا الموقف، إذ جاءهم نعي النبي محمد ﷺ ، فاضطربوا وتناقص عددهم، وهرع الكثيرون منهم إلى طليحة يتابعونه ويؤيدونه٦.
стр. 51
سجاح بنت الحارث بن سويد التميمية:
كانت سجاح متنبئة وعرافة، وهي واحدة من طائفة المتنبئين، وزعماء القبائل الذين ظهروا في الجزيرة العربية قبل الردة أو خلالها، ونستدل من نسبها الذي اتضح من تاريخها بأنه صحيح، أنها كانت من بني يربوع أحد بطون تميم، وأمها من بني تغلب في العراق، وهي قبيلة اعتنق معظم أفرادها النصرانية نتيجة احتكاكهم بسكان إقليم الفرات، أقامت سجاح بينهم، وتزوجت فيهم، وتنصرت مع من تنصر منهم١.
تقع منازل بني تميم على مقربة من بني عامر إلى الجنوب، وتجاور المدينة من الشرق، وتمتد نحو الخليج العربي، وتتصل بمصب نهر الفرات من ناحية الشمال. وكانت فروع من القبيلة تتمتع بحقول الرعي في أنحاء تمتد إلى الفرات الأوسط.
ولبني تميم مكانة كبيرة بين قبائل العرب في الجاهلية، وفي عصر النبوة، واشتهر التميميون بالشجاعة، والكرم، ونبغ من بينهم شعراء، وأبطال تلقبوا بلقب الملوك٢.
والواضح أن هذا الامتداد الجغرافي للقبيلة أدى إلى:
- تنقل بطونها بين الجزيرة العربية والعراق، في ميدان واسع يشيع فيه التوتر بين كلا المركزين الكبيرين الحيرة ومكة، لكنهم اتخذوا موقف الحياد في علاقاتهم السياسية مع كليهما، وكان من الواضح أن العلاقات المنظمة، والمنضبطة بين بني تميم، كانت تبلغ الأهمية عند أمراء الحيرة، وبالتالي الفرس من واقع ضمان مرور القوافل التجارية دونما عائق، والمعروف أن تجارة فارس كانت تنطلق من المدائن٣ حتى تصل إلى الحيرة حيث يتولى النعمان بن المنذر حراستها بقوى من بني ربيعة، ثم يتسلمها هوذة بن علي الحنفي، فيسير بها في أرض تهامة إلى أن تبلغ اليمن، وذلك لقاء أجر، وعليه كانت العلاقات جيدة بين الفرس، وبين البطون الضاربة على هذا الطريق التجاري، وحاولت فارس ربطهم بها عن طريق منح يربوع وظيفة الردافة، ومن جهة أخرى، أقامت بطون متفرقة من تميم، علاقات مكثفة مع مكة في العصر الجاهلي من واقع تنظيم الخمس، وعهود الإيلاف، والحصول على السلطة، والتقدم في الأسواق، وفي أداء شعائر الحج، ومنهم من ارتبط في الفضائل العسكرية التي كانت تقدمها القبائل لحراسة مكة.
стр. 52
- انتشار النصرانية في ربوع بني تميم بتأثير ما كان سائدًا من مذاهب
نصرانية في الجزيرة الفراتية، وشمالي بلاد الشام.
- تعدد الولاءات في صفوف القبيلة، سياسيًا بين الاستقلالية، وبين الهيمنة الفارسية أو البيزنطية، ودينًا بين الوثنية والنصرانية.
- ظل المركز الممتاز لبني تميم محفوظًا حتى السنين الأخيرة من العصر الجاهلي، بدليل أن التميمي الأخير الذي كان يمارس وظيفة القاضي الفخرية، في سوق عكاظ، هو الأقرع بن حابس.
في ظل هذه الظروف، ونتيجة لانتشار الإسلام في ربوع الجزيرة العربية، قدم وفد بني تميم إلى المدينة، في عام "٩هـ/ ٦٣٠م" لتقديم الطاعة، والولاء وإعلان دخول التميميين في الإسلام، وضم الوفد بعض أشرافهم مثل عطارد بن حاجب بن زرارة، والأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، ولم يكن مالك بن نويرة ضمن أعضاء الوفد، والإشارات التي تذكر أنه توجه بمفرده إلى النبي لاعتناق الإسلام قد تكون صحيحة؛ لأن النبي عينه عاملًا على صدقات عشيرته بني يربوع، وردهم النبي إلى قومهم راضية نفوسهم١.
واختلف بنو يربوع بعد وفاةو النبي حول أداء الزكاة إلى أبي بكر، أو قسمتها بين الناس، وفاجأتهم سجاح في هذا الوقت، مقبلة من أرض الجزيرة بالعراق يحيط بها رهطها من بني تغلب على رأس جيش من ربيعة، والنمر وأياد وشيبان،
تريد غزو المدينة، مما أدى إلى ازدياد الانقسام فيما بينهم.
وكانت سجاح قد تنبأت بعد وفاة النبي أسوة بغيرها من المتنبئين، بدافع العصبية أو بحب الظهور، فاستجاب لها الهذيل بن عمران في بني تغلب، وترك التنصر، ولم تجد إلا القليل من التجاوب عند قومها.
ولما وصلت إلى الحزن٢ راسلت بطون تميم، ودعتهم إلى الموادعة والمعاضدة، واستقطبت، بما بشرت به من ادعاءات، بني مالك برئاسة وكيع بن مالك، وبني يربوع بزعامة مالك بن نويرة٣.
استغل مالك بن نويرة هذه القوة للقضاء على خصومه من عشائر بني تميم، فصرفها عن مهاجمة المدينة، وأقنعها بمهاجمة بني الرباب، غير أنها منيت بهزيمة
стр. 53
قاسية، وتكبد الطرفان خسائر فادحة مما دفعهما إلى التفاهم، وتبادل الأسرى١ ونتيجة لهذا الفضل انفصل مالك بن نويرة عنها.
سمعت سجاح بعد فشلها في إخضاع الرباب إلى مهاجمة المدينة، ودعت قومها بني يربوع إلى مساندتها، فطلبوا منها أن تؤلف بطون تميم إلى دينها قبل الزحف نحو الحجاز لمحاربة المسلمين، فلم يتفق بنو تميم على رأي واحد، عندئذ خرجت بجندها حتى بلغت النباج٢، فتصدى لها أوس بن خزيمة الهجيمي وهزمها، ومنع جندها من المرور في أراضيه، ثم تحاجز الفريقان، واتفقا على تبادل الأسرى على أن تنصرف عنهم، ولا تتخذ طريقًا إلى المدينة إلا من ورائهم٣.
ولما رأيت إحجامًا من قومها، التفت نحو اليمامة حيث كان مسيلمة الكذاب يتخفز كذلك للخروج على الإسلام، وانتشرت أخبار دعوته في الجزيرة العربية، إلا أنه وجد نفسه في وضع حرج، فقد خشي أن تشغله سجاح عن قتال أبي بكر في الوقت الذي كان يترقب فيه زحف المسلمين إليه، كما كان يتعرض لضغط القبائل المجاورة، لذلك عرض عليها التفاهم، والتعاضد ما دام هدفهما واحدًا، وهو الزحف نحو المحجاز، وأسفرت المفاوضات التي جرت بينهما عن النتائج التالية:
- التقارب الأسري بالزواج.
- دمج قدراتهما لمواجهة المسلمين، والسيطرة على الجزيرة العربية.
- يؤدي مسيلمة لسجاح نصف غلات اليمامة٤.
وفعلًا ثم الزواج بينهما، وأقامت سجاح مع مسيلمة مدة ثلاثة أيام٥ عادت بعدها إلى قومها في أرض الجزيرة دون سبب ظاهر، حاملة معها شطر النصف مما اتفقا عليه، وتركت وراءها ممثليها مع مسيلة ممن سيحملون لها النصف الآخر، وأقبلت في غضون ذلك الجيوش الإسلامية، فاجتاحت اليمامة، وقتلت مسيلمة.
وظلت سجاح في بني تغلب تعيش مغمورة بين أهلها، ثم دخلت في الإسلام عندما انتهى رأي أسرتها إلى الاستقرار في البصرة التي غدت المركز الأول لبني تميم في عهد بني أمية، وعاشت مسلمة، وماتت في سنة "٥٥هـ/ ٦٧٥م"٦.
قد يبدو للوهلة الأولى أن سجاح كانت مدفوعة بحميتها الدينية لمحاربة المسلمين،
стр. 54
فهي بحكم عقيدتها النصرانية نقمت على محمد وأتباعه، أو للتبشير بدين جديد على أثر انتشار ظاهر التنبؤ في الجزيرة العربية، لكن هذين الدافعين كانا غطاء لدافع سياسي بعد الدافع الرئيسي لحركتها، فقد كان بنو يربوع أقرب بطون تميم إلى نفوذ الفرس، يعزز ذلك أنها اجتمعت أثناء رحلتها بعملاء لفارس من أبناء البوادي العراقية، والنجدية١، كما كان مسرح عملياتها المناطق التي كانت فارس تحرص على تجديد نفوذها القديم فيها، وعليه تكون مهمة هذه المتنبئة قد توضحت على هذه الصورة، فقد قضت وقعة ذي قار٢ على هيبة فارس في الجزيرة العربية، وساء ظن الأكاسرة حكام فارس، بالمناذرة ملوك الحيرة الذين كانوا صنائعهم، ويعتدون عليهم في إخضاع القبائل العربية القريبة والبعيدة، وتأمين تجارتهم إلى اليمن، فنكلوا بهم، وقضوا على دولتهم قبيل ذلك بقليل، فأرسلوا امرأة تغلبية لتخلف المناذرة في هذه المهمة القديمة، فانحدرت مدفوعة من الفرس، وعمالهم في العراق كي تؤجج الثورة في الجزيرة العربية على الحكم الإسلامي المتنامي، وتمهد الطريق لفارس لاستعادة ما كان لها من نفوذ، وسلطان في كثير من أرجائها، وقد يرجح ذلك أنها كانت الامرأة الوحيدة التي أدعت النبوة، وأنها لم تمكث في الجزيرة العربية إلا بقدر ما تشجع الانتقاض على الحكم الإسلامي، ثم عادت إلى العراق بعد أن تأكدت من تهيؤ القبائل للثورة على هذا الحكم، وكان طبيعيًا أن تنزل في بادئ الأمر بين قومها بني تميم، وقد اختارت أن تتعاون مع بني تغلب؛ لأن هؤلاء أعداء بني بكر الذين خاضوا معركة ذي قار ضد الفرس، وانتصروا عليهم، وكان تردد بني تميم وانقسامهم، في التعامل الجدي معها، بالإضافة إلى بني حنيفة، مرده إلى صداقتهم للمناذرة منذ زمن قديم، وحتى يتجنبوا غضب فارس، كانت الطريقة الفضلى في صرفها راضية، وإقناعها بأن الثورة على الإسلام حاصلة، ولم يتحقق أكثر من ذلك عن رسالتها وسيرتها٣.
ذو التاج لقيط:
ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي، أدعى النبوة وغلب على أهل عمان٤، وطرد منها عمال الخليفة أبي بكر، كان الغالب على عمان، الأزد فلما كانت سنة "٨هـ/ ٦٢٩م".
стр. 55
بعث النبي أبا زيد الأنصاري، وعمرو بن العاص إلى عبيد، وجيفر بمن بني جلندي حكام عمان، ومعهما كتاب يدعوهما فيه إلى الإسلام، وقال: "إن أجاب القوم إلى شهادة الحق، وأطاعوا الله ورسوله، فعمرو الأمير، وأبو زيد على الصلاة"، فأسلم عبيد وجيفر، ودخل أهل عمان في الإسلام، ولم يزل عمرو وأبو زيد في عمان حتى توفي رسول الله، فارتدت الأزد عليها لقيط بن مالك ذو التاج، وانحازت إلى دبا١، والتجأ عبيد وجيفر إلى الجبال والبحر هربًا منه، وكاتبًا أبا بكر الصديق بخبر ما حدث٢.
كانت عمان في عصر الرسالة تابعة لفارس، فهي بحكم موقعها الجغرافي في الجزء الجنوبي الشرقي من جزيرة العرب، أقرب إلى فارس منها إلى المناطق الشمالية الغربية في الجزيرة العربية التي يفصلها عن الربع الخالي، وكانت فارس حريصة على إخضاع القبائل الضاربة في شرقي الجزيرة العربية على الخليج العربي؛ لتتحكم بهذه الخليج وبمداخله الجنوبي، مضيق عمان "هرمز"، ومن جهتها اعتمدت هذه القبائل على فارس، فكان طبيعيًا أن تعادي الدعوة الإسلامية، وكما دفع الفرس بسجاح لإثارة المشكلات في وجه الدعوة الإسلامية، ومحاربة المسلمين، فادعت النوبة لتستقطب القبائل، كذلك دفع هؤلاء ذا التاج لقيط بن مالك الأزذي، فادعى النبوي، وحمل قومه على الإيمان به، وحارب المسلمين.
стр. 56
الفصل الثالث: حروب الردة
مدخل
...
الفصل الثالث: حروب الردة
تمهيد: واجه أبو بكر، في بداية حياته السياسية كخليفة، ردة العرب وانتقاضهم على الإسلام كدين، وعلي حكم المدينة كقوة سياسية، ووردت إليه الأخبار من كافة أرجاء الجزيرة العربية بارتداد بني أسد بقيادة طليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة، وبني فزارة بقيادة عيينة بن حصن، وبني عامر وغطفان بقيادة قرة بن سلمة القشيري، وبني سليم بقيادة الأشعث بن قيس الكندي، وبني بكر بن وائل في البحرين بقيادة الحكم بن زيد، وبني حنيفة بقيادة مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة، وحافظت قريش وثقيف، وأهل المدينة على ولائهم.
قرر أبو بكر التصدي لهذه الحركات الارتدادية بالقوة والحزم، وبخاصة بعد ورود أنباء عن تحفز القبائل لشن هجوم واسع على المدينة، وتدمير القاعدة المركزية للدين الإسلامي.
وبغض النظر عن الأحكام الفقهية التي ترعى شئون المرتدين؛ لأن المسألة هنا تختص بالناحية التاريخية، وربما كان الحديث النبوي: "من بدل دينه فاقتلوه" ١؛ مبررًا لاتخاذ هذا القرار، بالإضافة إلى ذلك، كان لأبي بكر موقف من الذين امتنعوا عن دفع الزكاة، وفرقوا بينها وبين الصلاة: "لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة"٢.
والواضح أن أبا بكر أدرك أن الزكاة هي التجسيد الملموس، وربما التجسيد المادي الوحيد، لوحدة القبائل، وهي العلاقة الوحيدة التي يمكن لها أن تربط فيما بينهم، فكل قبيلة كان يمكن لها أن تصلي وراء إمامها، ويقتصر الحال على هذا، في حين تتطلب الزكاة نوعًا من العلاقة المتبادلة، والتنظيم المركزي لجمعها وصرفها، من هنا أصر أبو بكر على ضرورة استمرار القبائل في دفع الزكاة٣.
стр. 57
لكن كان على أبي بكر، قبل ذلك، أن يرسل جيش أسامة بن زيد إلى وجهته التي حددها له النبي قبل وفاته، وهي الإغارة على القبائل الشامية على الطريق التجاري بين مكة وغزة، والمعروف أن هذا الجيش كان معسكرًا في الجرف، من أرباض المدينة، حين توفي النبي وانتخب أبو بكر، فتوقف عن الزحف.
ويبدو أن أسامة أدرك حرج موقف الخليفة، والمسلمين في تلك المرحلة الدقيقة التي تتطلب تجميع القوى الإسلا مية وحشدها، وبخاصة أن جيشه البالغ سبعمائة مقاتل ضم غالبية المهاجرين والأنصار، ومن كان حول المدينة من القبائل.
وأبدى بعض الصحابة تحفظًا على إرسال هذا العدد الكبير من المقاتلين إلى خارج المدينة في ظل أجزاء ثورات القبائل والمرتدين، لكن أبا بكر أبى أن يخالف وصية النبي١، وأثبتت الأحداث أنه كان محقًا في إصراره؛ لأن في ذلك دلالات واضحة على قوة المدينة، وثقتها بنفسها، وساعد على رفع هيبتها في عيون القبائل.
وهكذا قامت سرية أسامة بتنفيذ مهمتها، وخلت المدينة في غضون ذلك، من المدافعين عنها باستثناء بضع مئات من المهاجرين والأنصار، والحقيقة أن أبا بكر أثبت في مواجهة هذا التحدي أنه رجل الدولة القوي، وصاحب القرار الجريء.
تعرض المدينة لجهوم القبائل:
الواقع أن خروج أسامة بن زيد بلاد الشام قد شتت القوة الإسلامية النامية، مما شجع الخارجين وبخاصة عبس، وذبيان على مهاجمة المدينة، فعسكروا حولها، وأرسلوا وفدًا إلى أبي بكر ليساوموه على موقفهم بعدم دفع الزكاة، وأطلعوا في غضون ذلك، على الوضع الداخلي في المدينة مما دفع أبا بكر إلى تنبيه المسلمين كي يأخذوا حذرهم٢.
انتهت المفاوضات بين الجانبين بالفضل بسبب التصلب في المواقف، فعاد أعضاء الوفد إلى معسكرهم، في حين قام أبو بكر بحشد القوى، وتدعيم دفاعات المدينة، وشن المحاصرون هجومًا ليليًا بعد ثلاثة أيام، غير أنهم لم يحققوا أي نصر على الرغم من قلة المدافعين، وارتدوا على أعقابهم٣.
كان لهذا الانتصار الإسلامي السريع عدة نتائج إيجابية لعل أهمها:
- ازداد المسلمون، في كل قبيلة، ثباتًا على دينهم.
стр. 58
- ازداد المرتدون تعنتًا، فوثبوا على من فيهم من المسلمين وقتلوهم، فحلف أبو بكر ليقتلن في كل قبيلة بمن قتل من المسلمين.
- هرع من ثبت على إسلامه إلى المدينة لأداء الزكاة.
تجهيز الجيوش لحرب المرتدين:
عاد، في هذه الأثناء، أسامة بن زيد وجيشه بعد سبعين يومًا من خروجهم، فأبقاه الخليفة في المدينة حتى يستريح هو وجنده، وهاجم، بالقوى التي توفرت له، مضارب بني ذبيان، ودخلها بعد أن انسحب منها هؤلاء بفعل ضغط القتال، ثم عاد إلى المدينة ليستعد لحرب المرتدين١، فعبأ المسلمين وجهز من الجيوش أحد عشر لواء تتناسب في عديديها وفي إماراتها، وفي وجهتها، مع قوة القبائل التي وجهها إليها، ومدى إلحالحها في درتها، فخصص ثمانية ألوية للجنوب بفعل تركز غالبية المرتدين، والمتنبئين في الأماكن الجنوبية، في حين وجه ثلاثة ألوية إلى الشمال، واحتفظ بقوة عسكرية لحماية المدينة.
تألفت ألوية الجنوب من الجيوش التالية:
- خالد بن الوليد إلى طليحة بن خويلد الأسدي في بزاخة، ومن انضم إليهم من مرتدي طيء وعبس وذبيان، والمعروف أن بني أسد، وبني تميم كانوا أقرب القبائل المرتدة إلى المدينة، فكان طبيعيًا أن يبدأ المسلمون بمهاجمتهم.
- عكرمة بن أبي جهل إلى مسيلمة الكذاب المتنبئ باليمامة، فإذا فرغ توجه إلى دبا.
- شرحبيل بن حسنة مددًا لعكرمة، فإذا فرغ منه، لحق بقضاعة لمساعدة عمرو بن العاص.
- المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى اليمن لمحاربة الأسود العنسي، ومساعدة الأبناء ضد قيس بن هبيرة المرادي، وعمرو بن معدي كرب الزبيدي، فإذا فرغ، قصد كندة وحضرموت لمحاربة المرتدين بزعامة الأشعث بن قيس.
- سويد بن مقرن إلى تهامة اليمن.
- العلاء بن الحضرمي إلى الحطيم بن ضبيعة، والمرتدين من ربيعة في البحرين.
- حذيفة بن محصن الغلفاني إلى ذي التاج لقيط بن مالك الأزدي، المتنبئ في عمان.
стр. 59
خريطة جيوش حروب الرِّدَّة
стр. 60
- عرفجة بن هرثمة إلى أهل مهرة.
وتألفت ألوية الشمال من الجيوش التالية:
- عمرو بن العاص إلى قضاعة، ووديعة والحارث في شمالي الحجاز.
- معن بن حاجز السلمي إلى بني سليم، ومن معهم من هوازن.
- خالد بن سعيد بن العاص إلى مشارف الشام١.
ويضيف البلاذري أميرًا آخر هو يعلى بن منبه، حليف نوفل بن عبد مناف، إلى خولان باليمن٢.
والملاحظ أن جميع الأمراء الذين اختارهم لقيادة العمليات العسكرية كانوا من المهاجرين، وأنه استبقى الأنصار للدفاع عن مدينتهم، ولا مبرر للقول بأنه استبقاهم حذرًا منهم لما أبدوه في سقيفة بني مساعدة، إذ لم يكن الأنصار دون المهاجرين إيمانًا بالله ورسوله.
إن قراءة متأنية لقرار الخليفة، والتوزيع الجغرافي للألوية تطلعنا على الحقائق التالية:
- مدى خطورة الموقف الذي يواجهه الإسلام كدين، وعقيدة ودولة، والمسلمون كأمة، فقد انتشر المرتدون والخارجون والمتنبئون، من مشارف بلاد الشام شمالًا حتى حضرموت ومهرة، واليمن في الجنوب، ومن البحرين وعمان والخليج العربي شرقًا حتى شاطئ البحر الأحمر غربًا، بالإضافة إلى قلب الجزيرة العربية، ومشارف الحجاز وأبواب المدينة.
- عظيم المسئولية الملقاة على عاتق أبي بكر، والمسلمين من حوله، والتي تتطلب بذل جهد غير عادي لمواجهة الموقف.
- كان المسلمون يمثلون قلة عددية في تلك المرحلة بالمقارنة مع الكثرة العددية للقبائل المرتدة والثائرة، فكان عليهم مواجهة هذه الظاهرة.
- حتمية التعاون بين هذه الجيوش وفق خطة عسكرية محكمة بحيث لا تعمل كأنها جيوش منفصلة تحت قيادات مستقلة، وإنما هي، على الرغم من تباعد الأمكنة، جهاز واحد تلتقي، وتفترق كلها أو بعضها.
- اتخذ أبو بكر المدينة مقرأ له، وقاعدة لإدارة العمليات العسكرية.
انطلقت الألوية الإسلامية من ذي القصة كل إلى الوجهة المحددة لها، بعد أن
стр. 61
زود الخليفة قادتها بكتاب ذي مضمون واحد إلى جميع العرب١، يعكس سياسته وأسلوبه في التعامل مع هذه الفتنة بحيث إنه٢:
- حرص على أن يبدأ الكتاب باسم الله، وأن يوضح صفته التي يخاطب بها الناس، ويتعامل معها بمقتضاها، فهو خليفة رسول الله، وله عليهم ما للرسول من الولاية العامة، والطاعة التامة.
- وجه الكتاب إلى العرب عامة، من أقام على إسلامه منهم، ومن رجع عنه، ومعنى ذلك أنه أراد أن يكون مضمونه بيانًا للناس جميعًا سواء من بقي على الطاعة ومن خرج منها.
- اختص بتحية الإسلام، من اتبع الهدى فقط، أما المرتدين والخارجين، فلا سلام عليهم، وذكر الجميع بشعار الإسلام، وأول ركن من أركانه هو شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.
- أقر بكل ما جاء به محمد ﷺ ، وكفر كل من ينكر ذلك، وتعهد بقتاله.
- وضح رسالة محمد ﷺ ، وبين الأسلوب الذي اتبعه النبي لتحقيق الهدف: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ، وذكر الجميع بأن النبي اتبع سياسة حازمة تجاه المشركين والكفار.
- أوضح صفة النبي البشرية، ورد على الجماعة التي عجبت من وفاته، وذكرها بما جاء في كتاب الله من أن محمدًا بشر يجري عليه من يجري على سائر البشر من حياة وموت، ويعكس هذا ادعاءات بعض المرتدين: "لو كان محمد نبيًا لما مات"، ثم أبرز قدرة الله، وأنه حي لا يموت.
- قدم النصح للناس بتقوى الله، واتباع ما جاء به رسوله والاعتصام بدينه، وذلك بأسلوب هادئ، وهو في خلال ذلك يبشر المهتدين بثواب الله، ويحذر الضالين من عذابه، وأوضح أن الأمر كله لله، من ثواب وعقاب.
- أشار إلى ما بلغه من ردة بعض العرب عن الإسلام، وخروجهم عن طاعة الله، وأوضح لهؤلاء أن هذا من عمل الشيطان، وحذرهم من المصير الذي ينتظر أولياء الشيطان، وحزبه وهو حكم الله في الضالين.
- كشف سياسته العامة تجاه المرتدين القائمة على منحهم فرصة للتفكير، ودعوتهم بالحسنى للعودة إلى الله، بعد أن انساق كثير من العرب وراء الدعاة، خشية
стр. 62
ما يصيبهم إذا استمروا على إسلامهم، فإذا رأوا أنفسهم بين قوتين مالت نفوسهم إلى إسلامها، أو أمسكوا على الأقل، عن الانضواء تحت راية زعماء الردة، وبذلك تحقن دماء، ويتراجع اندفاع كثير من المرتدين، ويتوقفوا عن القتال، ولا شك بأن هذه السياسة الحكيمة التي انتهجها قد حققت أهدافها الموضوعة، فعاد قسم كبير من المرتدين عن ردتهم، في حين استمر آخرون عليها، فتعرضوا للقتل بالسيف، والحرق بالنار، وسبي الذراري والنساء.
- لم يقصد أبو بكر المداورة من خلال منح القبائل فرصة للتفكير، حتى إذ لم يفلح التمس وسيلة غيرها، بل كان جادًا في كل كلمة من كلمات كتابه، وفي كل صورة من صور التهديد التي ذكرها فيه.
وأوصى أبو بكر قادة الألوية١ تنفيذ المهام الموكولة إليهم ضمن إطار الخطة التي وضعها، وزودهم بتفاصيلها، ويتفق مضمونها مع وصايا دأب النبي على تزويد أمراء جنده بها عند خروجهم للجهاد، وتضم طرفًا من آداب الإسلام في الجهاد، كما أمرهم بالتنسيق معه إيمانًا منه بأن وحدة القيادة في الحرب هي السبب الأكثر أهمية في تحقيق النصر.
خرجت الألوية الإسلامية، في ضوء هذه التوجهات، في اتجاهات متعددة، ومعها أوامر مشددة بقمع ثورات القبائل دون تمييز بين دافع وآخر، والقضاء على الأخطار التي واجهت الإسلام، ودولته الناشئة.
قتال طليحة الأسدي -معركة البزاخة:
برز خالد بن الوليد في حروب الردة كقائد محترف، ومقاتل شجاع، مارس عمليًا مهام القائد العام، واستطاع بفضل الخطط العسكرية المبتكرة، والمداهمات الصاعقة التي نفذها ضد المرتدين؛ أن يحقق النجاح المطلوب في مهمته الصعبة، ففي أقل من عام، كانت لديه القدرة لقمع حركة الردة، وتصفية جيوب التمرد في كافة أنحاء الجزيرة العربية.
كانت مواجهته الأولى ضد طليحة الأسدي، وخصصه أبو بكر بأربعة آلاف مقاتل، أقلهم من المهاجرين، وأكثرهم من القبائل القريبة من المدينة، وبعض بني كنانة، وكان فيهم من الأنصار ما بين أربعمائة إلى خمسمائة مقاتل بقيادة ثابت بن قيس، وحمل أبو لبابة رايتهم٢.
стр. 63
أقام طليحة في منازل بني أسد ببزاخة، وعسكر جيشه في سميراء، وانضمت إليه فلول عبس، وذبيان الذين هزمهم أبو بكر، كما انحازت إليه قبائل غطفان وسليم ومن جاورهم من أهل البادية في شرق المدينة، وفي شمالها الشرقي، وحاول استقطاب طيء للانضمام إليه، عن طريق الحلف الذي كان بينهم، وبين بني أسد، في الجاهلية، فتعجل أقوام من جديلة والغوث، وهما من طيء بالانضمام إليه، وأوصوا من تأخر باللحاق بهم١، وفعلًا، وحدتهم العصبية القبلية، وتقبلوا رأي عيينة بن حصن "نبي من الحليفين أحب إلينا من نبي من قريش، وقد مات محمد، وطليحة حي"٢، ولم تخالجهم أدنى ريبة في تعرضهم لهجمات المسلمين إن هم أصروا على خروجهم على سلطان المدينة، ومتابعة طليحة، وامتنعوا عن دفع الزكاة٣.
واشتد ساعد طليحة بما انضم إليه حتى ظن أنه لن يغلب، ونقل معسكره من سميراء إلى بزاخة، الأكثر مناعة، استعدادًا لمواجهة محتملة مع المسلمين.
وأمر أبو بكر خالدًا أن يبدأ بطيء قبل أن يتوجه إلى البزاخة، وحتى يموه على الحملة تصرف على محورين:
الأول: أذاع أنه خارج بنفسه على رأس الجيش إلى خيبر٤ حتى ينضم إلى قوات خالد، ثم ينطلق لمحاربة المرتدين، فابتعد بذلك عن طريق البزاخة، فاطمأنت طيء، وتقاعست عن الخروج لمساعدة طليحة، ففصل بذلك بين الحليفين، ليضرب كلًا على حدة.
الثاني: حاول أن يستقطب طينًا عن طريق عدي بن حاتم الطائي، وهو أحد الأشخاص الذين ثبتوا على إسلامهم، فكلفه بمهمة إخراج قومه من التحالف مع طليحة، والعودة بهم إلى طاعة المدينة، ونجح عدي في مهمته، لكن كان على طيء أن تسحب قواتها الموجودة في معسكر طليحة خشية أن يقتلهم أو يرتهنهم، فطلبوا من عدي أن يكف خالدًا عنهم حتى يستخرجوهم٥.
استحسن خالد هذا العرض، وأمهلهم ثلاثة أيام، مدركًا في الوقت نفسه أن من شأن ذلك أن يكسبه قوة إضافية، ويضعف من قوة خصمة، وطلب القوم من إخوانهم
стр. 64
في البزاخة أن يعودوا إلى منازلهم ليساعدوهم في التصدي لزحف المسلمين، وسمح لهم طليحة بالعودة، فانضم بذلك خمسمائة مقاتل من الغوث إلى صفوف المسلمين١.
ارتحل خالد بعد ذلك إلى الأنسر٢ يريد جديلة، فتدخل عدي بن حاتم أيضًا، وأقنع الجديليين بالعودة إلى حظيرة الإسلام، ويبدو أن انضمام الغوث إلى المسلمين، شكل دافعًا لهؤلاء لتغيير موقفهم، وانضم خمسمائة مقاتل منهم إلى صفوف خالد، فأضحى عدد جنوده خمسة آلاف٣، كما انضمت سليم إلى صفوف المسلمين، وكانت لا تزال مترددة إلى أن زحف خالد نحو بني أسد، فخشيت على نفسها.
والواقع أن بعض القبائل التي صنفها المؤرخون في عداد المرتدين، مثل طيء، كانت في الحقيقة ضحية مزيج من عدة مشاعر تفاعلت في أبنائها نتيجة عدم تجذر العقيدة الإسلامية في قلوبهم، بالإضافة إلى وقوعهم تحت تأثير التقاليد الجاهلية وأفكارها، ثم ارتباطهم بروابط الأحلاف، وحسن الجوار مع قبائل أخرى، هذا فضلًا عما رأوه في بعض أحكام الإسلام من تضييق على حريتهم، وانتقاص من سطوتهم، وتحملهم أعباء هم في غنى عنها٤، ومثل هؤلاء، كانوا بحاجة إلى مزيد من الإقناع، والموعظة الحسنة، والتعريف بأحكام الإسلام وأهدافه، ويتعذر تحقيق ذلك في بضع سنين.
ومهما يكن من أمر، فقد بلغت أنباء التحولات الجديدة طليحة في البزاخة، فاغتم، لكنه أصر على موقفه، وشجعه عيينة بن حصن الفزاري الذي كان يكن الحقد على أبي بكر والمسلمين.
ويبدو أن طليحة، على الرغم من أنه اتصف بالشجاعة والحذر، لم يستطع مخالفة عيينة بعد أن انسحبت جموع طيء من صفوفه، خيشية من انقلابه عليه، وتعريض حياته للخطر، وآثر البقاء حيث هو منتظرًا قدوم خالد، وعسكر على ماء آخر يقال له الغمر٥.
وبث طليحة العيون على فجاج الصحراء حتى لا يؤخذ على غرة، وعلم منهم بزحف المسلمين قبل أن يصلوا إلى بزاخة، فعبأ قواته استعدادًا للمواجهة، ووضع
стр. 65
خطة عسكرية قائمة على الغلبة، والفرار في حال الهزيمة، فعزل معظم النساء في مكان أمين؛ لئلا يقعن في السبي إذا دارت الدائرة عليه، وأحاط نفسه بأربعين فارسًا من أشد فتيان بن أسد.
تميز جيش طليحة بميزتين هما الكثرة العددية، والراحة فقد زاد عدد أفراد جيشه عن عدد أفراد جيش خالد بألف مقاتل، أو أكثر مع وفرة السلام والركائب، كما كان مرتاحًا في دياره، على عكس الجيش الإسلامي الذي كان على أفراده أن يقاتلوا بعد سير مئات الأميال في الأودية والجيال١، وشغلت نجد كلها بهذه المعركة التي أضحت على الأبواب.
التفت قيس، وبنو أسد حول طليحة، واستعدوا للقتال، فأشارت جماعة من طيء على خالد أن يحارب قيسًا، ويعدل عن بني أسد، وذلك لحلف كان بينهم في الجاهلية كما أشرنا، وإن دل هذا الطلب على شيء، فإنه يدل على أن القوم لا زالوا يفكرون بالعصبية الجاهلية، وينظرون بالعين القبلية، وأن الإسلام لم يتجذر في قلوبهم، وأن عودة طيء عن ردتها كانت بدافع الواقع السياسي والعسكري.
عارض عدي بن حاتم هذا التوجه، وكان خالد حريصًا على ألا يسمح لأي انشقاق يحصل داخل صفوف قواته، فهو بحاجة إلى كل مقاتل، نظرًا لشدة بأس عدوه الذي يحارب على أرضه، فأقنع عديًا بمجاراة قومه، وهكذا قاتلت طيء قيسًا، وقاتل سائر المسلمين سائر بني أسد٢.
والتحم الجيشان في رحى معركة ضاربة انتهت بانتصار المسلمين، وانفض الفزاريون عن طليحة بعد أن اكتشفوا أنه كاذب، فطاردهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، وكان عيينة من بين الأسرى، ولاذ طليحة بالفرار حتى النقع من منازل كلب على تخوم بلاد الشام، وقتل من جيشه خلق كثير، وعاد من بقي عن ردته٣.
وعندما علم طليحة بتحول كفة الصراع إلى جانب المسلمين، وبلغه ما لقيت أسد، وغطفان من الشدة، وعودة من ارتد منهم إلى الإسلام، أسلم وحسن إسلامه بعد ذلك، واشترك في معركة القادسية، وحفظ له عمر مكانته، ورأيه في الحرب، فكتب إلى النعمان بن مقرن، أحد قادة جيوش فتح العراق، "أن استعن في حربك بطليحة، وبعمرو بن معدي كرب"، ولقد استشهد في معركة نهاوند٤.
стр. 66
ذيول معركة البزاخة:
- استثمر خالد انتصاره في البزاخة لإخضاع القبائل المرتدة الضاربة في الجزء الشمالي الشرقي من الجزيرة العربية، ودفعها للعودة إلى حظيرة الإسلام، وتثبيت أقدام المسلمين في هذا الجزء، لذلك أقام في المنطقة مدة شهر كامل نفذ خلاله عدة عمليات عسكرية ضد فلول المرتدين، وهكذا عاد بنو عامر، وسليم وهوازن من ردتهم١.
- طلب خالد من غطفان وهوازن، وسليم وطيء، حين وادعهم، تسليمه الذين قتلوا المسلمين، ومثلوا بهم أثناء ردتهم، فلما جيء بهم عفا عن المقاتلين العاديين، وأرسل الزعماء إلى المدينة، كان من بينهم قرة بن هبيرة القشيري صاحب ردة بني عامر، وعيينة بن حصن الفزاري، وقتل الذين عدوا على المسلمين، وكتب إلى أبي بكر يعلمه بتصرفه هذا٢.
- وافق أبو بكر على تصرفات خالد، وشجعه على الاستمرار في محاربة المرتدين ومطاردتهم، ورأى أن يتألف زعماء القبائل؛ لأن حركة الانتفاضة على الحكم الإسلامي في الجزيرة العربية كانت لا تزال في بدايتها، والمسلمون بحاجة إلى تأليف قلوب هؤلاء ليكونوا عونًا لهم في هذه المحنة، فعفا عن قرة وعيينة وعلقمة بن علاثة الكلبي، وقتل الفجاءة، وهو بجير بن عبد الله السلمي، نتيجة ما اقترفت يداه من العدوان، والقتل بحق المسلمين٣.
- اصطدم خالد بسلمى بنت مالك الفزارية المعروفة بـ"أم زمل"، وقد خرجت لتصيب ثأرًا عند المسلمين٤، وساندتها بعض القبائل المرتدة، وأسفر اللقاء عن انتصار المسلمين، ومقتل أم زمل وفرار أتباعها٥.
стр. 67
ملابسات حوادث بني تميم:
أوضاع بني تميم: انقسم بنو تميم على أنفسهم بعد وفاة النبي نتيجة عاملين: ديني يتعلق بامتناع فئة
من التميميين عن دفع الزكاة، وسياسي يتعلق بظهور مدعبة النبوة سجاح، والأثر الذي تركته على أوضاع القبلية من واقع محاولة مالك بن نويرة استغلالها لصالحه ضد خصومه في القبيلة.
ففي ما يتعلق بالعامل الأول، فقد كان رد فعل الذين كلفهم النبي بجمع الزكاة، أي العمال؛ رد غير المستيقن من خبر وفاة النبي، ويتم إثبات الشكوك والمؤامرات التي صدرت عن ولاة الأمور المتنافسين في ما رواه الطبري: "فكان الزبرقان بن بدر على الرباب وعوف والأبناء، وقيس بن عاصم على مقاعس والبطون، وصفوان بن صفوان، وسبرة بن عمرو علي بني عمرو، وهذا على بهدى، وهذا على خضم، ووكيع بن مالك ومالك بن نويرة على بني حنظلة، هذا على بني مالك، وهذا على بني يربوع، فضرب صفوان إلى أبي بكر حين وقع إليه الخبر بموت النبي ﷺ بصدقات بني عمرو، وما ولي منها وبما ولي سبرة، وأقام سبرة في قومه لحدث إن ناب القوم، وقد أطرق قيس ينظر ما الزبرقان صانع، وكان الزبرقان متعبًا عليه، وقلما جادله إلا مزقه الزبرقان بخطوته وجده، وقد قال قيس وهو ينتظر: لينظر ما يصنع ليخالفه حين أبطأ عليه: وا ويلنا من ابن العكلية! والله لقد مزقني فما أدري ما أصنع! لئن أنا تابعت أبا بكر، وأتيته بالصدقة لينحرنها في بني سعد فليسودني فيهم، ولئن نحرتها في بني سعد ليأتين أبا بكر فليسودني عنه، فعزم قيس على قسمها في المقاعس والبطون، ففعل، وعزم الزبرقان على الوفاء، فاتبع صفوان بصدقات الرباب وعوف الأبناء حتى قدم بها المدينة ... وتحلل الأحياء ونشب الشر وتشاغلوا، وشغل بعضهم بعضًا، ثم ندم قيس بعد ذلك"١.
من غير المجدي أن نحدد من كان يؤدي الزكاة ومن كان يمنعها، إلا أنه من الثابت أن بعض زعماء بني تميم كانوا مترددين، وأرادوا التربص والانتظار ليروا مدى ثبات أبي بكر في وجه المشكلات التي كان يواجهها، أما الاستثناء الوحيد فقد شكله مالك بن نويرة الذي ظل على رفضه أداء الأموال حتى وصول خالد، فانكشف أمام المسلمين من وجهين، وهنا يتداخل العاملان الديني والسياسي، إذ كان قد انضم إلى سجاح، وأنه امتنع عن إرسال الزكاة إلى المدينة، ويعد هذا التصرف منه أحد مظاهر الاحتجاج على موقفه من خلافة أبي بكر، كما أن علاقته بسجاح تشجع على هذا الاعتقاد، على الرغم من أنه رفض عرضها للتحالف ضد المدينة، وكفها عن
стр. 68
مهاجمتها، غير أن هذا الموقف لم يعفه من دفع الثمن باهظًا من دون الالتفات إلى العوامل التي قد تسقط العقاب، أو بعضًا منه تجاه الجماعات الأخرى، وبخاصة أن هؤلاء كانوا أقرب إلى الاحتجاج في موقفهم منه إلى الثورة، أو الارتداد١.
زحف خالد باتجاه بطاح بني تميم:
بعد أن انتهى خالد من القضاء على حركة الردة في الشمال الشرقي للجزيرة العربية، سار إلى بطاح بني تميم في شهر "شعبان ١١هـ/ تشرين الأول ٦٣٢م"، ولا تتحدث المصادر عن اشتباكات كبيرة، لكن الحملة انتهت بقتل مالك بن نويرة التي أثارت حفيظة بعض المسلمين، وعرضت خالدًا للنقد الغليظ.
والواقع أن خالدًا استغل ما حصل في بني تميم من الانقسام لإخضاع التميميين، ويفعل أنه خرج من المدينة لإخضاع المرتدين، والقضاء على ثورات القبائل، ولم تكن معركة البزاخة سوى الخطوة الأولى، ولا يجوز الوقوف عندها، ثم إنه لم يشأ أن يتمسك بسياسته، وقيادة جيشه عند حرفية النص، في حال وجوده، وبخاصة أن الاتصالات مع المدينة كانت بطيئة نظرًا لطبيعة المواصلات في البادية مما يضيع عليه كثيرًا من الفرص، ثم إن إخضاع التميميين من شأنه أن يطهر المنطقة من وجود المرتدين، وبالتالي يحمي مؤخرة جيشه من خطر الاعتداء عليها، ويعطيه فرصة للتفرغ لأهل اليمامة، وهو مطمئن؛ لذلك، قرر الزحف نحو بطاح بني تميم لإخضاع المرتدين.
وتتباين روايات المصادر حول هذه المبادرة، أكانت شخصية محضة اتخذها خالد من واقع مهمته بإخضاعه المرتدين، أم بتوجيه من الخليفة٢، ويجد الباحث نفسه أمام ثلاثة احتمالات:
الأول: إذا كان ثمة مجرد أمر شامل موجه إلى خالد، فهذا يمكن أن يعني أن الأنصار الذي اعترضوا على زحف خالد باتجاه البطاح لم يكونوا على علم بوضع بني تميم، وكان خالدًا خليقًا عندئذ أن يكون مكلفًا أن يسير بالجيش إلى مضاربهم، ويقرر ما سوف يفعله، فيعاقب المرتدين، ويدعو سائر السكان إلى الإسلام.
الثاني: أن الأنصار بلغهم رفض أداء الزكاة من قبل بعض فروع بني تميم، وأن الخليفة أرسل خالدًا ليذكر المتلكئين في تأدية واجبهم.
الثالث: أنه إذا لم يكن هناك أمر شامل موجه ضد بني تميم، ولا أمر خاص موجه ضد مالك بن نويرة، أي إذا كان خالد يريد، بدافع شخصي، أن يغير على بني تميم
стр. 69
بحكم مجاورتهم لبني أسد، فسيكون من الممكن عندئذ أن نستنتج من ذلك أن الأمر لم يبلغ مدى بعيدًا في ما يتعلق بإسلام بني تميم وردتهم، وفي هذه الحالة يكون خالدًا خليقًا أن ينتهز الفرصة السانحة التي أتيحت له، ويكون لقاؤه مع مالك بن نويرة من باب الصدقة١.
بين خالد ومالك بن نويرة:
تختلف روايات المصادر في عرضها لقضية مالك بن نويرة، الأمر الذي يجعل الحديث عن رواية نموذجية، ينطوي على الإشكال، فقد قدم مالك على النبي فيمن قدم من أمثاله من العرب، فولاه صدقات قومه بني يربوع كما أشرنا، فلما مات النبي امتنع عن دفع الزكاة، وفرق ما في يده من إبل الصدقة، وتجاهل نصائح أقرانه في القبيلة، بعدم الإقدام على هذا التصرف٢، وعندما علم بزحف خالد باتجاه البطاح، هاله الأمر، وأدرك أنه عاجز عن مواجهة المسلمين ميدانيًا، فأمر أتباعه بالتفرق، ونهاهم عن الاجتماع والمقاومة٣، وتوقف عند هذا الحد، فلم يخرج للقاء خالد، وإعلان توبته وعودته إلى الإسلام، ويبدو أنه لم يكن بوسعه أن يحمل نفسه على مسيرة عدها مذلة لكبريائه.
والواقع أن أحداث بني تميم، ومقتل مالك تتضمن خمسة عناصر جوهرية هي:
- سوء الفهم اللغوي الذي أدى إلى القتل بطريق الخطأ.
- استجواب مالك الذي انتهى بحكم الإعدام.
- شهادة أبي قتادة الأنصاري التي يتم إيرادها كرواية مواكبة بأن مالكًا، وبني يربوع كانوا مسلمين.
- الاختلاف في وجهات النظر بين أبي بكر وعمر.
- اتهام خالد بقتل مسلم، والتزوج بامرأته.
تظهر قضية سوء الفهم أو الالتباس اللغوي، في رواية سيف التي رواها الطبري٤، إذ عندما وصل خالد إلى البطاح بث سراياه، وأمرهم بداعية الإسلام على أن يأتوه بكل من لم يجب، وإن امتنع أن يقتلوا تنفيذًا لوصية أبي بكر، فجاءته الخيل بمالك بن نويرة مع نفر من أصحابه من بني يربوع، فاختلف أفراد السرية فيهم.
стр. 70
فشهدت فئة منهم بأنهم أذنوا، وأقاموا وصلوا وأقروا بالزكاة، كان من بينهم أبو قتادة الأنصاري، في حين شهدت فئة أخرى بأنهم استمورا على ردتهم، فلما وقع الاختلاف، أمر خالد بسجنهم حتى الصباح ليحكم في الأمر، وكانت ليلة باردة، تزداد بردًا كلما مضى شطر من الليل، فأخذت خالد الشفقة عليهم، فأمر مناديًا "أدفئوا أسراكم"، وكان معنى العبارة في لغة كنانة القتل، ولما كان الحرس من هؤلاء قتلوهم، فقتل ضرار بن الأزور مالكًا، وسمع خالد الضجة، فخرج وقد فرغوا منهم، فقال: "إذا أراد الله أمرًا أصابه"١.
هذه هي صياغة المشهد التي يبدو عليها علائم الاختلاف، وذلك أن المرء لا يستطيع في مخيم عسكري أن يدبر مجزرة لا يلاحظها القائد إلا بعد انتهائها، ولكن هذا هو هدف القصة، فهل تعمد خالد إصدار الأمر الذي يساء فهمه، ثم راح ينتظر حتى تحققت النتيجة المرجوة، وهي قتل مالك بن نويرة، والتزوج بامرأته أم تميم ابنة المنهال؟ كيف صح من قائد المسلمين أن يخاطب الحراس بلغة يعلم أنها ليست لغتهم، فيما يقصد إليه من معنى وهدف؟ وإن كان لا يعلم فلماذا لم يعتذر بهذا العذر عند الخليفة عندما عاتبه؟
الواضع أن هذه القصة لا تذكر سببًا معقولًا، ومقبولًا لقتل مالك بن نويرة، على الرغم من أنها تستشهد بأقوال فئة من أفراد السرية بأنه عاد من ردته، ونصح قومه بالاقتداء به.
وإذا تأملنا في صيغة الأمر من الوجهة اللغوية، كان معناها الأساسي الدفء، أما المعنى الجانبي الذي هو القتل، فلا تسجله معاجم اللغة إلا على الهامش، وبناء على هذا نجد الصياغة في لسان العرب، دفف على الجريح أجهز عليه، وكذلك دافه مدافة، ودفافًا ودافاه وهي لغة لجهينة، معناها القتل٢.
وتجري رواية استجواب خالد لمالك بن نويرة للوقوف على أي الشهادتين حق، الشهادة بإسلامه، أم الشهادة بإصراره على الرده ومنع الزكاة، فعندما جاءت به السرية حاوره خالد في موقفه من الإسلام، فقال مالك: "أتقتلني وأنا مسلم أصلي إلى القبلة؟ فقال خالد: لو كنت مسلمًا لما منعت الزكاة، ولا أمرت قومك بمنعها، والله ما نلت ما في مثابتك حتى أقتلك"٣، وفي رواية أنه قال: "أنا آتي الصلاة دون الزكاة.
стр. 71
فقال له خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معًا، لا تقبل واحدة دون الأخرى؟ فقال مالك: قد كان صاحبكم يقول ذلك، قال خالد: أوما تراه لك صاحبًا؟ والله لقد هممت أن أضرب عنقك، ثم تجادلا في الكلام، فقال خالد: إني قاتلك، فقال له: أو بذلك أمرك صاحبك؟ قال خالد: هذه بعد تلك، وكان عبد الله بن عمر، وأبو قتادة الأنصاري حاضرين، فكلما خالدًا في أمره، فكره كلامهما، فقال مالك: يا خالد إبعثنا إلى أبي بكر، فيكون هو الذي يحكم فينا، فقال خالد: لا أقالني الله إن أقلتك، وتقدم إلى ضرار بن الأزور بضرب عنقه"١.
قد تكون هذه الرواية أقرب إلى القبول؛ لأنها تذكر سبب ردة مالك بن نويرة، ومن اتبعه من قومه، وهي امتناعه عن دفع الزكاة لأبي بكر، كما أن كلامه بحق النبي لا يصدر عن شخص مخلص في إسلامه، ألا يرى مالك أن النبي سد له وصاحب؟ ومع ذلك فقد تضمن الاستجواب إشارتين إلى إسلام مالك، وهما القول بأنه على استعداد لإقامة الصلاة، وقوله لخالد: "أتقتلني وأنا مسلم أصلي إلى القبلة" غير أنه رفض دفع الزكاة، وهنا يوصف بأنه مرتد معاند، وأن تصريحاته الاستفزازية لم تدع مجالًا لخاير آخر سوى القتل، ومن هنا أيضًا استقى خالد حجته عليه بعد أن كشف نواياه التي لا تخرج من قلب سليم الإيمان، ومع ذلك فإن خالدًا لم يتسرع في إصدار الحكم عليه، وجادله عليه يتمكن من إقناعه بالعودة عن ردته، إلا أنه أصر على موقفه، فلم يبق في نفس خالد بعد ذلك موضع للشك في ردته، فعقد العزم على قتله، ورفض أن يرسله إلى أبي بكر كما أرسل غيره، أمثال قرة بن هبيرة والفجاءة السلمي وغيرهما، ولم يكن مالك بأقل قدرا منهم، إلا أنه كان أعظم إثمًا٢، وأستبعد أن يكون أصدقاء خالد اختلقوا حديثًا متقن الحبكة يضع عنه الوزر؛ لأن مالكًا إذا كان مطلعًا على الإسلام هذا الاطلاع الحسن، والذي يمكنه من مناقشة خالد في دقائقه، فمعنى ذلك أنه كان مسلمًا٣، والراجح أنه لم يكن مسملًا وقت قتله على
الأقل.
وتصب شهادة أبي قتادة الأنصاري في مصلحة مالك، إذ أنكر على خالد فعله، فظن ما حدث حيلة من حيله، فذهب إليه، وقال: "هذا عملك، فزبره خالد، فغضب، ومضى حتى أتى أبا بكر"، فأثار القضية أمامه٤، والراجح أن إقحام اسم أبي قتادة هو
стр. 72
من نوع التمويه والتضليل، وأن يكون هذا الرجل بخاصة هو الذي يدلي بالشهادة ضد خالد، فأمر يستحق النظر؛ لأنه هو نفسه كان قد عارض خالدًا في أمر بني جذيمة، وانتقده انتقادًا كبيرًا١، أو كان للحادث في نفسه صورة أخرى، فهم منها أبو بكر ما أملى عليه قوله في رده على عمر "تأول فأخطأ". يضاف إلى ذلك، فقد شاهد عشرات من الصحابة ما شاهد أبو قتادة، ولم يتصرفوا مثله، أما عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي حضر الجلسة، فعلى الرغم من أنه خالف خالدًا، وعبر عن رأيه في هذه القضية إلا أنه لم يخرج على قائده، وهذا من فقه ابن عمر؛ لأنه علم أن خالدًا، ومن معه من الصحابة الذين وافقوه على قتل مالك لا يصدرون أحكامهم عن هوى، وأنهم إن أخطأوا فقد تأولوا٢.
تتحدث بعض روايات التاريخ الإسلامي عن اختلاف في وجهات النظر بين أبي بكر، وعمر في هذه القضية، فتجري إحداها أنه لما بلغ خبر مقتل مالك، وأصحابه عمرًا، قال: "إن في سيف خالد رهقًا٣، فإن لم يكن هذا حقًا، حق عليه أن تقيده، وأكثر عليه في ذلك"، فأجابه أبو بكر: "هيه يا عمر، تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد"، وأضاف: "لم أكن لأشيم سيفًا سله الله على الكافرين"، وودى مالكًا وكتب إلى خالد أن يقدم عليه، ففعل٤.
وثمة مشهد حدث في المسجد يلخص حكاية جرت في المدينة حيث يظهر خالد عند أبي بكر قادمًا من أرض بني تميم، فيدخل المدينة مصحوبًا بكل علائم الحرب، ويلتقي عمر في مسجد النبي، فيذله ويرميه بتهمه يلقي بها في وجهه: "قتلت امرأ مسلمًا ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بأحجارك"، فلم يكلمه خالد، ومضى في اضطراب بالغ إلى أبي بكر، وهو يظن أن رأيه مثل رأي عمر. وجرى حوار بين الرجلين اعتذر في نهايته خالد أمام أبي بكر، فعذره وتجاوز عنه، لكنه عنفه في التزويج الذي كانت العرب تجمع على كراهته أيام الحرب، وأمره أن يفارق امرأة مالك، فخرج خالد وعمر جالس في المسجد، فقال: هلم إلي يا ابن أم شملة، فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلمه، ودخل بيته"٥.
الواضح أن هذه الرواية قد استغلت من واقع توجيهها دون مراعاة لحرمة
стр. 73
أصحاب رسول الله: فتصور خالدًا في صورة تجافيها المروءة، وينكرها الدين، وتشمئز منها الرجولة، ولا يرضى عنها عامة الناس، وتحشر رجلًا هو ثالث ثلاثة، فنجعل منه محورًا تدور عليه فصولها، وذلك هو عمر بن الخطاب، وهي تحمل في طياتها عوامل الشك فيها، منها:
- أنها تصور خلافًا حادًا في الرأي بين أبي بكر، وعمر في تقييم ما صنع خالد، وهو خلاف غريب في حادث يمس حدًا من حدود الله، وإذا لم يكن الاتفاق ضروريًا بين المجتهدين، فليس هذا الحادث من مواضع اختلاف المجتهدين؛ لأنه اختلاف في تكييف الحادث لا في فهم النص، وتطبيقه،١ بالإضافة إلى ماهية السياسة التي يجب أن تتبع في هذا الموقف الدقيق من حياة المسلمين تجاه المرتدين، وقيام الثورة في أنحاء الجزيرة العربية٢.
- لا يمكن الوصول إلى دلالة "ابن أم شملة"، التي هتف بها خالد في وجه عمر أثناء خروجه من عند أبي بكر، لكن مما لا شك فيه أن خالدًا لم يكن يكنى بذلك عن والدة عمر، ولكن مجرد المخاطبة بلقب ابن امرأة ينطوي وحده على إهانة بالغة، وهذا بعيد عن سلوك الصحابة.
- لم تذكر هذه الرواية لأحد من أصحاب رسول الله رأيًا في هذه القضية سوى أبي بكر وعمر، ولا سيما أنها تتعلق بتصرف أكبر قادة المسلمين الذي إذا صح ما نسب إلى عمر في إتهامه لخالد، لكان جزاء هذا القائد في الشريعة الإسلامية القتل، ولا يحق للخليفة تعطيل أحكام الدين، أما بقاء المتهم في مقامه في صدارة الدولة، فهذا يتناقض مع ما عرف عن الصحابة من شدة البحث عن الحقيقة٣، فهل اقتدى أبو بكر بالنبي عندما لم يضع نهاية لتقدير خالد عن تصرفه مع بني جذيمة، ولم يقم الحد عليه، والمعروف أن الحادثين متشابهتان في حيثياتهما من حيث الالتباس في إسلام القوم من وجهة نظر فئة من المسلمين، والتأكيد على عدم إسلامهم في نظر خالد على الأقل، وهو أمير السرية آنذاك وإليه يعود تقدير الأمور٤.
- عندما تولى عمر بن الخطاب الخلافة بعد أبي بكر، وكان رجلًا قوامًا على حدود الله، جريئًا في الحق، وكان خالدًا يومئذ أميرًا على عامة جيوش المسلمين في
стр. 74
بلاد الشام، فلم يرجمه بأحجاره كما توعده، ولم يقتله قصاصًا بمالك وأصحابه، أما عزله عن الإمارة، فلم تكن قضية مالك بن نويرة سببًا من أسبابها على وجه اليقين١.
وتتباين المصادر أيضا في وضع أرملة مالك بن نويرة، ويمكن أن نطرح عدة أسئلة تتعلق به مثل: هل تزوج خالد أم تميم امرأة مالك أم اتخذها محظية فحسب؟ وهل عاشرها فورًا، أم بعد انتهاء عدتها، وكيف تطورت العلاقة بينهما بعد ذلك؟ يروي الطبري: "وتزوج خالد أم تميم ابنة المنهال، وتركها لينقضي طهرها، وكانت العرب تكره النساء في الحرب، وتعايره"٢، وثمة رواية أخرى: "وقبض خالد امرأته "امرأة مالك"، فقيل: اشتراها من الفيء
وتزوج بها، وقيل: إنها اعتدت بثلاث حيض ثم خطبها إلى نفسه، فأجابته"، فطلب من ابن عمر، وأبي قتادة أن يحضرا النكاح فأبيا٣، وتجري رواية ثالثة على لسان عمر أثناء قدوم خالد للاجتماع بأبي بكر: "قتلت امرأ مسلمًا، ثم نزوت على امرأته"، وكأنه يتهمه بالزنى، ومع هذه النظرة العامة، فإن المسألة لم تحسم بعد، لكن معظم المصادر تتحدث عن زواج، على أن الوضع الشرعي يوصف بمسألة ما إذا كان يجوز له أسر زوجة مسلم، أما الزواج من أرملة، فلم يكن يحول دونه شيء إذا تم الالتزام بمدة العدة الشرعية إلا أن تكون غير مسلمة، أما معاشرة الأسيرة "الأمة"، فلم يكن يوجد تقييد لها، وكان الاستحواذ على نساء المغلوبين من قبل المنتصر ما يزال أمرًا مألوفًا، وعلى هذا لا يتوافر
التصرف الجرمي إلا إذا كان مالك، وأم تميم مسلمين، وعند ذلك فإن عملية الزواج تكون متفرعة من أصل عملية القتل، فإن كان قتل مالك حلالًا، فلا شيء على خالد، وإن كان قتله حرامًا، فجرم القتل أعظم من جرم الزواج، وجرم قتل الجماعة أخطر من جرم قتل الفرد الواحد, ومن المستبعد أن يضع خالد نفسه في موقف دقيق من الوجهة الشرعية، والراجح أن تكون الروايات عن زواج مع الإشارات المؤيدة لها إلى انتظار مدة الطهر، إنما تم إيرادها لتدعيم وضع مالك من حيث كونه مسلمًا٤.
والخلاصة أن سلسلة من الحقائق يمكن وضعها في مواضعها المحكمة من العملية التاريخية، إذ تواجه المرء أكثر من رواية لا تنسجم بالضررة مع الصورة العامة للردة، فإذا كان خالد قد اقترف ظلمًا عندما قتل مالكًا بن نويرة، فماذا يبقى إذن بعد ردة بني تميم؟ أتراهم بالفعل كانوا مسلمين جميعًا؟ وهل كان من الممكن
стр. 75
القضاء على التذبذب لدى زعماء القبائل الذين تتحدث عنهم أكثر المصادر مودة بلغة تهديد بالغة الضآلة من قبل المدينة؟ وهل كان تجلد أبي بكر، وثباته يكفيان لإدماج قبيلة تميم الكبرى من جديد في المجتمع الإسلامي؟ إنها أسئلة لا يمكن الإجابة عليها بسهولة عندما يفكر المرء في حال المصادر، ذلك؛ لأن هدف المؤرخين كان يتمثل على ما يبدو في خفض حجم ردة بني تميم إلى مستوى شخص مالك، بل تقديمه في صورة المسلم الذي يساء تقدير إسلامه١.