← Сира

Сира · id 9918

شرح الشفا

الملا على القاري

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

متقاربان (وهو) أي اللفظ الثاني أو سنده (أصحّ) أي مما قبله عند المصنف وفيه بحث إذ روى الأول أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم ثم لا دلالة في الحديث على وجوب الصلاة كما توهمه الدلجي لأن هذا أمر شفقة ونصيحة في مراعاة السنة بدليل امره بالدعاء المجمع على أنه للاستحباب بل فيه دليل على عدم الوجوب حيث أنه لم يأمره بإعادة الصلاة (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال الدّعاء والصّلاة) أي المكتوبة والنافلة (معلّق) أي كل منهما (بين السّماء والأرض لا يصعد) بفتح أوله وضمه أي لا يطلع ولا يرفع (إلى الله) أي محل قبوله أو مكان عرشه (منه) أي مما ذكر من الدعاء والصلاة (شيء) أي منهما (حتّى يصلّي) أي الداعي وفي نسخة بصيغة المجهول في صلاته (على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي قبل دعائه رواه الترمذي إلا أنه في الحصن الحصين بلفظ حتى يصلي على نبيك وفيه تنبيه نبيه على أن منشأ الحكم المذكور هو وصف النبوة ونعت الوسيلة (وعن عليّ كرم الله وجهه عن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بمعناه) رواه أبو الشيخ في الثواب عنه (وقال) أي علي في رواية زيادة (وعلى آل محمد) ولفظ البيهقي في شعب الإيمان الدعاء محجوب حتى يصلى على محمد وأهل بيته وفي رواية وآل محمد وهذا معنى قوله (وروي أنّ الدّعاء محجوب) أي ممنوع عن كمال حصوله وجمال وصوله (حَتَّى يُصَلِّيَ الدَّاعِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) وفي الاقتصار عليه مرة وضم آله أخرى إشعار بأن ذكر أهل بيته إنما هو لبيان الأحرى ثم اعلم أن حديث علي رواه الطبراني في الأوسط موقوفا وروى الحسن بن عرفة عن علي مرفوعا وسنده ضعيف والصحيح وقفه لكن قال المحققون من علماء الحديث إن مثل هذا لا يقال من قبل الرأي فهو مرفوع حكما (وعن ابن مسعود) كما روى عبد الرزاق والطبراني بسند صحيح عنه (إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ شَيْئًا) أي في الصلاة وغيرها (فليبدأ بمدحه) وفي نسخة بحمده (والثّناء عليه بما هو أهله ثمّ يصليّ) أي هو (على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) ويمكن أن يكون يصلي مجزوما وبقاء الياء على لغة نحو قوله تعالى إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ على رواية قنبل عن ابن كثير وهو الملائم لما قبله وما بعده من قوله (ثمّ ليسأل) أي مطلوبه (فإنّه اجدر) أي أحق وأليق حينئذ (أن ينجح) بضم الياء وكسر الجيم أو بفتحهما من نجح ينجح وأنجح إذا أصاب طلبته وتيسرت حاجته ونجحت وأنجحت وانجحه الله وفي الحديث دليل على استحباب الصلاة حيث علل بقوله فإنه أجدر أن ينجح فتأمل وتدبر (وعن جابر ﵁ في رواية البزار وأبي يعلى والبيهقي في شعب الإيمان (قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا تجعلوني) أي مؤخرا مع كوني مقدما (كقدح الرّاكب) أي حيث يعلقه من ورائه ويلتفت إليه عند حاجته قال الهروي معناه لا تؤخروني في الذكر كتأخير الراكب تعليق قدحه في آخرة رحله بعد فراغه من التعبية ويجعله خلفه قال حسان كما نيط خلف الراكب القدح الفرد انتهى ونحوه لابن الأثير وقد أخذه منه أو التقدير لا تجعلوني مثل ماء قدح الراكب في الالتفات إليه عند الحاجة وتركه عند حال السعة قيل

стр. 877

وما قدحه يا رسول الله قال (فإنّ الرّاكب يملأ قدحه ثمّ يضعه) أي في رحله (ويرفع متاعه) أي على مركوبه أو يضع القدح حيث وقع ويرفع متاعه حيث ارتفع (فإن احتاج إلى شراب) أي شربه (شربه أو الوضوء) أي أو احتاج إليه (توضّأ وإلّا) أي وإن لم يحتج إلى شربه ولا إلى وضوئه (هراقه) أي صبه وفي نسخة اهراقه بسكون الهاء وقيل بفتحها والهاء في هراق بدل من همزة أراق يقال أراق الماء يريقه وهراقه يهريقه هراقة ويقال فيه أهرقت الماء أهريقه اهراقا فتجمع بين البدل والمبدل قال الحجازي ولا تفتح الهاء مع الهمزة (وَلَكِنِ اجْعَلُونِي فِي أَوَّلِ الدُّعَاءِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ) أي اذكروني بالصلاة علي في هذه المواطن خصوصا فإنكم لن تستغنوا عني عموما (وقال ابن عطاء: للدّعاء أركان) أي يقوم بها كالإخلاص (وأجنحة) أي يطير بها ويصعد بسببها ولا بد من وجودها كأكل الحلال (وأسباب) أي أحوال للإجابة كحالة السجود والقراءة (وأوقات) أي أزمنة خاصة لها كالسحر وساعة الجمعة وقد بينا كلها في شرح الحصن الحصين (فإن وافق) أي الدعاء (أركانه) بأن قارنها (قوي) أي باستناده إليها (وإن وافق أجنحته طار في السّماء) أي صعد إليها (وإن وافق مواقيته) أي أزمنته وأمكنته (فاز) أي نجح أجابته وقضيت حاجته واستجيب قوله (وإن وافق أسبابه أنجح) أي ظفر بطلبته (فأركانه حضور القلب) أي لمشاهدة الرب (والرّقّة) أي اللينة من أثر الرحمة (والاستكانة) أي الخضوع والتضرع والمذلة (والخشوع) أي الانكسار والافتقار والخشية (وتعلّق القلب بالله) أي بنفي ما سواه (وقطعه) أي الداعي (من الأسباب) وفي نسخة عن الأسباب اعتمادا على رب الأرباب (وأجنحته الصّدق) بأن لا يجري على لسانه الكذب نحوه ويكون صادقا في قوله وفعله وبارا في عهده ووعده (ومواقيته الأسحار) أي ونحوها من مواقيت الاذكار وخصت بالأسحار لأنها وقت الخلو عن الأغيار والخلوص عن الإكدار (وأسبابه الصّلاة) أي أنواعها بجعلها في أول الدعاء وأوسطه وآخره (على محمد صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْحَدِيثِ الدُّعَاءُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لا يردّ) أي بلا إجابة بل يستجاب البتة وقد قال الشيخ أبو سليمان الداراني إذا سألت الله حاجة فابدأه بالصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ثم ادع بما شئت ثم اختم بالصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه سبحانه بكرمه يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يدع ما بينهما (وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ كُلُّ دُعَاءٍ مَحْجُوبٌ دُونَ السَّمَاءِ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّلَاةُ عَلَيَّ صَعِدَ الدُّعَاءُ) وهو مضمون حديث الترمذي عن عمر (وَفِي دُعَاءِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ حنش) بفتح مهملة ونون فشين معجمة وهو ابن عبد الله شيباني صنعاني دمشقي نزل إفريقية يروي عن علي وغيره وثقه أبو زرعة وغيره توفي سنة مائة (فَقَالَ فِي آخِرِهِ وَاسْتَجِبْ دُعَائِي ثُمَّ تَبْدَأُ بالصّلاة على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أن تصلي) أي بأن تصلي وفي نسخة تقول اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ (عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكِ وَنَبِيِّكِ وَرَسُولِكِ أَفْضَلَ مَا صَلَّيْتَ عَلَى أحد من خلقك أجمعين) تأكيد لما قبله (آمين) بالمد ويقصر قال الحلبي هذا الحديث الذي أشار إليه القاضي ليس هو في الكتب الستة والذي لحنش عن ابن عباس حديث يا غلام

стр. 878

إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك الحديث أخرجه الترمذي في الزهد وحديث آخر عند ابن ماجه أنه ﵇ قال لابن مسعود معك ماء قال لا نبيذ في سطيحة الحديث أخرجه ابن ماجه في الطهارة وليس له عن ابن عباس شيء في بقية الكتب ولا فيها إلا هذين لحنش هذا ترجمته في الميزان وصحح عليه انتهى والحاصل أن الحديث ليس له أصل صحيح لكن الضعيف يذكر في الفضائل والمصنف إمام جليل في حسن الشمائل ومن حفظ حجة على من لم يحفظ والمثبت مقدم والله أعلم (وَمِنْ مُوَاطِنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ وَسَمَاعِ اسمه أو كتابه) وفي نسخة أو كتابه (أو عند الأذان) أي الاعلام الشامل للإقامة (وقد قال ﵇ كما في رواية مسلم عن أبي هريرة (رغم) بكسر الغين ويفتح أي لصق بالتراب وذل (أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ) وفي حديث بعثت مرغمة للمشركين وفي هذا دعاء عليه أي لحقه هوان ومذلة مجازاة بترك تعظيمي بالصلاة علي حين سمع اسمي (وكره ابن حبيب) وهو عبد الملك القرطبي أحد الأئمة ومصنف الواضحة (ذكر النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عند الذّبح) ولعل وجه الكراهة توهم اشتراك اسمه بسم الله سبحانه بأن يقول بسم الله وصلى الله تعالى عليه وسلم وأما إن قال بسم الله والنبي نحوه فلا شك أنه حرام ولا يحل أكل تلك الذبيحة وربما يكفر قائله والحاصل أن أصحاب أبي حنيفة كرهوا الصلاة في هذا الموطن كما ذكره صاحب المحيط وعلله بأن قال لأن فيها إيهام الإهلال لغير الله تعالى (وكره سحنون) بفتح فسكون فضم وهو منصرف وهو أبو سعيد عبد السلام (الصّلاة عليه عند التّعجّب وقال) أي في تعليله (لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِسَابِ وطلب الثّواب) عطف تفسير لما قبله ويؤيده ما قال بعض ائمتنا من ذكر الله عند فتح سلعته أو نشر سلعته وارادة ترويجها واجتماع الناس عليها يكفر وفي تحفة الملوك ومنحة السلوك للعيني ويحرم التسبيح والتكبير والصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عند عمل محرم أو عرض سلعة أو فتح متاع انتهى فما ذكره الأنطاكي من قوله كذلك كره أصحابنا الحنيفة للسوقي أن يصلي عليه ﵇ عند فتح بضاعته وعرضها على المشتري لأنه يقصد بذلك تحسين بضاعته وترغيب المشتري في تجارته لا الاحتساب وطلب الثواب ينبغي أن يحمل على الكراهة التحريمية وإذا قصد المثوبة وغيرها فتكون الكراهة تنزيهية والله أعلم (قال) وفي نسخة وقال (أصبغ) بفتح فسكون فموحدة مفتوحة فغين معجمة وهو غير مصروف وهو ابن فرج بن سعيد بن نافع أبو عبد الله الأموي مولى عمر بن عبد العزيز المصري الفقيه يروي عن ابن وهب والداوردي وطائفة وعنه البخاري وجماعة قال ابن معين كان أعلم خلق الله برأي مالك صدوق عالم ورع (عن ابن القاسم) وهو أبو عبد الله المصري الفقيه صاحب مالك وثقه غير واحد ورع زاهد أخرج له البخاري والنسائي ورد عنه قال خرجت إلى مالك اثنتي عشر مرة اتفقت كل مرة ألف دينار (موطنان لا يذكر فيهما) بصيغة المفعول (إلا الله الذّبيحة والعطاس) بضم أوله وهو العطسة (فلا تقل) بصيغة الخطاب وفي نسخة بصيغة الغيبة مجهولا (فيهما) أي في الذبيحة والعطاس

стр. 879

(بعد ذكر الله محمد رسول الله) أي لاختصاص ذكر الله تعالى بهما ويؤيده ما رواه أبو محمد الخلال بسنده عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال موطنان لا حظ لي فيهما عند العطاس والذبح وأخرج الديلمي في مسند الفردوس له من طريق الحاكم عن أنس وهو عند البيهقي في السنن الكبرى عن الحاكم من غير ذكر الصحابي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم قال لا تذكروني في ثلاثة مواطن عند العطاس وعند الذبيحة وعند التعجب (وَلَوْ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى) وفي نسخة وصلى الله تعالى (على محمد لم يكن تسميته) وفي نسخة تسمية (له مع الله) لأنها جملة منفصلة عما قبلها (وقاله) أي وذكره أيضا (أشهب) وهو ابن عبد العزيز بن داود أبو عمر القيسي المصري الفقيه يروي عن الليث ومالك وطائفة وعنه سحنون وجماعة توفي بعد الشافعي بثمانية عشر يوما وله أربع وستون سنة أخرج له أبو داود والنسائي قال ابن يونس هو أحد فقهاء مصر وذوي رأيها وقال ابن عبد البر كان فقيها حسن الرأي والنظر فضله ابن عبد الحكم على ابن القاسم في الرأي (قال) أي أشهب (وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُجْعَلَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم فيه) أي فيما ذكرا وفي كل منهما (استنانا) وفي نسخة استئنافا أي سنة واستحسانا خلافا للشافعي حيث قال لا أكره مع التسمية على الذبيحة أن يقول صلى الله تعالى عليه وسلم على محمد بل أحب ذلك (وروى النّسائيّ) وكذا أبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه (عن أوس بن أوس) ثقفي صحابي سكن دمشق أخرج له أصحاب السنن الأربعة وأحمد في المسند قال الحلبي وفي الصحابة من اسمه أوس خمسة وأربعون (عن النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمْرَ بِالْإِكْثَارِ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ يوم الجمعة) ولفظه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه الصعقة فأكثروا فيه من الصلاة علي فإن صلاتكم معروضة علي قالوا كيف تعرض صلاتنا عليك وقد ارممت أي بليت قال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء رواه أيضا أحمد وابن أبي عاصم والبيهقي والطبراني وابن خزيمة وصححه النووي في الأذكار وجاء في هذا الباب أحاديث كثيرة وفي بعضها تعين عدد الصلاة بثمانين وفي بعضها بمائة وفي بعضها بألف وكذا ورد أحاديث في الصلاة عليه ليلة الجمعة (ومن مواطن الصّلاة والسّلام) أي الجمع بينهما (دخول المسجد) أي بعد تحققه وحصوله أو قصد دخوله ووصوله (قال أبو إسحاق بن شعبان) أي المصري المالكي (وَيَنْبَغِي لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله ويترحّم عليه ويبارك عليه وعلى آله ويسلّم) أي عليه وعلى آله كما في نسخة (تَسْلِيمًا وَيَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لي أبواب رحمتك وإذا خرج) من المسجد (فعل مثل ذلك) أي من الصلاة والدعاء ويروى يقول مثل ذلك (وجعل موضع رحمتك فضلك) وهذا مأخوذ من حديث أحمد وأبي يعلى والترمذي وحسنه عن فاطمة رضي الله تعالى عنها كان رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ

стр. 880

قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ ثُمَّ قال اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رحمتك وإذا خرج قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ ثُمَّ قال اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فضلك واصله في حديث مسلم وليس فيه ولا في غيره وترحم وبارك ثم لا يخفى مناسبة طلب الرحمة في دخول المسجد للطاعة وملاءمة طلب الفضل وهو الرزق عند خروجه على وجه الإباحه كما يشير إليه قوله سبحانه فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (وقال عمرو بن دينار) هو أبو محمد مولى قيس مكي إمام يروي عن ابن عباس وابن عمر وجابر وعنه شعبة وسفيانان وحمادان وهو عالم حجة أخرج له الأئمة الستة (في قوله) أي الله سبحانه (فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً) بضم الباء وكسرها (فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ) [النور: ٦١] أي على أهليكم تحية من عند الله مباركة طيبة (قال) أي ابن دينار وهو من كبار التابعين المكيين وفقهائهم (إن) وفي نسخة فإن (لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ فَقُلْ السَّلَامُ على النّبيّ ورحمة لله وبركاته) أي لأن روحه ﵇ حاضر في بيوت أهل الإسلام (السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين) أي من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين (السّلام على أهل البيت) لعله أراد بهم مؤمني الجن (ورحمة الله وبركاته) وظاهر القرآن عموم البيوت لا سيما وسابقه بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ الآية ويؤيده حديث أنس متى لقيت أحدا من أمتي فسلم عليه يطل عمرك وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين (قال ابن عبّاس) أي في رواية ابن أبي حاتم (المراد بالبيوت هنا المساجد) ولعله أراد أنها تشمل المساجد فإنها أفضل البيوت كما يشير إليه قوله سبحانه فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ الآية فالتنوين للتذكير أو أراد أن التنوين للتعظيم فيختص بالمساجد لأنها أعلى المشاهد (وقال النّخعي) وهو إبراهيم بن يزيد العالم الجليل (إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ فَقُلْ: السّلام على رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ فَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصّالحين) ولا منع من الجمع فيهما (وعن علقمة) أي ابن قيس الفقيه النبيه (إذا دخلت المسجد) أي أنا (أَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وبركاته صلّى الله وملائكته على محمد) أي اجمع بين الصلاة والسلام عليه (ونحوه عن كعب) أي كعب الأحبار (إذا دخل) المسجد (وإذا خرج) أي في الوقتين (ولم يذكر الصّلاة) أي كعب بخلاف الأحبار (واحتجّ ابن شعبان لما ذكره) أي فيما مر من أنه ينبغي لمن دخل المسجد أن يصلي الخ ويروى لما ذكر (بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم أنّ النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ) لكن سبق أنها لم تذكر فيه ترحما ولا مباركة وحديثها أخرجه الترمذي في الصلاة وفيه إرسال فاطمة بنت الحسين ولم يذكر فاطمة بنت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأخرجه ابن ماجه في الصلاة أيضا (ومثله) أي مثل حديثها أو مثل حديث علقمة (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) أي الأنصاري قاضي المدينة وأميرها يروي عن السائب بن يزيد وغيره وعنه الأوزاعي ونحوه

стр. 881

أخرج له الأئمة الستة (وذكر) وفي نسخة فذكر (السّلام والرّحمة وقد ذكرنا هذا الحديث) أي حديثها (آخر القسم) أي الثاني وفي نسخة في آخر هذا القسم (والاختلاف في ألفاظه) أي من رواية عنها (وَمِنْ مَوَاطِنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَيْضًا الصَّلَاةُ عَلَى الجنائز وذكر) أي وروي (عن أبي أمامة أنّها من السّنّة) قال الحلبي أبو أمامة هذا الظاهر أنه سعد بن سهل بن حنيف بن واهب بن الحكم بن ثعلبة أبو أمامة الأنصاري ولد في زمان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسماه ﵇ كناه وبرك عليه وحديثه مرسل وروى عن عمر وعنه الزهري ويحيى بن سعد وخلق فإن قيل لم قلت إن أبا أمامة هذا الظاهر أنه سعد فالجواب أن حديثه المشار إليه هو في المستدرك الحاكم رواه من طريق يونس عن الزهري أخبرني أبو أمامة بن سهل أنه أخبره رجال من الصحابة في الصلاة على الجنازة أنه يكبر الإمام ثم يصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويخلص الصلاة في التكبيرات الثلاث ثم يسلم تسليما خفيفا حتى ينصرف والسنة أن يفعل من ورائه مثل ما فعل أمامة قال الزهري حدثني بذلك أبو أمامة وابن المسيب يسمع فلم ينكر فذكرت الذي قال لمحمد بن سويد فقال وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث عن حبيب بن مسلمة في صلاة صلاها على الميت مثل الذي حدثنا به أبو أمامة على شرطهما سكت عليه الذهبي ولم يتعقبه وله حديث في سنن النسائي السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ثم يكبر ثلاثا والتسليم عند الأخيرة ثم اعلم أن التكبيرات عندنا أركان وأما الثناء بعد الأولى والصلاة بعد الثانية والدعاء بعد الثالثة فسنن ولو قرأ الفاتحة بنية الثناء جاز وذكر الدلجي أن الصلاة على النبي عند الشافعي من أركانها ومحلها كما جزم به في المنهاج التكبيرة الثانية الحديث النسائي ومحمد بن نصر المروزي عن أبي إمامة بن سهل الصحابي لا أبي أمامة الباهلي قال السنة في الصلاة على الجنائز أن يكبر ثم يقرأ بأم القرآن ثم يصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ثم يخلص الدعاء للميت ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى ثم يسلم حديث صحيح صححه الحاكم وحكمه الرفع إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (وَمِنْ مَوَاطِنِ الصَّلَاةِ الَّتِي مَضَى عَلَيْهَا عَمَلُ الأمّة ولم تنكرها) أي على عاملها (الصلاة على النبي ﷺ وآله في الرّسائل) أي المكاتيب والوسائل (وما يكتب بعد البسملة) أو الحمدلة لا قبلهما (ولم يكن هذا) أي ابتداء الرسائل بها (في الصّدر الأوّل) أي في زمنه ﵇ مطلقا أو في زمن أصحابه شائعا فلا ينافي ما ذكره الدلجي من أنه أول من فعله من الخلفاء أبو بكر بشهادة ما في سيرة الكلاعي أن بني سليم لما ارتدوا كتب إلى عامله عليهم طريفة ابن حاجر بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر خليفة رسول الله إلى طريفة بن حاجر سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأسأله أن يصلي على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أما بعد إلخ وفي اذكار النووي عن حماد بن سلمة أن مكاتبة المسلمين كانت من فلان إلى فلان أما بعد سلام عليك الخ وأصله كتابه ﵇ إلى هرقل عظيم الروم ثم

стр. 882

أحدث هذه الزنادقة هذه المكاتبات المبدوءة بالطلبقة أي أطال الله بقاك (وأحدث) بصيغة المجهول أي وابتدع ابتداء الرسائل بها (عند ولاية بني هاشم) أي بني عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم وأولهم السفاح (فَمَضَى بِهِ عَمَلُ النَّاسِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ) أي نواحيها (ومنهم من يختم به) أي بما ذكر من الصلاة عليه ﵇ (أيضا) مع الابتداء به أو بدونه (الكتب) أي المكاتيب (وقال صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا دَامَ اسمي في ذلك الكتاب) رواه الطبراني في الأوسط بسند حسن والخطيب في شرف أصحاب الحديث وأبو الشيخ في الثواب وغيرهم (ومن مواطن السّلام) أي بانفراده (على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم تشهّد الصّلاة) أي في أثنائه (قال) كذا في نسخة أي المصنف (حدّثنا أبو القاسم خلف بن إبراهيم المقرىء الخطيب ﵀ وغيره) أي من مشايخه المعروفة عنده ولا يضره قول الحلبي لا أعرفه (قال) أي أبو القاسم (حدّثتني كريمة) وفي نسخة صحيحة قالوا حدثتنا (بنت محمد) وفي نسخة بنت أحمد وقد تقدمت (قالت) أي حدثنا (أبو الهيثم) الكشميهني (حدّثنا محمد بن يوسف) أي الفربري (حدّثنا محمد بن إسماعيل) أي الإمام البخاري (حدّثنا أبو نعيم) بالتصغير هو الفضل بن دكين الحافظ يروي عن الأعمش وطائفة وعنه البخاري وجماعة (حدّثنا الأعمش) وهو سليمان بن مهران (عن شقيق بن سلمة) أي الأسدي مخضرم سمع عمر ومعاذا وقال أدركت سبع سنين من سني الجاهلية وكان من العلماء العاملين أخرج له الأئمة الستة (عن عبد الله بن مسعود) وقد رواه أصحاب الكتب الستة عنه (عن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) اعتمد الدلجي على أصله السقيم قال ظاهره على أنه موقوف عليه وهو في حكم المرفوع (قال إذا صلّى أحدكم) أي فرضا أو نقلا (فليقل) أي في كل قعدة من صلاته وجوبا (التحيّات لله والصّلوات والطّيّبات) أي العابدات القولية والفعلية والمالية كلها لله تعالى (السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) قال الدلجي وإنما قال عليك دون على النبي تبعا للفظه ﵇ وقت علمهم وعدوله إليه ليخاطبوه إذا كان حيا فلما توفي ذهب بعضهم إلى الغيبة بشهادة حديث البخاري عن ابن مسعود كنا نقول السلام عليك وهو بين ظهرانينا ولما قبض قلنا السلام على النبي قلت إن ثبت عنه أراد بهذا في الصلاة فهذا مذهبه المختص به إذا جمع الأربعة على أن المصلي يقول أيها النبي وأن هذا من خصوصياته ﵇ إذ لو خاطب مصل أحدا غيره ويقول السلام عليك بطلت صلاته (السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ- فَإِنَّكُمْ إذا قلتموها) أي جملة السلام علينا إلى آخرها (أصابت) أي السلامة أو كلمة السلام (كلّ عبد صالح في السّماء) من الملائكة (والأرض) من الأنبياء والأولياء والصالح من يقوم بأداء حقوق الله وحقوق عباده (هذا) أي وقت أداء الصلاة أو تشهد الصلاة (أَحَدُ مَوَاطِنِ التَّسْلِيمِ عَلَيْهِ، وَسُنَّتُهُ أَوَّلُ التَّشَهُّدِ) أي بعد الثناء على الله سبحانه وقبل أن يقول أشهد (وقد روى مالك) أي في الموطأ (عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما (أنّه

стр. 883

كان يقول ذلك) أي السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (إذا فرغ من تشهّد وأراد أن يسلّم) أي ليخرج من صلاته (واستحبّ مالك في المبسوط) وفي نسخة في المبسوطة (أن يسلّم بمثل ذلك) أي استحب فيها أن يقال ما رواه ابن عمر (قبل السّلام) أي من صلاته قال الدلجي وليس هذا من مشهور مذهبه (قال محمد ابن مسلمة أراد) أي مالك (ما جاء عن عائشة وابن عمر) رضي الله تعالى عنهما (أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ عِنْدَ سَلَامِهِمَا السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وعلى عباد الله الصّالحين؛ السّلام عليكم) أي ورحمة الله (واستحبّ أهل العلم أن ينوي الإنسان) أي المصلي إماما أو مأموما أو منفردا (حين سلامه) أي من صلاته عن يمينه ويساره وفي نسخة عند سلامه (كلّ عبد) وفي نسخة على كُلَّ عَبْدٍ (صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنَ الملائكة وبني آدم والجنّ) أي ممن حضره فإن أصحاب أبي حنيفة على أن الإمام ينوي بطرفيه من ثمه من الملك والبشر وكذا المقتدي إلّا أنه ينوي إمامه أيضا في تسليمة واحدة إذا كان في أحد طرفيه وفيهما إذا كان محاذيا والمنفرد ينوي الملك فقط وذكر الدلجي أن أصحاب الشافعي على أن الإمام ينوي بسلامه المقتدين به وهم ينوون بسلامهم الرد عليه وغيره ينوي به من عن يمينه ويساره وهو الرد (قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَأُحِبُّ لِلْمَأْمُومِ إِذَا سَلَّمَ إِمَامُهُ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصّالحين السّلام عليكم) قال الدلجي وهذا غريب ليس من مشهور مذهبه ثم اعلم إن مواطن الصلاة عليه تزيد على أربعين موضعا ولعله إن وفقني على جمعها أجعلها في رسالة مستقلة مع ما ورد فيها من الأدلة. فصل [في كيفية الصلاة عليه والتسليم] (في كيفية الصلاة عليه والتسليم) أي بألفاظ وردت ﵊ وثبتت عند العلماء الأعلام (قال) كذا في نسخة أي المصنف (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْفَقِيهُ بقراءتي عليه حدّثنا القاضي أبو الأصبغ) بفتح الهمزة والموحدة فغين معجمة عيسى بن سهل (حدثنا أبو عبد الله بن عتّاب) بتشديد الفوقية (حدّثنا أبو بكر بن واقد) بالقاف المكسورة (وغيره) أي من المشايخ (حدّثنا أبو عيسى) المفهوم من كلام الدلجي إنه الإمام الترمذي وهو الظاهر عند إطلاقه وقال الحلبي هو يحيى بن عبد الله بن يحيى بن كثير ووافقه الانطاكي ويؤيده قوله (حدّثنا عبيد الله) قال الحلبي هذا عم أبي عيسى الذي قبله وهو عبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثي (حدّثنا يحيى) هذا هو يحيى بن يحيى الليثي أحد رواة الموطأ عن مالك (حدّثنا مالك) وهو الإمام (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حزم) وفي نسخة أبي بكر بن عمرو بن حزم روى عنه السفيانان (عن أبيه عن عمرو بن سليم) بالتصغير (الزّرقيّ) بضم الزاء وفتح الراء مخففة فقاف فياء نسبية أنصاري يروي عن أبي قتادة وأبي هريرة رضي الله تعالى

стр. 884

عنهما وعنه الزهري وطائفة (أنه قال أخبرني أبو حميد) بالتصغير (الساعديّ) منسوب إلى بني ساعدة من الأنصار خزرجي مدني له صحبة بقي إلى حدود ستين (أنهم) أي بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم (قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ) وهو مطلق يشمل حال الصلاة وغيرها (فقال قولوا) ربما يستدل به على فريضة الصلاة عليه في الصلاة لأن الأصل في الأمر الوجوب والإجماع على عدم وجوبها في غير الصلاة ولعل الجمهور حملوه على الاستحباب مطلقا إلّا إنها في الصلاة آكد والله أعلم (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صلّيت على آل إبراهيم) قيل الآل مقحمة وقيل المراد آل إبراهيم معه والتشبيه من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر لا من باب إلحاق الناقص بالكمال فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم أكمل الخلق فالصلاة المطلوبة له من الحق محمولة على الأفضل فالمعنى صل عليه صلاة مشهورة كشهرة صلاة الملائكة على إبراهيم لقوله تعالى رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وقد ورد في بعض طرق الحديث زيادة إنك حميد مجيد (وبارك) وفي رواية اللهم بارك (على محمّد) أي اثبت وأدم ما منحته إليه وأنعمته عليه (وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إنّك حميد) أي محمود بذاتك وصفاتك سواء حمدت أو لم تحمد على لسان مخلوقاتك أو حامد بكلماتك على ما أظهرت من آلائك في مصنوعاتك فهو الحامد والمحمود لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه وأسنده إليه بنحو قوله فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (مجيد) أي كريم كثير الإحسان عظيم كبير الامتنان والحديث قد أخرجه القاضي من موطأ يحيى بن يحيى كما ترى وقد أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه كلهم عن مالك به فإن قيل لم عدل عن أخراجه من الكتب والمذكورة فالجواب أنه يقع له من الموطأ أعلى لأن بينه وبين مالك فيه ستة أشخاص من غير إجازة في الطريق (وفي رواية مالك) أي في الموطأ (عن أبي مسعود الأنصاري) رضي الله تعالى عنه أي البدري لنزوله بدرا وقيل لحضوره إياه وأبو مسعود هذا هو عقبة بن عمر وقد تقدم (قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله) أي آل محمد (كما صلّيت على آل إبراهيم) وهو صلى الله تعالى عليه وسلم أيضا من أشرف آله فتكون الصلاة مضاعفة عليه في حاله وإذا دخل في الآل يرتفع ما سبق في التشبيه من الإشكال والله أعلم بالحال. واعلم أنه استشكل هذا الحديث بناء على القاعدة الأغلبية من أن المشبه به يكون أفضل من المشبه فقبل إن ذلك كان قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم ﵉ وقيل صدر عنه صلى الله تعالى عليه وسلم تواضعا عند ربه أو هضما لنفسه أو تأدبا مع جده وقيل سأل صلاة يتخذه بها خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا وهذا لا يتم إلا بما قيل من أنه أراد المشابهة في أصل الصلاة لا قدرها كما في قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وقيل التشبيه وقع في الصلاة على الآل والكلام تم عند قوله صل على محمد وقوله وعلى آل محمد كلام مستأنف

стр. 885

والمعنى وصل على آل محمد كما صليت ويحكى هذا عن الشافعي لكن تكلفه لا يخفى وقيل هو على ظاهره والمراد اجعل لمحمد وآله صلاة كصلاة إبراهيم وآله فالمسؤول مقابلة الجملة بالجملة لأن المختار من القول في الآل إنهم جميع الأتباع فيدخل في آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء وكذا ذكره الانطاكي ولا يحتاج إلى تفسير الآل بالاتباع لأن الأنبياء ﵈ بعد إبراهيم كلهم من ذريته فأنبياء بني اسرائيل من نسل إسحاق ونبينا من نسل إسماعيل فهو صلى الله تعالى عليه وسلم من جملة آله فآله باعتبار هذا المعنى ومآله أعظم والله أعلم (وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حميد) أي في جميع الأحوال (مجيد) أي كثير البر والنوال (والسّلام كما قد علّمتم) بكسر لام مخففة مع فتح أوله أو مشددة مع ضم أوله أي كما عرفتم في التشهد (وفي رواية كعب بن عجرة) بضم مهملة وسكون جيم وهو من أصحاب الشجرة روى عنه الشعبي وابن سيرين وغيرهما مات سنة إحدى وخمسين والحديث رواه الأئمة الستة عنه مرفوعا (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صلّيت على إبراهيم) وفي نسخة على آل إِبْرَاهِيمَ (وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد) أي مبالغ في المجد والشرف والكرم وعن علي كرم الله وجهه أما نحن بنو هاشم فأنجاد أمجاد أي أشراف كرام (وعن عقبة بن عمرو) أي كما رواه مسلم وغيره عنه مرفوعا (فِي حَدِيثِهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأمّيّ) أي الذي على أصل خلقته لم يتعلم قراءة ولا كتابة بعد ولادته فيكون ظهور كمال علمه من خوارق عاداته (وعلى آل محمد) قال الشافعي ﵀ هم من حرمت عليهم الزكاة قال الدلجي ويؤيده قول الحسين بن علي إنا آل محمد لا نأكل أو لا يحل لنا الصدقة والأظهر أن المراد جميع أقاربه وأهل بيته وقيل أزواجه وذريته أو جميع أمته ورجحه النووي في شرح المهذب وقيده القاضي حسين بالأتقياء منهم في حديث البخاري وربما يقال أمة الإجابة كلهم اتقياء فإن التقوى ترك الشرك وقد ورد كل تقي آلى نعم على قدر مراتب التقوى تحصل المشاركة في المقام الأعلى (وفي رواية أبي سعيد الخدريّ) رضي الله تعالى عنه (اللهمّ صلّ على محمد عبدك) أي الأكمل (ورسولك) أي الأفضل فالإضافة للتعظيم والتكريم أو للعهد المخرج توهم التعميم وفيه إيماء إلى الاعتراف بالعبودية والتحدث بنعمة رسالة الربوبية (وذكر معناه) أي معنى الحديث ومبناه ويروى وذكر بمعناه (وَحَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ سَمَاعًا عليه وأبو عليّ الحسن بن طريف) بفتح مهملة (النّحويّ) أي المنسوب إلى النحو لمهارته في علمه وشهرته في فنه (بقراءتي عليه قالا) أي كلاهما (ثنا) أي حدثنا (أبو عبد الله بن سعدون) بفتح سين وضم دال مهملتين ممنوع وقيل مصروف (الفقيه) أي العالم بالفقه (حدّثنا أبو بكر المطّوعيّ) بفتح الواو مشددة (قال حدّثنا أبو عبد الله الحاكم) أي النيسابوري شيخ أهل الحديث في عصره وصاحب التصانيف في دهره ولد سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة في ربيع الأول وطلب من صغره الحديث باعتناء أبيه وخاله فسمع سنة

стр. 886

ثلاثين وثلاثمائة ورحل إلى العراق وهو ابن عشرين وحج ثم جال في خراسان وما وراء النهر وسمع من ألفي شيخ تقريبا وفي مستدركه أحاديث ضعيفة وموضوعة أيضا لا يخفى بطلانها على من له معرفة بها وقد وثق جماعة قد ضعفهم هو في مواضع أخر وذكر أنه تبين جرحهم بالدليل توفي في صفر سنة خمس وأربعمائة (عن أبي بكر بن أبي دارم) بكسر الراء (الحافظ) أي السبيعي التميمي محدث الكوفة سمع إبراهيم بن عبد الله بن القصّار وأحمد بن موسى الحمار وغيرهما روى عنه الحاكم وتكلم فيه أبو بكر بن مردويه وآخرون وكان موصوفا بالحفظ لكن كان يترفض واتهم بالكذب توفي سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة (عن عليّ بن أحمد العجليّ) بكسر مهملة وسكون جيم (عن حرب) بالموحدة وفي نسخة حارث بالمثلثة (ابن الحسن) وهو الطحان قال الأزدي ليس حديثه بذاك قاله في الميزان قال الحلبي لكن ذكره ابن حبان في ثقاته (عن يحيى بن المساور) بضم الميم وكسر الواو قال الذهبي فيه عن جعفر الصادق قال الأزدي كذاب (عن عمرو بن خالد) هو أبو خالد القرشي مولى بني هاشم كوفي نزل واسط يروي عن حبيب بن أبي ثابت وزيد بن علي وأبي جعفر الباقر وجماعة وعنه حجاج بن أرطأة وإسرائيل وإسماعيل بن أبي عياش وخلق كذاب له ترجمة قبحة في الميزان (عن زيد بن علي بن الحسين) أي ابن علي بن أبي طالب وهو أبو الحسين العلوي المدني أخو محمد الباقر وعبد الله وعمر وعلي وحسين روى عن أبيه وأبان بن عثمان وعروة بن الزبير وغيرهم وعنه الزهري وزكريا بن أبي زائدة وشعبة وعمرو بن خالد وخلق ذكره ابن حبان في الثقات وقال رأي جماعة من الصحابة استشهد سنة اثنتين وعشرين ومائة (عن أبيه عليّ) أبوه عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب زين العابدين يروي عن أبيه وعائشة وأبي هريرة وجمع وعنه بنوه محمد وزيد وعمر والزهري وأبو الزناد وخلق قال الزهري ما رأيت قريشا أفضل منه ثقة مأمون (عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أبي طالب قال) أي علي (عدّهنّ) أي الكلمات الآتية فالضمير مبهم مفسر بما بعده (في يدي) وفي نسخة بصيغة التثنية (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) مرفوع على أنه فاعل عد (وقال) أي النبي ﵊ (عدّهنّ في يدي جبريل وقال هكذا) أي الكلمات المعدودة (نزلت) بتسكين تاء التأنيث وفي نسخة نزلت بهن (مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعِزَّةِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبراهيم وعلى آل إبراهيم) وفي نسخة ربنا أي ربنا (إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد) وهذا المقدار تقدم أنه صحيح رواه أصحاب الكتب الستة عنه صلى الله تعالى عليه وسلم (اللهمّ وترحّم) بتشديد الحاء على صيغة الدعاء أي أظهر الرحمة الوافية والرأفة الكافية (عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا تَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مجيد اللهم وتحنن) أي أظهر الحنان وهو على ما في القاموس كسحاب الرحمة والرزق والبركة والوقار والهيبة ورقة القلب والحنان كشداد من اسمائه ومعناه الذي يقبل على

стр. 887

من أعرض عنه فلا يبعد أن يقال المعنى على قصد التجريد في المبنى اللهم وأقبل (عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا تَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ وَتَحَنَّنْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا تَحَنَّنْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبراهيم إنك حميد مجيد) قال الحلبي هذا الحديث مسلسل وقد رويته عن غير واحد مسلسلا وقال الدلجي ما أورده المصنف هنا عن أبي عبد الله الحاكم فقد قال النميري إسناده ذاهب وفيه عمرو بن خالد الواسطي وهو متروك لوضعه على أهل البيت وفيه حرب بن الحسين الطائي ويحيى بن المساور وهما مجهولان قلت غايته أن الحديث ضعيف وقد أجمع العلماء على أنه يعمل به في فضائل الأعمال (وعن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه أي برواية أبي داود عنه (عن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم من سرّه) أي أعجبه (أن يكتال) بفتح الياء وروي بضمها أي يأخذ الأجر الأعلى (بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ) بالنصب على المدح أو بتقدير يعني وفي نسخة بالجر على أنه بدل من الضمير في علينا (فليقل) أي صلاته أو في جميع حالاته (اللهمّ صلّ على محمد النبيّ) أي الموصوف بالرسالة (وأزواجه أمّهات المؤمنين) إيماء إلى قوله تعالى وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ (وذرّيّته) أي أولاده وحفدته (وأهل بيته) أي أقاربه وهو تعميم بعد تخصيص مشيرا إلى قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ (كما صلّيت على آل إبراهيم) أي بقولك رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ولهذا ختم بقوله (إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَفِي رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ خارجة الأنصاريّ) وهو الخزرجي الحارثي المتكلم بعد الموت على الصحيح وقيل هو أبوه وذلك وهم لأنه قتل يوم أحد وهذا تكلم في زمن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال ابن منده شهد بدرا والحديث رواه الديلمي في مسند الفردوس عنه (سألت النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ فَقَالَ صَلُّوا) أي الصلاة بشرائطها وأركانها وسننها (واجتهدوا في الدّعاء) أي بعد التحريمة وفي الركوع والسجود وفي آخر الصلاة (ثمّ قولوا) أي وقولوا وعبر بثم للترقي أو للتراخي في الأخبار ولا يبعد أن يراد بالاجتهاد في الدعاء المبالغة في الثناء بالتحيات الواردة عن سيد الأنبياء ثم قولوا بعد السلام المندرج في ضمن التحيات قبل السلام الصارف عن الصلاة (اللهمّ بارك) أي أكثر الصلاة والرحمة (عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ على إبراهيم إنّك حميد مجيد) وفي الحديث دليل على أنه يجوز الاكتفاء بهذا اللفظ الوارد وإن كان ما سبق أفضل وأكمل فتأمل (وعن سلامة الكنديّ) بكسر الكاف ذكره ابن حبان في الثقات (كان عليّ) رضي الله تعالى عنه (يعلّمنا) وفي رواية يعلم الناس (الصّلاة على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لداخل الصلاة وخارجها وهو موقوف وقد صح سنده قال الدلجي لكن أعل وإن صحح سنده بأن روايته عنه مرسلة إذ لم يدركه انتهى وهو مردود بما ذكره ابن حبان أنه روى عن علي وروى عنه نوح بن قيس الطاحي انتهى ومثل هذا لا يقال في الإرسال ثم رأيت قال الشيخ ابن كثير في تفسيره روينا من طريق سعيد بن منصور

стр. 888

وزيد بن الحباب ويزيد بن هارون ثلاثتهم عن نوح بن قيس حدثنا سلامة الكندي أن عليا كان يعلم الناس (اللهمّ داحي المدحوّات) بتشديد الواو وفي رواية المدحيات بتشديد التحتية فيهما اسما مفعول من دحا يدحو ويدحي أي يا باسط المبسوطات كالأرض إذ خلقها ربوة ثم دحاها أي بسطها ومدها مد الأديم قال تعالى وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ وفي الآيتين رد على أهل الهيئة القائلة بغير هذه الكيفية من الكرة المخالفة للأدلة النقلية بمجرد التوهمات العقلية (وبارىء المسموكات) من برأ الشيء أي خلقه بريئا من التفاوت قال تعالى ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ وفي قراءة من تفوت أي نقصان وزيادة وقصور في مادة أي خالق المرفوعات من سمكه إذا رفعه كالسموات فإنها مرتفعة عن السفليات مسيرة خمسمائة عام كما ثبت في الروايات وروي سامك المسموكات أي رافعها وما أحسن المناسبة بين الفقرتين فإن معنى الأولى واضعها وخافضها كما قال تعالى وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ وفي العبارة ترق في الكلام وفيه إيماء إلى أنه يرفع قوما ويضع آخرين كما تقتضيه اسماؤه الجمالية وصفاته الجلالية (اجعل شرائف صلواتك) أي خيارها وارفعها قدرا وأتمها نورا قيل للأعمش لم لم تستكثر من الرواية عن الشعبي فقال كان يحقرني كنت آتي مع إبراهيم النخعي فيرحب به ويقول لي اقعد ثمه أيها العبد ثم يقول لا يرفع العبد فوق سنته ... ما دام فينا بأرضنا شرف ولعله كان يعمل بما روي نزل الناس على قدر منازلهم فلا يكون تحقيرا له (ونوامي بركاتك) الإضافة فيها وفيما قبلها من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف أي بركاتك النامية الزاكية الدائمة في الزيادة الكافية الوافية (ورأفة تحنّنك) أي اجعل رأفة تنشأ من تحيتك والرأفة أشد الرحمة وفي نسخة تحننك بتاء فوقية فمهملة فنونين أي رحمتك ومنه قوله تعالى وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا أي واجعل أشد تعطفك وترحمك (على محمد عبدك ورسولك) أي الجامع لوظيفة العبودية والقيام بحق الربوبية (الفاتح لما أغلق) بصيغة المجهول أي المبين لمشكلات الأمور قَالَ تَعَالَى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ فهو فاتح لما عسر من أبواب كنوز المبرات وأسباب رموز المسرات إذ قد فتح بإقامة الحجة وإشاعة المحجة أبواب الهداية وأسباب الرعاية المانعة عن الوقوع في الغواية وفي الحديث أوتيت مفاتيح خزائن السموات والأرض وكأنه أراد ما سهله الله تعالى له ولأمته من فتح البلاد وإخراج كنوزها للعباد وفي حديث آخر أوتيت مفاتيح الكلام أي ما منحه الله تعالى من البلاغة والبراعة والفصاحة والنصاعة بالوصول إلى حقائق المباني ودقائق المعاني مما أغلق على غيره من الخلق أجمعين (والخاتم) بكسر التاء وفتحها (لما سبق) أي من النبين والمرسلين وفيه تلويح إلى قوله تعالى وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ ولا يبعد أن يراد بالفاتح الإسناد المجازي مشيرا إلى أنه الذي أفتتح به الوجودات وابتدىء به الكائنات كما قال أول ما خلق الله روحي أو نوري أو لأنه كالعلة الغائية في ظهور

стр. 889

المراتب الاسمائية كما ورد لولاك لما خلقت الأفلاك وكما قال تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ وهو الأكمل في مقام العبادة وحالة العبودية (والمعلن الحقّ) بالجر على الإضافة وبالنصب على المفعولية بنزع الخافض أي المظهر لأمر الحق (بالحق) أي بطريق الصدق وليس المراد بهما معنى واحد حتى يصح للدلجي أن يقول وضعه موضعه ضميره قصدا لزيادة تمكينه وتلويحا بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لا يعلن إلا به نعم يمكن أن يراد بالحق اسمه تعالى فالمعنى أنه مظهر للحق بمعاونة الحق إيماء إلى مقام الجمع من ملاحظة فنائه ويقائه (والدّامغ لجيشات الأباطيل) جمع جيشة وهو المرة من جاش إذا فار وارتفع والأباطيل جمع باطل على غير قياس وفي نسخة الأباطل بلا ياء وأصل الدمغ اصابة الدماغ وهو مقتل والمراد به هنا الدفع ومنه قوله تعالى بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ أي القامع لظهورها والدافع لشرورها (كما حمل) بضم الحاء وتشديد الميم المكسورة وهو خبر مبتدأ محذوف أي هذه الحال من وصفه صلى الله تعالى عليه وسلم بما ذكر من الكمال مثل حال وصفه بما حمله من أعباء الرسالة وأثقال النبوة (فاضطلع) بالضاد المعجمة افتعال من الضلاعة وهي القوة ومنها الاضلاع أي فقوي على ما حمله ونهض (بأمرك) أي بإذنك وتيسيرك وإعانتك إياه عليه وتوفيقك له أو فقام بمأمورك الذي كلفته حمله (لطاعتك) أي لأجلها أو ممتثلا لها وفي نسخة صحيحة بطاعتك فالباء للسببية فتشارك اللام في معناها (مستوفزا) بكسر الفا بعدها زاء أي منتصبا ناهضا أو قائما مستعجلا (في مرضاتك) أي لطلب ما فيه رضاك أو في تحصيل مرضاتك وزاد الدلجي في أصله بغير نكل في قدم بضم نون وسكون كاف وكسر قاف وسكون دال من نكل به إذا جعله عبرة لغيره ومنه قوله تعالى فَجَعَلْناها نَكالًا والمعنى بغير جبن في إقدام ولا وهن في عزم أي ولا ضعف في أمر حزم وحكم حتم وجزم وفي الحديث أنه ﵊ قال لأبي بكر متى توتر قال أول الليل وقال لعمر متى توتر قال آخر الليل فقال لأبي بكر أخذت بالحزم ولعمر أخذت بالعزم ولا خير في عزم بلا حزم وأما قول المصنف (واعيا لوحيك) فهو من وعى يعي وعيا إذا حفظ وفهم ومنه قوله تعالى أُذُنٌ واعِيَةٌ ويقال للإناء الوعاء لحفظه ما فيه من نحو الماء أي مراعيا لما أوحيته إليه وفاهما لما بينته لديه صلى الله تعالى عليه وسلم (حافظا لعهدك) أي الذي عاهدك عليه من الإيمان بألوهيتك والإقرار بوحدانيتك والإخلاص في عبوديتك والقيام بحق رسالتك وفي هذا تلويح إلى قوله ﵊ وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أي مقيم عليهما ومتمسك بهما مدة استطاعتي وحالة طاقتي لعجزي عن بلوغ كنه ما أوجبته على من أطاعني في عبادتي وطاعتي أو عن دفع ما قضيته علي في سابق قضائك أي إن كنت قضيت علي أن انقض العهد وقتا ما فإني أتنصل منه معتذرا إليك (ماضيا) أي جاريا ومستمرا أو مقدما (على نفاذ أمرك) بالذال المعجمة على امضائه ترغيبا إليك وترهيبا لما لديك (حتّى أورى قبسا) من أوريت الزند إذا قدحته فأخرجت ناره والقبس بفتحتين ما اقتبس

стр. 890

أي أخذ من النار فهو شعلة منها ومنه قوله تعالى بِشِهابٍ قَبَسٍ واستعير النار هنا للنور والجملة غاية لما قبلها أي لم يزل مجاهدا في إبلاغ ما أمر به مرغبا في موافقته مرهبا من مخالفته حتى أظهر دينا بينا كالقبس نورا نيرا (لقابس) أي لطالب النور الموجب للحضور والسرور (آلاء الله) بالرفع مبتدأ أي نعمه (تصل بأهله أسبابه) بالنصب أي وسائله التي قدرها وذرائعه التي قررها وفي اللوح المحفوظ حررها وفي أصل الدلجي لقابس آلاء الله بالإضافة أي لمبتغي سوابغ نعمه ومواهب كرمه تصل بأهله أي بأهل القبس يعني بالمبتغين له أسبابه بالرفع أي وسائله الموصلة إليه من العناية وتوفيق الهداية من البداية إلى النهاية مما به الفوز أبدا معاشا ومعادا (به) أي به ﵊ (هديت القلوب) بصيغة المفعول وفي نسخة بصيغة الفاعل أي قلوب أهل الإسلام من بين الأنام فانقادت مذعنة لقبول الأحكام (بعد خوضات الفتن والآثام) أي بعد دخول القلوب في ميدان فتن الأيام وشروعها في مهاوي المعاصي أو الآثام (وأبهج) أي عين وبين (موضحات الأعلام) وسقط في أصل الدلجي لفظ وانهج فقال موضحات متعلق بهديت والأصل إلى موضحات فحذف الجار وأوصل الفعل أقول وعلى تقدير صحة ترك وانهج لا يبعد أن يقال المعنى حال كون تلك القلوب مبينات أعلام الغيوب وقال الأنطاكي هو بفتح الضاد على بناء المفعول أي فأصبحت القلوب بما رزقت من الهداية به ﵊ منشورات الأعلام انتهى ولا يخفى أن ما قدمناه أولى وأنسب بقوله (ونائرات الأحكام) من نار لازما بمعنى ظهر أي واضحاتها وبيناتها وقول الحلبي نايرات بالنون أوله ومثناة تحتية بعد الألف محمول على ما قبل الاعلال وإلا فيقرأ بالهمزة فلا إشكال (ومنيرات الإسلام) من أنار متعديا أي ومظهرات أحكامه ورافعات أعلامه (فهو) بضم الهاء واسكانها لغتان مشهورتان وقراءتان متواترتان والضمير راجع إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (أمينك المأمون) أي حافظ دينك وعهدك الذي ائتمنته عليه وفوضت أمر بيانه إليه (وخازن علمك المخزون) أي وسائر ما استودعته من أسرار الربوبية التي تعجز عن إدراكها عامة أرباب العبودية كما قيل صدور الأحرار قبور الأسرار (وشهيدك) أي الشاهد عندك للأنبياء والأصفياء وعلى أممهم الأشقياء (يوم الدين) أي يوم الجزاء وفصل القضاء قال تَعَالَى فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً فقيل المراد بالإشارة إلى هؤلاء أمته من العلماء والأولياء وهم شهداء على أمم سائر الأنبياء ويدل عليه قوله تَعَالَى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ولا منع من الجمع بين الشهادة للأصل والفرع (وبعيثك) أي مبعوثك الذي بعثته أي أرسلته (نعمة) أي للمؤمنين أي هداية ودلالة للكافرين (ورسولك بالحقّ) أي إلى الحق (رحمة) أي للعالمين لمن آمن في الدنيا والآخرة ولمن كفر في الدنيا لا في العقبى (اللهمّ أفسح له) أي وسع لأجله المقام الأعلى (في عدنك) أي في جنة عدنك ودار كرامتك فعدن علم لمعنى العدن وهو الإقامة من عدن بالمكان إذا أقام به ولم يبرح منه سمى بها جنتها لعلاقة الظرفية

стр. 891

قيل عدن اسم جنة من جملة الجنان فهو في الجنان كآدم في نوع الإنسان والصحيح أنه اسم لجملة الجنان فكلها جنات عدن قال تعالى جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ وقال جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وقال وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وجَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ والاشتقاق أيضا يدل على أنه أعم والله أعلم ويروى في عدتك ولعله بكسر العين وتخفيف الدال بمعنى وعدك أي في موضعه ومحله (واجزه) بهمزة وصل وسكون جيم فزاء مكسورة ومنه قوله تعالى وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً وهذا هو الأصل المطابق للرواية الموافق للدراية وكأنه تصحف على الدلجي حيث لم يذكر هذا الوجه الوجيه وقال يجوز أن يكون بهمزة قطع وجيم مكسورة وزاء من أجازه إذا أعطاه انتهى ولا يوجد في القاموس هذا المعنى ثم قال ويجوز أن يكون بوصل وجيم مضمومة وراء أي أعطه أجره فيه أنه لا يتعدى إلى مفعولين ويجوز في مضارعه الكسر والضم ويجوز قطع همزه ممدودا مع كسر جيمه يقال أجره يأجره ويأجره جزاء كآجره فيرجع إلى معنى الأول فتأمل ثم رأيت الحلبي قال في النسخة المذكورة بفتح الهمزة ثم جيم ساكنة ثم بالزاء المكسورة والصواب بوصل الهمزة انتهى وبه تبين خطأ الأنطاكي حيث قال هو بهمزة مفتوحة مقطوعة وقوله (مضاعفات الخير) أي أنواع الخير المضاعفة أضعافا كثيرة (من فضلك) إذ لا يجب عليك شيء من عندك (مهنّئات) بكسر النون المشددة وفي نسخة بفتحها وهو حال من مضاعفات من هنأني الطعام يهنأني إذا ساغ بلا تنغيص وكل ما أتاك بلا تعب كذا ذكره الدلجي وهو توهم أنه من الثلاثي المجرد وليس كذلك بل هو من باب التفعل (غير مكدّرات) بكسر الدال المشددة وفتحها صفة لمهنئات أي غير منغصات (من فوز ثوابك) بالزاء أي من أجل الظفر بأجرك (المحلول) أي الذي يحل فيه وفسر بالمنول وتصحف الفوز على الدلجي فقال من فارت القدر إذا غلت فاستعير للسرعة أي من سريع فضلك الذي لا بطء فيه (وجزيل عطائك) أي كثيره (المعلول) مأخوذ من العلل بفتحتين وهو الشرب ثانيا بعد النهل بفتحتين وهو الشرب أولا وقد وهم الدلجي حيث قال في الأول بفتحات ثلاث وفي الثاني بثلاث فتحات والمعنى عطاؤك المضاعف تعل به عبادك مرة بعد مرة أخرى فشبه وافر عطائه بمنهل عذب يرده العطاش ومنه قول كعب بن زهير رضي الله تعالى عنه. [كأنه منهل بالراح معلول] (اللهمّ أعل) بفتح الهمزة وكسر اللام أمر من الاعلاء وفي نسخة عل بفتح العين وتشديد المكسورة أمر من التعلية أي ارفع (على بناء النّاس) وفي رواية على بناء البانين جمع بان اسم فاعل من بنى يبني بناء بالكسر (بناءه) والمعنى ارفع على عمل العاملين عمله أو على منازلهم في الجنة منزله أو اعل بناء دينه على بناء أديان سائر الناس فيكون إيماء إلى قوله تعالى لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ أي ليعليه ويغلبه وفي نسخة بالمثلثة المفتوحة في الموضعين

стр. 892

بدل الموحدة المكسورة وقال الدلجي أو أطل على ذواتهم ذاته حتى لا يطوله أحد بشهادة قول سليمان ﵇ من هدم بناء ربه ﵎ فهو ملعون يعني من قتل إنسانا ظلما من حيث إن أصل البناء ضم شيء إلى شيء وهو أجزاء خلقها الله تعالى مضموما بعضها إلى بعض مركبة فشبه بالبناء لذلك انتهى ولا يخفى أن هذا الدعاء إنما يناسب في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم فإنه كان لا يكتنفه طويلان إلا طالهما مع أنه كان ربعة أقرب إلى الطول في سائر أحواله المناسب إلى التوسط في اعتداله اللهم إلا أن يقال المراد بإطالة ذاته بقاء جسده الشريف بعد مماته على ما كان عليه مدة حياته فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ﵈ ويلائمه قوله (وأكرم مثواه لديك) أي منزله ومأواه عندك (ونزله) بضمتين ويسكن الزاء أي أجره وثوابه وجزاءه وهو في الأصل الطعام المهيأ للضيف (وأتمّ) بتشديد الميم المفتوحة وفي نسخة وأتمم (له نوره) أي الذي سألك أن تجعله في قلبه وبصره وسمعه وعن يمينه وعن شماله ليتحلى بأنوار المعارف ويتجلى بأسرار العوارف وفي الحديث تلميح إلى قوله تعالى رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا (واجره) بفتح الهمزة وسكون الجيم فراء أي جزاءه الذي يوجب سروره قال الحلبي الأجر معروف وهو منصوب معطوف على ما قبله من قوله نوره والمفهوم من قول الدلجي وأجزه الجزاء الأوفى أنه تصحف عليه الراء وأنه جعله أمرا معطوفا على أكرم أو أتم وكأنه تبع الحجازي في قوله ويروى واجزه بهمزة وصل من الجزاء (من ابتعاثك) مصدر من باب الانفعال من البعث أي من بعثك إياه وفي نسخة من الافتعال والجار متعلق بأكرم وهو أنسب أو بأتم وهو أقرب والمعنى لأجل اقامتك إياه من قبره (له مقبول الشّهادة) أي تزكية لأمته إذا شهدوا للأنبياء أنهم قد بلغوا أممهم الرسالة بعد ما جحدوا تبليغهم أي إياهم يوم القيامة ونصبه على الحال من ضمير له أو على المفعولية وكذا قوله (ومرضيّ المقالة) أي مقبول الشفاعة (ذا منطق عدل) مصدر سمي به فوضع موضع عادل مبالغة في جعل منطقه عدلا أي ذا منطق مستقيم وذا كلام قويم ووهم الدلجي حيث قال مبالغة في جعل نفسه عدلا فإنه لو أريد به هذا المعنى لنصب عدل في المبنى كما لا يخفى (وخطّة فصل) أي وذا خطة فصل والخطة بضم المعجمة وتشديد المهملة الأمر والحال والقصة والفصل والقطع أو الفرق أو بمعنى الفاصل أي ذا حالة رشد وهداية واستقامة والمعنى إذا ألم به خطب عظيم وأمر مشكل جسيم فصله برأي قويم وفي حديث الحديبية لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها (وبرهان عظيم) أي وذا دليل واضح وبيان قاطع عظيم في ميدان البيان بحيث يصير الشيء الغائب كالأمر العيان (وعنه) أي وعن علي كرم الله وجهه (أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي في جملة الفاظها الواردة عنه كرم الله وجهه (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) [الْأَحْزَابِ: ٥٦] أي فنحن أولى بذلك (الآية) يعني يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً يعني لا سيما وقد أمرنا بذلك تصريحا بعد ما أشير إليه تلويحا فيجب علينا أداء إجابته والقيام بحق

стр. 893

إطاعته بأن نقول (لبّيك) أي اقمنا مرة بعد أخرى بخدمتك ودمنا بحضرتك (اللهمّ) أي يا الله أمنا برحمتك وأقصدنا بمنتك ونعمتك (ربّي) أي يا ربي (وسعديك) أي نساعد عبادتك مساعدة بعد مساعدة في طاعتك (صلوات الله البرّ) بفتح الموحدة وتشديد الراء وهو أبلغ من البار ولذا لم يرد في أسمائه ومعناه كثير البر بعباده المؤمنين من أولي البر وفي الحديث تمسحوا بالأرض فإنها بكم برة أي عليكم مشفقة كالوالدة البرة بولدها البار يعني أن منها خلقكم وفيها معاشكم ومنها بعد الموت معادكم وقد قيل البر أبر بأهله وقال تعالى أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً وأما البحر فإنه يغرق أهله ولا يفرق حزنه وسهله وقد ورد البحر من جهنم رواه الحاكم والبيهقي عن يعلى بن أمية (الرّحيم) أي كثير الرحمة بالمؤمنين وكبير العناية بالمحسنين (والملائكة المقرّبين) أي وصلواتهم (والنّبيّين) وهم أعم من المرسلين (والصّدّيقين) أي العلماء العاملين (والشّهداء والصّالحين) أي القائمين بحقوق الله تعالى وبحقوق الخلق أجمعين (وما سبّح لك من شيء) أي وصلوات جميع الأشياء فهذا تعميم بعد تخصيص كقوله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فما موصولة معطوفة على ما قبلها ومن بيانية لها وفي نسخة بدون العاطفة فما مصدرية ومن زائدة أي صلواتهم دائمة مستمرة مدة تسبيح شيء لك أي ما دام يسبحك شيء (يا ربّ العالمين) أي مربيهم ومدبر أمورهم (عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ) بكسر التاء وفتحها (وسيّد المرسلين) لكونهم تحت لوائه يوم الدين (وإمام المتّقين) أي من أرباب اليقين (ورسول ربّ العالمين) أي إلى كافة الخلق أجمعين (الشّاهد) أي للأنبياء (البشير) للأولياء (الدّاعي إليك بإذنك) أي بأمرك وتيسيرك (السّراج المنير) أي من أبصر بنوره ذو العماية واستبصر بظهوره ذو الغواية (وعليه السّلام) أي مما يغشى غيره من الملام وسوء المقام ومن دعائه ﵊ إذا دخل رمضان اللهم سلمني من رمضان وسلمه لي وسلمني منه أي لا يغشاني فيه ما يحول بيني وبين صومه وسلمه لي أي حذرا من أن يغم علي الهلال أوله وآخره فيلتبس علي صوما وفطرا وسلمني منه أي بعصمتي فيه (وعن عبد الله بن مسعود) كما رواه ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان (اللهمّ اجعل صلواتك) أي اجناسها (وبركاتك) أي أنواعها (ورحمتك) أي الخاصة (عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ محمد عبدك ورسولك إمام الخير) أي الكثير على الأمة (ورسول الرّحمة) أي على الكافة (اللهمّ ابعثه مقاما) نصبه على الظرفية أي مقاما عظيما وهو المقام المحمود الذي يحمده الأولون والآخرون بالشفاعة الكبرى والصغرى لقوله ﵊ هو المقام الذي اشفع فيه لأمتي ولا يبعد أن يراد بأمته جماعته المحتاجة إلى شفاعته وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مقاما يحمدك فيه الأولون والآخرون وتشرف فيه على جميع الخلائق تسأل فتعطي وتشفع فتشفع ليس أحد إلا تحت لوائك وعن حذيفة يجمع الناس في صعيد واحد فلا تتكلم نفس فأول مدعو محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فيقول لبيك وسعديك والشر ليس

стр. 894

إليك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك وَإِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت فهذا معنى قوله تَعَالَى عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (يغبطه) بكسر الموحدة أي يتمنى مثل مقامه (فيه الأوّلون والآخرون) وفي الحديث هل يضر الغبط قال لا إلا كما يضر العضاة الخبط أي يخبط ورقها دون قطعها والمقصود أن الغابط كالخابط ينتفع بالمغبوط والمخبوط من غير أن يحصل هناك ضرر لأحد منهما (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) أي من الأنبياء من ذريته (إنّك حميد مجيد) وقد سبق تحقيق مبناه وتدقيق معناه (وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يشرب بالكأس الأوفى) أي بالحظ الأعلى (من حوض المصطفى) أي من بحر شرعه المرتضى في الدنيا ومن نهر كوثره في العقبى (فليقل) أي دائما أو كثيرا بالقلب الأصفى (اللهمّ صلّ على محمد وعلى آله) أي من يؤول إليه أمره ويعظم لديه قدره وهو يحتمل التعميم والتخصيص ويروى وعلى آل محمد (وأصحابه) أي من أدرك جمال صحبته وتشرف برؤية طلعته (وأولاده) أي الشاملة لبناته وأحفاده (وأزواجه) أي زوجاته وسرياته (وذرّيّته) ولو كان بواسطة كثيرة في نسبته (وأهل بيته) أي المتناول لمواليه وخدمه (وأصهاره) أي من بينه وبينه مصاهرة كالشيخين والختنين (وأنصاره) أي من المهاجرين والأنصار (وأشياعه) أي أتباعه من أهل القرى والأمصار (ومحبّيه) أي من العلماء الأخيار والصلحاء الأبرار (وأمّته) أي الداخل فيهم المؤمنون الفجار (وَعَلَيْنَا مَعَهُمْ أَجْمَعِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَعَنْ طاوس عن ابن عبّاس) في رواية عبد بن حميد وعبد الرزاق بسند جيد وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ تقبّل شفاعة محمد الكبرى) أي العظمى وهي التي يفصل القضاء بين أهل الموقف بما يستحقون من الجزاء (وارفع درجته العليا) أي مرتبته العالية ومنزلته الغالية (وآته سؤله) أي أعطه مسؤوله (في الآخرة والأولى) أي الدنيا وسميت أولى لتقدمها على الأخرى (كما آتيت إبراهيم وموسى وعن وهيب) بالتصغير وفي نسخة وهب (بن الورد) وهو عبد الوهاب المكي الزاهد يروي عن حميد بن قيس وجماعة وعنه عبد الرزاق وطائفة ثقة حجة (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ أَعْطِ محمدا أفضل ما سألك لنفسه) أي من الخيرات (وَأَعْطِ مُحَمَّدًا أَفْضَلَ مَا سَأَلَكَ لَهُ أَحَدٌ من خلقك) أي من المقامات (وأعط محمدا أفضل ما أنت مسؤول له إلى يوم القيامة) أي من الكرامات (وعن ابن مسعود ﵁ أي في رواية ابن ماجه والبيهقي والديلمي والدارقطني وتمام في فوائده (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم فأحسنوا الصّلاة عليه) أي في المبنى والمعنى (فإنّكم لا تدرون) أي ما يترتب عليه هنالك (لعلّ ذلك) أي إذا قبل (يعرض عليه) أي يبلغ إليه (وقولوا) أي مثلا (اللهمّ اجعل صلواتك) أي أنواع دعواتك العامة (ورحمتك وبركاتك) أي

стр. 895

الخاصة (عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ محمد عبدك ورسولك إمام الخير) أي لنفسه (وقائد الخير) أي لغيره (ورسول الرّحمة) أي جميع الأمة فإنه كاشف الغمة (اللَّهُمَّ ابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَغْبِطُهُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ محمد كما باركت على إبراهيم) زيد في نسخة في العالمين (إنك حميد مجيد) وقد سبق أن هذه الجملة الأخيرة من أصح أنواع الصلوات مما ورد فيه الروايات (وما يؤثر) أي ما يروى (من تطويل الصّلاة) وفي نسخة في تطويل الصلاة (وتكثير الثّناء عن أهل البيت) قال الحجازي ويروى عن أهل البيت وهو الملائم لقوله (وغيرهم) أي من أصحابه وأزواجه واتباعه وأشياعه (كثير) أي يطول ذكره ويحتاج إلى مؤلف مستقل حصره (وقوله) أي وقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه موقوفا أو مرفوعا (والسلام كما قد علّمتم) أي بالوجهين والمتقدمين (هو ما علّمهم فِي التَّشَهُّدِ مِنْ قَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وفي تشهّد عليّ رضي الله تعالى عنه) هذا غير معروف سنده (السَّلَامُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَى أَنْبِيَاءِ الله ورسله) تعميم بعد تخصيص (السلام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْنَا وعلى المؤمنين والمؤمنات من غاب منهم) أي بالموت وغيره (ومن شهد) أي حضر عنده (اللهمّ اغفر لمحمد) وسيأتي الكلام على غفرانه ﵊ (وتقبّل شفاعته واغفر لأهل بيته) أي من أزواجه وذريته (واغفر لي ولوالديّ وما ولدا وارحمهما) سيأتي تحقيقه (السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ السَّلَامُ عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته) وفيه إشكال حيث دعا بالمغفرة لوالديه وما ولدا والرحمة لهما مع ثبوت موت أبيه وبعض إخوته كافرين قال الدلجي ولعل الناسخ زاد الألف سهوا وإنما الدعاء بهما لولديه الحسنين ومن ولداه انتهى والأظهر أنه قال ذلك لتعليم غيره لا للدعاء لنفسه وفيه اشكال آخر وهو ما بينه المصنف بقوله (جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ: الدُّعَاءُ للنبيّ بالغفران وفي حديث الصلاة) بالإضافة أي الذي أسنده (أيضا) ويروى في حديث الصلاة عليه والضمير له ﵊ ويروى عنه أي عن علي قبل ذلك وهو المذكور في أوائل هذا الفصل (قبل) أي من طريق الحافظ أبي عبد الله الحاكم فقبل مبني على الضم وقوله (الدّعاء له) أي للنبي ﵊ (بالرّحمة) خبر أي الدعاء له بالرحمة في حديث الصلاة على النبي المروي عن علي (وَلَمْ يَأْتِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ المعروفة) فهل يجوز الدعاء له بهما أولا والظاهر أنه يجوز أما الرحمة فظاهر فإنها أحد معاني الصلاة وقد قال تعالى رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ مرادا به إبراهيم ﵇ وآله وأما المغفرة فحيث وقع له ﵊ طلب المغفرة لنفسه سبعين مرة وفي رواية مائة مرة امتثالا لقوله تعالى وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ جاز لغيره غايته أن ذنبه المترتب عليه الغفران مأول بالغفلة عن المولى

стр. 896

وارتكاب خلاف الأولى أو الاشتغال بالأمور المباحة أو رؤية التقصير في مقام الطاعة وأمثال ذلك مما يليق بشأنه وعلو مكانه فحسنات الأبرار سيئات المقربين مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه فهو من باب التأكيد في القضية أو من قبيل التلذذ بذكر العطية نحو الدعاء بقوله رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا فمعنى اغفر له وارحمه أي أدم له المغفرة الشاملة والرحمة الكاملة (وَقَدْ ذَهَبَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ) وهو من أكابر علماء المالكية (وغيره إلى أنه لا تدعى للنبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرَّحْمَةِ وَإِنَّمَا يُدْعَى لَهُ بِالصَّلَاةِ والبركة الّتي تختصّ به) وفي كون البركة تختص به نظر ظاهر (ويدعى لغيره بالرّحمة والمغفرة) ويروى بالغفران نعم هذا هو الأولى ولكن لأجل النهي يحتاج إلى دليل مثبت للدعوى وقد أغرب الدلجي حيث قال لافتقارهم إليهما دونه وجه غرابته أن كل أحد محتاج إلى غفران الله تعالى ورحمته وكم ورد من دعاء له ﵊ بقوله اللهم اغفر لي وارحمني وإنما الكلام في دعاء وغيره له بهما لأنه كان في مقام التواضع والأدب كما يقتضي استغناء الرب ثم رأيت في شمائل الترمذي أن واحدا من الصحابة قال له ﵊ غفر الله لك فقال ولك هذا تقرير منه ﵊ على جواز مثل هذا الكلام (وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ) أي المالكي في رسالته زيادة الترحم (في الصّلاة على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي بقوله (اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ كَمَا تَرَحَّمْتَ) بتشديد الحاء وفي نسخة تراحمت (عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَأْتِ هَذَا) أي الدعاء له ﵊ بالمغفرة والرحمة ويروى ولم تأت هذه الرواية (في حديث صحيح) قال الدلجي إذ ما ورد بزيادتهما كله ضعيف وفيه أنه يعمل بالضعيف في فضائل الأعمال وإنما يحتاج إلى الحديث الصحيح أو الحسن في الأحكام من الأقوال وأما قول النووي في شرح مسلم المختار أن الرحمة لا تذكر فيسلم لأنه خلاف الأولى وأما ما جزم به في الأذكار بأن ذكرها بدعة ففيه بحث لأنه قد ورد في بعض الطرق ولو كان ضعيفا فلا يعد بدعة لا سيما وهي لا تنافي سنة وعلى تقدير التسليم فليكن بدعة حسنة ويقويه ما ذكره المصنف بقوله (وحجّته) أي دليل ابن أبي زيد الذي أخذ به استحباب طلب الرحمة (قوله) أي قول النبي ﵊ حال تعليم أمته (فِي السَّلَامِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وبركاته) ومما يؤيده قوله تعالى رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وينصره أن رحمته عامة للخواص والعوام ولا يستغني أحد عن هذا الإنعام العام، ثم اعلم ان الرافعي ذكر في الشرح الكبير عن الصيدلاني أنه قال ومن الناس من يزيد وارحم محمدا كما رحمت على إبراهيم وربما يقولون ترحمت وهذا لم يرد في الخبر وأنه غير فصيح فإنه لا يقال رحمت عليه وإنما يقال رحمته وأما الترحم ففيه معنى التكلف فلا يحسن إطلاقه في حق الله انتهى ولا يخفى أن نفي الصيدلاني ورود الخبر بلفظ ارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ كَمَا تَرَحَّمْتَ عَلَى إبراهيم غلط نشأ من جهله بطريق الحديث فمن حفظ حجة على من لم يحفظ فهذه الرواية في مستدرك

стр. 897

الحاكم من رواية ابن مسعود بإسناد صححه وقال في موضع آخر بل قد ورد به خبر صحيح قال الحلبي وقد راجعت تلخيص المستدرك للذهبي فرأيت ما لفظه بعد انهاء مسنده إلى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسلم إذا شهد أحدكم في الصلاة فليقل اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وبارك على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مجيد انتهى وقد جاء في جملة حديث وارحم محمدا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مجيد وكذا جاء في رواية علي وابن عباس وجابر وجاء أيضا في حديث مسلسل وترحم محمدا إلى آخره وقد ذكر القاضي مثل هذا فيما تقدم ومما يؤيد جواز الرحمة ما في النسائي الصغير بإسناده عن عكرمة قال ظاهر رجل امرأته وأصابها قبل أن يكفر فذكر ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له ﵊ ما حملك على ذلك فقال رحمك الله يا رسول الله رأيت خلخالها وساقها الحديث وقد جاء مرسلا ومسندا ففي تقريره ﵊ دليل على جوازه ورد على من عده بدعة أو حكم عليه بالكراهة وأما قوله إن الترحم فيه معنى التكلف فممنوع بل يراد به المبالغة في إنزال الرحمة فاندفع به قول الغزالي أنه لا يجوز ترحم بالتاء وقول الرافعي إنه لا يحسن ولعلهما ما بلغهما الرواية فبنيا الحكم على ظاهر الرواية والعجب من النووي أنه قال وأما ما قاله بعض أصحابنا وابن أبي زيد المالكي من استحباب زيادة وارحم محمدا وآل محمد فهذه بدعة لا أصل لها وكأنه غفل عما ورد وذهل عن قول الشافعي في الرسالة وكان خيرته المصطفى لوحيه المنتخب لرسالته المفضل على جميع خلقه بفتح رحمته وختم نبوته إلى أن قال محمد عبده ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ورحم وكرم انتهى فقد قال رحم في حقه فهذا رد على مقلده هذا وقد قال شمس الأئمة السرخسي وأصحابنا الحنفية لا بأس بقول وارحم محمدا لأن الأثر ورد به ولا عتب على من اتبع الأثر ولأن أحدا لا يستغني عن رحمة الله تعالى. فصل (في فضيلة الصلاة على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم والتسليم عليه والدّعاء له) أي وفي فضيلتهما (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّيْخُ الصَّالِحُ مِنْ كتابه ثنا) أي حدثنا (القاضي يونس ابن مغيث) بضم فكسر (حدّثنا أبو بكر بن معاوية) أي ابن الأحمر الأندلسي وقد روى النسائي الكبير بعضه سماعا وبعضه اجازة (حدّثنا النّسائي) أي صاحب الجامع (أنا) بالموحدة أو النون أي أخبرنا أو أنبأنا (سويد) بالتصغير (ابن نصر) بالمهملة وهو المروزي يروي عن ابن المبارك وابن عيينة وعنه الترمذي والنسائي ثقة (أنا) أي أخبرنا أو أنبأنا (عبد الله) بن المبارك بن واضح الخطلي التميمي مولاهم المروزي أبو عبد الرحمن شيخ خراسان يروي

стр. 898

عن سليمان التميمي وعاصم الأحوال والربيع بن أنس وعنه ابن مهدي وابن معين وأبوه تركي مولى تاجر وأمه خوارزمية وقبره بهيت «١» يزار ويتبرك به أخرج له الأئمة الستة (عن حيوة) بفتح فسكون (ابن شريح) بالتصغير (قال أخبرني كعب بن علقمة) أي التنوخي المصري تابعي يروي عن سعيد بن المسيب وطائفة وعنه الليث وجماعة ذكره ابن حبان في الثقات وأخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (أنه سمع عبد الرحمن بن جبير) بالتصغير مولى نافع قرشي مصري مؤذن ثفة فقيه مقرىء توفي سنة سبع وتسعين أخرج له مسلم وغيره (أنه سمع عبد الله بن عمرو) بالواو وفي نسخة بدونه والحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي أيضا عنه (يقول سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول إذا سمعتم المؤذّن) أي أذانه (فقولوا مثل ما يقول) أي جوابا له واختلف في الحيعلتين والأصح أنه يقول فيهما لا حول ولا قوة إلا بالله وقيل يجمع بينهما (وصلّوا عليّ) أي بعد إجابة المؤذن (فإنّه) أي الشأن (من صلّى عليّ مرّة) أي واحدة كما في نسخة (صلى الله عليه عشرا) أي لوعده مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وهذا أقل مراتب أضعاف أعمالها وهو لا ينافي ما ورد في مسند أحمد بسند حسن موقوفا على عبد الله بن عمرو وهو مرفوع إذ لا مجال للاجتهاد فيه من صلى على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مرة صلى الله تعالى عليه بها سبعين مرة نعم لا يبعد أن هذه المضاعفة تكون بخصوص يوم الجمعة إذ قد ورد أن الأعمال كلها تضاعف فيه بسبعين ضعفا وهو يؤيد ما ورد أنه إذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة كان حجه بسبعين حجة (ثمّ سلوا) أي الله تعالى كما في نسخة (لي الوسيلة) وهي المرتبة الجليلة (فإنّها منزلة) أي درجة جميلة (في الجنّة لا تنبغي) أي لا تليق أو لا تحصل (إلّا لعبد) أي عظيم (من عباد الله) أي الصالحين (وأرجو أن أكون أنا هو) أي ذلك العبد فقوله هو خبر كان ووضع موضع إياه وأنا تأكيد لاسمها أو مبتدأ خبره هو والجملة خبرها ويجوز أن يكون موضع اسم إشارة أي أن أكون أنا ذلك العبد كما أشرنا إليه (فمن سأل لي الوسيلة) أي وهي نهاية مراتب الفضيلة (حلّت عليه الشّفاعة) ويروى شفاعتي أي غشيته ونزلت به وفي نسخة حلت له الشفاعة أي ثبتت وفي رواية وجبت له شفاعتي أي حقت (وروى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه) كما في شعب الإيمان (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً) أي واحدة (صلى الله عليه عشر صلوات) أي قياما بشكر عبده (وحطّ) أي وضع (عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ وفي رواية) أي لأبي يعلى (وكتب له عشر حسنات) أي ثوابها (وعن أنس رضي الله تعالى عنه) كما رواه ابن أبي شيبة في مسنده (عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنّ جبريل ناداني) أي خاطبني (فقال من صلّى عليك صلاة

стр. 899

صلى الله عليه عشرا) أي عشر مرات (وَرَفَعَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف) كما رواها الحاكم وصححها والبيهقي في شعبه (عنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ لِي إِنِّي أبشّرك) أي أخبرك بما يسرك (إنّ الله تعالى) بكسر إن وفتحها (يقول من سلّم عليك سلّمت عليه) أي عشرا أو أكثر (ومن صلّى عليك صلّيت عليه) وفي الحديث إيماء إلى جواز انفراد كل منهما عن الآخر فتدبر (ونحوه) أي نحو مروي ابن عوف (مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَالِكِ بْنِ أَوْسِ) بفتح فسكون (ابن الحدثان) بفتحهما أدرك زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ورأى أبا بكر وسمع عمر وعثمان وبقية العشرة رضي الله تعالى عنهم وعنه الزهري وابن المنكدر وقال أنس بن عياض عن سلمة بن وردان عنه أنه سمع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول من ترك الكذب بني له في ربض الجنة وأحمد بن صالح صحح هذا الحديث والأصح عند الذهبي أنه عنده تابعي وحديثه مرسل (وعبيد الله بن أبي طلحة) أي زيد بن سهل الأنصاري وفي بعض النسخ عبيد الله مصغرا والصواب الأول ولد في حياته ﵊ وهو أخو أنس لأمه حنكه ﵇ وسماه وتوفي زمن الوليد فهو تابعي له رواية روى عن أبيه ثقة أخرج له مسلم والنسائي ولد له عشرة بنين كلهم قرؤوا القرآن (وعن زيد بن الحباب) بضم المهملة وبالموحدتين (سمعت النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ على محمد وأنزله المنزل) وفي رواية المقعد (الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي) وهذا الحديث سقط منه رجال فإن زيد بن الحباب ليس من الصحابة ولا من التابعين ولا من أتباعهم وإنما روى عن مالك بن أنس والضحاك بن عثمان ومالك بن مغول وعبد الله بن لهيعة وعنه أحمد بن حنبل نعم هذا الحديث محفوظ من رواية رويفع بن ثابت الأنصاري مرفوعا وقد رواه زيد بن الحباب هذا عن ابن لهيعة بفتح اللام وكسر الهاء عن بكر بن سوادة عن زياد بن نعيم عن وفاء بن شريح الحضرمي قيل ولعل المصنف أورده في أصله عن زيد بن الحباب عن رويفع بن ثابت على وجهة الإرسال وسقط ذكره رويفع من بعض نسخ الكتاب والله تعالى أعلم بالصواب (وعن ابن مسعود) أي مرفوعا (أولى النّاس بي) أي أقرب الناس مني وأحقهم بشفاعتي (يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة) رواه الترمذي وابن حبان (وعن أبي هريرة عنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ) أي بأن كتب فيه الصلاة (لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا بَقِيَ اسمي) يروى ما دام اسمي (في ذلك الكتاب) رواه الطبراني في الأوسط وأبو الشيخ في الثواب بسند ضعيف لكنه يعتبر في هذا الباب وربما يقال يكتب له الثواب ما نقل أيضا من ذلك الكتاب والله أعلم بالصواب (وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً) أي واحدة أو أكثر (صلّت عليه الملائكة ما صلّى عليّ) أي مدة صلاته علي (فليقلل) أمر من التقليل أو من الإقلال (من ذلك) أي من قول الصلاة أي عبد كما في نسخة (أو ليكثر) امر من التكثير أو الإكثار والمراد به الاخبار واختيار ما هو المختار رواه أحمد وابن ماجه

стр. 900

والطبراني في الأوسط بسند حسن (وعن أبيّ بن كعب) على ما رواه الترمذي وحسنه (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا ذهب ربع اللّيل) بضمهما ويسكن الثاني وفي رواية المصابيح إذا ذهب ثلثا الليل (قام) أي من نومه أو فراشه (فقال: يا أيّها النّاس) كأنه ينادي أهل بيته أو خواص أمته (اذكروا الله) أي في حال الانتباه واتركوا ما عداه (جاءت الرّاجفة) أي النفخة الأولى التي ترجف الأرض بأهلها والمعنى قرب مجيئها ويموت كل أحد عندها (تتبعها الرّادفة) أي تعقبها النفخة الثانية ويبعث الخلق كلهم بعدها وثبت أن ما بين النفختين أربعون سنة يقول الله لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ويجيب بذاته عز شأنه لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ أو يقول الخلق بلسان الحال في جواب ذلك السؤال لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ واليوم كذلك في نظر أرباب الأسرار وأصحاب الأنوار لا ملك إلا لله الواحد القهار رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار وقيل الرجفة القيامة والرادفة البعث (جاء الموت بما فيه) أي من سكراته ومنكراته أو بما فيما بعده ولا منع من الجمع من البعث والحساب والميزان والكتاب وما يترتب عليها من الثواب والعقاب ويحتاج كل أحد إلى شفاعته ﵊ في ذلك الباب (فقال) الظاهر وقال إذ لا يظهر وجه الرابطة بالفاء (أبيّ بن كعب) وهو أقرأ الصحابة (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ) أي لكثرة محبتي إياك رجاء حصول الشفاعة لي لديك ويروى أني اكثر من الصَّلَاةَ عَلَيْكَ (فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي) أي من زمان دعائي لنفسي أو من أوقات عبادتي النافلة (قال ما شئت) أي قدر ما أردت من تقربك بي (قال) أي أبي (الرّبع) بالنصب أي اجعل لك من صلاتي ربع أوقاتي (قال) أي النبي ﵊ (ما شئت) أي اخترت قليلا أو كثيرا (وإن زدت) أي على الربع (فهو خير) أي لك كما في نسخة صحيحة (قال الثّلث) بضمتين ويسكن الثاني وهو بالنصب كما مر (قَالَ مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ) قال الحجازي وذكر بعد الربع النصف إلى آخره وفي غالب نسخ الشفاء ذكر الربع ثم الثلث ثم النصف إلى آخره وهذا الحديث في الترمذي لم يذكر فيه الثلث (قَالَ النِّصْفَ قَالَ مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ قَالَ الثُّلُثَيْنِ قَالَ: مَا شِئْتَ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ قَالَ: يَا رَسُولَ الله فاجعل صلاتي) أي أوقات دعائي (كلّها لك) أي لذكرك وما يتعلق به من الصلاة عليك (قال إذا) بالتنوين أي حينئذ (تكفى) بصيغة المفعول المخاطب وفي رواية همك أي ما يهمك من أمر دينك ودنياك وهو بالنصب على أنه مفعول ثان لتكفي وفي نسخة يكفى بصيغة المجهول الغائب وهمك بالرفع على نيابة الفاعل ويلائمه قوله (ويغفر ذنبك) بصيغة المجهول منصوبا وذنبك مرفوعا والحاصل أنه ﵊ لم ير أن يعين له حدا مقدرا من الليالي والأيام لئلا يغلق عليه باب المزيد في مقام المرام أو لأنه به يحصل كفاية المهمات الدينية والدنيوية والأخروية على وجه النظام ونظيره قوله ﵇ عن الله من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وكان الحديث السابق مستندا للطائفة السنية الأويسية حيث يداومون على الصلوات المصطفوية (عن أبي طلحة) وهو زيد بن سهل

стр. 901

وحديثه هذا رواه النسائي وابن حبان والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح أنه قال (دخلت على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فرأيت من بشره) بكسر الموحدة أي بشاشة بشرته (وطلاقته) أي بساطته ولطافته (ما لم أره قطّ) أي أبدا قبل ذلك (فسألته) أي عن سبب ما هنالك (فقال وما يمنعني) أي عن هذا السرور (وقد خرج جبريل ﵇ أي ظهر (آنفا) بالمدة والقصر وقد قرىء بهما في السبعة أي هذه الساعة فكأنها قدام الأنف من كمال قربها (فأتاني ببشارة من ربّي أن) بفتح الهمزة أي هي أن أو بأن (الله بعثني إليك أبشّرك أنّه) بالكسر والفتح (ليس أحد من أمّتك) أي أمة الإجابة (يصلّي عليك إلّا صلى الله عليه وملائكته بها) أي بدلها أو بسببها (عشرا) فهذا الذي يوجب بشرا ويفيد بشرى ويقتضي نشرا (وعن جابر بن عبد الله) على ما رواه البخاري (قال قال رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ) أي الآذان أو الإقامة أو الاعلام بأحدهما (اللهمّ ربّ هذه الدّعوة) أي الدعاء إلى العبادة (التّامّة) أي الكاملة الشاملة (والصّلاة القائمة) أي الدائمة الفاضلة لا يغيرها ملة ولا ينسخها شريعة (آت محمدا الوسيلة) أي الذريعة المنيعة وفي نسخة والدرجة الرفيعة وفي نسخة بزيادة الفضيلة وقد ورد أن الوسيلة منزلة في الجنة فالفضيلة أعم من الوسيلة (وابعثه مقاما محمودا) وفي نسخة المقام المحمود وقد ورد هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي أي خصوصا بعد أن أشفع للخلق عموما (الّذي وعدته) أي له في الآخرة الذي بدل من مقاما محمودا وقوله وعدته أي في القرآن قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (حلّت له شفاعة) أي الخاصة (يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) كما رواه مسلم (من قال) يروى أنه قال من قال (حين يسمع المؤذّن) أي صوته (يتشهد وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وحده لا شريك له) مقول (وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وبمحمّد رسولا وبالإسلام دينا) نصبه وما قبله من الاسمين على التمييز (غفر له) أي ذنبه (وروى ابن وهب) أي بسند منقطع (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ سَلَّمَ عَلَيَّ عَشْرًا فكأنّما أعتق رقبة) أي في الأجر والمثوبة (وفي بعض الآثار ليردنّ) من الورود بمعنى ليأتين (عليّ أقوام ما أعرفهم) يروى لا أعرفهم (إلّا بكثرة صلاتهم عليّ) رواه الأصبهاني في ترغيبه عن أنس (وفي آخر) أي وفي أثر آخر (إن) بكسر الهمزة وفتحها (أنجاكم) أي اسبقكم نجاة (يوم القيامة من أهوالها ومواطنها) أي مواقفها (أكثركم عليّ صلاة وعن أبي بكر) أي الصّدّيق كما في نسخة (الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمحق للذّنوب) أي أطفأ (مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ لِلنَّارِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ من عتق الرّقاب) رواه الأصبهاني في ترغيبه بلفظ الصلاة عليه أفضل من عتق الرقاب وحبه ﵊ أفضل من مهج الأنفس أو من ضرب السيف في سبيل الله وفي الجامع الصغير الصلاة علي نور على الصراط فمن صلى علي يوم الجمعة ثمانين مرة غفرت له ذنوب ثمانين عاما على ما رواه الطبراني والدارقطني في الأفراد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

стр. 902

فصل (فِي ذَمِّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم وإثمه) أي وإثم من لم يصل عليه وفي معناه من لم يسلم عليه لأنه في الآية الشريفة وجوبهما في الجملة إلا أنه ليس فيهما ما يدل على لزوم الإتيان بهما على وجه المعية (حدّثنا القاضي الشهيد أبو عليّ) أي ابن سكرة ﵀ ثنا) أي حدثنا (أبو الفضل بن خيرون) بالمنع والصرف وهو البغدادي (وأبو الحسين الصّيرفيّ) وفي نسخة أبو الحسن والصواب بالتصغير (قالا) أي كلاهما (حدّثنا أبو يعلى) أي ابن زوج الحرة (حدّثنا السّنجيّ) بكسر السين (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى) أي الإمام الترمذي صاحب الجامع (حدّثنا أحمد بن إبراهيم الدّورقيّ) أي البغدادي والدورقي نسبة إلى نوع من القلانس ووهم من اعترض على المزي بأنه منسوب لبلد فقد صرح أبو أحمد الحاكم في الكنى في ترجمة يعقوب بما قاله المزي وله تصانيف قال أبو حاتم صدوق أخرج له مسلم وغيره (حدّثنا ربعيّ) بكسر الراء وسكون الموحدة (ابن إبراهيم) أي ابن مقسم الأسدي روى عنه أحمد والزعفراني (عن عبد الرّحمن بن إسحاق) أي ابن عبد الله بن الحارث بن كنانة القرشي العامري مولاهم المدني ويروي عن المقبري والزهري وعنه يزيد بن زريع وابن علية قال أبو داود قدري ثقة وضعفه بعضهم وقال البخاري ليس ممن يعتمد على حفظه (عن سعيد بن أبي سعيد) أي المقبري (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) وكذا رواه مسلم عَنْهُ (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم رغم) بكسر الغين وفتحها (أنف رجل) أي ذل ولصق بالتراب (ذكرت عنده) بصيغة المفعول (فلم يصلّ عليّ) أي إعراضا أو تهاونا لا كسلا أو نسيانا (ورغم أنف رجل دخل رمضان) أي عليه (ثمّ انسلخ) أي خرج عنه (قبل أن يغفر له) أي بأن لم يفعل فيه ما يستحق به غفران ذنوبه (ورغم أنف رجل أدرك) أي بلغ عنده (أبواه الكبر) بالنصب على المفعول من أدرك والفاعل أبواه وإنما خص حال الكبر لأنه أحوج حال الإنسان إلى الخدمة والإحسان (فلم يدخلاه الجنّة) بضم الياء وكسر الخاء أي بأن لم يبرهما حتى يكونا سببا لدخوله الجنة والمعنى أن برهما عند كبرهما وضعفهما بالخدمة والنفقة سبب لدخول الجنة (قال عبد الرّحمن) أي راوي أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (وأظنّه) أي أبا هريرة (قال أو أحدهما) أي بطريق الشك أو على سبيل التنويع ويؤيده قوله تعالى إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما وأبعد الدلجي في جعل ضمير أظنه راجعا إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (وفي حديث آخر) كما رواه الطبراني عن ابن عباس وأنس وعبد الله بن الحارث بن جزء وكعب بن عجرة ومالك بن الحويرث ورواه البزار عن جابر بن سمرة وأبي هريرة وعمار بن ياسر (أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صعد المنبر) بكسر العين أي طلع عليه (فقال) أي عقب صعوده (آمين) بالمد ويجوز قصره قيل معناه اللهم استجب وفي الحديث آمين خاتم رب العالمين (ثمّ صعد

стр. 903

درجة فقال آمين ثمّ صعد درجة فقال آمين فسأله معاذ عن ذلك) أي عن قوله آمين وسبب تكراره هنالك (فَقَالَ إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ من سمّيت) بضم السين وتشديد الميم المكسورة على لفظ الخطاب أي ذكرت (بين يديه) أي عنده والمعنى من ذكر اسمك له وهو حاضر يسمعه (فلم يصلّ عليك) أي عقيب ذكر اسمك (فمات) أي تاركا لصلاته عليك غير تائب مما وقع له من التقصير بالنسبة إليك (فدخل النّار) أي بسبب ترك صلاته لاستهانة أو عدم مبالاة أو لغيره من خطيئاته مع حرمان شفاعته في شدة حالته (فأبعده الله تعالى) أي عن ساحة رحمته وميدان مغفرته والجملة خبرية مبنى وانشائية معنى ولذا قال جبريل للنبي ﵊ (قل آمين فقلت آمين) وهذا في الدرجة الأولى من المنبر وإنما قدم هذه الحالة على البقية لأنها كالمقدمة في القضية (وقال) أي جبرائيل في الدرجة الثانية (فيمن أدرك رمضان فلم يقبل منه) أي صيامه وقيامه (فمات مثل ذلك) بالرفع ويجوز نصبه بل هو الأظهر فتدبر أي فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْ آمِينَ فَقُلْتُ آمين وهذا في حق من حقوق الله سبحانه (ومن أدرك) وفي نسخة وقال أي جبرائيل من أدرك (أبويه أو أحدهما فلم يبرّهما) بفتح الباء والباء والراء المشددة أي لم يقم بواجبهما (فمات مثل ذلك) وفي نسخة مثله وهذا مما يتعلق بحقوق العباد (وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنه) كما رواه الترمذي وصححه والبيهقي في شعب الإيمان والنسائي من حديث ابنه الحسين عن أبيه (عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال البخيل) أي كل البخيل كما في رواية (الذي) أي هو الذي (ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ) أي حيث بخل علي بزيادة الفضيلة وعلى نفسه بزيادة المثوبة الجزيلة (وعن جعفر بن محمّد) كما رواه البيهقي في شعب الإيمان عنه (عن أبيه) أي مرسلا فإن جعفرا هذا هو الصادق وأبوه هو الباقر وهو تابعي فالحديث مرسل ورواه الطبراني في الكبير عن محمد جد الحسين موصولا (قال قال رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عليّ أخطىء به طريق الجنّة) بضم الهمزة وكسر الطاء وجوز الدلجي كونه مبنيا للفاعل أيضا وكأنه قصد به النسبة المجازية (وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الْبَخِيلَ كُلَّ الْبَخِيلِ) أي كامل البخل حيث بخل بما لم ينقص من ماله ويزيد من جماله وكماله في حاله ومآله (من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ) وقد تقدم هذا الحديث والظاهر أن هذا من زيادة الكتاب والله أعلم بالصواب وفي الجامع الصغير بلفظ الْبَخِيلِ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن الحسين مرفوعا (وعن أبي هريرة) كما رواه أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عنه (قال أبو القاسم صلى الله تعالى عليه وسلم أيّما قوم جلسوا مجلسا) أي مكان جلوس أو جلوسا وفي نسخة صحيحة مجلسهم (ثمّ تفرّقوا) أي قاموا عنه ويروى ثم تفرقوا عنه (قبل أن يذكروا الله ويصلّوا) أي وقبل أن يصلوا (على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كانت) أي وقعت (عليهم من الله ترة) بمثناة فوقية مكسورة وراء مخففة مفتوحة أي منقصة أو تبعة وهاء

стр. 904

ترة عوض عن واوه المتروكة كعدة ومقة ومنه قوله تعالى وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ وروي ترة بالنصب أي كانت الجلسة أو التفرقة عليهم مضرة (إن شاء) أي الله (عذّبهم) أي بتركهم كفارة المجلس لما صدر عنهم ويكون عدلا (وإن شاء غفر لهم) أي مع تقصيرهم ويكون فضلا (وعن أبي هريرة) على ما رواه البيهقي في الشعب عنه مرفوعا (من نسي الصّلاة عليّ) أي تركها ترك المنسي (نسي طريق الجنّة) أي تركها وأخطأها وضبطه الدلجي بضم أوله وتشديد ثانيه وتبعه الأنطاكي (وعن قتادة) أي من رواية عبد الرزاق عن معمر عنه (عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من الجفاء) بفتح الجيم والمد ضد الوفاء وقد يراد به الأذى (أن أذكر عند الرّجل) لم يرد به رجلا معينا فهو كالنكرة في المعنى وإن كان معرفة في المبنى ونظيره قوله تعالى فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ (فلا يصليّ عليّ) لغلظ طبعه وعدم مراعاة شرعه (وعن جابر) كما رواه البيهقي (عنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا ثُمَّ تفرّقوا) أي منه (على غير صلاة) حال وفي نسخة من غير صلاة صفة مصدر محذوف أي تفرقا صادرا عن غير صلاة (على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي في حال من الأحوال (إلّا تفرّقوا على أنتن) أي إلا حال كونهم متفرقين عن حال انتن ويروى على انتن (من ريح الجيف) بما صدر عنهم من رديء الكلام ومذمومه في مقام المرام (وعن أبي سعيد) كما رواه البيهقي في الشعب وسعيد ابن منصور (عن النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَجْلِسُ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَا يُصَلُّونَ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي أو لا يذكرون الله تعالى فيه كما في رواية (إلّا كان) أي ذلك المجلس (عليهم حسرة) أي يوم القيامة كما في رواية ولأن الجنة لا حسرة فيها فلا بد من هذا القيد ليستقيم قوله (وإن دخلوا الجنّة) والمراد بالحسرة الندامة اللازمة لمقامهم من سوء آثار كلامهم فقول الدلجي بعد قوله وإن دخلوا الجنة فيزدادوا حسرة ليس في محله (لما يرون) أي فيها (من الثّواب) أي الأجر العظيم بالصلاة على النبي الكريم (وحكى أبو عيسى التّرمذيّ) أي صاحب السنن (عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: إِذَا صَلَّى الرّجل) أي رجل بل أي شخص (على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم مرّة في المجلس) أي في مجلس (أجزأ) بالهمزة وأجزى لغة فيه أي كفى (عنه ما كان في ذلك المجلس) ما دام فيه دفعا للحرج وهذا هو قول الطحاوي من أصحابنا وهو المعتمد المعتقد والله تعالى أعلم وعن صاحب المجتبى من أئمتنا يتكرر الوجوب بتكرره وإن كثر وفي الجامع الصغير كرر آية السجدة في المجلس الواحد يكفيه سجدة واحدة وكذا في الصلاة ولا تسن السجدة لكل مرة وفي الصلاة تسن لكل مرة. فصل [في تخصيصه ﵊ بتبليغ صلاة من صلى عليه صلاة أو سلم من الأنام] (في تخصيصه) أي تخصيص الله إياه ﵊ بِتَبْلِيغِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ) أَوْ سَلَّمَ عليه (من الأنام) أي الخلائق من طوائف الإسلام (ثنا) أي حدثنا كما في

стр. 905

نسخة (القاضي أبو عَبْدُ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) وهو أبو علي الغساني (حدّثنا أبو عمر الحافظ) أي ابن عبد البر حافظ المغرب (حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ حَدَّثَنَا ابْنُ دَاسَةَ) بالمهملتين (حدّثنا أبو داود) أي صاحب السنن (حدّثنا ابن عوف) أي الطائي الحافظ الحمصي شيخ أبي داود والنسائي وغيرهما (حدّثنا المقرىء) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد القصير مولى عمر بن الخطاب أصله من ناحية البصرة نزل مكة وروى عن أبي حنيفة وغيره وعنه البخاري وأحمد وابن راهويه وابن المديني أخرج له الأئمة الستة (حدّثنا حيوة) بفتح مهملة فسكون تحتية (عن أبي صخر) بفتح مهملة وسكون معجمة (حميد) بالتصغير (ابن زياد) وصخر هذا هو الخراط رأى سهل بن سعد وروى عن أبي صالح السمان وأبي سلمة وخلق وعنه ابن وهب وجماعة قال أحمد ليس به بأس (عن يزيد بن عبد الله بن قسيط) بضم قاف وفتح سين مهملة وسكون تحتية ليثي يروي عن ابن المسيب وعنه مالك والليث وثقه النسائي أخرج له الأئمة الستة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أردّ عليه) أي على من سلم علي (السّلام) مفعول أرد والحديث رواه أبو داود وأحمد والبيهقي وسنده حسن وظاهره الإطلاق الشامل لكل مكان وزمان ومن خص الرد بوقت الزيارة فعليه البيان والمعنى أن الله سبحانه يرد روحه الشريف عن استغراقه المنيف ليرد على مسلمه جبرا لخاطره الضعيف وإلا فمن المعتقد المعتمد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم حي في قبره كسائر الأنبياء في قبورهم وهم أحياء عند ربهم وأن لأرواحهم تعلقا بالعالم العلوي والسلفي كما كانوا في الحال الدنيوي فهم بحسب القلب عرشيون وباعتبار القالب فرشيون والله أعلم بأحوال أرباب الكمال هذا وقال الأنطاكي يمكن أن يقال رد الروح كناية عن اعلام الله تعالى إياه بأن فلانا صلى عليك أو عن علمه ﵇ بأحوال المسلم من بين الأنام (وذكر أبو بكر بن أبي شيبة) وهو الحافظ الكبير الحجة صاحب التصانيف روى عن ابن المبارك وجماعة وروى عنه الشيخان وطائفة ووثقه الجماعة قال الذهبي أبو بكر ممن قفز القنطرة وإليه المنتهى في الثقة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سمعته) أي من غير واسطة (ومن صلّى عليّ نائيا) أي بعيدا عني (بلّغته) بصيغة المجهول مشددا أي بلغنيه الملائكة وفي رواية أبلغته والحديث أيضا رواه أبو الشيخ في الثواب والبيهقي في الشعب (وعن ابن مسعود) قال الشمني هو الصواب وقال الحلبي عن أبي مسعود وهو عقبة بن مسعود الأنصاري (إنّ) بفتح الهمزة وكسرها (لله ملائكة سيّاحين) أي سيارين (في الأرض يبلّغوني) بتخفيف النون وتشديدها وهو من باب التفعيل أو الأفعال أي يوصلوني (عن أمّتي السّلام) أي علي فأرده عليهم رواه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب (وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) أي موقوفا ويحتمل أن يكون مرفوعا (أَكْثِرُوا مِنَ السَّلَامِ عَلَى نَبِيِّكُمْ كُلَّ جُمُعَةٍ فإنّه) أي السلام (يؤتى به) أي يبلغه

стр. 906

(منكم في كلّ جمعة) لا يعرف من رواه لكن ورد أكثروا من الصلاة علي في كل يوم جمعة فإن صلاة أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة رواه البيهقي عن أبي أمامة ورواه عن أنس بلفظ أكثروا من الصلاة علي في يوم الجمعة وليلة الجمعة فمن فعل ذلك كنت له شهيدا أو شافعا يوم القيامة وروى ابن ماجه عن أبي الدرداء أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة وأن أحدا لن يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حين يفرغ منها وهذا معنى قوله (وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا عُرِضَتْ صَلَاتُهُ عَلَيَّ حِينَ يَفْرُغُ مِنْهَا) أي أول ما يفرع من غير توقف بخلاف سائر الأيام فإنه يكون موقوفا إلى مجيء يوم الجمعة وفي نسخة حتى يفرغ منها فالمعنى أن جميع صلاته تكون وإن أطال في كلماته تعرض عليه صلى الله تعالى عليه وسلم وروى البيهقي عن أبي هريرة وابن عدي عن أنس وأبو يعلى عن الحسن وخالد بن معدان مرسلا أكثروا الصلاة علي في الليلة الغراء واليوم الأزهر فإن صلاتكم تعرض علي (وعن الحسن) برواية الطبراني وأبي يعلى بسند حسن (عنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صلاتكم تبلغني) أي تصل إلي بواسطة الملائكة يوم الجمعة وروى ابن مردويه عن أبي هريرة صلوا علي فإن صلاتكم علي زكاة لكم وروى ابن عدي عن ابن عمر وأبي هريرة صلوا علي صلى الله عليكم وروى أحمد والنسائي وجماعة صلوا علي واجتهدوا في الدعاء وقولوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد (وعن ابن عباس) كما رواه اسحاق بن راهويه في مسنده والبيهقي في شعبه موقوفا (ليس أحد من أمّة محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم يسلّم عليه ويصلّي عليه إلّا بلّغه) بضم موحدة وتشديد لام مكسورة ويجوز فتحها مخففة (وذكر بعضهم أنّ العبد) أي من عباد الله (إذا صلّى على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عرض عليه اسمه) أي اسم المصلى عليه بخصوصه (وعن الحسن بن عليّ) كما رواه ابن أبي شيبة وعنه أبو يعلى عن زين العابدين علي بن الحسين (إذا دخلت المسجد) أي أردت دخوله أو إذا حققت وصوله (فسلّم على النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم قال: «لا تتّخذوا بيتي» أي قبري كما في رواية لأنه في بيته (عيدا) والمعنى لا تجعلوا زيارة قبري عيدا ومعناه النهي عن الاجتماع لزيارته ﵇ اجتماعهم للعيد من الأيام وقد كانت اليهود والنصارى يجتمعون لزيارة قبور أنبيائهم ويشتغلون باللهو والطرب مع آبائهم وأبنائهم ونسائهم فنهى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمته عن ذلك تحذيرا لهم عما يقع من الفساد هنالك ويؤيده حديث لعن الله اليهود والنصارى واتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ويحتمل أن يراد به الحث على كثرة زيارته إذ هي أفضل القربات وآكد المستحبات بل قريبة من درجة الواجبات فالمعنى اكثروا من زيارتي ولا تجعلوها كالعيد تزورونني في السنة مرتين أو في العمر كرتين بدليل أحاديث كثيرة وردت بالحث عليها وبوجوب الشفاعة لمن أتى إليها

стр. 907

وقيل يحتمل أن يكون نهيه ﵊ لدفع المشقة عن الأمة بناء على كمال الرحمة ويؤيده قوله الآتي وصلّوا علي حيث كنتم أو لكراهة أن يتجاوزوا في تعظيم قبره زيادة على قدره بنحو السجدة وغيره (ولا تتخذوا بيوتكم قبورا) أي كالقبور لا يصلى فيها والمعنى اجعلوا من صلواتكم في بيوتكم لما روى أحمد عن زيد بن خالد لا تتخذوا بيوتكم قبورا صلوا فيها ويؤيده قول الخطابي لا تجعلوها وطنا للنوم فقط لا تصلون فيها فإن النوم أخو الموت والميت لا يصلي أو لا تجعلوها قبورا لموتاكم تدفنونهم فيها قال الخطابي وليس بشيء فقد دفن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في بيته ودفع بأن هذا من خصوصيات الأنبياء بدليل قوله ﵇ ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه كما رواه الترمذي عن أبي بكر (وصلّوا عليّ حيث كنتم) أي قريبا أو بعيدا (فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) رواه الطبراني وأبو يعلى بسند حسن (وفي حديث أوس) هو أوس بن أوس الثقفي صحابي وفي الصحابة خمسة وأربعون نفرا يسمعون أوسا (أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ صلاتكم معروضة عليّ) أي من غير واسطة أو من غير انتظار رابطة رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (وعن سليمان بن سحيم) بضم سين وفتح حاء مهملتين فتحتية ساكنة مدني يروي عن ابن المسيب وجماعة وعنه ابن عيينة وطائفة أخرج له مسلم وغيره (رأيت النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله هؤلاء الّذين يأتونك) أي للزيارة (فيسلّمون عليك أتفقه سلامهم) أي أتعرف كلامهم وتدري مرامهم (قال نعم وأردّ عليهم) أي سلامهم واقضي مرامهم رواه ابن ابي الدنيا والبيهقي في حياة الانبياء وفي شعب الإيمان (وعن ابن شهاب) الزهري كما رواه المنيري مرسلا (بلغنا أنّ رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيَّ في اللّيلة الزّهراء) أي البيضاء النوراء (واليوم الأزهر) أي الأنور ويروى في الليلة الغراء واليوم الأغر يعني ليلة الجمعة ويوم الجمعة (فإنّهما) أي اليوم والليلة (يؤدّيان) أي ذلك (عَنْكُمْ وَإِنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ وما من مسلم يصلّي عليّ) أي صلاة (إلّا حملها ملك) أي تحملها عنه (حتّى يؤدّيها) أي يوصلها (إليّ ويسمّيه) أي لدي (حتّى إنّه) أي الملك (ليقول إنّ فلانا يقول كذا وكذا) كناية عن ألفاظ الصلاة والسلام إجمالا وتفصيلا وتكثيرا وتقليلا فناهيك به تعظيما وتبجيلا. فصل (فِي الِاخْتِلَافِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ قَالَ القاضي) وزيد في نسخة أبو الفضل يعني المصنف (وفّقه الله) وفي نسخة رحمه الله تعالى فالأولى من كلامه والأحرى من كلام غيره (عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ على غير النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي من سائر الأنبياء وأقول بل هي مستحبة لما روى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه والخطيب عن أنس مرفوعا صلوا

стр. 908

عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُمْ كما بعثني فيستحقون الصلاة كما استحقها لأن المراد بها تعظيم من يصلي عليه ويؤيده الحديث الصحيح كما صليت على إبراهيم وهو في المدعي كالصريح (وروي عن ابن عباسّ) كما في شعب الإيمان للبيهقي وسنن سعيد بن أبي منصور (أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم) ولعله رضي الله تعالى عنه أخذ من قوله تعالى في حق الأنبياء ﵈ سَلامٌ عَلى نُوحٍ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ومن مفهوم قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً حيث يستفاد منه أن الجمع بينهما من خصوصيته ﵇ مما بين الأنام (وروي عنه) أي عن ابن عباس كما في فضل الصلاة عليه ﵇ لإسماعيل القاضي (لَا تَنْبَغِي الصَّلَاةُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا النَّبِيِّينَ) ولعله رجع عن قوله الأول أو مراده به الجمع على ما ذكرنا فتأمل فإنه يمكن الجمع به على ما هو المعول (وقال سفيان) أي الثوري أو ابن عيينة (يكره أن يصلّى) أي على أحد أصالة (إِلَّا عَلَى نَبِيٍّ، وَوَجَدْتُ بِخَطِّ بَعْضِ شُيُوخِي) وفي حاشية الحلبي قوله وَقَدْ وَجَدْتُ مُعَلَّقًا عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ بالفاء والسين المهملة نسبة إلى بلد بالمغرب قال ابن ماكولا أبو عمران الفاسي ففيه أهل القيروان في وقته (مذهب مالك أنّه لا يجوز) أي لا ينبغي (أَنْ يُصَلَّى عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى محمّد صلى الله تعالى عليه وسلم وهذا) أي النقل (غير معروف من مذهبه) لكن يمكن أن يكون مراده الجمع بين الصلاة والسلام فإنه حينئذ يكون وفق مشربه (وقد قال مالك) أي الإمام (في المبسوطة) وفي نسخة المبسوط (لِيَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ أَكْرَهُ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِ الأنبياء وما ينبغي لنا أن نتعدّى) أي بالجمع بين الصلاة والسلام (ما أمرنا به) أي من الجمع بين الصلاة والسلام مختصا به في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (قال يحيى بن يحيى) أي الليثي عالم الأندلس راوي الموطأ (لست آخذ بقوله) أي بقول مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى أحد من الأنبياء سوى محمد (ولا بأس بالصّلاة على الأنبياء كلّهم) أي بالأصالة (وعلى غيرهم) أي تبعا ويحتمل أنه أراد به استقلالا لأنا ننزهه عن مخالفة العلماء إجلالا (واحتجّ) أي يحيى لما قاله وفي نسخة صحيحة واحتجوا أي هو ومن تبعه (بحديث ابن عمر) أي الآتي أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر (وَبِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ تَعْلِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي أصحابه فيما مر (الصلاة عليه وفيه) أي وفي حديث تعليمه ﵇ (وعلى أزواجه) فيه أنه لا خلاف في جواز الصلاة على غير الأنبياء تبعا وزيد في بعض النسخ هنا (وَقَدْ وَجَدْتُ مُعَلَّقًا عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ) بالفاء والسين وفي نسخة القابسي بالقاف وبموحدة بعد الألف فسين مهملة (رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ كَرَاهَةَ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم قال وبه أقول) وفي نسخة وَبِهِ نَقُولُ (وَلَمْ يَكُنْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا مَضَى، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلُّوا عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ

стр. 909

ورسله فالله) وفي نسخة فإن الله (بعثهم كما بعثني قالوا) أي يحيى وأتباعه أو جمهور العلماء وهو الظاهر من قوله (والأسانيد) أي الواردة (عن ابن عباس) من نحو قوله ولا تجوز الصلاة على غير النبي ﵇ (ليّنة) أي ضعيفة لا يصلح شيء منها لاحتجاج به على عدم جواز الصلاة على غيره صلى الله تعالى عليه وسلم (وَالصَّلَاةُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى التَّرَحُّمِ وَالدُّعَاءِ) أي وتحوهما من الاستغفار وحسن الثناء (وذلك) أي جوازه (على الإطلاق) أي بالاتفاق (حَتَّى يَمْنَعَ مِنْهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَوْ إِجْمَاعٌ) أي صريح (وَقَدْ قَالَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [الأحزاب: ٤٣] الآية) تمامها ليخرجكم من الظلمات إلى النور وفي العالم للبغوي فالصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار للمؤمنين وقال أنس لما نزلت إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه ما خصك الله يا رسول الله بشرف إلا وقد اشركتنا فيه فأنزل الله تعالى هذه الآية (وقال) أي الله تعالى لنبيه ﵇ (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) أي من رذيلة البخل (وَتُزَكِّيهِمْ) أي وتنمي مالهم (بِها أي بسببها (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ١٠٣] أي التفت إليهم وترحم عليهم وأقبل عذر ما لديهم (الآية) وهي أن صلاتك سكن لهم أي تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم وفيه إيماء إلى خصوصيته بهذا الدعاء (وقال) أي الله سبحانه (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ) أي تحيات ومدحات (وَرَحْمَةٌ) [البقرة: ١٥٧] أي أنواع رحمات وظاهره أن الصلوات عامة للمؤمنين ولا يبعد أن يكون من باب التوزيع والتقسيم وأن تكون الصلوات خاصة للأنبياء والرحمة عامة للأصفياء (وقال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) كما رواه الشيخان عن عبد الله بن أبي أوفى (اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى) ومن تتمة الحديث قوله (وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ اللَّهُمَّ صلّ على آل فلان) كناية عما ينسبون إليه وقد رواه أبو داود والنسائي عن قيس بن سعد بن عبادة أنه ﵇ قال اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة وهو مراد معهم كأبي أوفى (وفي حديث الصلاة) أي في التشهد (اللهمّ صلّ على محمد وعلى أزواجه) وفي نسخة وعلى أزواجه (وذرّيته وفي آخر) أي حديث آخر (وعلى آل محمّد، قيل) أي المراد بهم (أتباعه) أي إلى يوم القيامة (وقيل أمّته) أي أمة الإجابة وهو قريب مما قبله وربما يقال هو أعم والأول أخص (وقيل آل بيته) أي أقاربه وأزواجه وذريته (وقيل الأتباع والرّهط والعشيرة) أي جميعهم ويروى الأتباع وهم الرهط وقيل رهط الرجل قبيلته وعشيرته قومه (وقيل آل الرّجل ولده) أي أولاده وأحفاده (وقيل قومه) أي المؤمنون من قريش أو بني هاشم (وقيل أهله الّذين حرّمت عليهم الصّدقة) عن زيد بن أرقم أن آل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من حرم الصدقة عليه وهم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس (وفي رواية أنس) كما رواه الطبراني في الأوسط وابن مردويه (سئل النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ آلُ مُحَمَّدٍ قَالَ كُلُّ تقيّ) الظاهر إن كل تقي منهم والمعنى من ليس بمتق ليس بآلي ولا يبعد أن يكون المعنى كل من يكون تقيا

стр. 910

يكون آلا وعلى التقديرين يؤيده قوله تعالى إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ (ويجيء على مذهب الحسن) الظاهر أنه الحسن البصري (أنّ المراد بآل محمد محمد نفسه) أي في بعض التراكيب (فإنّه) أي النبي ﵇ أو الحسن (كان يقول في صلاته على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي على ما رواه النميري (اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) زيد في نسخة يريد نفسه الشريفة إلا أنه لا يلائم قوله (لأنّه) أي قائله (كان لا يخلّ بالفرض) أي في الجملة وهو الصلاة على محمد (ويأتي بالنّفل) وهو الصلاة على آله (لأنّ الفرض الّذي أمر الله به) أي في قوله سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ (هو الصّلاة على محمد نفسه) أي ذاته دون غيره بشهادة روايته الأخرى من طرق متعددة على محمد بدون آله (وهذا) أي كون الآل مقحما (مثل قوله ﵇ فيما رواه الشيخان (لقد أوتي) أي أبو موسى الأشعري (مزمارا) أي صوتا حسنا (من مزامير آل داود يريد) أي النبي ﵇ (من مزامير داود) لأنه لا يعرف أحد من آله أنه كان له مزمار ونظير هذا من التنزيل قوله تعالى تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ (وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي الصَّلَاةِ) أي في ألفاظها (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي عند قبره (وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الموطّإ من رواية يحيى الأندلسيّ) بفتح همزة ودال وضم لام وقيل بضم الثلاثة وقيده به احترازا عن يحيى بن يحيى النيسابوري وزيد في نسخة وَالصَّحِيحُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ وَيَدْعُو لِأَبِي بَكْرٍ وعمر (وروى ابن وهب) وهو المصري العلم (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ كُنَّا نَدْعُو لِأَصْحَابِنَا بِالْغَيْبِ فَنَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ مِنْكَ عَلَى فُلَانٍ صلوات قوم أبرار الّذين يقومون باللّيل) أي للتهجد والاستغفار (ويصومون بالنّهار قال القاضي) يعني المصنف وفي نسخة قال الفقيه الْقَاضِي (وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَأَمِيلُ إِلَيْهِ ما قاله مالك) أي إمام المذهب (وسفيان) أي الثوري أو ابن عيينة (رحمهما الله، وروي) أي وما روي (عن ابن عباس، واختاره غير واحد) أي كثيرون (مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى غير الأنبياء) وهم أعم من الرسل (عند ذكرهم) أي إفرادا وإنما تجوز اتباعا (بل هو) أي الصلاة وذكر باعتبار خبره وهو قوله (شيء يختصّ) يروى يخص (به الأنبياء) أي عرفا وعادة وفيه رد على الرافضة (توقيرا وتعزيزا) أي تعظيما وتبجيلا (كَمَا يُخَصُّ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذِكْرِهِ بِالتَّنْزِيهِ والتّقديس والتّعظيم ولا يشاركه فيه) أي فيما ذكر (غيره) فيقال قال تعالى وإن كان الأنبياء أعزة وأجلاء عن العيوب برآء (كذلك يجب تخصيص النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ وَلَا يشارك) بالبناء للمفعول أو الفاعل وفي نسخة ولا يشاركهم (فيه) أي في كل واحد منهما (سواهم كما أمر الله) أي المؤمنين (بِقَوْلِهِ صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الْأَحْزَابِ: ٤٣] (وَيُذْكَرُ من سواهم من الأئمة) المجتهدين من الصحابة والتابعين (وغيرهم) من العلماء الصالحين (بالغفران والرّضى) وفيه أن الرضى مختص عرفا بالصحابة وإن كانوا يدخلون في المغفرة

стр. 911

تحت عموم الدعاء (كما قال تعالى يَقُولُونَ) أي الذين جاؤوا من بعدهم (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ) [الحشر: ١٠] أي وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (وقال وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) وفي نسخة وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ (بِإِحْسانٍ) أي بإيمان وإيقان وطاعة واتقان إلى يوم القيامة (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة: ١٠٠] وأيضا فهو) أي ذكر الصلاة والسلام على غير الأنبياء (أمر) ويروى فهذا أَمْرٌ (لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ) أي من السلف والخلف (كما قال أبو عمران) أي الفاسي (وإنّما أحدثه الرّافضة) أي التاركة محبة أكثر الصحابة (والمتشيّعة) أي المظهرة أنهم السابقون والمتابعون (في بعض الأئمة) أي من أهل بيت النبوة (فشاركوهم) أي ائمتهم كعلي والحسنين وغيرهم (عند الذّكر لهم بالصّلاة) وكذا بالسلام فيقولون مثلا علي ﵇ (وساووهم) أي ائمتهم (بالنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك) أي مقام المرام وهذا لا يليق بالكرام وذكر انطاكي أن الرافضة فرقة من شيعة الكوفة وسموا بذلك لأن زيد بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبي طالب خرج على هشام بن عبد الملك فطعن عسكره في أبي بكر وعمر فمنعهم عن ذلك فرفضوه ولم يبق معه إلا مائتا فارس فقال لهم رفضتموني أي تركتموني فلقبوا بذلك ثم لزم هذا اللقب كل من غلا في مذهبه واستجاز الطعن في الصحابة والمتشيعة هم الذين ينسبون إلى الشيعة وتقدم أنهم فرقة يفضلون عليا ويزعمون أنهم من شيعته أي أتباعه (وأيضا فإنّ التّشبّه بِأَهْلِ الْبِدَعِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَتَجِبُ مُخَالَفَتُهُمْ فِيمَا التزموه من ذلك) أي وجعلوه شعارا لهم هنالك (وَذِكْرُ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ وَالْأَزْوَاجِ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم بحكم التّتبع) أي له صلى الله تعالى عليه وسلم (والإضافة إليه) أي فهو جائز (لا على التّخصيص) أي بحكم الاستقلال (قالوا) أي العلماء المحققون (وصلاة النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم على من صلّى عليه) أي من آل أبي أوفى ونحوه (مجراها مجرى الدّعاء) أي مجرى تلك الصلاة محمول على مجرى الدعاء والرحمة (والمواجهة) أي حسن المقابلة حال المعاشرة (ليس فيها معنى التّعظيم والتّوقير) أي الذي اختص بأرباب الكمال (قالوا) أي العلماء (وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً) [النور: ٦١] أي في المناداة باسمه وفي رفع الصوت عنده (فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ لَهُ مُخَالِفًا لدعاء النّاس بعضهم لبعض) أي يتميز به عن غيره (وهذا اختيار الإمام أبي المظفّر الإسفرايينيّ) بكسر الهمزة وتفتح الفاء وتكسر (من شيوخنا) أي الفقهاء المالكيه (وَبِهِ قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ) وهو حافظ الغرب في البحر والبر. فصل (فِي حُكْمِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ وَفَضِيلَةِ مَنْ زَارَهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَكَيْفَ يسلم ويدعو وزيارة قبره ﵇ سنّة من سنن المسلمين مجمع) ويروى مجتمع (عليها) أي

стр. 912

مجتمع على كونها شنة وممن ادعى الإجماع النووي وابن الهمام بل قيل إنها واجبة (وفضيلة مرغّب فيها روي «١» عن ابن عمر) فيما رواه ابن خزيمة والبزار والطبراني وله طرق وشواهد حسنه الذهبي لأجلها (قال النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شفاعتي) أي حقت وثبتت وفي رواية حلت رواه الدارقطني وغيره وصححه جماعة من أئمة الحديث (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ زَارَنِي فِي الْمَدِينَةِ مُحْتَسِبًا) أي ناويا ذلك الجناب وطالبا للثواب ليس له غرض آخر في هذا الباب فعن عمر رضي الله تعالى عنه أيها الناس احتسبوا أعمالكم فإن من احتسب عمله كتب له أجر عمله وأجر حسبته (كان في جواري) بكسر الجيم أي مجاورتي وفي نسخة بضم الجيم أي في ذمتي وعهدي وجيرتي (وكنت له شفيعا يوم القيامة) قال الدلجي لا أعرف من رواه قلت قد رواه العقيلي وغيره بلفظ من زارني معتمدا كان في جواري يوم القيامة ورواه البيهقي ولفظه من زارني محتسبا إلى المدينة كان جواري يوم القيامة وروى أبو عوانة من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة (وفي حديث آخر) أي مما رواه البيهقي وسعيد بن منصور في سننهما والدارقطني والطبراني وأبو يعلى وابن عساكر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (من زارني بعد موتي) وفي رواية بعد وفاتي (فكأنّما زارني في حياتي) والأحاديث في هذا الباب كثيرة والروايات فيها شهيرة منها ما رواه علي مرفوعا من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ومن لم يزر قبري فقد جفاني وقد استدل به على وجوب الزيارة بعد الاستطاعة وعن أنس بسند ضعيف بلفظ ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني إلا وليس له عذر وعن ابن عدي بسند يحتج به من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني (وكره مالك ﵀ قال ابن تيمية وتبعه طائفة في ذلك (أَنْ يُقَالَ زُرْنَا قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ) أي الداعي إلى كراهية مالك (فقيل كراهية الاسم) وفي نسخة كراهية للاسم وفي أخرى كراهة الاسم أي اسم الزيارة (لما ورد) أي في رواية أحمد والترمذي وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (من قوله ﵇ لعن الله زوّارات القبور) بفتح الزاء وتشديد الواو أي المبالغات في زيارة القبور وفيه أنه ﵇ إنما لعنهن لأنهن مأمورات بالقرار في بيوتهن فلا يصلح زيارتها لهن نعم قد يؤخذ منه أنه لا يسن في حقهن زيارته ﵇ كما قال به بعض الأعلام لكن الأصح أنه لا يكره لهن ذلك إذا قمن بشرائط فيما هنالك (وهذا) أي الاستدلال (يردّه قوله) أي فيما رواه مسلم (كنت نهيتكم) وفي نسخة من الكتاب نهيتم (عن زيارة القبور فزوروها) وفي نسخة بزيارة ولا تقولوا هجرا بضم الهاء وسكون الجيم أي كلاما يوجب إثما وفيه بحث إذ يحتمل أن يكون خطاب

стр. 913

الرجال بعد خطاب النساء فيكون الحكم الثاني في حقهم ناسخا لا في حقهن ويؤيده التعليل في حقهن بأنهن قليلات الصبر كثيرات الجزع والفزع لا يملكن أنفسهن من الصياح والنياح وأما التعليل في حقهم فلأن أمواتهم في صدر الإسلام كانوا كفرة فمنعوا عن زيارة قبورهم فلما كثر أموات المسلمين أجازهم زيارتهم لما فيها من العبرة لأهل الحياة ومنفعة الدعوة للأموات فهذا حديث اجتمع فيه الناسخ والمنسوخ (وقوله) أي ويرده أيضا قوله فيما مر عن ابن عمر وغيره مرفوعا (من زار قبري) أي وجبت له شفاعتي أو حلت له شفاعتي (فقد أطلق اسم الزّيارة) أي فلم تكن الكراهة لاسم الزيارة (وقيل) أي في توجيه كلام مالك (لأنّ ذلك لما قيل) أي لقول بعضهم (إنّ الزّائر أفضل من المزور وهذا) أي الاستدلال (أيضا ليس بشيء) أي معتد به وفي نسخة ليس ببين أي بظاهر فلم يلتفت إليه (إذ ليس كلّ زائر بهذه الصّفة) بل الغالب عكسه في العرب والعادة (وليس هذا) أي هذا القول (عموما) أي عاما في كل زائر (وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَهْلِ الْجَنَّةِ زِيَارَتُهُمْ لربّهم ولم يمنع هذا اللّفظ) أي إطلاق لفظ الزيارة (في حقّه تعالى) ففي حق نبيه ﵇ بالأولى فلا يصح الاستدلال بهذا المبنى على هذا المعنى وزيد في بعض النسخ هنا (وقال أبو عمران) أي الفاسي وفي كثير من النسخ أبو عمر وهو ابن عبد البر (إِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُقَالَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ وزرنا قبر النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِاسْتِعْمَالِ النَّاسِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بَعْضُهُمْ لبعض) أي فيما بينهم (فكره تسوية النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم مع النّاس) أي عمومهم (بِهَذَا اللَّفْظِ وَأَحَبَّ أَنْ يُخَصَّ بِأَنْ يُقَالَ سلّمنا على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) وفيه أن السلام أيضا يستعمل عاما فلا يكون التعليل تاما (وَأَيْضًا فَإِنَّ الزِّيَارَةَ مُبَاحَةٌ بَيْنَ النَّاسِ وَوَاجِبٌ شدّ الرحال) وفي نسخة شد المطيّ (إلى قبره صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ بِالْوُجُوبِ هُنَا وُجُوبَ نَدْبٍ وترغيب وتأكيد لا وجوب فرض) أي موجب تهديد وفيه أن لفظ الزيارة قضية لغوية كالحج والعمرة والصلاة والزكاة وأمثالها والوجوب والندب والنافلة من الأحكام الشرعية (والأولى عندي أن منعه) أي منع هذا القول هنالك (وكراهة مالك له) أي لذلك (لإضافته إلى قبر النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وأنه) بكسر الهمزة وفتحها (لو قال زرنا النبيّ لم يكرهه) أي مالك ومن تبعه وإنما ذلك (لقوله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا) أي كالوثن وهو الصنم (يعبد بعدي) أي بعد موتي (اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائهم مساجد) أي يسجدون لها كما يسجدون للأوثان كما فعله بعض النصّارى (فحمى) أي صان مالك (إضافة هذا اللّفظ) أي لفظ الزيارة (إلى القبر والتّشبّه بفعل أولئك) أي العامة (قطعا للذّريعة) أي الوسيلة (وحسما) أي قطعا (للباب) أي لفتح هذا الباب (والله أعلم) أي بالصواب وفيه أنه قد ورد بروايات متعددة التصريح بهذه اللفظة فلا يلتفت إلى هذه العلة منها ما رواه أبو داود الطيالسي من زار قبري كنت له شفيعا أو شهيدا ومنها حديث علي مرفوعا من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ومن لم يزر قبري فقد جفاني وجاء عنه موقوفا من زار قبر

стр. 914

رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان في جواره ﵇ على أنا إذا قلنا زرناه فالمعنى زرنا قبره لأنه لا يتصور زيارة ذاته حقيقة ولهذا المعنى ورد من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي بلفظ التشبيه مع أن المعتقد أنه وسائر الأنبياء في قبورهم من الأحياء فإنهم أولى بذلك من الشهداء بل قولنا زرنا قبره أولى من زرناه عند التحقيق والله ولي التوفيق هذا وما وقع للشعبي والنخعي وغيرهما مما يقتضي كراهة زيارة القبور شاذ لا يعول عليه لمخالفته الإجماع وقد فرط ابن تيمية من الحنابلة حيث حرم السفر لزيارة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما أفرط غيره حيث قال كون الزيارة قربة معلوم من الدين بالضرورة وجاحده محكوم عليه بالكفر ولعل الثاني أقرب إلى الصواب لأن تحريم ما أجمع العلماء فيه بالاستحباب يكون كفرا لأنه فوق تحريم المباح المتفق عليه في هذا الباب نعم يمكن حمل كلام من حرم أو كره على صورة خاصة من الزيارة من الاجتماع في وقت خاص على هيئة منكرة أو صفة مكروهة من اجتماع الرجال والنساء في وقت واحد لما فيه من اتخاذ قبره عيدا والموجب لما أورد فيه وعيدا (قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَقِيهُ وَمِمَّا لَمْ يزل) أي من قديم الأيام (من شأن من حجّ) أي من ديدن من قصد بيت الله الحرام (المرور بالمدينة) أي مدينة الإسلام لزيارته ﵇ أي إما قبل الحج وإما بعده (والقصد) أي أيضا (إِلَى الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) لما ورد فيه من مزيد المضاعفة في تلك المحال الكرام إذ قد ورد أن الصلاة فيه بمائة ألف (والتّبرّك برؤية روضته) أي خصوصا (ومنبره وقبره ومجلسه) أي محل جلوسه في المسجد ومكان صلاته عند الإسطوانات وغيرها (وملامس يديه ومواطىء قدميه) أي في نحو المنبر (والعمود الّذي كان يستند إليه) وفي نسخة يسند ففي الصحاح سندت إلى الشيء واستندت إليه بمعنى (وينزل جبريل بالوحي فيه) أي في حال استناده (عليه وبمن عمره) أي والتبرك بمن عمر مسجده مبنى ومعنى وقيل أي زاره (وقصده) أي وبمن قصده (من الصّحابة وأئمة المسلمين) أي من التابعين واتباعهم من المجتهدين والعلماء والصالحين (والاعتبار) بالرفع (بذلك) أي بما ذكره (كلّه) أي جميعه والحاصل أنه لا منع من الجمع بين النيات في تحصيل الطاعات لكن ينبغي أن يكون الغرض الأصلي بعد أداء فرض حج الإسلام زيارته ﵇ ويتبعها حضور مشاهده الكرام (وقال ابن أبي فديك) بالتصغير وثقه جماعة واحتج به أصحاب الكتب الستة (سمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا) أي في الحديث (أنه) أي الشأن (مَنْ وَقَفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم فتلا هذه الآية (وهي قَوْلِهِ تَعَالَى (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) [الأحزاب: ٥٦] الظاهر أنه يقرأ ما بعدها أيضا وهو يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (ثمّ قال صلى الله تعالى عليك) الأولى أن يزيد وسلم (يا محمد) الأولى أن يقول يا نبي الله ونحوه (مَنْ يَقُولُهَا سَبْعِينَ مَرَّةً، نَادَاهُ مَلَكٌ صَلَّى الله عليك يا فلان) أي باسمه (ولم تسقط له) وفي نسخة لك (حاجة) بل ترفع والمعنى قضيت كل حاجة له دنيوية أو أخروية والحديث رواه البيهقي

стр. 915

من طريق ابن أبي الدنيا (وعن يزيد بن أبي سعيد المهريّ) بفتح ميم وسكون هاء فراء فياء نسبة (قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمَّا ودّعته قال: لي إليك حاجة) أي وهي إنك (إِذَا أَتَيْتَ الْمَدِينَةَ سَتَرَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي حقيقة أو مجازا وهو محله وحوله (فأقره منّي السّلام) يجوز قطع همزة وكسر رائه ويجوز وصل أوله وفتح عينه والحديث رواه ابن أبي الدنيا من طريق البيهقي في الشعب عنه (قال غيره) أي غير المهري وهو حاتم بن وردان كما رواه البيهقي في شعب الإيمان (وكان) أي عمر بن عبد العزيز (يبرد) بضم ياء وسكون موحدة وكسر راء أي يوجه ويسير (إليه البريد من الشّام) أي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم القاصد من الشام ليقرأه منه السلام (قَالَ بَعْضُهُمْ رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَتَى قبر النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فوقف) أي بين يديه (فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فسلّم على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ثمّ انصرف) لا يعرف استحباب رفع اليدين في ذلك المقام عن أحد من الأعلام ولعله دعا الله سبحانه وتشفع به ﵇ (وقال مالك في رواية ابن وهب) أي عنه (إذا سلّم) أي هو أو أحد (على النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَا يَقِفُ وَوَجْهُهُ إِلَى الْقَبْرِ لا إلى القبلة) وذهب بعض أرباب المناسك أن الزائر يسلم أولا وهو متوجه إلى القبر ثم يدعو الله وهو مستقبل القبلة فوق رأسه ﵊ (ويدنو) أي ويقرب إلى القبر قربا يناسب الأدب (ويسلّم ولا يمسّ القبر) وكذا جدار قبته وشبابيك حجرته ﵇ (بيده) ولا بفمه لعدم وروده عن الصحابة الكرام ولأنه أقرب إلى مقام الأدب لأن ذلك من عادة النصارى على ما نقله الغزالي (وقال) أي مالك (في المبسوطة لا أرى) أي لا أجوز (أن يقف) أي أحد (عند قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يدعو ولكن يسلّم ويمضي) هذا بظاهره يناقض ما سبق عنه اللهم إلا أن يقال هذا بيان الأكمل فتأمل (قال ابن أبي مليكة) بالتصغير تابعي تيمي مؤذن ابن الزبير وقاضيه قال بعثني ابن الزبير على قضاء الطائف فكنت أسأل ابن عباس وأما أبو مليكة فصحابي (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقُومَ وِجَاهَ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) بكسر الواو ويضم أي في مواجهته ومقابلته (فليجعل القنديل) بكسر القاف معروف وأما بفتحه فهو عظيم الرأس (الّذي في القبلة) أي في جهتها (عند القبر على رأسه) أي محاذيا لرأسه (وقال نافع) هو مولى ابن عمر من أئمة التابعين وأعلامهم (كان ابن عمر يسلّم على القبر) أي على من فيه (رأيته) أي ابن عمر بفعل ذلك (مائة مرّة وأكثر) وفي نسخة أو أكثر بمعنى بل أكثر (يَجِيءُ إِلَى الْقَبْرِ فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ السَّلَامُ على أبي) وفي نسخة السلام على أبي حفص وهو كنية عمر وهذا أقرب إلى الأدب (ثمّ ينصرف) أي ولم يزد على ذلك رواه البيهقي وغيره (ورؤي) وفي نسخة ورئي أي أبصر (ابْنُ عُمَرَ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى مَقْعَدِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي موضع قعوده (من المنبر ثمّ وضعها) أي يده (على وجهه) رواه ابن سعد عن عبد الرحمن بن عبد القارىء أنه
следующие страницы →