← Сира

Сира · id 9918

شرح الشفا

الملا على القاري

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

تعالى عليه وسلم وقد رثاه أخوه متمم بن نويرة بمراثي كثيرة وكان أعور ويبكي عليه حتى تبكي عينه العوراء وقد يكون قتله خالد بن الوليد مع أهل الردة حين قتل مسيلمة وغيره وقد اختلف في مالك هذا فقيل إنه قتل مسلما بسبب كلام سمعه خالد منه ويظن ظنه به وأنكر عليه أبو قتادة قتله وخالفه في ذلك وأقسم أنه لا يقاتل تحت رايته أبدا وقيل بل قتل كافرا وفي الروض للسهيلي أن مالك بن نويرة ارتد ثم رجع إلى الإسلام ولم يظهر ذلك لخالد في مقام الأحكام وشهد عنده رجلان من الصحابة برجوعه إلى الإسلام فلم يقبلهما انتهى ما ذكره التلمساني عن الحلبي والقضية غير صافية عما يرد عليه من بعض الإشكال والله تعالى أعلم بالأحوال فلا يصح احتجاج الفقيه بهذا مع وجود الاحتمال، (قال أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفَ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ إِذَا كَانَ مسلما) أي بخلاف ما إذا كان كافرا؛ (وقال ابن القاسم) المصري صاحب مالك (عن مالك في كتاب ابن سحنون) بالانصراف وعدمه (والمبسوط) أي وفيه وهو كتاب للمالكية (وفي العتبيّة) بضم فسكون فكسر فتشديد وهو كتاب آخر لهم (وحكاه) أي ما قاله ابن القاسم عن مالك (مطرّف عن) خاله (مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ مَنْ سَبَّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من المسلمين قتل) أي حدا قولا واحدا (ولم يستتب) وهذا عندهم في قواعد المذهب؛ (وقال ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَنْ سَبَّهُ أَوْ شتمه أو عابه أو تنقصّه) أي احتقره (فإنّه يقتل) أي ولم يستتب (وحكمه عند الأئمّة) أي الجماعة الأئمة من المالكية (القتل كالزّنديق) عندهم من غير الاستتابة (وقد فرض الله تعالى له) علينا (توقيره وبرّه) أي طاعته لدينا كما قال تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ (وفي المبسوط عن عثمان بن كنانة) بكسر الكاف مات سنة ست وثمانين ومائة بعد وفات مالك بسنتين (من شتم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من المسلمين قتل) أي ذبحا (أو صلب حيّا) أي وطعن أو ترك إلى أن يصير ميتا (ولم يستتب) أي ولم تقبل توبته على ما هو عندهم من المذهب، (وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي صَلْبِهِ حَيًّا أَوْ قَتْلِهِ) أي لا مرتب في حكمه، (ومن رواية أبي المصعب) بضم الميم وفتح العين وهو الزهري العوفي قاضي المدينة وعالمها سمع مالكا وغيره وعنه أصحاب الكتب الستة إلا النسائي فإنه بالواسطة (وابن أبي أويس) بفتح فسكون وهو ابن أخت مالك قالا (سَمِعْنَا مَالِكًا يَقُولُ: مَنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ شَتَمَهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ تَنَقَّصَهُ قُتِلَ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا وَلَا يستتاب) لأن حده القتل وإن تاب فهذه الرواية مطلقة بخلاف ما سبق من الروايات حيث كانت بالمسلمين مقيدة، (وفي كتاب محمد) أي ابن إبراهيم بن المواز (أنا) أي أخبرنا كما في نسخة (أصحاب مالك أنه) أي مالكا (قال: من سبّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ مسلم أو كافر قتل ولم يستتب) قال الدلجي بشهادة حديث من وقعة كعب بن الأشرف فإنه قد آذىّ الله ورسوله فقتله جماعة بإذنه ﵊ فيحتاج من قال لا يقتل الكافر بسبه إلى الجواب عن هذا الحديث انتهى ولعل الجواب أن الكلام في الذمي لا الحربي والله تعالى

стр. 1157

اعلم بالصواب على أنه ليس فيه دلالة على أنه لم تقبل توبته إذا تاب؛ (وقال أصبغ) بفتح الهمزة والموحدة وآخره معجمة وهو ابن الفرج الفقيه المصري (يقتل) أي من سب نبينا (على كلّ حال أسرّ ذلك) أي أخفاه وثبت عليه بالبينة (أو أظهره) بإقراره (ولا يستتاب) أي لا تعرض عليه التوبة إذ لا تقبل توبته في الدنيا (لأنّ توبته لا تعرف) أي صحتها باطنا وفيه أنا نحكم بالظاهر والله تعالى اعلم بالضمائر كما في حق الكافر والفاجر، (وقال عبد الله بن عبد الحكم) فقيه المالكية بمصر يروي عن مالك والليث وثقه أبو زرعة (من سبّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من مسلم أو كافر) أي ولو ذميا وفيه خلاف (قتل ولم يستتب) أي كالزنديق عندهم (وحكى الطّبريّ مثله عن أشهب) أي ابن عبد العزيز المصري (عن مالك) صاحب المذهب؛ (وروى ابن وهب) وهو عبد الله المصري (عن مالك) وهو الإمام (مَنْ قَالَ إِنَّ رِدَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي مثلا وكذا حكم ازاره وسائر دثاره وشعاره وأعضائه وأبشاره (ويروى) أي بدل أن رداء (أن زرّ النبيّ) صلى الله تعالى عليه وسلم وهو وبكسر الزاء وتشديد الراء ما يشد به أطراف الحبيب (وسخّ) أي كان وسخا بفتح فكسر أي دنسا (أراد به عيبه قتل) أي نقصه وطعنه لا بيان الواقع في نفس أمره إذ ثبت في الشمائل أنه ﵊ كان يكثر القناع حتى كان ثوبه ثوب زيات وأنه خطب الناس وعليه عصابة دسماء أي ملطخة بدسمومة شعره أو عرقه والدسماء في الأصل الوسخة وهي ضد النظيفة، (وقال بعض علمائنا) أي المالكية (أجمع العلماء) لعل المراد علماء المالكية فكان حقه أن يقول اتفق الْعُلَمَاءُ (عَلَى أَنَّ مَنْ دَعَا عَلَى نَبِيٍّ من الأنبياء بالويل) أي الهلاك أو العذاب ونحوه (أو بشيء من المكروه) في حقه (أنّه يقتل بلا استتابة) أي من غير مطالبة بتوبة ولا التفات إلى قبولها (وأفتى أبو الحسن القابسيّ) بكسر الموحدة وهو المعافري القروي الحافظ (فيمن قال في النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم الجمّال) أي أنه الجمال بفتح الجيم وتشديد الميم وفي نسخة بالحاء المهملمة (يتيم أبي طالب بالقتل لظهور استهانته) واستحقاره، (بذلك) أي بكونه يتيما بقرينة الجمال هنالك وإلا فهو في نفس الأمر كذلك وقد قال تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى أي قد وجدك ولعل الجمع بين الوصفين مطابق للواقع في السؤال وإلا فكل واحد منهما يكفي في تكفير صاحب المقال (وأفتى أبو محمد بن أبي زيد) أي القيرواني (بقتل رجل سمع قوما) أي جمعا (يتذاكرون صفة النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ مَرَّ بِهِمْ رَجُلٌ قَبِيحُ الوجه واللّحية فقال لهم) أي الذي أفتى ابن أبي زيد بقتله (تريدون تعرفون صفته) أي أتريدون أن تعرفوا صفة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (هي) أي صفته (صفة هذا المارّ) وفي نسخة هِيَ فِي صِفَةِ هَذَا الْمَارِّ (فِي خَلْقِهِ) أي خلقته في طلعته (ولجبته قال) أي ابن أبي زيد (ولا تقبل توبته) أي وإن تاب (وقد كذب لعنه الله) فإن شمائله معروفة بالحسن والجمال ونهاية الكمال وغاية الاعتدال في الأحوال (وليس يخرج) أي ولا يظهر ما قاله هذا القائل بالبهتان (مِنْ قَلْبٍ سَلِيمِ الْإِيمَانِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ صَاحِبُ سُحْنُونٍ مَنْ قَالَ إِنَّ

стр. 1158

النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كان أسود، يقتل) لأنه ﵊ كان أبيض كأنما صيغ من فضة على ما رواه الترمذي في الشمائل عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وفي رواية مسلم والترمذي عن أبي الطفيل كان ابيض مليحا مقصدا وفي رواية البيهقي عن علي كان بياضه مشربا بحمرة وفي رواية الشيخين عن البراء كان أحسن الناس وجها وفي رواية مسلم عن أنس كان أزهر اللون هذا ولم يكن تكفير هذا القائل بكذبه إذا كان جاهلا بأمره وإنما يكفر بقصده استحقاره، (وقال) أي ابن أبي سليمان (في رجل قيل له) أي ردا لما قاله (لَا وَحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ؛ فَقَالَ فَعَلَ اللَّهُ بِرَسُولِ اللَّهِ كَذَا وَكَذَا وَذَكَرَ كَلَامًا قَبِيحًا) أي لا ينبغي أن يذكر صريحا (فقيل له) إنكارا عليه (ما تقول يا عدوّ الله في حق رسول الله فقال أشدّ) أي كلاما أقبح (مِنْ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَرَدْتُ برسول الله العقرب) فإنه أرسل من عند الحق وسلط على الخلق تأويلا للرسالة العرفية بالإرادة اللغوية وهو مردود عند القواعد الشرعية (فقال ابن أبي سليمان للّذي سأله) أي استفتاه (اشهد عليه) أي اثبت الأمر لديه (وأنا شريكك) أي في الأجر المنسوب إليه؛ (يريد) أي ابن أبي سليمان مشاركته (في قتله وثواب ذلك) وأجر ما يترتب على ما هنالك. (قال حبيب بن الرّبيع) أي ابن يحيى بن حبيب القروي (لأنّ ادّعاء التّأويل في لفظ صراح) بضم أوله ويكسر مبالغة صريح كعجاب وعجيب ومعناه خالص لا لبس فيه ولا قرينة تنافيه فيكون دعوى مجردة خالية عن علامة (لا يقبل) أي ادعاؤه (لأنّه امتهان) أي احتقار له صلى الله تعالى عليه وسلم (وهو) أي والحال أن صاحب هذا القال (غير معزّر) بكسر الزاء قبل الراء أي غير مبجل (لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا موقّر له) أي ولا معظم لشأنه حيث غير وصفه الخاص به وأراد به حيوانا استحق مهانة (فوجب إباحة دمه) لتقصيره في توقيره وقد قال تعالى لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ؛ (وأفتى أبو عبد الله بن عتّاب) بتشديد الفوقية (في عشّار) أي مكاس في ظلم الناس (قال لرجل أدّ) بفتح همزة وتشديد دال مهملة مكسورة أمر من التأدية أي أعط (المكس واشك) بضم الكاف ويكسر أي وأظهر الشكوى (إلى النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بأني أخذت منك والمعنى أني ما أبالي بإطلاعه على ذلك وكان العشار جار على ذلك الرجل في أخذ المكس فتضرر الرجل وقال اشكوك إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له ما قال (وقال) أي العشار أيضا بعد ذلك (إن سألت) أي طلبت المال (أو جهلت) بعض الحال (فقد جهل) أي النبي أيضا (وسأل النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي من الله ما لم يعلم (بالقتل) متعلق بأفتى أي بقتله للكلام الذي صدر عنه من كمال جهله ويؤيده أنه روي عن مالك بن عتاهية قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول إذا لقيتم عشارا فاقتلوه لأن الغالب عليهم أن يستحلوه ويقدموا أمر ملكهم على حكم نبيهم (وأفتى فقهاء الأندلس) بفتح الهمزة وضمها وفتح الدال وضم اللام (بقتل ابن حاتم المتفقّة الطّليطليّ) بضم الطاءين المهملتين وفتح اللام الأولى وسكون التحتية وكسر اللام الثانية بعدها ياء النسبة (وصلبه)

стр. 1159

بفتح الصاد أي بجعله على جذع مع مد باعه (بما شهد عليه) بصيغة المجهول (بِهِ مِنَ اسْتِخْفَافِهِ بِحَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) ولعل تفسير قوله (وتسميته إيّاه أثناء مناظرته) أي في خلال مجادلته في علم الكلام ومباحثته (باليتيم) احتقارا له (وختن حيدرة) بفتحتين أي أبي فاطمة زوج علي فإن حيدرة بدال مهملة لقب علي كرم الله تعالى وجهه وهو اسم الاسد في أصله وكان اسم علي قبل ذلك أسدا سمته أمه فاطمة بنت أسد باسم أبيها في أول ولادته وأبوه غائب فلما قدم من غيبته سماه عليا إيماء إلى رفعته وقيل حيدرة لقب له لحدارته وشدة حرارته وفي صحيح مسلم من إنشاد علي حين بارز مرحبا يوم خيبر أنا الذي سمتني أمي حيدره (وزعمه) أي ظن ابن حاتم ووهمه (أنّ زهده لم يكن قصدا) أي اختيارا بل كان عجزا واضطرارا (ولو قدر) بفتح الدال ويكسر أي لو تمكن (على الطّيّبات أكلها) وهذا جهل منه بحاله ﵊ وبكماله في هذا المقام حيث خير بين أن يكون نبيا ملكا وبين أن يكون نبيا عبدا فاختار الفقر وقال أجوع يوما فأصبر وأشبع يوما فأشكر ليكون مظهرا لنعت الجلال ووصف الجمال على أن اختيار الله لعبده خير من اختيار العبد لنفسه وقد أكل الطيبات بلا شبهة كما يشير إليه قوله تعالى يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وإنما أراد الملعون الطعن في زهده والقدح في فقره مع أنه محل فخره تواضعا لربه وانكسارا في أمره (إلى أشباه لهذا) الاستخفاف والاستحقار في حقه مما يكفي أمر واحد منها في تكفيره وقتله، (وأفتى فقهاء القيروان) بفتح القاف والراء بلد معروف ومنهم أبو زيد (وأصحاب سحنون) بفتح السين وتضم ويصرف ولا يصرف (بقتل إبراهيم الفزاريّ) بفتح الفاء والزاء (وكان شاعرا متفنّنا) أي ماهرا (في كثير من العلوم) أدبية وعقلية لا شرعية ونقلية ولذا وقع في بلية جلية (وَكَانَ مِمَّنْ يَحْضُرُ مَجْلِسَ الْقَاضِي أَبِي الْعَبَّاسِ بن طالب للمناظرة) في العلوم والمباحثة (فرفعت) أي أثبتت (عليه أمور منكرة من هذا الباب) أي باب الاستخفاف بعلي الجناب (في الاستهزاء بالله) أي بكتابه وانبائه (وأنبيائه) في مقام إيحائه (ونبيّنا صلى الله تعالى عليه وسلم) من عظمائه (فأحضر له) أي لأجل إبراهيم الفزاري (القاضي) وهو أبو العباس المذكور (يحيى ابن عمر وغيره) بالنصب على المفعولية (من الفقهاء وأمر) أي أبو العباس (بقتله وصلبه فطعن) بصيغة المجهول أي فضرب في بطنه (بالسّكّين) حتى هلك (وصلب منكّسا) رأسه لأسفل مدة (ثمّ أنزل) من صلبه (وأحرق بالنّار) في الدنيا قبل عذاب العقبى لزيادة السياسة، (وحكى بعض المؤرّخين أنه) أي إبراهيم الفزاري المصلوب بعد قتله (لمّا رفعت خشبته) التي صلب عليها (وزالت عنها الأيدي) الممدودة إليها (استدارت) أي الخشبة (وحوّله عن القبلة) أي عن جهة الكعبة إلى غيرها (فكان) تحويلها له عنها (آية للجميع) من الحاضرين (وكبّر النّاس) عليه من الأولين والآخرين؛ (وجاء كلب) في عقبة (فولغ) بفتح اللام وتكسر (في دمه) أي شرب بلسانه منه لعظم جرمه (فقال) أي القاضي (يَحْيَى بْنُ عُمَرَ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم وذكر حديثا عنه ﵊ أَنَّهُ قَالَ لَا يَلِغُ الْكَلْبُ فِي

стр. 1160

دم مسلم) قال الحلبي يقال ولغ الكلب والسبع بفتح اللام في الماضي وبكسرها والظاهر أن اللام في المضارع مفتوحة في اللغتين انتهى وفي القاموس ولغ الكلب في الإناء وفي الشراب ومنه وبه يلغ كيهب وولغ كورث ووجل شرب ما فيه بأطراف لسانه انتهى ولا يخفى أنه إذا كان من باب ورث يقع مضارعه بكسر اللام كيرث فيجوز الوجهان والله تعالى أعلم هذا وقال الدلجي الحديث لا أعلم من رواه والظاهر أنه لا أصل له مع ما فيه من ركاكة التركيب انتهى ولا يخفى أنه لا ركاكة فيه من جهة المبنى لأن الولوغ يتعدى بفي ومن والباء على ما تقدم وأما من جهة المعنى فلعله استدل بثبوته على وقوعه في قضيته كما حكي عن العارف بالله محيي الدين بن عربي ﵀ أنه قال بلغني عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه من قال لا إله إلا الله سبعين ألف مرة غفر له وكنت ذكرت هذا العدد وما عينته لأحد حتى اجتمعت في ضيافة مع شاب مشتهر بالمكاشفة فبكا أثناء أكله فسألته عن حاله فقال أرى أمي وأبي يعذبان فقلت في نفسي وهبت ثواب التهليل الجليل ليمت هذا الرجل الجميل فضحك فسألته فقال ارتفع عنهما العذاب فعرفت صحة الحديث بكشفه وصحة كشفه بثبوت الحديث وأصله (وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُرَابِطِ) بصيغة الفاعل وهو محمد بن خلف بن سعيد ابن وهب مات بعد الثمانين وأربعمائة (من قال إنّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم هزم) بصيغة المجهول (يستتاب) يطلب منه رجعته (فإن تاب قبلت توبته وإلّا) أي وإن لم يتب (قتل) لما اقتضته ردته (لأنّه) أي قوله هزم (تنقّص) في مرتبته (إذ لا يجوز ذلك) أي وقوع هزيمته (عليه في خاصّته) أي خاصة نفسه كما في نسخة ﵊ لبراءة ساحته من الهزيمة عن مقام طاعته (إِذْ هُوَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ وَيَقِينٍ من عصمته) ففي حديث مسلم عن أبي إسحاق قال رجل للبراء بن عازب يا أبا عمارة فررتم يوم حنين قال لا والله ما ولي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولكنه خرج شبان أصحابه وأحفادهم وهم حسر ليس عليهم سلاح أو سلاح كثير فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم فأقبلوا هناك إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على بغلته البيضاء الحديث وكذا رواه البخاري وزاد عن أبي إسحاق قال البراء كنا إذا أحمر البأس نتقي به وأن الشجاع منا للذي يحاذيه أن يقابله ﵊ وكذا روي عن علي كرم الله تعالى وجهه وأما خروجه ﵊ من البلد الحرام فإنما كان بأمر الله سبحانه بالهجرة إلى دار السلام بل قيل أنه فرض عليه الجهاد ولو لم يوافقه أحد من العباد في البلاد كما يشير إليه قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ والله اعلم بالاسرار قال الحلبي وإذا كان قوله هزم تنقصا فينبغي أن يقتل حدا عندهم وإن تاب لأن هذا هو المعروف من مذهبهم ولعل هذا اختيار لابن المرابط، (وقال حبيب بن ربيع القرويّ) بفتح القاف والراء نسبة إلى القرية أو إلى القيروان على غير قياس (مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ مَنْ قَالَ فِيهِ أي في حقه ﵊ ما فيه نقص) أي قدح وطعن (قُتِلَ دُونَ اسْتِتَابَةٍ؛ وَقَالَ ابْنُ عَتَّابٍ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مُوجِبَانِ أَنَّ مَنْ قَصَدَ

стр. 1161

النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بأذى أو نقص معرضا) أي ملوحا (أو مصرحا وإن قلّ) الأذى وإن كثر بالأولى (فقتله واجب، فهذا الباب) أي باب ما يؤذي ذلك الجناب (كلّه ممّا عدّه العلماء سبّا) أي شتما وطعنا (ونقصا) أي قدحا وفي نسخة أو تنقصا أي إظهار نقص في كماله (يَجِبُ قَتْلُ قَائِلِهِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ متقدّمهم ولا متأخّرهم) أي من المالكية (وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ قَتْلِهِ عَلَى مَا أشرنا إليه) أنه هل يستفاد أو لا وهل إذا تاب يترك أو يقتل حدا أو لا يستتاب ويقتل كالزندق والله تعالى ولي التوفيق (ونبيّنه بعد) أي ننظر تفصيله بعد ذلك على وجه التحقيق ثم اعلم أن فصل الخطاب في هذا الباب أن هذا كله إذا صدر عنه تعمدا ولو هزلا بخلاف ما إذا جرى على لسانه سهوا أو خطأ أو إكراها لقوله ﵊ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وقد صرح قاضيخان من ائمتنا في فتاواه بأن الخاطئ إذا جرى على لسانه كلمة الكفر خطأ لم يكن ذلك كفرا عند الكل بخلاف الهازل لأنه يقول قصدا انتهى ثم إنه لا يعذر بالجهل عند عامة أهل العلم خلافا لبعضهم ثم اعلم أن المرتد يعرض عليه الإسلام عند علمائنا الإعلام على سبيل الندب دون الوجوب لأن الدعوة بلغته وهو قول مالك والشافعي وأحمد ويكشف عن شبهته فإن طلب أن يمهل في مدته حبس ثلاثة أيام لأنها مدة ضربت لأجل الأعذار فإن تاب قبل وإلا قتل وفي النوادر عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا يستحب أي يمهل ثلاثة أيام طلب ذلك أو لم يطلب وفي أصح قولي الشافعي أنه يستتاب في الحال وإلا قتل وهو اختيار ابن المنذر وقال الثوري يستتاب ما يرجى عوده وفي المبسوط من كتب مذهبنا أنه إن ارتد ثانيا وثالثا فكذلك يستتاب وهو قول أكثر أهل العلم ويشير إليه قوله تعالى وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إلى أن قال وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ويدل عليه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة فإن الحكم في المعصية الصغرى والكبرى واحد فقد قال ﵊ التائب من الذنب كمن لا ذنب له وقال مالك وأحمد لا يستتاب من تكرر منه كالزنديق ولعلهم تعلقوا بظاهر قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وأوله المحققون بكونهم لا يتوبون أو بكون توبتهم لا تكون إلا نفاقا لا لارتدادهم وزيادة كفرهم ولذلك لم يدخل الفاء في لن تقبل توبتهم فإن المبتدأ لا يكون سببا للخبر بل النفاق سبب له وقيل لن تقبل توبتهم إذا أشرفوا على الموت ففيه الحث على التوبة قبل الفوت وقيل نزل فيمن مات منهم كافرا كما بينه بعده بقوله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ الآية أو الآية السابقة مختصة بالزنديق والله ولي التوفيق ثم لنا في الزنديق روايتان رواية لا تقبل توبته كقول مالك وفي رواية تقبل وهو قول الشافعي وهذا في حق أحكام الدنيا وأما فيما بينه وبين الله تعالى فتقبل بلا خلاف وعن أبي يوسف إذا تكرر منه الارتداد يقتل من غير عرض الإسلام عليه لاستخفافه بالدين الواجب إكرامه إليه (وكذلك أقول حكم من غمصه) أي عابه (أو عيّره) بتشديد الياء أي احتقره (برعاية الغنم) أي برعيها بالأجرة وسيأتي

стр. 1162

تفصيل هذه القصة (أو السّهو أو النّسيان) مع أنهما ثابتان عنه إلا أنه إنما يكفر لأجل التعيير وسبب التحقير (أو السّحر) أي بالسحر وهو ظاهر في الكفر أو (ما أصابه) أي وبما نابه (من جرح) بضم الجيم ويفتح أي جراحة مع أنه ﵊ كسرت رباعيته وشج وجهه فكفر القائل إنما هو لتعييره به وتنقيصه بسببه وكذا قوله (أو هزيمة لبعض جيوشه) فإنه هزم بعض أصحابه في أحد وحنين (أَوْ أَذًى مِنْ عَدُوِّهِ أَوْ شِدَّةٍ مِنْ زمنه) أي على وجه التعيير به (أو بالميل إلى نسائه) ففي العالم في قوله تعالى أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قال ابن عباس والحسن ومجاهد جماعة المراد بالناس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وحده حسدوه على ما أحل الله له من النساء وقالوا ما له هم إلا النكاح قاله تعالى: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً كداود وسليمان فإنه كان لسليمان ألف امرأة ثلاثمائة مهرية وسبعمائة سرية وكان لداود ﵇ مائة امرأة ولم يكن يومئذ لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا تسع نسوة انتهى وقد صرح بعض علمائنا أن من تزوج أربعا وتسرى ألفا وعيره أحد وذمه به يكفر لأنه بمنزلة تحريم ما أحل الله (فَحُكْمُ هَذَا كُلِّهِ لِمَنْ قَصَدَ بِهِ نَقْصَهُ الْقَتْلُ وَقَدْ مَضَى مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي ذلك) أي من اختلافهم هنالك هل يستتاب أم لا (ويأتي ما يدلّ عليه) من الجواب على وجه الصواب. فصل (فِي الْحُجَّةِ فِي إِيجَابِ قَتْلِ مَنْ سَبَّهُ أو عابه صلى الله تعالى عليه وسلم) من الكتاب والسنة وإجماع الأمة (فمن القرآن لعنه تعالى) أي لعن الله كما في نسخة (لمؤذيه) أي لمؤذي نبيه (في الدّنيا والآخرة) ظرف لعنه (وقرانه تعالى) أي وجمعه سبحانه (أذاه) أي أذى رسول (بأذاه) أي بأذى نفسه (وَلَا خِلَافَ فِي قَتْلِ مَنْ سَبَّ اللَّهَ) أي عمدا من غير خطأ واكراه وإنما الخلاف في أنه هل يستتاب أم لا (وأنّ اللّعن) أي الطرد الكلي من رحمة الله تعالى (إنّما يستوجبه من هو كافر) وأما ما ورد من لعن أصحاب الكبائر وأرباب الصغائر كقوله ﵊ لعن الله آكل الربا ونحوه ولعن الله المحلل والمحلل له وأمثاله فهو لعن دون لعن والحاصل أن اللعن المطلق ينصرف إلى الفرد الاكمل وأغرب الدلجي في هذا المحل حيث قال بخلاف المؤمن فإن لعنه كقتله كما ورد وفي رواية لعنه فسوف إذ ليس الكلام فيمن لعن مؤمنا بل الكلام فيما إذا وقع لعن الله على أحد فإنه إن لم يكن مؤمنا فهو كافر وأما إذا وقع على مؤمن فالمراد زجره (وحكم الكافر القتل) إذ لم يكن معصوم الدم (فقال) أي اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب: ٥٧] ) وقد سبق بيان أذاهما وقيل ذكر الله تعالى تعظيم وتمهيد لذكره ﵊ (الآية) أي لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي أبعدهم من رحمته الخاصة فيهما وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً وحجابا مبينا (وقال) أي الله تعالى (في قاتل المؤمن مثل ذلك) أي نظير ما هنالك حيث قال تعالى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً

стр. 1163

مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً لكن اللعن الموجب للكفر إنما يكون إذا استحل قتل المؤمن أو قتل لكونه مؤمنا وإلا فهو محمول على الزجر كما أن خالدا مأول بمدة مديدة (فمن لعنته في الدّنيا القتل) إما قصاصا وإما حدا (قال الله تَعَالَى) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شك وشبهة والمرجفون في المدينة بالأخبار السيئة لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ أي لنسلطنك عليهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا أي زمانا قليلا فهددهم بالبعد عن حضرة حبيبه وعدم المجاورة في مكان قربه الموجب للبعد عن رحمته والطرد من جنته وهذا معنى قوله (مَلْعُونِينَ) بالنصب على الحال (أَيْنَما ثُقِفُوا) أي وجدوا وأدركوا (أُخِذُوا) أي أمسكوا (وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [الأحزاب: ٦١] ) أي أشد أنواع القتل ليعتبر غيرهم ويقوموا بحق النبي كما يجب له توقيرا وتبجيلا (وقال) أي الله (في المحاربين) أي قطاع الطريق على سيارة المسلمين (وذكر عقوبتهم) بقوله إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أن اقتصروا على القتل أو يصلبوا أن جمعوا بين أخذ المال وقتل النفس أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أن اقتصروا على أخذ المال أو ينفقوا من الأرض بالإخراج أو الحبس إن اقتصروا على الإخافة (ذلِكَ) أي ما ذكر من قتل وغيره (لَهُمْ خِزْيٌ) أي ذل وفضيحة (فِي الدُّنْيا [المائدة: ٣٣] ) وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وحاصله أن اللعن قد يجيء بمعنى القتل على أن صاحب اللعن يستحق القتل (وقد يقع القتل بمعنى اللّعن قال: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات: ١٠] ) أي لعن الكذابون المقدرون المفترون (وقاتَلَهُمُ اللَّهُ) أي اليهود والنصارى وأمثالهم (أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون: ٤] ) أي كيف يصرفون عن الحق مع ظهور أمره وعلو نوره (أي لعنهم الله تعالى) أي أبعدهم عن مقام حضوره (ولأنّه) أي الله تعالى (فرق بين أذاهما) والتقدير لأن الله فرق بين إذاهما أي أذى الله ورسوله بأن في اذاهما الكفر والقتل وفي أذى المؤمنين القتل والضرب بحسب اختلاف الأذى حيث قال تعالى وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (وفي أذى المؤمنين ما دون القتل) أي أن لم يكن الأذى بالقتل ونحوه مما يستحق القتل (من الضّرب والنّكال) أي العقوبة التي هي العبرة لغيره في الاستقبال (فكان حكم مؤذي الله ونبيّه) بخصوصه أو عموم جنسه (أشدّ من ذلك) أي من أذى المؤمنين (وهو) أي حكمه الأشد (القتل) لمؤذيهما والكفر في متنقصيهما (وقال لله تعالى فَلا أي فليس الأمر كما يزعمون (وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ) أي يجعلوك حكما (فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: ٦٥] ) أي فيما اختلفوا فيما بَيْنَهُمْ (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً الآية) أي ضيقا وشكا مما قضيت أي حكمت بينهم سواء لهم أو عليهم ويسلموا تسليما أي ينقادوا انقيادا تاما لحكمك ظاهرا وباطنا دائما (فسلب) أي نفي الله (اسْمَ الْإِيمَانِ عَمَّنْ وُجِدَ فِي صَدْرِهِ

стр. 1164

حرجا من قضائه) بعدم انقياده (ولم يسلم له) أمره بإذعانه وفق مراده (ومن تنقّصه فقد ناقض هذا) أي عارض ما يجب عليه من أنه لم يجد من نفسه حرجا من قضائه كيف ما جاء واسعا أو ضيقا (وقال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) تعظيما لقدره وتكريما لأمره وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ (إلى قوله أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات: ٢] ) ومن المعلوم أن مجرد رفع الصوت فوق صوته لا يبطل العمل فإن المعاصي سواء الكبائر والصغائر لا تبطل الحسنات عند أهل السنة والجماعة وإنما يبطلها الكفر وهو لا يكون إلا إذا تضمن وفع الصوت خفض حرمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم واستخفاف منصبه وهذا معنى قوله (ولا يحبط العمل إلّا الكفر) بمجرد تحققه ولو رجع إلى الإسلام عند أكثر علماء الأعلام (والكافر يقتل) بالارتداد بعد استتابته أو بدونها على خلاف لأرباب الاجتهاد (وقال الله تعالى وَإِذا جاؤُكَ) أي اليهود والمنافقون (حَيَّوْكَ) أي سلموا عليك (بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [المجادلة: ٨] ) أي بلفظ لم يأمر الله تعالى به فيقولون السام عليك والسام الموت ويقولون في أنفسهم أي في صدروهم أو فيما بينهم من حجورهم لولا يعذبنا الله بما نقول وأقول قد عذبهم الله تعالى بعين المقول وأن لم يدركوه بالعقول (ثمّ قال حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ) أي كافيهم عذابها في العقبى ولو أمهلناهم لحكمة في الدنيا (يَصْلَوْنَها) أي يدخلونها ويحرقون بها ويخلدون فيها (فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة: ٨] ) أي المرجع هي لهم ولأمثالهم في مآلهم (وقال تعالى وَمِنْهُمُ) أي من المنافقين (الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التَّوْبَةِ: ٦١] ) بضمتين وبسكون ثانيه الجارحة المعروفة والمراد به هنا المستمع القائل لما يقول له كل أحد قال تعالى ردا عليهم قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ أي نعم هم اذن ولكن نعم الأذن هم يؤمن بالله أي بجوده ووجوده يؤمن للمؤمنين أي يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم ورحمة للذين آمنوا خاصة وللخلق عامة (ثمّ قال: يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [التَّوْبَةِ: ٦١] ) وعقاب مقيم (وقال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ) أي المنافقين وهم سائرون معه في غزوة تبوك عن قولهم في حقه انظروا هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه بالتمام هيهات هيهات من هذا المرام (لَيَقُولُنَّ) في مقام الإنكار على وجه الاعتذار (إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة: ٦٥] ) فيما يخوض فيه الركب ليقصر السفر ويخف التعب قل أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا باعتذاراتكم الكاذبة (إلى قوله: قَدْ كَفَرْتُمْ سرا (بَعْدَ إِيمانِكُمْ [التوبة: ٦٦] ) ظاهرا (قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ كَفَرْتُمْ بِقَوْلِكُمْ فِي رَسُولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم) ما لا يليق بجنابه المكرم (وأمّا الإجماع فقد ذكرناه) وهو أقوى الحجج في مقام النزاع (وأمّا الآثار) أي الأحاديث والأخبار (فَحَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ محمد بن غلبون) بفتح معجمة وسكون لام وهو منصرف وقد يمنع على مذهب أبي علي الفارسي كما قدمناه (عن الشّيخ أبي ذرّ الهرويّ) بفتح الهاء ويكسر (إِجَازَةً قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ

стр. 1165

الدّارقطنيّ وأبو عمر بن حيّويه) بمهملة مفتوحة وتشديد تحتية مضمومة فواو ساكنة فتحتية وفي نسخة حيوة بفتحتين بينهما ساكن وهو أبو عمر محمد بن زكريا الخزاز بزايين لعمله الخز (قالا) كلاهما (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُوحٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بن محمّد بن الحسن بن زبالة) بفتح الزاء وتخفيف الموحدة المدني من أئمة الحديث ومصنفيهم قال ابن حبان يأتي عن المدنيين بالأشياء المعضلات فبطل الاحتجاج به ذكره الذهبي في الميزان على ما قاله الحلبي (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ) قال الحلبي يحتمل أن يكون هذا عبد الله بن موسى الهاشمي فإن كان هو يروي عن الحسن بن الطيب والبغوي وطبقتهما وعنه أبو محمد الخلال والتنوخي قال ابن أبي الفوارس فيه تساهل شديد وقال البرقاني أبو العباس الهاشمي ضعيف وله أصول رديئة وقال أبو الحسن بن الفرات ثقة مات سنة أربع وسبعين وثلاثمائة كذا ذكره الذهبي في الميزان فإن كان هذا هو فهو لم يدرك علي بن موسى يعرف ذلك بالنظر في تاريخ موتهما فيكون الحديث منقطعا قال وإن لم يكن هو فلا أعرفه والله أعلم (عن عليّ بن موسى) هو الرضى العلوي يروي عن أبيه وعمه وعنه أبو عثمان المازني وعبد السلام بن صالح وعدة مات بطرطوس سنة ثلاث ومائتين وله خمسون سنة أخرج له ابن ماجه فقط تكلموا فيه قال ابن طاهر يأتي عن أبيه بعجائب قال الذهبي إنما الشأن في ثبوت السند وإلا فالرجل قد كذب عليه ووضع عليه نسخة سائرة كما كذب على جده جعفر الصادق (عن أبيه) أبوه هو موسى بن جعفر بن محمد العلوي الكاظم روى عن أبيه وعبد الله بن دينار ولم يدركه وعنه ابنه علي الرضى وأخواه علي ومحمد وبنوه إبراهيم وإسماعيل وحسين وصالح قال أبو حاتم ثقة إمام توفي في حبس الرشيد ولد سنة ثمان وعشرين ومائة سنة ثالث وثمانين ومائة أخرج له الترمذي وابن ماجة وكان من الأجواد الحكماء ومن العباد الاتقاء وله مشهد معروف ببغداد وحديثه قليل جدا (عن جدّه) وهو جعفر بن محمد الصادق (عن محمّد بن عليّ بن الحسين) هو أبو جعفر البقر (عن أبيه) أي علي بن الحسين زين العابدين (عن الحسين بن عليّ) أي ابن طالب (عن أبيه) أمير المؤمنين علي المرتضى كرم الله وجهه ورضي عنه (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ سَبَّ نَبِيًّا فَاقْتُلُوهُ ومن سبّ أصحابي فاضربوه) قال الحلبي الحديث هذا ليس في الكتب الستة قلت الحديث قد ساقه القاضي بسنده من طريق الدراقطني وهو إمام جليل من أهل السنة وقد رواه الطبراني في الكبير أيضا لكنه بسند ضعيف عن علي رضي الله تعالى عنه من سب الأنبياء قتل ومن سب أصحاب جلد ورواه أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ والناس أجمعين وروى أحمد والحاكم في مستدركه من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله تعالى وفي حاشية التلمساني عن علي رضي الله تعالى عنه قال لا أوتى بمن فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري. (وفي الحديث الصّحيح) الذي رواه البخاري وغيره (أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بقتل

стр. 1166

كعب بن الأشرف) من يهود خيبر (وقوله) بالرفع عطف على أن النبي أي وفي الحديث الصحيح قوله ﵊ في أصل الدلجي وفي الحديث الصحيح أمر النبي بصيغة المصدر فقال وقوله عطف على أمر النبي (من لكعب بن الأشرف) أي من يتصدى لقتله (فإنّه) كما رواه الشيخان عن جابر (يؤذي) وفي رواية لهما آذى (الله ورسوله ووجّه) بتشديد الجيم أي أرسل (إليه من قتله) وهو محمد بن مسلمة وقد خرج معه سلمان بن سلامة وعباد ابن بشر والحارث بن أوس وأبو عيسى بن جبير وهؤلاء الخمسة كلهم من الأوس وكان خروجهم إليه لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من مهاجرة ﵊ (وكان قتله غيلة) بكسر المعجمة أي خفية ومخادعة وحيلة والقضية مشهورة وفي كتب السير مسطورة (دون دعوة) واستتابة لسبق الدعوة وعدم المنفعة (بخلاف غيره) أي غير كعب (من المشركين) فإن قتله كان بعد دعوته له إلى الإسلام رجاء أن يرجع إلى طريق دار السلام (وعلّل) أي النبي ﵊ في قتله (بأذاه له) كما تقدم (فَدَلَّ أَنَّ قَتْلَهُ إِيَّاهُ لِغَيْرِ الْإِشْرَاكِ بَلْ للأذى) وفيه أن ذلك الأذى كان نوعا من الإشراك إذ لم يثبت له إيمان سابق وأذى لا حق ليكون دليلا على ما نحن فيه فإنه لعنه الله قد جمع بين الكفر بالله والقدح في أمر رسول الله فتقدير كلام المصنف لغير الإشراك وحده بل للأذى معه (وكذلك) أي ومثل ما قتل كعبا في الجملة (قتل أبا رافع) أي الأعور سلام بتخفيف اللام وقيل يتشديدها وهو ابن أبي الحقيق وكان يهوديا بخيبر قاله البخاري في صحيحه وزاد وقيل هو حصن بأرض الحجاز، (قال البراء) أي ابن عازب (وكان) أي أبو رافع (يؤذي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويعين) أي اعداءه (عليه) روي أنه استأذن نفر من الخزرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في قتل أبي رافع فأذن فخرج خمسة نفر عبد الله بن عتيك ومسعود بن سنان وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة بن ربعي وخزاعي بن أسود وحليف لهم من اسلم وأمر عليهم ابن عتيك وذلك في شهر رمضان سنة ست (وكذلك أمره يوم الفتح) أي فتح مكة (بقتل ابن خطل) بفتح المعجمة والمهملة واختلف في اسمه رواه ابن أبي إسحاق والبيهقي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عمرو بن حزم مرسلا ورواه الشيخان عن أنس بلفظ أمر بقتل ابن خطل وفي الترمذي وهو متعلق بأستار الكعبة واختلف في قاتله والظاهر اشتراكهم في قتله (وجاريتيه اللّتين كانتا تغنّيان بسبّه ﵊ وهما سارة وفرتنا بالفاء والتاء والنون وأسلمت فرتنا وأمنت سارة وعاشت إلى زمن عمر رضي الله تعالى عنه ثم وطئها فرس فقتلها ذكره السهيلي وقال أبو الفتح اليعمري وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحديهما واستأمنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الأخرى فأمنها فعاشت مدة ثم ماتت في حياة النبي ﵊ ذكره الحلبي فحيث ما صح قتلهما ولا قتل إحداهما لاختلاف وقع فيهما فلا يرد على أبي حنيفة أنه لم يحكم بقتل المرتدة مع أنهما لا يعرف إسلام سابق لهما وروى أبو داود والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص لما كان يوم فتح

стр. 1167

مكة أمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الناس إلا أربعة وامرأتين ذكره الدلجي ولم يبين أنهما قتلا أم لا ولعلهما الجاريتان والله تعالى تعالى اعلم. (وفي حديث آخر) قال الدلجي لا أدري من رواه (أنّ رجلا كان يسبّه ﵊ قال الحلبي هذا الرجل لا أعرف اسمه وقال التلمساني هو الحويرث بن نغير وهو الذي نخس جمل زينب ابنته ﵊ حين أدركها فسقطت من دابتها وألقت جنينها (فقال من يكفيني عدوّي) أي شره وفي أصل التلمساني يكفني على أن من شرطية قال وروي يكفيني بالرفع أي بإثبات الياء وهو إما على لغة الم يأتيك والأنبياء تنمي وقيل أشباع وقيل من موصولة فيها معنى الشرط (فَقَالَ خَالِدٌ أَنَا فَبَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلَهُ وَكَذَلِكَ أَمَرَ بِقَتْلِ جَمَاعَةٍ) وقد تصحف على الحلبي بقوله وكذلك لم يقل بضم المثناه تحت أوله ثم قاف مكسورة وهذا ظاهر انتهى وهو خطأ باهر كما لا يخفى وقد تبعه الأنطاكي والدلجي ضبطه بضم أوله وكسر ثانيه من أقال عثرته أي هلكته وتبعهما التلمساني في ضبط مبناه وقال معناه أنه لم يترك جماعة انتهى ولا يخفى أنه لم يثبت عن أحد من الجماعة أنه رجع ولم يقبل ﵊ رجعته حتى يصح نفي الإقالة فتأمل ولا يغرك كثرة القائلين الغافلين بل أمر بقتل جماعة غير تائبة (مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِيهِ مِنَ الْكُفَّارِ وَيَسُبُّهُ كَالنَّضْرِ بن الحارث) وهو القائل من كمال تعصبه في مذهبه وحماقته في مشربه اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ وهو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري أخذ أسيرا ببدر وبالصفراء أمر ﵊ عليا فقتله وهذا هو الصواب وأما ابن منده وأبو نعيم فغلطا فيه غلطين أحدهما أنهما قالا في نسبته كلدة بن علقمة وإنما هو بالعكس ذكره الزبير بن بكار وابن الكلبي وخلائق وثانيهما أنهما قالا إن النضر بن الحارث شهد حنينا معه ﵊ وأعطاه مائة من الإبل وكان مسلما من المؤلفة وعزوا ذلك إلى ابن إسحاق وهذا غلط بإجماع أهل المغازي والسير وقد أطنب ابن الأثير في تعليقهما والرد عليهما انتهى وقد ذكر ذلك الشيخ محيي الدين عنه وكذا الذهبي في التجريد على ما قاله الحلبي والله أعلم (وعقبة بن أبي معيط) بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون التحتية وطاء مهملة وهو أبان بن ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي أسره عبد الله بن سلمة بكسر اللام ببدر فلما انصرف ﵊ من بدر وكان بعرق الظبية أمر بقتله عاصم بن ثابت الأنصاري وقيل عليا فقال حين قتله من للصبية يا محمد قال النار أو قال إلى من الصبية يا محمد قال إلى النار (وعهد) أي وصى (بقتل جماعة منهم) أي ممن كان يؤذيه (قبل الفتح وبعده فقتلوا) أي من عهد بقتله (إِلَّا مَنْ بَادَرَ بِإِسْلَامِهِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ) مثل كعب بن زهير بن أبي سلمى بضم السين صاحب قصيدة بانت سعاد وقصته معروفة (وقد روى البزّار) بسند ضعيف (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي معيط نادى) بأعلى صوته (يا

стр. 1168

معاشر قريش) وروي يا معشر قريش وهم ولد النضر بن كنانة سموا قريشا باسم دابة في البحر تأكل حيوانه وقد قيل فيها: وقريش هي التي تسكن البح ... ر سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا تتر ... ك يوما لذي جناحين ريشا (ما لي أقتل) بصيغة المجهول (من بينكم صبرا) أي محبوسا ومأخوذا من غير محاربة في المعركة (فقال له النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بكفرك) أي أولا (وافترائك على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) ثانيا إهانة له واحتقارا و (ذكر عبد الرزاق) في جامعه عن عكرمة مولى ابن عباس مرسلا (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّهُ رَجُلٌ فَقَالَ مَنْ يَكْفِينِي عدوّي) بدفع شره عني (فقال الزّبير: أنا، فبارزه) أي الزبير أو هو (فقتله الزّبير وروي أيضا) في جامعه عن عروة عن رجل من اليمن (أنّ امرأة كانت تسبّه ﵊ فَقَالَ مَنْ يَكْفِينِي عَدُوَّتِي فَخَرَجَ إِلَيْهَا خَالِدُ بن الوليد فقتلها) وروى ابن أبي شيبة عن الشعبي أن رجلا من المسلمين كان يأوي إلى امرأة يهودية تطعمه وتسقيه وتحسن إليه ولا تزال تؤذيه في رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقتلها في ليلة من الليالي خنقا فرفع ذلك له ﵊ فأخبره الرجل بأنها كانت تؤذيه فيه وتسبه وتقع فيه فقتلتها لذلك فأهدر صلى الله تعالى عليه وسلم دمها؛ (وروي) كما في جامع عبد الرزاق (أَنَّ رَجُلًا كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ إِلَيْهِ لِيَقْتُلَاهُ) كذا روي مختصرا وروى البيهقي عن سعيد بن جبير قال جاء رجل إلى قرية من قرى الأنصار فقال إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أمرني أن تزوجوني فلانة فبلغ ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأرسل عليا والزبير فقال إذهبا فإن أدركتماه فاقتلاه ولا اراكما تدركانه فذهبا فوجداه قد لدغته حية فقتلته ثم رواه من وجه آخر موصولا عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن الحارث وسمي الرجل الذي كذب جد جد الجندي كذا ذكره الدلجي وقال الحلبي هذا الرجل لا أعرف اسمه أقول من حفظ حجة على من لم يحفظ، (وروى ابن قانع) بقاف ونون وهو عبد الباقي بن قانع بن مرزوق بن واثق أبو الحسين الأموي (أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِيكَ قَوْلًا قَبِيحًا فَقَتَلْتُهُ فَلَمْ يشقّ ذلك) أي لم يصعب أمره (على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) قال الحلبي هذا الرجل وأبوه لا أعرفهما، (وبلغ المهاجر) بالنصب (ابن أبي أميّة أمير اليمن) نيابة (لأبي بكر ﵁ والمعنى وصله (أنّ امرأة) وفي نسخة بتشديد لام بلغ ورفع المهاجر أي أوصل لأبي بكر أن امرأة (هناك) أي في اليمن (في الرّدّة) أي في حالها أو لأجلها (غنّت) بتشديد النون أي تغنت وتنغمت (بسبّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فقطع) أي المهاجر (يدها) وفي نسخة يديها وفي نسخة ثدييها (ونزع ثنيّتها) وكان الأنسب قطع لسانها أو قمع وجودها وشأنها (فبلغ ذلك أَبَا بَكْرٍ ﵁ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ لَوْلَا مَا فَعَلْتَ لَأَمَرْتُكَ بِقَتْلِهَا لِأَنَّ حدّ الأنبياء) أي تعزير

стр. 1169

تنقصهم (ليس يشبه الحدود) المترتبة على أسبابها بالنسبة إلى غيرهم فإن القتل متعين إلا في المرأة لاختلاف فيها والحديث رواه ابن سعد وابن عساكر والمهاجر هو ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي كان اسمه الوليد فكرهه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وسماه المهاجر وهو أخو أم سلمة أم المؤمنين أرسله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى اليمن إلى الحارث بن عبد كلال الحميري باليمن ثم استعمله على صدقات كندة فتوفي صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يسر إليها فبعثه أبو بكر إلى قتال من باليمن من المرتدين فإذا فرغ سار إلى عمله فسار إلى ما أمره به أبو بكر وهو الذي فتح حصن النجير بحضرموت زمن أبي بكر مع زياد بن لبيد الأنصاري وله في قتال المرتدين باليمن آثار كثيرة رضي الله تعالى عنه (وعن ابن عباس) قال الدلجي لا أعرف من رواه (هجت امرأة من خطمة) بفتح معجمة وسكون مهملة قبيلة والمرأة عصماء بنت مروان بن أبي أمية بن زيد (النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فقال من لي بها) أي من يقوم لأجلي بقتلها (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهَا أَنَا يَا رَسُولَ الله فنهض) أي فقام (فقتلها) وهو عمير بن عدي بن خرشة الخطمي (فأخبر النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بصيغة المجهول (فقال ﵊ لا ينتطح فيها عنزان) بفتح مهملة فسكون نون فزاء وهو تثنية عنز أي لا يجري فيها خلاف ولا نزاع كنطاح التيوس والكباش وهذا من الكلام الذي لم يسبق إليه أحد من الأنام وصار هذا مثلا في تحقير الأمر وأنه لا يكون فيه مكروه وإن قل أو معناه أن أمرها هين لا يتكلم فيها ولا يطلب دمها لفعلها القبيح الدال على كفرها الصريح أو معناه أنه لا يحصل في قتلها ما يثير فتنة من قبلها وإن أيسر الأشياء أن ينطح عنزان وهو في قتلها غير موجود وقيل العنزان لا ينتطحان وإنما ينتطح التيسان والمعنى لا توجد فيها فتنة البتة وروي أن قاتلها صلى الفجر بالمدينة بعد قتلها فقال ﵊ قتلت ابنة مروان قال نعم فهل علي في ذلك شيء فقال ﵊ لا ينتطح فيها عنزان وأرسلته العرب مثلا يضرب في أمر هين لا يكون له تعيير ولا نكير قال الحافظ وأول من تكلم به النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قاله حين قتل عمير بن عدي عصماء (وعن ابن عباس) كما رواه أبو داود والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عنه (أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَسُبُّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فيزجرها) أي ينهاها الأعمى (فلا تنزجر) بقوله لها (فلمّا كانت ذات ليلة) أي ساعة من ساعاتها (جعلت) أي أخذت وشرعت (تقع في النبيّ) أي في عرضه (صلى الله تعالى عليه وسلم وتشتمه) بكسر العين وضمها أي تسبه كما في نسخة (فقتلها وأعلم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك فأهدر دمها) قال الحلبي وهذه المرأة وزوجها الأعمى لا أعرفهما الآن وفي الصحابة جماعة عميان غير أن الإمام السهيلي ذكر في أواخر روضه في مقتل عصماء بنت مروان قال وكانت تسب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقتلها بعلها على ذلك إلى أن قال ووقع في مصنف حماد ابن سلمة أنها كانت يهودية وكانت تطرح المخاط في مسجد بني خطمة فأهدر رسول الله

стр. 1170

صلى الله تعالى عليه وسلم دمها قال ولم ينتطح فيها عنزان انتهى وقد ذكر ابن سعد في سيرته أن عصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد كانت عند يزيد بن فريد بن حصن الخطمي وكانت تعيب الإسلام وتؤذي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وتحرض عليه الأنام وتقول الشعر فيه من نظم الكلام فجاءها عمير بن عدي في جوف الليل حتى دخل عليها بيتها وحولها نفر من ولدها نيام ومنهم من ترضعه في صدرها فجسها بيده ونحى الصبي عنها ووضع سيفه على صدرها حتى انفذه من ظهرها وكان ضرير البصر إلى آخر القصة فعمير ليس بزوجها وزوجها يزيد بن فريد بن حصن صحابي ولا اعلمه في العميان؛ (وفي حديث أبي برزة) بفتح الموحدة فسكون راء فزاء (الأسلميّ) على ما رواه أبو داود وصححه الحاكم ورواه البيهقي في سننه (قال كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) رضي الله تعالى عنه (فغضب على رجل من المسلمين) أي ممن اغضبه عليه بسب أو بسبب آخر (وحكى القاضي إسماعيل) أي ابن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد المالكي البغدادي الحافظ (وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ) أي في سبب ورود حديث أبي برزة (أنه) أي الرجل (سبّ أبا بكر ورواه النّسائيّ) وهو أحد الأئمة الستة (أتيت أبا بكر وقد أغلظ لرجل) أي في القول (فردّ) أي الرجل (عليه) أي على أبي بكر (قال) أي قال أبو برزة (فقلت يا خليفة رسول الله دعني) أي اتركني (أضرب) بالجزم وقيل بالرفع (عنقه) أي بسبه لك كما في نسخة وكأنه مهتما بأمره (فقال اجلس فليس ذلك) أي قتل مثله (لأحد إلّا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) كإخوته من الأنبياء لاشتراكهم في بعث النبوة وصفة الرسالة بخلاف غيرهم من آحاد الأمة ولو كانوا من أكابر الأئمة هذا والحديث رواه النسائي من طرق بألفاظ متعددة منها ما تقدم ومنها تغيظ أبو بكر على رجل ومنها مررت على أبي بكر وهو متغيظ على رجل من الصحابة ومنها غضب أبو بكر على رجل غضبا شديدا حتى تغي لونه ومنها كنا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَغَضِبَ عَلَى رَجُلٍ من المسلمين فاشتد غضبه عليه جدا ورواه أبو داود أيضا ولفظه عن أبي برزة كنت عند أبي بكر فتغيظ على رجل فاشتد عليه، (قال القاضي أبو محمد بن نصر) ومن كلامه في أيامه حال ضيق مرامه: يا لهف قلبي على شيئين لو جمعا ... عندي لكنت إذن من أسعد البشر كفاف عيش يقيني ذل مسألة ... وخدمة العلم حتى ينقضي عمري (ولم يخالف عليه أحد) يعني فصار إجماعا أنه لا يقتل مسلم بسبب صحابي وينبغي أن لا يكون فيه خلاف إذ لو قتل أحد أبا بكر لم يكفر اتفاقا فكيف إذا سبه أحد ومن المعلوم أن جناية السب دون جناية القتل وإنما جوز بعض أصحابنا الحنفية قتل من سب أكابر الصحابة على وجه الزجر والسياسة وأما ما نقلوه فيه من حديث سب الشيخين كفر فلا أصل له وعلى تقدير صحة ثبوته فيجب تأويله كحديث من ترك صلاة متعمدا فقد كفر أي قارب الكفر أو يخشى عليه الكفر أو كفر النعمة أو محمول على استحلال المعصية أو عد سبهم عبادة وأمثال

стр. 1171

ذلك والله تعالى اعلم بحقيقة ما هنالك، (واستدلّ) وفي نسخة فاستدل (الأئمة) أي علماء الأمة (بهذا الحديث) المروي عن أبي برزة المنتهي إلى أبي بكر الصديق (عَلَى قَتْلِ مَنْ أَغْضَبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكُلِّ مَا أَغْضَبَهُ أَوْ أَذَاهُ أَوْ سَبَّهُ وَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عبد العزيز إلى عامله بالكوفة) قال الحلبي هذا الرجل لا أعرفه وقال التلمساني هو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (وقد استشاره) أي ذلك العامل عمر بن عبد العزيز (فِي قَتْلِ رَجُلٍ سَبَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنه) الظاهر أن المراد به ابن الخطاب لأنه الفرد الأكمل في هذا الباب ولا يبعد أن يراد به عمر بن عبد العزيز (فكتب إليه عمر) أي ابن عبد العزيز (إنّه لا يحلّ قتل امرىء مسلم بسبّ أحد من النّاس) ولو بلا موجب وسبب (إِلَّا رَجُلًا سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ سَبَّهُ فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ) أي إجماعا وذلك لخروجه عن دينه قطعا، (وسأل الرّشيد) وهو هارون بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وقد بويع له سنة سبعين ومائة في الليلة التي مات فيها أخوه الهادي لاثنتي عشرة ليلة بقيت من الربيع الأول وهو ابن احدى وعشرين سنة وشهرين وحج بالناس ست حجات ولم يزل واليا إلى أن مات بطوس من خراسان وهنالك قبره وذلك ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة وهو ابن سبع وأربعين سنة وكانت ولايته ثلاثا وعشرين سنة وشهرين وسبعة عشر يوما وكان يحج عاما ويغزو عاما وهو آخر خليفة حج في خلافته حج بعده كثير من قبل ولايتهم والحاصل أنه سأل (مالكا) إمام المذهب ما تقول (في رجل شتم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بخصوصه أو أحدا من جنسه (وذكر له) أي الرشيد (أنّ فقهاء العراق) أي الكوفة والبصرة أو فقهاء العجم (أفتوه) إذا سألهم عنه أجابوه (بجلده) أي بضربه حدا لشتمه (فغضب مالك) لفتواهم بذلك (وَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا بَقَاءُ الْأُمَّةِ) على الجادة (بعد شتم نبيّها) بهذه المثابة من عدم التفرقة بينه وبين غيره في تفاوت الرتبة (مَنْ شَتَمَ الْأَنْبِيَاءَ قُتِلَ وَمَنْ شَتَمَ أَصْحَابَ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أحدا منهم (جلد) أي ضرب جلد الفرية. (قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى) أي المصنف (كذا وقع في هذه الحكاية) أي أن فقهاء العراق افتوا الرشيد بجلده (رَوَاهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَنَاقِبِ مَالِكٍ) ممن اعتنى بجمعها وفي نسخة ممن ذكر مناقب مالك (ومؤلّفي أخباره وغيرهم) من رواة سيره وآثاره (وَلَا أَدْرِي مَنْ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءُ بِالْعِرَاقِ الَّذِينَ أفتوا الرّشيد بما ذكر) من أنه يجلد ولا يقتل (وقد ذكرنا مذهب العراقيّين) وفي نسخة مذاهب العراقيين (بقتله ولعلّهم) أي من افتاه بجلده دون قتله (ممن لم يشتهر) وفي نسخة ممن لم شهر (بعلم) وهذا بعيد جدا وكذا قوله (أو ممن) وفي نسخة أَوْ مَنْ (لَا يُوثَقُ بِفَتْوَاهُ أَوْ يَمِيلُ به هواه) فأن مثل هؤلاء لا ينقل الرشيد عنهم فيتعين قوله (أو يكون ما قاله) أي نقله الرشيد (يحمل على غير السّبّ) الموجب لقتله (فيكون الخلاف) جاريا فيه (هل هو سبّ) فيقتل (أو غير سبّ) فيجلد (ويكون) أي الساب (رجع وتاب عن سبّه)

стр. 1172

وفي نسخة من سبه وهذا هو الأظهر لأنه الموافق لمذهب الكوفيين على ما تقرر (فلم يقله) أي لم ينقله الرشيد (لمالك) فلم يقله مالك (على أصله) أي حقيقة وقوعه (وإلّا فالإجماع على قتل من سبّه) أي في الجملة (كما قدّمناه) وإن كان منهم من قال فإن تاب قبلت توبته بل يجب أو يستحب أن يستتاب والله تعالى اعلم بالصواب (ويدلّ على قتله من جهة النّظر) أي نظر العقل (والاعتبار) أي طريق القياس (أنّ من سبّه أو تنقّصه ﵊ كغيره من الأنبياء الكرام (فقد ظهرت علامة مرض قلبه) أي من سوء اعتقاده بربه (وبرهان سرّ طويّته) أي ودليل خبث باطنه وفي نسخة وبرهان لسوء طويته أي فساد نيته (وَكُفْرِهِ، وَلِهَذَا مَا حَكَمَ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ العلماء بالرّدّة) الصواب ما قاله التلمساني أن ما زائدة أو موصولة بخلاف قول الدلجي حيث جعلها ناقية وقال لعدم قطعهم بكفره وأن حكم به ظاهرا انتهى وهو خلاف مذهبهم لأنهم قالوا بكفره قطعا إلا أنهم يقبلون التوبة منه خلافا لمالك على ما تقدم ويدل عليه قوله (وهي) أي الردة (رِوَايَةُ الشَّامِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَقَوْلُ الثَّوْرِيِّ وأبي حنيفة والكوفيّين) أي وسائرهم (والقول الآخر) أي الرواية الأخرى عن مالك (أنه) أي سبه (دليل على الكفر) أي بحسب ظاهر الأمر (فَيُقْتَلُ حَدًّا وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالْكُفْرِ) قطعا وقال التلمساني ومعناه أنه مسلم انتهى فيتفرع عليه أنه يغسل ويصلي عليه ويدفن في مقابر المسلمين ونحو ذلك (إلّا أن يكون متماديا) أي مصرا مستمرا (على قوله غير منكر له) أي لمضمونه (ولا مقلع عنه) بتركه (فهذا كافر) وفي نسخة كفر أي بلا خلاف فقتله يكون كفرا كالزنديق لأحدا كالمرتد عنده، (وقوله) أي الذي تمادى منه (إمّا صريح كفر كالتّكذيب به) ﵊ أو بما جاء به عن ربه (ونحوه) كنسبة إبليس ربه تعالى إلى الجور والظلم إذ أمره بالسجود لآدم ﵇ زاعما أنه خير من آدم (أو من كلمات الاستهزاء والذّمّ) مما هو غير صريح كفر في مقام الفهم (فَاعْتِرَافُهُ بِهَا وَتَرْكُ تَوْبَتِهِ عَنْهَا دَلِيلُ اسْتِحْلَالِهِ لذلك وهو) أي استحلال المعصية (كفر أيضا فهذا) المستحل (كافر بلا خلاف) أي إذا لم يتب وفيه دليل على أنه ممن يستتاب في مذهب مالك أيضا فعنه روايات والله تعالى اعلم بالصواب وقال الأئمة إذا كان في المسألة قولان أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تخفيف فلا يجوز للمفتي أن يفتي العامة بالتشديد والخواص من ولاة الأمر بالتخفيف وذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين والتلاعب بالمسلمين والحاكم كالمفتي سواء وكذلك لا يأخذ في أمر نفسه بالتخفيف ويشدد على الناس بل الأولى له العكس وروي أن العبد يسأل عن فتواه هل أفتى بعلم أو جهل وهل فتواه نصيحة أو خذلان وهل أراد وجه الله تعالى أو الرياسة كذا ذكره التلمساني وقال بعض علمائنا إذا وجدت رواية واحدة بعدم تكفير مسلم وتسع وتسعون رواية بتكفيره فينبغي للمفتي أن يختار تلك الرواية لأن إبقاء ألف كافر في الدنيا أهون من أفناء مسلم من أمر العقبى (قال الله تعالى في مثله) أي مثل هذا المعترف بكلمات الاستهزاء والذم (يَحْلِفُونَ) أي المنافقون (بِاللَّهِ مَا قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ

стр. 1173

[التوبة: ٧٤] ) أي أظهروا كفرهم بعد إظهار إسلامهم (قال أهل التّفسير هي) أي كلمة الكفر (إن كان ما يقول محمد) من أنه سيفتح قصور الشام (حقّا) أي صدقا (لنحن) أي وأشرافنا المتخلفون (شرّ من الحمير) والقائل الجلاس بن سويد فسمعه عامر بن قيس الأنصاري فقال أجل والله أن محمدا صادق وأنت شر من الحمار فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فحلف بالله ما قال فصدقه النبي ﵊ فجعل عامر يدعو ويقول اللهم انزل على نبيك من الصادق منا فنزلت فتاب وحسنت توبته (وقيل بل) هي (قول بعضهم) وهو عمل النفاق ورأس أهل الشقاق عبد الله بن أبي ابن سلول إذ لقي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بني المصطلق بالمريسيع ماء لهم فهزمهم منهم وأزدحم جهجاه بن سعد أجير عمر بن الخطاب وسنان حليف بن أبي واقتتلا فصاح جهجاه يا للمهاجرين وسنان يا للأنصار فأعان جهجاها جعال من فقراء المهاجرين ولطم سنانا فقال ابن أبي لجعال وأنت هناك أي أنت في تلك المنزلة بحيث تلطم حليفي ثم قال ما صحبنا محمدا إلا لتلطم (مَا مِثْلُنَا وَمِثْلُ مُحَمَّدٍ إِلَّا قَوْلُ الْقَائِلِ) في المثل السائر يضرب لمن يحسن إلى أحد فيسيء إليه (سمّن كلبك يأكلك) وقال لأصحابه لا تنفقوا علي من عند رسول الله حتى ينفضوا فرده الله تعالى بقوله وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (و) قال أيضا (لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ) يريد نفسه الخبيثة (مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: ٨] ) يريد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فرد الله تعالى عليه بقوله وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ روي أنه قال لقومه ماذا فعلتم بأنفسكم انزلتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل طعامكم لم يركبوا رقابكم ولا وشكوا أن يتحولوا عنكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد فسمع ذلك زيد بن أرقم فقال والله انت الذليل المبغض في قومه ومحمد في عز من الرحمن وقوة من أصحابه فقال له ابن أبي إنما كنت ألعب فأخبر زيد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال عمر دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال اذن ترعد أنف كثيرة بيثرب قال فإن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر أنصاريا قال فكيف أذن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ثم قال ﵊ لابن أبي أنت صاحب الكلام الذي بلغني قال والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك الباب وأن زيدا لكاذب فقال من حضر شيخنا وكبيرنا لا نصدق عليه قول غلام عسى أن يكون قدوهم فلما نزلت تكذيبا لابن أبي لحق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زيدا فعرك أذنه وقال له وفت أذنك يا غلام أن الله قد صدقك وكذب المنافق ولما أراد أن يدخل المدينة قال له ابنه وكان مؤمنا مخلصا وراءك يا منافق والله لا تدخلها حتى تقول رسول الله هو الأعز وأنا الأذل فلم يزل به حتى قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خله يدخل وقيل قال له ابنه لئن لم تقر لله ولرسوله بالعزة لأضربن عنقك فقال ويحك أفاعل أنت قال نعم فلما رأى منه الجد قال

стр. 1174

أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لابنه جزاك الله عن رسوله وعن المؤمنين خيرا (وقد قيل إن قائل مثل هذا) القول مما يشبه قول ابن أبي واضرابه وفي نسخة ويدل عليه أيضا أن قائل هذا (إن كان مستترا به) من الاستتار وفي نسخة متسترا من التستر فهما مأخوذان من الستر ومعناهما مختفيا قال التلمساني وروي مستسرا من السر وهو خلاف العلانية (أنّ حكمه حكم الزّنديق يقتل) أي كفرا لأحدا ولا يستتاب أصلا قال التلمساني وقد استدل من قال بقبول توبة المستسر بكفره بما جاء في الصحيح من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله قال الخطابي قوله وحسابهم على الله يعني فيما يستسرون به قال وفيه دليل على أن الكافر المستسر بكفره لا يتعرض له إذا كان ظاهر حاله الإسلام وأن توبته مقبولة وإذا أظهر الإنابة من كفر علم بإقراره أنه كان يعتقده قبل قال وهم مقول أكثر العلماء وقال مالك لا تقبل توبة المستسر بكفره (ولأنّه غيّر دينه) فصار مرتدا (وقد قال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ) رواه أحمد والبخاري والأربعة لفظ من بدل دينه فاقتلوه فلعله نقل بالمعنى أو رواية بالمبنى (ولأنّ) الشأن (لحكم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في الحرمة) أي الاحترام والعظمة (مزيّة) أي زيادة رتبة (على أمّته وسابّ الحرّ) أي من يسب حرا (من أمّته) ذكرا أو أنثى (يحدّ) أي يغرر على ما هو المقرر إلا أن يكون قذفا فيحد (فكانت العقوبة لمن سبّه ﵊ القتل) وهذا أمر مجمع عليه في عقوبته وإنما الخلاف في قبول توبته وذلك (لعظيم قدره) أي علو مرتبته عن أمته (وشفوف منزلته) أي زيادتها (على غيره) من خلق الله والشفوف بضم الشين المعجمة والفاء الأولى من الشف بالكسر وهو الزيادة. فصل (فَإِنْ قُلْتَ فَلِمَ لَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم اليهوديّ الّذي قال له) أي للنبي وحده أوله لمن معه (السّام عليكم) أي الموت أو الملل والمعنى متم أو مللتم (وهذا دعاء عليه) أي بالموت أو الملل وهو السامة من الطاعة أو الملالة من الحياة والراحة والحديث رواه البخاري وغيره ولقد فطنت عائشة إذ كانت اليهود يمرون فيقولون السام عليك يا أبا القاسم فقالت عليكم السام والذام واللعنة ومن ثمة قال صلى الله تعالى عليه وسلم إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم يعني الذي يقولونه لكم ردوه عليهم قال الخطابي عامة المحدثين يروون وعليكم بواو العطف وكان ابن عيينة يرويه بغير واو وهو الصواب لإيذانه برد ما قالوه عليهم خاصة وإثباتها يؤذن بالاشتراك معهم فيه لأنها لمطلق الجمع انتهى

стр. 1175

ولا يخفى أن ترجيح الرواية الشاذة وتخطئة الجمهور من الرواية ليس على الصواب وإنما يتعين تأويل روايتهم بأن المراد بالعاطفة هي المشاركة في الموت لأنه مشترك بين العباد في جميع البلاد إذ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ فكأنه قيل وعليكم ما قلتم أيضا فهو جواب دعاء عليهم معاقبة لديهم ما احتمال أنهم قالوا السلام باللام ولذا لم يصرح لهم بقول عليكم السام بالواو العاطفة أو بدونها وفي إيماء إلى قوله تعالى وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها هذا والذي دخل عليه ﵊ وقال السام عليكم جاء في رواية أنه يهودي وفي أخرى أنه رهط من اليهود وفي رواية اناس وفي أخرى ناس ولعلها قضيتان وقد يجمع بأن دخل عليه رهط من اليهود وسلم واحد منهم والله اعلم (ولا قتل الآخر) جملة حالية أو عطف بالمعنى على ما قبله أي ولم ما قتل الكافر الآخر (الّذي قال له) كما رواه البخاري وفي قسمة قسمها (إنّ هذا لقسمة) وفي نسخة قسمة (ما أريد بها وجه الله تعالى) قال الدلجي هو ذو الخويصرة وهو وهم منه فقد قال الحلبي هذا الآخر لا أعرفه غير أنه وقع في صحيح البخاري أنه من الأنصار وقد قال بعض الفضلاء إنه مغيث بن قشير وأما الذي قال له أعدل فذاك ذو الخويصرة يعني بالتصغير كذا صرح به في صحيح مسلم من رواية أبي سعيد الخدري وهو تميمي قتل في الخوارج يوم النهروان وهو رأس الخوارج ولهم ذو الخويصرة رجل آخر يماني يروي في حديث مرسل أنه هو الذي بال في المسجد ولا ثالث لهما في الصحابة ووقع في صحيح البخاري في باب من ترك قتال الخوارج للتألف في كتاب استتابة المرتدين ما لفظه جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال أعدل انتهى قال الحلبي والصحيح أنه ذو الخويصرة ويحتمل أنه مرة نسب القول إلى أبيه ونسبه تارة إليه لأنهما قالاه والله تعالى اعلم أقول ولا يبعد أن عبد الله هو ذو الخويصرة وأنه لقبه ولقب أبيه أيضا والله تعالى اعلم وكان قول هذا القائل يوم حنين لما آثر ﵊ أناسا في القسمة لمصلحة رآها فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة بن حصين مثل ذلك على ما قدمناه (وقد تأذّى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من ذلك) ولكنه من كمال حلمه أو لتألفه في جمال علمه تحمل منه هنالك (وَقَالَ قَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فصبر) على ما آذاه به بنو إسرائيل كحمل قارون المومسة بالرشوة على قذفه بنفسها واتهامهم له بقتل أخيه هارون إذ ذهب معه إلى الطور فمات هنالك فحملته الملائكة فمرت بهم فعوفوا أنه لم يقتله ورميهم بعيب في جسده من برص وأدرة به قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (وَلَا قَتَلَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُؤْذُونَهُ فِي أكثر الأحيان) ويعظمونه في قليل من الزمان وفي نسخة في كل الأحيان أي غالب الأزمان (فَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم كان أوّل الإسلام) أي في أول ظهوره ﵊ (يستألف عليه النّاس) أي يطلب ائتلافهم ويقصد تألفهم قال المزي المستعمل يتألف (ويميل) بالتشديد أو التخفيف من الإمالة أي يحول (قلوبهم ويميّل

стр. 1176

إليه ويحبّب إليهم الإيمان ويزيّنه في قلوبهم) باللطف والإحسان (ويدارئهم) أي ويسامحهم ويدافعهم فهو من الدرء مهموز وقد يخفف فقول الحلبي غير مهموز وقد يهمز ليس في محله ومن المخفف قولهم: فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم (ويقول لأصحابه إنّما بعثتم) تغليبا لهم لكثرتهم على نفسه الشريفة تواضعا معهم أو بعثتم بمعنى ارسلتم بعدي إلى من بعدكم (ميسّرين) بكسر السين أي مسهلين (ولم تبعثوا منفّرين) بتشديد الفاء المسكورة أي مشددين رواه الترمذي عن أبي هريرة ولفظه إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ولعل المصنف وجد في رواية قوله منفرين أو نقله بالمعنى وقد أغرب التلمساني حيث اعترض على المصنف وصوابه معسرين من العسر لمطابقة الظاهر ولكنه راعى الطباق الخفي لأن التيسير لازم السكون كما أن التنفير لازم العسر (ويقول يسّروا ولا تعسّروا) أي هونوا ولا تشددوا (وسكّنوا) أي قرروا (ولا تنفّروا) رواه أحمد والشيخان والنسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه بلفظ يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا (ويقول) أي في الاعتذار عن عدم قتل المنافقين (لا يتحدّث النّاس) أي لا يقول بعضهم لبعض (أنّ محمّدا يقتل أصحابه) فيكون تنفيرا لمن أراد أن يأتي إلي بأنه (وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يدارىء) بالهمز وإبداله أي يدافع (الكفّار والمنافقين) ويلاطفهم وقد ورد رأس العقل بعد الإيمان بالله التجب إلى الناس رواه الطبراني في الأوسط عن علي كرم الله وجهه ورواه البزار والبيهقي عن أبي هريرة بلفظ التودد بدل التحبب ورواه البيهقي عن علي أيضا رأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس واصطناع الخير إلى كل بر وفاجر وزاد البيهقي عن أبي هريرة في رواية وأهل التودد في الدنيا لهم درجة في الجنة وفي رواية له عنه رأس العقل والمداراة (ويجمل صحبتهم) من أجمل بالجيم أي يحسن أو من أجمل جمع بعد تفرقة وفي نسخة بالحاء المهملة من حمل أي يتحمل كلفة صحبتهم (ويغضي عنهم) من الاغضاء بالغين والضاد المعجمتين أي يغمض عينه عن عيبهم وفي نسخة عليهم أي يخفي عليهم ذنبهم (ويحتمل من أذاهم) من تبعيضية أو زائدة ويدل عليه أنه وفي نسخة صحيحة ويحتمل إذا هم أي يتحمل على أذاهم (ويصبر على جفائهم) وهذا كله لقوله تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي دع مكافأة أذيتهم إياك فإنا كفيناك والحاصل أنه كان يجوز له (مَا لَا يَجُوزُ لَنَا الْيَوْمَ الصَّبْرُ لَهُمْ) أي للمنافقين ونحوهم (عليه) أي على ما صدر من فعلهم وقولهم لأنا مأمورون بزجرهم على كفرهم وبعدم اكرامهم في مرامهم (وكان يرفقهم) بفتح الياء وكسر الفاء من الرفق ضد العنف وهو لين الجانب وبضم الياء من الأرفاق يقال رفق به وحكى أبو زيد أرفقت به وأرفقته بمعنى

стр. 1177

يلطف بهم (وبالعطاء) لهم (والإحسان) إليهم تفاديا من نفرتهم عن حضرته وامتناعهم عن قبول ملته (وَبِذَلِكَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ تَعَالَى وَلا تَزالُ) أي دائما (تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ) أي خيانة تبدر وجناية تصدر عنهم كما هو دأبهم وديدنهم اقتداء بمن قبلهم (إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) وهو من آمن منهم أو كان مقتصدا فيهم (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) أي وأعرض عنهم (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ١٣] ) معهم ومع غيرهم تخلقا بأخلاق الله فيهم حيث يرزقهم ويعافيهم فقيل هذا قبل أمره بقتالهم وقيل اعف عن مؤمنيهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم (وقال الله تعالى: (ادفع) أي السيئة التي وردت عليك منهم بالحسد والعداوة (بِالَّتِي ) أي بالحسنة التي (هِيَ أَحْسَنُ ) من أختها وهي العقوبة والمكافأة بمثلها والمجازاة بنحوها أو بأن تحسن إليه بإساءته إليك (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ) أي بسبب مدافعة السيئة بالحسنة (كَأَنَّهُ وَلِيٌّ) نصير لك مائل إليك (حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤] ) قريب مشفق عليك (وذلك) أي ما أمره الله به من المداراة وعدم المجازاة (لحاجة النّاس) أي همومهم (للتّألّف) وفي نسخة من التألف أي طلب الألفة وعدم النفرة (أوّل الإسلام) في أوائل الهجرة إلى مدينة السلام (وجمع الكلمة عليه) أي ولاجتماع كلمة الأمة لديه (فلمّا استقرّ) أمره وثبت حكمه وعلا قدره وأعلى نوره (وأظهره الله على الدّين) أي أنواعه (كلّه) أي جميعه حسب ما وعده له بقوله هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (قَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ) ممن عاداه (واشتهر أمره) فيمن باداه (كفعله) ﵊ (بابن خطل) وهو متعلق بأستار بيت الله الحرام (ومن عهد بقتله) أي كفعله بقتل من أوصى بقتله (يوم الفتح) من بعض الرجال والنساء فمنهم من قتل وذهب إلى جهنم ومنهم من تاب وأسلم (ومن) أي وقتل من (أمكنه قتله غيلة) بكسر المعجمة أي خفية أو غفلة (من يهود) كابن أبي الحقيق وابن الأشرف (وغيرهم) أي وغير يهود على ما مر ذكرهم (أو غلبة) بفتحتين أي أو قتله شهرة وعلانية كَالنَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ (ممّن لم ينظمه) بكسر الظاء المعجمة أي لم يشمله (قبل) أي قبل قتله (سلك صحبته) أي خيط محبته وحياطة مودته وحيازة معرفته (والانخراط) أي ولم ينظمه الدخول والاختلاط (فِي جُمْلَةِ مُظْهِرِي الْإِيمَانِ بِهِ مِمَّنْ كَانَ يؤذيه) بلسانه ويطعن في شأنه (كابن الأشرف) المحروم عن الشرف (وأبي رافع) الذي نسبه له غير نافع (والنّضر بن الحارث) بالضاد المعجمة وهو الذي لم يحصل له النصر (وعقبة بن أبي معيط) بضم العين وسكون القاف الذي دخل في عقبة النار وعقبى الفجار في دار البوار (وكذلك هدر) بفتح الهاء والدال المهملة والراء أي أبطل (دم جماعة) وفي أصل الدلجي ندر بالدال وقال أي أسقط وأهدر انتهى وفي القاموس الهدر محركة ما يبطل من دم وغيره هدر يهدر ويهدر هدرا وهدرا وهدرته لازم ومتعد وأهدرته فعل وأفعل بمعنى وندر الشيء ندورا سقط من جوف شيء أو من بين اشياء انتهى فظهر أنه لم يأت بمعنى اسقط وأهدر نعم فيه أن أندر الشيء أسقط وهو كذا في أصل الأنطاكي ولكن

стр. 1178

ليس فيه تصريح بأنه بمعنى أهدره وقال التلمساني نذر بفتح الذال المعجمة أي التزم وقتلهم ويجوز أن يكون معناه اباح لأنه لما التزم قتله كان كأنه أباح للقاتل ويجوز أن يكون نذر بالكسر أي اعلم والمعنى اعلم بإباحة دمائهم والرواية بالفتح ويجوز ندر بالمهملة أي أهدر دمه واسقط وقد روي فأهدر دماءهم (سواهم) أي ما عدا المذكورين (ككعب بن زهير) بالتصغير المزني كان قد خرج هو وأخوه بجير بضم الموحدة وفتح الجيم فتحتية ساكنة فراء إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتقدم بجير ليكشف أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويأتي كعبا ويخبره فلما جاءه بجير عرض عليه الإسلام فأسلم فبلغ ذلك كعبا فأنشد أبياتا ينكر فيها على أخيه إسلامه ويتعرض لغيره من أبي بكر الصديق ونحوه بقوله: ألا أبلغا عني بجيرا رسالة ... على أي شيء ويب غيرك دلكا على خلق لم تلف أما ولا أبا ... عليه ولم تدرك عليه أخا لكا فقال ﵊ نعم لم يلف عليه أمه ولا أباه فأهدر ﵊ دمه وقال من لقيه فليقتله فبعث إليه أخوه يعلمه بذلك وأنه ﵊ لا يأتيه أحد فيسلم إلا قبل منه الإسلام وأسقط ما كان قبله من الآثام فإذا أتاك كتابي هذا فأقبل واسلم فجاء كعب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنشد القصيدة المشهورة أولها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول فلما بلغ: أن الرسول لسيف يستضاء به ... مهند من سيوف الله مسلول انبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول أشار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى من معه استمعوا وأجازه ﵊ على هذه القصيدة وأعطاه بردة قيل إن معاوية بن أبي سفيان طلب البردة منه بعشرة آلاف درهم فقال ما كنت لأوتر يثوب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أحدا فلما مات كعب بعث معاوية إلى أولاده بعشرين ألف درهم وأخذ البردة ولم تزل في خزائن بني أمية تنتقل من واحد إلى واحد قيل اشتراها منه معاوية بثلاثين ألفا ويقال إنها البرد الذي توارثه خلفاء بني العباس وكان قدومه وإسلامه بعد انصرافه ﵊ من الطائف وكعب ابن زهير من فحول الشعراء وأبوه وجده وكذلك ابنه عقبة وابن عقبة أيضا وأشعرهم زهير ثم كعب وقد هلك زهير قبل المبعث (وابن الزّبعرى) بكسر الزاء والموحدة فعين ساكنة مهملة فراء مقصورا القرشي السهمي الشاعر المشهور كان من أشد الناس على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه بلسانه ويده قبل إسلامه ثم اسلم بعد الفتح وحسن إسلامه واعتذر عن زلاته حين أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقد انقرض ولده ومن مدحه لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:

стр. 1179

مضت العداوة فانقضت اسبابها ... ودعت أوامر بيننا وحكوم فاغفر فدى لك والد أي كلاهما ... زللي فإنك راحم مرحوم وعليك من علم المليك علامة ... يوم أغر وخاتم مختوم (وغيرهما ممّن آذاه) بألسنتهم (حتّى ألقوا) أنفسهم بأيديهم (بين يديه) وهو كناية عن إسلامهم واستسلامهم لديه (ولقوه مسلمين) أي منقادين مخلصين متوجهين إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (وبواطن المنافقين مستترة وحكمه ﵊ على الظّاهر) أي وأحكامه على ظواهرهم مستقرة مستمرة في العلانية (وأكثر تلك الكلمات) المؤذية (إنّما كان يقولها القائل منهم خفية) بضم أوله وكسره (ومع أمثاله) أي من يهودي أو منافق كما قال تعالى وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (ويحلفون عليها) إنكارا لها (إذا نميت) بصيغة المجهول مخففا أي رفعت إليه (وينكرونها) إذا وصلت لديه (ويحلفون بالله ما قالوا) كما أخبر الله تعالى عنهم وأكذبهم بقوله (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ) وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وهموا بما لم ينالوا في مرامهم من قتل الرسول وهو أن خمسة عشر منهم توافقوا عند مرجعه من تبوك أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل أي علاها فيه فأخذ عمار بن ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وقعقعة السلاح فقال إليكم إليكم يا اعداء الله فهربوا (وكان) ﵊ لكونه رحمة للعالمين (مع هذا) أي ما فعلوه وقالوه (يطمع في فيئتهم) بفتح الفاء ويكسر وسكون التحتية تفسيره قوله (ورجوعهم إلى الإسلام وتوبتهم) من الآثام (فيصبر ﵊ على هناتهم) أي زلاتهم في مقالاتهم (وهفوتهم) أي وسقطاتهم وفي نسخة وجفوتهم أي وغلظتهم في حالاتهم (كما صبر أولو العزم) أي أصحاب الجد والحزم (من الرّسل) قيل من بيانية والأصح أنها تبعيضة وأنهم محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام وقيل غير ذلك وقال البغوي الذين ذكرهم الله تعالى على التخصيص في قوله وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وفي قوله شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا انتهى وقدم النبي ﵊ في الآية والأولى للإيماء إلى أنه في المرتبة الأعلى وأنه أول في عالم الموجود وإن كان آخرا في مقام الشهود (حتّى فاء) أي رجع إلى الإسلام (كثير منهم باطنا) في الآخر (كما فاء ظاهرا) في الأول (وأخلص سرّا) في الاستقبال (كما أظهر جهرا) في أول الحال (ونفع الله بعد) أي بعد ذلك من اخلاصهم هنالك (بكثير منهم) في أمر الجهاد وغيره (وقام منهم للدّين وزراء وأعوان) أي أمراء (وحماة) بضم الحاء وتخفيف ألميم أي قضاة (وأنصار) للدين ولو ينقل علوم اليقين (كما جاءت به الأخبار) التي ذكرها أرباب السير من المحدثين (وبهذا) الجواب (أجاب بعض أئمتنا) أي المالكية وغيرهم ﵏ عن هذا السّؤال) المشتمل

стр. 1180

على ما سبق من الإشكال (وقال) ايضاحا لهذا المقال (ولعلّه) أي الشأن (لم يثبت عنده ﵊ من أقوالهم ما رفع إليه) وحكي لديه ويشكل هذا بقول بعضهم أعدل واتق الله (وإنّما نقله الواحد) القائل إذ قوله دفع ورد عليه (ومن لم يصل) أي لم يبلغ قوله أو قائله (رتبة الشّهادة) أي الكاملة من العدد المعتبر في الشرع المقرر (في هذا الباب) بخصوصه المقدر فيما يوجب قتل من سب نبينا كما تحرر (من صبيّ) كزيد بن أرقم (أو عبد أو امرأة) كعائشة أو جارية مملوكة أو بنت صغيرة أو كافر (والدّماء لا تستباح) اراقتها (إلّا بعدلين) لكن يشكل هذا بتكذيب الله تعالى لهم في قوله وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وكذا في شهادة ابن أرقم والله تعالى أعلم (وعلى هذا) الاحتمال (يحمل أمر اليهوديّ) أي كلامهم (في السّلام) وفي نسخة في السام (وأنّهم) على دأبهم وعادتهم (لوّوا به ألسنتهم) بتشديد الواو الأولى وتخفيفها أي عطفوها وأمالوها والمعنى أنهم حرفوه (ولم يبيّنوه ألا ترى كيف نبّهت) النبي ﵊ (عائشة رضي الله تعالى عنها) أي على ظن أنه ﵊ ما تفطن لقولهم السام (ولو كان) أي المنافق أو اليهودي (صرّح بذلك لم تنفرد) عائشة من بين الصحابة (بعلمه) روي أنها قالت لهم عليكم السام والذام وفي رواية واللعنة فقال مهلا يا عائشة الم تسمعي ما أقول لهم فإن الله يستجيب لهم فيهم ولا يستجيب لهم في (ولهذا) أي لتنبيه عائشة (نبّه النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أصحابه على فعلهم) وكذا على كذبهم في قولهم (وقلّة صدقهم) المتين المبين (في سلامهم) لعدم إسلامهم (وخيانتهم في ذلك) أي في مقام كلامهم (ليّا بألسنتهم) أي تحريفا بها (وَطَعْنًا فِي الدِّينِ فَقَالَ إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سلّم أحدهم) أي على المسلمين (فإنّما يقول السّام عليكم) أي الموت (فقولوا عليكم) أو وعليكم كما تقدم والله تعالى اعلم وفيه أن الله سبحانه أخبر عنهم بقوله وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ فهذا ثبت بشهادة الله تعالى في حقهم فليس الحكم السابق مبنيا على إخبار عائشة فقط (وكذلك) أي مثل هذا المقول المرضي عند المنصف (قال بعض أصحابنا) أي من المالكية (البغداديون) بالرفع على أنه نعت بعض والبغداديين بالجر على أنه نعت أصحاب كالقاضي عبد الوهاب وابن خويز منداد وابن الجلاب (إنّ النّبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْتُلِ الْمُنَافِقِينَ بِعِلْمِهِ فِيهِمْ) أي بمجرد علمه في حقهم (ولم يأت) أي في حديث من الأخبار ورواية من الآثار (أنه قامت بيّنة) أي ثبتت حجة (على نفاقهم) أي بخصوصهم وما ورد في الكتاب إنما هو مذكور لعمومهم سترا من الله في اسرارهم وكتما في أخبارهم وآثارهم (فلذلك تركهم) احياء على أحوالهم في ديارهم فاندفع ما اعترض الدلجي على المصنف بقوله وكفاك بينة عليه ما وردت به سورة المنافقين وبراءة من البحث عن اسرارهم وإظهار نفاقهم وأخبارهم (وأيضا) يقال في دفع الإشكال (فإنّ الأمر كان سرّا وباطنا) أي بالإخفاء والكتمان (وظاهرهم الإسلام والإيمان وإن كان) أحدهم (من أهل الذّمة بالعهد والجوار) بكسر الجيم وتضم أي الإمان فهو من

стр. 1181

الجار بمعنى المجاور أو الذي أجرته من أن يظلم (والنّاس قريب عهدهم بالإسلام لم يتميّز بعد) أي بعد مضي تلك الأيام (الخبيث من الطّيب) أي المرائي من المخلص في مقام الكلام (وقد شاع) أي فشا وذاع (عن المذكورين في العرب) بحيث ملأ الاسماع (كَوْنُ مَنْ يُتَّهَمُ بِالنِّفَاقِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ وصحابة سيّد المرسلين) المفاد من عموم حديث البخاري أنا سيد الأولين والآخرين (وأنصار الدّين بحكم ظاهرهم) أنهم من المسلمين (فلو قتلهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لنفاقهم وما يبدر) بضم الدال المهملة بعد الموحدة أي يسرع للناس (منهم) وفي أصل الدلجي يبدر بالواو أي يظهر منهم (وعلمه) أي لمجرد علمه (بما أسرّوا في أنفسهم) من النفاق والشقاق وجواب لو (لوجد المنفّر) بتشديد الفاء المسكورة (ما يقول) في تنفيره (ولا ارتاب الشّارد) في تغييره (وأرجف المعاند) بصيغة المفعول أو الفاعل والمعاند بكسر النون هو المنكر الحاجد الحائد ومنه قَوْلِهِ تَعَالَى لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ الآية والمرجف هو الذي يرجف قلوب الناس بالأخبار المتزلزلة التي لا أصل لها من الرجفة وهي الزلزلة والمعنى خاص في أمر الفتنة والأخبار السيئة (وارتاع) أي وخاف (من صحبة النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرُ وَاحِدٍ) أي كثير من الأنام ممن ضعف دينه وسقم يقينه وجهل أن الداخلين في الإسلام وهم مخلصون أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (ولزعم الزّاعم وظنّ العدوّ الظّالم) وفي نسخة الفذ بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة المنفرد الواهم (أن القتل) للمنافقين (إنّما كان للعداوة) الباطنية المتعلقة بالأمور الدنيوية (وطلب أخذ التّرة) بكسر التاء الفوقية أي النقص والتبعة الكامنة في الطباع البشرية من مطالبة دماء القتيل الواقع في الجاهلية (وَقَدْ رَأَيْتُ مَعْنَى مَا حَرَّرْتُهُ مَنْسُوبًا إِلَى مالك بن أنس رحمه الله تعالى) أي الإمام وفق ما قررته (ولهذا قال ﵊ لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) وقد مر عليه الكلام، (وقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لكن لا يعرف من رواه من المخرجين الكرام (أولئك الّذين نهاني الله عن قتلهم) وعلى تقدير صحته يحمل على أول أمره وحالته من قوله فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ بخلاف آخره لقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (وهذا) أي عدم اجراء أحكامه عليهم من حيث بواطنهم المستورة لديهم (بِخِلَافِ إِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ عَلَيْهِمْ مِنْ حُدُودِ الزّنا) أي جلدا ورجما وهو بالقصر وقد يمد (والقتل) قودا وحدا (وشبهه) كحد السرقة والقذف وشرب الخمر (لظهورها) أي لوضوح أمرها (واستواء النّاس في علمها) أي واشتراك الناس في حكمها (وقد قال محمّد بن المواز) بفتح الميم وتشديد الواو ثم زاء (لو أظهر المنافقون نفاقهم) أي كفرهم وشقاقهم (لقتلهم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بخصوصهم فلا ينافي ما أظهر الله من حالهم بعمومهم كما توهمه الدلجي واعترض به على القاضي وذلك لأن المنافق إذا آظهر النفاق خرج عن كونه منافقا، (وقال) يعني وقال به أيضا (القاضي أبو الحسن بن القصّار) بفتح القاف وتشديد

стр. 1182

الصاد وتصحف في أصل الدلجي بالصفار، (وَقَالَ قَتَادَةُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ) أي عن نفاقهم (وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي شك عن ترددهم وشقاقهم (وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ) عن إرجافهم بأخبار سوء من عند أنفسهم عن سراياه ﵊ بقولهم هزموا قتلوا جرى عليهم كذا وكذا يؤذن المؤمنين ويغمونهم (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) لنسلطنك عليهم بأن تفعل بهم ما يكون عبرة لغيرهم (ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها) بأن نضطرهم إلى الجلاء عن المدينة السكينة فلا يساكنونك فيها (إِلَّا قَلِيلًا) من الزمان ريثما يخرجون بعيالهم ثم يرتحلون أو إلا قليلا منهم وهو الذي ينتهي عما ذكر من المنهي (مَلْعُونِينَ) نصب على الحال أي حال كونهم مبعودين عن رحمة الله العظيم ورحمة رسوله الكريم (أَيْنَما ثُقِفُوا) أي وجدوا بعد ذلك (أُخِذُوا) أي امسكوا (وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا) أي وبولغ في قتلهم تنكيلا (سُنَّةَ اللَّهِ [الأحزاب: ٦٠- ٦٢] ) أي سن الله سنته وأجرى عادته (الآية) أي في الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ أي مضوا قبلكم من الأنبياء وأممهم وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أي تغييرا وتحويلا، (قال) أي قتادة (معناه) أي معنى قوله لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ (إذا أظهروا النّفاق) الذي في باطنهم من الشقاق، (وَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ زيد بن أسلم) وهو من فقهاء التابعين بالمدينة (أنّ قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ) أي بالسيف (وَالْمُنافِقِينَ) أي بالحجة (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة: ٧٣] ) جميعا في محاربتهم ومحاججتهم فعن الحسن وقتادة ومجاهد المنافقين بإقامة الحدود عليهم وعن مجاهد بالوعيد وقيل بإفشاء اسرارهم وإظهار أخبارهم والأظهر أن المعنى جاهد الكفار والمنافقين إذا آظهروا كفرهم واعلنوا سرهم وبهذا التقدير (نسخت) هذه الآية (ما كان قبلها) من المسالمة والمسامحة وفي كثير من النسخ نسخها ما كان قبلها أي نسخ هذا الحكم ما كان قبله من العفو والصفح عنهم (وقال بعض مشايخنا) من المالكية أو الأشعرية أو علماء أهل السنة (لعلّ القائل) وهو واحد من الأنصار كما في صحيح البخاري أو مغيث بن قشير كما قاله بعضهم لا ذو الخويصرة كما توهم الدلجي (هذه قسمة ما أريد بها وجه الله وقوله اعدل) أي قبل ذلك أو بعده هنالك كذا حرره الدلجي وقال الحلبي قائل أعدل هو ذو الخويصرة وكلام القاضي في عطفه بقوله وقوله أعدل ظاهر في أن الكلامين قالهما واحد وفيه نظر فإنما هما اثنان ولو قال وقول الآخر أعدل لكان حسنا (لم يفهم النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي منه كما في نسخة أي من قوله (الطّعن عليه) أي على فعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (والتّهمة له) أي لديه ونسبة التقصير إليه (وإنّما رآها) أي القسمة أو تلك الحالة (من وجه الغلط في الرّأي) أي بناء على رأي ناقصة (وأمور الدّنيا) أي في أمورها (والاجتهاد في مصالح أهلها) ظنا منه أن هذا من قبيل أنتم أعلم بأمور دنياكم (فلم ير) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (ذلك) الكلام (سبّا) بتشديد الموحدة أي طعنا ومذمة وفي نسخة شيئا أي من الملامة مما يستحق عليه العقوبة (ورأى أنّه من

стр. 1183

الأذى الّذي) يجوز (لَهُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ) لَمْ يعاقبه والصواب أنه ﵊ فهم من الخطاب ما يستحق عليه العقاب لكنه كان مأمورا بالإعراض عنهم في مقام العتاب وإلا فكيف لا يفهم الطعن من قوله هذه قسمة ما أريد بها وجه الله نعم قوله أعدل قد يقال إنه أراد به التسوية اللغوية والعدالة العرفية ولكنه ﵊ فهم أنه أراد العدالة الشرعية فقال له ويلك من يعدل إن لم أعدل وقال في آخر الحديث يخرج من ضئضىء هذا قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين الحديث فكان كما أخبره ﵊ وقتل على يد علي رضي الله تعالى عنه في النهروان وهو رئيس الخوارج وأهل الخذلان (وكذلك) أي وكما قيل فيمن تقدم من الاعتذار (يقال في اليهود إذ قالوا) بدل السلام (السّام) أي عليكم كما في نسخة (ليس فيه صريح) وفي نسخة تصريح (سبّ) أي شتم (ولا دعاء) أي عليه بذم (إلّا) أي لكن دعاء عليه (بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنَ الْمَوْتِ الَّذِي لا بدّ) أي لا محالة ولا مفارقة (من لحاقه جميع البشر) بل كل ذي روح من الخلق كما صح في الخبر وفيه أن مثل هذا يسمى من باب الدعاء على المقول فيه بحسب العرف والعادة لأنه يراد به الإنشاء لا الإخبار بما سيقع من الحالة وهذا المعنى الذي فهمته عائشة رضي الله تعالى عنها وهي من الفصحاء والبلغاء ومن أهل بيت الفهم والحذاقة والعلم والفطانة (وقيل بل المراد تسأمون دينكم) أي تملونه وتتركونه (والسّأم) بهمزة ساكنة (والسّامة) بهمزة ممدودة (الملال والملالة) قال الدلجي والرواية بل همز لاختلاف صيغتيهما واوا وهمزا انتهى وأراد أنه لا يصح هذا المعنى من ذلك المبنى والصواب أنه لا مخالفة بين الرواية والدراية لأن الهمزة الساكنة كثيرا تبدل ألفا (وهذا دعاء على سآمة الدّين) أي في قلوب المؤمنين (ليس بصريح سبّ) أي شتم لكنه متضمن لعيب وذم (ولهذا) أي ولكونه ليس بصريح سب (ترجم البخاري على هذا الحديث باب) بالرفع منونا (إذا عرّض) بتشديد الراء أي لوح (الذّميّ أو غيره) وفي نسخة وغيره أي المستأمن (بسببّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ولم يصرح به قال ابن المنير كأن البخاري كان على مذهب الكوفيين في هذه المسألة وهو أن الذمي إذا سب يعزر ولا يقتل (قال بعض علمائنا وليس هذا) أي قول اليهود السام عليكم (بتعريض بالسّبّ) أي الشتم (وإنّما هو تعريض بالأذى) ولكنه موصوف بالذم (قال القاضي أبو الفضل) يعني المنصف (وقد قدّمنا أنّ الأذى) بعمومه (والسّبّ) بخصوصه (في حقّه صلى الله تعالى عليه وسلم سواء) لاستوائهما في تنقصه والخروج عن دينه الموجب لتكفيره بخلاف غيره فإنه يفرق بينهما باختلاف تعزيره حسب تقريره وفيه إن جميع مراتب الايذاء لا تكون مع السب في حالة السواء فإنه ﵊ كان يتأذى من أصحابه الكرام إذا صدر عنهم ما يوجب شيئا من الآثام (وقال القاضي أبو محمّد بن نصر) بصاد مهملة (مجيبا عن هذا الحديث) أي حديث السام (ببعض ما تقدّم) من الكلام (ثُمَّ قَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ هَلْ كان هذا اليهوديّ من أهل العهد) أي الجزية (والذّمّة) أي

стр. 1184

الامان فينتقض عهده ويبلغ مأمنه (أو الحرب) أي أهل الحرب فيهدر دمه (ولا يترك موجب الأدلة) بفتح الجيم أي مقتضاها من القتل بشتم أو ذم (لأمر المحتمل) لواحد منهما وفيه أن ذلك اليهودي إما كان منافقا وإما مستأمنا ولا فما كان ﵊ وأصحابه الكرام يتحملون من الحربي نوعا من الكلام ولا كانوا يتركونه في ذلك المقام بعد الأمر بقتال من لم يذعن للإسلام نعم كما قال هو وغيره (والأولى في ذلك) وفي نسخة في هذا (كلّه والأظهر من هذه الوجوه) في حكمه (مقصد الاستئلاف) بفتح الصاد وكسرها أي لمحض طلب الألفة ورفع الكلفة عن الأمة (والمداراة على الدّين لعلّهم يؤمنون) على وجه اليقين (وَلِذَلِكَ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ عَلَى حَدِيثِ الْقِسْمَةِ وَالْخَوَارِجِ باب) بالتنوين وفي نسخة بالإضافة إلى قوله (من ترك قتال الخوارج) أي مقاتلتهم وفي نسخة قتل الخوارج وهم طائفة مشهورة من أهل البدعة يبغضون أهل بيت النبوة (للتّألّف) أي طلب الالفة ليثبتوا على الملة (ولئلّا ينفر النّاس عنه) بكسر الفاء من النفر وفي نسخة من التنفير عن أي ولدفع النفرة عن قبول الدعوة (وَلِمَا ذَكَرْنَا مَعْنَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَقَرَّرْنَاهُ قَبْلُ) أي قبل ذلك (وقد صبر لهم صلى الله تعالى عليه وسلم على سحره) بكسر السين أي ما سحر به وفي نسخة بفتحها وهو المصدر (وسمّه) أي وعلى تسميمه (وهو أعظم من سبّه) وفيه أن من سمه علله بأنه اختبره على أنه إن كان نبيا فلا يضره وإلا فيندفع به شره ولذا لم يقتلها أولا ثم قتلها قصاصا بعد ما مات بشر بن البراء من أصحابه (إلى أن نصره الله عليهم) وأظهر أمره لديهم (وَأَذِنَ لَهُ فِي قَتْلِ مَنْ حَيَّنَهُ مِنْهُمْ) فتحتية مشددة فنون مفتوحات أي أهلكه من الحين وهو الهلاك وقيل من حينه أي انتظر وقته وروي بالخاء المعجمة من الخيانة ويحتمل خيبه بالباء الموحدة أي نسبه إلى الخيبة وفي نسخة أخرى عيبه بالموحدة أو النون وهذا كله في بني قريظة وإضرابهم (وإنزالهم) وفي نسخة وانزلهم (من صياصيهم) بفتح أوله أي حصونهم (وقذف) أي والحال أنه ألقى (في قلوبهم الرّعب) بسكون العين وضمها أي الخوف الشديد (وكتب على من يشاء منهم) كبني النضير وأحزابهم (الجلاء) بفتح الجيم ويكسر والمد اي الإخراج عن وطنهم ومألوف بدنهم وكربة الغربة وسائر محنهم (وأخرجهم من ديارهم) ومدار آثارهم (وخرّب بيوتهم) من دارهم (بأيديهم) أي أنفسهم (وأيدي المؤمنين) بالنقض والهدم حتى لا يبق منهم في المدينة آثار دار ولا ديار (وكاشفهم) أي ظاهرهم وشافههم (بالسّبّ) أي الطعن والتعيير (فقال يا إخوة القردة والخنازير) خطابا لشبانهم ومشايخهم وفيه إيماء إلى قوله تعالى وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ فهم أخوتهم من حيث وقوع المسخ في طائفتهم وقيل القردة في أصحاب السبت من اليهود والخنازير في أصحاب المائدة من النصارى وهم من قوم واحد يجمعهم بنو إسرائيل (وحكّم فيهم سيوف المسلمين) بتشديد الكاف إشارة إلى قتل بني قريظة ونزولهم من حصونهم بحكم سعد بن معاذ (وأجلاهم) أي أخرجهم (من جوارهم) بكسر الجيم ويضم أي مجاورتهم ومحاورتهم (وأورثهم) أي الله

стр. 1185

سبحانه وتعالى (أرضهم وديارهم) أي مساكنهم (وأموالهم) كبني النضير وهذا كله (لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَكَلِمَةُ الَّذِينَ كفروا السّفلى) في الدنيا والأخرى قال ابن إسحاق كان إجلاء بني النضير عند مرجع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أخذ وفتح بني قريظة عند مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان ومجمل قصتهما أن بني النضير كانوا صالحوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه ولما غزا أحدا وهزم المسلمون نقضوا العهد فركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبا من اليهود إلى مكة فأتوا قريشا وعاقدوهم بأن تكون كلمتهم واحدة على محمد ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة فنزل جبريل ﵇ فأخبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك فأمر رسول بقتل كعب بن الأشرف وأمر الناس بالمسير إلى بني النضير وكانوا بقرية فدس المنافقون إليهم أن لا يخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم ولنضرنكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم فحاصرهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إحدى وعشرين ليلة وقذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين فسألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الصلح فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة ولهم ما أقلت الإبل أي حملت من أموالهم ولنبي الله ما بقي ففعلوا ذلك وخرجوا من المدينة إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام وذلك قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ أي في أول حشرهم من جزيرة العرب إذ لم يصبهم قبل ذلك هذا الذل والتعب أو في أول حشرهم من إجلائه ﵊ إلى الشام وآخر حشرهم إجلاء عمر رضي الله تعالى عنه إياهم من خيبر إلى ذلك المقام وقيل آخر حشرهم يوم القيامة فأنهم كغيرهم يحشرون إليه عند قيام الساعة وأما قضية بني قريظة فروي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما رجع من منصرف الأحزاب إلى المدينة أتاه جبريل ﵇ فقال وضعت السلاح يا رسول الله قال نعم قال إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة وكانوا قد عاونوا الأحزاب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأمر النبي ﵊ مناديا أذن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة وقدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عليا بن أبي طالب كرم الله وجهه برايته إليهم فسار علي حتى إذا دنا من الحصون سمع مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فرجع حتى أتاه فقال يا رسول الله لا عليك أن تدنو من هؤلاء الأخابيث قال لم أظنك سمعت في منهم اذى قال نعم يا رسول الله قال لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا فلما دنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من حصونهم قال يا أخوة القردة والخنازير هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمة قالوا يا أبا القاسم ما كنت جهولا قال فحاصرهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب فنزلوا على حكم سعد بن معاذ قال سعد فإني أحكم فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة بأن يقتل مقاتلهم ويسبى ذرايهم فحبسهم رسول الله صلى

стр. 1186

الله تعالى عليه وسلم في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار ثم خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى سوق المدينة فخندق بها خندقا ثم بعث إليهم فضربت أعناقهم في تلك الخنادق وكانوا على ما قيل ستمائة أو سبعمائة وقسم الأموال والنساء والذراري وذلك قول تعالى وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي عاونوا الأحزاب على حرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (فَإِنْ قُلْتَ فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ) من رواية البخاري وغيره (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يؤتى إليه) أي لم يعاقب أحدا على مكروه يقع عليه (قطّ) أي أبدا في حال من أحواله (إلّا أن تنتهك) بصيغة المجهول أو الفاعل أي تنتقص أو تنتقض (حرمة الله تعالى) أي احترامه وعزته (فينتقم لله) أي حينئذ مع انتقامه لنفسه انتقاما لحرمة ربه (فاعلم أنّ هذا) الحديث (لا يقتضي) مضمونه (أَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِمْ مِمَّنْ سَبَّهُ أَوْ آذَاهُ) أي بقوله أو فعله (أو كذّبه فإنّ هذه) المذكورات (من حرمات الله التي انتقم لها) وفي نسخة منها أي من أجلها ابتغاء لوجه الله تعالى كما تقدم من قتل أبي رافع وكعب بن الأشرف وغيرهما (وإنّما يكون ما لا ينتقم) أي منه كما في نسخة (له) أي لأجل نفسه (فيما تعلّق بسوء أدب) من اجلاف العرب (أو معاملة) مع أحد منهم (من القول والفعل في النّفس) وفي نسخة بِالنَّفْسِ (وَالْمَالِ مِمَّا لَمْ يَقْصِدْ فَاعِلُهُ بِهِ أذاه) أي أذى النبي ﵊ (لكن) أي إلا أنه صدر (ممّا) وروي بما أي بسبب ما (جبلت عليه الأعراب) أي من الأخلاق أو من الطباع التي خلقت وطبعت وتعودت عليها (من الجفاء) بفتح الجيم ومد الفاء وهو غلظ الطبع (والجهل) بآداب الشرع كما قال تعالى الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ (أو جبل عليه البشر) أي جنس بني آدم كلهم (من الغفلة) أي الغيبة عن مقام الحضرة وروي من السفه وهو الخفة وقلة المبالاة بالعمل (كجبذ الأعرابيّ) بجيم فباء موحدة فذال معجمة أي جذبه بعنف وشدة (رداءه) وفي نسخة بردائه فالباء للتقوية أو لتأكيد التعدية وفي بعض النسخ بازاره وهو خطأ فاحش كما يدل عليه (حتّى أثّر) أي أثر جبذه (في عنقه) اللهم إلا أن يحمل الإزار على الملحفة وهو كل ما سترك وقد قال الأعرابي كما في البخاري مر لي من مال الله الذي عندك (وكرفع صوت الآخر) أي الأعرابي أو غيره (عنده) قال الحلبي يحتمل أنه يريد ثابت بن قيس بن شماس فقد روى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس فقال رجل يا رسول الله أنا اعلم لك الحديث في خوفه من رفع صوته عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عند نزول قوله تعالى لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ الآية ويحتمل أن يريد غيره قلت المتعين أن يكون غيره لأن قصته من محامد مناقبه لا في مذامه من مراتبه وأما قول الدلجي أن الذي قال هذه قسمى ما اريد بها وجه الله فموقوف على ثبوت كون مقوله هذا واقعا برفع صوته وقد عينه التلمساني بالأعرابي الذي طالبه ﵊ في دينه وأراد اصحابه

стр. 1187

الكرام منعه فقال ﵊ دعوه فإن لصاحب الحق مقالا (وكجحد الأعرابيّ) أي له كما في نسخة يعني وكإنكاره للنبي ﵊ (شراءه منه) أي الأعرابي وهو سواد بن قيس المحاربي وقيل سواد بن الحارث (فرسه) المسمى بالمرتجز وكان أبيض وقيل النجيب (التي شهد فيها خزيمة) أنه اشتراها منه فجعل صلى الله تعالى عليه وسلم شهادته بشهادتين والحديث وراه البخاري (وما) وفي نسخة وكما (كان من تظاهر زوجيه) وفي نسخة زوجتيه وهي لغة والأول أفصح أي تعاونهما (عليه) فيما يسوؤه من فرط الغيرة بالنسبة إليه وهما عائشة وحفصة (وأشباه هذا) الذي ذكر هنا (ممّا يحسن الصّفح عنه) أي يستحسن الاعراض عنه وعدم الالتفات نحوه وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا إِنَّ أَذَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ ولا غيره وأما غيره من الناس فَيَجُوزُ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ مَا لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ فعله وإن تأذى غَيْرُهُ وَاحْتَجَّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وبقوله صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث فاطمة رضي الله تعالى عنها أنها بضعة مني يؤذيني ما آذاها أَلَا وَإِنِّي لَا أُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَلَكِنْ لَا تَجْتَمِعُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَابْنَةُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَبَدًا (أَوْ يَكُونُ هذا) الحديث المتقدم ذكره (ممّا أذاه به كافر) صريح (رجا بعد ذلك إسلامه) كذا في النسخ المصححة وجاء بالواو وقال الحلبي رأيت في بعض النسخ بالراء من الرجاء وهذه ينبغي أن تكون الصواب وتلك التي تقدمت تصحيف قلت إذا كان المبنى صحيحا رواية ودراية فلا يقال فيه إنه تحريف فلا يلزم ما ادعاه على ما سيأتي دعواه (كَعَفْوِهِ عَنِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي سَحَرَهُ وَعَنِ الْأَعْرَابِيِّ الّذي أراد قتله) وهو غورث بن الحارث (وَعَنِ الْيَهُودِيَّةِ الَّتِي سَمَّتْهُ وَقَدْ قِيلَ قَتَلَهَا) أي آخرا قصاصا ببشر بن البراء بعد ما عفا عنها أولا لإسلامها أو اعتذارها في كلامها هذا وقال الحلبي المفهوم من عبارة القاضي المؤلف هنا أن هؤلاء الثلاثة قد اسلموا لكن الذي سحره وهو لبيد بن الأعصم لم يسلم بلا خلاف فيما أعرفه وأما الأعرابي الذي أراد قتله وهو غورث أو دعثور على ما تقدم فقد اسلم بلا خلاف وأما اليهودية التي سمته فأنها زينب بنت الحارث فقيل إنها لم تسلم وقتلها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعن الزهري كما رواه معمر بن راشد في جامعه أنها اسلمت فتركها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وبيان وجه الخلاف والجمع قد تقدم والله تعالى أعلم (ومثل هذا ممّا يبلغه) أي بعض ما يصل إليه (من أذى أهل الكتاب والمنافقين) من أرباب الحجاب (وصفح عنهم) جملة حالية وفي نسخة فصفح عنهم أي أعرض عن اذاهم وتركهم على هواهم (رجاء استئلافهم) أي تألف أنفسهم (واستئلاف غيرهم كما قرّرناه قبل) أي قبل ذلك على وجه التحقيق (وبالله التوفيق) . فصل (قَالَ الْقَاضِي تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي قَتْلِ الْقَاصِدِ لسبّه) أي المتعمد في شتمه (والإزراء به) وفي

стр. 1188

نسخة والازدراء وهو بمعنى الاحتقار (وغمصه) بمعجمه ومهملة بينهما ميم ساكنة أي عيبه (بأيّ وجه كان من ممكن) وجوده (أو محال) بضم الميم أي ممتنع شهودة (فهذا وجه بيّن) أي ظاهر مكشوف (لا إشكال فيه) ولا توقف في قتل متعاطيه. (الوجه الثاني لا حق به) أي ملحق بالوجه الأول (في البيان والجلاء) أي في الظهور وعدم الخفاء (وهو أن يكون القائل لما قال) من الكلام (في جهته صلى الله تعالى عليه وسلم غير قاصد للسّبّ) أي للشتم على وجه الجفاء (والإزراء) وفي نسخة الازدارء أي الاستحقار بالاستخفاف والاستهزاء (ولا معتقد) بالجر وفي نسخة ولا معتقدا (له) أي لمضمون كلامه (ولكنّه تكلّم في جهته صلى الله تعالى عليه وسلم بكلمة الكفر) وفي نسخة بكلمة من الكفر أي من ألفاظه كما بينه بقوله (مِنْ لَعْنِهِ أَوْ سَبِّهِ أَوْ تَكْذِيبِهِ أَوْ إضافة ما لا يجوز عليه) أي نسبته إليه (أو نفي ما يجب) أي ثبوته (لَهُ مِمَّا هُوَ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم نقيصة) أي منقصة ومذمة (مثل) بالرفع ويجوز نصبه أي نحو (أن ينسب إليه إتيان كبيرة) بصيغة المجهول والأظهر أن يكون بصيغة الفاعل أي ينسب القائل إليه اتيان كبيرة أي صدورها من قول أو فعل بخلاف صغيرة للاختلاف في جواز صدورها عنه (أو مداهنة) بالجر أو النصب أي مصانعة (في تبليغ الرّسالة) كما نفاها الله عنه بقوله فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ (أو) مسامحة أو مساهلة (في حكم بين النّاس) كما نفاها عنه في قوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ (أو يغضّ) الله بضم الغين وتشديد الضاد المعجمتين أي يخفض وينقص (من مرتبته) العلية (أو شرف نسبه) إلى آبائه وأجداده الجلية من العيوب العرفية لا من الذنوب الشرعية فأن عبد المطلب من أجداده مات في زمن الجهالة بالإجماع وكذا جزم أبو حنيفة بأن والدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ماتا في زمن الجهالة وكذا أبو إبراهيم ﵇ من أهل الكفر إجماعا خلافا للشيعة وشرذمة قليلة من أهل السنة وقد كتبت في هذه المسألة رسالة مستقلة (أو وفور علمه) أي كثرته (أو زهده) من غير ضرورته (أَوْ يُكَذِّبَ بِمَا اشْتَهَرَ مِنْ أُمُورٍ أَخْبَرَ بها ﵊ وَتَوَاتَرَ الْخَبَرُ بِهَا) عَنْهُ (عَنْ قَصْدٍ لِرَدِّ خبره) إذا لو أنكر خبرا متواترا كفر بخلاف ما أنكر حديث آحاد فإن أنكره فسق ففي المحيط من أنكر الأخبار المتواترة في الشريعة كفر مثل حرمة لبس الحرير على الرجال ومن أنكر أصل الوتر وأصل الأضحية كفر وفي الخلاصة من رد حديثا قال بعض مشايخنا يكفر وقال المتأخرون إن كان متواترا كفر أقول وهذا هو الصحيح إلا إذا كان رد حديث الآحاد من الأخبار على وجه الاستخفاف والاستحقار وأما انكار الحديث المشهور فالجمهور من أصحابنا على أنه يكفر إلا عيسى بن أبان فإن عنده يضلل ولا يكفر وهو الصحيح (أو يأتي بسفه من القول) أي بسفاهة في عبارة (أو قبيح من الكلام) ولو بإشارة (ونوع من السّبّ) وما فيه من قلة الأدب (في جهته) ﵊ (وإن ظهر بدليل حاله) أي حال قائله (أنّه لم يعتمد) أي لم يرد (ذمّه) عليه الصلاة والسلام

стр. 1189

في مقاله (ولم يقصد سبّه) لاعتقاده كماله لكن صدر عنه مقاله (إمّا لجهالة) بنعوت جماله (حملته على ما قاله أو لضجر) بفتحتين أي قلق من أثر غم ناله (أو منكر) محرم أو غيره (أو قلّة مراقبة) في شأنه (وضبط) أي وقلة ضبط (للسانه وعجرفة) أي محازفة وقلة مبالاة في بيانه (وتهوّر في كلامه) أي سرعة في خلقه وجراءة في نطقه (فحكم هذا الوجه) الثاني (حكم الوجه الأوّل) وهو (القتل) أي قولا واحدا (دون تلعثم) أي توقف في بابه (إِذْ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ فِي الْكُفْرِ بِالْجَهَالَةِ) إذا معرفة ذات الله تعالى وصفاته وما يتعلق بأنبيائه فرض عين مجملا في مقام الإجمال ومفصلا في مقام الاكمال نعم إذا تكلم بكلمة عالما بمبناها ولا يعتقد معناها يمكن أن صدرت عنه من غير إكراه بل مع طواعيته في تأديته فإنه يحكم عليه بالكفر بناء على القول المختار عند بعضهم من أن الإيمان هو مجموع التصديق والإقرار فياجراءها يتبدل الإقرار بالإنكار أما إذا تكلم بكلمة ولم يدر أنها كلمة ففي فتاوى قاضيخان حكاية خلاف من غير ترجيح حيث قال قيل لا يكفر لعذره بالجهل وقيل يكفر ولا يعذر بالجهل أقول والأظهر الأول إلا إذا كان من قبيل ما يعلم من الدين بالضرورة حينئذ فإنه حينئذ يكفر ولا يعذر بالجهل أقول وفي الخلاصة من قال أنا ملحد كفر وفي المحيط والحاوي لأن الملحد كافر ولو قال ما علمت أنه كفر لا يعذر بهذا أي في القضاء الظاهر والله اعلم بالسرائر (ولا بدعوى زلل اللّسان) فيه أن الخطأ والنسيان وما استكره عليه الإنسان أن عذر في معرض البيان (ولا بشيء ممّا ذكرناه) مما يظن أنه يكون عذرا (إذا) وفي نسخة إذا (كان عقله في فطرته) أي خلقته وجبلته (سليما) بأن لا يكون مجنونا ولا خرفا سقيما (إلّا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) كما هو مبين في القرآن (وبهذا) الوجه الثاني (أفتى الأندلسيّون) بفتح الهمزة وضم الدال واللام بفتحهما أي المالكيون من علماء الأندلس وهو اقليم معروف من المغرب (على ابن حاتم) أي الطليطلي (في نفيه الزّهد) أي الاختياري (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآله وسلّم الّذي قدّمناه) أي ذكره وأمره (وقال محمد بن سحنون) بفتح أوله ويضم ويصرف ولا يصرف (في المأمور) بأيدي الكفار (يسبّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) جملة حالية (في أيدي العدوّ) أي في تصرفهم أو فيما بينهم (يقتل إلّا أن يعلم تبصّره) أي حدوث دخوله في مذهب النصارى (أو إكراهه) أما الثاني فظاهر ويدل عليه قوله تعالى مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ روي أن بني المغيرة أخذوا عمارا وغطوه في بئر ميمون وقالوا له اكفر بمحمد فتابعهم على ذلك وقلبه كاره فأتى عمار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يبكي فقال ﵊ ما ورائك قال شر يا رسول الله نلت منك وذكره قال كيف وجدت قلبك قال مطمئنا بالإيمان فجعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يمسح عينيه ويقول إن عادوا لك فعد لهم بما قلت وأما الأول فقد قال الحلبي هذا الكلام ينبغي أن يسأل عنه مالكية وقال الأنطاكي أي إلا أن يكون معروفا بالبصارة تمنعه بصارته ومعرفته عن الحوم

стр. 1190

حول الحمى المنيع بالأمر الشنيع انتهى وفيه أن السب هنالك من غير أن يكره عليه في ذلك مناف للتبصر سواء يكون معروفا به أم لا وقال التلمساني وكأن النسخة عندهما بالباء الموحدة وإنما هي والله اعلم بالنون أي إلا أن يعلم تنصره ولا شك أن المالكية يقولون إذا تنصر طوعا ثم وقع منه سب أو لعن أو كلام يعيب به النبي أو قذفه أو استخف بحقه أو غير صفته أو الحق به نقصا ثم رجع إلى الإسلام أقول هنا بياض في الأصل ولم يعلم أن الحكم يقتل أو لا يقتل وعلى كل تقدير فيه إشكال أما على الأول فلأنه ينافي الاستثناء وسيأتي صريحا في كلام القاضي أنه يجب قتله وأما على الثاني فلأنه قد تقدم أن من سب النبي يقتل مسلما كان أو كافرا والذي يظهر لي أن المعنى إلا أن يعلم تنصره قبل ذلك وأنه ما صح إيمانه هنالك بأن كان منافقا أو مزورا أو مرائيا أو جاسوسا ثم لما أسر أظهر سبه ﵊ ثم رجع إلى الإسلام فإنه حينئذ لا يقتل ففي مختصر العلامة خليل المالكي إلا أن يسلم الكافر قال شارحه المشهور بحلو لو اختلف في الذمي إذ سب أحدا من الأنبياء ثم اسلم هل يدرأ عنه القتل بإسلامه فقال مالك في الواضحة وَالْمَبْسُوطِ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الحكم وأصبغ أن اسلم ترك قال أصبغ وسحنون لا يقال له اسلم ولكن إن اسلم فذلك له توبة وحكى القاضي أبو محمد في ذلك روايتن انتهى وأما على نسخة تبصره بالموحدة فلا يبعد أن يراد به الفرق بين المتبصر بالدين من العلماء المتقين وبين وبين الفسقة والجهلة بمراتب اليقين فإن الثاني يحتاج إلى العلم بإكراهه ببينة أو قرينة بخلاف الأول فإن الظن به في مقام يقينه أن لا يقع له سب إلا بعد تحقق إكراهه فيقبل قوله ويتفرع عليه إبانة امرأته منه وعدمها والله اعلم ومن فروع هذه المسألة عندنا لو قالت زوجة أسير تخلص أنه ارتد عن الإسلام وبنت منه فقال الأسير أكرهني ملكهم بالقتل على الكفر بالله تعالى ففعلت مكرها فالقول لها ولا يصدق الأسير إلا بالبينة (وَعَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ لَا يُعْذُرُ بِدَعْوَى زَلَلِ اللِّسَانِ فِي مِثْلِ هَذَا) الشأن ولعل وجهه سد الذريعة لفساد أهل الزمان (وأفتى أبو الحسن القابسيّ) بكسر الموحدة (فيمن شتم النّبي ﵌ فِي سُكْرِهِ يُقْتَلُ لِأَنَّهُ يُظَنُّ بِهِ أنّه يعتقد هذا ويفعله) أي ويقول مثله (في صحوه) فإن كل إناء يترشح بما فيه وهذا بناء على سوء الظن به مع أنه لا يلزمه إذ السكران قد يقصد أمه وبنته ونحوهما في حال سكره مع أنه لا يظن به أنه يفعله حال صَحْوِهِ (وَأَيْضًا فَإِنَّهُ حَدٌّ لَا يُسْقِطُهُ السُّكْرُ كالقذف والقتل وسائر الحدود) الفارقة بين الحلال والحرام المانعة من قربان الحرام كالزنى والمترتب عليه كالرجم (لأنّه أدخله على نفسه) باجترائه على نبيه ما لا يليق به (لأنّ من شرب الخمر على علم) أي مع علمه بما يترتب عليها (مِنْ زَوَالِ عَقْلِهِ بِهَا وَإِتْيَانِ مَا يُنْكَرُ) صدوره (منه) بسببها (فهو كالعامد لما يكون بسببه) القتل (وعلى هذا ألزمناه الطّلاق) على خلاف فيه بين علماءنا والصحيح وقوعه تأكيدا لزجره (والعتاق والقصاص والحدود) كالقطع بالسرقة (ولا يعترض على هذا) الذي ذكره من أن السكران يؤخذ بما صدر عنه حال سكره (بحديث

стр. 1191

حمزة) أي ابن عبد المطلب الذي رواه الشيخان عن علي رضي الله تعالى عنه أن حمزة قبل أن تحرم الخمر كان في شرب وبفناء الدار شارفان لعلي أراد أن يأتي عليهما بأذخر يبيعه ليستعين بثمنه على تزوج فاطمة رضي الله تعالى عنهم وعند حمزة وأصحابه جارية تغنيهم فقالت: ألا يا حمز بالشرف النواء فخرج إليهما فبقر خواصرهما وجب اسنمتهما فأخبر علي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فجاءه فلما رآه حمزة صعد نظره إليه وخاطبه بما لا يليق لديه كما بين المصنف بعضه بقوله (وقوله) أي وبقول حمزة (للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ومن معه كعلي (وَهَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي قَالَ فَعَرَفَ النبيّ ﵌ أنّه) وفي نسخة إنما هو (ثمل) بفتح المثلثة وكسر الميم أي سكران (فانصرف) عنه ولم يؤاخذه بما صدر منه (لأنّ الخمر كانت حينئذ غير محرّمة) بل كان هذا سببا لتحريمها (فَلَمْ يَكُنْ فِي جِنَايَاتِهَا إِثْمٌ وَكَانَ حُكْمُ ما يحدث منها) من سكر من شرب منها (مَعْفُوًّا عَنْهُ كَمَا يَحْدُثُ مِنَ النَّوْمِ وَشُرْبِ الدّواء المأمون) العاقبة ولهذا لما أم علي رضي الله تعالى عنه في حال سكره وقد قرأ أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ سومح في أمره. فصل [أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله إلى آخره] (الوجه الثّالث أن يقصد) أي أحد من الأنام (إلى تكذيبه ﵊ فيما قاله) أي فيما تواتر عنه من الكلام (أو أتى به) أي من أحكام الإسلام التي أجمع عليها الاعلام (أو ينفي نبوته) مطلقا (أو رسالته) إلى غير العرب مثلا (أو وجوده) في عالم شهوده (أو يكفر به) أي يتبرأ منه سواء (انتقل بقوله ذلك) وخروجه عن الإسلام هنالك (إلى دين آخر) من التهود أو التنصر أو التمجس (غير ملّته) استثناء لمجرد تأكيد في قضيته (أم لا) أي أم لم ينتقل إلى دين بأن صار ملحدا زنديقا أو دهريا أو تناسخيا مما لا يسمى دينا عرفيا وإن كان ما ذكر دينا لغويا (فهذا كافر بإجماع يجب قتله) من غير النزاع (ثمّ ينظر) أي في أمره هنالك (فإن كان مصرّحا بذلك) أي معلنا غير مستتر (كَانَ حُكْمُهُ أَشْبَهَ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّ وَقَوِيَ الْخِلَافُ) أي خلاف أصحاب مالك (في استتابته) أي قبول توبته (وعلى القول الآخر) بكسر الخاء أي المعتبر الناسخ للقول الأول (لا تسقط القتل عنه توبته) فيقتل حدا (لحقّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إن كان) الملعون (ذكره) ﵊ (بنقيصة فيما قاله) هذا المتنقص (من كذب) في حقه (أو غيره) بتغير في نعته وأمره (وإن كان متستّرا) من التستر تفعل مأخوذ من الستر ضد الإخفاء وفي نسخة مستسرا بتشديد الراء من الاستسرار استفعال من السر ضد الكتم لا من ألسرور كما وهم الدلجي (فحكمه حكم الزّنديق) أي الأصلي (لا تسقط قتله التّوبة عندنا) أي معشر المالكية قولا واحدا (كما سنبيّنه) أي قريبا (قال أبو حنيفة وأصحابه

стр. 1192

من برىء من محمّد) أي تبرأ منه وأعرض عنه (أو كذبه) أي في نبوته وفي نسخة أو كذب به أي بوجوده أو بكرمه وجوده وظهور نور شهوده (فهو مرتدّ حلال الدّم) أي قبل توبته (إلّا أن يرجع) عن براءته ولو بعد استتابته (وقال ابن القاسم) أي المصري صاحب مالك (فِي الْمُسْلِمِ إِذَا قَالَ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بنبيّ أو لم يرسل) إلى الثقلين كافة (أَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ وَإِنَّمَا هُوَ شيء تقوّله) أي افتراه واختلقه (يقتل) وهذا مجمع عليه (قال) أي ابن القاسم (ومن كفر برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنكره) الواو بمعنى أو (من المسلمين) أي أحد منهم ولا يبعد أن يكون المعنى وأنكر كونه من المسلمين (فهو بمنزلة المرتدّ) أي يقتل إن لم يتب وكان الأولى أن يقول فهو مرتد أو فيجري عليه حكم المرتد وهذا إذا كان معلنا لا مخفيا (وكذلك من أعلن بتكذيبه) أي أظهره جهرا (أنه كالمرتدّ يستتاب) فإن تاب وإلا قتل وهذا مما لا خلاف فيه إلا عند بعض المالكية (وكذلك قال) أي ابن القاسم (فيمن تنبّأ) أي ادعى أنه نبي (وزعم أنه يوحى إليه) أنه كالمرتد يستتاب (وقاله) أي مثل مقال ابن القاسم (سحنون) وهو بفتح السين وضمها وأغرب الدلجي بقوله وقد يكسر ثم هو فعلون ولذا صرف وقد يمنع بناء على مذهب الفارسي في جعل مطلق المزيدتين علة (وقال ابن القاسم دعا إلى ذلك) أي إلى أنه نبي (سرا أو جهرا) فإنه يكون كالمرتد وكان مقتضى ما سبق أنه دعا سرا يكون كالزنديق فتحتاج إلى فرق في مقام جمع التحقيق والله ولي التوفيق (وقال أصبغ) أي ابن الفرج (وهو) أي من زعم أنه نبي (كالمرتدّ لأنّه قد كفر بكتاب الله تعالى) حيث قال تعالى في حق نبينا ﵊ أنه خاتَمَ النَّبِيِّينَ (مع الفرية) بكسر الفاء أي الافتراء (على الله تعالى) قال تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أو قال أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ (وقال أشهب) أي ابن عبد العزيز المصري (في يهوديّ) أي مثلا (تنبأ) أي ادعى أنه نبي في حق نفسه (أو زعم أنّه أرسل إلى النّاس) في أمره ونهيه (أو قال بعد نبيّكم نبيّ) أي يوجد بأن يولد أو نبي ناسخ لدين محمد لئلا يشكل بعيسى ﵊ ولكن اليهودي لم يقصد ذلك وإنما يتصور من النصراني هنالك (أنّه يستتاب إن كان معلنا بذلك) بخلاف ما إذا كان مخفيا فإنه معتقده هنالك (فإن تاب) من اعلان مثل هذا المقال (وإلّا قتل) في الحال (وذلك) أي قتله (لأنّه مكذّب للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في قوله) كما رواه الثقات (لا نبيّ بعدي) الأولى أن يستدل بقوله تعالى ولكن رسول الله وخاتم النبيين لأن الحديث ما ثبت متواترا ليفيد اليقين ولا مشهورا عند المحدثين وإن كان مشتهرا على السنة المؤمنين (مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ فِي دَعْوَاهُ عَلَيْهِ الرِّسَالَةَ والنّبوة) أي إحديهما؛ (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ مَنْ شَكَّ فِي حرف) أي من تردد في صحة حرف في القرآن (ممّا جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم عن الله) أي وثبت مجيئه به متواترا (فهو كافر جاحد) أي معاند ملحد وكان الأظهر أن يقول من أنكر لأن من توقف في بعض الحروف المختلفة بين القراء السبعة وإن كانت كلها متواترة ولم يدر جزما بأنه مما جاء به عن الله

стр. 1193

تعالى أم لا لا يحكم بكفره فإن كثيرا من الناس إذا ترددوا في كلمة يراجعون القراء العارفين بالقراءة لا يقال مراده بالحرف هو المجمع عليه فإن الإشكال باق على حاله إذ لا يخلو قارئ عن تردد في حرف من حروفه نعم من شك في حرف مع علمه بأنه من القرآن فلا شك أنه كافر، (وقال) أي ابن سحنون (من كذّب النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي مطلقا (كان حكمه عند الأمّة) أي جميعهم (القتل) وإنما الخلاف في أنه هل يستتاب ولو بالاستمهال أم لا بل يقتل في الحال، (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ صَاحِبُ سُحْنُونٍ من قال إنّ النبيّ ﵊ أَسْوَدُ قُتِلَ. لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم بأسود) بل كان أبيض كأنما صيغ من فضة رواه الترمذي في الشمائل عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وفي رواية مسلم والترمذي عن أبي الطفيل كان أبيض مليحا وفي رواية البيهقي في الدلائل عن علي رضي الله تعالى عنه كان أبيض مشربا بالحمرة يعني لأنه أبيض أمهق وهو البياض المشبه بالجص المكروه عند أكثر الطبائع السليمة والحاصل أن بياض لونه ثابت في الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة مختلفة في المبنى متواترة في المعنى فمن قال في حقه إنه كان أسود يكفر حيث وصفه بغير نعته الموجب لنفيه وتكذيبه لكن قد يعذر قائله إذا كان جاهلا بوصفه ﵊ لا سيما إذا كان من العوام إلا إذا أراد به تنقصه واستهانته ﵊ وهذا يختلف باختلاف العرف بين الأنام إذ السواد مرغوب بين الحبشة والهنود كما أن البياض مطلوب عند العرب والاعجام وإلا روام (وقال نحوه) أي مثل مقال ابن أبي سليمان (أبو عثمان الحدّاد قال) أي أبو عثمان وأبعد الدلجي حيث قال أي ابن أبي سليمان (لو قال) أي أحد من المسلمين (إنّه مات قبل أن يلتحي) أي قبل أن تنبت لحيته (أو أنّه كان بتاهرت) وفي نسخة بتهرت وهو بمثناة فوقية في أوله وآخره وبفتح الهاء وسكون الراء مكان بأقصى المغرب قيل هو آخر العمارة (ولم يكن بتهامة) بكسر أوله أي مكة أو أرض الحجاز (قتل لأن هذا نفي) متضمن لوجوده وظهور كرمه وجوده ثم القولان كلاهما مخالف للكتاب والسنة المشهورة أما بطلان القول الأول فيستفاد من قوله تعالى قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ وأما بطلان القول الثاني فيستفاد من قوله تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها والمراد بأم القرى مكة بالإجماع وأما بطلانهما من الحديث فقد ثبت أنه ﵊ بعث على رأس اربعين سنة فأقام بمكة ثلاثة عشر وبمدينة عشرا وتوفي وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء (قال حبيب بن ربيع تبديل صفته) أي المشهورة (ومواضعه) أي المأثورة بغيرهما (كفر) به ونفي لوجوده (والمظهر له) أي لتبديلها (كافر) أي ابتداء أو مرتد أي انتهاء (وفيه الاستتابة) أي طلب التوبة (والمسرّ له) أي المخفي لهذا الاعتقاد الفاسد والكاتم لهذا القول الكاسد (زنديق يقتل دون استتابة) أي في مذهب مالك.

стр. 1194

فصل (الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يَأْتِيَ مِنَ الْكَلَامِ بِمُجْمَلٍ) مشتمل على تعدد معنى محتمل (أو يلفظ) بكسر الفاء أي أو ينطق (من القول بمشكل) باللام في آخره أي بمعضل وتصحف على الدلجي بكافين فقال أي بما يوقع متأمله في الشك (يمكن حمله) أي يجوز إطلاق ما ذكر من المجمل (على النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ يَتَرَدَّدُ فِي المراد به) أي بالمشكل (من سلامته من المكروه أو شرّه) أي من ملامته فهو عطف على سلامته لا على المكروه كما توهم الدلجي وقال أي سلامته من شره (فههنا) من المقامين (متردّد النّظر) بفتح الدال الأولى مشددة أي محل تردد للمتأمل في المقالين (وحيرة العبر) توهم الأنطاكي فقال العبر بكسر العين وفتح الموحدة جمع عبرة بفتح وسكون الموحدة وهي الدمعة وحيرتها اجتماعها من قولهم تحير الماء أي اجتمع انتهى والصواب في هذا المقام أنه جمع عبرة بكسر فسكون وهي اسم من الاعتبار ومنه قوله تعالى فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ واستدل به النظار في صحة القياس أي وتحير في الأقيسة المتعارضة المنافية للقول اليقين (ومظنّة اختلاف المجتهدين) بكسر الظاء أي موضع الشيء ومآله الذي يظن كونه فيه (ووقفة استبراء المقلّدين) أي وتوقف لطلب براءة العلماء العالمين من القضاة والمفتين وهو بكسر اللام لأنه في مقابلة المجتهدين وضبطه التلمساني بفتح لأمه (ليهلك من هلك عن بيّنة) أي ليضل من ضل عن حجة واضحة (ويحيى من حيّ) وفي قراءة من حيى أي يهتدي من اهتدى (عن بيّنة) أي دلالة لائحة (فمنهم من غلّب) بتشديد اللام أي قدم (حرمة النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وحمى حمى) بفتح الحاء الأولى وكسر الثانية أي وصان ساحة (عرضه) عن تنقصه في طوله وعرضه (فجسر على القتل) أي أقدم واجترأ على قتل قائله من غير استتابة (ومنهم من عظّم حرمة الدّم) المعصوم في أصله (ودرأ الحدّ) أي ودفع القتل (بالشّبهة) على الناظر فيه (لاحتمال القول) أي قوله إن يراد به الذم أو خلافه وهذا هو الأولى لقوله ﵊ ادرؤوا الحدود بالشبهات كما رواه جماعة من الثقات وزاد ابن عدي واقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله تعالى وروى ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ولفظه ادفعوا الحدود عن عباد الله تعالى ما وجدتم لها مدفعا هذا وفيما نحن فيه يمكن الجمع بين حمى العرض وبين الدرء بعرض التوبة عليه فإن تاب وإلا قتل فيرتفع حينئذ الإشكال ويزول الاحتمال بالجواب والسؤال والله تعالى اعلم بالحال (وقد اختلف أئمّتنا) أي المالكية (في رجل أغضبه غريمه) أي طالب دينه (فقال له) غريمه (صلّ على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له الطّالب) أي غريمه (لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ

стр. 1195

صَلَّى عَلَيْهِ فَقِيلَ لِسُحْنُونٍ هَلْ هُوَ كَمَنْ شتم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي منتقصا له (أو شتم الملائكة الّذين يصلّون عليه) صفة كاشفة وظاهره أنه شتم لله وملائكته منطوقا ولرسوله ضمنا مفهوما فإن الله تعالى قَالَ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ وكأن المصنف اقتصر على ذكر الملائكة لقوله لا صلى الله فإن الظاهر منه المغايرة (قال) سحنون (لا) أي لا شتم هنا مطلقا (إذا كان) أي حال قائله (على ما وصفت) أنت (من الغضب) أي من غضبه على مديونه (لأنّه لم يكن) حينئذ (مضمرا للشّتم) أي لا للنبي ولا لغيره من الملائكة وغيرهم بل المراد به امتناعه حينئذ من الصلاة المشعر ذكرها بالمساهلة في المعاملة كما في العرف والعادة حال المجاملة، (وقال أبو إسحاق البرقيّ) بفتح الموحدة (وأصبغ بن الفرج) بالجيم (لا يقتل لأنّه إنّما شتم النّاس) أي بظاهره لا أراد غيرهم بل أراد منهم بحسب لفظة الناس الموجودين لا الآتين والماضين لئلا يكون شتما للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه الكرام والعلماء العظام والمشايخ الكرام والتعبير بالشتم فيه مسامحة لغوية إذ كلامه جملة دعائية وهذا قريب من اللغو في العبارات العرفية (وهذا) الذي ذكر عنهما (نحو قول سحنون) لا أنه يغايرهما ويعارضهما (لأنّه) أي سحنون (لم يعذره) بكسر الذال أي لم يسامحه (بالغضب في شتم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ضمنا ولا في شتم الملائكة ظاهرا (ولكنّه) أي الشأن (لمّا احتمل الكلام عنده) أي احتمالين فاحتاج إلى قرينة مرجحة لأحد الحالين (ولم تكن معه) أي مع كلامه (قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى شَتْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ شَتْمِ الْمَلَائِكَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم ولا مقدّمة) أي سابقة من قرائن المقال أو الحال (يحمل عليها كلامه بل القرينة) الحالية (تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ النَّاسُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ) أي النبي والملائكة ففيه نوع تغليب وقد تصحف علي الدلجي وتحرف في أصله غيرها أي غير الملائكة (ولأجل) أي ولا مقدمة لأجل (قول الآخر) والصواب أن التقدير وهذه القرينة الحالية لأجل قول الآخر وهو غريمة (لَهُ صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ فَحُمِلَ قَوْلُهُ وَسَبُّهُ) أي دعاؤه عليه (لِمَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ الْآنَ لِأَجْلِ أَمْرِ الْآخَرِ له بهذا عند غضبه) وهذا نظير ما قال علماؤنا في يمين الفور من أنها محمولة على وقت اليمين دون ما بعده على أن هنا احتمالا آخر وهو أن يكون تقدير كلامه لا أصلي عليه أنا في هذه الحال صلى الله تعالى عليه وسلم في الماضي والاستقبال (هَذَا مَعْنَى قَوْلِ سُحْنُونٍ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِعِلَّةِ صاحبيه) أي الدليل البرقي وأصبغ على ما تقدم (وذهب الحارث بن مسكين القاضي) قال الحلبي هذا ففيه مشهور أموي مولى مروان مصري أخذ عن ابن عيينة وابن وهب وابن القاسم وسأل الليث وعنه أبو داود والنسائي وجماعة ثقة حجة عاش نيفا وتسعين سنة قال الخطيب كان ثبتا في الحديث ففيها على مذهب مالك حمله المأمون إلى بغداد أيام المحنة لأنه لم يجب إلى القول بخلق القرآن فلم يزل محبوسا إلى أن ولي المتوكل فأطلقه فحدث ببغداد ورجع إلى مصر وكتب إليه المتوكل بعهده على قضاء مصر (وغيره) أي من العلماء المالكية (في مثل هذا) القول وهو لا صلى الله (إلى
следующие страницы →