← Сира

Сира · id 9914

السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي

أبو الحسن الندوي

Полный текст (743 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تقديم الطّبعة السّابعة الحمد لله ربّ العالمين، والسلام على سيّد المرسلين وخاتم النبيين محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد؛ فقلب المؤلّف وقلمه يسجدان لله شكرا ويلهجان بحمده نطقا وكتابة، على تقديم الطبعة السابعة «للسيرة النبوية» فقد صدرت الطبعة الأولى سنة ١٣٩٧ هـ (١٩٧٧ م) والطبعة السادسة في ١٤٠٥ هـ (١٩٨٤ م) ، من دار الشروق بجدّة، ولقي الكتاب من القرّاء والمعنيّين بالموضوع، ورجال التربية والمؤسّسات العلمية، عناية يحمد الله عليها المؤلّف، ونقلت إلى عدّة لغات غير العربية مثل الأردوية والهندية (اللغة الرسمية في الهند القريبة إلى السّنسكريتية) والإنجليزية والتركية والأندونيسية، وعني بها الدارسون في إطار هذه اللغات المنتشرة في نطاق واسع. وقد سنحت للمؤلّف فرصة الاطّلاع على ما كتب في السيرة النبوية وما يتصل بها تاريخيا، وجغرافيا، وحضاريا، واجتماعيا، ودراسات مقارنة، خصوصا في اللغات الثلاث: العربية، والأردوية، والإنجليزية، في هذه الفترة، فالتقط منها بعض ما يزيد في المواد الموضوعية، وشرح خلفيات الحوادث والدراسة المقارنة، ويلفت نظر المؤلّف إلى إيضاح بعض الجوانب التاريخية والعلمية، والدعوية في السيرة النبوية فاستفاد من ذلك، وقام بضمّ زيادات ذات قيمة يبلغ عددها إلى عشرين زيادة، بين موجزة ومستفيضة، يجدها القارىء في مكانها. ولم يقتصر المؤلّف- من أوّل عهده بتأليف هذا الكتاب، إلى استئناف

стр. 37

النظر فيه والزيادة والتنقيح- على عرض الوقائع والأخبار ومجرّد التاريخ والتوقيت كقائمة معلومات رتيبة خشبية، بل عني كذلك باستنتاج نتائج عميقة المعنى بعيدة المدى، ذات قيمة في دراسة سير الأنبياء ودعواتهم، لا سيّما سيرة سيّدهم وخاتمهم ﷺ ودعودته، وفي النفسيات البشرية، وعلم الاجتماع والأخلاق، وهي من وحي السيرة ومن حقوقها وواجباتها على الدارس المؤمن والمعنيّ بتربية الأجيال المسلمة، وتوجيه المربّين والدعاة، والمؤلّفين والباحثين في موضوع السيرة. وقد جاءت هذه الطبعة- بتوفيق الله تعالى ويسره- جامعة بين مواد السيرة الأصيلة الموثوق بها، وبين أحدث ما كتب وتوصّل إليه الباحثون في هذا الموضوع، وبين الأمانة التاريخية والتحقيق العلمي، وبين تغذية الإيمان والعاطفة بما لا سبيل إليه إلّا في السيرة، وهي غاية أكبر عدد من قرّائها، وحاجة الجميع من أفراد البشر، وذلك من غير تفخيم أو تلوين، فالسيرة غنيّة عن كلّ هذا، فائقة في روعتها وجمالها، قائمة بذاتها في التأثير على النفوس والعقول. وأخيرا المؤلّف يحمد الله على أنه فسح في أجله، وهيّأ له الأسباب، حتّى يتمكّن من النظر في كتابه وتناوله بالتنقيح والزيادة، ويشكر «دار الشروق» العزيزة وصاحبها الحبيب الفاضل سعادة الأستاذ محسن أحمد باروم على عنايتها بنشر هذا الكتاب وإصداره طبعة بعد طبعة، والعناية بحسن إخراجه، ويسأل الله لهما التوفيق الدائم وحسن القبول. ١ بومباي الهند ١٧/ من ربيع الثاني ١٤٠٧ هـ ٢٠/ ١٢/ ١٩٨٦ م ٢ أبو الحسن عليّ الحسني النّدوي أمين عام ندوة العلماء لكهنؤ (الهند)

стр. 38

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة الكتاب في طبعة الأولى «١» الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسلين وخاتم النبيين، محمّد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أمّا بعد؛ فقد كانت السيرة النبوّية- على صاحبها الصلاة والسّلام- المدرسة الأولى التي تعلّم فيها مؤلف هذا الكتاب، وقد دخلها في سنّ مبكّرة، لا يدخل فيها الأطفال في عامة الأحوال، والفضل في ذلك يرجع إلى الجوّ الذي كان يسود بيته وأسرته، فقد كانت السيرة تكوّن عنصرا أساسيا في الثقافة التي يتلقّاها أبناء الأسرة وأطفال البيت، وإلى المكتبة الصغيرة البسيطة المؤلّفة من منظوم ومنثور، التي كانت تنتقل من يد إلى يد، ثم إلى تربية أخيه الأكبر الدكتور السيد عبد العلي الحسني، وتوجيهه الحكيم، فقرأ في صباه أفضل ما كتب في السيرة النبوية في «أردو» - لغة مسلمي الهند-، وهي أغنى لغات العالم الإسلامي بعد اللغة العربية في موضوع السيرة، وهي تحتوي على أقوى وأجمل ما كتب فيها في العصر الأخير «١» . ثم لمّا صار يشدو باللغة العربية عكف على كتب السيرة، التي ألّفت

стр. 39

فيها، وكانت في مقدّمتها «السيرة النبوية» لابن هشام، و «زاد المعاد في هدي خير العباد» لابن قيّم الجوزية، ولم يدرسهما دراسة علمية فحسب، بل عاش فيهما زمنا طويلا، يذوق بهما حلاوة الإيمان، ويغذّي بما جاء فيهما من القصص والأخبار عاطفة الحبّ والحنان، ومن المقرّر أن السيرة أقوى العناصر التربوية وأكثرها تأثيرا في النفس والعقل بعد القرآن، ثم قرأ ما وصلت إليه يداه من كتب السيرة المؤلّفة قديما وحديثا، وفي لغات مختلفة. وكانت السّيرة هي المادّة الأولى التي يعتمد عليها في كتاباته ومحاضراته، يستمد منها القوّة في البيان، والتأثير في العقول والقلوب، والدلائل القوية، والأمثلة البليغة، لإثبات ما يريد إثباته، وهي التي كانت ولا تزال تفتّق قريحته، وتشعل مواهبه، وما من كتابة ذات قيمة من كتاباته إلا وعليها مسحة من جمال السيرة، وفضل لدراستها والتأمل فيها. وقد جمع ما كتب في جوانب السيرة المختلفة، وعظمة البعثة المحمّدية وما ألقاه من محاضرات وأحاديث، في كتاب أسماه «الطريق إلى المدينة» «١» . وقد عاش المؤلّف هذه المدّة الطويلة، وقد ألّف عشرات من الكتب لا يفكّر في إفراد كتاب في السيرة النبوية، رغم أنه كان يشعر بمسيس الحاجة إلى كتاب كتب في أسلوب عصريّ علميّ، استفيد فيه من خير ما كتب في القديم والحديث، مؤسّسا على مصادر السيرة الأولى الأصيلة، مطابقا لما جاء في القرآن والسنة الصحيحة، لم يكتب في الأسلوب الموسوعي) Encyclopaedic (الحاشد للمعلومات في غير نقد وتمحيص، الأسلوب الذي

стр. 40

اعتاده أكثر المؤلّفين المتوسّطين والمتأخّرين وقليل من المؤلّفين المتقدّمين، والذي كان مثار كثير من التساؤلات التي برّأ الله السيرة الكريمة منها، وأغنى المسلمين عنها، قد نالته يد التنقيح والتحقيق من غير تقليد للاتجاهات العصرية، وخضوع لكتابات المستشرقين وأقوال المشكّكين، متمشيا مع المقرّرات الدينية التي تفهم في ضوئها الكتب السّماوية وسير الأنبياء، والمعجزات، والأخبار الغيبية، قائما على مبدأ أنه سيرة نبيّ من الأنبياء، مبعوث من الله، مؤيّد منه، لا سيرة عظيم من العظماء، أو زعيم من الزعماء، يسوغ أن يقدّم إلى كل مثقف منصف من المسلمين وغير المسلمين من غير تحفّظ أو استثناء، أو حاجة إلى تأويل، يعتمد فيه المؤلّف على الحوادث والوقائع، ومادة السيرة، ويدعها تنطق بلسانها، وتشقّ الطريق بنفسها إلى القلوب والعقول، أكثر مما يعتمد على فلسفته للحوادث وتعليله للأخبار، ومقدماته الطويلة العريضة، فالسيرة النبوية غنية بجمالها وروعتها وسحرها على النفوس والعقول، ووقعها منها موقع القبول، من شفاعة شافع وتدليل حكيم، وبراعة أديب، وجلّ ما يحتاج إليه المؤلّف، هو جمال العرض، وحسن الترتيب، وجودة التلخيص. ثم يتجلّى فيه العقل والعاطفة جوارا بجوار، فلا يكون فيه البحث العلمي والنقد التحليلي على حساب العاطفة والحب والإيمان، اللذان لا بدّ منهما في تذوّق السيرة والاستفادة منها وفهم قضاياها وأحكامها وحوادثها، فإنه إذا تجرّد الكتاب من العاطفة والحب والإيمان، كان خشبيا مصنوعا لا حياة فيه، وكذلك يجب ألا يكون العنصر العاطفي العقيدي على حساب المتطلبات العقلية السليمة التي نماها هذا العصر بصورة خاصة، وعلى حساب المنطق السليم الذي لم يتجرد منه عصر من العصور، فيكون كتاب عقيدة وتقليد فحسب، لا يطيق قراءته ولا يسيغ ما جاء فيه إلا الأقوياء في الإيمان،

стр. 41

والراسخون في الإسلام، من الذين نشؤوا في بيئة دينية خالصة لا شأن لها بالعالم الخارجي، وبالثقافة العصرية، وذلك وإن كانت موهبة من الله، فإن سيرة نبيّ أرسل إلى الناس كافة، وأرسل رحمة للعالمين، لا يجوز أن تجعل مقصورة على هذه الطبقة السعيدة المؤمنة، محجورة على من لم تسمح ظروفهم بالنشوء في هذه البيئة المسلمة المؤمنة، وأرادت حكمة الله أن يولدوا في بيئات غير إسلامية، ثم يدركهم اللطف الإلهي، وتهبّ عليهم نفحة من نفحات هذه السيرة العطرة، فينتقلون بقوتها وجاذبيتها إلى حظيرة الإيمان ومعسكر الإسلام، وليس حق غير المسلمين على هذه السيرة وحظهم فيها أقلّ من حق المسلمين الذين نشؤوا في ظلال الإيمان والإسلام، والدواء حاجة المريض أكثر من حاجة السليم، والقنطرة يحتاج إليها من يعيش وراء النهر أكثر مما يحتاج إليها من يعيش دونه. ثم لا يسع المؤلّف في السيرة صرف النظر عن البيئة التي كان فيها وجودها وقيامها، وعن العصر الذي كان فيه طلوعها وبزوغها، فلا بد من وصف الجاهلية العالمية الضاربة أطنابها على الأرض كلها في القرن السادس المسيحي، ومدى ما وصل إليه هذا العصر من الفساد والانحطاط، والقلق والاضطراب، ووصف حالته الخلقية والاجتماعية، والاقتصادية والسياسية وما تضافر عليه من عوامل الإفساد والإضلال والتدمير والإبادة، من حكومات جائرة، وأديان محرّفة، وفلسفات متطرفة، وحركات هدّامة. وحين أراد المؤلّف أن يكتب فصلا في تفصيل وتوسّع على العصر الجاهلي يقدم به كتابه «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟» وجد في ذلك صعوبة لا ينساها حتى اليوم، واضطرّ إلى أن يجمع المعلومات من المراجع الأجنبية والكتب التي ألّفت في تاريخ البلاد والأمم، والدّول المعاصرة لنشوء الإسلام، في اللغات الأوربية، فالتقطها من ثنايا هذه الكتب كما تلتقط حبّات

стр. 42

السّكّر الدقيقة من أفواه النّمل (حسب المثل الأردي) ، فجاء هذا الفصل الموسّع «١» ، الذي ينير الطريق لمن يقرأ كتب السيرة، ويحاول أن يدرك عظمة البعثة المحمدية وضخامة المهمة التي اضطلعت بها والنتائج العظيمة الجسيمة التي أسفرت عنها. وكان كلّ كتاب يؤلّف في السيرة النبوية في العصر الحديث جديرا بهذا النوع من البحث والنمط في التحقيق، وإلقاء الأضواء القوية العلمية على العصر الجاهلي والتصوير الدقيق الأمين لما كان يجيش به من فساد واضطراب، وانهيار وانتحار. وذلك شأن البيئة التي كانت فيها البعثة، وظهور الإسلام، والبلد الذي ظهرت فيه هذه الدعوة، وولد فيه صاحب الرسالة- ﵊ وقضى فيه ثلاثا وخمسين سنة من عمره، وعاشت فيه الدعوة ثلاث عشرة سنة، فلا بدّ أن يعرف الدارس للسّيرة مدى ما وصل إليه العقل فيه والوعي والمدنيّة، ومكانة هذا البلد الاجتماعية والسياسية وحالته الدينية والعقائدية ووضعه الاقتصادي والسياسي، وقوّته الحربية والعسكرية حتى يعرف طبيعة هذا البلد وعقلية سكانه والعقبات التي كانت تعترض في سبيل انتشار الإسلام وشقه الطريق إلى الأمام. وقل مثل ذلك وأكثر عن مدينة (يثرب) التي انتقل إليها الإسلام، وهاجر إليها الرسول وأصحابه، وأراد الله أن تكون مركز الإسلام الأول، فلا يقدّر مدى قيمة النجاح الذي حقّقه الإسلام وقدرته على التربية والبعث الجديد، وحل المعضلات، والجمع بين العناصر المتناقضة وعظمة المأثرة النبوية،

стр. 43

وإعجازها في تأليف القلوب وتربية النفوس، إلا إذا عرف الإنسان وضعيّة هذه البيئة الغريبة المعقّدة التي واجهها الرسول والمسلمون. ولا تفهم كثير من الحوادث والأحكام التي يمرّ بها القارىء في كتب السيرة والحديث إلا إذا عرف حالة المدينة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وطبيعة أرضها وجغرافية هذا البلد وما حوله، وما كان يتركب به من عناصر إنسانية وإقليمية، وصلات أجزاء عمرانه بعضها ببعض، والأعراف والمعاملات الشائعة قبل الهجرة وانتشار الإسلام فيه. فإذا جهل القارىء كلّ هذا، وبدأ رحلته في كتب السيرة شعر بأنه يمشي في نفق لا يبصر فيه ما حوله، وكان على غير بينة من الأمر. وكذلك القول عن الحكومات المعاصرة والبلاد المجاورة، فلا يتبيّن القارىء خطورة الإقدام الذي قامت به الدعوة الإسلامية، وقوة مغامرتها، إلا إذا عرف حجم هذه الحكومات التي كانت تقوم حوله، والتي خاطبها الإسلام ودعاها الرسول- ﵊ إلى الإيمان برسالته، وقبول حكم الإسلام، وما وصلت إليه من المدنية والثقافة، والقوة الحربية والرفاهية والعمران، وما كان يتمتع به ملوكها من حول وطول، وصولة وشوكة. وقد ألقى العلم الحديث ضوءا على تاريخ هذه الحكومات والبلاد والمجتمعات التي كانت تعيش فيها، ورفع الستار عن كثير مما كان مجهولا أو غامضا أو ملتويا في العصر القديم، فكان من الواجب أن يستعين بكل ذلك المؤلّف العصريّ في السيرة النبوية، ويستعين بالحديث الأحدث ممّا كتب ونشر من كتب التاريخ والجغرافية، والدراسة المقارنة. كان المؤلّف يشعر بكلّ هذا مع اعتراف بجهود المؤلّفين في هذا الموضوع، وبقيمة ما صدر عن أقلامهم في فترات مختلفة ولغات مختلفة،

стр. 44

وفضله في الدعوة الإسلامية، وتحبيب السيرة إلى نفوس القراء، وتقريبها إلى أذهان الناشئة. وكان يرى السعادة في تأليف كتاب جديد في السّيرة النبوية لينخرط في سلك المؤلّفين النورانيّ في هذا الموضوع الحبيب الجليل. ولكنّه كان يتهيّب الكتابة في هذا الموضوع في توسّع وتفصيل، لضيق وقته، وضعف بصره، ولأنه جرّب أن كتاب سيرة لعظيم من العظماء فضلا عن نبيّ من الأنبياء، فضلا عن سيّد الأولين والآخرين، وأشرف المرسلين، من أصعب الموضوعات التي يعالجها المؤلّفون وأدقّها، وقد مارس موضوع تأليف السّير والتراجم للشخصيات المشهورة وأعلام المسلمين من القدماء والمحدثين والمعاصرين عمليا، فقد اشتغل بكتابة السّير وحياة العظماء من أئمّة المسلمين وقادتهم، والمصلحين والعلماء الربّانيّين، بعد ما شبّ عن الطوق، وأمسك القلم، وعرف الكتابة، وقد كتب بقلمه آلافا من الصفحات في سيرة هؤلاء العظماء، وعاش بين التراجم والسّير منذ الصغر، فقرأ منها الكثير وكتب منها الكثير «١» . ومن هنا عرف دقّة هذا الموضوع، وضخامة هذه المسؤولية، فمن المؤلّفين من تتغلّب عليه نزعة أو اتجاه خاصّ، فيخضع له من يترجمه من حيث يشعر ومن حيث لا يشعر، فتأتي كتابته صورة لعقليته وعاطفته،

стр. 45

ممثّلة لاتجاه خاص كان يسيطر على مؤلف الكتاب. ومنهم من يريد أن يصوّر أحد العظماء فيصوّر نفسه، ويريد أن ينظر إليه نظرة مجردة، فيبدأ ينظر إليه من خلال ميوله وتجاربه ووجهة نظره، ويسلّط عليه مقاييسه الخاصة. إنّ من درس علم النفس والأخلاق، وعني بدراسة الشخصيات المعاصرة، وعاش معها طويلا عرف أنّ النزول في أعماق نفس إنسان والإحاطة بافاقها، وتصويرها تصويرا دقيقا شاملا من أصعب أنواع المعرفة وأساليب البيان وأدقّها، وأنه لا يحسن ذلك بعض الإحسان، ولا يقدر عليه بعض القدرة إلا من عرف شيئا كثيرا من خوالج النفس وخواطرها، وآمالها وآلامها، وأحزانها وأشواقها والتهاب الروح، ولوعة القلب، وقد رأى كيف يبيت هذا الإنسان ليله ويقضي نهاره، وكيف يعاشر أهله ويعامل أصحابه، قد رآه في السّلم والحرب، والرّضا والغضب، وفي العسر واليسر، والضّعف والقوّة، ومن أحوال النفس الإنسانية ومشاعرها وأحاسيسها، ومن مظاهر الجمال والكمال ما لم توضع له ألفاظ بعد، ولا تفي به ثروة لغوية مهما اتّسعت ودقّت. والسّيرة النبويّة المحمّدية تتميّز من بين سير أفراد البشر- وفيهم الأنبياء وغير الأنبياء- بدقّتها وشمولها، واستيعابها لدقائق الحياة وتفاصيلها وملامحها وقسماتها، وذلك بفضل علم الحديث، الذي لا يوجد له نظير، لا في تاريخ الأنبياء ولا في تاريخ العظماء، وكتب السّير والشمائل، وما جمع وحفظ من الأدعية «١» والأذكار النبوية، ومناجاته ﷺ لربّه آناء الليل

стр. 46

والنهار وما حفظ ونقل من جوامع الكلم، وما أثر عن الوصافين الحاذقين من أصحابه وأهل بيته في صفته التي لم تحفظ كتب الآداب والتاريخ والأنساب، صفة أكثر منها دقة، وأعظم منها استيعابا للملامح البشرية والدقائق الخلقية «١» . ولذلك لم يكن الأمر في تأليف السيرة النبوية من الصعوبة والغموض، والافتراض والقياس، كما هو في سير العظماء الأبطال، وأنّ سيرته ﷺ أكمل السّير كما كانت أجملها، وهي مؤسّسة على نصوص قرآنية ووثائق تاريخية ودقائق في الخلق والخلق، وتفاصيل في العادات والعبادات، والأخلاق والمعاملات، لا يتصوّر فوق ذلك، وهي أقرب إلى الحقيقة والواقع، قربا لا يتصوّر فوقه، ولا يطمع في أكثر منه، بعد أن مضى على هذه الحياة الطيبة الكريمة مدة طويلة. ولكن رغم وجود هذا الفارق الكبير بين سيرته ﷺ وبين سير العظماء بل وبين سير الأنبياء، ورغم دقّتها التي لا دقّة فوقها، وشمولها الذي لا شمول فوقه، لا بدّ من الاعتراف بأن تصوير حياته وأخلاقه، واستيعاب المعجزات التي اشتملت عليها سيرته ودعوته وحياته الانفرادية والاجتماعية، ومعاملته

стр. 47

مع الله ومع الخلق، وآيات الحسن والإحسان في تكوين خلقه وخلقه، وفي حبّه ورأفته، وفي دعائه وابتهاله، وفي تألّمه للإنسانية ومصيرها، وفي منطقه وحكمته، وفي جامعيته وكماله، يكاد يكون مستحيلا، وأنّ ما جاء في كتب السّير والشمائل- على جماله وروعته- هو بعض ما خصّه الله به من جمال السيرة وكمال الخلق والخلق لا كلّه، وإن جلّ ما هنالك أنها محاولات وجهود يشكر عليها هؤلاء المؤلّفون ويؤجرون عليها، وهي ثروة عامة خالدة، يجد فيها كل إنسان وكل جيل من البشر، وكل طبقة من طبقات الناس حظها من الهداية والنور والتقليد والاقتداء لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب: ٢١] . لكلّ ذلك كنت أتهيّب الكتابة في السيرة النبوية والتأليف فيها، وأستعظمها وأستصغر نفسي. وقد حثّني عدد من الفضلاء وكرام الأصدقاء «١» على أن أؤلّف كتابا في السيرة النبوية في اللغة العربية أراعي فيه عقلية الجيل الجديد وذوقه ومستوى فهمه ونفسيته، وما جد من طلبات وحاجات وأسلوب كتابي ومنهج علمي، فلكل عصر أسلوبه ولغته، ومقادير وترتيبات في الأدوية والأغذية، وذلك كما قدمنا، من غير إخضاع السيرة النبوية للأهواء والأغراض وللنظريات العلمية التي تتغير صباح مساء، والشبه والاعتراضات التي يدفع إليها التعصّب الدينيّ أو الجهل العلمي أو الغرض السياسيّ. وشرح الله صدري أخيرا لهذا التأليف، فعكفت على هذا الموضوع

стр. 48

وعشت فيه، أقرأ كتب السيرة والحديث، وكل ما أستعين به في هذا الموضوع من القديم والحديث، وبدأت أكتب معتمدا على أصحّ ما كتب وألّف في هذا الموضوع، واستعنت بما كتب في هذا الموضوع في العصر القديم والعصر الحديث، وبالمراجع الأجنبية التي توضح الكثير من السيرة، والتاريخ المعاصر، وتلقي ضوءا على الحكومات والمجتمعات المعاصرة «١» . وحاولت أن يجمع الكتاب بين الجانب العلمي وبين الجانب التربوي البلاغي، لا يطغى أحدهما على الآخر، وأن يشتمل على أكبر مقدار من القطع النابضة الدافقة بالحيوية والتأثير، الآسرة للقلوب والنفوس التي لا يوجد نظيرها في سيرة إنسان ولا في تاريخ فرد أو جيل، أو دعوة أو دين، وذلك كله من غير تنميق أو تلوين، أو تحبير أو تحسين، فجمال الطبيعة والحقيقة لا يحتاج إلى تجميلات خارجية، أو تزيينات صناعية. وكان هذا الكتاب شغلي الشاغل ما بين شوال ١٣٩٥ هـ وشوال ١٣٩٦ هـ (أكتوبر ١٩٧٥ م- أكتوبر ١٩٧٦ م) لم أشتغل بغير هذا الموضوع إلا اضطرارا، تتخلّل ذلك فترات قليلة من المرض ورحلات طويلة في الشّرق والغرب، حتى يسّر الله إتمامه في غرة شوال سنة ١٣٩٦ هـ، وها هو الآن بين يدي القراء. وأرى لزاما عليّ أن أشكر صديقين فاضلين لقيت منهما مساعدة كبيرة في تأليف هذا الكتاب، وهما فضيلة الشيخ برهان الدين السّنبهلي- أستاذ الحديث والتفسير في دار العلوم ندوة العلماء- وقد أعانني في تخريج الأحاديث والبحث عنها، والتحقيق في بعض ما جاء في كتب السيرة، جزاه

стр. 49

الله خير الجزاء، والأستاذ محيي الدين أحمد «١» فقد ساعدني مساعدة غالية في دراسة المراجع الأجنبية، والتقاط المعلومات المفيدة من كتب تاريخ الأمم والبلاد، والموسوعات الأجنبية، والمؤلّف شاكر لفضله معترف لجهوده وإخلاصه. ولما كان هذا الكتاب كله إملاء لعجز المؤلّف عن الكتابة مباشرة استعان ببعض الإخوان في كتابته، وكان في مقدّمتهم العزيزان: محمد معاذ الإندوري الندوي، وعلي أحمد الكجراتي الندوي، وساهم في ذلك الأستاذ نور عالم الأميني الندوي. وقد كان للأستاذ محمد حسن الأنصاري فضل في وضع الخرائط التاريخية الجغرافية التي زيّن بها الكتاب، وزاد في قيمته العلمية، كما كان للأستاذ الكبير الدكتور محمد شفيع رئيس قسم الجغرافيا في جامعة «عليّ كره» الإسلامية ومساعد نائب رئيس الجامعة، وللقسم الجغرافي في الجامعة فضل في تحسينها وإكمالها، والمؤلّف شاكر للإخوان جميعا. والله أسأل أن ينفع بهذا الكتاب وأن يتقبّله تقبّلا حسنا، وأن يجعله ذخرا للآخرة، ووسيلة لدراسة هذه السيرة الطاهرة والاستزادة منها والانتفاع بها، وكفى للمؤلّف شكرا، وللكتاب قيمة إذا أثار كامن الحبّ والإيمان في نفس مؤمن، وانجذابا في قلب أحد من غير المسلمين إلى هذه السيرة الطاهرة العطرة، وحملته على دراسة الإسلام وتفهمه، إنّه وليّ التوفيق. الجمعة ٥/ ١١/ ١٣٩٦ هـ ٢٩/ ١٠/ ١٩٧٦ م أبو الحسن عليّ الحسني النّدوي رائي بريلي- الهند

стр. 50

خريطة الإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية رسمنا أسماء الأماكن والبحار والبحيرات والأنهار كما كانت تسمى في القرن السادس المسيحي حسب نطقها اللاتيني

стр. 51

الفصل الأول مدخل إلى السّيرة النّبويّة العصر الجاهليّ: أ- نظرة إجمالية على الوضع الدّيني في القرن السادس المسيحيّ. ب- إطلالة على البلاد والأمم في القرن السادس المسيحيّ: ١- الإمبراطورية الرّومانية الشّرقية. ٢- الإمبراطورية الإيرانيّة السّاسانية. ٣- الهند. ٤- أوربّة. ٥- الجزيرة العربية. لماذا بعث النبيّ ﷺ في جزيرة العرب؟ جزيرة العرب قبل البعثة. مكّة في زمن البعثة وعند ظهور الإسلام.

стр. 52

العصر الجاهليّ نظرة إجماليّة على الوضع الدّيني في القرن السّادس المسيحيّ أصبحت الدّيانات العظمى، وصحفها العتيقة، وشرائعها القديمة- الّتي مثّلت في أزمان مختلفة دورها الخاصّ في مجال الدّيانة والأخلاق والعلم- فريسة العابثين والمتلاعبين، ولعبة المحرّفين والمنافقين، وعرضة الحوادث الدّامية والخطوب الجسيمة حتّى فقدت روحها وشكلها، فلو بعث أصحابها الأوّلون، وأنبياؤها المرسلون، أنكروها وتجاهلوها «١» . ١- اليهودية: أصبحت اليهوديّة مجموعة من طقوس وتقاليد لا روح فيها ولا حياة، وهي- بصرف النظر عن ذلك- ديانة سلاليّة، لا تحمل للعالم رسالة، ولا للأمم دعوة، ولا للإنسانيّة رحمة.

стр. 53

وقد أصيبت هذه الدّيانة في عقيدة كانت لها شعارا من بين الدّيانات والأمم وكان فيها سرّ شرفها، وتفضيل بني إسرائيل على الأمم المعاصرة في الزّمن القديم وهي عقيدة التّوحيد الّتي وصّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب، فقد اقتبس اليهود كثيرا من عقائد الأمم الّتي جاوروها أو وقعوا تحت سيطرتها، وكثيرا من عاداتها وتقاليدها الوثنيّة الجاهليّة، وقد اعترف بذلك مؤرّخو اليهود المنصفون، فقد جاء في «دائرة المعارف اليهودية» ما معناه: «إنّ سخط الأنبياء وغضبهم على عبادة الأوثان تدلّ على أنّ عبادة الأوثان والآلهة، كانت قد تسرّبت إلى نفوس الإسرائيليين ولم تستأصل شأفتها إلى أيام رجوعهم من الجلاء والنّفي في بابل، وقد قبلوا معتقدات خرافية ومشركة، إنّ التّلمود أيضا يشهد بأنّ الوثنية كانت فيها جاذبية خاصّة لليهود» «١» . ويدلّ تلمود «٢» بابل الّذي يبالغ اليهود في تقديسه، وقد يفضلونه على التوراة وكان متداولا بين اليهود في القرن السّادس المسيحيّ، وما زخر به من نماذج غريبة من خفّة العقل وسخف القول، والاجتراء على الله، والعبث بالحقائق، والتلاعب بالدّين والعقل، على ما وصل إليه المجتمع اليهوديّ في هذا القرن من الانحطاط العقليّ وفساد الذوق الدينيّ «٣» . ٢- المسيحية: أمّا المسيحيّة فقد امتحنت بتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، ووثنيّة

стр. 54

الرّومان المتنصّرين «١» ، منذ عصرها الأول، وأصبح كلّ ذلك ركاما، دفنت تحته تعاليم المسيح البسيطة، واختفى نور التّوحيد وإخلاص العبادة لله وراء هذه السّحب الكثيفة. يتحدّث كاتب مسيحيّ فاضل عن مدى تغلغل عقيدة التثليث في المجتمع المسيحيّ، منذ أواخر القرن الرابع الميلاديّ، فيقول: «تغلغل الاعتقاد بأنّ الإله الواحد مركبّ من ثلاثة أقانيم في أحشاء حياة العالم المسيحيّ وفكره، منذ ربع القرن الرابع الأخير، ودامت كعقيدة رسميّة مسلّمة، عليها الاعتماد في جميع أنحاء العالم المسيحيّ، ولم يرفع الستار عن تطوّر عقيدة التثليث وسرّها إلا في المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر الميلاديّ» «٢» . ويتحدّث مؤرّخ مسيحيّ معاصر عن ظهور الوثنية في المجتمع المسيحيّ في مظاهر مختلفة وألوان شتى، وتفنّن المسيحيون في اقتباس الشعائر والعادات والأعياد والأبطال الوثنية من أمم وديانات عريقة في الشرك بحكم التقليد أو الإعجاب أو الجهل، جاء في «تاريخ المسيحية في ضوء العلم المعاصر» : «لقد انتهت الوثنية، ولكنها لم تلق إبادة كاملة، بل إنها تغلغلت في النفوس واستكنّ كلّ شيء فيها باسم المسيحية وفي ستارها، فالذين تجردوا عن آلهتهم وأبطالهم وتخلوا عنهم أخذوا شهيدا من شهدائهم، ولقبوه

стр. 55

بأوصاف الآلهة، ثمّ صنعوا له تمثالا، وهكذا انتقل هذا الشرك وعبادة الأصنام إلى هؤلاء الشّهداء المحليين. ولم ينته هذا القرن حتى عمّت فيهم عبادة الشهداء والأولياء، وتكونت عقيدة جديدة، وهي أنّ الأولياء يحملون صفات الألوهية، وصار هؤلاء الأولياء والقديسون خلقا وسطا بين الله والإنسان يحمل صفة الألوهية على أساس عقائد الأريسيين، وأصبحوا رمزا لقداسة القرون الوسطى وورعها وطهرها، وغيّرت أسماء الأعياد الوثنية بأسماء جديدة، حتى تحوّل في عام ٤٠٠ ميلادي عيد الشمس القديم إلى عيد ميلاد المسيح» «١» . وجاء القرن السادس المسيحيّ، والحرب قائمة على قدم وساق، بين نصارى الشام والعراق وبين نصارى مصر، حول حقيقة المسيح وطبيعته، تحولت بها المدارس والكنائس والبيوت إلى معسكرات متنافسة يكفّر بعضها بعضا، ويقتل بعضها بعضا، كأنها حرب بين دينين متنافسين، أو أمتين متحاربتين «٢» ، فأصبح العالم المسيحيّ في شغل بنفسه عن محاربة الفساد، وإصلاح الحال، ودعوة الأمم إلى ما فيه صلاح للإنسانية. ٣- المجوس: أمّا المجوس فقد عرفوا من قديم الزّمان بعبادة العناصر الطبيعية وأعظمها النار، وقد عكفوا على عبادتها أخيرا، يبنون لها هياكل ومعابد، وانتشرت بيوت النار هذه في طول البلاد وعرضها، وكانت لها آداب وشرائع دقيقة،

стр. 56

وانقرضت كلّ عقيدة وديانة غير عبادة النار وتقديس الشمس، وأصبحت الديانة عندهم عبارة عن طقوس وتقاليد يؤدونها في أمكنة خاصّة، أمّا خارج المعابد فكانوا أحرارا، يسيرون على هواهم، وما تملي عليهم نفوسهم، وأصبح المجوس لا فرق بينهم وبين من لا دين لهم ولا خلاق، في الأعمال والأخلاق «١» . يصف مؤلّف «إيران في عهد السّاسانيّين» الدّانماركيّ الأستاذ «آرتهر كرستين سين» طبقة رؤساء الدّين ووظائفهم فيقول: «كان واجبا على هؤلاء الموظّفين أن يعبدوا الشمس أربع مرات في اليوم، ويضاف إلى ذلك عبادة القمر والنار والماء، وكانوا مكلّفين بأدعية خاصّة، عند النوم والانتباه والاغتسال ولبس الزنّار والأكل والعطس وحلق الشعر وقلم الأظفار، وقضاء الحاجة وإيقاد السّراج، وكانوا مأمورين بألّا يدعوا النار تنطفىء، وألا تمسّ النار والماء بعضهما بعضا، وألا يدعوا المعدن يصدأ، لأنّ المعادن عندهم مقدّسة» «٢» . وكان أهل إيران يستقبلون في صلاتهم النار، وقد حلف «يزدجرد» - آخر الملوك السّاسانيين- بالشمس مرة، وقال: «أحلف بالشّمس التي هي الإله الأكبر» وقد كلّف التائبون عن المسيحيّة عبادة الشمس إظهارا لصدقهم «٣» .

стр. 57

وقد دانوا بالثنويّة في كلّ عصر وأصبح ذلك شعارا لهم، وآمنوا بإلهين اثنين أحدهما النور أو إله الخير، ويسمّونه «آهور مزدا» أو «يزدان» والثاني الظلام أو إله الشر، وهو «أهرمن» ولا يزال الصّراع بينهما قائما والحرب دائمة «١» . يذكر المؤرّخون للدّيانة الإيرانية مجموعة أساطير متصلة بالآلهة) Mythology (لا تقلّ في غرابتها وتفاصيلها الدقيقة عن الميثولوجيا الإغريقيّة أو الهنديّة «٢» . ٤- البوذية: أمّا البوذيّة- الديانة المنتشرة في الهند وآسيا الوسطى- فقد تحوّلت وثنيّة تحمل معها الأصنام حيث سارت، وتبني الهياكل، وتنصب تماثيل «بوذا» حيث حلّت ونزلت «٣» ، ولم يزل العلماء يشكّون في إيمان هذه الديانة ومؤسّسها بالإله الخالق للسّماوات والأرض والإنسان ولا يجدون ما يثبت ذلك، ويحارون في قيام هذه الديانة العظيمة بغير الإيمان بالله «٤» فيها. ٥- البرهميّة: أمّا البرهميّة- دين الهند الأصيل- فقد امتازت بكثرة المعبودات والآلهة والإلهات، وقد بلغت الوثنيّة أوجها في القرن السّادس فبلغ عدد الآلهة في هذا

стр. 58

القرن إلى ٣٣٠ مليون «١» وقد أصبح كلّ شيء رائع، وكلّ شيء هائل، وكلّ شيء نافع، إلها يعبد، وارتقت صناعة نحت التّماثيل في هذا العهد، وتأنّق فيها المتأنّقون. يقول الأستاذ الهندوكيّ الفاضل «سي، وي، ويد» في كتابه (تاريخ الهند الوسطى) وهو يتحدّث عن عهد الملك هرش (٦٠٦- ٦٤٨ م) وهو العهد الذي يلي ظهور الإسلام في الجزيرة العربيّة: «كانت الديانة الهندوكية والديانة البوذية وثنيتين سواء بسواء، بل ربّما كانت الديانة البوذية قد فاقت الديانة الهندوكية في الإغراق في الوثنية، كان ابتداء هذه الديانة- البوذية- بنفي الإله، ولكنّها بالتدريج جعلت «بوذا» الإله الأكبر، ثم أضافت إليه آلهة أخرى مثل Bodhistavas على مرّ الزمن، لا سيّما أرسخت الوثنيّة قدميها في المدرسة البوذية الفكرية التي تسمّى «مهايانا» بالتأكيد، وقد بلغت أوجها في الهند، حتى أصبحت كلمة «بوذا) Buddha ( «مرادفة لكلمة «الوثن» أو «الصنّم» في بعض اللغات الشرقيّة «٢» . ممّا لا شكّ فيه أنّ الوثنيّة كانت منتشرة في العالم المعاصر كلّه، لقد كانت الدنيا كلّها من البحر الأطلسيّ إلى المحيط الهادىء غارقة في الوثنيّة، وكأنّما كانت المسيحية والديانات الساميّة والديانة البوذيّة تتسابق في تعظيم

стр. 59

الأوثان وتقديسها، وكانت كخيل رهان تجري في حلبة «١» واحدة» «٢» . ويقول أستاذ هندوكيّ فاضل آخر في كتابه الذي سمّاه: «الهندوكيّة السائدة» : إنّ عملية «خلق الآلهة» لم تنته على هذا، فلم تزل تنضمّ آلهة صغيرة في فترات تاريخية مختلفة إلى هذا «المجمع الإلهيّ» في عدد كبير، حتّى أصبح منهم حشد يفوق الحدّ والإحصاء، كان كثير منهم آلهة سكّان الهند القدامى، ألحقوا بالهة الديانة الهندوكيّة، يذكر أنّ عدد هؤلاء قد بلغ ٣٣٠ مليونا «٣» . ٦- الجاهليّة العربية: أمّا العرب الذين آمنوا في الزمن القديم بدين إبراهيم، وقام في أرضهم بيت الله الحرام، فقد ابتلوا في العصر الأخير لبعد عهدهم من النبوة والأنبياء، والانحصار في شبه جزيرتهم بوثنيّة سخيفة لا يوجد لها نظير إلا في الهند البرهمية الوثنية، وترقّوا في الشرك فاتخذوا من دون الله آلهة، واعتقدوا أنّ لهم مشاركة في تدبير الكون، وقدرة ذاتية على النفع والضرر، والإيجاد والإفناء، وانغمست الأمة في الوثنية وعبادة الأصنام بأبشع أشكالها، فكان لكلّ قبيلة أو ناحية أو مدينة صنم خاص، بل لكلّ بيت صنم خصوصيّ «٤» . وكان في جوف الكعبة- البيت الذي بناه إبراهيم ﵇ لعبادة الله

стр. 60

وحده- وفي فنائها، ثلاثمئة وستّون صنما «١» ، وتدرّجوا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة الحجر، من أيّ جنس كان، وكانت لهم آلهة من الملائكة والجنّ والكواكب، وكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله، وأنّ الجنّ شركاء الله، فامنوا بقدرتهم وتأثيرهم وعبدوهم «٢» .

стр. 61

خريطة الوضع السياسي للجزيرة العربية قبل الإسلام

стр. 62

العصر الجاهليّ إطلالة على البلاد والأمم في القرن السّادس المسيحيّ هذا شأن الدّيانات التي ظهرت في زمانها الدعوة إلى الله، أمّا البلاد المتمدّنة التي قامت فيها حكومات عظيمة، وشاعت فيها علوم كثيرة، وكانت مهد الحضارة والصناعات والآداب، فقد كانت بلادا مسخت فيها الديانات، وفقدت أصالتها وقوّتها، وفقد المصلحون، وغاب المعلّمون. ١- الإمبراطوريّة الرّومانيّة الشرقيّة: فالدولة الرّومانية الشرقية «١» ، ازدادت فيها الأتاوات، وتضاعفت الضرائب، حتى أصبح أهل البلاد يفضّلون على حكومتهم كلّ حكومة أجنبيّة، وحدثت اضطرابات إثر اضطرابات، وثورات إثر ثورات، وقد هلك عام ٥٣٢ م في اضطراب واحد في عهد جيستن الأوّل) Justin ,I (ثلاثون ألف شخص في القسطنطينيّة «٢» - عاصمة المملكة- وأصبح الهمّ الوحيد اكتساب

стр. 63

المال من أيّ وجه، ثمّ إنفاقه في التّرف، وقد أمعنوا في طرق التسلية، حتى وصلوا فيها إلى الوحشيّة «١» . جاء في كتاب «الحضارة ماضيها وحاضرها» تصوير لما كان عليه المجتمع البيزنطيّ من التناقض والاضطراب والهيام بالتمتّع والتسلية، وإنّ وصلت إلى حد القسوة والهمجيّة، فيقول المؤلّفان الفاضلان: «كان هناك تناقض هائل في الحياة الاجتماعيّة للبيزنطيّين، فقد رسخت النزعة الدينية في أذهانهم، وعمّت الرهبانية، وشاعت في طول البلاد وعرضها، وأصبح الرجل العاديّ في البلاد يتدخّل في الأبحاث الدينية العميقة، والجدل البيزنطيّ، ويتشاغل بها. كما طبعت الحياة العادية العامة بطابع المذهب الباطنيّ، ولكن نرى هؤلاء- في جانب آخر- حريصين أشدّ الحرص على كلّ نوع من أنواع اللهو واللعب، والطّرب والترف، فقد كانت هناك ميادين رياضيّة واسعة تتّسع لجلوس ثمانين ألف شخص، يتفرّجون فيها على مصارعات بين الرّجال والرّجال أحيانا، وبين الرّجال والسّباع أحيانا أخرى. وكانوا يقسّمون الجماهير في لونين: لون أزرق ولون أخضر، لقد كانوا يحبّون الجمال، ويعشقون العنف والهمجيّة، وكانت ألعابهم دمويّة ضارية أكثر الأحيان، وكانت عقوباتهم فظيعة تقشعرّ منها الجلود. وكانت حياة سادتهم وكبرائهم عبارة عن المجون والترف، والمؤامرات والمجاملات الزائدة، والقبائح والعادات السيئة» «٢» .

стр. 64

وحده- وفي فنائها، ثلاثمئة وستّون صنما «١» ، وتدرّجوا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة الحجر، من أيّ جنس كان، وكانت لهم آلهة من الملائكة والجنّ والكواكب، وكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله، وأنّ الجنّ شركاء الله، فامنوا بقدرتهم وتأثيرهم وعبدوهم «٢» .

стр. 65

خريطة الوضع السياسي للجزيرة العربية قبل الإسلام

стр. 66

العصر الجاهليّ إطلالة على البلاد والأمم في القرن السّادس المسيحيّ هذا شأن الدّيانات التي ظهرت في زمانها الدعوة إلى الله، أمّا البلاد المتمدّنة التي قامت فيها حكومات عظيمة، وشاعت فيها علوم كثيرة، وكانت مهد الحضارة والصناعات والآداب، فقد كانت بلادا مسخت فيها الديانات، وفقدت أصالتها وقوّتها، وفقد المصلحون، وغاب المعلّمون. ١- الإمبراطوريّة الرّومانيّة الشرقيّة: فالدولة الرّومانية الشرقية «١» ، ازدادت فيها الأتاوات، وتضاعفت الضرائب، حتى أصبح أهل البلاد يفضّلون على حكومتهم كلّ حكومة أجنبيّة، وحدثت اضطرابات إثر اضطرابات، وثورات إثر ثورات، وقد هلك عام ٥٣٢ م في اضطراب واحد في عهد جيستن الأوّل) Justin ,I (ثلاثون ألف شخص في القسطنطينيّة «٢» - عاصمة المملكة- وأصبح الهمّ الوحيد اكتساب

стр. 67

المال من أيّ وجه، ثمّ إنفاقه في التّرف، وقد أمعنوا في طرق التسلية، حتى وصلوا فيها إلى الوحشيّة «١» . جاء في كتاب «الحضارة ماضيها وحاضرها» تصوير لما كان عليه المجتمع البيزنطيّ من التناقض والاضطراب والهيام بالتمتّع والتسلية، وإنّ وصلت إلى حد القسوة والهمجيّة، فيقول المؤلّفان الفاضلان: «كان هناك تناقض هائل في الحياة الاجتماعيّة للبيزنطيّين، فقد رسخت النزعة الدينية في أذهانهم، وعمّت الرهبانية، وشاعت في طول البلاد وعرضها، وأصبح الرجل العاديّ في البلاد يتدخّل في الأبحاث الدينية العميقة، والجدل البيزنطيّ، ويتشاغل بها. كما طبعت الحياة العادية العامة بطابع المذهب الباطنيّ، ولكن نرى هؤلاء- في جانب آخر- حريصين أشدّ الحرص على كلّ نوع من أنواع اللهو واللعب، والطّرب والترف، فقد كانت هناك ميادين رياضيّة واسعة تتّسع لجلوس ثمانين ألف شخص، يتفرّجون فيها على مصارعات بين الرّجال والرّجال أحيانا، وبين الرّجال والسّباع أحيانا أخرى. وكانوا يقسّمون الجماهير في لونين: لون أزرق ولون أخضر، لقد كانوا يحبّون الجمال، ويعشقون العنف والهمجيّة، وكانت ألعابهم دمويّة ضارية أكثر الأحيان، وكانت عقوباتهم فظيعة تقشعرّ منها الجلود. وكانت حياة سادتهم وكبرائهم عبارة عن المجون والترف، والمؤامرات والمجاملات الزائدة، والقبائح والعادات السيئة» «٢» .

стр. 68

أمّا مصر- إحدى ولايات الدّولة البيزنطية الغنيّة- فكانت عرضة لاضطهاد دينيّ فظيع، واستبداد سياسيّ شنيع، وكان البؤس والشقاء ممّا كانت تعانيه مصر، التي كانت مصدرا كبيرا لرخاء الدولة وغناها، وقد اتخذها الروم شاة حلوبا يحسنون حلبها، ويسيئون علفها «١» . أما سورية- ولاية الإمبراطورية البيزنطيّة الآخرى- فكانت مطيّة المطامع الرومانيّة، وكان الحكم حكم الغرباء الذي لا يعتمد إلّا على القوّة، ولا يشعر بشيء من العطف على الشعب المحكوم، وكثيرا ما كان السّوريّون يبيعون أبناءهم ليوفّوا ما كانت عليهم من ديون، وقد كثرت المظالم والسخرات والرقيق «٢» . ٢- الإمبراطورية الإيرانية السّاسانية «٣» : كانت الزّردشتية- وهي التي خلّفت المزدائية- ديانة إيران القديمة، ومن

стр. 69

المرجّح أنّ «زردتشت» صاحب هذه الديانة ظهر في القرن السابع قبل الميلاد، وكانت مؤسسة منذ أول يومها على الحرب القائمة بين النور والظلام، وبين روح الخير وروح الشرّ، أو بين إله الخير وبين إله الشرّ. وجاء «ماني» في أوائل القرن الثالث المسيحي مجدّدا لهذه الديانة، مضيفا إليها «١» ، وتبعه «شاه بور» - الذي خلف أردشير (٢٤١ م) مؤسّس الدولة الساسانية، واحتضن دعوته، ثمّ أصبح معارضا له، فقد كان «ماني» يدعو إلى حياة العزوبة لحسم مادة الفساد والشرّ من العالم، ويعلن أن امتزاج النور بالظلمة شرّ يجب الخلاص منه، فحرّم النكاح استعجالا للفناء، وانتصارا للنور على الظلمة، بقطع النسل. وقضى أعواما في النفي، ثمّ عاد إلى إيران، وقتل في عهد بهرام الأول، ولكنّ تعاليمه لم تمت بموته، بل بقيت تؤثّر في التفكير الإيرانيّ، والمجتمع الإيرانيّ مدة طويلة. وظهر مزدك في أوائل القرن الخامس المسيحيّ، فدعا إلى إباحة الأموال والنساء، وجعل الناس شركاء فيها، وقويت دعوته، وكان الناس يدخلون على الرّجل في داره، فيغلبونه على منزله وأمواله، لا يستطيع الامتناع منهم، وقد جاء في وثيقة إيرانية تاريخية تعرف ب «نامه تنسر» تصوير لذلك العصر الذي انتشرت فيه الدعوة المزدكية، وكانت لها السيطرة والنفوذ: «وانتهكت الأعراض، وعمّ خلع العذار، لقد نشأ جيل لا كرامة فيه ولا عمل، ولم يكن له رصيد ولا ماض مجيد، وليس له اهتمام بمصير الشعب، ولا إشفاق عليه، ولا يتصف بكمال ومهارة، كانت تسيطر عليهم اللامبالاة

стр. 70

والبطالة، وكانوا بارعين في النميمة، والخبث، والافتراء، والبهتان، وقد اتخذوا ذلك وسيلة لكسب القوت والوصول إلى الثروة والجاه» «١» . ويقول «آرتهر كرستن سين» : «كانت النتيجة أن انتشرت ثورات الفلاحين، وكان النهّابون يدخلون في قصور الأغنياء وينهبون ما يجدون فيها من أموال وأثاث، ويلقون القبض على النساء، ويستولون على الأملاك والعقارات، فأصبحت الأراضي والمزارع مقفرة خربة، لأنّ هؤلاء الملاك الجدد لم يكن لهم عهد، ولا معرفة بالفلاحة» «٢» . ظهر من ذلك أنّه كان في إيران القديمة استعداد عجيب دائما لقبول الدّعوات المتطرّفة المغالية، وكانت دائما تحت تأثير ردود فعل عنيفة، وكانت تتأرجح بين «أبيقورية» «٣» جامحة وتنسك مغال حينا، وبين احتكار سلاليّ، أو طبقيّ، أو دينيّ، وشيوعية متطرفة وفوضويّة مطلقة حينا آخر، أفقدها هذا التأرجح الاتزان والاقتصاد والهدوء. وكانت الأحوال سيئة جدّا في هذه الإمبراطورية- الإيرانية السّاسانية- في القرن السادس المسيحيّ، فكانت تحت رحمة الملوك الذين كانوا يحكمون بالوراثة، ويرون أنفسهم فوق الناس وفوق بني آدم، وكانوا يخاطبون بكلمة «الإله» وتضاف إليهم كلمة الألوهية بطريق مكشوف، وكان الإمبراطور

стр. 71

«الإنسان الأول» وكان لا يسمّى باسمه عند الخطاب، وكان يعتبر من نسل الآلهة «١» . وكانت موارد البلاد كلّها ملكا لهؤلاء الملوك، وقد تطرّفوا في اكتناز الأموال، وادّخار الطرف، والأشياء الغالية، والتأنّق في المعيشة، والتمتّع بالحياة، وقد وصل الولوع بالتلذّذ، وترفيه الحياة، والمسابقة في مظاهر الغنى والعظمة، إلى حدّ الخيال والشعر لا يتصوّره إلّا من توسّع في دراسة تاريخ إيران القديمة، وشعرها وأدبها «٢» ، واطّلع على تفاصيل مدينة «طيسيفون» وإيوان كسرى، وبهار كسرى «٣» ، (بساط الربيع) ، وتاج كسرى، وما كان يختصّ بملوكهم من خدم وحشم، وزوجات وجوار، وغلمان وطهاة، ومربّين للطيور والسّباع، وأوان وقنص، التفاصيل الأسطورية التي يدهش لها الإنسان «٤» ، وقد بلغ ذلك إلى حدّ أن يزدجرد آخر ملوك إيران لمّا خرج من عاصمته- المدائن- هاربا ينجو بنفسه في الفتح الإسلاميّ العربيّ أخذ معه- وهو في حالة الفرار- ألف طاه، وألف مغنّ، وألف قيّم للنّمور، وألف قيّم للبزاة، وحاشية أخرى، وكان يستقلّ هذا العدد، ويعتبر نفسه لاجئا حقيرا، ويتصوّر أنّه في حالة يرثى لها من قلّة الحاشية، وفقدان أسباب الترفيه والتسلية «٥» . هذا بجانب ما كان يعانيه الشعب من بؤس وشقاء، وتعب وعناء، وتذمّر وبكاء، فكان أفراد هذا الشعب في جهد من العيش للحصول على ما يسدّ

стр. 72

رمقهم، ويستر عورتهم، يرزحون تحت أثقال الضرائب والإتاوات، ويرسفون في القيود والأغلال، ويعيشون عيش البهائم، حتى ترك كثير من المزارعين أعمالهم، أو دخلوا الأديرة فرارا من الضرائب والخدمة العسكرية «١» وكانوا وقودا حقيرا في حروب طاحنة مدمّرة، قامت في فترات من التاريخ، ودامت سنين طوالا بين المملكة الشرقية الساسانية والمملكة الغربية البيزنطية، لا مصلحة للشعب فيها ولا رغبة «٢» . ٣- الهند: أمّا الهند التي برزت في العصر القديم في العلوم الرياضيّة وعلم الفلك والطبّ والتعمّق في الفلسفة، فقد اتّفقت كلمة المؤرّخين لها على أنّ أحطّ أدوارها ديانة، وخلقا، واجتماعا، ذلك العهد الذي يبتدىء من مستهلّ القرن السادس الميلاديّ «٣» ، فانتشرت الخلاعة حتّى في المعابد وأصبحت لا عيب فيها، لأنّ الدين قد أضفى عليها لونا من القدس والتعبّد «٤» . وكانت المرأة لا قيمة لها ولا عصمة، وكان الرجل قد يخسر امرأته في القمار «٥» ، وإذا مات زوجها صارت كالموءودة لا تتزوج ولا تستحق احتراما، وانتشرت عادة إحراق الأيامى نفوسهن على وفاة أزواجهن، خاصّة في الطبقات الشريفة والأرستقراطيّة إظهارا للوفاء، وفرارا من الشقاء، وتسمّى

стр. 73

هذه العادة ب «ستّي» ولم تزل زوالا كليا إلا بعد الاحتلال الإنجليزيّ «١» . وامتازت الهند من بين جاراتها وأقطار العالم بالتفاوت الفاحش بين طبقات الشعب، والامتياز بين الإنسان والإنسان، وكان نظاما قاسيا لا هوادة فيه ولا مرونة، مدعما بالدين والعقيدة، خاضعا لمصلحة الآريّين المحتلّين، والبراهمة المحتكرين للديانة والقداسة، قائما على أساس الحرف والصنائع وتوارثها، والعنصرية والسّلالية، وكان ذلك تابعا لقانون مدنيّ سياسيّ دينيّ، وضعه المشرّعون الهنديّون الذين كانت لهم صفة دينية، أصبح القانون العام للمجتمع ودستور الحياة، وهو يقسّم سكان الهند في أربع طبقات: (١) طبقة الكهنة ورجال الدين، وهم «البراهمة» . (٢) ورجال الحرب والجندية وهم «شتري» . (٣) ورجال الفلاحة والتجارة وهم «ويش» . (٤) ورجال الخدمة وهم «شودر» وهم أحطّ الطبقات، فقد خلقهم خالق الكون من أرجله، وليس لهم إلا خدمة هذه الطبقات الثلاث وإراحتها. وقد منح هذا القانون البراهمة مركزا ومكانة لا يشاركهم فيها أحد، والبرهميّ رجل مغفور له ولو أباد العوالم الثلاثة بذنوبه وأعماله، ولا يجوز فرض جباية عليه، ولا يعاقب بالقتل في حال من الأحوال. أمّا «شودر» فليس لهم أن يقتنوا مالا، أو يدّخروا كنزا، أو يجالسوا برهميّا، أو يمسّوه بيدهم، أو يتعلّموا الكتب المقدّسة «٢» .

стр. 74

وكانت الهند في حالة فوضى وتمزّق تحكمها إمارات وحكومات تعدّ بالمئات، تضعفها حروب ومنافسات، ويسود الاضطراب وسوء الإدارة واختلال الأمن وإهمال شؤون الرعيّة والاستبداد. وكانت تعيش في عزلة عن العالم، يسيطر عليها الجمود، والتزمّت، والتطرّف، في العادات والتقاليد، والتفاوت الطبقيّ، والتعصّب الدمويّ والسّلاليّ. يتحدّث مؤرّخ هندوكيّ أستاذ التاريخ في إحدى جامعات الهند، عن عصر سابق لدخول الإسلام في الهند، فيقول: «كان أهل الهند منقطعين عن الدنيا، منطوين على أنفسهم، لا خبرة عندهم بالأوضاع العالميّة، وهذا الجهل أضعف موقفهم، فنشأ فيهم الجمود، وعمّت فيهم أمارات الانحطاط والتّدهور، كان الأدب في هذه الفترة بلا روح، وهكذا كان الشأن في الفنّ المعماريّ، والتصوير، والفنون الجميلة الآخرى» . «كان المجتمع الهنديّ راكدا جامدا، كان هناك تفاوت عظيم بين الطبقات، وتمييز معيب بين أسرة وأسرة، وكانوا لا يسمحون بزواج الأيامى ويشدّدون على أنفسهم في أمور الطعام والشراب. أمّا المنبوذون فكانوا يعيشون- مضطرّين- خارج بلدهم ومدينتهم» «١» . ٤- أوربّة: أمّا الأمم الأوربيّة- المتوغّلة في الشمال والغرب- فكانت تعيش في ظلام

стр. 75

الجهل والأميّة، والحروب الدامية، وكانت بعيدة عن جادّة قافلة الحضارة الإنسانية، والعلوم والآداب، لا شأن للعالم بها ولا شأن لها بالعالم. كانت أجسامهم قذرة، ورؤوسهم مملوءة بالأوهام «١» ، وكانوا يزهدون في النظافة واستعمال الماء، ويغالي الرهبان منهم في تعذيب الأجسام، والفرار من الإنسان «٢» ، وكانوا يبحثون في أنّ المرأة حيوان أم إنسان، ولها روح خالدة أم ليست لها روح خالدة، وأنّ لها حقّ الملكيّة، والبيع، والشراء، أم ليس لها شيء في ذلك؟ يقول روبرت بريفولت» ) Robert Briffault (: لقد أطبق على أوربة ليل حالك من القرن الخامس إلى القرن العاشر، وكان هذا الليل يزداد ظلاما وسوادا، وقد كانت همجيّة ذلك العهد أشدّ هولا، وأفظع من همجية العهد القديم، لأنّها كانت أشبه بجثّة حضارة كبيرة قد تعفّنت، وقد انطمست معالم هذه الحضارة، وقضي عليها بالزوال، وقد كانت الأقطار الكبيرة التي ازدهرت فيها هذه الحضارة وبلغت أوجها في الماضي، كإيطاليا، وفرنسا، فريسة الدّمار والفوضى والخراب» «٣» . ٥- الجزيرة العربية في العصر الجاهلي: أمّا العرب فساءت أخلاقهم، فأولعوا بالخمر والقمار، وبلغت بهم القساوة والحميّة المزعومة إلى وأد البنات، وشاعت فيهم الغارات، وقطع الطّرق على القوافل، وسقطت منزلة المرأة، فكانت تورث كما يورث المتاع
следующие страницы →