← Сира

Сира · id 9914

السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي

أبو الحسن الندوي

Полный текст (743 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: ١٤٤] . يقول من شهد هذا الموقف: والله كأنّ الناس لم يعلموا أنّ هذه الآية نزلت حتّى تلاها أبو بكر يومئذ، وأخذها الناس عن أبي بكر، فإنّما هي في أفواههم، ويقول عمر: والله ما هو إلّا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت «١» حتّى وقعت إلى الأرض، ما تحملني رجلاي، وعرفت أنّ رسول الله ﷺ قد مات «٢» . بيعة أبي بكر بالخلافة: وبايع المسلمون أبا بكر بالخلافة، في سقيفة «٣» بني ساعدة «٤» ، حتّى لا يجد الشيطان سبيلا إلى تفريق كلمتهم، وتمزيق شملهم، ولا تلعب الأهواء بقلوبهم، وليفارق رسول الله ﷺ هذه الدّنيا وكلمة المسلمين واحدة، وشملهم منتظم، وعليهم أمير يتولّى أمورهم، ومنها تجهيز رسول الله ﷺ ودفنه. كيف ودّع المسلمون رسولهم وصلّوا عليه ؟ وهدأ النّاس، وانجلى عنهم ما كانوا فيه من حيرة وغمرة، وتشاغلوا بما علّمهم رسولهم من عملهم لمن فارق الدّنيا.

стр. 527

ولمّا فرغ من غسله وتكفينه ﷺ وقد تولّى ذلك أهل بيته، وضع سريره في بيته، وحدّثهم أبو بكر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ما قبض نبيّ إلّا دفن حيث قبض» فرفع فراش رسول الله ﷺ الذي توفّي فيه، وحفر له تحته، وتولّى ذلك أبو طلحة الأنصاريّ. ثمّ دخلوا يصلّون عليه أرسالا، دخل الرجال حتّى إذا فرغوا، أدخل النّساء، حتّى إذا فرغ النساء، أدخل الصّبيان، ولم يؤمّ الناس على رسول الله ﷺ أحد «١» . وكان ذلك يوم الثلاثاء «٢» . وكان يوما حزينا في المدينة، وأذّن بلال بالفجر، فلمّا ذكر النّبيّ ﷺ بكى وانتحب، فزاد المسلمين حزنا، وقد اعتادوا أن يسمعوا هذا الأذان ورسول الله ﷺ فيهم. تقول أمّ سلمة- أمّ المؤمنين-: يا لها من مصيبة، ما أصبنا بعدها بمصيبة إلّا هانت، إذا ذكرنا مصيبتنا به ﷺ «٣» . وقد قال النّبيّ ﷺ نفسه: «يا أيّها الناس، أيّما أحد من الناس (أو من المؤمنين) أصيب بمصيبة فليتعزّ بمصيبته بي، عن المصيبة الّتي تصيبه بغيره،

стр. 528

فإنّ أحدا من أمّتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي» «١» . وقالت فاطمة- ﵂ حين دفن النّبيّ ﷺ : يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا «٢» على رسول الله ﷺ التراب «٣» ؟!! ولكن مع تعلّقهم به لم ينح عليه، فقد نهى عن النّياحة أشدّ النهي.

стр. 529

أزواجه أمّهات المؤمنين وأولاده وأسباطه ﷺ أ- أزواجه ﷺ : أولاهنّ خديجة بنت خويلد القرشيّة الأسديّة- ﵂: تزوّجها قبل النبوّة ولها أربعون سنة، وهي التي آزرته على النبوّة وجاهدت معه، وواسته بنفسها ومالها، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، وجميع أولاده ﷺ (غير سيدنا إبراهيم) منها، وكان دائم الذّكر لها، والاعتراف بفضلها، وربّما إذا ذبح الشاة يقطعها أعضاء يبعثها في صدائق خديجة- ﵂ «١» . ثمّ تزوّج بعد موتها بأيام سودة بنت زمعة القرشيّة العامرية. ثمّ تزوّج بعدها عائشة الصّدّيقة حبيبة رسول الله ﷺ وهي أفقه نساء الأمة وأعلمهنّ، وكان الأكابر من أصحاب النّبيّ ﷺ يرجعون إلى قولها، ويستفتونها.

стр. 530

ثمّ تزوّج حفصة بنت عمر بن الخطّاب ﵄. ثمّ تزوّج زينب بنت خزيمة، وتوفّيت عنده بعد شهرين. ثمّ تزوّج أمّ سلمة هند بنت أبي أميّة حذيفة بن المغيرة القرشيّة المخزوميّة وهي آخر نسائه موتا. ثمّ تزوّج زينب بنت جحش وهي ابنة عمّته أميمة. وتزوّج جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقيّة ثمّ أمّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب ثمّ صفية بنت حييّ بن أخطب سيّد بني النّضير ومن ولد هارون بن عمران أخي نبيّ الله موسى. ثم ميمونة بنت الحارث الهلالية، وهي آخر من تزوّج بها. ولا خلاف أنّه ﷺ توفي عن تسع زوجات وهنّ من ذكرنا، غير خديجة وزينب بنت خزيمة، فقد توفّيتا في حياته ﷺ وكلّهن ثيبات غير عائشة «١» . وتوفّي عن سرّيّتين: مارية بنت شمعون القبطية المصرية أهداها إليه ﷺ المقوقس عظيم مصر، وهي أمّ ولده إبراهيم- ﵇. وريحانة بنت زيد من بني النضير «٢» أسلمت فأعتقها ثم تزوّجها «٣» . وحرّم الله زواجهنّ بعد وفاة رسول الله ﷺ لأنّهنّ أمّهات المؤمنين، وفي

стр. 531

ذلك حفظ للصلة الدقيقة الحساسة التي تربط الأمّة بنبيّها ﷺ ، فقال تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [الأحزاب: ٥٣] . قال ابن كثير في تفسير الآية: «أجمع العلماء قاطبة على أنّ من توفّي عنها رسول الله ﷺ من أزواجه أنّه يحرم على غيره تزوّجها من بعده، لأنهنّ أزواجه في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين» «١» . وقفة قصيرة عند تعدّد الزوجات: قضى رسول الله ﷺ شطرا من عمره في العزوبة، مدّة خمسة وعشرين عاما، وهي فترة الشباب التي استوفت أفضل شروطه وصفاته، وكان مثلا للفتوّة الإنسانيّة العربيّة السليمة، والصحّة التي كان فيها نصيب للنشأة في البادية، والبعد عن أدواء المدنية، والتحلّي بأفضل صفات الفروسيّة والرّجولة، ولم يجد أشدّ أعدائه له مغمزا في هذه الفترة الحاسمة الدقيقة في حياته قبل النبوّة وبعد النبوّة إلى هذا اليوم، فكان مثالا للطّهر والعفاف والنزاهة والبراءة والعزوف عن كلّ ما لا يليق به. فلمّا بلغ خمسا وعشرين سنة تزوّج خديجة بنت خويلد، وهي أيّم، قد بلغت من عمرها أربعين سنة، وقد تزوّجت قبله برجلين، ولها أولاد، وبينه وبينها من التفاوت في السنّ ١٥ سنة على القول المشهور، ثمّ تزوّج بعدها وقد جاوز الخمسين- سودة بنت زمعة، وقد توفي زوجها في الحبشة مسلما مهاجرا.

стр. 532

ولم يتزوّج ﷺ بكرا إلا عائشة بنت أبي بكر. وما تزوّج زواجا إلا ولهذا الزواج مصلحة راجحة من مصالح الدعوة الإسلاميّة، أو المروءة ومكارم الأخلاق، أو جلب منفعة عامّة، ودرء خطر اجتماعيّ كبير، فقد كان للأرحام والمصاهرة تأثير كبير في حياة العرب القبليّة، والاجتماعيّة، وقيمة ليست في أمّة أخرى، فكان لهذه المصاهرة أثرها البعيد في تاريخ الدعوة الإسلاميّة، والمجتمع الإسلاميّ المثاليّ، وحقن الدماء والتوقي من معرّة القبائل العربيّة. ولم تكن حياته معهنّ حياة ترف ورفاهية، وتوسّع في المطاعم والمشارب وخفض العيش- وتلك غاية الزوجات في نظر كثير من الناس- بل كانت حياة زهد وتقشّف، وإيثار وقناعة، لا يطيقها أعاظم الرجال وكبار الزهاد في القديم والحديث، وحسب القارىء المنصف أن يقرأ قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [الأحزاب: ٢٨- ٢٩] . وكان من أثر هذه الغاية المتوخّاة، والنفسيّة السامية، والتربية العميقة المؤثرة، أن اخترن كلّهنّ- ﵅ وأرضاهنّ من غير استثناء وتلكّؤ- الله ورسوله والدار الآخرة، ويكفي مثالا، ما أجابت به عائشة- ﵂ فلمّا تلا رسول الله ﷺ هذه الآية، وقال لها: «لا عليك ألا تستعجلي حتّى تستأمري أبويك» . قالت له: أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإنّي أريد الله ورسوله والدار الآخرة «١» ،

стр. 533

قالت: ثمّ فعلت أزواج النّبيّ ﷺ مثل ما فعلت «١» . ولم يشغل رسول الله ﷺ تعدّد الزوجات، وما يستلزم ذلك نفسيا واقتصاديا واجتماعيا، عن النهوض بأعباء الدعوة، والجهاد والتقشّف، والحياة المثالية، والقيام بالأمور الجسام، برهة من الزمان، بل زاده ذلك نشاطا وقوة، وكنّ أعوانا له على القيام بما أكرمه الله به، من تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، وتعليم المسلمين دينهم، ذكورا وإناثا، وكنّ يرافقنه في الحروب والغزوات، فيداوين الجرحى ويمرّضن المرضى، ويشرن بالخير، ويواسين في الشّدّة، وبهنّ قام نحو ثلث الدين- ممّا يتعلّق بحياته المنزلية والعشرة وكثير من الأحكام- تعلّمها المسلمون منهنّ، وحفظوه ونشروه «٢» . وناهيك بأمّ المؤمنين عائشة- ﵂ فقد قال إمام علم الرجال والطبقات الحافظ أبو عبد الله شمس الدين الذّهبيّ (ت ٧٤٨ هـ) في كتابه المشهور «تذكرة الحفّاظ» : «كانت أكبر فقهاء الصحابة، كان فقهاء أصحاب رسول الله ﷺ يرجعون

стр. 534

إليها، يروى عن قبيصة بنت ذؤيب، قالت: كانت عائشة أعلم الناس، يسألها أكابر الصحابة. وقال أبو موسى: ما أشكل علينا أصحاب محمّد ﷺ حديث قطّ، فسألنا عائشة، إلّا وجدنا عندها منه علما. وقال حسّان: ما رأيت أحدا من الناس أعلم بالقرآن ولا بفريضة ولا بحلال وحرام ولا بشعر ولا بحديث العرب ولا النّسب من عائشة ﵂» «١» . وأمّا مكارم الأخلاق، وعلو الهمّة، والجود، والمواساة، فعن البحر حدّث ولا حرج، وحسبك ما رواه هشام عن أبيه: أنّ معاوية بعث إلى عائشة مئة ألف، فو الله ما غاب علينا الشهر حتّى فرّقتها، فقالت مولاة لها: لو اشتريت لنا من ذلك بدرهم لحما، فقالت: ألا ذكّرتني «٢» ، وكانت صائمة «٣» . وقد نشأت «مشكلة تعدّد الزوجات» في حياة محمّد ﷺ وشغلت عقول كثير من الباحثين الغربيين وأقلام الكتاب المستشرقين، وكثر التساؤل عنها، بسبب إخضاعهم الحياة الزوجية في بلاد العرب وفي الشريعة الإسلامية، وفي العصر الذي ظهر فيه الإسلام، للقيم والتصوّرات والأعراف الغربيّة، وتسليط الموازين والمقاييس الغربية (التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما هي وليدة

стр. 535

حضارة خاصّة ومجتمع خاصّ) على ما تقبله الفطرة السليمة والبيئة العربية، وتقتضيه المصالح الخلقية والاجتماعية، ويأذن به الله. وتلك نقطة ضعف في التفكير الغربيّ وفي الكتابات الغربية يجعلون الغرب هو الميزان، ثمّ يطلقون أحكاما قاسية على كلّ ما جانبه أو اختلف عنه، فيخلقون مشكلة ثمّ يعالجونها، وما هي إلا نتيجة كبريائهم، وتقديسهم الزائد للقيم والمثل الغربية. وقد كان مؤلّف السيرة الإنجليزي المستر R.V.C.Bodley منصفا وجريئا في نقد هذا الشعور الغربيّ نحو تعدّد الزوجات في حياة النّبيّ ﷺ ، يقول في كتابه «حياة محمّد الرسول» : «إنّه لا داعي إلى قياس حياة محمد الزوجيّة بالمقاييس الغربيّة، ولا الحكم عليها من وجهة نظر التقاليد والقوانين التي سنّتها المسيحيّة في الغرب، فلم يكن أولئك الرجال- العرب- غربيين ولا مسيحيين، إنّما نشؤوا في بلاد وفي عصر كان يسود عليه نظامهم الخلقيّ الخاصّ، ورغم كلّ ذلك لا مبرر لفتضيل النظام الخلقيّ الأمريكيّ أو الأروبيّ على النظام الخلقيّ العربيّ، إنّ الغربيين لا يزالون في حاجة إلى بحث دقيق، وتمحيص كبير لتفضيل نظامهم الخلقيّ وطريقة حياتهم على غيرها، فعليهم أن يتجنّبوا الطّعن في ديانات أخرى ومدنيات أخرى» «١» . وليست «شناعة» تعدّد الزوجات (التي تخيّلها الغرب، وآمن بها أبناؤه في تقليد وحماس، واعتبروها حقيقة بديهية مسلمة، وجسّمها كتّابه ومشرّعوه) ، شناعة دائمة على مرّ العصور والأجيال، قائمة على أسس علمية

стр. 536

ثابتة، أو الفطرة الإنسانية السليمة، بل هي شناعة خيالية عاطفية، ناتجة عن دعاية قوية متحمّسة، تخفّ وقد تزول مع الزمان بتغيّر الاتجاهات والأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والتربويّة «١» .

стр. 537

أحوال أمّهات المؤمنين ﵅ التاريخية «١»

стр. 538

ب- أولاده وأسباطه ﷺ : ولدت له خديجة القاسم، وبه كان يكنّى، ومات طفلا، ثمّ زينب ثم رقيّة وأمّ كلثوم وفاطمة، واختلفوا في عبد الله، والطّيب، والطاهر، فعدّهم بعضهم ثلاثة أولاد، والصحيح عند ابن القيّم أنّ الطيب والطاهر لقبان لعبد الله، وهؤلاء كلّهم من خديجة- ﵂ «١» . أمّا فاطمة فهي أحبّ بناته إليه، وأخبر بأنّها سيدة نساء أهل الجنّة «٢» ، وقال: «فاطمة بضعة منّي، يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها» «٣» ، وهي أوّل أهل بيته لحوقا به. وولدت له مارية القبطية إبراهيم، فتوفّي وقد ملأ المهد، وقد قال ﷺ حين توفّي: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلّا ما يرضى ربّنا، إنّا بك يا إبراهيم! لمحزونون» «٤» .

стр. 539

وكسفت الشمس يوم موته، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فخطب رسول الله ﷺ فقال: «إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته» «١» . الفرق بين نبيّ مرسل وزعيم سياسيّ: لو كان مكان رسول الله ﷺ في هذه المناسبة الحزينة أيّ داع من الدعاة، أو زعيم من الزعماء، أو قائد دعوة أو حركة أو جماعة، لسكت على هذا الكلام- إذ لم يوفّق إلى نفيه- ظنّا منه أنّ ذلك الكلام إنّما هو في صالح دعوته وحركته، وظنّ أنّه لم يسترع الانتباه إلى هذه الناحية، بل إنّ الناس بأنفسهم فكّروا في ذلك، وقالوا: إنّ الشمس إنما انكسفت لوفاة ابن رسول الله ﷺ ، إذا فهو ليس مكلّفا بنفي هذا التفكير.

стр. 540

وذلك هو الفرق بعينه بين النبيّ وغيره، فإنّ الأحداث التي يستغلّها أصحاب التفكير السياسيّ- وإن كانت حوادث طبيعية- يرى الأنبياء الكرام ﵈ استغلالها على حساب الدين حراما، وأمرا يرادف الكفر، ولا أدري أنّ أحدا سوى محمّد ﷺ يكون قد صدق في هذا الامتحان من غير الأنبياء، ومن مؤسّسي الجماعات وزعماء السياسة. وولدت زينب- وقد تزوّجها أبو العاص بن الرّبيع وهو ابن أخت خديجة- ابنا اسمه عليّ، وبنتا اسمها أمامة. وتزوّج رقيّة عثمان بن عفّان، فولدت له ابنه عبد الله، وماتت ورسول الله ﷺ ببدر، وكان عثمان قد أقام عندها يمرّضها، وتزوّج بعدها بأختها أمّ كلثوم، ولهذا كان يقال له «ذو النورين» وتوفّيت عنده أيضا في حياة رسول الله ﷺ . وتزوّجت فاطمة عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب، ابن عمّ رسول الله ﷺ فولدت له حسنا، وبه كان يكنى، وحسينا، وفيهما قال رسول الله ﷺ : «هما ريحانتاي من الدّنيا» «١» ، وفيهما قال: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة» «٢» .

стр. 541

وقد بارك الله في ذريّتهما، ونفع بها الإسلام والمسلمين، وكان منهم سادة وقادة، وأئمة في العلم والدّين والجهاد والزهادة. وولدت فاطمة لعليّ زينب وأمّ كلثوم، وتزوّج زينب ابن عمّها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أحد أجواد العرب في الإسلام، وولدت له عليّا وعونا، وتزوّج أمّ كلثوم بنت عليّ عمر بن الخطّاب ﵁، فولدت زيدا ومات عنها «١» . وكلّ أولاده ﷺ توفّي قبله إلّا فاطمة، فإنّها تأخّرت بعده بستة أشهر «٢» .

стр. 542

الفصل السادس الأخلاق والشّمائل صفة رسول الله ﷺ خلقا وخلقا مع النّاس في منزله ومع أهله وعياله رقّة الشعور الإنساني ونبل العاطفة كرمه وحلمه الحفاظ على أصالة الدين والغيرة على روحه وتعاليمه تواضعه شجاعته وحياؤه رأفة عامّة ورحمة واسعة أسوة كاملة وقدوة عامّة

стр. 543

الأخلاق والشّمائل صفة رسول الله ﷺ خلقا وخلقا: وصفه ﷺ هند ابن أبي هالة (ابن خديجة أم المؤمنين وخال الحسن والحسين ﵄ وكان رجلا وصّافا، فقال: «كان رسول الله ﷺ متواصل «١» الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السّكت، لا يتكلّم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه «٢» ، ويتكلّم بجوامع الكلم، كلامه فصل «٣» ، لا فضول ولا تقصير. ليس بالجافي «٤» ، ولا المهين «٥» ، يعظّم النعمة وإن دقّت «٦» ، لا يذمّ منها شيئا، غير أنّه لم يكن يذمّ ذوّاقا «٧» ولا يمدحه.

стр. 544

ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها «١» ، فإذا تعدّي الحقّ، لم يقم لغضبه شيء، حتّى ينتصر له، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها. إذا أشار أشار بكفّه كلّها، وإذا تعجّب قلبها، وإذا تحدّث اتّصل بها، وضرب براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح «٢» ، وإذا فرح غضّ طرفه. جلّ «٣» ضحكه التبسّم، يفترّ «٤» عن مثل حبّ الغمام «٥» «٦» . ووصفه عليّ بن أبي طالب- ﵁ وهو من أعرف الناس به، وأكثرهم عشرة له، وأقدرهم على الوصف والبيان، فقال: «لم يكن فاحشا «٧» ، متفحّشا «٨» ، ولا صخّابا «٩» في الأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح «١٠» ، ما ضرب بيده شيئا قطّ، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا ضرب خادما ولا امرأة، وما رأيته منتصرا «١١»

стр. 545

من مظلمة ظلمها قطّ ما لم ينتهك من محارم الله تعالى شيء، فإذا انتهك من محارم الله، كان من أشدّهم غضبا، وما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وإذا دخل بيته كان بشرا من البشر، يفلّي «١» ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه. كان يخزن لسانه إلّا فيما يعنيه، ويؤلّفهم ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كلّ قوم، ويولّيه عليهم، ويحذّر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطوي على أحد منهم بشره «٢» ، ولا خلقه. ويتفقّد «٣» أصحابه، ويسأل الناس عمّا في الناس، ويحسّن الحسن ويقوّيه، ويقبّح القبيح ويوهيه «٤» ، معتدل الأمر غير مختلف، ولا يغافل مخافة أن يغافلوا ويملّوا، لكلّ حال عنده عتاد «٥» ولا يقصّر عن الحقّ، ولا يجاوزه، الذين يلونه من النّاس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة «٦» ومؤازرة «٧» . ولا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يعطي كلّ جلسائه نصيبه، ولا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو فاوضه «٨» في حاجة صابره حتّى يكون هو

стр. 546

المنصرف، ومن سأله حاجته لم يردّه إلا بها أو بميسور من القول. وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحقّ سواء، مجلسه مجلس علم وحياء وصبر وأمانة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن «١» فيه الحرم، ولا تنثى «٢» فلتاته «٣» ، متعادلين «٤» يتفاضلون فيه بالتقوى، ويوقّرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب» . وقال: «كان دائم البشر، سهل الخلق، ليّن «٥» الجانب، ليس بفظّ «٦» ، ولا غليظ، ولا صخّاب، ولا عيّاب، ولا مشاح «٧» يتغافل عمّا لا يشتهي، ولا يؤيس منه، ولا يجيب فيه «٨» . قد ترك نفسه من ثلاث: المراء «٩» ، والإكبار، وما لا يعنيه، ترك الناس من ثلاث: كان لا يذمّ أحدا ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلّم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلّم أطرق «١٠» جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير، فإذا

стр. 547

سكت تكلّموا، لا يتنازعون عنده الحديث ومن تكلّم عنده أنصتوا له حتّى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم «١» يضحك ممّا يضحكون، ويتعجّب مما يتعجّبون، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتّى كان أصحابه يستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه «٢» ، ولا يقبل الثناء إلا من مكافىء «٣» ، ولا يقطع على أحد حديثه حتّى يجوز «٤» فيقطعه بنهي أو قيام» . أجود الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة «٥» ، وألينهم عريكة «٦» ، وأكرمهم عشيرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ » «٧» . وقد كسا الله نبيّه لباس الجمال، وألقى عليه محبّة ومهابة منه، وصفه هند بن أبي هالة، فقال: «كان فخما «٨» ، مفخّما «٩» ، يتلألأ «١٠» وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر» «١١» .

стр. 548

ووصفه البراء بن عازب- ﵁ فقال: «كان رسول الله ﷺ مربوعا «١» ، وقد رأيته في حلّة حمراء، ما رأيت شيئا قطّ أحسن منه» «٢» . ووصفه أبو هريرة- ﵁ فقال: «كان ربعة «٣» ، وهو إلى الطول أقرب، شديد البياض، أسود شعر اللحية، حسن الثّغر، أهدب «٤» أشعار العينين، بعيد ما بين المنكبين (إلى أن قال) : لم أر مثله قبل ولا بعد» «٥» . ويقول أنس- ﵁: «ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كفّ رسول الله ﷺ ، ولا شممت رائحة قطّ أطيب من رائحة رسول الله ﷺ » «٦» . مع الله تعالى: كان رسول الله ﷺ مع ما أكرمه الله به من الرسالة والخلّة والاصطفاء وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر أعظم الناس اجتهادا في العبادة، وحرصا عليها، وولعا بها.

стр. 549

يقول المغيرة بن شعبة: «قام النّبيّ ﷺ حتّى تورّمت قدماه، فقيل له: يا رسول الله! تفعل هذا وقد غفر الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟» «١» . وقالت عائشة- ﵂: «قام النّبيّ ﷺ باية من القرآن ليلة» «٢» . وقال أبو ذرّ: «قام رسول الله ﷺ حتّى أصبح باية، والآية: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٣» [المائدة: ١١٨] » . وعن عائشة أيضا: «كان يصوم حتّى نقول: لا يفطر، ويفطر حتّى نقول: لا يصوم» «٤» . وقال أنس: «كان لا تشاء أن تراه من اللّيل مصلّيا إلّا رأيته، ولا نائما إلا رأيته» «٥» .

стр. 550

وعن عبد الله بن الشّخّير، قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلّي، ولجوفه أزير كأزيز المرجل «١» ، من البكاء» «٢» . وكان لا يكاد يتسلّى عن الصلاة، ويرغب عنها إلى غيرها فيقول: «وجعلت قرّة عيني في الصلاة» «٣» . ويقول الصحابة- ﵃: كان إذا حزبه أمر صلّى «٤» . وعن أبي الدّرداء- ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا كان ليلة ريح شديدة، كان مفزعه إلى المسجد، حتّى تسكن الريح، وإذا حدث في السماء حدث من خسوف شمس أو قمر، كان مفزعه إلى الصلاة حتّى ينجلي «٥» . وكان يحنّ إلى الصلاة، ويتحيّنها، فلا يهدأ له بال، ولا يقرّ له قرار، حتى يقبل عليها، وكان يقول أحيانا لمؤذّنه بلال: «يا بلال! أقم الصلاة، أرحنا بها» «٦» . نظرته ﷺ إلى الحياة وزهده فيها: أمّا نظرته إلى الدّيا نار والدّرهم، والمال والمتاع فأكبر مجموعة من

стр. 551

الألفاظ، وقدرة بيانية لا تفي بالغرض، فإنّ تلاميذ مدرسته الإيمانيّة الربانيّة، وتلاميذ تلاميذهم من العرب والعجم، في مشارق الأرض ومغاربها، نظروا إلى الدينار والدرهم كالخزف والحصى والرمل والتراب، وروي عنهم من الزهادة في الدّنيا، والاستهانة بزخارف الحياة، والغرام بإنفاق المال على غيرهم، وإيثارهم عليهم، والقناعة بالكفاف وأقلّ من الكفاف، ما يحيّر الألباب «١» ، فكيف بالرسول الأعظم ﷺ الذي كان قدوتهم في كلّ خير وفضل، وإمامهم ومعلّمهم. ولكنّنا نترك ما رواه الصحابة- ﵃ في هذا الباب، وما جرى على لسانهم من الأقوال ينطق بذلك، فلا كلام أبلغ من الحوادث والأخبار، ولا أنطق منها. كان قوله المأثور المشهور، وبه كان عمله، وعليه تدور حياته ﷺ : «اللهمّ إنّ الأجر أجر الآخرة» «٢» . وكان ﷺ يقول: «ما لي وللدنيا، وما أنا والدنيا إلّا كراكب استظلّ تحت شجرة، ثمّ راح وتركها» «٣» . ورآه عمر مضطجعا على حصير، قد أثّر في جنبه، فهملت عينا عمر،

стр. 552

فقال: ما لك؟ فقال: يا رسول الله! أنت صفوة الله من خلقه، وكسرى وقيصر فيما هما فيه؟ فاحمرّ وجهه، وقال: «أو في شكّ أنت يا بن الخطّاب؟» ثمّ قال: «أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدّنيا» «١» . وكان لا يحبّ هذا الطّراز من المعيشة لنفسه فقط، بل كان يحبّه لأهله وعياله، ويؤثره لهم، فروي عنه أنّه قال: «اللهمّ اجعل رزق آل محمد قوتا» «٢» . وقال أبو هريرة- ﵁: «والذي نفس أبي هريرة بيده، ما شبع نبيّ الله وأهله ثلاثة أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدّنيا» «٣» . وعن عائشة- ﵂ قالت: «إن كنّا آل محمد ليمرّ بنا الهلال ما نوقد نارا، إنّما هما الأسودان: التّمر والماء» «٤» .

стр. 553

وقد كانت له درع مرهونة عند يهوديّ، فما وجد ما يفكّها، حتّى مات «١» . وإنّه ﷺ حجّ حجّة الوداع، والمسلمون معه مدّ البصر، والجزيرة خاضعة له، على رحل رثّ، عليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فقال: «اللهمّ اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة» «٢» . وقد قال ﷺ لأبي ذرّ- ﵁: «ما يسرّني أنّ عندي مثل أحد هذا ذهبا، تمضي عليّ ثلاثة أيام وعندي منه دينار، إلّا شيء أرصده لدين، إلّا أن أقول به في عباد الله هكذا، وهكذا، وهكذا، عن يمينه وعن شماله وعن خلفه» «٣» . ويقول جابر بن عبد الله- ﵁: «ما سئل رسول الله ﷺ عن شيء فقال: لا» «٤» . وعن ابن عبّاس- ﵄ قال: «كان النّبيّ ﷺ أجود الناس بالخير من الريح المرسلة» «٥» .

стр. 554

وعن أنس- ﵁ «أنّ رجلا سأله، فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى بلاده، وقال: أسلموا، فإنّ محمدا يعطي عطاء من لا يخشى فاقة» . وحمل إليه ﷺ تسعون ألف درهم، فوضعت على حصير، ثمّ قام إليها يقسّمها، فما ردّ سائلا حتى فرغ منها» . مع الناس: وكانت لا تمنعه هذه العبادة والزهد في الدّنيا، والإقبال على الله بقلبه وقالبه، والاشتغال به، ومناجاته، عن دوام البشر، وطلاقة الوجه، وتفقّد القلوب، وملاطفة الناس، وإيتاء كلّ ذي حقّ حقّه، وذلك شيء لا يقوى عليه غيره. وقد كان يقول: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» «١» . وقد كان أوسع الناس صدرا، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشيرة، وكان يمازح أصحابه، ويخالطهم ويحادثهم، ويداعب صبيانهم، ويجلسهم في حجره، ويجيب دعوة الحرّ والعبد، والأمة والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر «٢» ولم ير مادّا رجليه بين أصحابه حتى لا يضيّق بهما على أحد.

стр. 555

يقول عبد الله بن الحارث- ﵁: ما رأيت أكثر تبسّما من رسول الله ﷺ «١» . وعن جابر بن سمرة- ﵁ قال: «جالست رسول الله ﷺ أكثر من مئة مرّة، فكان أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهليّة، وهو ساكت وربّما تبسّم معهم» . ويقول الشّريد الثّقفي: «استنشدني نبيّ الله شعر أميّة بن أبي الصّلت فأنشدته» «٢» . وكان حنونا ودودا، تجلّت فيه العواطف الإنسانية، والمشاعر اللطيفة في أسمى مظاهرها وأجملها. يقول أنس بن مالك- ﵁: «كان رسول الله ﷺ يقول. لفاطمة: ادعي لي ابنيّ (يعني الحسن والحسين ﵄ فيشمّهما ويضمّهما إليه «٣» ، ودعا سبطه حسن بن عليّ مرة، فجاء يشتدّ، فوقع في حجر رسول الله ﷺ ثمّ أدخل يده في لحيته، ثمّ جعل النّبيّ ﷺ يفتح فاه، فيدخل فاه في فيه» «٤» . وتقول عائشة- ﵂: «قدم زيد بن حارثة (وهو مولى رسول الله ﷺ المدينة، ورسول الله ﷺ في بيته، فأتاه، فقرع الباب، فقام

стр. 556

إليه النّبيّ ﷺ عريان، يجرّ ثوبه، فاعتنقه وقبّله «١» . وعن أسامة بن زيد- ﵁ أنّ ابنة رسول الله ﷺ أرسلت إليه أنّ ابني قد احتضر، فاشهدنا، فأرسل يقرأ السّلام، ويقول: «إنّ لله ما أخذ وما أعطى، وكلّ شيء عنده بأجل مسمّى، فلتصبر ولتحتسب، فأرسلت إليه تقسم عليه، فقام وقمنا معه، فلمّا قعد رفع إليه، فأقعده في حجره، ونفس الصبيّ تقعقع «٢» ، ففاضت عينا رسول الله ﷺ فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟! قال: «هذه رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء من عباده، وإنّما يرحم الله من عباده الرّحماء» «٣» . ولمّا شدّ وثاق العباس في أسرى بدر، فسمعه رسول الله ﷺ يئنّ لم يأخذه النوم، فبلغ الأنصار، فأطلقه الأنصار، ولم تحمله تلك الشفقة على التمييز بينه وبين سائر أسرى بدر، فلمّا فهم الأنصار رضا رسول الله ﷺ بفكّ وثاقه، سألوه أن يتركوا له الفداء طلبا لتمام رضاه، فلم يجبهم إلى ذلك «٤» . وجاء أعرابيّ إلى رسول الله ﷺ فقال: أتقبّلون الصّبيان؟ فما نقبّلهم؟ فقال النّبيّ ﷺ : «أو أملك لك إذا نزع الله الرحمة من قلبك؟» «٥» .

стр. 557

وكان عطوفا على الصبيان، رفيقا بهم. روي عن أنس- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ مرّ على صبيان يلعبون، فسلّم عليهم «١» يقول أنس بن مالك: كان النّبيّ ﷺ ليخالطنا حتّى يقول لأخ لي صغير: «يا أبا عمير! ما فعل النّغير «٢» » «٣» . وكان شديد الرّأفة بالمسلمين، كثير المراعاة لاختلاف أحوالهم، وما يعتري النفوس من فتور وملل. يقول ابن مسعود- ﵁: «كان رسول الله ﷺ يتخوّلنا «٤» بالموعظة كراهة السامة علينا «٥» ، وكان مع شدّة ولعه بالصلاة يتجوّزها إذا سمع بكاء صبيّ، فقد روي عنه أنّه قال: «إنّي لأقوم في الصلاة أريد أن

стр. 558

أطوّل فيها، فأسمع بكاء الصبيّ فأتجوّز في صلاتي كراهية أن أشقّ على أمّه» «١» . وعن ابن مسعود- ﵁ أنّ رجلا قال: والله يا رسول الله! إنّي لأتأخّر عن صلاة الغداة من أجل فلان ممّا يطيل بنا، فما رأيت رسول الله ﷺ في موعظة أشدّ غضبا منه يومئذ، ثمّ قال: «إنّ منكم منفّرين، فأيّكم صلّى بالناس فليتجوّز، فإنّ فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة» «٢» . ومن ذلك أنّ أنجشة «٣» كان يحدو بالنساء، وكان حسن الصوت، والإبل تسرع إذا سمعت الحداء «٤» ، فيشقّ ذلك على النساء، فقال النّبيّ ﷺ : «يا أنجشة! رويدك سوقك بالقوارير «٥» » «٦» . وقد برّأه الله من الحقد، ومن أن يضمر لأحد سوءا. روي عنه أنّه كان يقول: «لا يبلّغني أحد منكم من أصحابي شيئا، فإنّي

стр. 559

أحبّ أن أخرج إليكم، وأنا سليم الصدر» «١» . وكان لهم أبا رحيما، وأصبح المسلمون كلّهم له عيالا، يحنو عليهم حنوّ المرضعات على الفطيم، لا شأن له بما متّعهم الله به من مال، ووسّع لهم في الرّزق. أمّا ديونهم، وما يثقل كواهلهم، فكان يستقلّ به، ويقول: «من ترك مالا فلورثته، ومن ترك كلّا فإلينا» «٢» . وفي رواية أنّه قال: «ما من مؤمن إلّا وأنا أولى به في الدّنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فأيّما مؤمن مات، وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا، فليأت مولاه» «٣» . اعتدال الفطرة وسلامة الذوق: وقد خلقه الله في أتمّ خلق وخلق، وإليه المنتهى- عبر القرون والأجيال- في اعتدال الفطرة، وسلامة الذّوق، ورقّة الشعور، والسّداد، والاقتصاد، والبعد عن الإفراط والتفريط، تقول عائشة- ﵂: «ما خيّر رسول الله ﷺ في أمرين قطّ إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان

стр. 560

إثما، كان أبعد الناس منه» «١» . وكان أبعد الناس عن التكلّف، والمغالاة في الزهد، وحرمان النفس حقوقها. روي عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الدّين يسر، ولن يشادّ الدّين أحد إلّا غلبه، فسدّدوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرّوحة وشيء من الدّلجة «٢» » «٣» . وقال: «مه! عليكم بما تطيقون، فو الله ما يملّ الله حتّى تملّوا» . وعن ابن عبّاس- ﵄ قال: سئل النّبيّ ﷺ أي الأديان أحبّ إلى الله؟ قال: «الحنيفية السّمحة «٤» » «٥» . وعن ابن مسعود- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «هلك المتنطّعون» «٦» .

стр. 561

وقال لبعض من بعثهم للدعوة والتعليم: «يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا» «١» . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده» «٢» . في منزله ومع أهله وعياله: وكان في منزله بشرا من البشر، كما تقول عائشة- ﵂: «كان يفلّي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه» . وقالت: «كان يرقع الثوب، ويخصف النّعل» . ونحو هذا قيل لعائشة- ﵂: ما كان رسول الله ﷺ يصنع في أهله؟ قالت: «كان في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة، خرج إلى الصلاة» «٣» . وفي رواية: «كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، كما يعمل أحدكم في بيته» «٤» .

стр. 562

وقالت عائشة: «كان ألين الناس، وأكرم الناس، وكان ضحّاكا بسّاما» «١» . وعن أنس- ﵁ قال: «ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ » «٢» . وعن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» «٣» . وعن أبي هريرة- ﵁ قال: «ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قطّ، إن اشتهاه أكله، وإنّ كرهه تركه» «٤» . تقديم الأقربين في المخاوف والمغارم وتأخيرهم في الرخاء والمغانم: وكان شعاره الدائم في أهل بيته وعياله، وأقرب الناس إليه تقديمهم في المخاوف والمغارم، وتأخيرهم في الرخاء والمغانم. طلب عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة- وهم كانوا من أبطال العرب المرموقين- من يبارزهم من قريش، وممّن فارق دينهم من أهل مكّة، وهاجر منها، وكان رسول الله ﷺ من أعرف الناس بمكانتهم وبغنائهم في

стр. 563

الحرب، وكان في قريش من ينهض لذلك من الأبطال والفرسان، فلم يزد أن قال: «قم يا حمزة! قم يا عليّ! قم يا عبيدة!» وهم من أقرب الناس إليه رحما ودما، وأحبّهم إليه، ولم يؤثر أحدا عليهم، ضنّا بحياتهم وإبقاء عليهم، وكان من صنع الله تعالى أن كتب لهم الغلبة والانتصار على منافسيهم، ورجع حمزة وعليّ سالمين مظفّرين، وحمل عبيدة جريحا «١» . ولمّا أراد أن يحرّم الرّبا، ويهدر دم الجاهلية القديمة، بدأ بعمّه العبّاس بن عبد المطلب، وابن أخ له من بني هاشم، ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. فقال في خطبته في حجّة الوداع: «وربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضع من ربانا: ربا العباس بن عبد المطلب، ودماء الجاهلية موضوعة، وإنّ أول دم أضع من دمائنا دم ربيعة بن الحارث» «٢» . أمّا في الرّخاء وعند المغانم، فكان دائما يؤخّرهم، ويؤثر عليهم غيرهم خلافا للملوك والقادة والزعماء- يقول عليّ بن أبي طالب- ﵁: إنّ فاطمة- ﵍ اشتكت ما تلقى من الرّحى ممّا تطحن، فبلغها أنّ رسول الله ﷺ أتي بسبي، فأتته تسأله خادما، فلم توافقه، فذكرت لعائشة، فجاء النّبيّ ﷺ فذكرت عائشة له، فأتانا، وقد دخلنا مضاجعنا، فذهبنا لنقوم، فقال: «على مكانكما» ، حتّى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: «ألا أدلّكما على خير ممّا سألتماني، إذا أخذتما مضاجعكما فكبّرا الله أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وسبّحا ثلاثا وثلاثين، فإنّ ذلك خير لكما ممّا سألتماه» «٣» .

стр. 564

وفي رواية في هذه القصّة أنّه ﷺ قال: «والله لا أعطيكم وأدع أهل الصّفّة تطوى بطونهم من الجوع، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيعهم، وأنفق عليهم أثمانهم» «١» . رقة الشعور الإنساني ونبل العاطفة: كان رسول الله ﷺ مع أعباء النبوّة والدعوة، وهمّ الإنسانيّة والأحزان والأثقال التي لا تحملها الجبال الرّاسيات قد تجلّى فيه الشعور الإنسانيّ الرقيق، والعاطفة الإنسانية النبيلة، في أجمل مظاهرهما، فمع صرامته وقوّة عزيمته التي يمتاز بها الأنبياء، والتي كانت لا تقيم في سبيل الدعوة وإعلاء كلمة الله، وامتثال أوامره لشيء قيمة أو وزنا، لم ينس أصحابه الأوفياء الذين لبّوا دعوته، وبذلوا في سبيل الله مهجهم وأرواحهم، واستشهدوا في معركة أحد إلى آخر يوم من أيام حياته، فكان يذكرهم، ويدعو لهم، ويزورهم، وسرى هذا الحبّ إلى المكان الذي قامت فيه هذه المعركة، والجبل الذي شاهدها، والبلد الذي احتضنه، فروى عنه الصحابة- ﵃ أنّه قال: «هذا جبل يحبّنا ونحبّه» «٢» . وعن أنس بن مالك- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ طلع له أحد،

стр. 565

فقال: «هذا جبل يحبّنا ونحبّه» «١» . وعن أبي حميد قال: «أقبلنا مع النّبيّ ﷺ من غزوة تبوك حتّى إذا أشرفنا على المدينة، قال: «هذه طابة، وهذا جبل يحبّنا ونحبّه» «٢» . وعن عقبة أنّ رسول الله ﷺ خرج يوما، فصلّى على أهل أحد صلاته على الميّت «٣» . وعن جابر بن عبد الله- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا ذكر أصحاب أحد: «أما والله، لوددت أنّني غودرت مع أصحاب بنحص «٤» الجبل» «٥» . وقد احتمل شهادة عمّه وأخيه في الرّضاعة، والذي غضب له، ودافع عنه بمكّة، واستشهد في معركة أحد، ومثّل به تمثيلا لم يمثّل بأحد من القتلى، فاحتمل كلّ ذلك في صبر أولي العزم من الرّسل، ولكنّه لمّا دخل المدينة راجعا من أحد، ومرّ بدار بني عبد الأشهل، فسمع البكاء، ونوائح على قتلاهم، فحرّك ذلك في نفسه الشعور الإنسانيّ النبيل، فذرفت عيناه، ثمّ قال: «لكنّ حمزة لا بواكي له» «٦» .
следующие страницы →