← Сира

Сира · id 9918

شرح الشفا

الملا على القاري

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

حمزة) أي ابن عبد المطلب الذي رواه الشيخان عن علي رضي الله تعالى عنه أن حمزة قبل أن تحرم الخمر كان في شرب وبفناء الدار شارفان لعلي أراد أن يأتي عليهما بأذخر يبيعه ليستعين بثمنه على تزوج فاطمة رضي الله تعالى عنهم وعند حمزة وأصحابه جارية تغنيهم فقالت: ألا يا حمز بالشرف النواء فخرج إليهما فبقر خواصرهما وجب اسنمتهما فأخبر علي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فجاءه فلما رآه حمزة صعد نظره إليه وخاطبه بما لا يليق لديه كما بين المصنف بعضه بقوله (وقوله) أي وبقول حمزة (للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ومن معه كعلي (وَهَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي قَالَ فَعَرَفَ النبيّ ﵌ أنّه) وفي نسخة إنما هو (ثمل) بفتح المثلثة وكسر الميم أي سكران (فانصرف) عنه ولم يؤاخذه بما صدر منه (لأنّ الخمر كانت حينئذ غير محرّمة) بل كان هذا سببا لتحريمها (فَلَمْ يَكُنْ فِي جِنَايَاتِهَا إِثْمٌ وَكَانَ حُكْمُ ما يحدث منها) من سكر من شرب منها (مَعْفُوًّا عَنْهُ كَمَا يَحْدُثُ مِنَ النَّوْمِ وَشُرْبِ الدّواء المأمون) العاقبة ولهذا لما أم علي رضي الله تعالى عنه في حال سكره وقد قرأ أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ سومح في أمره. فصل [أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله إلى آخره] (الوجه الثّالث أن يقصد) أي أحد من الأنام (إلى تكذيبه ﵊ فيما قاله) أي فيما تواتر عنه من الكلام (أو أتى به) أي من أحكام الإسلام التي أجمع عليها الاعلام (أو ينفي نبوته) مطلقا (أو رسالته) إلى غير العرب مثلا (أو وجوده) في عالم شهوده (أو يكفر به) أي يتبرأ منه سواء (انتقل بقوله ذلك) وخروجه عن الإسلام هنالك (إلى دين آخر) من التهود أو التنصر أو التمجس (غير ملّته) استثناء لمجرد تأكيد في قضيته (أم لا) أي أم لم ينتقل إلى دين بأن صار ملحدا زنديقا أو دهريا أو تناسخيا مما لا يسمى دينا عرفيا وإن كان ما ذكر دينا لغويا (فهذا كافر بإجماع يجب قتله) من غير النزاع (ثمّ ينظر) أي في أمره هنالك (فإن كان مصرّحا بذلك) أي معلنا غير مستتر (كَانَ حُكْمُهُ أَشْبَهَ بِحُكْمِ الْمُرْتَدِّ وَقَوِيَ الْخِلَافُ) أي خلاف أصحاب مالك (في استتابته) أي قبول توبته (وعلى القول الآخر) بكسر الخاء أي المعتبر الناسخ للقول الأول (لا تسقط القتل عنه توبته) فيقتل حدا (لحقّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إن كان) الملعون (ذكره) ﵊ (بنقيصة فيما قاله) هذا المتنقص (من كذب) في حقه (أو غيره) بتغير في نعته وأمره (وإن كان متستّرا) من التستر تفعل مأخوذ من الستر ضد الإخفاء وفي نسخة مستسرا بتشديد الراء من الاستسرار استفعال من السر ضد الكتم لا من ألسرور كما وهم الدلجي (فحكمه حكم الزّنديق) أي الأصلي (لا تسقط قتله التّوبة عندنا) أي معشر المالكية قولا واحدا (كما سنبيّنه) أي قريبا (قال أبو حنيفة وأصحابه

стр. 1192

من برىء من محمّد) أي تبرأ منه وأعرض عنه (أو كذبه) أي في نبوته وفي نسخة أو كذب به أي بوجوده أو بكرمه وجوده وظهور نور شهوده (فهو مرتدّ حلال الدّم) أي قبل توبته (إلّا أن يرجع) عن براءته ولو بعد استتابته (وقال ابن القاسم) أي المصري صاحب مالك (فِي الْمُسْلِمِ إِذَا قَالَ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بنبيّ أو لم يرسل) إلى الثقلين كافة (أَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ وَإِنَّمَا هُوَ شيء تقوّله) أي افتراه واختلقه (يقتل) وهذا مجمع عليه (قال) أي ابن القاسم (ومن كفر برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنكره) الواو بمعنى أو (من المسلمين) أي أحد منهم ولا يبعد أن يكون المعنى وأنكر كونه من المسلمين (فهو بمنزلة المرتدّ) أي يقتل إن لم يتب وكان الأولى أن يقول فهو مرتد أو فيجري عليه حكم المرتد وهذا إذا كان معلنا لا مخفيا (وكذلك من أعلن بتكذيبه) أي أظهره جهرا (أنه كالمرتدّ يستتاب) فإن تاب وإلا قتل وهذا مما لا خلاف فيه إلا عند بعض المالكية (وكذلك قال) أي ابن القاسم (فيمن تنبّأ) أي ادعى أنه نبي (وزعم أنه يوحى إليه) أنه كالمرتد يستتاب (وقاله) أي مثل مقال ابن القاسم (سحنون) وهو بفتح السين وضمها وأغرب الدلجي بقوله وقد يكسر ثم هو فعلون ولذا صرف وقد يمنع بناء على مذهب الفارسي في جعل مطلق المزيدتين علة (وقال ابن القاسم دعا إلى ذلك) أي إلى أنه نبي (سرا أو جهرا) فإنه يكون كالمرتد وكان مقتضى ما سبق أنه دعا سرا يكون كالزنديق فتحتاج إلى فرق في مقام جمع التحقيق والله ولي التوفيق (وقال أصبغ) أي ابن الفرج (وهو) أي من زعم أنه نبي (كالمرتدّ لأنّه قد كفر بكتاب الله تعالى) حيث قال تعالى في حق نبينا ﵊ أنه خاتَمَ النَّبِيِّينَ (مع الفرية) بكسر الفاء أي الافتراء (على الله تعالى) قال تعالى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أو قال أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ (وقال أشهب) أي ابن عبد العزيز المصري (في يهوديّ) أي مثلا (تنبأ) أي ادعى أنه نبي في حق نفسه (أو زعم أنّه أرسل إلى النّاس) في أمره ونهيه (أو قال بعد نبيّكم نبيّ) أي يوجد بأن يولد أو نبي ناسخ لدين محمد لئلا يشكل بعيسى ﵊ ولكن اليهودي لم يقصد ذلك وإنما يتصور من النصراني هنالك (أنّه يستتاب إن كان معلنا بذلك) بخلاف ما إذا كان مخفيا فإنه معتقده هنالك (فإن تاب) من اعلان مثل هذا المقال (وإلّا قتل) في الحال (وذلك) أي قتله (لأنّه مكذّب للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في قوله) كما رواه الثقات (لا نبيّ بعدي) الأولى أن يستدل بقوله تعالى ولكن رسول الله وخاتم النبيين لأن الحديث ما ثبت متواترا ليفيد اليقين ولا مشهورا عند المحدثين وإن كان مشتهرا على السنة المؤمنين (مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ فِي دَعْوَاهُ عَلَيْهِ الرِّسَالَةَ والنّبوة) أي إحديهما؛ (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سُحْنُونٍ مَنْ شَكَّ فِي حرف) أي من تردد في صحة حرف في القرآن (ممّا جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم عن الله) أي وثبت مجيئه به متواترا (فهو كافر جاحد) أي معاند ملحد وكان الأظهر أن يقول من أنكر لأن من توقف في بعض الحروف المختلفة بين القراء السبعة وإن كانت كلها متواترة ولم يدر جزما بأنه مما جاء به عن الله

стр. 1193

تعالى أم لا لا يحكم بكفره فإن كثيرا من الناس إذا ترددوا في كلمة يراجعون القراء العارفين بالقراءة لا يقال مراده بالحرف هو المجمع عليه فإن الإشكال باق على حاله إذ لا يخلو قارئ عن تردد في حرف من حروفه نعم من شك في حرف مع علمه بأنه من القرآن فلا شك أنه كافر، (وقال) أي ابن سحنون (من كذّب النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي مطلقا (كان حكمه عند الأمّة) أي جميعهم (القتل) وإنما الخلاف في أنه هل يستتاب ولو بالاستمهال أم لا بل يقتل في الحال، (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ صَاحِبُ سُحْنُونٍ من قال إنّ النبيّ ﵊ أَسْوَدُ قُتِلَ. لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم بأسود) بل كان أبيض كأنما صيغ من فضة رواه الترمذي في الشمائل عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وفي رواية مسلم والترمذي عن أبي الطفيل كان أبيض مليحا وفي رواية البيهقي في الدلائل عن علي رضي الله تعالى عنه كان أبيض مشربا بالحمرة يعني لأنه أبيض أمهق وهو البياض المشبه بالجص المكروه عند أكثر الطبائع السليمة والحاصل أن بياض لونه ثابت في الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة مختلفة في المبنى متواترة في المعنى فمن قال في حقه إنه كان أسود يكفر حيث وصفه بغير نعته الموجب لنفيه وتكذيبه لكن قد يعذر قائله إذا كان جاهلا بوصفه ﵊ لا سيما إذا كان من العوام إلا إذا أراد به تنقصه واستهانته ﵊ وهذا يختلف باختلاف العرف بين الأنام إذ السواد مرغوب بين الحبشة والهنود كما أن البياض مطلوب عند العرب والاعجام وإلا روام (وقال نحوه) أي مثل مقال ابن أبي سليمان (أبو عثمان الحدّاد قال) أي أبو عثمان وأبعد الدلجي حيث قال أي ابن أبي سليمان (لو قال) أي أحد من المسلمين (إنّه مات قبل أن يلتحي) أي قبل أن تنبت لحيته (أو أنّه كان بتاهرت) وفي نسخة بتهرت وهو بمثناة فوقية في أوله وآخره وبفتح الهاء وسكون الراء مكان بأقصى المغرب قيل هو آخر العمارة (ولم يكن بتهامة) بكسر أوله أي مكة أو أرض الحجاز (قتل لأن هذا نفي) متضمن لوجوده وظهور كرمه وجوده ثم القولان كلاهما مخالف للكتاب والسنة المشهورة أما بطلان القول الأول فيستفاد من قوله تعالى قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ وأما بطلان القول الثاني فيستفاد من قوله تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها والمراد بأم القرى مكة بالإجماع وأما بطلانهما من الحديث فقد ثبت أنه ﵊ بعث على رأس اربعين سنة فأقام بمكة ثلاثة عشر وبمدينة عشرا وتوفي وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء (قال حبيب بن ربيع تبديل صفته) أي المشهورة (ومواضعه) أي المأثورة بغيرهما (كفر) به ونفي لوجوده (والمظهر له) أي لتبديلها (كافر) أي ابتداء أو مرتد أي انتهاء (وفيه الاستتابة) أي طلب التوبة (والمسرّ له) أي المخفي لهذا الاعتقاد الفاسد والكاتم لهذا القول الكاسد (زنديق يقتل دون استتابة) أي في مذهب مالك.

стр. 1194

فصل (الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يَأْتِيَ مِنَ الْكَلَامِ بِمُجْمَلٍ) مشتمل على تعدد معنى محتمل (أو يلفظ) بكسر الفاء أي أو ينطق (من القول بمشكل) باللام في آخره أي بمعضل وتصحف على الدلجي بكافين فقال أي بما يوقع متأمله في الشك (يمكن حمله) أي يجوز إطلاق ما ذكر من المجمل (على النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ يَتَرَدَّدُ فِي المراد به) أي بالمشكل (من سلامته من المكروه أو شرّه) أي من ملامته فهو عطف على سلامته لا على المكروه كما توهم الدلجي وقال أي سلامته من شره (فههنا) من المقامين (متردّد النّظر) بفتح الدال الأولى مشددة أي محل تردد للمتأمل في المقالين (وحيرة العبر) توهم الأنطاكي فقال العبر بكسر العين وفتح الموحدة جمع عبرة بفتح وسكون الموحدة وهي الدمعة وحيرتها اجتماعها من قولهم تحير الماء أي اجتمع انتهى والصواب في هذا المقام أنه جمع عبرة بكسر فسكون وهي اسم من الاعتبار ومنه قوله تعالى فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ واستدل به النظار في صحة القياس أي وتحير في الأقيسة المتعارضة المنافية للقول اليقين (ومظنّة اختلاف المجتهدين) بكسر الظاء أي موضع الشيء ومآله الذي يظن كونه فيه (ووقفة استبراء المقلّدين) أي وتوقف لطلب براءة العلماء العالمين من القضاة والمفتين وهو بكسر اللام لأنه في مقابلة المجتهدين وضبطه التلمساني بفتح لأمه (ليهلك من هلك عن بيّنة) أي ليضل من ضل عن حجة واضحة (ويحيى من حيّ) وفي قراءة من حيى أي يهتدي من اهتدى (عن بيّنة) أي دلالة لائحة (فمنهم من غلّب) بتشديد اللام أي قدم (حرمة النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وحمى حمى) بفتح الحاء الأولى وكسر الثانية أي وصان ساحة (عرضه) عن تنقصه في طوله وعرضه (فجسر على القتل) أي أقدم واجترأ على قتل قائله من غير استتابة (ومنهم من عظّم حرمة الدّم) المعصوم في أصله (ودرأ الحدّ) أي ودفع القتل (بالشّبهة) على الناظر فيه (لاحتمال القول) أي قوله إن يراد به الذم أو خلافه وهذا هو الأولى لقوله ﵊ ادرؤوا الحدود بالشبهات كما رواه جماعة من الثقات وزاد ابن عدي واقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حد من حدود الله تعالى وروى ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ولفظه ادفعوا الحدود عن عباد الله تعالى ما وجدتم لها مدفعا هذا وفيما نحن فيه يمكن الجمع بين حمى العرض وبين الدرء بعرض التوبة عليه فإن تاب وإلا قتل فيرتفع حينئذ الإشكال ويزول الاحتمال بالجواب والسؤال والله تعالى اعلم بالحال (وقد اختلف أئمّتنا) أي المالكية (في رجل أغضبه غريمه) أي طالب دينه (فقال له) غريمه (صلّ على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له الطّالب) أي غريمه (لَا صَلَّى اللَّهُ عَلَى مَنْ

стр. 1195

صَلَّى عَلَيْهِ فَقِيلَ لِسُحْنُونٍ هَلْ هُوَ كَمَنْ شتم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي منتقصا له (أو شتم الملائكة الّذين يصلّون عليه) صفة كاشفة وظاهره أنه شتم لله وملائكته منطوقا ولرسوله ضمنا مفهوما فإن الله تعالى قَالَ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ وكأن المصنف اقتصر على ذكر الملائكة لقوله لا صلى الله فإن الظاهر منه المغايرة (قال) سحنون (لا) أي لا شتم هنا مطلقا (إذا كان) أي حال قائله (على ما وصفت) أنت (من الغضب) أي من غضبه على مديونه (لأنّه لم يكن) حينئذ (مضمرا للشّتم) أي لا للنبي ولا لغيره من الملائكة وغيرهم بل المراد به امتناعه حينئذ من الصلاة المشعر ذكرها بالمساهلة في المعاملة كما في العرف والعادة حال المجاملة، (وقال أبو إسحاق البرقيّ) بفتح الموحدة (وأصبغ بن الفرج) بالجيم (لا يقتل لأنّه إنّما شتم النّاس) أي بظاهره لا أراد غيرهم بل أراد منهم بحسب لفظة الناس الموجودين لا الآتين والماضين لئلا يكون شتما للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه الكرام والعلماء العظام والمشايخ الكرام والتعبير بالشتم فيه مسامحة لغوية إذ كلامه جملة دعائية وهذا قريب من اللغو في العبارات العرفية (وهذا) الذي ذكر عنهما (نحو قول سحنون) لا أنه يغايرهما ويعارضهما (لأنّه) أي سحنون (لم يعذره) بكسر الذال أي لم يسامحه (بالغضب في شتم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ضمنا ولا في شتم الملائكة ظاهرا (ولكنّه) أي الشأن (لمّا احتمل الكلام عنده) أي احتمالين فاحتاج إلى قرينة مرجحة لأحد الحالين (ولم تكن معه) أي مع كلامه (قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى شَتْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ شَتْمِ الْمَلَائِكَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم ولا مقدّمة) أي سابقة من قرائن المقال أو الحال (يحمل عليها كلامه بل القرينة) الحالية (تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ النَّاسُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ) أي النبي والملائكة ففيه نوع تغليب وقد تصحف علي الدلجي وتحرف في أصله غيرها أي غير الملائكة (ولأجل) أي ولا مقدمة لأجل (قول الآخر) والصواب أن التقدير وهذه القرينة الحالية لأجل قول الآخر وهو غريمة (لَهُ صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ فَحُمِلَ قَوْلُهُ وَسَبُّهُ) أي دعاؤه عليه (لِمَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ الْآنَ لِأَجْلِ أَمْرِ الْآخَرِ له بهذا عند غضبه) وهذا نظير ما قال علماؤنا في يمين الفور من أنها محمولة على وقت اليمين دون ما بعده على أن هنا احتمالا آخر وهو أن يكون تقدير كلامه لا أصلي عليه أنا في هذه الحال صلى الله تعالى عليه وسلم في الماضي والاستقبال (هَذَا مَعْنَى قَوْلِ سُحْنُونٍ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِعِلَّةِ صاحبيه) أي الدليل البرقي وأصبغ على ما تقدم (وذهب الحارث بن مسكين القاضي) قال الحلبي هذا ففيه مشهور أموي مولى مروان مصري أخذ عن ابن عيينة وابن وهب وابن القاسم وسأل الليث وعنه أبو داود والنسائي وجماعة ثقة حجة عاش نيفا وتسعين سنة قال الخطيب كان ثبتا في الحديث ففيها على مذهب مالك حمله المأمون إلى بغداد أيام المحنة لأنه لم يجب إلى القول بخلق القرآن فلم يزل محبوسا إلى أن ولي المتوكل فأطلقه فحدث ببغداد ورجع إلى مصر وكتب إليه المتوكل بعهده على قضاء مصر (وغيره) أي من العلماء المالكية (في مثل هذا) القول وهو لا صلى الله (إلى

стр. 1196

القتل) لشموله ظاهرا شتم كل من صلى عليه من ملائكة وغيرهم (وَتَوَقَّفَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ فِي قَتْلِ رَجُلٍ قال كلّ صاحب فندق) وهو بضم الفاء وسكون النون وداله المهملة تضم وتفتح الخان في عرف أهل مصر وهو موضع يأوي إليه الغرباء كالتجار من المسافرين ومن ليس له قريب من المجاورين (قرنان) بفتح القاف فعلان وهو نعت سوء في الرجل وهو الذي يتغافل عن فجور امرأته وابنته وأخته وقرابته وهو المسمى بالديوث وقيل المراد به القواد (ولو كان نبيّا مرسلا) ولعل وجه توقفه أنه حمل كلامه على قصد المبالغة العرفية الشاملة للأمور المحالية (فأمر) أي القابسي (بشدّة) أي ربطه (بالقيود) أي الوثيقة (والتّضييق عليه) بالإنكال الثقيلة (حتّى يستفهم البيّنة) أي يستخبر ما يبين أمره ويعين حاله الصادرة (عن جملة ألفاظه) أي كلماته في محاروته (وما يدلّ على مقصده) أي ارادته (هل أراد أصحاب الفنادق الآن) أي في ذلك الزمان (فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ فَيَكُونُ أمره أخف) إذ يمكن حمله على المبالغة وإرادة اعتقاده أنه من المحال فتعزيره أخف في مقام التنكيل ويمكن حمله على أن يجوز كون نبي مرسل يظهر بعد نبينا ﵊ فيكون أمره اشد ولهذا قال بعض علمائنا أن من ادعى النبوة فقال له قائل اظهر المعجزة كفر (قال) أي القابسي (وَلَكِنْ ظَاهِرُ لَفْظِهِ الْعُمُومُ لِكُلِّ صَاحِبِ فُنْدُقٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَقَدْ كَانَ فِيمَنْ تَقَدَّمَ من الأنبياء والرّسل من اكتسب المال) وفيه أن بعض الأنبياء والرسل وإن كانوا من أصحاب الأموال لكنهم لم يعرف مساكنهم في الخانات وعلى تقدير التنزل فالكلام إنما هو في تجويز صدور مثل هذا الفعل الشنيع والعمل الفظيع من النبي المرسل فتأمل فإنه من مواضع الزلل ولقد زل قلم الدلجي في قوله هنا فلعل أحدا منهم بنى فندقا لله تنزله المارة انتهى وفيه أن الكلام ليس فيمن بنى المقام وإنما المراد بصاحب الخان خادم أهله وحافظ جمعه وحاشا مقام الرسل والأنبياء عن مثل هذه الأشياء (قال) القابسي (ودم المسلم لا يقدم عليه) أي على سفكه (إلّا بأمر بيّن) كما قال ﵊ لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة رواه الشيخان وفي الجواهر من كتب أصحابنا من قال قتل فلان حلال أو مباح قبل أن يعلم منه ردة أو قتل نفس بآلة جارحة عمدا على غير حق أو يعلم منه زنا بعد احصان كفر (وما تردّ إليه التّأويلات) أي وما يتصور فيه الاحتمالات (لا بدّ من إمعان) وروي انعام (النّظر) أي أعماق التأمل والتفكر (فيه) أي في أمره ليظهر الوجه المرجح في حقه (هذا معنى كلامه) أي كلام القابسي لا لفظه ومبناه وقال التلمساني ما ذكره القاضي من أن الأنبياء كانوا ذوي أموال قلنا وإن أراد به صاحب المال فبين وإن أراد به الحافظ والأمين فلا يوجد نبي فعل ذلك لأنه من أعظم النقائص فيكون معنى ذلك أنه مثل كذا فهو كالاول لأنه عيب ووصم في سائر الناس فما بالك بالأنبياء فيقتل قائل ذلك لأنه شبه الكامل بالناقص وفي تشبيهه الكامل بالناقص نقص ولم يبق إلا سائر الناس فعليه في ذلك الأدب الشديد لأن فيهم عالما ووليا وأذية سائر المسلمين توجب العقوبة والتعزير على قدر

стр. 1197

القائل والقول والمقول فيه (وَحُكِيَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ رحمه الله تعالى) وفي نسخة عن ابن أبي زيد وهو أبو محمد القيرواني (فِيمَنْ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْعَرَبَ وَلَعَنَ اللَّهُ بني إسرائيل ولعن الله بني آدم) أي قال أحد هذه الأقوال (وذكر أنه لم يرد الأنبياء) لا من العرب ولا من بني إسرائيل ولا من غيرهم بل ولا العلماء والأتقياء (وإنّما أردت الظّالمين منهم) والفاسقين فيهم (أنّ عليه الأدب) أي التعزير (بقدر اجتهاد السّلطان) أي الوالي والقاضي قال الدلجي ظاهره وإن أدى إلى التلف وفيه أنه ينافي الأدب وهذا ما حكي عن ابن أبي زيد (وكذلك أفتى) أي ابن أبي زيد ولا يبعد أن يكون مندرجا تحت قوله وحكي (فِيمَنْ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ حَرَّمَ الْمُسْكِرَ وقال) أي وفيمن قال أو والحال أنه قال (لا أعلم من حرّمه) أن عليه الأدب بقدر اجتهاد السلطان وسيأتي الكلام عليه (وفي) أي وأفتى أيضا في (من لعن حديث لا يبع حاضر لباد) أي سوقي لبدوي (ولعن) أي وفيمن لعن (ما جاء به) من النهي عن بيعه له وفي نسخة صحيحة ولعن من جاء به وهذا مشكل جدا (أنه) أي وافتى بأنه (كان) وفي نسخة صحيحة وهي ظاهرة إِنْ كَانَ (يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ وَعَدَمِ مَعْرِفَةِ السُّنَنِ) أي المأثورة (فعليه الأدب الوجيع وذلك) يحتمل أن يكون من كلام القاضي المؤلف أو من كلام ابن أبي زيد في توجيه افتائه (أنّ هذا) أي لأن قائله أو وسبب ذلك أنه (لم يقصد بظاهر حمله) من إسلامه (سَبَّ اللَّهِ وَلَا سَبَّ رَسُولِهِ وَإِنَّمَا لَعَنَ من حرّمه من النّاس) وفيه أن الذي حرمه من الناس هو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو سب على تقدير جهله وظنه أن المحرم إنما هو بعض الناس من العلماء فمقتضى مذهبنا أنه يكفر ففي الجواهر لو قال من يقدر على أن يعمل بما أمر العلماء به كفر وذلك لأنه يلزم منه تكذيب العلماء على الأنبياء إلا أن يحمل من حرمه على من تسبب بتحريمه (عَلَى نَحْوِ فَتْوَى سُحْنُونٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ المتقدّمة) وهي من قال لا صلى الله الخ ولكن بينهما فرق بين يمنع صحة المقايسة (ومثل هذا) الأولى ونظير هذا الذي تقدم (ما) زائدة أو موصولة وفي أصل الدلجي كثيرا ما (يجري في كلام سفهاء النّاس من قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ يَا ابْنَ أَلْفِ خِنْزِيرٍ، وَيَا ابْنَ مِائَةِ كَلْبٍ وَشِبْهِهِ مِنْ هُجْرِ القول) بضم الهاء وسكون الجيم أي فحشه وأغرب الدلجي بأن ادخل فيه قول بعضهم لبعض الأطفال يا ولد الزنا مع أنه قذف صريح (وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِثْلِ هَذَا العدد) وفي نسخة في هذين العددين (من آبائه وأجداده جماعة من الأنبياء) وفيه أن الظاهر من مقاله وقرينة حاله أنه أراد به الكثرة لا حقيقة العدد وعلى سبيل التنزل فلا يدخل فيه جماعة من الأنبياء لأن الناس في زماننا كلهم من نسل نوح ﵇ ويتصور في غير بني إبراهيم ﵇ أنه لا يدخل أحد من الأنبياء في آبائه وأجداده وفي بني إسرائيل أيضا يجيء هذا البحث من المائة بل من الألف وإنما التوقف في السادة الأشراف مع أنه قد يقال إنه يريد خلقته من نطفة جمع فساق اجتمعوا على وطئ أمه فحينئذ يكون قذفا إلا أنه لأجل حصول الاحتمال يدرأ عنه الحد في الحال (ولعلّ بعض هذا العدد منقطع) أي منفصل وفي نسخة سنقطع عند نسبه (إلى آدم عليه

стр. 1198

السلام) بل إلى نوح بل إلى إبراهيم ﵈ وأولاده فلا محذور حينئذ في كلامه وقد أغرب الدلجي بقوله أي متصل به من انقطع إليه ولم يركن إلى غيره ومن ثم عداه بإلى وليس بمعنى منفصل إذ لو كان بمعناه لعداه بعن وأنت خبير بأنه تعلق بتصحيح مبناه وغفل عن تصريح معناه فالوجه ما بيناه على ما قدمناه (فينبغي) أي فيجب مع هذا (الزّجر عنه وتبيين ما جهل قائله منه) وفي نسخة بتبيين جهل قائله (وشدّة الأدب) أي التأديب (فيه ولو علم) بالبناء للمفعول أي ولو عرف (أَنَّهُ قَصَدَ سَبَّ مَنْ فِي آبَائِهِ مِنَ الأنبياء) بالعدد الذي ذكره (على علم) منه به (لقتل) به وهذا واضح (وقد يضيّق القول في نحو هذا) المقول (لو قال) أحد (لرجل هاشميّ) أي من بني هاشم بن عبد مناف بن قصي جد عبد الله أبي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (لَعَنَ اللَّهُ بَنِي هَاشِمٍ وَقَالَ أَرَدْتُ الظَّالِمِينَ منهم) وهذا إذا كان لم يتصور وجود مائة أب وألف قبل وصولهم إلى إسماعيل ﵇ وإلا فلا يعرف هاشمي قبل الإسلام إلا ظالم ثم لا يظهر قيدا لهاشمي لأن القرشي بل وغيرهم من العرب كلهم من نسل إسماعيل ﵇ وحاصل كلام المنصف أنه يؤدب وحمل الدلجي على أنه من قبيل قول ابن أبي زيد فيمن قال لعن الله العرب أو لعن بني إسرائيل وقال أردت الظالمين منهم دون الأنبياء لأن نبينا ﵊ من المنسوبين إلى هاشم وكذا علي والحسن والحسين وحمزة وجعفر والعباس وغيرهم اللهم إلا أن أرادوا أولاد هاشم من صلبه (أو قال) أي ويضيق الأمر إذا قال أحد (لرجل) معروف النسب (من ذرّيّة النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا قَبِيحًا فِي آبَائِهِ أَوْ من) موصولة أي فيمن (نسله أو ولده) بتخفيف السين واللام وقد يشددان والمعنى فيمن بدره أو ولده ومن بمعنى الذي وفي نسخة من بكسر الميم على أنه حرف جر دخل على نسله بسكون السين وولده بفتحتين أو بضم فسكون (على علم منه) حال من ضمير قال والمعنى أنه غير جاهل (أنه من ذريّة النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ) المتعلقتين بالقول القبيح في آبائه ونسله وفي نسخة في المسألة أي المتقدمة (تقتضي تخصيص بعض آبائه) أي دون بغض (وإخراج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ممّن سبّه منهم) والمعنى أنه لا يوجد هنا قرينة دالة على قصد عمومهم ومن اللطائف أن بعض الإشراف قال لمن يخاصمه كيف ويعاديه تخالفنا وقد أمرت بالصلاة علينا فقال له خرج منها أمثالكم بقولي وعلى آله الطيبين الطاهرين (وقد رأيت لأبي موسى بْنِ مَنَاسَ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ لَعَنَكَ اللَّهُ إِلَى آدَمَ ﵇ أَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ عليه ذلك قتل قال القاضي وفّقه الله وقد كان) أي في سابق الزمان (اختلف شيوخنا) أي المالكية (فيمن قال لشاهد شهد عليه بشيء) جملة حالية ولا يبعد أن يكون نعتا لما قبله (ثمّ قال) أي الشاهد (له تتّهمني) أي اتتهمني في شهادتي أو غيرها (فقال له الآخر) أي المشهود عليه (الأنبياء يتّهمون) إن أراد بالكذب فهذا كفر صريح وإن أراد ببعض المعاصي فلا لكن السياق قرينة للأول فتأمل (فكيف أنت) أي أنت أولى بأن تتهم (فَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ جَعْفَرٍ يَرَى قتله لبشاعة ظاهر اللّفظ) أي لكراهته وفي نسخة

стр. 1199

لشناعة بشين وعين أي لقبحه وإن كان يمكن صرفه عن ظاهره بأنهم متهمون ببعض المعاصي (وكان القاضي أبو محمد بن منصور) اللخمي ولد سنة ثمان وخمسين وأربعمائة (يتوقّف عن القتل) أي احتياطا (لاحتمال اللّفظ عنده) أي احتمالا بعيدا (أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَمَّنِ اتَّهَمَهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ) أي بالكذب في الأخبار (وأفتى فيها) أي في المسألة هذه (قاضي قرطبة) بضم القاف والطاء المهملة (أبو عبد الله بن الحاج) أي التجيبي قتل بجامع قرطبة يوم الجمعة ظلما وهو ساجد وقتله رجل معتوه وقتلته العامة في الموضع الذي قتله فيه وقد ضرب رحمه الله تعالى بسكين في خاصرته وقيل قتل يوم الجمعة سادس عشر شهر رمضان سنة تسع وعشرين وخمسمائة ودفن بعد صلاة العصر قال الدلجي هو غير ابن الحاج صاحب المدخل (بنحو من هذا) أي توقف ابن منصور وفي نسخة بنحو هذا (وشدّد القاضي أبو محمد) أي ابن منصور (تصفيده) أي توثيقه وتقييده (وأطال سجنه ثمّ استحلفه بعد) أي حلفه بعد أن فعل به ذلك (على تكذيب ما شهد به عليه) من الحق (إِنْ دَخَلَ فِي شَهَادَةِ بَعْضِ مِنْ شَهِدَ عليه وهن) أي نوع طعن يوجب ضعف اعتماد وقلة اعتقاد (ثمّ أطلقه) أي من التقليد وتركه وفيه أن هذه التحليف ليس له دخل في أصل المقصود من المسألة في تهمة بعض الشهود وإنما الكلام في نسبة التهمة إلى أرباب النبوة اللهم إلا أن يقال إنه كان منكرا لهذه المقالة وثبت عليه بالبينة في تلك الحالة إلا أن بعض الشهود لم يكونوا مزكين (وشاهدت شيخنا القاضي أبا عبد الله) اسمه محمد (ابن عيسى) أي ابن حسين التيمي ولد سنة تسع وعشرين وأربعمائه وقد تفقه المنصف به (أَيَّامَ قَضَائِهِ أُتِيَ بِرَجُلٍ هَاتَرَ رَجُلًا اسْمُهُ محمّد) أي قال له سفها من القول يقال هتر العرض أي مزقه وقال ابن الأثير ومن قبله الهروي في الغربيين واللفظ للثاني المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان أي يتقاولان ويتفالجان في القول (ثمّ قصد إلى كلب) هنالك زيادة على ذلك (فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ لَهُ: قُمْ يَا مُحَمَّدُ فَأَنْكَرَ الرَّجُلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ وَشَهِدَ عليه لفيف) أي جمع كثير (من النّاس) أي من قبائل شتى ومنه قوله تعالى جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً أي مجتمعين مختلطين (فأمر به إلى السّجن) بكسر السين أي إلى إدخاله فيه وفي نسخة بفتحها أي إلى حبسه (وتقصّى) بقاف وصاد مهملة مشددة أي استقصى وبالغ في التفحص والبحث (عن حاله) ليظهر منه حقيقة مقاله (وهل يصحب من يستراب بدينه) أي يشك في إسلامه من ذمي ونحوه (فلمّا لم يجد) أي ابن عيسى (عليه ما يقوّي الرّيبة) أي التهمة والشبهة (باعتقاده ضربه بالسّوط) وفي نسخة بالسياط تعزيرا له حيث خاطب الكلب بالاسم الشريف ولم يظهر منه ما يدل على أنه أراد الإهانة بالنبي المنيف (وأطلقه) ولم يقتله. فصل [أَنْ لَا يَقْصِدَ نَقْصًا وَلَا يَذْكُرَ عَيْبًا ولا سبا لكنه ينزع إلى آخره] (الوجه الخامس أن لا يقصد) أي في مجمل قوله (نقصا) لنبيه (ولا يذكر عيبا) في أمره (ولا سبّا) أي شتما أو ذما في حقه (لكنّه) في محتمل كلامه (ينزع) أي يميل وينجذب (بذكر

стр. 1200

بعض أوصافه) ﵊ إلى ما يصرفه عن أن يفهم منه نقص أو ذم في اثناء الكلام (أو يستشهد) في بعض ما قاله (ببعض أحواله ﵊ الجائزة عليه في الدّنيا) مما سبق بيانه وتقدم برهانه (على طريق ضرب المثل) متعلق بيستشهد (وَالْحُجَّةِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ عَلَى التَّشَبُّهِ به) أي قوله ﵊ أو فعله (أو عند هضيمة) أي نقيصة عظيمة (نالته) أي أصابته (أو غضاضة) بالغين والضاد المعجمتين أي مذلة وحقارة (لحقته) حصلت له ﵊ (ليس على طريق التّأسّي) أي الاقتداء به (وطريق التّحقيق) أي الاهتداء به (بل على مقصد التّرفيع) بالفاء أي على جهة اعلائه (لنفسه) في ابتلائه (أو لغيره) من نحو آبائه أو ابنائه (أو على سبيل التّمثيل) أي التشبيه لنفسه أو لغيره به ﵊ (وعدم التّوقير) أي التبجيل والتعظيم في تمثيله (لنبيّه ﵊ أو قصد الهزل) بصيغة الماضي أو المصدر المضاف (والتّنذير) مصدر ندر بدال مهملة مشددة ومعناه الإسقاط أي أو قصد الساقط من القول أو الفعل (بقوله) ويجوز أن يكون من مادة الندور وهو الشذوذ فالمراد الإتيان بنادر من قول أو فعل بشيء غريب والحاصل أنه خلاف التشهير مما يقتضي التعظيم والتوقير وقع في أصل الدلجي بالموحدة والذال المعجمة والظاهر أنه تصحيف في المبنى وتحريف في المعنى حيث قال أي الإعلام بقوله وقال التلمساني وعند الشارح التنديد بالدال أي في آخره قال وهو كالغيبة يقال ندد بفلان إذا قال فيه كلمة سوء قال الجوهري يقال ندد به أي شهره وسمع به ومعناهما متقاربان انتهى ولا يخفى أنه تصحيف أيضا لأن هذا وقع سجعا في مقابلة قوله التوقير فيتعين أن يكون براء في آخره والله تعالى أعلم بباطنه وظاهره (كقول القائل إن قيل فيّ) بتشديد الياء أي أن ذكر في حقي (السّوء) بفتح السين وضمها كما قرئ بهما في السبعة قوله تعالى عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وروي هنا بال وبدونها (فقد قيل في النبيّ) أي السوء بمثل ما يسوءه ويحزنه (أو إن كذّبت) بتشديد الذال مجهولا (فقد كذّب الأنبياء) وهذا وما قبله له محل حسن إذ ظاهره أنه أراد به التسلية بهم في مقام الاقتداء ومرام الاهتداء بالصبر على أقوال الأعداء ورميهم للناس بالأشياء من الأسواء وأما قوله (أو إن أذنبت فقد أذنبوا) ففيه خطر عظيم لعصمة الأنبياء لاسيما وقد غفر لهم ما كان في صورة المعصية وظهر منهم الأوبة في مقام التوبة فلا يذكر الذنب المعفو بلا شبهة في مقابلة الذي هو حقيقة المعصية وإن تاب صاحبه عنه فهو تحت المشيئة لعدم صحة شرائط التوبة فلا يقاس الصعلوك بالملوك (أو أنا) أي وأنا (أسلم من ألسنة النّاس) أي من أن ينسبوا إلى ما لم أفعله (ولم يسلم منهم أنبياء الله ورسله) كما قال قائل: ولا أحد من ألسن الناس سالم ... ولو أنه ذاك النبي المطهر (أَوْ قَدْ صَبَرْتُ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ) وهذا خطأ فاحش عند أولي الحزم بل يوهم أنه فضل نفسه على بعض الأنبياء الذين قيل في حقهم أنهم ليسوا من أولي العزم كآدم عليه

стр. 1201

الصلاة والسلام لقوله تعالى فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً وكيونس ﵊ لقوله تعالى فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ (أو كصبر أيّوب) وهذا كذب ومجازفة في القول (أَوْ قَدْ صَبَرَ نَبِيُّ اللَّهِ عَنْ عِدَاهُ) بكسر العين اسم جمع لعدو أي عن أعدائه ويروى على عداه (وحلم) بضم اللام أي تحمل (على أكثر ممّا صبرت) أي تحملت عليه (وكقول المتنبّي) وهو أبو الطيب الجعفي الكوفي الشاعر الأديب المجيد الأريب صاحب الديوان المعروف وله من بدائع الشعر وحكمه أشياء عجيبة مشتملة على آداب وغيرها من أمور غريبة ولد بالكوفة سنة ثلاث وثلاثمائة ونشأ بالشام والبادية وقال الشعر في صغره واعتنى الفضلاء بشرح ديوان شعره قال السماني في أنسابه إنما قيل له المتنبي لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة وتبعه كثيرة من بني كلب وغيرهم فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص بالأخشيدية فأسره وفرق اصحابه وسجنه طويلا ثم أشهد عليه أنه تاب وكذب نفسه فيما ادعاه فأطلقه ثم طلب الشعر وقاله فأجاد وفاق أهل عصره في حسن شعره واتصل بسيف الدولة بن حمدان فأكثر مدحه ثم سار إلى عضد الدولة بفارس ومدحه وعاد إلى بغداد فقتل في طريقه بالقرب من النعمانية في شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وقيل إنما قيل له المتنبي لأنه قال: (أَنَا فِي أُمَّةٍ تَدَارَكَهَا اللَّهُ ... غَرِيبٌ كَصَالِحٍ في ثمود) وفيه أنه لا يلزم من هذا التشبيه دعوة النبوة والرسالة في مقام التنبيه وجملة تداركها الله دعائية معترضة وقبله: ما مقامي بأرض نحلة إلا ... كمقام المسيح بين اليهود (ونحوه) بالرفع أي ومثل شعره ويجوز جره أي وكقول نحوه (من أشعار المتعجرفين) أي المتجازفين المفرطين في المدح بحيث لم يبالوا في كلامهم ولم يهموا في أديانهم وعقائدهم (فِي الْقَوْلِ الْمُتَسَاهِلِينَ فِي الْكَلَامِ كَقَوْلِ الْمَعَرِّيِّ) بفتح الميم والعين المهملة وتشديد الراء وهو أبو العلاء اللغوي الشاعر المشهور كان متضلعا من فنون الأدب وله من النظم لزوم ما لا يلزم في خمس مجلدات وذكر أن له كتابا سماه الإيك والغصون يقارب مائة جزء في الأدب أيضا ومكث مدة خمس وأربعين سنة لا يأكل اللحم تدينا لأنه كان يرى رأي الحكماء توفى ليلة الجمعة ثالث شهر الربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة بالمعرة وكان مرضه في ثلاثة أيام وقبره في ساحة من دور أهله ذكره ابن خلكان وذكره الذهبي في الميزان فقال روى جزءا عن يحيى بن مسعر عن أبي عروبة الحراني وله شعر يدل على الزندقة سقت أخباره في تاريخي الكبير انتهى وفي حاشية التلمساني قال القراوي في كتاب اقتراح السميري في شرح مقامات الحريري يزعمون أنه منتحل لمذهب البراهمة مدمن على اعتقاده وفي أشعاره وأسماعه ما يدخل القلب منه ريبا منها قوله (كنت) بالخطاب (موسى وافته) أي من الموافاة أي أتته (بنت شعيب) واختلف في اسمها (غير أن ليس فيكما من فقير) فإنه شبه فيه

стр. 1202

ممدوحه وزوجته بموسى ﵇ وامرأته وهي بنت نبي جهلا منه برفيع شأنهم وبديع مكانهم (على أنّ آخر البيت) أي مع أن عجزه (شديد) في القبح عند تدبره لأن مضمونه التعيير لموسى بفقره (وداخل في الإزراء) أي الاحتقار والانتقاص (والتّحقير بالنبيّ) أي الكليم ﵊ وتفضيل حال غيره) من الأمراء الأغنياء (عليه) وسبب هذا كله التوصل للأغراض الدنية والأعراض الفانية والاعراض عن الدار الباقية بما يخفض الأنبياء ويرفع السخفاء (وكذلك) أي ومثل هذا الإزراء في حق الأنبياء (قوله) أي شعر أبي العلاء المعري عن مقام الثناء: (لَوْلَا انْقِطَاعُ الْوَحْيِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ... قُلْنَا مُحَمَّدُ) بالضم (عن أبيه بديل) لغة في بدل كمثل ومثيل وشبه وشبيه: (هُوَ مِثْلُهُ فِي الْفَضْلِ إِلَّا أَنَّهُ ... لَمْ يأته برسالة جبريل) قال التلمساني اجترأ على الله ورسوله في قوله من أبيه فأثبت له أبوة والله تعالى يقول مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ فكذب كتاب الله وجعل الفضل متساويا وهو كما قال الغزالي شبه الملائكة بالحدادين من شبه من ليس بشيء برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بل جعله مساويا له وهو محمد بن الرشيد العباسي (فصدر البيت الثّاني من هذا الفصل) بالصاد المهملة أي النوع من الكلام (شديد) أي في مقام قبح المرام وشدة الملام (لتشبيهه غير النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في فضله بالنّبي والعجز) أي وآخر البيت الثاني (محتمل لوجهين) وفي نسخة محتمل لوجهين وفي أخرى يحتمل الوجهين أي أحدهما أقبح من الآخر (أحدهما أنّ هذه الفضيلة نقّصت الممدوح) بتشديد القاف أي خفصته عن رفيع مقام النبي (والآخر استغناؤه عنها) أي عن رسالة جبريل ﵊ (وهذه) الإرادة (أشد) كفرا من الاحتمال الأول فتأمل وإن كان الاحتمال الأول هو الأظهر فتدبر (ونحو منه قول الآخر) قال الحلبي لا أعرفه وقال التلمساني وهو للمعرى انتهى والأول أظهر وإلا قال قوله الْآخَرِ: (وَإِذَا مَا رُفِعَتْ رَايَاتُهُ ... صَفَّقَتْ بَيْنَ جناحي جبريل) وفي نسخة جبرئين بالنون وهو لغة كما يقال في إسرائيل وإسماعيل ونحوهما وما زائدة ورفعت مبنى للمجهول والرايات جمع راية وهي العلم وصفقت بتشديد الفاء من التصفيق بمعنى التصويب والتضعيف للتكثير وفي نسخة خفقت والمعنى اضطربت برياح النصر وهذا اجتراء على هذا الملك العظيم (وقول الآخر من أهل العصر) أي زمن المصنف قال الحلبي لا أعرفه: (فَرَّ مِنَ الْخُلْدِ وَاسْتَجَارَ بِنَا ... فَصَبَّرَ اللَّهُ قلب رضوان) بكسر الراء وضمها أي خازن الجنة قال الدلجي أي على فراقه إذ لم يجاوره فيه وهذه

стр. 1203

عجرفة كاذبة وقال التلمساني استجار من الجوار أي لجأ إليه وسأله الاستنقاذ انتهى ومع هذا كله يتبين خلاصة المعنى من هذا المبنى حتى يتفرع عليه مذمة من كفر أو فسق على ما لا يخفى (وكقول حسّان) يصرف ولا يصرف (المصيصي) نسبة إلى مصيصة كسفينة بلد بالشام ولا يشدد كذا في القاموس وقال التلمساني بكسر الميم يخفف ويشدد وقيل لا يصح التشديد وقيل إن كسر شدد وإن فتح خفف وقيل بكسر الميم ويخفف ويفتح ويخفف وهو موضع من ثغور الشام (من شعراء الأندلس) بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الدال ويضم وضم اللام وفي نسخة شعار الأندلس على أنه مبالغة شاعر (في محمد بن عبّاد) بتشديد الموحدة وكنيته أبو القاسم من ملوك الأندلس (المعروف بالمعتمد) بكسر الميم الثانية أي المعتمد بالله تعالى توفي في السجن سنة ثمان وثمانين وأربعمائة له قصة عجيبة مذكورة في تاريخ ابن خلكان (ووزيره) أي وفي وزيره ومشيره (أبي بكر بن زيدون) يصرف ويمنع: (كَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَبُو بَكْرِ الرِّضَا ... وَحَسَّانَ حسّان وأنت محمّد) أي كان وزيرك أيها الممدوح أبا بكر بن زيدون أبو بكر الصديق وشاعرك حسان المصيصي حسان بن ثابت شاعر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكأنك أنت الممدوح محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وقد أطال الشراح تبعا للمصنف على هذا المقال لكن لا يخلو عن نوع من الإشكال فإنه لا يلزم من التشبيه التسوية في الكمال بل من القاعدة المقررة أن المشبه به أقوى في جميع الأحوال كما هو مقرر في زيد الأسد الذي هو أبلغ من زيد كالأسد ومنه قولهم أبو يوسف أبو حنيفة ويقال وجه فلان كالبدر أو الشمس أو القمر وأمثال ذلك فتدبر وكان المصنف رحمه الله تعالى أراد سد باب الذريعة ليحذر الناس عن المقالات الشنيعة (إلى أمثال هذا) أي الذي ذكرناه من المتعجرفين (وإنّما أكثرنا) بتشديد المثلثة وفي نسخة أكثرنا (بشاهدها مع استثقالنا حكايتها) أي روايتها عل أن ثقل الكفر ليس بكفر لكن صيانة الألسنة عنه أولى إلا لضرورة داعية (لتعريف أمثالها) وفي أصل التلمساني لتعرف بها أمثلتها وروي لتعرف أمثلتها وروي لتعريف أمثلتها (ولتساهل كثير من النّاس) أي من الشعراء وغيرهم (في ولوج هذا الباب الضّنك) بفتح الضاد المعجمة وسكون النون أي دخول هذا الطريق الضيق في المعيشة وغيرها ومنه قوله تعالى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وقيل الطريق المظلم ويلائمه قوله تعالى وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (واستخفافهم فادح هذا العبء) بكسر العين المهملة وسكون الموحدة بعدها همزة الحمل والفادح بالفاء وكسر الدال والحاء المهملتين الثقل أي وعد الناس ثقل هذا الحمل خفيفا (وَقِلَّةِ عِلْمِهِمْ بِعَظِيمِ مَا فِيهِ مِنَ الْوِزْرِ) أي الإثم الثقيل (وكلامهم منه بما) وفي نسخة وكلامهم فيه مما (ليس لهم به علم وتحسبونه هيّنا وهو عند الله عظيم) وهذا مقتبس من قوله تعالى إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً أي صغيرة وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ

стр. 1204

عَظِيمٌ أي كبيرة وقد جزع بعض الأكابر عند موته فقيل له لم جزعت فقال أخاف ذنبا لم يكن مني على بال قلت ونعم ما قيل وجودك ذنب لا يقاس به ذنب (لا سيّما الشّعراء) الذين ورد في حقهم وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وقليل ما هم وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ قال التلمساني لا سيما يشدد ويلزمه الواو وقيل لا ويخفف ولا واو وقيل بالواو وبدونها يخفف ويشدد ويقال لا سواها وما بعد لا سيما معرفة فيجر ويرفع وينصب وقيل النصب فيه لا يصح ونكرة فالثلاثة والمختار أن ما زائدة وسي مضاف لما بعده والرفع خبر لمحذوف وما موصولة أو نكرة موصوفة وهو ضعيف في المعرفة قيل وينصب المعرفة وجهه أن ما كافة ولا سيما كذلك في الاستثناء وهو ضعيف لأن الاستثناء إخراج وهذا فيه إدخال هذا وقد قيل الشعراء أمراء الكلام يصرفونه حيث شاؤه وجاز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده ومد مقصوره وقصر ممدوده والجمع بين لغاته والتألق في صفاته وقيل الاقتصاد محمود إلا منهم والكذب مذموم إلا منهم وقيل إياكم والشاعر فإنه يطلب على الكذب مثوبة ويقرع جليسه بأدنى زلة ولذا قيل فيهم: الكلب والشاعر في رتبة ... يا ليت أني لم أكن شاعرا وأقول بل الكلب أحسن منه ما أشار إليه الشاطبي بقوله: وقد قيل كن كالكلب يقصيه أهله ... وما يأتلي في نصحهم متبذلا والمشهور أن فيه عشر خصال من خصال الرجال الإبدال ما أظن أن واحدة منها توجد في شاعر الحال (وأشدّهم فيه تصريحا وللسانه تسريحا) أي إرسالا وإطلاقا من غير أن يكون تلويحا (ابن هانىء) بكسر النون فهمز وقد يسهل (الأندلسيّ) قال الحلبي هو أبو القاسم محمد الأزدي وكان أبوه هانئ من قرية من قرى المهدية ولد بمدينة اشبيلية ونشأ بها واشتغل وحصل له حظ وافر من الأدب وعمل الشعر فهمر فيه وكان حافظا لأشعار العرب وأخبارهم وكان متهما بمذهب الفلاسفة توجه إلى مصر ثم عاد إلى المغرب فلما كان ببرقة إضافة شخص فأقام عنده أياما فعربدوا عليه فقتلوه وقيل بل وجد مخنوقا وقيل بل نام فوجد ميتا وذلك سنة اثنتين وستين وثلاثمائة وهو في المغرب كالمتنبي في المشرق وكانا متعاصرين ذكره ابن خلكان (وابن سليمان) وفي نسخة وأبو سُلَيْمَانَ (الْمَعَرِّيُّ بَلْ قَدْ خَرَجَ كَثِيرٌ مِنْ كلامهما إلى حدّ الاستخفاف والنّقص) بالنبي (وصريح الكفر) بالله (وقد أجبنا عنه) أي عن كلامهما وما يترتب على مقامهما فيما مضى وفي هذا تنبيه نبيه على أنه يحرم سماع شعرهما وأمثالهما كما يحرم مطالعة كتب ابن عربي بل ومطالعة الكشاف ونحوهما حذرا من دسهما في كلامهما ما يعد من سمهما في دسمهما (وغرضنا الآن) هو (الكلام في هذا الفصل الذي سقنا أمثلته) نظما ونثرا (فإنّ هذه) الأمثلة (كلّها وإن لم تتضمّن سبّا) أي ذما صريحا (ولا

стр. 1205

أضافت إلى الملائكة والأنبياء نقصا) أي عيبا قبيحا (ولست أعني) أي أريد بهذا النفي (عجزي بيتي المعرّي) فإنه كفر واضح وإلحاد لائح وأما قول الدلجي ولست أعني عجزي بيتي المعري بل جميع ما ذكرناه من الأمثلة فخطأ فاحش من جهة لزوم التسوية ثم الجملة حالية معترضة بين المتعاطفين مما قبلها وما بعدها وهو قوله (ولا قصد قائلها إزراء) أي احتقارا (وغضا) أي انتقاصا كالمعرى لكن مع ذلك ما قام بحق الكلام فيما هنالك (فما وقّر النّبوّة) أي ما بجلها ولا صاحبها (ولا عظّم الرّسالة) ولا مرسلها (ولا عزّر) بتشديد الزاء وفي آخره راء أي ولا قوى (حرمة الاصطفاء ولا عزّز) بتشديد الزاء الأولى (حظوة الكرامة) بضم الحاء المهملة ويكسر وسكون الظاء المعجمة أي المترتبة المكرمة والمنزلة المعظمة (حتّى شبّه) من الممدوحين من الأمراء والوزراء (من شبّه) بما ذكر من الأنبياء والأصفياء (في كرامة نالها) أي لأجل جائزة أصابها من ممدوحه (أو معرّة) أي مصيبة أو منقصة أو مشقة (قصد الانتفاء منها) والتبري عنها (أو ضرب مثل) لكشف المراد (لتطييب مجلسه) أي لتطبيب مجلس القائل والمقول له ترغيبا في مجالسته ومخالطته ومصاحبته ومكالمته (أو إعلاء) بعين مهملة أي رفع ومبالغة وبغين معجمة أي مغالاة ومجاوزة في مقالات (في وصف لتحسين كلامه) وتزيين مرامه (بمن عظّم الله خطره) بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة أي منزلته (وشرّف قدره) أي مرتبته من انبيائه وأصغيائه (وألزم) كل أحد (توقيره) أي تعظيمه (وبرّه) بطاعته له وانقياده اكتسابا واجتنابا بقوله أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ (ونهى عن جهر القول له) بقوله وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ (ورفع الصّوت عنده) أي حيا وميتا بقوله لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ قال الدلجي أي نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم وهو موهم أن هذا مختص به وليس كذلك فإنه يشمله وغيره فمن أدرك عيسى ﵊ فيجب عليه أن يكون معه كذلك في مقام الإكرام بل ويؤخذ منه التأدب مع العلماء الأعلام والمشايخ الكرام والقضاة الفخام بل مع الوالدين وسائر صلحاء الأنام (فحقّ هذا) القائل الذي لم يقصد بقوله نقصا ولم يذكر عيبا ولا سبا لكن كلامه بذكر بعض أوصافه ينزع إلى ما يصرفه عن أن تفهم من سبا أو نقصا (إن درىء) أي دفع (عنه القتل) أي احتياطا (الأدب) بضرب وجيع وتوبيخ فظيع (والسّجن) أي في مكان شنيع بحسب حاله (وقوّة تعزيره) أي شدة تأديبه وتشهيره (بحسب شنعة مقاله) بضم فسكون نون أي نكارته (وَمُقْتَضَى قُبْحِ مَا نَطَقَ بِهِ وَمَأْلُوفِ عَادَتِهِ) أي دأبه (لمثله) أي لمثل ما نطق به (أو ندوره) بضمتين أي مخلوف عادته (وقرينة كلامه) حالية أو مقالية (أو ندمه) أي أو بحسب ظهور ندامته (على ما سبق منه) وصدر عنه (ولم يزل المتقدّمون) من العلماء والأمراء (ينكرون مثل هذا) المدح الموهم للقدح (ممّن جاء به) من الشعراء (وقد أنكر الرّشيد) وهو هارون من أحفاد العباس (على أبي نواس) بضم النون فهمزة ويبدل كان والده مولى الجراح بن عبد الله الحكمي والي خراسان ولد بالبصرة ونشأ بها ثم خرج إلى الكوفة ثم صار إلى بغداد ديوانه معروف توفي

стр. 1206

سنة خمس وتسعين ومائة ببغداد ودفن في مقابر الشونيزية ومن جيد شعره قوله في نعت النرجس: تأمل في نبات الأرض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين جاريات ... على أطرافها الذهب السبيك على قضب الزمرد شاهدات ... بأن الله ليس له شريك وقال إسحاق التمار رأيت أبا نواس فيما يرى النائم فقلت له ما فعل الله بك قال غفر لي فأنكرت ذلك فقلت ألست أبا نواس قال نعم غفر لي ربي بأبيات قلتها وهي في البيت تحت رأسي فقال فبكرت إلى ابنه فسألته عن الرقعة فأدخلني الدار فرفعت الحصير فإذا رقعة مكتوب فيها بخطه: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يدعو ويرجو المجرم ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل ظني ثم إني مسلم أدعوك رب كما أمرت تضرعا ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم هذا وإنما أنكر الرشيد (قَوْلَهُ: فَإِنُ يَكُ بَاقِي سِحْرِ فِرْعَوْنَ فِيكُمُ ... فإنّ عصا موسى بكفّ خصيب) بخاء معجمة وصاد مهملة أي رحيب الجانب كريم على الأقارب والأجانب قال التلمساني وعند الشارح أن المراد بخصيب عامل لبعض الملوك العباسيين وهو المأمون بن الرشيد وروي خضيب بالخاء والضاد المعجمتين يقال كف خضيب مختضب بالحناء أي إن يكن في مملكتكم أرض مصر بقية من سحر فرعون فلا هي تجدي نفعا مع وجود عصا موسى بكف أميرها خصيب تلقف ما يأفكون ولا شبهة أنه ما أراد به إثبات النبوة لممدوحه إلا أن في كلامه نوع من الاستعارة الموهمة في ظاهر العبارة لسوء الأدب هنالك فوبخه بذلك (وقال له يا بن اللّخناء) بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة فنون فألف ممدودة من اللخن وهو النتن أي يا ابن المنتنة (أنت المستهزىء) أي المستحقر (بعصا موسى) بجعلك إياها بكف خصيب (وأمر بإخراجه عن عسكره من ليلته) وفي نسخة من ليلته (وذكر القتيبيّ) بضم القاف وفتح الفوقية قال الحلبي أنه عبد الله بن مسلم بن قتيبة وفي نسخة بضم العين المهملة وسكون الفوقية (أنّ ممّا أخذ عليه) أي أنكر على أبي نواس (وكفّر فيه) وفي نسخة بتشديد الفاء مجهولا وفي نسخة به أي بسببه (أو قارب) أي قرب أن يكفر أو يكفر (قوله في محمد الأمين) أي ابن هارون الرشيد بن المهدي وتوفي الرشيد سنة ثلاث وتسعين ومائة فبويع للأمين بالخلافة في عسكر الرشيد صبيحة الليلة التي توفي فيها الرشيد وكان المأمون حينئذ بمرو وكتب صالح بن الرشيد إلى أخيه الأمين بوفاة الرشيد مع رجاء الخادم فأرسل معه خاتم الخليفة والبردة والقضيب ولما وصل إلى الأمين ببغداد أجيزت له البيعة ببغداد وتحول إلى

стр. 1207

قصر الخلافة ثم قدمت عليه زبيدة أمه من الرقة ومعها خزائن الرشيد فتلقاها ابنها الأمين بالإقبال ومعه جميع وجوه بغداد وقضاياه مشهورة قتل سنة ثمان وتسعين ومائة وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر وكسرا (وتشبيهه) أي أبي نواس (إيّاه) أي محمد الأمين (بالنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم حيث قال) وفي نسخة في الشعر (تنازع الأحمدان الشّبه فاشتبها) ... أي تشابها (خلقا وخلقا كما قدّ الشّراكان) الشبه بكسر الشين وسكون الموحدة لغة في شبه بفتحتين والخلق بفتح أوله ظاهر الخلقة وبضمه باطنها وأراد بها الصورة والسيرة يقال هذا شبه وشبهه أي شبيهة وقد يضم القاف وتشديد الدال المهملة أي قطع وقدر والشراك بكسر الشين سير النعل وأراد المبالغة في استوائهما في الفضل وهذا كفر صريح ليس له تأويل صحيح إلا أن يدعى أنه أراد بالأحمد غير محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكأنه عدل عن المحمدين إلى الأحمدين ليستقيم الوزن ولعله أراد بالسيرة صفة الأمانة ولكن بين الأمينين بون بين وإنما حمله على مقاله صورة موافقة الاسمين والوصفين (وقد أنكروا) أي العلماء أو الأمراء أو هما جميعا (أيضا عليه قوله) أي على أبي نواس وفي نسخة على الآخر وهو أصل التلمساني وقال هكذا روي وصوابه عليه لأنه قوله وقال الحلبي وفي نسخة على الآخر وفي نسخة عليه وهو الصحيح إذ قد صرح السهيلي في روضه بأنه من قول أبي نواس (كيف لا يدنيك من أمل) أي كيف لا يقربك من رجائك (من رسول الله من نفره) بفتح الميم الأولى وكسر الثانية أي رهطه وعشيرته وقرابته وأما إطلاق النفر على الخادم فحادث وإنما انكروا عليه (لأن حقّ الرسول) أي رسول الله (وموجب تعظيمه) بفتح الجيم أي مقتضى تكريمه وأبعد الدلجي فقال بكسر الجيم أي ما يوجب ترغيبا في تعظيمه (وإنافة منزلته) أي رفعة مرتبته (أن يضاف) أي ينسب غيره (إليه) أي إلى شرف نسبه وكريم حسبه (ولا يضاف) أي هو إلى أحد وفي نسخة إلى غيره وإلا فالإضافة النسبية وغيرها كلها تشبيه وقد يعذر قائله بصيغة القلب كما في قولهم عرضت الناقة على الحوض لا سيما في ضرورة الشعر إلا أنه في حقه ﵊ لا يعذر بمثل هذا الكلام وحكي عن علي بن الأصفر وكان من رواة أبي نواس قال لما عمل أبو نواس قصيدة: أيها المنساب عن عفره ... أنشدنيها فلما بلغ قوله كيف لا يدنيك من أملي ... من رسول الله من نفره وقع لي أنه كلام مستهجن في غير موضعه إذ كان حق رسول الله أن يضاف إليه ولا يضاف هو إلى أحد فقلت له أعرفت عيب هذا البيت قال ما يعيبه إلا جاهل بكلام العرب إنما أردت أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من القبيل الذي هو المدوح أما سمعت قول حسان بن ثابت شاعر دين الإسلام:

стр. 1208

وما زال في الإسلام من دين هاشم ... دعائم عز لا ترام ومفخر بهاليل منهم جعفر وابن أمه ... علي ومنهم أحمد المتخير قال الحلبي نقلا عن السهيلي أن البهاليل جمع بهلول وهو الوضيء الوجه مع طول وقوله ومنهم أحمد المتخير فدعا به بعض الناس لما أضاف أحمد المتخير إليهم وليس بعيب لأنها ليست بإضافة تعريف وإنما هو تشريف لهم حيث كان منهم وإنما ظهر العيب في قول أبي نواس كيف لا يدنيك البيت لأنه ذكر واحدا وأضاف إليه قال التلمساني وإنما أراد التخلص بحجة ما في رواية أقول لما قيل الغريق يتعلق بكل حشيش وأما قول الأنطاكي ويستند أيضا بقول حسان هذا على جواز التقديم والتأخير في الواو فإنه بدأ في اللفظ بجعفر ثم جاء بعده بعلي ثم بالنبي ﵊ وهو المقدم في الحقيقة ففيه أن هذا من قبيل الترقي لا التدلي (فالحكم في أمثال هذا) الذي أوردناه وفي نسخة في مثل هذا قال التلمساني هو أنسب (ما بسطناه) أي ما فصلناه وبيناه (من) وفي نسخة في (طريق الفتيا) بضم الفاء لغة في الفتوى بفتحها وهما مشهورتان ما ذكره النووي يعني أن كلا يقضى عليه بحسب ما ظهر منه وصدر عنه (على هذا المنهج) الذي سلكناه والمعنى على طبقه ووفقه (جَاءَتْ فُتْيَا إِمَامِ مَذْهَبِنَا مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ﵀ وأصحابه) أي اتباعه ممن أدركه وغيره (فَفِي النَّوَادِرِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ) أي الجمحي البصري أبو محمد الحافظ يروي عن الليث وطائفة وعنه ابن معين وأبو حاتم وجماعة ثقة أخرج له الأئمة الستة (عنه) أي عن مالك (فِي رَجُلٍ عَيَّرَ رَجُلًا بِالْفَقْرِ فَقَالَ: تُعَيِّرُونِي) أي بالفقر كما في نسخة أي اتعيرني به (وقد رعى النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم الغنم) قال الدلجي على قراريط لقريش والمحققون أنه ﵊ لم يرع لأحد بالأجرة وإنما رعى غنم نفسه وهذا لم يكن عيبا في قومه كما يعرف من رعى بنات شعيب ورعى موسى ﵉ بل قيل كل نبي رعى الغنم والله تعالى اعلم ليتدرب على رعاية الأمة بوجه الترحم كما أشار إليه بقوله كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عمر وسيأتي زيادة الكلام على هذا المرام وقد حكي أن موسى ﵊ رأى شاة شاردة فتبعهما ليردها فزادت في شرادها وتنفرها حتى بعدت عن قطيعها فلحقها فحملها على كتفه رحمة لها فنودي في الملكوت بين المقربين أيصلح هذا العبد أن يكون من الأنبياء والمرسلين فقالوا نعم يا رب العالمين ويا أرحم الراحمين هذا وأما رواية رعى بقراريط فقالوا إنه اسم موضع (فقال مالك قد عرّض) بتشديد الراء أي لوح (بذكر النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في غير موضعه) اللائق به (أرى أن يؤدّب) قال الأنطاكي روي أنه ﵊ قال يوم حنين لذلك المنافق الذي قال ألا ترون صاحبكم يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ويزعم

стр. 1209

أنه يعدل ويلك أما كان موسى راعيا أما كان داود راعيا والحديث في الكشاف وفيه دليل على جواز إطلاق اسم الراعي على الأنبياء وأن ذلك لا يستوجب التأديب إذا لم يقصد القائل به منقصة ولعل هذا الحديث لم يبلغ مالكا أو لم يصح عنده انتهى ولا يخفى أن الحديث إذا لم يصح عنده كيف يخفى عليه أن موسى ﵇ رعى الغنم (قال) أي مالك (ولا ينبغي لأهل الذّنوب إذا عوتبوا) فيما صدر عنهم من خطأ في قول أو فعل (أن يقولوا) في جواب العتاب (قد أخطأت الأنبياء قبلنا) فإن هذا خطأ من وجوه إذ لا يقاس الحدادون بالملائكة فإن خطأ الأنبياء ما كانت إلا زلات نادرة في بعض أوقات تسمى صغائر بلا خلاف الأولى بل حسنات بالنسبة إلى سيئات غيرهم وهي مع هذا ممحوة بتوبة عقيبها وتحقيق قبولها كما أخبر الله تعالى بها بخلاف ذنوب الأمم فإنها شاملة للكبائر وغيرها عمدا وخطأ واستمرارا وعلى تقدير توبتهم لا يعرف تحقق شروط صحتها وقبولها بل ولا يدري خاتمة أمر صاحبها بخلاف الأنبياء فإنهم معصومون من الإصرار على المعصية ومأمونون من سوء الخاتمة فلا تصح هذه المقايسة، (وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِرَجُلٍ انْظُرْ لَنَا كَاتِبًا يَكُونُ أَبُوهُ عَرَبِيًّا فَقَالَ كَاتِبٌ لَهُ: قَدْ كَانَ أَبُو النَّبِيِّ كَافِرًا. فَقَالَ جَعَلْتَ هَذَا مَثَلًا فَعَزَلَهُ وَقَالَ لَا تَكْتُبْ لي أبدا) وهذا يوافق ما قال إمامنا في الفقه الأكبر أن والدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ماتا على الكفر وقد كتبت في هذه المسألة رسالة مستقلة ودفعت فيها ما ذكره السيوطي من الأدلة على خلاف ذلك في رسائله الثلاث لكي لا يجوز أن يذكر مثل هذا في مقام المعيرة (وَقَدْ كَرِهَ سُحْنُونٌ أَنْ يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ التَّعَجُّبِ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ الثّواب) أي قصده (والاحتساب) أي طلب الأجر (توقيرا له وتعظيما كما أمرنا الله) بقوله صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (وَسُئِلَ الْقَابِسِيُّ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ قَبِيحٍ) أي صورته (كأنّه وجه نكير) هو أحد ملكي سؤال القبر والآخر منكر وإنما سميا بذلك لأنهما يأتيان العبد بهيئة منكرة وصورة مغيرة امتحانا من الله لعبده في المقبرة، (ولرجل) أي أو قال رجل لرجل (عبوس) أي وجهه وجبينه (كأنّه) أي وجهه (وجه مالك الغضبان) على أهل العصيان وهو خازن النار قال تعالى وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ وروي ملك بدون الألف وصوابهما أن يكونا بالتنوين وغضبان نعتهما (فقال) أي القابسي (أيّ شيء) بالرفع ويجوز نصبه أي ما الذي (أراد بهذا) الكلام (ونكير أحد فتّاني القبر) بتشديد الفوقية أي أحد الممتحنين في القبر والجملة معترضة حالية وكذا قوله (وهما) أي نكير ومنكر أو نكير ومالك (ملكان) من جملة الملائكة المقربين ولما طال الفصل بالجملتين أعاد الكلام بقوله (فما الّذي أراد أروع) بفتح الراء أي أخوف وأفزع (دخل عليه) أي على القائل (حين رآه) أي المقول له وفي نسخة إذ رآه (من وجهه) متعلق بدل أي من جهة هيبه وجهه (أم عاف النّظر إليه) أي كره رؤيته لديه ووقوع بصره عليه وفي نسخة عاب بدل عاف (لدمامة خلقه) بالدال المهملة وقيل بالمعجمة أي حقارة صورته (فإن كان) مراد (هذا) أي القصد الثاني (فهو شديد) في التنكير (لأنّه جرى

стр. 1210

مجرى التّحقير والتّهوين) الذي يوجب التكفير وفي نسخة التوهين (فهو) أي هذا القائل بهذا المعنى وفي نسخة فهذا (أشدّ عقوبة) أي يستحق أن يعاقب أشد عقوبة من القائل بالمعنى الأول (وليس تصريح بالسّبّ للملك) وإلافكان موجبه القتل (وإنّما السّبّ واقع على المخاطب) إلا أنه يستحق التأديب لما في تشبيهه من قلة الأدب (وفي الأدب بالسّوط) أي بالضرب به (والسّجن) أي حبسه (نكال) أي عبرة (للسّفهاء) وعقوبة تمنعهم عن مثل هذه الاشياء فإن السجن قبر الأحياء ومن أحسن ما قيل في باب السجن قول بعضهم: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى إذا جاءنا السجان يوما لحاجة ... فرحنا وقلنا جاء هذا من الدنيا ونفرح بالدنيا فجل حديثنا ... إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا ثم من ألفاظ الكفر رجل قال لغيره رؤيتك عندي كرؤية ملك الموت وقد اختلف علماؤنا فيه فقال أكثرهم يكون كفرا وقال بعضهم أن قال ذلك لعداوة ملك الموت يصير كافرا ون قال ذلك لكراهة الموت لا يصير كافرا كذا في فتاوى قاضيخان وهذا الأخير هو الصحيح ودليله قوله تعالى مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (قال) أي القابسي (وَأَمَّا ذَاكِرُ مَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ فَقَدْ جَفَا الّذي ذكره) أي غلظ طبعه وقل أدبه حيث تفوه بقوله وجه مالك الغضبان وضبطه الدلجي بالهجرة وفسره برمي (عند ما أنكر حاله) وفي نسخة عند ما رأي (من عبوس الآخر) وهو المقول له (إلّا أن يكون المعبّس) بتشديد الموحدة المسكورة (ممن له يد) أي تصرف سلطنة وقدرة عقوبة (فيرهب) بصيغة المجهول مخففا ومشددا أي فيخاف وقال الحلبي يرهب رباعي مبنى للفاعل أي يخيف والأظهر أنه ثلاثي بصيغة الفاعل أي فيخاف ويفزع (بعبسته) بفتحتين وفي نسخة بضم فسكون وفي نسخة بعبوسه (فيشبّهه) وفي نسخة فشبهه (القائل على طريق الذم) أو المدح أو الخوف أو المزح (لهذا) الذي له يد (في فعله) أي من إظهار سوء خلقه (ولزومه في ظلمه صفة مالك) أي خازن النار (الملك) المعظم المطاع (المطيع لربّه في فعله) إذ هو ممن قال فيهم عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (فيقول كأنّه لله يغضب غضب مالك) خازن النار فيه حينئذ لا يظهر وجه الذم (فيكون) قوله ذلك حينئذ (أخفّ) مما قبله (وما كان ينبغي) مع ذلك (له التّعرّيض) وفي نسخة التعرض (بمثل هذا) التشبيه وهو قوله كأنه وجه مالك الغضبان (ولو كان) هذا القائل (أَثْنَى عَلَى الْعَبُوسِ بِعُبْسَتِهِ وَاحْتَجَّ بِصِفَةِ مَالِكٍ) خازن النار (كان) قوله ذلك (أشدّ) من ذلك الأخف (ويعاقب) عليه (المعاقبة الشّديدة) وفيه بحث حيث جعل مقام الثناء والمدح أشد من مقال الذم والقدح (وليس في هذا) الذي ذكرناه من تأويل قررناه (ذمّ للملك) أي أصلا (ولو قصد ذمّه لقتل) لأنه كفر به وأخطأ الدلجي في قوله قتل حدا لا كفرا لأن كفرة وقتله مجمع عليه وإنما يكون قتله حدا عند المالكية إذا تاب والله تعالى اعلم بالصواب (وقال أبو الحسن) أي القابسي (أيضا في

стр. 1211

شابّ معروف بالخير) أي الصلاح (قال لرجل شيئا) من الكلام (فقال الرّجل) أي له (اسكت) زجرا له عما قال (فإنّك أمّيّ) أي مغفل لا تفرق بين الخير والشر أو عامي ما قرأت شيئا من العلم وعند الفقهاء هو من لا يحسن الفاتحة ومن معانيه منسوب إلى الأم أي على أصل ولادته من غير اكتساب في قراءته وكتابته أو منسوب إلى أم القرى وهي مكة وما حولها أو منسوب إلى الأمة بمعنى الجماعة (فَقَالَ الشَّابُّ أَلَيْسَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم أمّيّا فشنّع عليه) بصيغة المجهول مشددا أي قبح وذم (مقاله وكفّره النّاس) أي عامتهم فتغير له الحال (وأشفق الشّابّ) أي خاف على نفسه ودينه (ممّا قال وأظهر النّدم) أي الندامة والتوبة (عليه) من ذلك لسوء المقال (فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ أَمَّا إِطْلَاقُ الْكُفْرِ عَلَيْهِ فخطأ لكنّه مخطىء في استشهاده) أي استدلاله بكونه أميا (بصفة النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) حيث لم يفرق بين الأميين كما بينه المصنف بقوله (وكون النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أمّيّا آية له) أي معجزة وكرامة كما قال تعالى وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (وكون هذا) الشاب وغيره (أمّيّا نقيصة فيه وجهالة) أي في حقه وقال الدلجي وجهالة برفيع محله ﵊ (وَمِنْ جَهَالَتِهِ احْتِجَاجُهُ بِصِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) دفع جهالته عن نفسه (لكنّه إذا استغفر وتاب واعترف) بأنه مخطئ في هذا الباب (ولجأ إلى الله تعالى) على طريق الاضطراب (فيترك) عن العقاب وفي نسخة ترك (لأنّ قوله) أليس كان النبي أميا (لا ينتهي إلى حدّ القتل) أي إلى حد يوجب القتل وإنما يوجب التعزير والتأديب (وما طريقه) أي موجبه (الأدب فطوع فاعله) أي فانقاد فاعله الأعم من قائله (بالذّم عليه يوجب الكفّ عنه) أي بعدم التعرض له بسوء وفي الخلاصة روي عن أبي يوسف أنه قيل بحضرة الخليفة إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يحب القرع فقال رجل أنا لا أحبه فأمر أبو يوسف بإحضار النطع والسيف فقال الرجل استغفر الله مما ذكرته ومن جميع ما يوجب الكفر أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتركه ولم يقتله وتأويل هذا أنه قال بطريق الاستخفاف وإلا فالكراهة الطبيعية ليست داخلة تحت الأعمال الاختيارية ولا يكلف بها أحد في القواعد الشرعية (ونزلت أيضا مسألة) أي وردت (استفتى فيها) أي طلب الجواب عنها (بعض قضاة الأندلس) وفي نسخة بعد أي بعد هذه القضية فيرفع قضاة الأندلس لأنه فاعل والمفعول على كل تقدير (شَيْخَنَا الْقَاضِيَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ مَنْصُورٍ ﵀ في رجل تنقّصه آخر بشيء) من الكلام وفي أصل الدلجي بشيء من القول (فقال له إنّما تريد نقضي بقولك) لي ذلك (وأنا بشر وجميع البشر يلحقهم النّقص) أي البشري (حتّى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم) بالرفع ويجوز نصبه وجره (فأفتاه بإطالة سجنه) أي حبسه مدة طويلة (وإيجاع أدبه) حال ضربه (إذ لم يقصد السّبّ) وإلا فيحكم بقتله لكفره (وكان بعض فقهاء الأندلس أفتى بقتله) أخذا له بظاهر قوله زجرا له ولغيره ولعل هذا كله مبني على السياسة وسد باب الذريعة وإلا فالمخلوق من حيث هو مخلوق خرج من العدم إلى الوجود

стр. 1212

وفي صدد الزوال عن عالم الشهود ناقص الحال بالإضافة إلى كمال الملك المتعلل لا سيما ولا يخلو أحد عن تقصير في مقام العبودية عما يجب عليه من قضاء حقوق الربوبية كما أوما إليه صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وكما أشار إليه بقوله كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ قال البيضاوي لم يقض الإنسان من لدن آدم ﵊ إلى هذا الغاية ما أمر الله تعالى بأسره إذ لا يخلو أحد من تقصير ما ولو كان عظيما في قدره. فصل [أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ ذَلِكَ حَاكِيًا عَنْ غَيْرِهِ وآثرا عن سواه] (الوجه السّادس أن يقول القائل ذلك) القول الذي فيه نقص من قدره (حاكيا عن غيره وآثرا له) بهمزة ممدودة وكسر مثلثة راويا وناقلا (عن سواه) وفي نسخة وأثرا بفتحتين أي رواية والأظهر أنه مصدر بمعنى فاعل ليلائم المعطوف عليه (فهذا) الناقل (ينظر) من جهة قرائن روايته (في صورة حكايته وقرينة مقالته) ودلالة حالته المؤذنة بغرضه الباعث له على روايته (ويختلف الحكم) المقضى عليه به فيه (باختلاف ذلك) مما يظهر من صورة حكايته وقرينة حالته هنالك (على أربعة وجوه) من الأحكام (الوجوب) بالجر ويجوز أختاه، (والنّدب، والكراهة، والتّحريم) بدل بعض من كل أو كل من كل بأن يكون الربط بعد العطف وهذا ذكره إجمالا وأما بيانه تفصيلا (فإن كان) أي ناقله (أخبر به على وجه الشّهادة) لأحد أو عليه نفيا أو اثباتا (والتّعريف بقائله) حالا وصفة (والإنكار) أي عليه كما في نسخة (والإعلام بقوله) ليعلم ما يترتب عليه من قتل وتعزير وتوبيخ ونحو ذلك (والتّنفير منه) أي بالاحتراس والاحتراز عنه (والتّجريح له) بتقديم الجيم على الحاء المهملة يقال جرحه بالتخفيف والتشديد أي ذكر عيبه ونقصه وهو في الشهادة والخبر ويروى بتقديم الحاء ومعناه التأثيم والتضييق يقال حرجه نسبه للحرج وهو الاثم والضيق (فهذا) القول على هذا المنوال (ممّا ينبغي امتثاله) ويقبل مقاله (ويحمد فاعله) أي ناقله (وكذلك) الحكم (إن حكاه في كتاب) أي تصنيف (أو في مجلس) لوعظ أو تدريس (على طريق الرّدّ) أي دفعه وفي نسخة على جهة الرد (له والنّقض) أي إبطاله (على قائله والفتيا بما يلزمه) أي الافتاء بما يوجبه من قتل ونحوه (وهذا) الرد (منه) أي بعضه (ما يجب) بيان حكمه (وَمِنْهُ مَا يُسْتَحَبُّ بِحَسَبِ حَالَاتِ الْحَاكِي لِذَلِكَ) الذي حكاه ردا (والمحكي عنه) أي وكذا بحسب حالاته في مقالاته (فإن كان القائل لذلك) الذي حكاه (ممّن تصدّى) أي تعرض وتصدر (لأن يؤخذ عنه العلم) الشريف (أو رواية الحديث) المنيف (أو يقطع بحكمه) أي لأن يجزم ويلزم بحكمه لكونه أميرا أو قاضيا (أو شهادته) لعدالته (أو فتياه في الحقوق) لعلمه وحلمه (وجب على سامعه) أي سامع قوله حكما أو فتيا (الإشادة) أي الإفشاء والإشاعة (بما سمع منه والتّنفير للنّاس عنه) تحذيرا منه (والشّهادة عليه بما قاله) ليجتنب عنه (ووجب على من بلغه ذلك) الذي صدر عنه

стр. 1213

ولو لم يحضر هنالك (من أئمّة المسلمين إنكاره وبيان كفره) إن صدر ما يوجبه (وفساد قوله) على تقدير خطائه في تقريره (لِقَطْعِ ضَرَرِهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَقِيَامًا بِحَقِّ سَيِّدِ المرسلين) ومراعاة لحماية الدين على مقتضى قواعد المجتهدين (وكذلك إن كان) هذا القائل (ممّن يعظ العامّة) ويزجرهم عن الأمور المحرمة ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في الأخرى ويبين لهم مراتب درجات العقبى ويفتح لهم أبواب العوارف ويذكر لهم أصحاب المعارف لا سيما إذا كان يتكلم في علم التوحيد ومقام التفريد ويدعي الشهود ويتفوه بمسألة الوجود فإنه مقام خطر من الوقوع في الحلول والاتحاد والاتصال والالحاد في مجمع من العباد المجتمعين من أطراف البلاد وقد وضعت رسالة مستقلة في الفرق بين الوجودية من الموحدين والوجودية من الملحدين خذلهم الله (أو يؤدّب الصّبيان) بتعليم القرآن أو العلوم الأدبية من النحو والصرف واللغة والقواعد العربية كما ذكره الزمخشري في ربيع الأبرار في باب اللطافة والأسرار أن ولدا قرأ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي قال الفقيه إلى يوم الدين وقال بعض الفضلاء سمعت معربا يعرب لتلميذه قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً صفة لعوج فقلت له يا هذا كيف يكون العوج قيما (فإنّ من هذه) الاخلاق (سَرِيرَتُهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَى إِلْقَاءِ ذَلِكَ فِي قلوبهم) وتأثيره في صدورهم (فيتأكّد في هؤلاء) أي في حقهم (الإيجاب) بالإنكار (لحقّ النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) إن كان أمرا متعلقا به (ولحقّ شريعته) أن تعلق بطعن في قربته (ولحق الله) أن تعلق بمسألة ذاته وصفاته ومصنوعاته هذا وفي مجمع الفتاوى لو تكلم بكلمة الكفر مذكر وقبل قوم ذلك منه كفروا حيث لم يعذروا بالجهل وزاد في المحيط وقيل إذا سكت القوم عن المذكر وجلسوا عنده بعد تلكمه بكلمة الكفر كفروا يعنى إذا علموا أنه كفر به أو اعتقدوا كلامه (وإن لم يكن القائل بهذه السّبيل) الذي يؤخذ عنه العلم (فالقيام بحقّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم واجب وحماية عرضه) أي وصيانته عن طعن ونقص فيه (متعيّن) لا يجوز التهاون به والعرض بكسر أوله النسب والحسب (ونصرته على الأذى) أي مما يتأذى به وروي على الأذى (حيّا وميّتا) كما يدل عليه قوله تَعَالَى وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً (مستحقّ) بفتح الحاء أي فرض عين (على كلّ مؤمن) ليصح إيمانه (لكنّه) أي القيام بحقه فرض كفاية وفي نسخة لكن (إذا قام بهذا من ظهر) أي علي (به الحقّ وفصلت به) بضم الفاء وكسر الصاد المهملة أي انفصلت به (القضيّة) بالحكومة والشرعية (وبان به الأمر) أي ظهر الحق وتبين الصدق (سقط عن الباقي الفرض) المتعلق بذمة كل أحد فلو سكتوا كلهم أثموا جميعهم (وبقي الاستحباب) بالنسبة إلى غير من قام بالحق من الدعوى والشهادة والحكم والقتل ونحوه (في تكثير الشّهادة عليه) للتقوية والتشهير للقضية (وعضد التّحذير منه) بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة أي نصرته ومساعدته في الاحتراز عنه (وَقَدْ أَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى بَيَانِ حَالِ الْمُتَّهَمِ في الحديث) أي في روايته بذكر جرحه وطعنه وعدالته وديانته حتى روي أن يحيى بن معين مع

стр. 1214

جلالته رؤي طائفا بالبيت المكرم يقول فلان كذاب فلان وضاع في روايته (فكيف بمثل هذا) المقام الذي يجب فيه القيام وقد قال الجويني في قوله ﵊ من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار أن الكذب عليه عمدا كفر وهو حديث مشهور بل قيل إنه متواتر (وَقَدْ سُئِلَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ عن الشّاهد) الواحد (يسمع مثل هذا) الكلام المرتب عليه الملام (في حقّ الله تعالى) أو حق نبيه ﵊ (أيسعه أن لا يؤدّي شهادته) عند حاكم ليؤدبه بحسب ما تقتضي حالته ومقالته (قال) أي ابن أبي زيد (إن رجا) أي السامع بمعنى أنه ترجح عنده أن (نفاذ الحكم) بفتح النون والفاء وبالذال المعجمة أي تنفيذه وروي انفاذ الحكم أي اجراؤه وامضاؤه (بشهادته فليشهد) أي وجوابا (وَكَذَلِكَ إِنْ عَلِمَ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَرَى القتل ما شهد به) هذا السامع (ويرى الاستتابة) أي طلب توبته (والأدب) أي مع ذلك كما في مذهب مالك (فليشهد) هنالك (ويلزمه) على سبيل الوجوب (ذلك وأمّا الإباحة لحكاية قوله) المشتمل على كفره (لغير هذين المقصدين) المتقدمين (فلا أرى لها) أي للحكاية (مدخلا في هذا الباب) على سبيل الإباحة (فليس التّفكّه) أي التفوه من غير غرض شرعي (بعرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والتّمضمض) بالضادين المعجمتين أي التحرك والكثر (بسوء ذكره لأحد) وأما قول التلمساني ومن معاني التمضمض الاكثار وهو بعيد لأن الإكثار والإقلال في هذا سواه فمدفوع لأن الإقلال لما يترتب عليه الحكم من القتل والتعزير والجرح والتحذير متعين كما تقدم وإنما الاكثار لا يترتب عليه فائدة هو الممنوع (لا ذاكرا) أي لفظه مطلقا (ولا آثرا) أي حاكيا ونافلا اتفاقا (لغير غرض شرعيّ بمباح) خبر ليس بل أنه حرام أو مكروه (وأمّا للأغراض المتقدّمة) كالشهادة والرد والنقض (فمتردّد) بفتح الدال الأولى مشددة أي فموضع تردد (بين الإيجاب والاستحباب) والأول أولى والله تعالى اعلم بالصواب (وَقَدْ حَكَى اللَّهُ تَعَالَى مَقَالَاتِ الْمُفْتَرِينَ عَلَيْهِ) أي الكذابين على الله (وعلى رسوله في كتابه) بالإكثار (على وجه الإنكار لقولهم) أي لمقول الكفار (والتّحذير) أي ولتحذير غيرهم (من كفرهم والوعيد عليه) أي على أمرهم (وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِمَا تَلَاهُ اللَّهُ عَلَيْنَا) فِي لسان رسوله المعظم (في محكم كتابه) المكرم (وكذلك وقع من أمثاله) أي أمثال ما تلي علينا بالعبارة الصريحة (في أحاديث النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم الصّحيحة على الوجوه المتقدّمة) من الإنكار والتحذير والوعيد وغيرها (وأجمع السّلف) المتقدمون (والخلف) المتأخرون (من أئمّة الهدى) وهم العلماء العاملون (على حكايات مقالات الكفرة والملحدين) أي على ذكرها (في كتبهم ومجالسهم) حال التدريس والوعظ (ليبيّنوها للنّاس) مما خفي لديهم (وينقضوا شبهها عليهم) جمع شبهة بمعنى شك وريبة (وَإِنْ كَانَ وَرَدَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إِنْكَارٌ لبعض هذا) الذي ذكر (على الحارث بن أسد) المحاسبي بما حكاه في كتاب الرعاية (فَقَدْ صَنَعَ أَحْمَدُ مِثْلَهُ فِي رَدِّهِ عَلَى الجهميّة) طائفة من أصحاب جهم بن صفوان من المبتدعة بل من الكفرة المخترعة وأصله من سمرقند ومن مذهبه القول بأن الجنة والنار يفنيان وأن الإيمان هو المعرفة فقط

стр. 1215

دون الإقرار وسائر الطاعات وأنه لا فعل لأحد غير الله وأن العباد فيما ينسب إليهم من الأفعال كالشجرة تحركها الرياح باختلاف الأحوال فالإنسان عنده لا يقدر على كسب شيء من أعماله وإنما هو مجبر في أفعاله لا قدرة له ولا ارادة ولا اختيار في الحسنات والسيئات وإنما يخلق الله تعالى فيه الأفعال على حسب ما يخلق في الجمادات أدرك صغار التابعين قال الذهبي ما علمته روي شيئا لكنه زرع شرا عظيما انتهى وأخذ ذلك عن السمنية وهم دهرية ولما شككوه في أمره ترك الصلاة أربعين يوما وقال لا اعبد من لا أعرف (والقائلين) أي وعلى القائلين (بالمخلوق) أي بالقرآن المخلوق وهو قول المعتزلة أو بالعمل المخلوق للإنسان أي هو يخلقه وهو قول المعتزلة والقدرية أو بالمخلوق القديم على أن المخلوق بمعنى الخلق ومعناه أنه قديم وهو قول الفلاسفة والدهرية والأقوال الثلاثة كلها باطلة أما قدم العالم فهو بين اعدام الموجد وبين الشركة وكلاهما كفر بالإجماع وأما خلق الأفعال فهو كقول المجوس في أن خالق الضوء غير خالق الظلمة لكنه يغاير قولهم بأنهم من الثنوية وهؤلاء من أرباب التوحيد في الألوهية وأما خلق القرآن فإنهم لما أنكروا الكلام النفسي قالوا ذلك ففي التحقيق لا خلاف هنالك وإنما ابتدعوا من حيث إنكار الكلام النفسي وإلا فالقرآن من حيث إنه مكتوب بأيدينا ومقروء بألسنتنا ومحفوظ بصدورنا فلا شك أنه مخلوق بحسب اللفظ والمبنى إلا أنه يجب أيضا صيانته عن أن يقال إنه مخلوق بهذا المعنى وأما ما ذكره العلامة التفتازاني في شرح العقائد من حديث القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قاله إنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم قال الصغاني هو موضوع وقال السخاوي وهذا الحديث من جميع طرقه باطل هذا ولا يبعد أن يجمع بين صنيع أحمد وإنكاره على المحاسبي بأن المحاسبي ذكر أدلة المبتدعة ثم ردهم بأدلة أهل السنة بخلاف أحمد حيث لم يلتفت إلى شبهاتهم بل رد عليهم بالأدلة العقلية والنقلية بطلان عقيداتهم (وهذه الوجوه) المتقدمة (السّائغة) بالسين المهملة والغين المعجمة أي الجائزة وهي مرفوعة (الحكاية) بالجر والرفع أي الرواية (عنها) من مقالات الكفرة والفجرة ومن نحا نحوها (فأمّا ذكرها على غير هذا) النمط (من حكاية سبّه والإزراء) وروي الإزدراء (بمنصبه على وجه الحكايات) في المحاورات أو الاسفار (والأسمار) جمع سمر بفتحتين ويسكن وهو حديث الليل وأصله في ظل القمر ويجوز كسر همزة على أنه مصدر اسمر إذا تحدث بالليل مطلقا فهو تخصيص بعد تعميم (والطّرف) بضم المهملة وفتح الراء وفي آخره الفاء جمع طرفة وهو ما يستظرف ويستجاد من المقال والمال (وأحاديث النّاس) أي كلماتهم المتحدث بها للاستئناس (ومقالاتهم) بحسب اختلاف حالاتهم (في الغثّ) بفتح المعجمة وتشديد المثلثة أي الهزيل (والسّمين) وهما كنايتان عن الضعيف والقوي أو الباطل والصحيح ومنه قول ابن عباس لابنه على الحق بابن عمك يعني عبد الملك بن مروان فغثه خير من سمين غيره (ومضاحك المجّان) بضم الميم وتشديد الجيم جمع ماجن وهو من لا يبالي بكلامه في اللهو والسخرية

стр. 1216

(ونوادر السّخفاء) جمع سخيف وهو رقيق العقل وروي السفهاء جمع سفيه وهو الجاهل أو خفيف العقل (والخوض) أي الشروع بالمبالغة من غير الملاحظة (في قيل وقال) بفتح لامهما على أنهما فعلان محكيان وبجرهما منونين على أنهما اسمان معربان لأنهما مصدران وفي النهاية في حديث نهى عن قبل وقال أي نهى عن فضول ما يتحدث به المتجالسون من قولهم قيل كذا وقال كذا وبناؤهما على كونهما فعلين ماضيين متضمنين للضمير والإعراب على اجرائهما مجرى الاسماء خاليين من الضمير قال فيكون النهي عن القول بما لا يصح ولا يعلم حقيقته فأما من حكى ما يصح روايته ويعرف حقيقته وأسنده إلى ثقة صادق فلا وجه للنهي عنه ولاذم منه وقيل أراد به حكاية أقوال الناس والبحث على ما لا يجدي عليه ضرا ولا نفعا ولا يعنيه أمره انتهى ولذا عطف عليه المصنف عطف تفسير بقوله (وما لا يعني) أي ما لا ينفعهم في دينهم ودنياهم فقد ورد من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه وفي أصل الدلجي بالغين المعجمة فيكون بضم أوله أي ما لا يغني الخائض فيه شيئا ولا يجديه نفعا (فَكُلُّ هَذَا مَمْنُوعٌ وَبَعْضُهُ أَشَدُّ فِي الْمَنْعِ والعقوبة) للدفع (مِنْ بَعْضٍ فَمَا كَانَ مِنْ قَائِلِهِ الْحَاكِي له على غير قصد) به شيئا (أو معرفة) أي أو على غير معرفة (بمقدار ما حكاه) من الشدة والأشدية وفي نسخة بقدره (أو لم تكن) تلك المقالة أو الحكاية (عادته) فبعد عثرته وزلته (أو لم يكن الكلام) والمحكي (من البشاعة) بتقديم الموحدة أي الفضاحة وفي اصل التلمساني بسبق الشين بعدها النون وفسر بالقباحة (حيث هو) أي إلى الغاية في أنه بشيع أو شنيع أي كريه وفظيع (ولم يظهر على حاكيه) وفي نسخة على حكايته (استحسانه) أي جعله حسنا عند (واستصوابه) أي عده صوابا لديه والمعنى أنه لم يظهر منه اعتقاد كونه حسنا ولا صوابا بل ظنه مباحا (زجر عن ذلك) بصيغة المجهول وكذا قوله (ونهي عن العودة) وفي نسخة عن العود أي الرجوع (إليه) أي إلى مقاله هنالك (وإن قوّم) بضم القاف وكسر الواو المشددة أي إن قوبل ناقله على سبيل الحكاية من غير منفعة مترتبة على الرواية روي وأن قيم (ببعض الأدب فهو مستوجب له) أي مستحق (وإن كان لفظه) أي لفظ الحاكي والمحكي (من البشاعة) أو الشناعة (حيث هو) أي بلغ غايته (كان الأدب أشدّ) ممن لم يكن محكيه حيث هو، (وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ مَالِكًا عَمَّنْ يَقُولُ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَقَالَ) مَالِكٌ (كَافِرٌ فَاقْتُلُوهُ) أي السائل أو القائل على طريق الحكاية (فقال) أي السائل (إنّما حكيته عن غيري) أي لا أنا الذي أقوله (فقال مالك إنّما سمعناه منك) قال الدلجي وأمر مالك بقتل السائل بمجرد اتهامه أنه القائل بمخلوقيته بدون إثبات اعتقاد مخلوقيته عجب مع أنه ممن يقول لا نكفر أحدا من أهل القبلة قال المصنف (وهذا من مالك ﵀ على طريق الزّجر) أي الردع للكف عن السؤال عنه قال الدلجي وهذا أيضا عجيب بل أعجب لأن القتل زجرا عن السؤال لم يقل به أحد (والتّغليظ) للزجر (بدليل أنّه) أي مالكا (لم ينفّذ قتله) أي لم يبالغ في الأمر بقتله وهو بتشديد الفاء المسكورة وبالذال المعجمة أي لم يمض الأمر في قتله أو لم يمض فيه حكم

стр. 1217

القتل ذكره التلمساني قال الدلجي وهذا العذر عنه بعيد يرده تكفير مالك له وأمره إنما كان بعد تكفيره إياه أقول ليس في كلام مالك تكفيره وإنما أراد بهذا القول تعزيره أي اضربوه ضربا شديدا ولو قتل تحت ضربه تأكيدا لزجره عن مثل هذا السؤال لظهور أمره ولعله فهم من السائل أنه متردد في حكمه ولذا لما سئل مالك عن الاستواء قال الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ولا شك أن المبتدع يزجر فتدبر والقائل به لعله كان غائبا أو ميتا فلذا لم يتعرض الإمام لتعزيره في ذلك المقام وأما القول بأنا لا نكفر أحدا من أهل القبلة فليس على اطلاقه بل فيه تفصيل مقرر كما بينه في شرح الفقه الأكبر (فإن) وفي نسخة وَإِنِ (اتُّهِمَ هَذَا الْحَاكِي فِيمَا حَكَاهُ أَنَّهُ) أي بأنه (اختلقه) أي اخترعه من عنده وافتراه من نفسه (ونسبه إلى غيره أو كانت تلك) المسألة (عادة له) يسألها دائما ويظهرها دائبا (أو ظهر استحسانه) وفي نسخة أظهر استحسانه (لذلك) السؤال أو المقال (أو كان مولعا) بفتح اللام أي مكثرا (بمثله والاستخفاف له) أي الاستهجان بذكره وعدم المبالاة بنقله وأغرب الدلجي حيث فسر الاستخفاف بسرعة التوجه (أو التّحفّظ لمثله) أي طلب حفظ أمثاله مما يتحير العامة في إشكاله (وطلبه) أي وطلب مثله ليضمه إلى نقله (ورواية أشعار هجوه ﵊ وسبّه) في نثر الكلام (فحكم هذا حكم السّابّ نفسه) أي بعينه (يُؤَاخَذُ بِقَوْلِهِ وَلَا تَنْفَعُهُ نِسْبَتُهُ إِلَى غَيْرِهِ) وإن حكاه عن غيره فإن الإمارات المتقدمة قرائن حالية أو مقالية على كفره فإن الإناء يترشح بما فيه وقد قال تعالى وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وقال إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أي المتفرسين وقد ورد اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله رواه البخاري في تاريخه والترمذي في جامعه عن أبي سعيد الخدري (فيبادر بقتله ويعجّل) بتشديد الجيم أي ويسارع به (إلى الهاوية أمّه) بالجر بدلا أي مأواه ومصيره كما أن الأم مأوى الولد ومفزعه إيماء إلى قوله تعالى فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ (وَقَدْ قَالَ أَبُو عَبِيدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ) بتشديد اللام (فيمن حفظ شطر بيت) أي نصفه أو بعضه فاندفع به قول التلمساني كان أحسن منه لو قال كلمة أو شطر كلمة (ممّا هجي به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو كفر) أي إذا قصد حفظه أو أراد نشره (وقد ذكر بعض من ألّف) بلام مشددة من التأليف بمعنى التصنيف قال التلمساني وفي بعض النسخ بلامين ولا أدري ما وجهه وكذلك في أصل المؤلف قلت ووجهه أنه اتصل الألف باللام فانتقل من التأليف إلى التصحيف والتحريف قال الأنطاكي ولعل بعض من ألف هذا هو ابن حزم والله تعالى اعلم هذا وقيل الإنسان في فسحة من عقله وفي سلامة من أفواه الناس في فعله ما لم يضع كتابا أو لم يقل شعرا من قوله وقيل من وضع كتابا فقد استشرف للمدح والذم لأبناء آدم فإن أحسن فقد استهدف للحسد والغيبة وإن اساء فقد تعرض للشتم والمذمة وهو معنى قولهم من صنف قد استهدف وقيل من صنف فقد جعل عقله على طبق يعرض على الناس نقله ومنه قول الشاعر:

стр. 1218

لا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تبالغ بعد في تهذيبها فإذا عرضت الشعر غير مهذب ... عدوه مثل وساوس تهذى بها هذا وأبى الله إلا أن يصح كتابه كما أشاره إليه بقوله وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً وأما هذا الكتاب فلكونه من عند الله ما وجدوا فيه اختلافا يسيرا وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن كل أحد يقبل قوله ويرد إلا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه معصوم على الوجه الأتم (إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَحْرِيمِ رِوَايَةِ مَا هُجِيَ به النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) من نظمة ونثره (وكتابه) أي وكتابته كما في نسخة (وقراءته) أي ولو من غير روايته (وتركه متى وجد دون محو) ونحوه ولو من كتاب غيره وحصول ضرره فإنه ينفعه من جهة دينه (ورحم الله أسلافنا المتّقين المتحرّزين) أي المحترسين (لدينهم) المحتاطين في أمر يقينهم وتصحف المتحرزين بالمتجردين في أصل الدلجي (فقد أسقطوا) ولذلك تركوا (من أحاديث المغازي والسّير) كثيرا من الخبر والأثر (ما كان هذا سبيله) من هجوه في شعر أو غيره (وتركوا روايته) ولو جوز حكايته (إلّا أشياء ذكروها يسيرة) أي قليلة (وغير مستبشعة) بفتح الشين أي غير مكروهة وفي نسخة وغير مستشنعة أي غير مستقبحة (على نحو الوجوه الأول) بضم الهمزة وتخفيف الواو جمع الأولى أي الوجوه السابقة من الوجوب والندب والتحريم والكراهة (ليروا) أي الناس ويعتبروا ويجوز أن يكون بضم الياء والراء أي ليظهروا (نقمة الله) أي عقوبته (من قائلها وأخذه المفتري عليه) أي بطشته (بذنبه) ولو من ناقلها وفي أصل الدلجي وأخذه بالضمير أي ليروا أخذه (وهذا أبو عبيد القاسم بن سلّام) بتشديد اللام (قد تحرّى) أي اجتهد واحتاط (فيما اضطرّ) أي الجىء واحتيج (إلى الاستشهاد به) من الدلائل في اثبات بعض المسائل توضيحا لوسائل في معرفة كل طالب وسائل (من أهاجي أشعار العرب) على شعار أرباب الأدب (في كتبه) متعلق بتحري (فكنّى عن اسم المهجوّ بوزن اسمه) ولم يصرح به تفاديا عن ذكر ذمه (استبراء لدينه) أي استباء لأمر يقينه (وتحفّظا من المشاركة في ذمّ أحد) من المسلمين (بروايته أو نشره) بحكايته (فكيف بما يتطرّق) أي يتوصل به الحاكي له (إلى عرض سيّد البشر) أي بني آدم بل سيد العالم (صلى الله تعالى عليه وسلم) قال التلمساني اعلم أن هذا التحري إنما يظهر في الهاجي المسلم لمثله وأما إن كانا كافرين أو المهجور كافرا فذكر مساويه أعظم نكاية فيستحب رواية وحكاية ولو كان الهاجي كافرا أو مسلما والمهجو مسلما فالأولى أن لا يذكره أو يغيره كما فعل ابن هشام في سيرته مما يدل على حسن سريرته ومن هذا قول أبي الأسود الدؤلي: جزى ربه عني عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل أبدله بعض الأئمة بقوله جزاء الرجال الصالحين وقد فعل وذلك لأن عدي بن حاتم الطائي من أكابر الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

стр. 1219

فصل [أن يذكر ما يجوز على النبي أو يختلف في جوازه عليه] (الوجع السّابع أن يذكر ما يجوز) أي إطلاقه (على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أو يختلف) بصيغة المجهول (في جوازه عليه وما يطرأ) أي يحدث ويعرض عليه (من الأمور البشريّة) والأحوال الطبيعة (به) أي فيه (ويمكن إضافتها إليه أو يذكر) أي أحد (ما امتحن به) أي ابتلى ﵊ (وصبر في ذات الله على شدّته) أي قوة بلائه (مِنْ مُقَاسَاةِ أَعْدَائِهِ وَأَذَاهُمْ لَهُ وَمَعْرِفَةِ ابْتِدَاءِ حاله وسيرته) أي في أفعاله وأقواله (وما لقيه من بؤس زمنه) بضم موحدة فهمز ساكن ويبدل أي شدة في وقته (ومرّ عليه من معاناة عيشته) أي مقاساة في أمر معيشته (كلّ ذلك على طريق الرّواية) وسبيل الحكاية (ومذاكرة العلم) لتحصيل الدراية (ومعرفة ما صحّت منه العصمة للأنبياء) أي عموما (وما يجوز عليهم) من بين سائر البشر خصوصا (فهذا) أي فما ذكر هنا (فنّ) أي نوع (خارج عن هذه الفنون السّتّة) المذكورة في الفصول السابقة (إذ ليس فيه) أي في هذا الفن (غمض) بفتح معجمة وسكون ميم فمهملة أي عيب (ولا نقض ولا إزراء) أي استحقار (ولا استخفاف) أي استهزاء (لا في ظاهر اللّفظ) من جهة مبناه (ولا في مقصد اللفظ) من جهة معناه (لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِيهِ مَعَ أهل العلم) اليقين (وفهماء طلبة الدّين) بضم الفاء وفتح الهاء جمع فهيم أو فهم وهو الفطن الذكي (ممّن يفهم مقاصده ويحقّقون فوائده) أفرد وجمع باعتبار لفظ من ومعناه (ويجنّب) بتشديد النون المفتوحة أي يصان عن (ذلك) الكلام (من عساه لا يفقه) وروي لا يتفقه وروي لا يفهمه (أو يخشى به) وروي فيه أي يخاف عليه (فتنته) أي وقوعه في محنته (فقد كره بعض السّلف تعليم النّساء سورة يُوسُفَ لِمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْقَصَصِ) كيد النساء بسبب الابتلاء (لضعف معرفتهنّ ونقص عقولهنّ وإدراكهنّ) في اصل فطرتهن (فقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم مخبرا عن نفسه) ما وقع له في سابق الأيام (باستيجاره) قال الدلجي لقريش وأقول لعله لبعض أهله أن صح الاستيجار في فعله كما وقع ﵊ (لرعاية الغنم في ابتداء حاله وقال) كما رواه الشيخان عن جابر والبخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ وَأَخْبَرْنَا اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ عَنْ مُوسَى ﵊ وقد ورد عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أن موسى قضى أقصى الأجلين وهو العشر هذا وقال الحلبي اعلم أن في الحديث الصحيح كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة وفي سنن ابن ماجه هذا الحديث وفي آخره قال سويد بن سعيد وهو راوي الحديث كل شاة بقيراط انتهى والقيراط جزء من أجزاء الدينار وهو نصف عشره في أكثر البلاد وأهل الشام يجعلونه جزءا من أربعة وعشرين جزءا والياء فيه بدل من الراء فإن أصله قراط هذا لفظ النهاية وفي الصحاح القيراط نصف دانق وهو سدس درهم وقد رأيت في حاشية على سنن ابن ماجه أصلنا وهو أصل صحيح معتمد قال محمد بن ناصر أخطأ سويد في تفسيره القيراط بالذهب

стр. 1220

والفضة إذ لم يرع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأحد بأجرة قط وإنما كان يرعى غنم أهله والصحيح ما فسره به إبراهيم بن إسحاق الحربي الإمام في الحديث واللغة وغيرهما أن قراريط اسم مكان في نواحي مكة وكان ذلك منه وسنه نحو العشرين فيما استقرئ من كلام ابن إسحاق والواقدي وغيرهما انتهى وهذا يرد ما قاله القاضي وكذا ما بوب عليه البخاري في صحيحه في كتاب الإجارة باب رعي الغنم على قراريط انتهى وفي القاموس القيراط يختلف وزنه بحسب البلاد فبمكة ربع سدس دينار وبالعراق نصف عشره (فهذا) أي رعى الغنم ولو بأجرة (لا غضاضة فيه) أي لا منقصة (جملة واحدة) أي من حيث هو لأنه من جملة كسب المال على وجه الحلال (بخلاف من قصد به الغضاضة) أي النقص (والتّحقير بل كانت) أي الرعاية بالأجرة وغيرها (عادة جميع العرب) أي طوائفهم وقبائلهم ومثل هذا يختلف باختلاف العرف في الزمان والمكان بل كان عادة غير العرب أيضا كما يستفاد من قصة موسى وشعيب ﵉ فإنهما من بني إسرائيل وهم الاعجام فإن قيل فهل لرعي الأنبياء للغنم من فائدة فيقال، (نعم في ذلك) أي رعي الغنم (للأنبياء حكمة بالغة) لا يدركها إلا الأصفياء (وتدريج) وفي نسخة وتدريج الله تعالى (لهم إلى كرامته وتدريب) أي تعويد (بِرِعَايَتِهَا لِسِيَاسَةِ أُمَمِهِمْ مِنْ خَلِيقَتِهِ بِمَا سَبَقَ لهم من الكرامة) بالنبوة والرسالة والإمامة والإمارة (في الأزل ومتقدّم العلم) بكسر الدال أي سابقه الذي ظهر في القلم الأول (وكذلك قد ذكر الله يتمه) لموت أبيه جنينا قد أتت عليه ستة أشهر فكفله جده عبد المطلب ثم عمه أبو طالب إذ كان شقيق أبيه فأحسن التربية فيه قال تعالى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا أي جاهلا بتفصيل الإيمان وَوَجَدَكَ عائِلًا فقيرا فَأَغْنى وهذا معنى قول المصنف (وعيلته) أي وذكر الله فقره وحاجته (على طريق المنّة عليه) بإيوائه واغنائه (والتّعريف بكرامته له) أي بهدايته وهداية غيره بنور رسالته (فذكر الذّاكر) أي المخبر (لها) أي لحالته من يتمه وعيلته (على وجه تعريف حاله) المتضمن لكرامته (والخبر عن مبتدئه) أي ابتداء أمره وظهور قدره (والتّعجّب من منح الله) بكسر الميم وفتح النون جمع منحة أي نعمه (قبله) بقاف مكسورة فموحدة مفتوحة أي في جهته (وعظيم منّته) وفي نسخة بنونين وفي نسخة منن الله (عنده ليس فيه) على ما ذكر به (غضاضة) أي ما يؤدي إلى منقصته (بَلْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَصِحَّةِ دَعْوَتِهِ) لجميع أمته (إذ أظهره الله تعالى بعد هذا) أي أطلعه وغلبه وعلاه (على صناديد العرب) أي أكابرهم (ومن ناوأه) مفاعلة من النوء وهو النهوض فأصله الهمز وابدل أي عاداه (من أشرافهم شيئا فشيئا) أي سنة فسنة ساعة فساعة وفي أصل التلمساني فيما فشا من الفشو وهو الكثرة والظهور والنمو وما موصولة واقعة على الخبر وفي بمعنى على أي على ما فشا وشاع وذاع من الخبر أي أن أمره في ذلك ليس بخفي بل هو ظاهر جلي أو فى على أصلها أي في فاشي الخبر وظاهر الأثر (ونمى) بتشديد الميم أي زكى (أمره) وعلا قدره وفي نسخة بتخفيف الميم (حتّى قهرهم) أي غلبهم فنهاهم وأمرهم كما روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال يوم فتح مكة

стр. 1221

من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل داره وأغلق بابه فهو آمن وقال للأسراء منهم ما كنتم تقولون في أني فاعل بكم فقالوا أخ كريم وابن أخ كريم فقال اذهبوا فأنتم الطلقاء (وتمكّن من ملك مقاليدهم) جمع مقلاد بمعنى المفتاح أي مما ملكوه من البلاد واستولوا عليه بالانقياد أو بمعنى الخزانة أي مما خزنوه وجعلوه ذخيرة للنوائب وأعدوه عدة للمصائب فقد ملكه النبي ﵊ وحواه (واستباحة ممالك كثير من الأمم) أي محال ملكهم ومواضع ملكهم وفي أصل التلمساني مماليك بالياء فهو جمع مملوك (غيرهم) أي غير صناديد العرب ونحوهم (بإظهار الله تعالى له) أي باعلاء كلمته في الدين (وتأييده) أي تقويته (بنصره) أي بإعانته من عنده (وبالمؤمنين) أي وبجعلهم أسبابا لنصره (وألّف بين قلوبهم) حتى صاروا اخوانا مسلمين وهذا كله مقتبس من قوله هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ومن قوله عز وعلا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً (وإمداده بالملائكة المسوّمين) بكسر الواو وفتحها كما قرىء بهما في السبعة قوله تعالى بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ أي معلمين بسيما خاصة أي علامة مختصة وهي إما بالملائكة وهي عمائم صفر وقيل كانت عمائم الملائكة يومئذ بيضاء وعمامة جبريل صفراء وروي أنه ﵊ قال لأصحابه الكرام يوم بدر تسوموا فإن الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض في فلانسهم ومغافرهم وأما بخيولهم فأنهم كانوا على خيل بلق مجزوزة الآذان والأعراف معلمة النواصي والأذناب بالصوف والعهن والمعنى اعلموا خيلهم واعلموا أنفسهم (ولو كان) أي محمد (ابن ملك) بكسر اللام (أو ذا أشياع) أي صاحب اتباع (متقدّمين) عليه في الزمان (لحسب كثير من الجهّال أنّ ذلك) أي ما ذكر (مُوجِبُ ظُهُورِهِ وَمُقْتَضَى عُلُوِّهِ وَلِهَذَا قَالَ هِرَقْلُ) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف ويجوز إسكان ثانيه وكسر ثالثه وهو منصرف والمراد به عظيم الروم (حين سأل أبا سفيان) أي ابن حرب وهو بإيليا (عنه) أي عن أحوال النبي ﵊ كما رواه البخاري (هل في آبائه من ملك) بكسر الميم على أنها جارة إلا أنها زائدة لا بيانية ولا تبعيضية كما ذكره التلمساني أي من سلطان وروي من ملك بالفتح فيهما فمن موصولة لا شرطية كما وهم التلمساني (فقال) أي أبو سفيان (لاثم قال) أي هرقل (ولو كان في آبائه ملك) أي أحد من الملوك (لقلنا) في حقه هذا (رجل يطلب ملك أبيه وإذا) الظاهر أنها ظرفية والأولى أن تكون تعليلية أي ولأن (اليتم) وفي نسخة وأن اليتم وهو بضم أوله وأصله الانفراد ومنه الدر اليتيم لما لا نظير له في مقام التقويم ثم استعمل في فقد الأب قبل بلوغ ولده (مِنْ صِفَتِهِ وَإِحْدَى عَلَامَاتِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ) كالتوراة والانجيل (وأخبار الأمم السّالفة) باللام والفاء أي السابقة الماضية (وكذا) أي نعت اليتم (وقع ذكره في كتاب أرمياء) بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر

стр. 1222

الميم فتحتية فألف مقصورة وروي ممدودة قال التلمساني وهو ابن حلقيا وقال الدلجي كأنه من انبياء بني إسرائيل وفي القاموس أرميا بالكسر نبي (وبهذا) أي نعت اليتم (وصفه ابن ذي يزن) بفتح الياء والزاء غير منصرف واسمه سيف وهو مالك اليمن (لعبد المطلّب) على ما تقدم من أنه يموت أبوه وأمه ويكلفه جده وعمه (وبحيرا) بفتح الموحدة وكسر الحاء المهملة وسكون التحتية فراء بعدها الف مقصورة أو ممدودة وهو الراهب الذي أبصره بأرض الشام وقد عد من الصحابة عند بعض الاعلام والمقصد أنه أيضا كذا ذكره (لأبي طالب) في ذلك المقام فروي نزل من صومعته وأخذ بيده ﵊ وذلك حين خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام فقال لعمه ما هذا الغلام منك فقال ابني فقال بحيرا ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا قال فإنه ابن أخي قال فما فعل أبوه قال مات وأمه حبلى به قال صدقت وتقدمت هذه القصة في فصل دلائل النبوة (وَكَذَلِكَ إِذَا وُصِفَ بِأَنَّهُ أُمِّيٌّ كَمَا وَصَفَهُ الله به) بقوله فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وقوله الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ (فهي) أي صفة الأمية (مدحة له) بكسر الميم أي منقبة له وإن كانت منقصة لغيره (وفضيلة ثابتة فيه) أي في حقه بخصوصه (وقاعدة معجزته) أي أساس كرامته في خرق عادته الدالة على تحقق رسالته (إذ معجزته العظمى) بضم العين أي العظيمة في الغاية (من الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ إِنَّمَا هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِطَرِيقِ الْمَعَارِفِ) أي العلوم الجزئية (والعلوم) الكلية من الأخبار السابقة والآثار اللاحقة والأصول الدينية والفروع الشرعية والأحكام والحدود في السياسات العرفية مع قطع النظر عن جمال بلاغته وكمال فصاحته (مع ما منح) أي أعطي (صلى الله تعالى عليه وسلم) من الفضائل وحسن الشمائل هنالك (وفضّل) بصيغة المفعول مشددا أو مخففا أي وميز (به) عن غيره (من ذلك) أي من أجل كمالات ذاته وكمالات صفاته (كما قدّمناه في القسم الأوّل) وفي نسخة في القسم الأول أي من الباب الرابع (ووجود مثل ذلك) الكتاب الجامع للأبواب كما قال في مدحه بعض أولي الباب: جميع العلم في القرآن لكن ... تقاصر عنه أفهام الرجال والمعنى أن ظهوره (مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَقْرَأْ وَلَمْ يَكْتُبْ وَلَمْ يدارس) الممارس (ولا لقّن) في المدارس (مقتضى العجب) في عالم الفكر (ومنتهى العبر ومعجزة البشر وليس) أي فيه كما في نسخة (ذلك) الوصف بالأمي (نقيصة إذ المطلوب) بالذات (من الكتابة والقراءة المعرفة وإنّما هي) أي القراءة ونحوها (آلة لها) أي للمعرفة (وَوَاسِطَةٌ مُوَصِّلَةٌ إِلَيْهَا غَيْرُ مُرَادَةٍ فِي نَفْسِهَا فإذا حصلت الثّمرة والمطلوب) كان الأنسب أن يقال المطلب ليكون مسجعا مع قوله (استغني عن الواسطة) كالشجرة (وَالسَّبَبِ، وَالْأُمِّيَّةُ فِي غَيْرِهِ نَقِيصَةٌ لِأَنَّهَا سَبَبُ الجهالة وعنوان الغباوة) أي ومقدمة الضلالة والعنوان بضم أوله ويكسر ما يكتب على ظاهر الكتب ليعلم مجمل ما في باطنها وبهذا يعرف أن كشف العوارف وظهور المعارف في بعض الأميين من هذه الأمة

стр. 1223

يكون من جملة الكرامة كما أشار إليه قوله وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً فإن العلم اللدني في العرف اللغوي ما يحصل للأمي من غير كسب ظاهر في الآدمي (فسبحان من باين أمره) أي غاير أمر النبي (مِنْ أَمْرِ غَيْرِهِ وَجَعَلَ شَرَفَهُ فِيمَا فِيهِ محطّة سواه) أي محل خفض قدر غيره (وَجَعَلَ حَيَاتَهُ فِيمَا فِيهِ هَلَاكُ مَنْ عَدَاهُ) أي من سواه من أرباب الأرواح وأصحاب الأشباح (وهذا شقّ قلبه) أي صدره مرة بعد مرة في حقه (وإخراج حشوته) بضم الحاء المهملة وتكسر وسكون الشين المعجمة وأصله ما في جوف الشيء مما هو محشو به كالإمعاء والكرش وسائر الأشياء والمراد بها هنا علقة سوداء كما رواه البخاري كانت حظا للشيطان وتعلقا له بها في مقام وسوسة الإنسان فإن شقه وإخراجها (كان تمام حياته) ونظام صفاته (وغاية قوّة نفسه) ونهاية قوة أنسه (وثبات روعه) بضم الراء أي قلبه حال خوفه وروعه ولله در من قال: اقتلوني يا ثقاتي ... إن في موتي حياتي ولبعض أرباب الحال موتوا قبل أن تموتوا (وهو) على ما في نسخة أي شقه وإخراجها (فيمن سواه منتهى هلاكه) أي غاية أسباب هلاكه (وحتم موته) بالحاء المهملة أي وجوب وقوعه (وفنائه) والمعنى أنه نهاية علة موته وأفنائه (وهلمّ جرّا) أي وهكذا الأمر مستمرا (إِلَى سَائِرِ مَا رُوِيَ مِنْ أَخْبَارِهِ وَسِيَرِهِ) المؤذنة بآثاره وأسراره (ومآثره) أي مفاخرة ومكارمه التي تؤثر عنه (وتقلّله) أي طلب قلته ووري تبلغه أي طلب بلاغه وزاده إلى معاده (من الدّنيا) زاهدا فيها لا اضطرارا عنها (ومن الملبس) الناعم (والمطعم) اللذيذ (والمركب) المزين (وتواضعه) مع الخلق مع كمال ترفعه عند الحق عملا بقوله من تواضع لله رفعه الله رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (ومهنته) بفتح الميم وتكسر على ما ذكره التلمساني وأبو زيد فلا يلتفت إلى نفي الأصمعي والزمخشري فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ أي خدمته (نفسه في أموره) المحتاج إليها (وخدمة بيته) تهوينا على أهله وخدمه (زهدا) في الملك والملك والجاه المعد للهلك وقد سئل الزهري عن الزهد فقال هو أن لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره (ورغبة عن الدّنيا) أي اعراضا عنها لسرعة فنائها وقلة بقائها وكثرة عنائها وخسة شركائها وقد ورد لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة لما سقي كافرا منها شربة ماء رواه الترمذي عن سهل بن سعد (وتسوية بين حقيرها وخطيرها) أي عظيمها من قليلها وكثيرها (لسرعة فناء أمورها) وبقاء شرورها (وتقلّب أحوالها) وتغير أرباب أموالها ونعم المقول: فلا تدوم على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول (كلّ هذا) الذي ذكرناه (من فضائله) أي بعض شمائله (ومآثره) أي مكارمه التي تؤثر وتروى من مفاخره (وشرفه) أي طرفه وتحفه (كما ذكرناه) فيما سبق من محله ومجمل الكلام

стр. 1224

ما ورد عنه ﵊ بعثت لأتمم مكارم الأخلاق (فمن أورد شيئا منها مورده) أي ذكره في محله اللائق به (وقصد به مقصده) من تعظيم قدره وتبجيل أمره (كان حسنا) أي مستحسنا عند الله وخلقه (ومن أورد ذلك على غير وجهه) بتساهل في حقه (وقد علم منه) أي من إيراده ذلك (سوء قصده) من تنقص به (لحق بالفصول) الستة (التي قدّمناها) فيقتل أو يعزل أو يحبس كما قدرناها (وكذلك ما ورد من أخباره) من أفعاله وأقواله وأثاره (وأخبار سائر الأنبياء ﵈ في أحاديث) وفي نسخة في الأحاديث (ممّا في ظاهره إشكال) كحديث لم يكذب إبراهيم إلا إلى ثلاث كذبات (يقتضي أمورا لا تليق بهم بحال) من أحوالهم (وتحتاج إلى تأويل) يصرفها إلى تحسين مقالهم (وتردّد احتمال) من نقصان في جمال كمالهم (فلا يجب) أي فلا ينبغي (أن يتحدّث منها) بل يجب أن يسكت عنها ولا يؤتى بشيء منها (إلّا بالصّحيح) الثابت فيها (ولا يروى منها إلّا المعلوم) في الرواية (الثّابت) في الدراية (وَرَحِمَ اللَّهُ مَالِكًا فَلَقَدْ كَرِهَ التَّحَدُّثَ بِمِثْلِ ذلك من الأحاديث الموهمة للتّشبيه) المحتاجة إلى التأويل المقتضي للتنزيه (والمشكلة المعنى) المبنية على استعارة في المبنى كحديث البخاري وغيره ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول هل من داع فاستجيب له هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فاغفر له فإن نزوله كناية عن تنزيلات رحمته وموجبات إجابة دعوته وأسباب مغفرته أو يقال إنه له نزول يليق بشأنه مع اعتقاد التنزيه له عن انتقال وتغير ووجود مكان وزمان في ذاته وكذا الحكم في الآيات المتشابهات وسائر الأحاديث المشكلات فللسلف والخلف مذهبان فالمتقدمون على التسليم والتوكيل ومنهم أبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل والمتأخرون على التأويل والكل قائلون بالتنزيه ومانعون عن التشبيه وبالغ الإمام مالك حتى منع السؤال عن ذلك كما صرح به في قوله المجيب عن سؤاله الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة (وقال) أي مالك (ما يدعو النّاس) أي أي شيء يلجئ العامة ويسوقهم (إلى التّحدّث بمثل هذا) كحديث خلق الله آدم على صورته وكحديث إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه فإن الله بينه وبين القبلة (فقيل له إنّ ابن عجلان) بفتح أوله (يحدّث بها فقال لم يكن) ابن عجلان (من الفقهاء) مع أنه كان شيخ مالك ومن أعلام التابعين بالمدينة وروي عن أبيه وأنس بن مالك وغيرهما وعنه شعبة ويحيى بن سعيد القطان ونحوهما وثقه أحمد وابن معين وقال غيرهما سيىء الحفظ روي أنه حملت به أمه ثلاثة أعوام فشق بطنها لما ماتت فأخرج وقد نبتت أسنانه وفي الميزان للذهبي قال عبد الرحمن بن القاسم قيل لمالك إن ناسا من أهل العلم يحدثون قال من هم فقيل له ابن عجلان فقال لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء ولم يكن عالما قال الذهبي قلت قال مالك هذا لما بلغه أن ابن عجلان حدث بحديث خلق الله آدم على صورته ولابن عجلان فيه متابعون وخرج في الصحيح انتهى فمعناه لم يكن يفقه ما ينشأ عن هذا من الفساد للعباد والخوض في

стр. 1225

الباطل لأهل الفساد أو لم يكن من الفقهاء الذين يقدرون على تأويل الأخبار بل ممن يبقى على ظاهر ما ورد من الآثار والحاصل أنه كره التحديث مالك بأمثال ذلك في مجالس العامة لا التحديث المطلق المترتب عليه كتم العلم بالخاصة كما بسطنا هذه القضية في الخطبة قال القاضي المؤلف (وليت النّاس وافقوه) أي مالكا (عَلَى تَرْكِ الْحَدِيثِ بِهَا وَسَاعَدُوهُ عَلَى طَيِّهَا) أي عاونوه على طيء ذكرها في مجلس العامة (فأكثرها ليس تحته عمل) يحتاج إليه جمهور الخلق وحمله الدلجي على كراهة مطلق التحديث بها رواية وكتابة فقال هذه دعوى بلا بينة ومن ثمة لم يوافقه أحد كراهة التحديث بها إذ لم يقله ﵊ لأصحابه عبثا ولا أخبر به عن ربه ليترك سدى مع أنه يلزم من كراهة التحديث بها كراهة تعليم الناس متشابه القرآن والتلاوة مع أمره ﵊ بقوله (بلغوا ولو آية) وإنما ورد في الكتاب والسنة بعض المتشابهات ابتلاء للراسخين في العلم على قدم الثبات قلت اختار مالك سد باب الذريعة للمهالك العامة في ذلك كما وقع لسيدنا عمر رضي الله تعالى عنه مع أبي هريرة حيث أمره صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يروي عنه ﵊ أن من يشهد ان لا إله إلا الله حرمه الله على النار ومنعه عمر لئلا يتكل الناس ويتركوا عمل الأبرار بسماع هذه الأخبار ووافقه سيد الأخيار وقال دعهم يعلموا هذا ولم يرد عن أحد من الأئمة جواز رواية مثل هذه الأحاديث في مجالس الجهلاء والسفهاء فلم يخالف مالك في هذه المسألة أحدا من العلماء بل ثبت عنهم منع العامي عن علم الكلام ودقائق الصوفية الكرام خوفا عليهم من تزلزل عقائدهم وعدم الانتقاع بفوائدهم (وقد حكي) بصيغة المجهول أي روي مثل ذلك (عن جماعة من السّلف بل عنه) أي عن السلف (على الجملة) أي من حيث مجموعهم لا جميعهم (أنّهم كانوا يكرهون الكلام) أي مع العوام (فيما ليس تحته عمل) من الاحكام مما يؤخذ منه حكم شرعي ينتفع به الأنام (والنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أوردها) أي أحاديثه (على قوم عرب) في كمال أدب (يفهمون كلام العرب على وجهه) بدون صرفه عن ظاهر عبارته إلا لموجب يدعو إليه من حمله على إشارته (وتصرّفاتهم في حقيقته) باستعمال اللفظ فيما وضع له بحسب أصله (ومجازه) باستعماله في غير ما وضع له بقرينة عقلية أو حالية (واستعارته) باستعارة حرف كما في قوله تعالى وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أي عليها أو فعل كما في ولما سكت عن موسى الغضب أي سكن وذهب (وبليغه) أي وبلاغته مما يطابق مقتضى الحال من فصاحته (وإيجازه) الجامع لقلة مبانيه وكثرة معانيه (فلم تكن في حقّهم مشكلة) أي لم توجد في الأحاديث بالنسبة إليهم كلمة مشكلة وجملة معضلة أو لم تكن هذه الأشياء المتقدمة في حقهم مشكلة موهمة لمعرفتهم بأساليب كلامهم وقوة إدراكهم وسرعة أفهامهم وفق مرامهم وهذا كله ببركة مجالسة نبي الأمة وكاشف الغمة (ثمّ جاء من غلبت عليه العجمة) بضم أوله أي اللكنة العجمية (وداخلته الأمّيّة) أي النسبة الجهولية والحالة الطفولية (فلا يكاد يفهم من مقاصد العرب) في مراصد الأدب (إلّا نصّها) أي ظاهرها لا تلويحها

стр. 1226

(وصريحها) وفي نسخة تصريحها (ولا يتحقّق بإشاراتها) وفي نسخة إشاراتها (إلى غرض الإيجاز) أي الاقتصار والاختصار ميلا إلى الإطناب في عباراتها (ووحيها) أي خفي كلامها (وتبليغها) وفي نسخة صحيحة وبليغها وهو الأبلغ أي الأقوال المتضمنة لبلاغتها (وتلويحها) أي إشارتها إلى تحسين عبارتها بحسب فصاحتها (فتفرّقوا) أي من غلبت عليه العجمة حقيقة أو طبيعة (في تأويلها) أي الأحاديث الموهمة للشبهات المشكلة (أو حملها على ظاهرها) من غير تنزيه في باطنها (شذر مذر) بفتح أولهما وكسره فمعجمتين اسمان جعلا اسما واحدا للتأكيد فبنيا على الفتح كخمسة عشر ومحلهما نصب على الحال تفرقوا في كل وجه بحيث لا يرجى اجتماعهم بوجه ولا يقال في الإقبال وهذا في الأمثال مثل قولهم تفرقوا أيدي سبا وتمزقوا كل ممزق (فمنهم من آمن به) حق إيمانه من التنزيه (ومنهم من كفر) بحمله على التشبيه وهذا كله في الأحاديث الصحيحة والروايات الصريحة كحديث إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب رجل واحد يصرفه كيف يشاء رواه أحمد ومسلم عن عمرو (فَأَمَّا مَا لَا يَصِحُّ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ) التي اشتهرت على ألسنة العوام أو ذكرت في كتب بعض العلماء الأعلام (فواجب أن لا يذكر منها شيء) لا سيما الوارد منها (فِي حَقِّ اللَّهِ وَلَا فِي حَقِّ أَنْبِيَائِهِ ولا يتحدّث بها) أي بألفاظها ومعانيها (وَلَا يُتَكَلَّفُ الْكَلَامُ عَلَى مَعَانِيهَا، وَالصَّوَابُ طَرْحُهَا) أي حذفها وعدم ذكرها (وترك الشّغل) وروي الاشتغال (بِهَا إِلَّا أَنْ تُذْكَرَ عَلَى وَجْهِ التَّعْرِيفِ بأنّها ضعيفة المقاد) بفتح الميم والقاف أي ضعيفة الرجال (واهية الإسناد) في المقال (وقد أنكر الأشياخ) جمع الشيوخ من العلماء (على أبي بكر بن فورك) بضم الفاء وفتح الراء غير منصرف للعجمة والعلمية وقد يصرف لعدم ثبوت العجمة (تكلّفه في مشكله) كأنه اسم كتابه (الكلام) بالنصب على أنه مفعول تكلفه وفي أصل الدلجي في مشكل الكلام (على أحاديث ضعيفة) إسنادا أو متنا (موضوعة لا أصل لها) لا موقوفة ولا مرفوعة وكان الأولى أن يقال ضعيفة أو موضوعة للفرق بينهما عند أرباب الأصول فإن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقا (أو منقولة عن أهل الكتاب) من اليهود والنصارى وغيرهم (الّذين يلبّسون الحقّ بالباطل) كما أخبر الله به عنهم (كان) وفي نسخة وكان أي ابن فورك (يكفيه) أي ابن فورك (طرحها) أي نبذها وراء ظهره بعدم التفات إلى ذكرها (ويعنيه عن الكلام عليها) من جهة معانيها (التّنبيه على ضعفها) ووضعها ليجتنب عن التعلق بها إِذِ الْمَقْصُودُ بِالْكَلَامِ عَلَى مُشْكِلِ مَا فِيهَا إزالة اللّبس) أي الخط الكائن (بها واجتثاثها) مبتدأ أي اقتطاعها (من أصلها وطرحها) وتركها في فصلها (أكشف) أي أبين (للّبس وأشفى للنّفس) وفيه بحث إذ الحكم على الحديث بأنه ضعيف أو موضوع ليس بمقطوع لاختلاف المحدثين في رجال الاسناد بحيث لم يبق الاعتماد إذ قل حديث صحيح لم يقل بضعفه وعلته وقل حديث ضعيف بل موضوع لم يقل بصحته أو ثبوته فكأنه رحمه الله تعالى أتى بالتأويل في معناه على تقدير صحة مبناه ليزول الإشكال على جميع الاحتمال من الأحوال والله تعالى أعلم بمقاصد الرجال.

стр. 1227

فصل (وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ فِيمَا يَجُوزُ عَلَى النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وما لا يجوز) أي إطلاقه عليه (والذّاكر من حالاته) أي صفاته ومقالاته (ما قدّمناه في الفصل قبل هذا) الفصل (على طريق المذاكرة والتعليم أن يلتزم) أي المتكلم (في كلامه عند ذكره صلى الله تعالى عليه وسلم وذكر تلك الأحوال الواجب) بالنصب على المفعولية من الضمير المستكن في يلتزم وتقدير الكلام ومما يجب على المتكلم في كذا وكذا يلتزم في كلامه الواجب ومن قوله (من توقيره وتعظيمه) للبيان وفي بعض النسخ الواجبة بالتاء إيقاعا لها صفة الأحوال وخطؤه ظاهر إلا أن يتكلف ويأول بالثابتة في الفصول الستة (ويراقب) أي وأن يراعي (حال لسانه) بعظيم شأنه (ولا يهمله) أي يتركه ولا يرسله من غير بيانه (ويظهر عليه) أي على المتكلم (علامات الأدب عند ذكره) خوفا من الرب ونظيره قاله القراء إن الواجب على القارئ إذا قرأ آية فيها فعل الكفر كقوله تعالى لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ أن يخفض صوته عند المقول وأن يخضع في مقام الخوف والنول ويتذكر قوله تعالى لعيسى ﵊ في المجمع العام أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ فإن مقتضى العقل الباهر والدين الظاهر هو أنه لولا أنه ذكره في كتابه وقرره في خطابه لكان واجبا أن لا يتحدث أحد عنهم بهذا الكلام تعظيما للملك العلام وتأمل قول ابن دينار لولا أن الله انزل في الفاتحة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وأوجب علينا قراءته لما تلفظت بهذه الجملة لعدم اتصافي بهذه الخصلة (فإذا ذكر) المتكلم (ما قاساه) أي كابده ﵊ (من الشّدائد) من جهة الخلق (ظهر عليه الإشفاق) أي الشفقة والرحمة (والارتماض) بالضاد المعجمة أي شدة الاحتراق وأصله القلق والشدة وهو من الرمض شدة الحر أو شدة الغيظ ومعناه أنه يتوقد له ويتغيظ به ويود لو كان في ذلك الوقت لا وقع بعامل ذلك ما قدر من آثار المقت وهذا معنى قوله (والغيظ على عدوّه) والغيظ بالظاء المعجمة الغضب أو شدته أو أوله وسورته وأغرب التلمساني بقوله والغيظ بالظاء والضاد وهي لغة (ومودّة الفداء) وهو بكسر الفاء ممدودا ومقصورا وبفتحها مقصورا أي ويجب أن يفدي بروحه وأبيه وأمه (للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) فيما أصابه (لو قدر عليه) أي على الفداء (والنّصرة لو أمكنته) لديه ونظيره في قراءة القرآن إذ قرأ آية الرحمة ينبسط ويطلبها وإذا قرأ آية العقوبة ينقبض ويستعيذ منها (وإذا أخذ في أبواب العصمة) وفي نسخة العظمة والظاهر أنه تصحيف وتحريف والمعنى إذا أشرع المتكلم في أبواب حفظ الله إياه في أحواله (وَتَكَلَّمَ عَلَى مَجَارِي أَعْمَالِهِ وَأَقْوَالِهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم تحرّى) بالحاء المهملة والراء المشددة أي اجتهد في تأديته ويطلب ويقصد (أحسن اللّفظ وأدب العبارة) بهمزة ممدودة أي أولاها (ما أمكنه) أي قدر ما قدر عليه (واجتنب بشيع ذلك) أي كريهه

стр. 1228

(وهجر) أي ترك (من العبارة ما يقبح) ظاهره (كلفظة الجهل والكذب والمعصية) والمعنى لا ينسب شيئا منها وأمثالها إليه وإلى غيره من الأنبياء ﵈ ولا يستند إلى ما ورد في حقهم من قوله تعالى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى أي جاهلا بتفاصيل الإيمان كما ينبئ عنه قوله تعالى مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ومن قوله ﵊ ولم يكذب إبراهيم الا ثلاث كذبات ومفهومه أنه كذب ومن قوله تعالى وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى فإن لله ورسوله أن يعبرا بما شاآ في حق من شاآ (فإذا تكلّم) أي المتكلم (فِي الْأَقْوَالِ قَالَ هَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخُلْفُ في القول والإخبار) بكسر الهمزة لا يقول أيجوز عليه الكذب في قول أو خبر (بخلاف ما وقع سهوا) في لسانه (أو غلطا) في بيانه (ونحوه من العبارة) كالنسيان في شأنه فإنه لا لوم عليه ولا اعتراض لديه لحديث رفع عن أمتي الخطأ والنسيان (ويتجنّب لفظة الكذب) أي إطلاقها عليه (جملة واحدة) أي بالكلية (وإذا تكلّم على العلم) أي علمه ﵊ (قَالَ هَلْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْلَمَ إِلَّا ما علّم) كما يشير إليه قَوْلِهِ تَعَالَى وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ (وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ عِلْمٌ من بعض الأشياء حتّى يوحى إليه) لقوله تعالى وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً أي بذاته وقوله تعالى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وقوله قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وفي الحديث مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية وفي حديث جبريل ما المسؤول عنها بأعلم من السائل وقد قال تعالى إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها أي عن نفسي لو كان أمكن فضلا عن غيري والحاصل أن الأنبياء لم يعلموا المغيبات من الأشياء إلا بما اعلمهم الله تعالى أحيانا وقد صرح علماؤنا الحنيفة بتكفير من اعتقد أن النبي يعلم الغيب لمعارضة قوله تعالى قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ كذا في المسايرة للإمام ابن الهمام (ولا يقول بجهل) النبي (لقبح اللّفظ وبشاعته) بل يقول لا يدري مثلا وقت مجيء الساعة قال حسن العبارة معتبر عند ارباب الإشارة كما حكي أنه كان معبر ان لبعض الأمراء وجعل وظيفة أحدهما ألفا والآخر نصفه ندماؤه وجلساؤه عن وجه الفرق بينهما لاتحادهما في مراتب العلم والصلاح والأدب فسألوه عن ذلك وعن تمييزهما بما هنالك فقال رأيت في النوم أن أسناني سقطت فصاحب الألف عبر بأنك تعيش بعد أقوامك كلهم وعبر الآخر بأنهم يموتون قدامك جميعهم فانظروا فالفرق بين العبارتين مع أن مؤداهما واحد في الإشارتين (وإذا تكلّم) المتكلم (في الأفعال) الصادرة عنه ﵊ (قَالَ هَلْ يَجُوزُ مِنْهُ الْمُخَالِفَةُ فِي بَعْضِ الأوامر والنّواهي) ولا يعبر عنها بالكبائر والمعاصي (ومواقعة الصّغائر) بل الأولى أن يعبر عنها بالزلات والمكروهات بل وخلاف الأولى (فهو) أي ما ذكر من العبارات (أولى وآدب) بمد الهمزة أي أكثر تأدبا (مِنْ قَوْلِهِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعْصِيَ أَوْ يُذْنِبَ أَوْ يَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا مِنْ أَنْوَاعِ المعاصي) المشتملة على الصغائر والكبائر (فهذا) الذي قدمناه (من حقّ توقيره) وفي نسخة زيادة وبره أي طاعته أو إكرامه ﵊ وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ تعزير) أي تبجيل

стр. 1229

(وإعظام وقد رأيت) ويروى ورأيت (بعض العلماء لم يتحفّظ من هذا) الذي ذكرناه ويروى في هذا (فقبّح منه) ما صدر عنه (ولم استصوب عبارته فيه) ولذا اكتفيت بذكر إشارته (ووجدت) وروي رأيت (بعض الجائرين) بالجيم من الجور أي المائلين عن الاقتصاد وفي رواية بالحاء المهملة من الحيرة وهو التردد أي من المتحرين في سبيل الرشاد غير متمكنين على طريق السداد (قوّله) بتشديد الواو أي نسبه إلى الخطأ في قوله الخاص به (لِأَجْلِ تَرْكِ تَحَفُّظِهِ فِي الْعِبَارَةِ مَا لَمْ يقله) والمعنى زعم لأجل ترك تحفظه أنه قال ما لم يقله (وشنّع) ذلك البعض (عليه) أي على من لم يتحفظ (بما يأباه) كلامه (ويكفّر قائله وإذا كان مثل هذا) الاستعمال بالتحفظ في الأقوال (بَيْنَ النَّاسِ مُسْتَعْمَلًا فِي آدَابِهِمْ وَحُسْنِ مُعَاشَرَتِهِمْ وخطابهم فاستعماله في حقّه ﵊ أوجب) أي الزم (والتزامه آكد) بمد الهمزة أي أوثق وأتم قال الدلجي قوله أوجب أي وجوب فرض لا وجوب تأكيد وهما عند امامنا الشافعي مترادفان سواء ثبت بدليل قطعي أو ظني وفرق أبو حنيفة بأن ما ثبت بقطعي ففرض وما ثبت بظنه فواجب لأن التفاوت بين الكتاب وخبر الآحاد يوجب التفاوت بين مدلوليهما لكنهم خالفوا قاعدتهم من إطلاقهم الفرض على ما ثبت بظني كقولهم الوتر فرض والزكاة واجبة انتهى ولا يخفى أن الفرق بينهما إنما هو بحسب الاعتقاد دون العمل فإن كلاهما فرض بهذا الاعتبار لكن ثواب الفرض أكثر وعقاب ترك الواجب أقل ومما يفيد الفرق أن منكر الفرض كافر بخلاف منكر الواجب وهذا هو بحسب أصل الاصطلاح الشرعي وقد يستعار أحد اللفظين مقام الآخر في الاستعمال اللغوي ومن لم يميز بين الدليل القطعي والظني فلا كلام معه لا من جهة النقل ولا من جهة العقل على أن الشافعية أضطروا إلى الفرق بينهما في أحكام الحج حجة عليهم ثم هذا المبحث لم يكن في محله ولكنه لما أبدي هذا المقال أوجب لنا حل عقال هذا الإشكال على أن قوله وجوب فرض لا وجوب تأكيد لا طائل تحته (فجودة العبارة تقبّح الشّيء) الواحد (أو تحسّنه) كما قدمناه في حكاية المعبرين (وتحريرها وتهذيبها يعظّم الأمر أو يهوّنه ولهذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم إنّ من البيان لسحرا) رواه مالك وأحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عمر ثم البيان فصاحة اللسان والسحر صرف الشيء عن وجهه والحديث يحتمل المدح والذم أما على الأول فمعناه أنه يستميل النفوس ويأخذ بها لحسنه عندها من بلاغته وفصاحته وحسن تأليفه في عبارته وإشارته وتزيين مبانيه وتحسين معانيه بحيث يرتضي به الساخط ويستذل به الصعب كما يفعل السحر من الأمر العجب ولذلك قالوا فيه السحر الحلال ويؤيده أن في نفس الحديث زيادة رواية وأن من الشعر لحكمة وأما على الثاني فمعناه في المتشدق الذي يمدح من لا يمدح في الفعل ويطنب فيما لا يحل من القول ويحسن القبيح من ذلك ويقبح الحسن هنالك وأن فعل ذلك حرام كالسحر ويكتسب صاحبه من الاثم في قوله ما يكتسبه الساحر بعلمه وقد أورد مالك رحمه الله تعالى الحديث في الموطأ في باب ما يكره من الكلام ولعله اختار القول الثاني في هذا

стр. 1230

المقام والله تعالى اعلم بالمرام (فأمّا ما أورده) المتكلم (على جهة النّفي عنه والتّنزيه) له ﵊ منه (فلا حرج في تسريح العبارة) أي إرسالها وإطلاقها (وتصريحها فيه) أي في حقه ﵊ (كقوله لا يجوز عليه الكذب جملة) أي مجملا ومطلقا أو جميع أنواعه (ولا إتيان الكبائر بوجه) أي لا عمدا ولا سهوا (ولا الجور) أي الميل والظلم (في الحكم) بين الناس (على حال) من الغضب والرضى (وَلَكِنْ مَعَ هَذَا يَجِبُ ظُهُورُ تَوْقِيرِهِ وَتَعْظِيمِهِ وتعزيره) أي تبجيله (عند ذكره مجرّدا) عن إثبات وصف أو نفيه (فكيف عند ذكر مثل هذا) الكلام المشتمل على نعته على جهة النفي أو ثبوته (وقد كان السّلف) من أئمة الدين كزين العابدين وجعفر الصادق ومحمد بن المنكدر (تظهر عليهم حالات شديدة) من تغير لون وبكاء ورعدة (عِنْدَ مُجَرَّدِ ذِكْرِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْقِسْمِ الثّاني وكان بعضهم يلتزم مثل ذلك) من ظهور التوقير (عِنْدَ تِلَاوَةِ آيٍ مِنَ الْقُرْآنِ حَكَى اللَّهُ تعالى فيها مقال عداه) بكسر أوله أي اعدائه من اليهود والنصارى (وَمَنْ كَفَرَ بِآيَاتِهِ وَافْتَرَى عَلَيْهِ الْكَذِبَ فَكَانَ يخفض بها صوته) في تلاوته (إعظاما لربّه وإجلالا له) أي لقدره وأمره (وإشفاقا) على نفسه حذرا (من التّشبّه بمن كفر به سبحانه لا إله إلا هو العلي العظيم) فعن إبراهيم النخعي أنه كان إذا قرأ قوله تعالى وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ يخفض بها صوته أي بمقولهم وأمثال ذلك من كفرياتهم.
следующие страницы →