← Сира

Сира · id 9914

السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي

أبو الحسن الندوي

Полный текст (743 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وقال لبعض من بعثهم للدعوة والتعليم: «يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا» «١» . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده» «٢» . في منزله ومع أهله وعياله: وكان في منزله بشرا من البشر، كما تقول عائشة- ﵂: «كان يفلّي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه» . وقالت: «كان يرقع الثوب، ويخصف النّعل» . ونحو هذا قيل لعائشة- ﵂: ما كان رسول الله ﷺ يصنع في أهله؟ قالت: «كان في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة، خرج إلى الصلاة» «٣» . وفي رواية: «كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، كما يعمل أحدكم في بيته» «٤» .

стр. 562

وقالت عائشة: «كان ألين الناس، وأكرم الناس، وكان ضحّاكا بسّاما» «١» . وعن أنس- ﵁ قال: «ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ » «٢» . وعن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» «٣» . وعن أبي هريرة- ﵁ قال: «ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قطّ، إن اشتهاه أكله، وإنّ كرهه تركه» «٤» . تقديم الأقربين في المخاوف والمغارم وتأخيرهم في الرخاء والمغانم: وكان شعاره الدائم في أهل بيته وعياله، وأقرب الناس إليه تقديمهم في المخاوف والمغارم، وتأخيرهم في الرخاء والمغانم. طلب عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة- وهم كانوا من أبطال العرب المرموقين- من يبارزهم من قريش، وممّن فارق دينهم من أهل مكّة، وهاجر منها، وكان رسول الله ﷺ من أعرف الناس بمكانتهم وبغنائهم في

стр. 563

الحرب، وكان في قريش من ينهض لذلك من الأبطال والفرسان، فلم يزد أن قال: «قم يا حمزة! قم يا عليّ! قم يا عبيدة!» وهم من أقرب الناس إليه رحما ودما، وأحبّهم إليه، ولم يؤثر أحدا عليهم، ضنّا بحياتهم وإبقاء عليهم، وكان من صنع الله تعالى أن كتب لهم الغلبة والانتصار على منافسيهم، ورجع حمزة وعليّ سالمين مظفّرين، وحمل عبيدة جريحا «١» . ولمّا أراد أن يحرّم الرّبا، ويهدر دم الجاهلية القديمة، بدأ بعمّه العبّاس بن عبد المطلب، وابن أخ له من بني هاشم، ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. فقال في خطبته في حجّة الوداع: «وربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضع من ربانا: ربا العباس بن عبد المطلب، ودماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أول دم أضع من دمائنا دم ربيعة بن الحارث» «٢» . أمّا في الرّخاء وعند المغانم، فكان دائما يؤخّرهم، ويؤثر عليهم غيرهم خلافا للملوك والقادة والزعماء- يقول عليّ بن أبي طالب- ﵁: إنّ فاطمة- ﵍ اشتكت ما تلقى من الرّحى ممّا تطحن، فبلغها أنّ رسول الله ﷺ أتي بسبي، فأتته تسأله خادما، فلم توافقه، فذكرت لعائشة، فجاء النّبيّ ﷺ فذكرت عائشة له، فأتانا، وقد دخلنا مضاجعنا، فذهبنا لنقوم، فقال: «على مكانكما» ، حتّى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: «ألا أدلّكما على خير ممّا سألتماني، إذا أخذتما مضاجعكما فكبّرا الله أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وسبّحا ثلاثا وثلاثين، فإنّ ذلك خير لكما ممّا سألتماه» «٣» .

стр. 564

وفي رواية في هذه القصّة أنّه ﷺ قال: «والله لا أعطيكم وأدع أهل الصّفّة تطوى بطونهم من الجوع، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيعهم، وأنفق عليهم أثمانهم» «١» . رقة الشعور الإنساني ونبل العاطفة: كان رسول الله ﷺ مع أعباء النبوّة والدعوة، وهمّ الإنسانيّة والأحزان والأثقال التي لا تحملها الجبال الرّاسيات قد تجلّى فيه الشعور الإنسانيّ الرقيق، والعاطفة الإنسانية النبيلة، في أجمل مظاهرهما، فمع صرامته وقوّة عزيمته التي يمتاز بها الأنبياء، والتي كانت لا تقيم في سبيل الدعوة وإعلاء كلمة الله، وامتثال أوامره لشيء قيمة أو وزنا، لم ينس أصحابه الأوفياء الذين لبّوا دعوته، وبذلوا في سبيل الله مهجهم وأرواحهم، واستشهدوا في معركة أحد إلى آخر يوم من أيام حياته، فكان يذكرهم، ويدعو لهم، ويزورهم، وسرى هذا الحبّ إلى المكان الذي قامت فيه هذه المعركة، والجبل الذي شاهدها، والبلد الذي احتضنه، فروى عنه الصحابة- ﵃ أنّه قال: «هذا جبل يحبّنا ونحبّه» «٢» . وعن أنس بن مالك- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ طلع له أحد،

стр. 565

فقال: «هذا جبل يحبّنا ونحبّه» «١» . وعن أبي حميد قال: «أقبلنا مع النّبيّ ﷺ من غزوة تبوك حتّى إذا أشرفنا على المدينة، قال: «هذه طابة، وهذا جبل يحبّنا ونحبّه» «٢» . وعن عقبة أنّ رسول الله ﷺ خرج يوما، فصلّى على أهل أحد صلاته على الميّت «٣» . وعن جابر بن عبد الله- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا ذكر أصحاب أحد: «أما والله، لوددت أنّني غودرت مع أصحاب بنحص «٤» الجبل» «٥» . وقد احتمل شهادة عمّه وأخيه في الرّضاعة، والذي غضب له، ودافع عنه بمكّة، واستشهد في معركة أحد، ومثّل به تمثيلا لم يمثّل بأحد من القتلى، فاحتمل كلّ ذلك في صبر أولي العزم من الرّسل، ولكنّه لمّا دخل المدينة راجعا من أحد، ومرّ بدار بني عبد الأشهل، فسمع البكاء، ونوائح على قتلاهم، فحرّك ذلك في نفسه الشعور الإنسانيّ النبيل، فذرفت عيناه، ثمّ قال: «لكنّ حمزة لا بواكي له» «٦» .

стр. 566

ولكنّ هذا الشعور الإنسانيّ النبيل لم يستطع أن يقهر الشعور بمسؤوليّة النبوّة والدعوة والوقوف عند حدود الله، فقد روى أصحاب السّير أنّه لمّا رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير- ﵄ إلى دار بني عبد الأشهل أمر نساءهم أن يحتزمن، ثمّ يذهبن، ويبكين على عمّ رسول الله ﷺ ففعلن، ولمّا سمع رسول الله ﷺ بكاءهن على حمزة، خرج عليهنّ، وهنّ في باب المسجد يبكين، فقال: «ارجعن يرحمكنّ الله، فقد آسيتنّ بأنفسكنّ» . وروي أنّه قال: «ما هذا؟» فأخبر بما فعلت الأنصار بنسائهم، فاستغفر لهم، وقال لهم خيرا، وقال: ما هذا أردت، وما أحبّ البكاء» ونهى عنه «١» . وأدقّ من هذه المواقف كلّها موقف وقفه مع وحشيّ، قاتل أسد الله وأسد رسوله حمزة- ﵁ فلمّا فتح الله للمسلمين مكة، ضاقت عليه المذاهب، وفكّر في اللحوق بالشّام واليمن وببعض البلاد، وأظلمت عليه الدّنيا، فقيل له: ويحك إنّه رسول الله ﷺ ما يقتل أحدا من النّاس دخل في دينه، فتشهّد شهادة الحقّ، وقدم على رسول الله ﷺ فقبل منه الإسلام، ولم يفزعه، وسمع منه قصة قتل حمزة، فلمّا فرغ من حديثه تحرّك فيه ذلك الشعور الإنسانيّ الرقيق، من غير أن يزاحم طبيعة منصب النبوّة الرفيع، فيرفض إسلامه أو يثور فيه الغضب، فيقتله شفاء للنفس، ولم يزد أن قال: «ويحك غيّب عني وجهك، فلا أرينّك» ، قال وحشيّ: وكنت أتنكّب «٢» رسول الله ﷺ لئلّا يراني، حتّى قبضه الله ﷺ «٣» .

стр. 567

وفي رواية البخاريّ: فلمّا رآني قال: «أنت وحشيّ؟» . قلت: نعم. قال: «أنت قتلت حمزة؟» قلت: قد كان من الأمر ما بلغك. قال: «فهل تستطيع أن تغيّب وجهك عنّي؟» «١» . ومن مظاهر هذا الشعور الإنسانيّ الرقيق، والعاطفة النبيلة أنّه ﷺ انتهى إلى رسم قبر فجلس، وأدركته الرقّة، فبكى، وقال: «هذا قبر آمنة بنت وهب» ، وذلك حين مضت على وفاتها مدة طويلة «٢» . كرمه وحلمه: وقد كان رسول الله ﷺ إمام الخلق أجمعين، ومعلّمهم في حسن الخلق وكرم النفس، والتواضع، لقد قال الله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] ، وقد قال ﷺ : «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي» «٣» . وعن جابر ﵁ أنّ النّبي ﷺ قال: «إنّ الله بعثني لتمام مكارم

стр. 568

الأخلاق، وكمال محاسن الأفعال» «١» . وسئلت عائشة- ﵂ عن خلقه، فقالت: «كان خلقه القرآن» «٢» . وكان في العفو والحلم ورحابة الصدر وقوّة الاحتمال، حيث لا يبلغه ذكاء الأذكياء، وخيال الشعراء، ولو لم يرو عن طريق لا يتطرّق إليه شكّ، ولا ترتقي إليه شبهة، لما قبلته أذهان النّاس، ولكن روي بإسناد صحيح متّصل، ونقل عادل عن عادل، وتواتر، واستفاض ذلك، فكان أثبت من التاريخ الأمين، ونحن هنا نكتفي بقليل ممّا روي في هذا الباب. فمن كرمه ﷺ وعفوه عن أشد أعدائه، وإحسانه إليه أنّه «أتى عبد الله بن أبيّ «٣» - رأس المنافقين- بعد ما أدخل حفرته، فأمر به رسول الله ﷺ فأخرج، فوضعه على ركبتيه، ونفث فيه من ريقه، وألبسه قميصه» «٤» . وعن أنس بن مالك- ﵁ قال: «كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجرانيّ، غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيّ، فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النّبيّ ﷺ وقد أثّرت بها حاشية الرّداء من

стр. 569

شدّة جبذته، ثمّ قال: يا محمّد! مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفتّ إليه، فضحك، ثمّ أمر له بعطاء» «١» . وجاء زيد بن سعنة قبل إسلامه يتقاضاه دينا عليه، فجبذ ثوبه عن منكبه، وأخذ بمجامع ثوبه، وأغلظ له، ثمّ قال: إنّكم بني عبد المطلب مطل، فانتهره عمر، وشدّد له في القول، والنّبيّ ﷺ يبتسم، فقال رسول الله ﷺ : «أنا وهو كنّا إلى غير هذا أحوج منك يا عمر! تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي» ، ثمّ قال: «لقد بقي من أجله ثلاث» ، وأمر عمر أن يقضيه ماله، ويزيده عشرين صاعا لما روّعه، فكان سبب إسلامه «٢» . يقول أنس- ﵁: إنّ ثمانين رجلا من أهل مكّة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل «التنعيم» متسلّحين، يريدون غرّة النّبيّ «٣» ، فأخذهم سلما «٤» ، فاستحياهم «٥» . وعن جابر- ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة نجد، فأدركته القائلة، وهو في واد كثير العضاه «٦» ، فنزل تحت سمرة «٧» ، واستظلّ

стр. 570

بها، وعلّق سيفه، فتفرّق الناس في الشجر يستظلّون، وبينما نحن كذلك، إذ دعانا رسول الله ﷺ فجئنا، فإذا أعرابيّ قاعد بين يديه، فقال: «إنّ هذا أتاني وأنا نائم، فاخترط عليّ سيفي، فاستيقظت، وهو في يده قائم على رأسي مخترط صلتا، قال: من يمنعك منّي؟ قلت: الله! فشامه «١» ، ثم قعد، فها هو ذا جالس» ، قال: ولم يعاقبه رسول الله ﷺ «٢» . وقد كان حلمه يسع ما لا يسعه حلم الصحابة- وهم أصحاب حلم وأناة- وكان في كلّ ذلك معلّما رفيقا، ومصلحا رحيما. من ذلك ما رواه أبو هريرة- ﵁ قال: بال أعرابيّ في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النّبي ﷺ : «دعوه، وأريقوا على بوله سجلا من الماء، أو ذنوبا من ماء، فإنّما بعثتم ميسّرين، ولم تبعثوا معسّرين» «٣» . وعن معاوية بن الحكم قال: بينا أنا أصلّي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمّياه! ما شأنكم تنظرون إليّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلمّا رأيتهم يصمّتونني لكنّي سكتّ، فلمّا صلّى النّبيّ ﷺ فبأبي هو وأمّي، ما رأيت معلّما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فو الله ما نهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، فقال: «إنّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس،

стр. 571

إنّما هي التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن» «١» . ويقول أنس بن مالك- ﵁: «كان النّبيّ ﷺ رحيما، وكان لا يأتيه أحد إلّا وعده، وأنجز له، إن كان عنده، وأقيمت الصلاة، وجاء أعرابيّ، فأخذ ثوبه فقال: إنّما بقي من حاجتي يسيرة، وأخاف أن أنساها، فقام معه، حتّى فرغ من حاجته، ثمّ أقبل فصلّى» . ومن أمثلة قوّة احتماله، وسعة صدره، وعظم صبره، ما شهد به خادمه أنس بن مالك- ﵁ وقد كان حديث السنّ، قال: خدمت النّبيّ ﷺ عشر سنين فما قال لي: أفّ ولا لم صنعت، ولا ألا صنعت! «٢» . وروى سواد بن عمر، قال: أتيت النّبيّ ﷺ وأنا متخلّق، فقال: «ورس ورس، حطّ حطّ» ، وغشيني بقضيب في يده ببطني، فأوجعني، فقلت: القصاص يا رسول الله، فكشف لي عن بطنه، فأبيت القصاص «٣» . الحفاظ على أصالة الدين والغيرة على روحه وتعاليمه: وكان رسول الله ﷺ على رفقه ولين كنفه وقوّة احتماله وتغاضيه عن سقطات الناس وزلّاتهم- على حدّ لا يتصوّر فوقه- شديد الحفاظ على أصالة

стр. 572

الدين، شديد الغيرة على روحه وتعاليمه وعلى عقيدة التوحيد، شديد الحذر مما يعرّض أمّته لخطر التورّط في الأوهام والمغالاة، وتقديس الأشخاص، والعودة إلى الجاهليّة، لا تأخذه في ذلك هوادة، ولا تمنعه من الإنكار عليه مصالح قياديّة أو اعتبارات سياسيّة، وكان في ذلك يختلف عن قادة الجماعات والزعماء السياسيين اختلافا واضحا. ومن أوضح أمثلته ما وقع عند وفاة ابنه سيّدنا إبراهيم «١» ، فقد كسفت الشمس يوم موته، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فخطب رسول الله ﷺ فقال: «إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله- لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبّروا، وصلّوا وتصدّقوا» «٢» . ولو كان مكان رسول الله ﷺ في هذه المناسبة الحزينة العاطفيّة أيّ داع من الدعاة أو زعيم من الزعماء، أو قائد دعوة وحركة وجماعة كان أقلّ مواقفه من هذا التعليق أو التفسير للحادث السكوت، لأنّه كان في صالح دعوته وحركته، ولأنّه يضفي على شخصه وأسرته ما يستطيع أن يستعين به في بسط نفوذه على قلوب النّاس وعقولهم، وتقوية ثقتهم به، وإعجابهم له، وذلك شيء يتمناه قادة الشعوب والجماعات، ومنشئو الدّول والحكومات، ويعملون له ألف حيلة، وقد هيّأ الله له ذلك من طريق الغيب، فلا عليه إن سكت. ولكنّه ﷺ لم يحتمل سماع هذا الكلام، ولم يسكت عليه لدقيقة، بل بادر إلى إزالة هذا الوهم الذي يجرّ إلى إفساد العقيدة، وربط الحوادث الكونيّة، وسنن الله تعالى في خلقه بما يقع لأفراد البشر، ولو كانوا من الأنبياء

стр. 573

أو أولادهم وأفراد أسرهم من ولادة وموت وصحّة ومرض، وذلك مدخل قديم، دخل منه الشّرك وتقديس العباد في الأمم السابقة، فنفى هذا الأسلوب من التفكير الجاهليّ، وأوضح الحقيقة، وشرع لذلك صلاة مخصوصة- هي صلاة الخسوف- لتوثيق الصلة بالله تعالى وعبادته واقتلاع هذه الجرثومة الجاهليّة من النفوس والعقول. وكذلك لم يسعه السكوت حين قال رجل: ما شاء الله وشئت، فقال ﷺ : «أجعلتني لله ندّا» ، وقال رجل- وهو يخطب-: «من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى» ، فقال: «بئس خطيب القوم أنت» «١» . وفي هذه المواقف يتجلّى «الموقف النبويّ» وما يمتاز به الأنبياء عن القادة والزعماء وعظاماء البشر، من تجرّد عن الأنانيّة، واستغلال الحوادث وضعف العقول في صالحهم، والسماح للمدح والإطراء «٢» ، ولو تخطّى الحدود، وكان رسول الله ﷺ إمام الأنبياء في ذلك والأسوة الكاملة، وقد قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنّما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» «٣» .

стр. 574

تواضعه ﷺ : أمّا تواضعه ﷺ فقد بلغ الغاية فيه، فلم يكن يحبّ التمييز في شيء، ولا أن يقوم له النّاس، وأن يبالغوا في مدحه، فيطروه، كما أطرت الأمم السابقة أنبياءها، أو أن يرفعوه من منزلة العبوديّة والرسالة. قال أنس: لم يكن شخص أحبّ إلينا من رسول الله ﷺ ، وكنّا إذا رأيناه لم نقم له لما نعلم من كراهيته لذلك «١» . وقيل له: يا خير البريّة! فقال: «ذاك إبراهيم- ﵇» «٢» . وروي عن عمر بن الخطّاب- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنّما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» «٣» . وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ لا يستنكف أن يمشي مع العبد، ولا مع الأرملة، حتّى يفرغ لهم من حاجتهم «٤» . وعن أنس قال: كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النّبيّ ﷺ فتنطلق به حيث شاءت «٥» .

стр. 575

ولمّا قدم عليه عديّ بن حاتم الطائيّ، دعاه إلى منزله فألقت إليه الجارية وسادة يجلس عليها، فجعلها بينه وبين عديّ، وجلس على الأرض. قال عديّ: فعرفت أنّه ليس بملك «١» . وعن أنس- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد «٢» . وعن جابر- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يتخلّف في المسير فيزجي «٣» الضعيف ويدعو له «٤» . وعن أنس- ﵁ أنّه كان ﷺ يدعى إلى خبز الشعير والإهالة «٥» السّنخة «٦» ، فيجيب «٧» .

стр. 576

وروي عنه أنّه قال: «إنّما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» «١» . ويقول عبد الله بن عمرو بن العاص: «دخل عليّ رسول الله ﷺ فألقيت له وسادة من أدم حشوها ليف، فجلس على الأرض، وصارت الوسادة بيني وبينه» «٢» . وكان ﷺ يقمّ «٣» البيت، ويعقل البعير، ويعلف ناضحه «٤» ، ويأكل مع الخادم، ويعجن معها، ويحمل بضاعته من السوق «٥» . شجاعته وحياؤه: وقد كان يجمع بين الحياء والشجاعة، وقد اعتبرهما كثير من الناس من الأضداد. أمّا الحياء فقد روي عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ أنّه كان أشدّ حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه «٦» ، وكان

стр. 577

يمنعه الحياء عن أن يواجه أحدا بما يكرهه، فيكل ذلك إلى غيره. روى أنس- ﵁ أنّه كان عنده ﷺ رجل له أثر صفرة «١» ، فكان ﷺ لا يكاد يواجه! أحدا بشيء يكرهه، فلمّا قام، قال للقوم: «لو قلتم له: يدع هذه الصّفرة» «٢» . وعن عائشة- ﵂ قالت: كان النّبيّ ﷺ إذا بلغه عن أحد ما يكرهه، لم يقل ما بال فلان يقول كذلك، ولكن يقول: «ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا» ينهى عنه، ولا يسمّي فاعله «٣» . أمّا الشّجاعة، فناهيك بشهادة عليّ فارس الفرسان، وفتى الفتيان، قال ﵁: إنّا كنّا إذا اشتدّ البأس، واحمرّت الحدق، اتقينا برسول الله ﷺ فما يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه، ولقد رأيتني يوم بدر، ونحن نلوذ بالنّبيّ ﷺ وهو أقربنا إلى العدوّ «٤» . يقول أنس- ﵁: كان النّبيّ ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصّوت، فاستقبلهم النّبيّ ﷺ قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: «لن تراعوا لن تراعوا» ، وهو على فرس لأبي طلحة عري، ما عليه سرج، وفي

стр. 578

عنقه السيف، فقال: «لقد وجدته بحرا، أو إنّه لبحر» «١» . وقد ثبت في معركة أحد، ويوم حنين، حين انكشف عنه الشجعان، وخلا الميدان، وهو ثابت على بغلته، كأن لم يكن شيء، ويقول: [من مجزوء الرجز] أنا النبيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب رأفة عامة ورحمة واسعة: وكان مع شجاعته هذه: رقيق القلب، سريع الدمعة، يرقّ للضعفاء، ويرحم الحيوانات والدوابّ، ويوصي بالرفق بها. يروي عنه شدّاد بن أوس، فيقول: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة، وليحدّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» «٢» . وروي عن ابن عباس- ﵄ أنّ رجلا أضجع شاة وهو يحدّ شفرته، فقال النّبيّ ﷺ : «أتريد أن تميتها موتتين؟ هلّا حددت شفرتك قبل أن تضجعها» «٣» ؟. وقد أوصى أصحابه بالإحسان في علف الدابّة وسقيها، وعدم إرهاقها

стр. 579

وتكليفها ما لا تطيق، وعدم اتخاذها غرضا. ونوّه بما في إزالة الكربة عن الحيوانات وإراحتهم من الأجر والثواب والقرب عند الله. روي عن أبي هريرة- ﵁ قال: «بينما رجل يمشي بطريق اشتدّ عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثّرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ منّي، فنزل البئر فملأ خفّه ماء، ثمّ أمسكه بفيه حتّى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له» . قالوا: يا رسول الله! وإنّ لنا في البهائم أجرا؟ فقال: «في كلّ كبد رطبة أجر» «١» . وعن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «عذّبت امرأة في هرّة لم تطعمها، ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش «٢» الأرض» «٣» . وعن سهل بن عمرو (وقيل سهل بن الربيع بن عمرو) قال: مرّ رسول الله ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: «اتّقوا الله في هذه البهائم

стр. 580

المعجمة! فاركبوها صالحة وكلوها صالحة» «١» . وعن عبد الله بن جعفر- ﵄ قال: دخل رسول الله ﷺ حائطا لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل، فلمّا رأى رسول الله ﷺ حنّ وذرفت عيناه، فأتاه النّبيّ ﷺ فمسح سراته «٢» ، وذفراه، فسكن، فقال: «من ربّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟» فجاء فتى من الأنصار، فقال: هذا لي يا رسول الله، قال: «أفلا تتّقي الله في هذه البهيمة التي ملّكك الله إياها؟ فإنه يشكو إليّ أنّك تجيعه وتدئبه» «٣» «٤» . وروى أبو هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سافرتم في الخصب؛ أعطوا الإبل حظّها من الأرض، وإذا سافرتم بالجدب، فأسرعوا عليها السير، وبادروا بها نقيها، وإذا عرّستم فاجتنبوا الطريق، فإنّها طريق الدوابّ ومأوى الهوام بالليل» «٥» . وعن ابن مسعود- ﵁ قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمّرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجعلت تعرّش، فجاء النّبيّ ﷺ فقال: «من فجع هذه بولدها، ردّوا ولدها إليها» .

стр. 581

ورأى قرية نمل قد حرقناها، قال: «من حرق هذه؟» فقلنا: نحن، قال: «إنّه لا ينبغي أن يعذّب بالنار إلا ربّ النار» «١» . هذا فضلا عمّا أوصاه للخادم والأجير، وهما بشر من البشر، ولهما فضل على السّيد والمستأجر، فقد أوصى ﷺ بالخدم والعبيد خيرا. روى جابر بن عبد الله- ﵁ أنّ النّبي ﷺ كان يوصي بالمملوكين خيرا، ويقول: «أطعموهم ممّا تأكلون، وألبسوهم من لبوسكم، ولا تعذّبوا خلق الله ، إنّ إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه ممّا يأكل، وليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم» «٢» . وروي عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: جاء أعرابيّ إلى النّبي ﷺ فقال: يا رسول الله! كم أعفو عن الخادم كلّ يوم؟ قال: «سبعين مرة» «٣» . وعن ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه» «٤» .

стр. 582

أسوة كاملة وقدوة عامة: ونختم هذا الفصل بقطعة جميلة نقتبسها من كتاب «الرسالة المحمديّة» «١» لمؤلّف السيرة النبويّة الشهير، أستاذنا العلامة سليمان النّدوي «٢» ، ذكر فيها كيف كان النّبيّ ﷺ أسوة لجميع طبقات البشر، ويصلح أن يكون قدوة لجميع أفراد بني آدم، على اختلاف صنائعهم ومهنهم وظروفهم وبيئاتهم في كلّ زمان، يقول- رحمة الله-: «لقد مثّلت حياة النّبيّ ﷺ أعمالا كثيرة متنوعة، بحيث تكون فيها الأسوة الصالحة، والمنهج الأعلى، للحياة الإنسانيّة في جميع أطوارها؛ لأنها جمعت بين الأخلاق العالية والعادات الحسنة، والعواطف النبيلة المعتدلة، والنوازع العظيمة القويمة. إذا كنت غنيّا مثريا، فاقتد بالرسول ﷺ عند ما كان تاجرا يسير بسلعه بين الحجاز والشام، وحين ملك خزائن البحرين. وإن كنت فقيرا معدما فلتكن لك أسوة به وهو محصور في شعب

стр. 583

أبي طالب، وحين قدم إلى المدينة مهاجرا إليها من وطنه، وهو لا يحمل من حطام الدّنيا شيئا. وإن كنت ملكا فاقتد بسننه وأعماله حين ملك أمر العرب، وغلب على آفاقهم، ودان لطاعته عظاماؤهم وذوو أحلامهم. وإن كنت رعية ضعيفا، فلك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة أيام كان محكوما بمكة في نظام المشركين. وإن كنت فاتحا غالبا، فلك في حياته نصيب أيّام ظفره بعدوّه في بدر وحنين ومكة. وإن كنت منهزما- لا قدّر الله ذلك- فاعتبر به في يوم أحد وهو بين أصحابه القتلى ورفقائه المثخنين بالجراح. وإن كنت معلّما، فانظر إليه وهو يعلّم أصحابه في صحن المسجد. وإن كنت تلميذا متعلّما، فتصوّر مقعده بين يدي الروح الأمين جاثيا مسترشدا. وإن كنت واعظا ناصحا ومرشدا أمينا، فاستمع إليه وهو يعظ الناس على أعواد المسجد النبويّ. وإن أردت أن تقيم الحقّ وتصدع بالمعروف، وأنت لا ناصر لك ولا معين، فانظر إليه وهو ضعيف بمكة، لا ناصر ينصره، ولا معين يعينه، ومع ذلك فهو يدعو إلى الحقّ ويعلن به. وإن هزمت عدوّك وخضدت شوكته، وقهرت عناده، فظهر الحقّ على يديك، وزهق الباطل، واستتبّ الأمر، فانظر إلى النّبيّ ﷺ يوم دخل مكة، وفتحها.

стр. 584

وإن أردت أن تصلح أمورك، وتقوم على ضياعك، فانظر إليه ﷺ وقد ملك ضياع بني النّضير وخيبر، وفدك، كيف دبّر أمورها، وأصلح شؤونها، وفوّضها إلى من أحسن القيام عليها. وإن كنت يتيما، فانظر إلى فلذة كبد آمنة وزوجها عبد الله، وقد توفيا وابنهما صغير رضيع. وإن كنت صغير السنّ، فانظر إلى ذلك الوليد العظيم حين أرضعته مرضعته الحنون حليمة السّعديّة. وإن كنت شابّا فاقرأ سيرة راعي مكة. وإن كنت تاجرا مسافرا بالبضائع، فلاحظ شؤون سيّد القافلة التي قصدت «بصرى» . وإن كنت قاضيا أو حكما فانظر إلى الحكم الذي قصد الكعبة قبل بزوغ الشمس ليضع الحجر الأسود في محلّه، وقد كاد رؤساء مكة يقتتلون، ثمّ أرجع البصر إليه مرة أخرى، وهو في فناء مسجد المدينة يقضي بين الناس بالعدل، يستوي عنده منهم الفقير المعدم، والغنيّ المثريّ. وإن كنت زوجا فاقرأ السيرة الطاهرة، والحياة النزيهة لزوج خديجة وعائشة. وإن كنت أبا أولاد، فتعلّم ما كان عليه والد فاطمة الزهراء، وجدّ الحسن والحسين ﵄. وأيّا من كنت، وفي أيّ شأن كان شأنك، فإنّك مهما أصبحت أو أمسيت، وعلى أيّ حال بتّ أو أضحيت، فلك في حياة محمد ﷺ هداية حسنة، وقدوة صالحة تضيء لك بنورها دياجي الحياة، وينجلي لك بضوئها

стр. 585

ظلام العيش، فتصلح ما اضطرب من أمورك، وتثقف بهديه أودك، وتقوّم بسننه عوجك. وإنّ السيرة الطيبة الجامعة لشتّى الأمور هي ملاك الأخلاق، وجماع التعاليم، لشعوب الأرض، وللناس كافّة، في أطوار الحياة كلّها، وأحوال الناس على اختلافها وتنوّعها، فالسيرة المحمديّة نور للمستنير، وهديها نبراس للمستهدي، وإرشادها ملجأ لكلّ مسترشد «١» .

стр. 586

الفصل السابع فضل البعثة المحمّدية على الإنسانيّة ومنحها العالميّة الخالدة أ- فضل البعثة المحمدية على الإنسانية: إعلان فريد في تاريخ الرسالات والديانات قيمة الرحمة التي اقترنت بالبعثة المحمدية البعثة المحمدية أنقذت النوع البشريّ من الشقاء مهمة النبوّة ودورها في الإنقاذ والإسعاد ب- العالم الجديد في حساب البعثة المحمدية ومنحها: منح البعثة المحمدية عقيدة التوحيد النقية الواضحة مبدأ الوحدة الإنسانية والمساواة البشرية إعلان كرامة الإنسان وسموّه محاربة اليأس والتشاؤم وبعث الأمل والرجاء الجمع بين الدين والدنيا تعيين الأهداف والغايات وميادين العمل والكفاح * ولادة عالم جديد وإنسان جديد

стр. 587

فضل البعثة المحمّديّة على الإنسانيّة ومنحها العالميّة الخالدة «١» أ- فضل البعثة المحمدية على الإنسانية ١- إعلان فريد في تاريخ الرسالات والديانات: قال الله تعالى مخاطبا لنبيّه محمد ﷺ : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] ، هذا إعلان فريد من نوعه، جاء في كتاب خالد قدّر الله له أن يتلى في كلّ مكان وزمان، ويبلغ عدد قرائه ملايين الملايين، وقال عنه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] . إنّ سعة هذا الإعلان، وإطاره الكبير، ومساحته بحساب الزمان والمكان، تجعلان هذا الإعلان خارقا للعادة، لا يمكن أن يمرّ به الإنسان

стр. 588

الواعي مرورا عابرا سريعا، فإنّ مساحته الزمنيّة تحوي جميع الأجيال، والأدوار التاريخيّة التي تتلو البعثة المحمدية، ومساحته المكانيّة تسع العالم كلّه، فإنّ الله لم يقل: إنّنا أرسلناك رحمة لجزيرة العرب، أو للشرق أو الغرب أو لقارّة مثل آسيا مثلا، بل إنّه قال: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] . الحقّ أنّ سعة هذا الإعلان وشموله، وعظمته وسموّه، واستمراره وخلوده، كلّ ذلك يقتضي أن يقف عنده مؤرّخو العالم وفلاسفته، ونوابغه وأذكياؤه حيارى مشدوهين، بل يقف أمامه الفكر الإنسانيّ كلّه حائرا مشدوها، وينقطع إليه كلّيا- ردحة من الزمان- يبحث في مدى صدق هذا الإعلان، أو صحة هذا الواقع، لأنّنا لم نجد في تاريخ الأديان والنّحل، وفي تاريخ الحضارات والفلسفات وتاريخ الحركات الإصلاحيّة والمحاولات الثوريّة، بل في تاريخ العالم كلّه، وفي المكتبة الإنسانيّة بأسرها مثل هذا الإعلان المحيط بالكون كلّه، والأجيال البشريّة كلّها، والأدوار التاريخيّة بأجمعها، حول أيّ شخصيّة من شخصيّات العالم، حتّى إنّ خلاصة تعاليم الأنبياء السابقين، ونبذة من أحوالهم وسيرتهم الّتي وصلت إلينا هي أيضا مجرّدة عن مثل هذا الإعلان. أمّا اليهوديّة- وهي ديانة قديمة مشهورة- فإنّها تنظر إلى الله كربّ بني إسرائيل، وإله بني إسرائيل في الغالب. إنّ صحف العهد القديم، والكتب المقدسة الدينيّة عند اليهود تخلو عن ذكر الله كربّ العالمين، وربّ الكون بتاتا، ولذلك فالبحث في سيرة نبيّ من أنبيائهم، مثل موسى وهارون، أو داود وسليمان، عن مثل هذا الإعلان، عبث وإضاعة وقت، فإنّ هذه الديانة لم تكن- في أيّ مرحلة من مراحلها- رسالة رحمة ومساواة للجيل الإنسانيّ

стр. 589

كلّه من غير تمييز عنصريّ ولم تشجّع فيها الدعوة إلى هذه الديانة خارج شعب إسرائيل أبدا «١» . أمّا المسيحيّة التي عرفت بتسامحها وحماسها للدعوة، وعطفها على الإنسانية، فقد جاء في الإنجيل تصريح- والعهدة على الكتاب- بأنّ المسيح صرّح بأنّه لم يبعث إلا ليرعى خراف بني إسرائيل الضالة «٢» ، وحين لفت نظره إلى بعض المرضى الذين لم تكن لهم صلة رحم ونسب ببني إسرائيل اعتذر وقال: «إنّي لست ذلك الرجل الذي يعطي خبز الأولاد للكلاب» «٣» . أمّا الدّيانات الشرقيّة والآسيويّة الآخرى، وخاصة الهندوكيّة، فإنّها لا تختلف كثيرا عن النموذج السابق، بل إنّها تسبق الديانات السابقة أحيانا في تقديس النّسب والسلالة، وتوزيع النّاس في طبقات توزيعا ظالما جائرا، لا يعرف اللين والمرونة. فقد كان المنبوذون في المجتمع الهنديّ محرومين من كلّ نوع من التكريم والشرف والمساواة، ومن أولى حقوق الإنسان، وأبسط مبادىء الإنسانيّة، لا يجوز لهم تحصيل العلم، والتعليم، والتدريس، والتطلّع إلى الهضبة الروحية. فقد خصّ دراسة «ويدا» وتقديم القرابين، والنذر لآلهتهم وأوثانهم بالبراهمة فحسب «٤» ، وكان النظر في كتب «ويدا» ودراستها مقصورا على

стр. 590

فئة الشتري والويش «١» ، وقد صرّح «منوشاستر» أنّ المنبوذين لم يخلقهم الله إلّا لغرض واحد، وهو خدمة الطبقات الثلاث التي مضى ذكرها «٢» . إنّ أهل الهند القدامى لم يكونوا يعرفون وراء جبال «هملايا» دنيا، لا صلة لهم بالعالم الخارجيّ، وبالشعوب الآخرى، ولا رغبة لهم في الإطلال عليها، لذلك فإنّ البحث عن مثل هذا الإعلان عن نبيّ أو وليّ أو مصلح فيهم عبث وإضاعة جهد ووقت. الحقيقة أنّ البحث عن نبيّ يكون رحمة للعالمين في ديانة لا تحمل عقيدة «ربّ العالمين» غير معقول وغير منطقيّ. ٢- قيمة الرحمة التي اقترنت بالبعثة المحمديّة كما وكيفا: إنّ لتقدير شيء، ووضعه في محلّه المناسب ومكانه اللائق مقياسين بصورة عامّة: الأوّل: مقداره وحجمه الذي يعبّر عنه في المصطلح الحديث بالكميّة.) Quantity ( والثاني: جوهره ووصفه الذي يقال له الكيفية.) Quality ( وهذا الإعلان الذي نادى به القرآن يشمل هذين النوعين، ويجمع بين الناحيتين، فإنّ بعثته ﷺ وشخصه العظيم، وتعاليمه السامية الخالدة أفاضت على الإنسانيّة مسحة جديدة من الحياة والنشاط، وكانت السبب المباشر في شفائها من أسقامها وعلّاتها، وفي حلّ معضلاتها، ونهاية آلامها وأحزانها، وهطول أمطار الرحمة والبركة، واليمن والسعادة، والخير

стр. 591

والفلاح على أرضها المجدبة القاحلة، وكانت هذه المعطيات المحمديّة الغالية منقطعة النظير بحساب السعة والوفرة، والحجم والكميّة) Quantity (وبحساب النفع والإفادة والجوهر والكيفية) Quality (أيضا. (الرّحمة) لفظ شاع استعماله في حياتنا اليوميّة، وهو يطلق على كلّ شيء ينال به الإنسان نفعا وراحة، أمّا أنواع الرحمة وأقسامها، ودرجاتها ومدارجها، فلا حصر لها، يقدّم أحدنا الماء البارد إلى أخيه العطشان، ويدلّ المسافر والغريب على الطريق، ويحرّك له المروحة في يوم صائف شديد الحرّ، الأمّ تحنو على طفلها، الأب يربّي ولده ويعلّمه، ويزوّده بحاجيات الحياة، المدرّس يدرّس تلاميذه، ويمنحهم ما عنده من نعمة العلم، وهكذا إطعام الجائع المسكين، وإكرام الضيف، وكساء العريان، كلّ ذلك من مظاهر الرحمة العامة، وألوانها المختلفة الزاهية، وهي تستحقّ منّا كلّ تقدير، واعتراف، وشكر. ولكنّ أكبر مظهر من مظاهر الرحمة، وأروع صورة من صورها الجميلة أن ينقذ أحدنا أخاه من مخالب الموت، هناك طفل صغير بريء نراه في حالة الاحتضار، كاد يلفظ نفسه الأخير، الأمّ تقف إلى جواره تبكي، قد أظلمت الدّنيا في ناظريها، وانقطع أملها في فلذة كبدها، ومأوى حنانها وحبّها، الأب يسعى هنا وهناك هائما على وجهه، فلا يجد راقيا وأنيسا، هنالك يأتي طبيب حاذق، كما ينزل الملك من السماء ويقول مهلا.. لا داعي للقلق، ولا موجب لليأس، ولا يلقي في فم الطفل قطرات قليلة من الدواء حتّى يفتح عينيه وينشط. تصوّر ماذا يقال لهذا الطبيب؟ ألا يقال له: أنّه ملك الرحمة، أرسله الله لإنقاذ هذا الطفل، وإعادة الحياة إليه؟ هنالك تتلاشى كلّ هذه الأنواع من

стр. 592

الرحمة التي قدمناها أولا، وتذوب أمام هذا المظهر الرائع الأخّاذ من الرحمة، إنها ليست منّة على الطفل فقط، بل على أسرته كلّها. نرى أعمى يمشي متوكّئا على عصاه، قد شارف هوّة عميقة أو بئرا، قد تكون خطوته التالية خطوة الموت، فيهرول إليه عبد من عباد الله ويأخذ بحجزه، ويمنعه عن الوقوع في هذه الهوّة، أفلا نسمّيه ملك الرحمة؟ هذا شابّ يافع، قرّة عين أبويه، وكفيل عائلته الفقيرة، قد أشرف على الغرق في نهر فائض يحاول أن يطفو على الماء، ولكن بدون جدوى، فيقفز إليه رجل مجازفا بحياته، ويأخذ به إلى ساحل النجاة، فيحمله ربّ الأسرة أو إخوة هذا الشاب على أعناقهم، ويضمّونه إلى صدورهم بحرارة وحبّ، ولا ينسون فضله على أسرتهم الصغيرة مدى الدهر، ترى هل تساوي مظاهر الرحمة الأولى هذه الرحمة العظيمة الغالية؟!!. ٣- البعثة المحمدية أنقذت الجيل البشري من الشقاء والهلاك: ولكنّ آخر مظهر من مظاهر الرحمة وقيمتها وذروة سنامها، هي أن ينقذ رجل الإنسانيّة كلّها من الهلاك، وهناك فرق عظيم بين هلاك وهلاك، وبين خطر وخطر، ذلك هلاك محدود سطحيّ، وخطر عابر قد يزول، وهذا هلاك أبديّ، وخطر مستمرّ لا يزول، لذلك فإنّ رحمة الأنبياء بالنوع البشريّ لا تقاس أبدا على هذه الرحمات، رغم أهميّتها وعظمتها. إنّ أمامنا بحرا هائجا مائجا من الحياة لم يلتقم الأفراد والآحاد فحسب، بل إنّه ابتلع الأمم والبلاد، وهضم الحضارات والمدنيّات، ترتفع أمواجه العاتية الهائلة، كأفواه التماسيح الفاغرة، وتنقضّ على الجماعات البشريّة كالأسد الضاري، والمشكلة أنّه كيف نعبر هذا البحر الهادر الزاخر الذي لا يعرف الرحمة؟، وكيف ننزل بسفينة الإنسانية على برّ الأمان؟.

стр. 593

ولا يكون صاحب الفضل الأكبر في هذا المجال، ولا يعتبر أكبر منقذ للإنسانيّة، وصاحب المنّة عليها، والإحسان إليها، إلّا من يجدّف هذه السفينة، التي تلعب بها العواصف الهوجاء والأمواج الهائلة كالجبال، والتي غاصت بركّابها، وغاب الملّاح والرّبّان، ثمّ يوصلها بسلامة إلى ساحل النجاة؟!! إنّ النوع البشريّ شاكر لهؤلاء الذين منحوه هدية العلم، ويشكر هؤلاء الذين جمعوا له هذه الأكداس من المعلومات، ويشكر الذين هيّؤوا له كلّ هذه التسهيلات، وزوّدوه بوسائل الراحة والرخاء، وذلّلوا صعاب الحياة، واقتحموا عقباتها وشعابها، إنّه لا يبخس حقّ أحد من هؤلاء، ولا ينكر فضلهم عليه، ولكنّ قضيّته الكبرى، ومشكلته الأولى هي أنّه كيف ينفذ نفسه من أعدائه الذين وقفوا له بالمرصاد، وأحاطوا به من كلّ جانب، وكيف يصل بسفينته إلى برّ السلامة والأمان؟!. فما هي أمواج هذا البحر، وما هي تماسيحه الضّارية الشّرسة؟ إنّها الجهل عن خالق هذا الكون وربّ العالمين، وعن صفاته العليا، وأسمائه الحسنى، والوقوع في حبائل الشرك والوثنيّة، وعبادة الأصنام، والاسترسال مع الخرافات والأوهام، إنّها بلادة حسّ الإنسانيّة، وذهولها عن نفسها، وغفلتها عن خالقها وبارئها. إنّها عبادة المادّة والمعدة، وتعدّي الحدود، وانتهاك الحرمات، وسورة النفس الأمارة بالسوء، والتهرّب من أداء الواجبات والحقوق، والإصرار على المنافع والحظوظ. إنّ أكبر خطر على الإنسانيّة أن يحدث في بنائها خلل، وتحيد لبنتها الأساسيّة عن مكانها الصحيح، فينسى الإنسان قيمته ومداركه، وغاية

стр. 594

حياته، ويظنّ نفسه ذئبا مفترسا، أو أفعى، أو ثعبانا، فحين يذهل الإنسان عن هذه الحقائق الكبرى يتحوّل بحر هذه الحياة إلى نار متأجّجة، ولهب مرتفع، هنالك يزدرد الإنسان أخاه، ويفترسه، ولا يحتاج إلى الثعابين، والعقارب، والذئاب، والفهود.. فقد ينقلب الإنسان أكبر ذئب في هذه الغابة الإنسانية.. تخجل أمامه الذئاب، ويتحوّل شيطانا ماردا، تستحي منه الشياطين، هنالك يحترق الإنسان، ويشوى في ناره التي أشعلها بنفسه، ولا يحتاج إلى أن يستوردها من الخارج. في هذه الفترة الرهيبة المظلمة تهبّ نفحة من نفحات الرحمة الإلهيّة، وتنتعش رفات الإنسانيّة الخامدة الهامدة، وتزوّدها بملّاحين يجدّفون سفينتها بنجاح ومهارة. ٤- مهمّة النبوة ودورها في الإنقاذ والإسعاد وطبيعة عمل الأنبياء: وأضرب- لتوضيح مهمّة النبوّة، وطبيعة عمل الأنبياء- مثلا سوف نفهم به مهمّة النبوّة وموقفها من غير دلائل فلسفية دقيقة. يحكى أنّ فريقا من تلاميذ المدارس ركبوا سفينة للنزهة في البحر، أو للوصول إلى البرّ، وكان في النفس نشاط وفي الوقت سعة، وكان الملّاح المجدّف الأميّ خير موضوع للدعابة والتّندّر، وخير وسيلة للتلهّي، وترويح النفس، فخاطبه تلميذ ذكيّ جريء، وقال: يا عمّ، ماذا درست من العلوم؟ قال الملّاح: لا شيء يا عزيزي! قال: أما درست العلوم الطبيعيّة يا عمّي؟ قال: كلّا وما سمعت بها.

стр. 595

وتكلّم أحد التلاميذ، فقال: ولكنّك لا بدّ درست الأقليدس والجبر والمقابلة! قال: وهذا أغرب، وتصدّقون أنّي أوّل مرّة أسمع هذه الأسماء الهائلة الغريبة. وتكلّم ثالث «شاطر» فقال: ولكنّي متأكّد من أنّك درست الجغرافية والتاريخ؟ فقال: هل هما اسمان لبلدين، أو علمان لشخصين؟ وهنا لم يملك الشباب نفوسهم المرحة، وعلا صوتهم بالقهقهة، وقالوا: ما سنّك يا عمّ؟ قال: أنا في الأربعين من سنّي. قالوا: ضيّعت نصف عمرك يا عمّنا. وسكت الملّاح الأمّيّ على غصص ومضض، وبقي ينتظر دوره والزمان دوّار. وهاج البحر وماج، وارتفعت الأمواج، وبدأت السفينة تضطرب والأمواج فاغرة أفواهها لتبتلعها، واضطرب الشباب في السفينة- وكانت أوّل تجربتهم في البحر- وأشرفت السفينة على الغرق. وجاء دور الملّاح الأميّ، فقال في هدوء ووقار: ما هي العلوم التي درستموها يا شباب؟ وبدأ الشباب يتلون قائمة طويلة للعلوم والآداب التي درسوها في الكليّة، ويتوسّعون فيها في الجامعة، من غير أن يفطنوا لغرض الملّاح الجاهل، الحكيم، ولمّا انتهوا من عدّ العلوم المرعبة أسماؤها، قال في

стр. 596

وقار تمزجه نشوة الانتصار: لقد درستم يا أبنائي هذه العلوم الكثيرة، فهل درستم علم السّباحة؟ وهل تعرفون إذا انقلبت هذه السفينة- لا قدّر الله- كيف تسبحون وتصلون إلى الساحل بسلام؟ قالوا: لا والله يا عمّ، هو العلم الوحيد الذي فاتتنا دراسته والإلمام به. هنالك ضحك الملّاح وقال: إذا كنت ضيّعت نصف عمري، فقد أتلفتم عمركم كلّه، لأنّ هذه العلوم لا تغني عنكم في هذا الطوفان، إنّما كان ينجدكم العلم الوحيد، هو علم السباحة الذي تجهلونه «١» . هذه مهمّة النبوّة ودورها في إنقاذ البشريّة المشرفة على الغرق، وهذه طبيعة عمل الأنبياء والرسل، وامتيازه عن سائر أصناف التعليم والتربية، والترويح والتسلية، يمنحون الجيل البشريّ «علم النجاة» ويعلمونه فنّ السباحة، وتجديف سفينة الحياة. إنّ التاريخ الإنسانيّ يدلّ دلالة واضحة على أنّه لما غرقت سفينة الحياة لفساد أخلاق الناس، وسيّئات أعمالهم، غرقت بكلّ ما فيها من مجموعة بشرية، ورصيد حضاريّ، ومحصول فكريّ، وإنتاج علميّ وفلسفيّ، وبكلّ ما فيها من روائع الشعر والأدب والبيان، وأنّ هذه السفينة لم تغرق أبدا من أجل الانحطاط الأدبيّ، وقلّة المدارس والجامعات، وفقدان التعليم العالي، أو من قلّة المال وانخفاض مستوى المعيشة، إنّها غرقت لأنّ الإنسان أعدّ نفسه للانتحار، إنّه صار معولا هداما لذلك البناء الذي فيه متاعه وأهله.

стр. 597

إنّ التاريخ يدلّنا على أنّ الفكر الإنسانيّ أصيب في كثير من الأحيان بنوبات عصبيّة دفعته إلى التدمير والإبادة، بدلا من التعمير والبناء، فقد رأينا مستغربين مأخوذين بالحيرة والدهشة، ورأينا بأمّ أعيننا، ونحن لا نكاد نصدّق هذا الواقع لهول المنظر وبشاعة الوضع، أنّ الإنسان قام يهدم أساسه بكلّ قوّة وحماس، ذلك الأساس الذي قام عليه صرحه الحضاريّ والفكريّ العظيم، وظلّ مشتغلا بهذه العمليّة المجنونة بكلّ شوق ورغبة، كأنّها عملية بنّاءة ومأثرة إنسانية رائعة، وخدمة ممتازة، وصار يلحّ على الوقوع في خندق الموت، وقد تملّكته السامة من الحياة، واستبدّ به الشوق إلى الهلاك، كأنّ الحياة عذاب وجحيم، والهلاك جنة ونعيم. ٥- تصوير العصر الجاهلي وتهيؤه للانهيار والانتحار: ذلك هو الوضع الذي ساد على العالم في القرن السادس المسيحيّ، فإننا نجد هناك استعدادات عامة للانتحار الاجتماعيّ العام، لم يكن النوع البشريّ في ذلك الزمان راضيا بالانتحار فحسب، بل كان يتساقط عليه، ويتهالك فيه، كأنّه نذر به وحلف، فيريد أن يفي بنذره ولا يحنث في قسمه، ولقد صوّر القرآن العظيم هذا المنظر وهذا الوضع تصويرا دقيقا، لا يصوّره أيّ رسّام أو أديب، أو روائيّ أو مؤرّخ: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها [آل عمران: ١٠٣] . رحم الله المؤرّخين، فإنّهم لم يصوّروا الجاهلية حين سردوا لنا وقائع البعثة المحمديّة تصويرا دقيقا، وهم معذورون ومأجورون، مثابون ومشكورون، فإنّ ذخيرة الأدب واللغة لا تسعفهم كلّ الإسعاف، الحقيقة أنّ هذا الوضع في قمّة من الهيبة والفظاعة، وفي منتهى الدّقة والتعقيد، لا يمكن

стр. 598

وصفه بريشة قلم، والتعبير عنه بأيّ قدرة بيانيّة، وصلاحيّة لغوية. هل كان العصر الجاهليّ- الذي بعث فيه محمد ﷺ قضية انحطاط اجتماعيّ أو خلقيّ، هل إنّه كان قضية وثنيّة مجردة، أو قضيّة خمر وقمار، وعبث واستهتار، أو ظلم واستبداد، قضية قوانين اقتصادية جائرة، وتعسف الحكام الغاشمين، هل إنّه كان قضية وأد البنات، كلّا، إنّه كان قضية وأد الإنسانية كلّها. لقد انتهى هذا الدور، وانقرض هذا الجيل، وغاب هذا التصوير البشع عن أعين الناس، فكيف نعيده ونمثّله، ونجعله حسّيا شاخصا تراه الأبصار، وتلمسه البنان، وجلّ ما نستطيع أن نقول: إنّه عصر جاهليّ لا يفهمه حقّ الفهم إلّا من عاش فيه واكتوى بناره، ولو كان لمصوّر يحاول التصوير يمكن أن يمثّل البشرية في صورة إنسان في غاية الجمال والصّحة، والأناقة وحسن الهندام، الإنسان الذي هو نموذج بديع فريد لصنع الله الذي أتقن كلّ شيء، والذي هو محسود الملائكة، وغاية الخلق، الذي كلّله الله بتاج خلافته، فصار زينة الوجود، ولبّ لباب الحقيقة والعرفان، وبه تحوّلت هذه الأرض الخراب اليباب إلى روضة غنّاء، وحديقة فيحاء، ثمّ يصوّر هذا الإنسان يريد أن يقفز في خندق عظيم هائل ترتفع منه ألسنة اللهب، وقد تحفّز واستجمع قواه، وجمع ثيابه، ورفع رجله في الفضاء فعلا، وكاد يقع فيه، وما هي إلا دقائق وثوان حتّى يغيب في هذا الظلام المهيب، ظلام الموت، فلعلّ هذا التصوير يصوّر بعض الجانب من العصر الجاهليّ عند بعثة النّبيّ ﷺ ، وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة، فقال في إيجاز وفي إعجاز: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها [آل عمران: ١٠٣] ، وذلك ما شرحه لسان النبوّة بمثال رائع بليغ، فقال ﵊:

стр. 599

«مثلي كمثل رجل استوقد نارا، فلمّا أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدوابّ التي تقع في النّار يقعن فيها، وجعل يحجزهنّ ويغلبنه، فيقتحمن فيها، فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها» ، وقال في آخرها: «فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلمّ عن النار، هلمّ عن النار، فتغلبوني وتقتحمون فيها» «١» . لقد كانت القضيّة الكبرى في هذه القصّة كلّها أن تصل سفينة الإنسانيّة بسلامة الله وفي حفظه ورعايته إلى شاطىء النجاة، لأنّه حين يستوي الإنسان ويعتدل طبعه، وتتحلّى الحياة بالاقتصاد والاتزان، تنفعه- إذا- كلّ هذه المشروعات البنائيّة والإنمائيّة، أو الأدبيّة والعلميّة التي أوتي مواهبها كثير من أصدقاء الإنسانية وأنصارها. ومن هنالك، فإنّ الإنسانية كلّها مدينة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام- لأنّهم أنقذوها من تلك الأخطار المحدقة التي سلّطت على رأسها كالسّيف المصلت، ولا يتحرر من منّتهم وفضلهم مشروع علميّ، ولا تخطيط اجتماعيّ، ولا مدرسة فكريّة، أو فلسفيّة. كما أنّ العالم المعاصر مدين لهم في هذا البقاء والاستمرار، وجدارة الحياة؛ لأنّ الإنسان اعترف- أحيانا كثيرة- بلسان حاله، إن لم يقل بلسان مقاله، أنّه فقد حقّ البقاء في هذه الأرض، وأنّه لا يحمل الآن أيّ رحمة وبركة، وفيض وإفادة، ودعوة رسالة للإنسانية، إنّه رفع الدعوى في المحكمة الإلهيّة ضدّ نفسه، وشهد عليها، لقد كانت ملفّاته مهيأة للحكم

стр. 600

العادل الأخير، وقد نصّب الإنسان نفسه لأكبر عقوبة تتصوّر، بل لعقوبة الإعدام. ولا عجب في ذلك، فحينما تتعدّى المدنية حدودها الطبيعية وتخرج من طورها، وتنسى القيم الخلقيّة كليّا، أو تكفر بها صراحة وعلنا، ويتغافل الإنسان عن كلّ غاية نبيلة، ومقصد شريف، وعن كل واقع وحقيقة غير الحقائق الماديّة، وتحقيق ماربه الجسديّة، وإرواء ظمئه الحيوانيّ، وحينما يحلّ محلّ القلب الإنسانيّ قلب الذئب والنمر والفهد، وتتكوّن في جسمه معدة خياليّة أو صناعية، ونفس أمّارة بالسوء، لا يقرّ لها قرار، ولا يضبطها وازع أو رادع، وحينما تصيب الإنسانيّة نوبة شديدة من الجنون، يبعث الله لها جماعة من الجرّاحين، أو عصابة من السفاحين، وتأتي لأورامها المنتفخة سكاكين من ظهر الغيب تقضي عليها، وتقطع دابرها، وتستأصل شأفتها. إنّ فساد المدنيّة وهوسها وجنونها أشدّ من جنون الملكيّة والحكم الشخصيّ، وأوسع منه شرا لأنّه حين يجنّ جنون شخص ضعيف نحيل واحد يقضّ مضاجع أهل الحارة كلّها، وينغّص عيشهم الهادىء. تصور ماذا يحدث في العالم، إذا جنّ جنون النوع البشريّ أجمع، وتنخّر هيكل المدنية وتعفّن، وفسدت طبيعة الإنسانيّة؟ هل له من رقية أو علاج؟ إلّا أنّه لم تفسد المدنيّة فحسب في العصر الجاهليّ، بل تفسّخت جثتها، وتعفّنت، ونشأت فيها ديدان قذرة، وأصبح الإنسان يقتنص الإنسان ويصطاده، ويتلذذ بسكراته وشدائده عند الموت، ويتمتع بحالة الاحتضار، كما يتمتع أحدنا بمنظر البساتين والأشجار والورود والأزهار، ويطرب ويهتزّ لاضطرابه وتقلّبه على الحجر، ويفرح بأنين المصاب والمريض والمنكوب،
следующие страницы →