← Сира

Сира · id 9914

السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي

أبو الحسن الندوي

Полный текст (743 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بين يديّ الكتاب الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على محمّد خير من افتتحت بذكره الدّعوات، واستنجحت بالصّلاة عليه الطّلبات، وعلى آله الذين عظّمهم توقيرا، وطهّرهم تطهيرا. وبعد: فإنّنا نسعد بتقديم هذا الكتاب القيّم النفيس إلى القرّاء الكرام، الذي نال قبولا عظيما، وحفاوة بالغة عند كبار الدارسين والأساتذة الجامعيّين منذ أوّل يوم لصدوره، والذين اهتمّوا به دراسة وتدريسا، فسرعان ما أصبح الكتاب من أهمّ المراجع في السيرة النبوية. ويقدّر بمدى القبول له والإعجاب به لدى الناس أنّه قد نقل حتى الآن إلى أكثر من عشر لغات عالمية، وأدخل كذلك في المقرّرات الدراسية في مختلف البلاد العربية والإسلامية. وكيف لا.. فإنّه قد صدر من قلم رجل استقى عرقه من منبع النّبوّة، ورضعت شجرته من ثدي الرسالة، وفقست بيضته من سلالة الطهارة، وربّي منذ نعومة أظفاره على التعلّق بالسّيرة، وحبّ صاحبها- عليه ألف ألف سلام- والاهتداء بهديه في الأمور كلّها، فعاش في السيرة، وعاشت فيه السيرة «١» وشكّلت عنصرا أساسيا في ثقافته وحياته. جمع في قراءتها بين ما كتب قديما وحديثا بالعربية والفارسية والأردوية وبالإنكليزية كذلك، بحيث أصبحت (السّيرة) فيما بعد مادّة كتاباته ومحاضراته الأساس بصورة مباشرة أو غير مباشرة «٢» ، وأصبح تفكيره متعلّقا بها، ومنطلقا منها في توجّهاته وتوجيهاته،

стр. 2

وأصبحت موضوعا محوريا في نتاجه الفكري، تشيع في أرجائه، وتنير مباحثه، وما يثيره من أفكار وقضايا. فلا غرابة إذا بعد هذا ... أن يكون لهذا الكتاب من القبول والتأثير، والذيوع والانتشار ما لا يكون إلا لكتب كبار المخلصين، والعلماء العاملين، والدّعاة المجدّدين إذا كان مؤلّفه متّصفا بما ذكرناه. قد صدر لهذا الكتاب عدّة طبعات، ولكن الطبعة الأخيرة التي صدرت من المجمع الإسلامي العلمي بلكهنؤ (عام ١٤١٦ هـ- ١٩٩٥ م) ، تشتمل على إضافات قيمة للعلّامة المؤلّف، فصدرت بعد هذه الطبعة طبعات لم يتناول فيها الناشرون تلك الإضافات «١» ، فراجت وشاعت دونها بين يدي القرّاء. لذا أردنا في هذه الطبعة أن نعتني أوّلا بإلحاق جميع تلك الإضافات بهذه الطبعة مع العناية بالأمور التالية: ١- مراجعة الكتاب وتصحيحه بشكل دقيق، وذلك بالرجوع إلى جميع تلك المصادر والمراجع التي استفاد منها العلّامة المؤلّف- ﵀. ٢- استكمال تخريج الأحاديث، وتخريج ما لم يخرّج منها قبل- وهي كثيرة- بين المعقوفتين ( [] ) . ٣- شرح الألفاظ الغريبة في حواشي الكتاب بين المعقوفتين- والذي رأيناه لزاما، خاصة بعد ما أصبح الكتاب اليوم مقرّرا في كثير من المعاهد

стр. 3

الثانوية الشرعية في البلاد العربية- ليسهل على القارىء فهم واستيعاب الموضوعات دون الرجوع إلى معجم ما. ٤- إضافة (٤١) خريطة ملوّنة إلى الكتاب «١» ، توضّح للقارىء الكريم أحداث السيرة النبوية، وتعينه على تصوّر أحداثها أثناء القراءة. ٥- ضبط الأسماء والأعلام قدر الضرورة، والتعليق على ما دعت الحاجة إليه، وهو كثير بين المعقوفتين. ٦- إضافة مقدّمة الباحث الإسلامي الكبير: الدكتور عماد الدين خليل إلى الكتاب، التي كتبها للطبعة السابعة الخاصة بدار الشروق في جدّة (عام ١٤٠٨ هـ- ١٩٨٧ م) ، ولكنها لم تطبع فيها بسبب ظروف فنية حالت دون ذلك. ٧- إضافة ترجمة مستوفاة للعلّامة المؤلّف إلى الكتاب تعرّف بشخصيته العبقرية، ومكانته العلمية ومؤلّفاته النفيسة. ٨- إلحاق جداول للغزوات والسّرايا والأحداث التاريخية المتعلّقة بالسيرة، باخر الكتاب، مأخوذة من كتاب «رحمة للعالمين» للقاضي محمد سليمان سلمان المنصور فوري لتكون تسهيلا لمن أراد حفظها. ٩- إعداد الفهارس العامّة في آخر الكتاب. إنّ المتمعّن في تحقيقنا لهذا الكتاب- خاصة في تخريج أحاديثه-، والناظر في مجمل التعليقات التي علّقناها عليه يدرك الجهد المضني المبذول، والوقت الثمين المصروف في خدمته، ولا نشكّ أنّ العلّامة المؤلّف رحمه الله تعالى- كان سيسرّ بهذا العمل، والدّقّة التي حقّق بها كتابه النفيس

стр. 4

المبارك هذا، كما سرّ- قبل أيام من وفاته- ببعض خدماتنا المتواضعة التي قمنا بها في إخراج كتبه ومؤلّفاته منقّحة، ونشرها في طباعة أنيقة بين يدي القرّاء. نسأل الله ﵎ أن يتقبّل جهدنا المتواضع في خدمة هذا الكتاب خالصا لوجهه، إنّه سميع مجيب، وهو على كلّ شيء قدير. دمشق ١٨/ جمادى الأولى ١٤٢٤ هـ ١٧/ تموز (يوليو) ٢٠٠٣ م كتبه المعتزّ بالله تعالى عبد الماجد الغوريّ

стр. 5

الشّيخ ابو الحسن النّدوي و «السّيرة النّبويّة» بقلم الدّكتور عماد الدّين خليل تشكّل المقدّمة التي كتبها الشيخ الندوي للطبعة الأولى من مؤلّفه القيّم عن (السيرة النبوية) مفتاحا، أو مدخلا، لا بدّ من التوقّف عنده قليلا لفهم ما الذي أراد أن يقوله أو يفعله وهو يؤلّف كتابه هذا؟! ومن أجل ذلك فإنّ من الضّروري- كما يقول النّقّاد البنيويّون- «تفكيك النصّ» في محاولة للتأشير على العناصر الأساسية للمقدّمة باعتبارها مرتكزا للعمل، ومبرّرا لإخراجه في الوقت نفسه. إنّ هذه العناصر تمنح القارىء، حتى قبل مطالعة فصول الكتاب، القناعة بمبرّر ظهور بحث جديد عن السيرة، بل بضرورته، فليس الأمر- كما قد يتوهّم البعض- مجرّد رغبة مخلصة لإضافة كتاب جديد إلى قائمة المؤلّفات الحديثة في سيرة الرسول ﷺ ، وإن كانت هذه الرغبة في حدّ ذاتها تحمل على المستوى الديني، مبرّراتها ودوافعها المقنعة، إنما بالنسبة لباحث متمرّس كالأستاذ الندوي، فإنّ خطوة كهذه ما كان لها أن تكون لو لم يعرف مسبقا أنّها ستقدّم إضافة جديدة إلى مكتبة السّيرة، إن على مستوى المنهج أو الموضوع، ويكفي أن يقع الاختيار على كتاب (الندوي) من بين عشرات وربّما مئات من البحوث في السّيرة، لنقله إلى الإنكليزية، وعدد من اللغات الحيّة، ومخاطبة العقل الغربي، وغير المسلم عموما، بمفردات هذه السّيرة

стр. 6

ودلالاتها، مهندسة وفق منهج الندوي وأسلوبه، لكي يتبيّن أنّ هذا من بين عوامل عديدة متشابكة كالتي سنؤشّر عليها، ما يجعل الكتاب إضافة جادّة وليس تقليدا أو تكرارا. ومهما يكن من أمر فإنّنا لو قمنا بإعادة ترتيب العناصر الأساسية للمقدّمة، في سياقات رئيسية من أجل وضع اليد على قيمة الكتاب؛ فإنّنا سنجد محاولة (الندوي) هذه تقوم على المحاور التالية: أولا: بيئة ثقافية ذات توجّه إسلاميّ، ينشأ فيها المؤلّف، فيجد نفسه، منذ تفتّح وعيه على الحياة، قبالة رسول الله ﷺ قراءة ومعايشة وتعلّما.. وبمرور الوقت فإنه يسعى لتنمية خبراته عن السّيرة بمزيد من القراءة والدراسة في المصادر (القديمة) والمراجع (الحديثة) بالعربية وغيرها من اللغات، هذه المتابعة الفكرية التي لم تنفصل يوما عن بطانتها الوجدانية، بسبب من عقيدة الرجل وانتمائه البيئيّ، وبالتالي فإنّها بصيغتها الشمولية هذه والقائمة على ما يسمّى في العصر الحديث ب (المعايشة التاريخية) ، كانت أقدر على تحقيق المقاربة بين الندوي وبين عالم السيرة الخصب المؤثّر، المتجذّر في الغيب، والذي لن يقدر باحث من الخارج، أو من البعيد، على فهمه وإدراكه. ويجب أن نشير هاهنا أنّ الندوي من أجل استكمال أبعاد تجربة المعايشة هذه، ذهب أكثر من مرّة إلى أرض النّبوّة واجتازها شبرا شبرا، وكان- وهو يعاين المعالم والمواقع ويدقّقها- يعيش في الوقت ذاته، المناخ الذي تخلّقت فيه مفردات السيرة، ونسجت خيوطها، ويكفي أن نرجع إلى كتاب (الطريق إلى المدينة) «١» لكي نتلمّس طبيعة المعاناة الوجدانية التي حملها الرجل بين جنبيه وهو يتقلّب هناك.

стр. 7

إنّ هذه الخطوات كافة منحت الندويّ، كما منحت قلّة محدودة من الباحثين المعاصرين، السلاح الذي مكّنهم من دخول الساحة، والقدرة على التعامل مع السيرة بأكبر قدر ممكن من النفاذ والصدق. ثانيا: لم يقدم الندوي مباشرة على الكتابة في السّيرة، كمشروع شامل، قبل أن يمارس البحث في جوانب منها، كانت أشبه بخطوات على الطريق.. بتمرينات أولية، إذا صحّ التعبير، تمهيدا للعرض الجامع الأخير «١» وكان فضلا عن هذا يمارس التعامل مع السيرة باتجاه مواز آخر: الاستمداد من مادتها الخصبة وتعاليمها الغنية في الكثير من كتاباته ومحاضراته. ثالثا: بمرور الوقت يتبلور لديه إحساس متزايد بضرورة كتابة مولّف شامل عن السيرة، وكانت تغريه بذلك، فضلا عن المؤثّرات الذاتية والثقافية والمنهجية آنفة الذكر، خصائص ومواصفات كان يرى، محقّا، أنّ أيّ دراسة في السيرة لا تستكمل أسبابها بدون حضورها جميعا، فكيف إن غاب عامل أو أكثر عن رؤية الباحثين؟ كما حدث ويحدث لدى العديد من الذين تناولوا الموضوع من المستشرقين، والمنتمين لعالم الإسلام نفسه؟ كيف إن غاب معظمها أحيانا؟ ألا يتحتّم في مقابل هذا أن تتعزّز المحاولات المنهجية التي تسعى جهدها لاستكمال الأسباب، وأن تزيد وتتكاثر، على الأقلّ لمجابهة هذا السّيل من الأعمال الناقصة وموازنتها؟ إذا «فالسّيرة» التي ينادي الندويّ بها، ويسعى إلى تنفيذها في مؤلّفه

стр. 8

الذي بين أيدينا، يتحتّم قيامها على الخصائص وصيغ العمل التالية: ١- أن تبنى بأسلوب عصريّ علميّ، فما من شكّ في أنّ مناهج البحث المعاصرة ومعطيات العلوم الحديثة تقدّم وسائل جيّدة للمؤرّخ ما كان يملكها الباحثون القدماء، وبالتالي فإنها تساعد على الاقتراب أكثر من طبيعة الحدث التاريخي وتركيبه وعرضه بالصّيغ الأكثر دقّة، ويبدو أنّ من فضول القول، أن نشير هاهنا إلى أنّ هذه المناهج، وتلك المعطيات العلمية؛ ترتد في أصولها وبدرجة كبيرة- إلى معطيات الحضارة الإسلامية في هذه المجالات، وهي مسألة أكّدها الباحثون الغربيون أنفسهم في العديد من مؤلّفاتهم. وبمقدور المرء أن يلقي نظرة على السياق المنهجي للكتاب وعلى تهميشاته لكي ما يلبث أن يتبيّن له ما يتميّز به مؤلّف الندوي من تركيز، وتماسك، ومتابعة للحدث التاريخي الأساسي، دون خروج إلى تفاصيل جانبية، وما يلتزم به من توثيق للمعلومات من خلال تثبيت المصادر والمراجع بأجزائها وصفحاتها، وبشرح المفردات وتحديد الأعلام. أمّا اللغة فهي سلسة واضحة تسعى إلى التوصيل بأكبر قدر من الوضوح، وتتجاوز التعقيد والإغماض حتى في تعاملها مع النصوص المستمدّة من المصادر القديمة. وقد يختلف المرء مع المؤلّف في أمر واحد وهو أنّه لم يعتمد منهج التقسيم الموضوعي لأحداث السيرة ومفرداتها، وإنّما التزم خطّ التسلسل الزمني للأحداث رغم تقاطعها النوعي من حين لآخر، وهو منهج اعتمده معظم الباحثين المعاصرين في السّيرة. ٢- أن تعتمد على خير ما كتب في القديم والحديث، ذلك أنّ البحث الجادّ هو- بشكل من الأشكال- عمل نقديّ انتقائيّ، لا يستسلم بسهولة

стр. 9

لركام الروايات، ولا يغريه أحيانا التضخّم في المادة التاريخية، ومعروف أنّ السيرة قد عانت الكثير بمرور الزمن، من الإضافات في الخبر التاريخي، بموازاة ما كان يحدث في «الحديث» النبوي مما هو معروف، ومن ثم فإن أيّ محاولة لكتابة السيرة، أو إعادة كتابتها بشكل أدقّ، يتحتمّ أن تمارس اختيارا- مسؤولا بطبيعة الحال، وليس مجرّد هوى عشوائيّ- لخير ما قدمته المصادر القديمة عن السيرة من روايات موثقة أصلية، ولأحسن ما طرحته الدراسات الحديثة من تحاليل ومواقف واستنتاجات؛ قد تعين على إضاءة أشدّ تركيزا لموضوعات السيرة الخصبة المتشابكة، ولكن تبقى «المصادر الأولى الأصلية» الأساس الذي يقوم عليه البناء؛ لأنّ المادة الأولية التي يقام عليها الصرح موجودة هناك، ويكفي أن نلقي نظرة على قوائم المصادر التي اعتمدها المؤلف لكي يتبيّن لنا أنه لم يكد يترك مصدرا أساسيا إلّا ورجع إليه، وإن كان اعتماده المحوري كما هو واضح على «سيرة» ابن هشام و «زاد المعاد» لابن قيّم الجوزية، فضلا عن كتب «الصحاح» «١» . ٣- أن تحقّق تطابقا مدروسا بين مفرداتها كافة، وبين ما جاء في القرآن الكريم والسنة الشريفة الموثقة، ذلك أنّ المصدرين الأخيرين يحملان الصدق المطلق في تعاملهما مع الواقعة التاريخية، سواء بالنسبة للمنظور الإسلامي، أو حتى بالنسبة للمنظور المنهجي العام الذي أخذ يدرك، أكثر فأكثر، مصداقية المعطى التاريخي للقرآن والسنة، وهذا يعني بالمقابل، رفض

стр. 10

واستبعاد كل ما يتعارض مع هذين المصدرين من مفردات أقحمت على السيرة عبر الزمن فيما أصابها بالتضخّم، وأضاف إليها الكثير مما لم يكن فيها ابتداء. ولهذا السبب يدعو الندويّ إلى تجاوز ما يسمّيه «الأسلوب الموسوعي الحاشد للمعلومات في غير نقد وتمحيص» ، فإنّ بعض مؤرّخينا القدماء، أسوة ببعض أدبائنا القدماء، كان مغرما في سياق نزعة موسوعية جمّاعة، إلى أن يضيف ويحشد وينوّع، مؤثرا الحصيلة الكمية على حساب التركيز الوعي، مفتقدا- أحيانا- المنهج النقدي، الانتقائي، الممحّص، وهذا المنهج يقتضي أول ما يقتضي الإحالة المنضبطة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فضلا عن اعتماد معطيات المناهج الحديثة لما يمكن اعتباره إعادة للأمور إلى نصابها الحق فيما يتعلّق بنسيج السيرة، ويكفي أن يلقي المرء نظرة على هوامش الكتاب لكي تتبيّن له المساحات الواسعة التي اعتمد فيها المؤلّف على المعطيات التاريخية عن السيرة في كتاب الله وأحاديث رسوله ﵊. ومن أجل ألّا يتصوّر أحد، أو يخطر على باله، بأنّ دعوة الندويّ هذه قد تقود العمل باتجاه الانسياق وراء الاتجاهات الغربية المعاصرة في دراسة السيرة، فإنه يدعو إلى رفض تقليد هذه الاتجاهات أو «الخضوع لكتابات المستشرقين وأقوال المشكّكين» ، وهاهنا بصدد النقطة الأخيرة فإنّ منهج البحث الغربي، في حقل السيرة بالذات، قد يتعامل بصيغ نقدية حادة ومبالغ فيها، تقود بالضرورة إلى التشكيك بالكثير من أهمّ وقائع السيرة ومرتكزاتها، خاصة إذا تذكرنا المنظور المادي للرؤية الغربية، أو العلماني على أحسن الأحوال، هذا المنظور الذي يرفض البعد الغيبي في تعامله مع

стр. 11

التاريخ، أو يدفعه إلى الظل، الأمر الذي يلحق بالسيرة أذى كبيرا. أمّا الموقف (الإسلامي) الأصيل من السيرة، «الموقف المتوحّد الذي تتغلغل في نسيجه مشاعر الاحترام والتقدير والإعجاب والمحبة واليقين، والذي يجد في السيرة تعبيرا متكاملا عن العقيدة التي ينتمي إليها، فإنه يجد في الدراسات الاستشراقية (الخارجية) عن السيرة، تغرّبا عن مسلّماته، وخروجا صريحا على بداهاته، وما يمكن اعتباره محاولات متعمّدة لإصابة هذه المسلّمات والبداهات بالجروح والكسور، وهي- لحسن الحظّ- لن تفعل فعلها في يقينه، إلّا في حالات معيّنة، بينما نجدها تدفعه في أغلب الحالات وأعمها إلى الاشمئزاز والنفور. هذا مع أنّ معالجة واقعة تمتدّ جذورها إلى عالم الغيب، وترتبط أسبابها بالسماء، ويكون فيها (الوحي) همزة وصل مباشرة بين الله سبحانه ورسوله الكريم، ويتربّى في ظلالها المنتمون على عين الله ورسوله ليكونوا تعبيرا حيّا عن إيمانهم، وقدوة حسنة للقادمين من بعدهم.. واقعة كهذه لا يمكن بحال أن تعامل كما تعامل الجزئيات والذرات والعناصر في مختبر للكيمياء، أو كما تعامل الخطوط والزوايا والمنحنيات والمساحات والكتل على تصاميم المهندسين، بل ولا حتى كما تعامل الوقائع التاريخية التي لا ترتبط بأيّ بعد دينيّ أصيل، إنّنا هنا بمواجهة تجربة من نوع خاص، وشبكة من العوامل والمؤثرات تندّ عن حدود مملكة العقل الخالص، وتستعصي على التحليل المنطقي الاعتيادي المألوف، ومن ثمّ فإنّ محاولة قسرها على الخضوع لمقولات العقل الصرف ومعطيات المنطق المتوارثة لا يقود إلى نتائج خاطئة حينا، ولا تستعصي عليه بعض الظواهر حينا آخر فحسب، بل إنّه قد يقوم بما يمكن اعتباره جريمة قتل بشكل من الأشكال، أو محاولة لتفحّص الجسد

стр. 12

البشريّ كما لو كان في حالة سكون مطلق بعيدا عن تأثيرات الروح وتعقيدات الحياة. إنّ الدين، والغيب، والروح، لهي عصب السيرة وسداها ولحمتها، وليس بمقدور الحس أو العقل أن يدلي بكلمته فيها إلّا بمقدار، وتبقى المساحات الأكثر عمقا وامتدادا بعيدة عن حدود عمل الحواس وتحليلات العقل والمنطق، إننا- ونحن نتعامل مع هذا المستشرق أو ذاك في حقل السيرة النبوية- يجب أن ننتبه إلى هذه المسألة مهما كان المستشرق ملتزما بقواعد البحث التاريخي وأصوله، فإنّه من خلال رؤيته الخارجية، وتغرّبه، وعلمانيّته أو ماديته، يمارس نوعا من التكسير والتجريح في كيان السيرة ونسيجها، فيصدم الحس الديني ويرتطم بالبداهات الثابتة، وهو من خلال منظوريه العقلي والوضعي يسعى إلى فصل الروح عن جسد السيرة، على الجدل، وهو في كلتا الحالتين لا يمكن أن يخدم الموقف الإسلامي الجاد من سيرة رسول الله ﷺ أو يحتل موقفا جادّا منها بوجه من الوجوه» «١» . فلم يكن الندويّ مبالغا إذا باعتباره هؤلاء الباحثين «من المشكّكين» الذين يتحتّم أن نحذرهم، ونحن نسعى للإفادة من أعمالهم واستنتاجاتهم في هذا الموضوع أو ذاك من مواضيع السيرة، ونحاول- بدلا من ذلك- أن ننطلق من منهج إسلامي أصيل يضع النبوّة والغيب موضعهما الحق.

стр. 13

٤- أن يكون النصّ أو الرواية التاريخية، هو الحكم، هو مادة البناء الأساسية.. أن يحرّر من أيّة محاولة لتقييده بحكم مسبق، أو إغراقه بالتعليل والتحليل على حساب الواقعة نفسها.. أن تترك له حرية التعبير عن ذاته لكي ينطق بما كان فعلا لا بما يراد له أن يكون، وبما أنّ النصوص التاريخية للسيرة على قدر كبير من الاستيعاب للدقائق والتفاصيل، فيما لم يتهيّأ بهذا الخصب والغنى لأيّ سيرة أخرى في تاريخ البشرية، وذلك بفضل الروافد العديدة التي قدمت هذه التفاصيل، وغذّتها، وحمتها من الضياع في الوقت نفسه (وبخاصة القرآن الكريم، ومجاميع الحديث، وكتب السير والشمائل، فضلا عن كتب المغازي والمدوّنات التاريخية) .. فإنّ النشاط المحوري في كتابة سيرة رسول الله ﷺ ، ومهمّته الأساسية تنصبّ على العرض والترتيب والتركيز، واعتماد منهج سليم في العمل، ولغة مناسبة قديرة على التوصيل بشروطه المعاصرة. وبالتّالي فإنّ التأليف في السيرة لا يجابه بالضرورة- وكما يؤكّد الندويّ- صعوبة وغموضا ولا يقتضي افتراضا ولا قياسا، كما هو الحال في التراجم الآخرى حيث تشحّ المادة، وتتضارب الروايات، وتنتشر الفجوات الزمنية، وتتناقض الشواهد التاريخية، ولعلّ هذا هو الذي يفسّر ما يلحظه القارىء في سياق الكتاب من اعتماد متزايد على النصوص (الحرفية) ، ذلك أنّ هذه النصوص إذ تستكمل شرطيها الأساسيين وهما الوضوح في العرض والغنى في التفاصيل، لا تحتاج في كثير من الأحيان إلى بيان أو إضافة أو تعليل. ورغم ذلك كلّه فإنّ تقديم صورة مطابقة أمر مستحيل، لا سيّما وأنّنا نتعامل هاهنا مع ظاهرة النبوّة ذات الارتباطات الغيبية المتشابكة، فكلّ

стр. 14

ما كتب، وما سيكتب لا يعدو أن يكون محاولات للمقاربة في نهاية الأمر. ولعلّ هذه المسألة الأساسية، إلى جانب عوامل ثانوية أخرى، هي التي جعلت المؤلّف يتردّد حينا من الزمن في الكتابة عن الموضوع، لولا أنّ إلحاح المخلصين، وإلحاح الحاجة إلى مؤلّف بالعربية يتعامل مع الأجيال الجديدة على مستوى المنهج واللغة دون وقوع في سلبيّات المحاولات المعاصرة، فضلا عن تمرّس الندوي في كتابة الترجمة التاريخية، هي التي تغلبت في نهاية الأمر وجعلت الرجل يقدم على تنفيذ المشروع. ٥- هنالك أيضا محاولة لتحقيق توازنات بين ثنائيات شتى وبخاصة: أ- الموضوعية والوجدان الدينيّ. ب- العلمية والضرورات التربوية. ج- التوجّه بالخطاب إلى المسلم وغير المسلم. فلا يكفي، بالنسبة للمسألة الأولى أن يكون الباحث في السيرة (موضوعيا) ، أي أن يتعامل معها من الخارج، بل لا بدّ أن تكون هناك مساهمة على مستوى الذات.. مشاركة وجدانية تقرّب الباحث أكثر فأكثر من صميم حدث تاريخيّ ليس كالأحداث، وتجعله ينفعل به ويقدّر بالتالي طبيعته التكوينية.. نبضه وإيقاعه.. يلمس، قدر ما يستطيع، الخيوط التي نسجتها فيعرف مكوناتها. وهذا بالنسبة للسيرة بالذات، ليس نقيض الموضوعية، بل هو مع الموضوعية ومن شروطها، فإنّ النبوّة ليست تجربة وضعية الاندماج والتأثّر، والمعايشة الوجدانية، بل هي من ضرورات الإدراك والمقاربة، ومن ثم كان المؤرّخ المسلم، المتسلّح- طبعا- بسلاح المنهج العلمي؛ أقدر من غير

стр. 15

المسلم على خوض غمار التجربة وتقديم بحث أكثر أصالة وأعمق تعبيرا عن هذه الواقعة التاريخية المتفردة. «لنحاول أن نقرّب المسألة أكثر، إنّ العمل المعماري الكبير إذا أقيم على أسس خاطئة فإنّه سيفقد شرطين من شروطه الأساسية: التأثير الجمالي الذي يمكنه من أداء وظيفته الوجدانية، والمقوّمات العلمية التي تمكنه من أداء وظيفته العملية» . «إنّ البحث في (السيرة) بوجه خاصّ، ليستلزم أكثر من أيّ مسألة أخرى في التاريخ البشري هذين الشرطين اللذين يمكن أن يوفّرهما منهج متماسك سليم، يقوم على أسس علمية موضوعية لا تخضع لتحزّب أو ميل أو هوى، ويمتلك عناصر جماليته الخاصة التي تليق بمكانة الرّسول المتفرّدة ﷺ ودوره الخطير في إعادة صياغة العالم بما يردّ إليه الوفاق المفقود مع نواميس الكون والحياة، وقد كانت مناهج البحث الغربي (الاستشراقي) في السيرة تفتقر إلى أحد هذين الشرطين أو كليهما، وكانت النتيجة أبحاثا تحمل اسم السيرة وتتحدّث عن حياة الرسول ﷺ ، وتحلّل حقائق الرسالة، ولكنها يقينا- تحمل وجها وملامح وقسمات مستمدّة من عجينة أخرى غير مادة السيرة، وروحا أخرى غير روح النبوّة، ومواصفات أخرى غير مواصفات الرسالة. «إنّ نتائجها تنحرف عن العلم لأنّها تصدر عن الهوى، وتفقد القدرة على مسامتة عصر الرسالة وشخصية الرسول ﷺ ونقل تأثيراتهما الجمالية بالمستوى العالي نفسه من التحقّق التاريخي؛ لأنّها تسعى لأن تخضع حقائق السيرة لمقاييس عصر تنسخ كل ما هو جميل، وتزيّف كلّ ما هو أصيل، وتميل

стр. 16

بالقيم المشعّة إلى أن تفقد إشعاعها وترتمي في الكلمة، وقد تؤول إلى البشاعة» «١» . وتكاد المسألة الثانية التي يسعى الندويّ إلى تنفيذها، أن تكون امتدادا للأولى، ولكنّ المعنيّ بالتوازن هذه المرّة هو القارىء وليس الموضوع، فإلى جانب ضرورة التزام الجانب العلمي بالبحث في السيرة، فإنّ هناك ضرورة لا تقلّ أهمية هي الضرورة التربوية.. أن تقدم السيرة بصيغة عمل ذي رسالة تربوية تملك قدرتها على التأثير في القارىء وكهربته بتيّار الرسالة القادم من السماء، وهاهنا يمكن أن يكون اعتماد منهج حيوي مؤثّر يجانب الجمود والجفاف، ويتشكّل بالمؤثّرات التي مرّت بنا عبر الفقرات السابقة، مسألة ضرورية لتحقيق الهدف، وها هنا أيضا يرفض الندويّ ما يسمّيه «بالتجميل الخارجي أو التزيين الصناعي» لأنّ هذا في نهاية الأمر نقيض للجمال الباطني ولقوّة التأثير وصدقه. يبقى التوازن الثالث وهو التوجّه بالخطاب إلى المسلم وغير المسلم، وهي مسألة محسومة بمجرّد أن نتذكّر إلحاح الندويّ على اعتماد مناهج البحث الحديث وأدوات التوصيل المعاصرة.. فإنّ هذا بحدّ ذاته يعقد جسرا بين مفردات السيرة وبين القارىء الحديث، مسلما كان أم غير مسلم، ولعلّ اختيار كتابه هذا لكي يترجم إلى الإنكليزية، وعدد آخر من اللغات الحية، إنما كان اقتناعا بقدرته على التواصل مع غير المسلمين «٢» .

стр. 17

٦- يرى الندويّ ضرورة تسليط الضّوء عى البيئة التي ظهر فيها الرسول ﷺ وتشكّلت سيرته على أرضيتها.. البيئة ببعديها التاريخي والجغرافي، وبامتداديها المحلّي والعام (ويمكن أن تكون الخرائط الدقيقة التي أرفقت بالكتاب امتدادا لهذه الضرورة) . ويكاد يكون مؤلّف الندويّ، من بين قلّة من المؤلّفات الحديثة، التي تناولت السيرة، من أولى اهتماما ملحوظا بهذه المسألة، وخصّص لها مساحات واسعة في كتابه «١» . ورغم أنّ معطيات السّيرة، في المنظور الإسلامي، تتجاوز في نهاية الأمر حدود الزمن المرحليّ والمكان المحدود، باتّجاه كلّ زمن وكلّ مكان، ورغم أنها- في هذا المنظور نفسه- تشكّلت في جانبها الخاص بظاهرة النبوّة، بعلم الله اللدني الشامل الذي يعلو على نسبيّات الجغرافية ومتغيرات الحركة التاريخية، فإنّها- أي السيرة- وفي المنظور الإسلامي كذلك، ابنة بيئتها، وليدة زمنها وجغرافيتها، إذ لا يمكن بحال فصل نسيجها عن ارتباطه المتشابك بالبيئة.. بل إنّنا لو تابعنا مفردات السيرة واحدة واحدة، لرأيناها لا تكاد تتحوّل إلى «العام» إلّا بعد اجتيازها (الخاص) وتعاملها معه، وسنكون غير علميّين بالمرّة لو أنّنا أغفلنا هذا الارتباط بحجّة عالمية الرسالة وديمومتها، وعدم تقيّدها بالنسبيّ أو المحدود، وسنقع كذلك في المظنّة

стр. 18

التي أسرت الفكر الغربي، وهذه النظرة أحادية الجانب تلك التي تتشنج على مساحة محدّدة من الظاهرة، وتتشبّث بها دون أن تقلبها على وجوهها لمتابعة الجوانب الآخرى، وهاهنا بصدد السّيرة، فإنّنا يجب أن نولي اهتماما للوجهين معا: العام والخاص، المطلق والبيئي، لأنّ إغفال الجانب الثاني سيجرّنا إلى المثالية بمفهومها التجريدي المنفصل عن الواقع والأرضية. وإنّنا بمجرّد أن نلقي نظرة ولو سريعة على أسباب النزول في القرآن الكريم، فلسوف نرى بأمّ أعيننا كيف أنّ كثيرا من التعاليم والقيم القرآنية، تخلّقت من تفاصيل بيئية صرفة.. من حدث تاريخيّ عابر أو تحدّ جغرافيّ محدود.. من تجربة هذا الرجل أو ذاك، ومن محنة هذه الجماعة أو تلك.. من سؤال أو اقتراح قد يتقدّم به هذا الصحابيّ أو ذاك فيما يعايشونه يوما بيوم وخطوة بخطوة.. لكنّ هذه التعاليم والقيم لم تأسرها مواصفات البيئة ونسبياتها، ولا أريد لها أن تكون كذلك، إذ أنّها سرعان ما تجاوزت ظروف تشكّلها، الخاصة صوب العام.. صوب المطلق، بعيدا عن متغيرات الجغرافية والتاريخ لكي نتعامل مع الإنسان في كلّ زمن ومكان. ولقد شاء علم الله- الذي هو سبحانه أعلم بمن خلق- ألّا يصوغ القيم والتعاليم في كتابه الكريم، وسنّة نبيّه عليه أفضل الصلاة والسلام، في الفراغ أو من الفراغ، إنما جعلها سبحانه تتشكل في البيئة، في الجغرافية والتاريخ، وبتبادل واقعيّ منظور بين الطّرفين لكي تكون أشدّ حضورا، وأعمق تأثيرا، وذلك مذهب مهمّ من مذاهب التربية العقيدية عبر التاريخ. ونحن نعرف، على سبيل المثال فحسب، لماذا لم تتنزّل المقاطع

стр. 19

القرآنية الخاصة بمعركة أحد.. المقاطع المترعة بالقيم والتعاليم، إلّا بعد هزيمة أحد مباشرة، وليس بعيدا عنها أو بدونها.. وقل مثل ذلك عن حشود كثيفة أخرى من مفردات السيرة. إذا فإنّ سعي الندويّ لإضاءة البيئة التي تشكّلت فيها هذه المفردات، وتأكيده على تأثيراتها المتشابكة في الحدث النبويّ، أمر بالغ الأهمية، وهو يشكلّ في الواقع واحدة من أهمّ الإضافات التي تقدّمها دراسته إلى حقل السيرة، بل واحدة من أهمّ مبرّرات إخراجها إلى الوجود. بقلم الدّكتور عماد الدّين خليل

стр. 20

ترجمة العلّامة المؤلّف «رحمة الله تعالى» هو المربّي العظيم، والداعية الحكيم، والمفكّر المجدّد، والأديب البارع، والكاتب القدير، وعلّامة الهند، وربّانيّ الأمّة، ونموذج السّلف، والعالم العامل، والحبر الكامل، والزّاهد المجاهد: الشيخ السيّد أبو الحسن علي الحسني الندوي، صاحب الكتب الفائقة، والرّسائل الرائقة، والمحاضرات النافعة، «والذي أجمع عليه السلفيّون والمتصوّفون، والمذهبيون واللّامذهبيون، والتقليديون والمعاصرون» «١» ، و «الذي أخلص وجهه لله تعالى، وسار في حياته سيرة المسلم المخلص لله تعالى ورسوله ﷺ ، فدعا إلى الإسلام بالقدوة الحسنة، ودعا إلى الإسلام بكتبه النقية، ودعا إلى الإسلام بسياحته التي حاضر فيها، ووجّه وأرشد» «٢» ، و «الذي [كان] ذخرا للإسلام ودعوته، وكتبه ومؤلّفاته تتميّز بالدّقة العلمية، وبالغوص العميق في تفهّم أسرار الشريعة، وبالتحليل الدقيق لمشاكل العالم الإسلامي ووسائل معالجتها» «٣» ، و «الذي عرفته في

стр. 21

شخصيته وفي قلمه، فعرفت فيه قلب المسلم، والعقل المسلم، وعرفت فيه الرجل الذي يعيش بالإسلام وللإسلام على فقه جيّد للإسلام.. هذه شهادة لله أودعها» «١» ، و «الذي [كان] مدرسة فكرية افتقدها العالم الإسلاميّ برحيله» «٢» . اسمه ونسبه وأسرته: هو عليّ أبو الحسن بن عبد الحي بن فخر الدين الحسني، ينتهي نسبه إلى عبد الله الأشتر بن محمّد ذي النّفس الزكية بن عبد الله المحض، بن الحسن (المثنّى) بن الإمام الحسن السبط الأكبر بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵃. أوّل من استوطن الهند من هذه الأسرة في أوائل القرن السابع الهجري هو الأمير السيّد قطلب الدين المدني (٧٧٦ هـ) . والده مؤرّخ الهند الكبير العلّامة الطبيب السيّد عبد الحيّ الحسني، الذي استحقّ بجدارة لقب «ابن خلّكان الهند» لمؤلّفه القيم «نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر» في ثماني مجلّدات عن أعلام المسلمين في الهند وعمالقتهم، طبع أخيرا باسم «الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام» «٣» . أمّا والدته- رحمها الله- فكانت من السيّدات الفاضلات، المربيات النادرات، المؤلّفات المعدودات، والحافظات للقرآن الكريم، تقرض الشعر، وقد نظمت مجموعة من الأبيات في مدح رسول الله ﷺ .

стр. 22

ميلاده ونشأته: أبصر العلّامة أبو الحسن الندوي النور في ٦ محرم ١٣٣٣ هـ (الموافق عام ١٩١٤ م) بقرية «تكية كلان» الواقعة قرب مديرية «رائي بريلي» في الولاية الشمالية «أترابرديش» . بدأ دراسته الابتدائية من القرآن الكريم في البيت، ثم دخل في الكتّاب حيث تعلّم مبادىء اللغتين (الأردوية والفارسية) شأن أبناء البيوتات الشريفة في الهند في ذلك العصر، وكان عمره يتراوح بين التاسعة والعاشرة إذ توفّي والده الجليل عام ١٣٤١ هـ (١٩٢٣ م) . فتولّى تربيته أمّه الفاضلة، وأخوه الأكبر الدكتور عبد العلي الحسني «١» وإليه يرجع الفضل في توجيه وتربية العلامة الندوي. بدأ دراسته العربية على الشيخ خليل بن محمّد الأنصاري اليماني «٢» في أواخر عام ١٩٢٤ م، وتخرّج عليه مستفيدا في الأدب العربي، ثمّ توسّع فيه وتخصّص على الأستاذ الدكتور تقي الدين الهلالي المرّاكشي «٣» عند مقدمه إلى ندوة العلماء عام ١٩٣٠ م.

стр. 23

دراسته الجامعيّة: التحق بجامعة لكهنؤ فرع الأدب العربي عام ١٩٢٧ م، ولم يتجاوز عمره آنذاك الأربعة عشر عاما، وكان أصغر طلبة الجامعة سنا، ونال منها شهادة الليسانس في اللغة العربية وآدابها، قرأ خلال أيام دراسته في الجامعة كتبا تعتبر في القمّة العربية والأردوية، ممّا أعانه على القيام بواجب الدعوة وشرح الفكرة الإسلامية الصحيحة، وإقناع الطبقة المثقّفة بالثقافة العصرية، وتعلّم الإنجليزية مما مكّنته من قراءة الكتب المؤلّفة بها في التاريخ والأدب والفكر. ثمّ التحق بدار العلوم- ندوة العلماء عام ١٩٢٩ م وقرأ الحديث الشريف (صحيح البخاري، ومسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي) حرفا حرفا مع شيء من تفسير البيضاوي على العلّامة المحدّث الشيخ حيدر حسن خان الطّونكي «١» ، ودرس التفسير لكامل القرآن الكريم على العلّامة المفسّر المشهور أحمد علي اللّاهوري في لاهور عام ١٣٥١ هـ/ ١٩٣٢ م، وحضر دروس العلّامة المجاهد حسين أحمد المدني «٢» في صحيح البخاري وسنن الترمذي خلال إقامته في دار العلوم ديوبند، واستفاد منه في التفسير وعلوم القرآن أيضا. في سلك التدريس: انخرط في سلك التدريس عام ١٩٣٤ م، وعيّن أستاذا في دار العلوم ندوة العلماء لمادّتي التفسير والأدب.

стр. 24

واستفاد خلال تدريسه في دار العلوم من الصّحف والمجلّات العربية الصادرة في البلاد العربية، ممّا عرفه على البلاد العربية وأحوالها، وعلمائها وأدبائها ومفكّريها عن كثب، واستفاد أيضا من كتب المعاصرين من الدعاة والمفكّرين العرب وفضلاء الغرب والزعماء السياسيّين. نشاطاته الدعويّة والإصلاحية: قام برحلة استطلاعية للمراكز الدينية في الهند عام ١٩٣٩ م، تعرّف فيها على الشيخ المربّي العارف بالله عبد القادر الرّأي فوري «١» ، والداعية إلى الله الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي «٢» ، وكان هذا التعرّف نقطة تحوّل في حياته، وبقي على الصلة بهما حتى وافاهما الأجل المحتوم، وتلقّى التربية الروحية من الشيخ الرأي فوري واستفاد من صحبته ومجالسته، وتأسّى بالشيخ الكاندهلوي في القيام بواجب الدّعوة وإصلاح المجتمع، وقضى زمنا طويلا في رحلات وجولات دعوية متتابعة للتربية والإصلاح والتوجيه الديني في الهند وخارجها. أسّس مركزا للتعليمات الإسلامية لتنظيم حلقات درس القرآن الكريم والسنّة النبوية عام ١٩٤٣ م، وأسّس حركة رسالة الإنسانية بين المسلمين والهندوس عام ١٩٥١ م، والمجمع الإسلامي العلمي بدار العلوم- ندوة العلماء في لكهنؤ عام ١٩٥٩ م. شارك في تأسيس هيئة التعليم الديني للولاية الشمالية (أترابرديش) عام ١٩٦٠ م، وفي تأسيس المجلس الاستشاري الإسلامي لعموم الهند

стр. 25

عام ١٩٦٤ م، وفي تأسيس هيئة الأحوال الشخصية الإسلامية لعموم الهند عام ١٩٧٢ م. رحلته مع الكتابة والتأليف: كتب أوّل مقال بالعربية في مجلّة «المنار» للعلّامة السيّد رشيد رضا المصري عام ١٩٣١ م حول شخصية الإمام السيّد أحمد بن عرفان الشهيد، وكان عمره- آنذاك- أربعة عشر عاما، ثم نشره العلّامة رشيد رضا ككتاب مستقل لمّا رأى إعجاب كبار كتّاب العرب به. ظهر له أوّل كتاب بالأردوية عام ١٩٣٧ م يحمل اسمه «سيرة أحمد شهيد» ونال قبولا عاما في الأوساط الدينية والعلمية في الهند وباكستان، وصدر له طبعات عديدة فيما بعد. بدأ سلسلة تأليف الكتب المدرسية بالعربية، وظهر أوّل كتاب فيها بعنوان «مختارات من أدب العرب» عام ١٩٤٠ م، و «قصص النبيّين» للأطفال و «القراءة الراشدة» عام ١٩٤٤ م، وقرّر جميع هذه الكتب في مقرّرات المعاهد والجامعات الإسلامية في بلاد العرب وشبه القارة الهندية. ألّف كتابه المشهور «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟» عام ١٩٤٤ م، الذي عدّ من أفضل الكتب التي صدرت في هذا القرن «١» . دعي أستاذا زائرا في كلية الشريعة بجامعة دمشق عام ١٩٥٦ م، وألقى محاضرات بعنوان «التجديد والمجدّدون في تاريخ الفكر الإسلامي» نشرت بعد ذلك في شكل كتاب مستقلّ في أربع مجلّدات باسم «رجال الفكر والدعوة في الإسلام» .

стр. 26

ألّف كتابه حول القاديانية بعنوان «القادياني والقاديانية» عام ١٩٥٨ م، وكتابه «الصراع بين الفكرة الإسلامية والغربية في الأقطار الإسلامية» عام ١٩٦٥ م وكتابه «الأركان الأربعة» عام ١٩٦٧ م، و «السيرة النبوية» عام ١٩٧٦ م، و «العقيدة والعبادة والسلوك» عام ١٩٨٠ م و «المرتضى» في سيرة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- ﵁ عام ١٩٨٨ م. رئاسته لتحرير المجلّات والجرائد الإسلامية والإشراف عليها: شارك في تحرير مجلّة «الضياء» العربية الصادرة من دار العلوم- ندوة العلماء عام ١٩٣٢ م ومجلّة «الندوة» الأردوية الصادرة منها أيضا عام ١٩٤٠ م، وأصدر مجلّة باسم «تعمير حيات» بالأردوية عام ١٩٤٨ م، وكتب مقالات في الأدب والدعوة والفكر في أمّهات المجلّات العربية الصادرة من مصر ودمشق ك: «الرّسالة» للأستاذ أحمد حسن الزيّات و «الفتح» للأستاذ محب الدين الخطيب و «حضارة الإسلام» للدكتور مصطفى السّباعي و «المسلمون» للدكتور سعيد رمضان المصري. أشرف على إصدار جريدة «نداي ملّت» بالأردوية عام ١٩٦٢ م، وأشرف كذلك على إصدار مجلّة «البعث الإسلامي» العربية الصادرة منذ عام ١٩٥٥ م، وجريدة «الرائد» العربية الصادرة منذ عام ١٩٥٩ م، ومجلة «تعمير حيات» الأردوية الصادرة منذ عام ١٩٦٣ م، وكلّها تصدر من دار العلوم- ندوة العلماء في لكهنؤ، (الهند) . رحلاته: سافر إلى الشرق والغرب داعية إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، عاملا على إعلاء كلمة الإسلام بالكلمة المسموعة والمقروءة، وبالعمل

стр. 27

الإيجابيّ البنّاء في كلّ مجال، جوّابا للآفاق في سبيل الله، محاضرا، ومحدّثا، ومحاورا، واعظا وهاديا، ومشاركا بالرأي والفكر في المجالس العلمية، والمجامع الجامعية والمؤسّسات الإسلامية، والمؤتمرات والندوات فيها «١» . تقدير وتكريم: انتخبه مجمع اللغة العربية بدمشق والقاهرة والأردن عضوا مراسلا لما اتّصف به من العلم الجمّ، والبحث الدقيق في ميادين الثقافة العربية والإسلامية، ولمساعيه المكثّفة المشكورة في الأدب العربي الإسلامي. اختير عضوا في المجلس الاستشاري الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة منذ تأسيسها عام ١٩٦٢ م. اختير عضوا في رابطة الجامعات الإسلامية منذ تأسيسها عام ١٩٧١ م. اختير لاستلام جائزة الملك فيصل العالمية عام ١٩٨٠ م، لمؤلّفه القيّم «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟» . منح شهادة الدكتوراه الفخرية في الآداب من جامعة كشمير عام ١٩٨١ م. اختير رئيسا لمركز أو كسفورد للدراسات الإسلامية بلندن عام ١٩٨٣ م. اختير عضوا في المجمع الملكيّ لبحوث الحضارة الإسلامية وللبحث والتأليف والتحقيق في عمّان (الأردن) . اختير رئيسا عاما لرابطة الأدب الإسلامي العالمية (الرياض) عام ١٩٨٤ م.

стр. 28

أقيمت ندوة أدبية كبيرة حول حياته، وجهوده الحثيثة ومساعيه المشكورة، ومفاخره العظيمة في مجال الدعوة والأدب في إستانبول «تركيا» عام ١٩٩٩ م، حضرت فيها كبرى الشخصيات الدينية، والأدبية من أنحاء العالم العربي والإسلامي. اختير لاستلام جائزة الشخصية الإسلامية لعام ١٤١٩ هـ لخدماته الجليلة وماثره العظيمة في مجال الدعوة الإسلامية، وقدّم إليه الجائزة وليّ العهد لحكومة الإمارات العربية المتحدة سموّ الشيخ محمد بن راشد المكتوم. منح له سلطان برونائي جائزة لخدماته الإسلامية، عام ١٩٩٨ م، وذلك اعترافا بمكانته العلمية والفكرية الإسلامية العظيمة، وتقديرا لخدماته المتميزة التي أنجزها في مجال الدعوة الإسلامية العظيمة، والفكر الإسلامي. رئاسته وعضويته للجامعات والمجامع: تولّى العلامة الندوي الرئاسة والعضوية لعدّة جامعات إسلامية، ومجامع عربية، ومنظّمات دعوية، ومراكز دينية في العالم الإسلامي وخارجه، ومنها على سبيل المثال: الأمين العام لدار العلوم- ندوة العلماء (الّتي أخذت صفة العالمية منذ ترأس أمانتها، وتفوّقت على معظم جامعات العالم الّتي تهتمّ بشؤون الدراسات الإسلامية والعربية) . رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية (الرياض) . رئيس المجمع الإسلامي العلمي في لكهنؤ (الهند) . رئيس مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية (إنجلترا) . رئيس هيئة الأحوال الشخصية الإسلامية لعموم الهند.

стр. 29

رئيس هيئة التعليم الدّيني للولاية الشمالية (أترابرديش) . عضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة. عضو المجلس التأسيسي الأعلى العالمي للدعوة الإسلامية بالقاهرة. عضو مجمع اللغة العربية بدمشق. عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة. عضو مجمع اللغة العربية الأردني. عضو المجمع الملكيّ لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسّسة آل البيت) بالأردن. عضو رابطة الجامعات الإسلامية بالرّباط (المغرب) . عضو المجلس الاستشاري الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة. عضو المجلس الاستشاري الأعلى للجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد (باكستان) . عضو المجلس الاستشاري بدار العلوم ديوبند الإسلامية (الهند) . وعدا ذلك تولّى العلامة الرئاسة والعضوية لكثير من الجامعات الإسلامية، والمراكز الدينية والمنظّمات الدعوية، ولجان التعليم والتربية في العالم الإسلامي وخارجه. وفاته: توفّي- ﵀ عقب نوبة قلبية مفاجئة عن السادسة والثمانين من عمره الحافل بالأعمال القيامة والماثر العظيمة، والخدمات الجليلة في مجال الفكر والدّعوة والأدب يوم الجمعة في ٢٣ من شهر رمضان المبارك عام ١٤٢٠ هـ

стр. 30

(وكان آخر يوم من شهر ديسمبر عام ١٩٩٩ م) في مسقط رأسه «رائي بريلي» . صلّي عليه في أنحاء العالم الإسلامي صلاة الغائب، وصلّى كذلك حوالي خمسة ملايين من المسلمين الوافدين من مختلف أصقاع العالم في الحرمين الشريفين في ٢٧ رمضان بعد صلاة العشاء، ﵀ رحمة واسعة، وتغمّده بها وأسكنه فسيح جنانه. خلقه وخلقه: كان- ﵀ نحيف البدن، ونحيل العود، نقيّ اللون، وقورا مهيبا في غير عبوس أو فظاظة، طلق الوجه دائم البشر، نظراته عميقة نفاذة، ونبراته دقيقة أخّاذة، فيها بحة. كان جمّ التواضع، هادئا، محبا للخير، ودودا محبوبا من كافة الطبقات. كان خير مثل للعالم، الورع الخلوق، الذي يضمر الخير للجميع، كان مثالا في النزاهة، والتواضع والجرأة النادرة في الدعوة إلى الإصلاح، وفي الاستقامة، والحرص على الحقّ. كان عدوّا للمظاهر الكاذبة، يتخفّف في ثيابه وطعامه وفراشه، ويكره التكلّف والمجاملة الزائدة، ولا يقيم للمال وزنا في حياته، كانت ثقته بربّه فوق كلّ شيء، وكانت مثابرته على النضال في سبيل ما يؤمن به مضرب الأمثال، وإخلاصه العميق كان سرّ نجاحه، بينما يفشل الآخرون. كان دائم المطالعة، حريصا على صحبة الكتاب في خلواته وأوقات فراغه، وكان شديد الاهتمام والعناية بكتب السيرة- على صاحبها ألف ألف سلام- وبكتب السلف والتاريخ والأدب.

стр. 31

كان فصيح اللسان، بليغ الكلام، وكان يمتاز بتمكّن عجيب من اللغة العربية، وتذوّق رفيع للأدب، وكانت تراكيبه اللفظية تلفت السامع، وتستهوي القلب، وكان يغلب على أسلوبه العنصر العاطفي الملتهب، ومع ذلك إذا طرق باب البحث أجاد وأفاد وأمتع. كان شديد العبادة والاجتهاد في رمضان، وكان يؤمّه مئات من الناس من أنحاء الهند ويصومون معه ويقومون، ويتحوّل المكان الذي يقضي فيه رمضان إلى زاوية عامرة بالذكر والتلاوة، والسهر والعبادة. كان من أعظم آماله- ﵀ أن يرى الإسلام سائدا على الأرض، وأن يرى الدول الباغية مقهورة حتى يسلّي نفسه ويستبشر، ويرى انتقام الله من الذين حاربوا الإسلام وأذلّوا المسلمين. مؤلّفاته: للعلّامة الندوي- ﵀ مؤلّفات قيمة، ورسائل ممتعة في السيرة، والفكر، والدّعوة، والأدب، والتراجم، نذكر هنا ما هو الأشهر منها بالعربيّة: ١- السيرة النبوية. ٢- الطريق إلى المدينة. ٣- سيرة خاتم النبيين ﷺ (للمبتدئين) . ٤- المرتضى (في سيرة سيدنا علي بن أبي طالب ﵁ . ٥- رجال الفكر والدّعوة في الإسلام (أربع مجلّدات) . ٦- الداعية الكبير الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي ودعوته إلى الله.

стр. 32

٧- شخصيات وكتب. ٨- ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟! ٩- الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية. ١٠- الإسلام وأثره في الحضارة وفضله على الإنسانية. ١١- إلى الإسلام من جديد. ١٢- المسلمون وقضية فلسطين. ١٣- روائع من أدب الدعوة في القرآن والسيرة. ١٤- الأركان الأربعة في ضوء القرآن والسنة. ١٥- العقيدة والعبادة والسّلوك. ١٦- التربية الإسلامية الحرّة. ١٧- المدخل إلى الدراسات القرآنية. ١٨- المدخل إلى دراسات الحديث. ١٩- ربّانية لا رهبانيّة. ٢٠- القاديانية والقادياني دراسة وتحليل. ٢١- في مسيرة الحياة (ثلاثة أجزاء في سيرته الذاتية) . ٢٢- مختارات من أدب العرب (مجلّدان) . ٢٣- روائع إقبال. ٢٤- إذا هبّت ريح الإيمان. ٢٥- المسلمون في الهند. ٢٦- مذكّرات سائح في الشرق العربي.

стр. 33

٢٧- قصص النبيّين (للأطفال) . ٢٨- قصص من التاريخ الإسلامي (للأطفال) . وللعلّامة غير هذه المؤلّفات والكتب- مئات المقالات والمحاضرات والبحوث في السيرة النبوية، والفكر، والدّعوة، والأدب، والتراجم وفي موضوعات مختلفة، وقد جمعناها ونشرناها مصحّحة ومنقّحة في سلسلة «تراث العلّامة الندوي» فقد صدر منها حتى الآن: ١- محاضرات إسلامية في الفكر والدّعوة (ثلاث مجلّدات) . ٢- مقالات إسلامية في الفكر والدّعوة (مجلّدان) . ٣- دراسات قرآنية. ٤- مقالات في السيرة النبوية. ٥- من أعلام المسلمين ومشاهيرهم. ٦- أبحاث في التعليم والتربية الإسلامية. ٧- أبحاث في الحضارة الإسلامية والتربية. ٨- بحوث في الاستشراق والمستشرقين. ٩- رحلات العلّامة أبي الحسن علي الحسني الندوي. ١٠- مكانة المرأة في الإسلام. ١١- خطابات صريحة إلى الأمراء والرّؤساء. ١٢- اسمعيّات «١» .

стр. 34

السّيرة النّبويّة للدّاعية الحكيم، المفكّر الإسلاميّ الكبير للعلّامة السيد أبي الحسن علي الحسني النّدوي (١٣٣٣- ١٤٢٠ هـ) (١٩١٤- ١٩٩٩ م) تحقيق وتعليق سيّد عبد الماجد الغوريّ

стр. 35

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة الطّبعة الحادية عشرة الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين وخاتم النبيين، محمد وآله وصحبه أجمعين. أما بعد! فإنّ أكبر مجموع من كلمات الشّكر، وإبداء السرور، لا يكفي للتعبير عما يجده مؤلّف الكتاب- الذي يعرف قدره- من السرور، والشكر والامتنان، على صدور الطبعة الحادية عشرة لكتابه المفضّل المحبوب «السيرة النبوية» في سنة ١٤١٥ هـ- ١٩٩٥ م، ولا يجد إلى ذلك سبيلا إلّا أن يستعين بالقول المأثور في الشكر والامتنان، والاعتراف بالفضل والإحسان، «الحمد لله الذي بعزّته وجلاله تتمّ الصالحات» . وينتهز المؤلّف- ككلّ مؤلّف فاحص يواصل سيره في طلب المزيد الجديد، والمنير المفيد، في رحلته العلمية التأليفية- هذه الفرصة لضمّ زيادات، ليست كبيرة القامة، ولكنها كبيرة القيامة، وتعديلات يسيرة، إلى هذه الطبعة الحادية عشرة، وآثر- في ضوء تجاربه كمؤلّف- أن يكون ذلك تحت إشرافه وعلى كثب منه. وإلى القراء الكرام، والمؤسّسات العلمية، والمراكز التعليمية والتربوية؛ التي عنيت بهذا الكتاب وأثرته دراسة وتدريسا، وفحصا وتدقيقا، هذه الطبعة الجديدة المزيدة، والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا. ١ سلخ رجب ١٤١٦ هـ ٢١/ ١٢/ ١٩٩٥ م ٢ المؤلف أبو الحسن علي الحسني النّدوي دار العلوم لندوة العلماء- لكهنؤ

стр. 36

تقديم الطّبعة السّابعة الحمد لله ربّ العالمين، والسلام على سيّد المرسلين وخاتم النبيين محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد؛ فقلب المؤلّف وقلمه يسجدان لله شكرا ويلهجان بحمده نطقا وكتابة، على تقديم الطبعة السابعة «للسيرة النبوية» فقد صدرت الطبعة الأولى سنة ١٣٩٧ هـ (١٩٧٧ م) والطبعة السادسة في ١٤٠٥ هـ (١٩٨٤ م) ، من دار الشروق بجدّة، ولقي الكتاب من القرّاء والمعنيّين بالموضوع، ورجال التربية والمؤسّسات العلمية، عناية يحمد الله عليها المؤلّف، ونقلت إلى عدّة لغات غير العربية مثل الأردوية والهندية (اللغة الرسمية في الهند القريبة إلى السّنسكريتية) والإنجليزية والتركية والأندونيسية، وعني بها الدارسون في إطار هذه اللغات المنتشرة في نطاق واسع. وقد سنحت للمؤلّف فرصة الاطّلاع على ما كتب في السيرة النبوية وما يتصل بها تاريخيا، وجغرافيا، وحضاريا، واجتماعيا، ودراسات مقارنة، خصوصا في اللغات الثلاث: العربية، والأردوية، والإنجليزية، في هذه الفترة، فالتقط منها بعض ما يزيد في المواد الموضوعية، وشرح خلفيات الحوادث والدراسة المقارنة، ويلفت نظر المؤلّف إلى إيضاح بعض الجوانب التاريخية والعلمية، والدعوية في السيرة النبوية فاستفاد من ذلك، وقام بضمّ زيادات ذات قيمة يبلغ عددها إلى عشرين زيادة، بين موجزة ومستفيضة، يجدها القارىء في مكانها. ولم يقتصر المؤلّف- من أوّل عهده بتأليف هذا الكتاب، إلى استئناف

стр. 37

النظر فيه والزيادة والتنقيح- على عرض الوقائع والأخبار ومجرّد التاريخ والتوقيت كقائمة معلومات رتيبة خشبية، بل عني كذلك باستنتاج نتائج عميقة المعنى بعيدة المدى، ذات قيمة في دراسة سير الأنبياء ودعواتهم، لا سيّما سيرة سيّدهم وخاتمهم ﷺ ودعودته، وفي النفسيات البشرية، وعلم الاجتماع والأخلاق، وهي من وحي السيرة ومن حقوقها وواجباتها على الدارس المؤمن والمعنيّ بتربية الأجيال المسلمة، وتوجيه المربّين والدعاة، والمؤلّفين والباحثين في موضوع السيرة. وقد جاءت هذه الطبعة- بتوفيق الله تعالى ويسره- جامعة بين مواد السيرة الأصيلة الموثوق بها، وبين أحدث ما كتب وتوصّل إليه الباحثون في هذا الموضوع، وبين الأمانة التاريخية والتحقيق العلمي، وبين تغذية الإيمان والعاطفة بما لا سبيل إليه إلّا في السيرة، وهي غاية أكبر عدد من قرّائها، وحاجة الجميع من أفراد البشر، وذلك من غير تفخيم أو تلوين، فالسيرة غنيّة عن كلّ هذا، فائقة في روعتها وجمالها، قائمة بذاتها في التأثير على النفوس والعقول. وأخيرا المؤلّف يحمد الله على أنه فسح في أجله، وهيّأ له الأسباب، حتّى يتمكّن من النظر في كتابه وتناوله بالتنقيح والزيادة، ويشكر «دار الشروق» العزيزة وصاحبها الحبيب الفاضل سعادة الأستاذ محسن أحمد باروم على عنايتها بنشر هذا الكتاب وإصداره طبعة بعد طبعة، والعناية بحسن إخراجه، ويسأل الله لهما التوفيق الدائم وحسن القبول. ١ بومباي الهند ١٧/ من ربيع الثاني ١٤٠٧ هـ ٢٠/ ١٢/ ١٩٨٦ م ٢ أبو الحسن عليّ الحسني النّدوي أمين عام ندوة العلماء لكهنؤ (الهند)

стр. 38

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة الكتاب في طبعة الأولى «١» الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين وخاتم النبيين، محمّد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أمّا بعد؛ فقد كانت السيرة النبوّية- على صاحبها الصلاة والسّلام- المدرسة الأولى التي تعلّم فيها مؤلف هذا الكتاب، وقد دخلها في سنّ مبكّرة، لا يدخل فيها الأطفال في عامة الأحوال، والفضل في ذلك يرجع إلى الجوّ الذي كان يسود بيته وأسرته، فقد كانت السيرة تكوّن عنصرا أساسيا في الثقافة التي يتلقّاها أبناء الأسرة وأطفال البيت، وإلى المكتبة الصغيرة البسيطة المؤلّفة من منظوم ومنثور، التي كانت تنتقل من يد إلى يد، ثم إلى تربية أخيه الأكبر الدكتور السيد عبد العلي الحسني، وتوجيهه الحكيم، فقرأ في صباه أفضل ما كتب في السيرة النبوية في «أردو» - لغة مسلمي الهند-، وهي أغنى لغات العالم الإسلامي بعد اللغة العربية في موضوع السيرة، وهي تحتوي على أقوى وأجمل ما كتب فيها في العصر الأخير «١» . ثم لمّا صار يشدو باللغة العربية عكف على كتب السيرة، التي ألّفت

стр. 39

فيها، وكانت في مقدّمتها «السيرة النبوية» لابن هشام، و «زاد المعاد في هدي خير العباد» لابن قيّم الجوزية، ولم يدرسهما دراسة علمية فحسب، بل عاش فيهما زمنا طويلا، يذوق بهما حلاوة الإيمان، ويغذّي بما جاء فيهما من القصص والأخبار عاطفة الحبّ والحنان، ومن المقرّر أن السيرة أقوى العناصر التربوية وأكثرها تأثيرا في النفس والعقل بعد القرآن، ثم قرأ ما وصلت إليه يداه من كتب السيرة المؤلّفة قديما وحديثا، وفي لغات مختلفة. وكانت السّيرة هي المادّة الأولى التي يعتمد عليها في كتاباته ومحاضراته، يستمد منها القوّة في البيان، والتأثير في العقول والقلوب، والدلائل القوية، والأمثلة البليغة، لإثبات ما يريد إثباته، وهي التي كانت ولا تزال تفتّق قريحته، وتشعل مواهبه، وما من كتابة ذات قيمة من كتاباته إلا وعليها مسحة من جمال السيرة، وفضل لدراستها والتأمل فيها. وقد جمع ما كتب في جوانب السيرة المختلفة، وعظمة البعثة المحمّدية وما ألقاه من محاضرات وأحاديث، في كتاب أسماه «الطريق إلى المدينة» «١» . وقد عاش المؤلّف هذه المدّة الطويلة، وقد ألّف عشرات من الكتب لا يفكّر في إفراد كتاب في السيرة النبوية، رغم أنه كان يشعر بمسيس الحاجة إلى كتاب كتب في أسلوب عصريّ علميّ، استفيد فيه من خير ما كتب في القديم والحديث، مؤسّسا على مصادر السيرة الأولى الأصيلة، مطابقا لما جاء في القرآن والسنة الصحيحة، لم يكتب في الأسلوب الموسوعي) Encyclopaedic (الحاشد للمعلومات في غير نقد وتمحيص، الأسلوب الذي

стр. 40

اعتاده أكثر المؤلّفين المتوسّطين والمتأخّرين وقليل من المؤلّفين المتقدّمين، والذي كان مثار كثير من التساؤلات التي برّأ الله السيرة الكريمة منها، وأغنى المسلمين عنها، قد نالته يد التنقيح والتحقيق من غير تقليد للاتجاهات العصرية، وخضوع لكتابات المستشرقين وأقوال المشكّكين، متمشيا مع المقرّرات الدينية التي تفهم في ضوئها الكتب السّماوية وسير الأنبياء، والمعجزات، والأخبار الغيبية، قائما على مبدأ أنه سيرة نبيّ من الأنبياء، مبعوث من الله، مؤيّد منه، لا سيرة عظيم من العظماء، أو زعيم من الزعماء، يسوغ أن يقدّم إلى كل مثقف منصف من المسلمين وغير المسلمين من غير تحفّظ أو استثناء، أو حاجة إلى تأويل، يعتمد فيه المؤلّف على الحوادث والوقائع، ومادة السيرة، ويدعها تنطق بلسانها، وتشقّ الطريق بنفسها إلى القلوب والعقول، أكثر مما يعتمد على فلسفته للحوادث وتعليله للأخبار، ومقدماته الطويلة العريضة، فالسيرة النبوية غنية بجمالها وروعتها وسحرها على النفوس والعقول، ووقعها منها موقع القبول، من شفاعة شافع وتدليل حكيم، وبراعة أديب، وجلّ ما يحتاج إليه المؤلّف، هو جمال العرض، وحسن الترتيب، وجودة التلخيص. ثم يتجلّى فيه العقل والعاطفة جوارا بجوار، فلا يكون فيه البحث العلمي والنقد التحليلي على حساب العاطفة والحب والإيمان، اللذان لا بدّ منهما في تذوّق السيرة والاستفادة منها وفهم قضاياها وأحكامها وحوادثها، فإنه إذا تجرّد الكتاب من العاطفة والحب والإيمان، كان خشبيا مصنوعا لا حياة فيه، وكذلك يجب ألا يكون العنصر العاطفي العقيدي على حساب المتطلبات العقلية السليمة التي نماها هذا العصر بصورة خاصة، وعلى حساب المنطق السليم الذي لم يتجرد منه عصر من العصور، فيكون كتاب عقيدة وتقليد فحسب، لا يطيق قراءته ولا يسيغ ما جاء فيه إلا الأقوياء في الإيمان،
следующие страницы →