تحت عموم الدعاء (كما قال تعالى يَقُولُونَ) أي الذين جاؤوا من بعدهم (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ) [الحشر: ١٠] أي وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (وقال وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) وفي نسخة وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ (بِإِحْسانٍ) أي بإيمان وإيقان وطاعة واتقان إلى يوم القيامة (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة: ١٠٠] وأيضا فهو) أي ذكر الصلاة والسلام على غير الأنبياء (أمر) ويروى فهذا أَمْرٌ (لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ) أي من السلف والخلف (كما قال أبو عمران) أي الفاسي (وإنّما أحدثه الرّافضة) أي التاركة محبة أكثر الصحابة (والمتشيّعة) أي المظهرة أنهم السابقون والمتابعون (في بعض الأئمة) أي من أهل بيت النبوة (فشاركوهم) أي ائمتهم كعلي والحسنين وغيرهم (عند الذّكر لهم بالصّلاة) وكذا بالسلام فيقولون مثلا علي ﵇ (وساووهم) أي ائمتهم (بالنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك) أي مقام المرام وهذا لا يليق بالكرام وذكر انطاكي أن الرافضة فرقة من شيعة الكوفة وسموا بذلك لأن زيد بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبي طالب خرج على هشام بن عبد الملك فطعن عسكره في أبي بكر وعمر فمنعهم عن ذلك فرفضوه ولم يبق معه إلا مائتا فارس فقال لهم رفضتموني أي تركتموني فلقبوا بذلك ثم لزم هذا اللقب كل من غلا في مذهبه واستجاز الطعن في الصحابة والمتشيعة هم الذين ينسبون إلى الشيعة وتقدم أنهم فرقة يفضلون عليا ويزعمون أنهم من شيعته أي أتباعه (وأيضا فإنّ التّشبّه بِأَهْلِ الْبِدَعِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَتَجِبُ مُخَالَفَتُهُمْ فِيمَا التزموه من ذلك) أي وجعلوه شعارا لهم هنالك (وَذِكْرُ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ وَالْأَزْوَاجِ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم بحكم التّتبع) أي له صلى الله تعالى عليه وسلم (والإضافة إليه) أي فهو جائز (لا على التّخصيص) أي بحكم الاستقلال (قالوا) أي العلماء المحققون (وصلاة النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم على من صلّى عليه) أي من آل أبي أوفى ونحوه (مجراها مجرى الدّعاء) أي مجرى تلك الصلاة محمول على مجرى الدعاء والرحمة (والمواجهة) أي حسن المقابلة حال المعاشرة (ليس فيها معنى التّعظيم والتّوقير) أي الذي اختص بأرباب الكمال (قالوا) أي العلماء (وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لَا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً) [النور: ٦١] أي في المناداة باسمه وفي رفع الصوت عنده (فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ لَهُ مُخَالِفًا لدعاء النّاس بعضهم لبعض) أي يتميز به عن غيره (وهذا اختيار الإمام أبي المظفّر الإسفرايينيّ) بكسر الهمزة وتفتح الفاء وتكسر (من شيوخنا) أي الفقهاء المالكيه (وَبِهِ قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ) وهو حافظ الغرب في البحر والبر.
فصل (فِي حُكْمِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ وَفَضِيلَةِ مَنْ زَارَهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ
وَكَيْفَ يسلم ويدعو وزيارة قبره ﵇ سنّة من سنن المسلمين مجمع) ويروى مجتمع (عليها) أي
стр. 912
مجتمع على كونها شنة وممن ادعى الإجماع النووي وابن الهمام بل قيل إنها واجبة (وفضيلة مرغّب فيها روي «١» عن ابن عمر) فيما رواه ابن خزيمة والبزار والطبراني وله طرق وشواهد حسنه الذهبي لأجلها (قال النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شفاعتي) أي حقت وثبتت وفي رواية حلت رواه الدارقطني وغيره وصححه جماعة من أئمة الحديث (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ زَارَنِي فِي الْمَدِينَةِ مُحْتَسِبًا) أي ناويا ذلك الجناب وطالبا للثواب ليس له غرض آخر في هذا الباب فعن عمر رضي الله تعالى عنه أيها الناس احتسبوا أعمالكم فإن من احتسب عمله كتب له أجر عمله وأجر حسبته (كان في جواري) بكسر الجيم أي مجاورتي وفي نسخة بضم الجيم أي في ذمتي وعهدي وجيرتي (وكنت له شفيعا يوم القيامة) قال الدلجي لا أعرف من رواه قلت قد رواه العقيلي وغيره بلفظ من زارني معتمدا كان في جواري يوم القيامة ورواه البيهقي ولفظه من زارني محتسبا إلى المدينة كان جواري يوم القيامة وروى أبو عوانة من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة (وفي حديث آخر) أي مما رواه البيهقي وسعيد بن منصور في سننهما والدارقطني والطبراني وأبو يعلى وابن عساكر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (من زارني بعد موتي) وفي رواية بعد وفاتي (فكأنّما زارني في حياتي) والأحاديث في هذا الباب كثيرة والروايات فيها شهيرة منها ما رواه علي مرفوعا من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ومن لم يزر قبري فقد جفاني وقد استدل به على وجوب الزيارة بعد الاستطاعة وعن أنس بسند ضعيف بلفظ ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني إلا وليس له عذر وعن ابن عدي بسند يحتج به من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني (وكره مالك ﵀ قال ابن تيمية وتبعه طائفة في ذلك (أَنْ يُقَالَ زُرْنَا قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ) أي الداعي إلى كراهية مالك (فقيل كراهية الاسم) وفي نسخة كراهية للاسم وفي أخرى كراهة الاسم أي اسم الزيارة (لما ورد) أي في رواية أحمد والترمذي وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (من قوله ﵇ لعن الله زوّارات القبور) بفتح الزاء وتشديد الواو أي المبالغات في زيارة القبور وفيه أنه ﵇ إنما لعنهن لأنهن مأمورات بالقرار في بيوتهن فلا يصلح زيارتها لهن نعم قد يؤخذ منه أنه لا يسن في حقهن زيارته ﵇ كما قال به بعض الأعلام لكن الأصح أنه لا يكره لهن ذلك إذا قمن بشرائط فيما هنالك (وهذا) أي الاستدلال (يردّه قوله) أي فيما رواه مسلم (كنت نهيتكم) وفي نسخة من الكتاب نهيتم (عن زيارة القبور فزوروها) وفي نسخة بزيارة ولا تقولوا هجرا بضم الهاء وسكون الجيم أي كلاما يوجب إثما وفيه بحث إذ يحتمل أن يكون خطاب
стр. 913
الرجال بعد خطاب النساء فيكون الحكم الثاني في حقهم ناسخا لا في حقهن ويؤيده التعليل في حقهن بأنهن قليلات الصبر كثيرات الجزع والفزع لا يملكن أنفسهن من الصياح والنياح وأما التعليل في حقهم فلأن أمواتهم في صدر الإسلام كانوا كفرة فمنعوا عن زيارة قبورهم فلما كثر أموات المسلمين أجازهم زيارتهم لما فيها من العبرة لأهل الحياة ومنفعة الدعوة للأموات فهذا حديث اجتمع فيه الناسخ والمنسوخ (وقوله) أي ويرده أيضا قوله فيما مر عن ابن عمر وغيره مرفوعا (من زار قبري) أي وجبت له شفاعتي أو حلت له شفاعتي (فقد أطلق اسم الزّيارة) أي فلم تكن الكراهة لاسم الزيارة (وقيل) أي في توجيه كلام مالك (لأنّ ذلك لما قيل) أي لقول بعضهم (إنّ الزّائر أفضل من المزور وهذا) أي الاستدلال (أيضا ليس بشيء) أي معتد به وفي نسخة ليس ببين أي بظاهر فلم يلتفت إليه (إذ ليس كلّ زائر بهذه الصّفة) بل الغالب عكسه في العرب والعادة (وليس هذا) أي هذا القول (عموما) أي عاما في كل زائر (وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَهْلِ الْجَنَّةِ زِيَارَتُهُمْ لربّهم ولم يمنع هذا اللّفظ) أي إطلاق لفظ الزيارة (في حقّه تعالى) ففي حق نبيه ﵇ بالأولى فلا يصح الاستدلال بهذا المبنى على هذا المعنى وزيد في بعض النسخ هنا (وقال أبو عمران) أي الفاسي وفي كثير من النسخ أبو عمر وهو ابن عبد البر (إِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُقَالَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ وزرنا قبر النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِاسْتِعْمَالِ النَّاسِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ بَعْضُهُمْ لبعض) أي فيما بينهم (فكره تسوية النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم مع النّاس) أي عمومهم (بِهَذَا اللَّفْظِ وَأَحَبَّ أَنْ يُخَصَّ بِأَنْ يُقَالَ سلّمنا على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) وفيه أن السلام أيضا يستعمل عاما فلا يكون التعليل تاما (وَأَيْضًا فَإِنَّ الزِّيَارَةَ مُبَاحَةٌ بَيْنَ النَّاسِ وَوَاجِبٌ شدّ الرحال) وفي نسخة شد المطيّ (إلى قبره صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ بِالْوُجُوبِ هُنَا وُجُوبَ نَدْبٍ وترغيب وتأكيد لا وجوب فرض) أي موجب تهديد وفيه أن لفظ الزيارة قضية لغوية كالحج والعمرة والصلاة والزكاة وأمثالها والوجوب والندب والنافلة من الأحكام الشرعية (والأولى عندي أن منعه) أي منع هذا القول هنالك (وكراهة مالك له) أي لذلك (لإضافته إلى قبر النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وأنه) بكسر الهمزة وفتحها (لو قال زرنا النبيّ لم يكرهه) أي مالك ومن تبعه وإنما ذلك (لقوله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا) أي كالوثن وهو الصنم (يعبد بعدي) أي بعد موتي (اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائهم مساجد) أي يسجدون لها كما يسجدون للأوثان كما فعله بعض النصّارى (فحمى) أي صان مالك (إضافة هذا اللّفظ) أي لفظ الزيارة (إلى القبر والتّشبّه بفعل أولئك) أي العامة (قطعا للذّريعة) أي الوسيلة (وحسما) أي قطعا (للباب) أي لفتح هذا الباب (والله أعلم) أي بالصواب وفيه أنه قد ورد بروايات متعددة التصريح بهذه اللفظة فلا يلتفت إلى هذه العلة منها ما رواه أبو داود الطيالسي من زار قبري كنت له شفيعا أو شهيدا ومنها حديث علي مرفوعا من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ومن لم يزر قبري فقد جفاني وجاء عنه موقوفا من زار قبر
стр. 914
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان في جواره ﵇ على أنا إذا قلنا زرناه فالمعنى زرنا قبره لأنه لا يتصور زيارة ذاته حقيقة ولهذا المعنى ورد من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي بلفظ التشبيه مع أن المعتقد أنه وسائر الأنبياء في قبورهم من الأحياء فإنهم أولى بذلك من الشهداء بل قولنا زرنا قبره أولى من زرناه عند التحقيق والله ولي التوفيق هذا وما وقع للشعبي والنخعي وغيرهما مما يقتضي كراهة زيارة القبور شاذ لا يعول عليه لمخالفته الإجماع وقد فرط ابن تيمية من الحنابلة حيث حرم السفر لزيارة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما أفرط غيره حيث قال كون الزيارة قربة معلوم من الدين بالضرورة وجاحده محكوم عليه بالكفر ولعل الثاني أقرب إلى الصواب لأن تحريم ما أجمع العلماء فيه بالاستحباب يكون كفرا لأنه فوق تحريم المباح المتفق عليه في هذا الباب نعم يمكن حمل كلام من حرم أو كره على صورة خاصة من الزيارة من الاجتماع في وقت خاص على هيئة منكرة أو صفة مكروهة من اجتماع الرجال والنساء في وقت واحد لما فيه من اتخاذ قبره عيدا والموجب لما أورد فيه وعيدا (قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَقِيهُ وَمِمَّا لَمْ يزل) أي من قديم الأيام (من شأن من حجّ) أي من ديدن من قصد بيت الله الحرام (المرور بالمدينة) أي مدينة الإسلام لزيارته ﵇ أي إما قبل الحج وإما بعده (والقصد) أي أيضا (إِلَى الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) لما ورد فيه من مزيد المضاعفة في تلك المحال الكرام إذ قد ورد أن الصلاة فيه بمائة ألف (والتّبرّك برؤية روضته) أي خصوصا (ومنبره وقبره ومجلسه) أي محل جلوسه في المسجد ومكان صلاته عند الإسطوانات وغيرها (وملامس يديه ومواطىء قدميه) أي في نحو المنبر (والعمود الّذي كان يستند إليه) وفي نسخة يسند ففي الصحاح سندت إلى الشيء واستندت إليه بمعنى (وينزل جبريل بالوحي فيه) أي في حال استناده (عليه وبمن عمره) أي والتبرك بمن عمر مسجده مبنى ومعنى وقيل أي زاره (وقصده) أي وبمن قصده (من الصّحابة وأئمة المسلمين) أي من التابعين واتباعهم من المجتهدين والعلماء والصالحين (والاعتبار) بالرفع (بذلك) أي بما ذكره (كلّه) أي جميعه والحاصل أنه لا منع من الجمع بين النيات في تحصيل الطاعات لكن ينبغي أن يكون الغرض الأصلي بعد أداء فرض حج الإسلام زيارته ﵇ ويتبعها حضور مشاهده الكرام (وقال ابن أبي فديك) بالتصغير وثقه جماعة واحتج به أصحاب الكتب الستة (سمعت بعض من أدركت يقول:
بلغنا) أي في الحديث (أنه) أي الشأن (مَنْ وَقَفَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم فتلا هذه الآية (وهي قَوْلِهِ تَعَالَى (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ) [الأحزاب: ٥٦] الظاهر أنه يقرأ ما بعدها أيضا وهو يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (ثمّ قال صلى الله تعالى عليك) الأولى أن يزيد وسلم (يا محمد) الأولى أن يقول يا نبي الله ونحوه (مَنْ يَقُولُهَا سَبْعِينَ مَرَّةً، نَادَاهُ مَلَكٌ صَلَّى الله عليك يا فلان) أي باسمه (ولم تسقط له) وفي نسخة لك (حاجة) بل ترفع والمعنى قضيت كل حاجة له دنيوية أو أخروية والحديث رواه البيهقي
стр. 915
من طريق ابن أبي الدنيا (وعن يزيد بن أبي سعيد المهريّ) بفتح ميم وسكون هاء فراء فياء نسبة (قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمَّا ودّعته قال: لي إليك حاجة) أي وهي إنك (إِذَا أَتَيْتَ الْمَدِينَةَ سَتَرَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) أي حقيقة أو مجازا وهو محله وحوله (فأقره منّي السّلام) يجوز قطع همزة وكسر رائه ويجوز وصل أوله وفتح عينه والحديث رواه ابن أبي الدنيا من طريق البيهقي في الشعب عنه (قال غيره) أي غير المهري وهو حاتم بن وردان كما رواه البيهقي في شعب الإيمان (وكان) أي عمر بن عبد العزيز (يبرد) بضم ياء وسكون موحدة وكسر راء أي يوجه ويسير (إليه البريد من الشّام) أي إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم القاصد من الشام ليقرأه منه السلام (قَالَ بَعْضُهُمْ رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَتَى قبر النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فوقف) أي بين يديه (فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فسلّم على النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ثمّ انصرف) لا يعرف استحباب رفع اليدين في ذلك المقام عن أحد من الأعلام ولعله دعا الله سبحانه وتشفع به ﵇ (وقال مالك في رواية ابن وهب) أي عنه (إذا سلّم) أي هو أو أحد (على النّبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَا يَقِفُ وَوَجْهُهُ إِلَى الْقَبْرِ لا إلى القبلة) وذهب بعض أرباب المناسك أن الزائر يسلم أولا وهو متوجه إلى القبر ثم يدعو الله وهو مستقبل القبلة فوق رأسه ﵊ (ويدنو) أي ويقرب إلى القبر قربا يناسب الأدب (ويسلّم ولا يمسّ القبر) وكذا جدار قبته وشبابيك حجرته ﵇ (بيده) ولا بفمه لعدم وروده عن الصحابة الكرام ولأنه أقرب إلى مقام الأدب لأن ذلك من عادة النصارى على ما نقله الغزالي (وقال) أي مالك (في المبسوطة لا أرى) أي لا أجوز (أن يقف) أي أحد (عند قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يدعو ولكن يسلّم ويمضي) هذا بظاهره يناقض ما سبق عنه اللهم إلا أن يقال هذا بيان الأكمل فتأمل (قال ابن أبي مليكة) بالتصغير تابعي تيمي مؤذن ابن الزبير وقاضيه قال بعثني ابن الزبير على قضاء الطائف فكنت أسأل ابن عباس وأما أبو مليكة فصحابي (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقُومَ وِجَاهَ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم) بكسر الواو ويضم أي في مواجهته ومقابلته (فليجعل القنديل) بكسر القاف معروف وأما بفتحه فهو عظيم الرأس (الّذي في القبلة) أي في جهتها (عند القبر على رأسه) أي محاذيا لرأسه (وقال نافع) هو مولى ابن عمر من أئمة التابعين وأعلامهم (كان ابن عمر يسلّم على القبر) أي على من فيه (رأيته) أي ابن عمر بفعل ذلك (مائة مرّة وأكثر) وفي نسخة أو أكثر بمعنى بل أكثر (يَجِيءُ إِلَى الْقَبْرِ فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ السَّلَامُ على أبي) وفي نسخة السلام على أبي حفص وهو كنية عمر وهذا أقرب إلى الأدب (ثمّ ينصرف) أي ولم يزد على ذلك رواه البيهقي وغيره (ورؤي) وفي نسخة ورئي أي أبصر (ابْنُ عُمَرَ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى مَقْعَدِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي موضع قعوده (من المنبر ثمّ وضعها) أي يده (على وجهه) رواه ابن سعد عن عبد الرحمن بن عبد القارىء أنه
стр. 916
رآه وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى مَقْعَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم (وعن ابن قسيط) بفتح قاف فكسر مهملة أو بالتصغير وهو الأصح (والعتبيّ) بضم عين فسكون فوقية فموحدة (كان أصحاب النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إذا خلا المسجد) أي من عامة الناس (جسّوا) بفتح الجيم وتشديد السين المهملة أي حسو ومسوا (رمّانة المنبر) أي العقدة المشابهة للرمانة (التي تلي القبر) يعني التي كان يأخذها ﵇ بيمينه (بميامنهم) متعلق بجسوا أي تمسحوا بأيمانهم طلبا لليمن والبركة في زيادة الإيمان وإيقان الإحسان (ثمّ استقبلوا القبلة يدعون) أي الله سبحانه بهذه الوسيلة المشتملة على الفضيلة رواه ابن سعد (وَفِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللّيثيّ) هو عالم الأندلس (أنّه) أي ابن عمر (كَانَ يَقِفُ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم) أي عند قبره كما في نسخة (فَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) أي وهو في مكان يجمع بينهم في السلام من غير تغيير المقام في القيام (وعند ابن القاسم) وهو فقيه مصر (والقعنبيّ) وهو أحد الأعلام وروى عنه البخاري ومسلم وغيرهما (ويدعو لأبي بكر وعمر) أي بدل لفظة وعلى أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ (قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وهب) وهو عالم مصر (يقول المسلّم) بتشديد اللام المكسورة أي الزائر (السّلام) ويروى سلام (عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ: قَالَ) أي مالك (في المبسوطة ويسلّم على أبي بكر وعمر) بأي لفظ كان (قال القاضي أبو الوليد الباجيّ) بالموحدة والجيم وهو أحد الأعلام (وعندي أنّه يدعو للنبي بلفظ الصّلاة) أي بأن يقول الصلاة عليك يا نبي الله أو الصلاة على رسول الله ولا شك أن الجمع بينها وبين السلام أفضل وأكمل كما دل عليه قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (ولأبي بكر وعمر) يعني ويدعو لهما أيضا (كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنَ الْخِلَافِ) أي المتقدم حيث جاء في رواية أخرى عنه أنه كان يقول السلام على النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ السَّلَامُ على أبي وفي رواية أخرى عنه أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر وقد تقدم أن الصلاة على غير الأنبياء تكره استقلالا فكيف يصح قول الباجي عندي أنه يدعو للنبي بلفظ الصلاة ولأبي بكر وعمر وغايته أن حديث ابن عمر في الرواية الثانية أن ذكر الصلاة عليهما وقع تبعا أو تغليبا والحاصل أن الأفضل هو الجمع بين الصلاة والسلام للنبي الأكمل وأما صاحباه فنخصهما بلفظ السلام فتأمل فإنه القول المعول (وقال ابن حبيب) أحد الأئمة ومصنف الواضحة (ويقول) أي الزائر (إذا دخل مسجد الرّسول) أي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقد كره بعض العلماء إطلاق الرسول من غير الإضافة إلى الله سبحانه لتوهم معناه اللغوي (باسم الله وسلام) أي تمام (على رسول الله السّلام) وفي نسخة ﵊ (السلام علينا) أي وعلى عباد الله الصالحين (من ربّنا) أي من جانبه ومن لطفه وكرمه (وصلى الله وملائكته) الأولى زيادة وسلم (عَلَى مُحَمَّدٍ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لي أبواب رحمتك وجنّتك) أي بتوفيق اكتساب طاعتك واجتناب معصيتك
стр. 917
(واحفظني من الشّيطان الرّجيم) أي من وساوسه وهو اجسه (ثمّ اقصد) فيه التفات أي ثم توجه (إلى الرّوضة) أي الشريفة المطهرة (وَهِيَ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ فَارْكَعْ فِيهَا) أي صل (ركعتين) أي قياما بحق الربوبية كما اقتضته العبودية (قبل وقوفك بالقبر) أي الشريف للزيارة المصطفوية وأداء التحية النبوية (تحمد الله تعالى) أي حال كونك تثني على الله سبحانه (فيهما) أي في الركعتين وفي نسخة فيهما أي في الصلاة أو في الروضة (وتسأله) أي الله فيهما أو بعد الفراغ منها (تمام ما خرجت إليه) أي من المقاصد (والعون عليه) أي في جميع المراصد (وإن كانت ركعتاك) وهما تحية المسجد (في غير الرّوضة أجز أتاك) أي كفتاك عن السنة (وفي الرّوضة) وكذا في المواضع الفاضلة في المسجد (أفضل) أي لورود الأحاديث في فضلها (وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم ما بين بيتي) أي المختص بعائشة المعبر عنه في رواية ما بين قبري (ومنبري روضة من رياض الجنّة) إما حقيقة بأن ينتقل إليها حال وصولها وإما وسيلة بأن تكون العبادة فيها سببا لدخولها وباعثة لوصولها فقد قال القتيبي معناه أن الصلاة والذكر في هذا الموضع يورثان الجنة فكأنه قطعة منها أقول ولا منع من الجمع والله أعلم (ومنبري على ترعة) بضم فوقية فسكون راء فعين مهملة أي عتبة أو روضة مرتفعة (من ترع الجنّة) رواه أحمد بتمامه عن جابر والبزار عن أبي بكر والدارقطني عن عمر بلفظ قبري بدل بيتي ورواه بدون الجملة الأخيرة البيهقي عن أبي هريرة والطبراني في الأوسط عن ابن عمر ورواه فقط أحمد وأبو عوانة عن سهل بن سعد والترعة في الأصل الروضة على مكان مرتفع خاصة فإن كانت في مطمئن فهي روضة وورد ارتعوا في رياض الجنة يعني مجالس الذكر وفي رواية إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا وفسر الرياض بالمساجد والرتع بقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ونحو ذلك (ثمّ تقف) خبر معناه أمر أي قف أيها الزائر (بالقبر) أي قريبا منه ومقبلا عليه (متواضعا) أي مذللا في نفسه (متوقّرا) أي معظما لمن في حضرته (فتصلّي عليه وتثني بما يحضرك) أي لديه (وَتُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَتَدْعُو لَهُمَا) أي بالغفران والرضوان (وأكثر من الصّلاة) أي الطاعة والعبادة أو الصلاة على صاحب السعادة والسيادة (في مسجد النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم باللّيل والنّهار) أي في ساعاتهما (ولا تدع أن تأتي مسجد قبا) أي ولا تترك إتيان ذلك المسجد وزيارة ذلك المشهد فإنه كان صلى الله تعالى عليه وسلم يأتيها كل يوم سبت راكبا وماشيا وقباء يمد ويقصر ويؤنث ويذكر ويصرف ويمنع والأشهر الأكثر مده وتذكيره وصرفه (وقبور الشّهداء) أي شهداء أحد وغيرهم أي ولا تترك إتيان زيارتهم واستدعاء شفاعتهم (قال مالك في كتاب محمد) يعني واحدا من أصحابه ولعله محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة فإنه روى عنه الموطأ (ويسلّم على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم إذا دخل) أي سلام القدوم والزيارة (وخرج) أي وإذا أراد أن يخرج سلام الموادعة (يعني) أي يريد بذلك وهو (في المدينة) أولا وآخرا (وفيما بين ذلك) أي أحيانا (قال محمد وإذا خرج) أي أراد
стр. 918
الزائر أن يخرج من المدينة (جعل آخر عهده الوقوف بالقبر) أي للزيارة قياسا على طواف الوداع (وكذلك من خرج) ولو من أهل المدينة (مسافرا) أي حال كونه مريدا للسفر وهذا كله بطريق الاستحباب واستحسان الآداب الموجب لمزيد الثواب (وروى ابن وهب عن فاطمة) أي البتول الزهراء رضي الله تعالى عنها (بنت النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «إذا دخلت المسجد) قال الدلجي بفتح تاء الخطاب ولا أعلم من رواه قلت بل الصواب أن المراد به عموم الخطاب وقد سبق روايته مع مخرجها في الكتاب (فصلّ على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) وفي نسخة ضبط دخلت بكسر التاء وفصلي بياء المخاطبة (وقل) وفي نسخة وقولى فيه وفيما بعده (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَإِذَا خَرَجْتَ فَصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُلِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى) أي لأبي داود عن أبي حميد وأسيد (فليسلّم مكان فليصلّ فيه) أي في هذا المروي (وَيَقُولُ إِذَا خَرَجَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فضلك وفي أخرى اللهمّ احفظني) أي احرسني واعذني واعصمني (من الشّيطان الرّجيم) أي المطرود المبعود (وعن محمد بن سيرين) أحد أعلام التابعين (كان النّاس) أي الصحابة (يقولون إذا دخلوا المسجد) أي المسجد النبوي أو جنس المسجد الإلهي (صلّى الله وملائكة على محمد) جملة خبرية مبنى إنشائية معنى (السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ باسم الله دخلنا) أي لا باسم غيره (وباسم الله خرجنا) والمعنى دخلنا مستعينين باسمه وخرجنا مستمسكين باسمه ففي الحالين باسمه تعلقنا (وعلى الله توكّلنا) أي في جميع أحوالنا عليه اعتمدنا وجميع أمورنا إليه فوضنا (وكانوا يقولون إذا خرجوا) أي حين خروجهم من هنالك (مثل ذلك، وعن فاطمة رضي الله تعالى عنها أيضا) أي كما تقدم عنها (كان النبيّ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى محمد وسلم) وفي نسخة صلى الله تعالى عليه وسلم أخرجه أحمد والبيهقي في الدعوات (ثمّ ذكر) أي ابن سيرين (مِثْلَ حَدِيثِ فَاطِمَةَ قَبْلَ هَذَا وَفِي رِوَايَةٍ حَمِدَ اللَّهَ وَسَمَّى وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم وذكر مثله) وهذا نقل بالمعنى وقد ثبت باختلاف المبنى فلا عبرة بقول الدلجي لا أدري من رواها (وفي رواية) أي للترمذي وابن ماجه (باسم الله والسلام) وفي نسخة والصلاة (على رسول الله وعن غيرها) أي وروي عن غير فاطمة من الصحابة من طرق متعددة فلا يضر قول الدلجي لم أقف عليه لأن من حفظ حجة على غيره وكذا لا التفات إلى قول الحلبي لا أعرفه بعينه لأنه يكفي أن المصنف رواه وهو حافظ ثقة حجة (كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا دخل المسجد) أي حقيقة أو إذا أراد دخوله (قال اللهمّ افتح لي أبواب رحمتك) أي الدينية والأخروية (ويسّر لي أبواب رزقك) أي الحسية والمعنوية (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فليصلّ على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم وليقل اللهمّ افتح لي) أي أبواب رحمتك رواه ابن ماجه والنسائي في عمل اليوم والليلة وابن حبان وابن خزيمة (وقال مالك
стр. 919
فِي الْمَبْسُوطِ وَلَيْسَ يَلْزَمُ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وخرج منه من أهل المدينة) أي كلما دخل به وخرج منه (الوقوف بالقبر) أي للزيارة (وإنّما ذلك) أي لازم (للغرباء) أي من الزائرين دون المقيمين وهذا كما قاله العلماء من أن الصلاة النافلة في مكة أفضل لأهل الإقامة والطواف أفضل للغرباء النازلة (وقال) أي مالك رحمه الله تعالى (فيه) أي في المبسوط (أيضا لا بأس لمن قدم) بكسر الدال أي نزل (من سفر) أي من أهل المدينة وغيرهم (أو خرج إلى سَفَرٍ أَنْ يَقِفَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم فيصلّي عليه ويدعو له) أي بالسلام (ولأبي بكر وعمر فقيل له) أي لمالك (إنّ ناسا من أهل المدينة لا يقدمون) بفتح الدال أي لا يجيئون (من سفر ولا يريدونه) أي ولا يقصدون السفر غالبا وهم مع ذلك (يفعلون ذلك) أي الوقوف على القبر للزيارة (فِي الْيَوْمِ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ وَرُبَّمَا وَقَفُوا) أي تأخروا (في الجمعة) بضم الجيم والميم ويسكن أي في الأسبوع (أو في الأيّام) أي ولو أكثر من الجمعة (المرّة) أي تارة (أو أكثر) أي أخرى (عِنْدَ الْقَبْرِ فَيُسَلِّمُونَ وَيَدْعُونَ سَاعَةً فَقَالَ لَمْ يَبْلُغْنِي هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ) أي من المتقدمين (ببلدنا) يعني المدينة (وتركه واسع) أي جائز يعني ولو فعله فسائغ لأنه كما قال ابن مسعود ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن والقياس بوقت الوفاة على حال الحياة صحيح ولا شك أن الصحابة كانوا يكثرون السلام عليه في حال حياته ويتشرفون بتكرار ملاقاته ويتبركون بأخذ الفيض من أنوار بركاته فأي مانع من التردد على بابه والتوسل إلى جنابه على أنه قد ثبت من صلى عليه نائيا بلغه ومن صلى عليه عند قبره سمعه نعم إن كانت الكثرة توجب الملالة فلا شك أن يقال في حقها الكراهة كما يشير إليه حديث زرغبا تزدد حبا وأما عند كثرة الشوق ومزية الذوق فلا سبيل إلى المنع من تلك الحضرة ولو على سبيل المداومة كما يدل عليه حديث أبي بن كعب في تكثير الصلاة والسلام عليه والحاصل أن تكثيرها مستحب بالإجماع فايقاعها أولى في أفضل البقاع ولعل السلف الصالح كان عندهم أمور أهم من ذلك فكانت تشغلهم عن كثرة الوقوف هنالك وكذا نقول إن طلب العلم وتحصيله وتدريسه وتصنيفه إذا كان خالصا في طريقه أفضل من كثرة الطواف والزيادة بل أكمل من حج النافلة وقصد العمرة فاندفع بما قررنا وارتفع بما حررنا ما يفهم من ظاهر قوله (وَلَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا وَلَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَوَّلِ هَذِهِ الأمّة وصدرها أنّهم كانوا يفعلون ذلك) وقدمنا عذرهم أنهم كانوا يشتغلون بأمور كانت أهم هنالك (ويكره) أي الوقوف للزيارة من أهل المدينة (إِلَّا لِمَنْ جَاءَ مِنْ سَفَرٍ أَوْ أَرَادَهُ) أي السفر (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِذَا خَرَجُوا مِنْهَا أَوْ دَخَلُوهَا أَتَوُا الْقَبْرَ فَسَلَّمُوا) لا شك أن الزيارة في تينك الحالتين أكثر استحبابا وأظهر آدابا لكن لا يلزم منه أنهم لم يكونوا فيما بين ذلك من الواقفين هنالك وقد سبق عن نافع أن ابن عمر كان يسلم على القبر رأيته مائة مرة أو أكثر ولا شك أنه كان من أهل المدينة فتدبر (قال) أي ابن القاسم (وذلك رأي) أي المختار المطابق لظاهر قول مالك (قال الباجيّ) وهو بالموحدة والجيم (ففرق) أي مالك
стр. 920
وفي نسخة بفتح فسكون أي فصل وفارق (بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْغُرَبَاءِ لِأَنَّ الْغُرَبَاءَ قَصَدُوا لذلك) أي في رحلتهم (وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ مُقِيمُونَ بِهَا لَمْ يَقْصِدُوهَا مِنْ أجل القبر والتّسليم) أي على صاحبه وفيه أنه لا يلزمهم ترك ذلك وأي مانع لما هنالك فهل ترى أحدا قال بأن الغرباء لهم الطواف حول الكعبة لأنهم قصدوها في سفرهم دون أهل مكة حيث لم يقصدوها في إقامتهم (وقال ﵊ كما روى مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار مرسلا وعبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم (اللهمّ لا تجعل قبري وثنا يعبد) أي صنما يعبد من دون الله تعالى وإنما قاله خوفا على أمته وأهل ملته أن يفعلوا مثل جهلة أهل الكتاب بالنسبة إلى القبور أنبيائهم ومشاهد أصفيائهم ولذا قال ﵊ (اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائهم مساجد) أي مسجودا بها ومشهودا فيها حيث عبدوها (وقال) أي النبي ﵊ (لا تجعلوا قبري عيدا) رواه أبي شيبة موصولا عن علي وسعيد بن منصور في سننه مرسلا من طريقتين وتقدم تحقيق بيانه وتدقيق برهانه (وَمِنْ كِتَابِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الْهِنْدِيِّ فِيمَنْ وقف بالقبر: لا يلصق به) لأنه ناشىء عن قلة الأدب مع رسول الرب (ولا يمسّه) أي لعدم وروده بل ورد النهي عن مسه ولمسه (ولا يقف عنده طويلا) أي وقوفا طويلا أو زمانا طويلا خوفا من الرياء والسمعة أو من الملالة والسآمة (وفي العتبيّة) بضم العين المهملة وسكون الفوقية وكسر موحدة وتشديد تحتية منسوبة إلى فقيه الأندلس محمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبي القرطبي مصنفها وهو من موالي عتبة بن أبي سفيان أخذ عن يحيى بن يحيى الليثي وطبقته (يبدأ بالرّكوع) أي بصلاة التحية للمسجد (قبل السّلام) أي على سيد الأنام حين دخوله (في مسجد النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي قياسا على حال حياته فإنه قد ورد أن واحدا من الصحابة دخل المسجد فجاء وسلم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له ارجع وصل ركعتين ثم سلم علي وفيه إيماء إلى تقديم الحرمة الربوبية على تعظيم الخدمة النبوية (وَأَحَبُّ مَوَاضِعِ التَّنَفُّلِ فِيهِ مُصَلَّى النَّبِيِّ حَيْثُ العمود المخلّق) بضم ميم وفتح خاء معجمة ولام مشددة مفتوحة أي المبخر أو المطلى بالخلوق بفتح أوله وهو نوع من الطيب المعبق (وأمّا في الفريضة فالتّقدّم إلى الصّفوف) أي أفضل للمأمومين وأما الإمام فلا شك أن مقامه أفضل مصلاه الأكمل (والتّنفّل فيه) أي في مصلاه بل في جميع مسجده أفضل (للغرباء) دون أهل المدينة لحديث ورد بذلك (أحبّ إليّ) وكذا إلى غيره (من التّنفّل في البيوت) ولعل وجهه أن لا مضاعفة في الصلاة في غير المسجد من مواضع المدينة بخلاف ذلك في مكة فإن الحرم كله تضاعف فيه الحسنة بمائة ألف فالنون في البيوت أفضل لهم ولو كانوا من الغرباء.
فصل (فِيمَا يَلْزَمُ مَنْ دَخَلَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم من الأدب)
وفي نسخة من
стр. 921
الآداب (سوى ما قدّمناه) أي من أنواع الاستحباب (وفضله) أي فضل مسجده (وفضل الصّلاة فيه) أي وما يتعلق به (وفي مسجد مكّة) طردا للباب وما يتعلق به من بعض الأبواب (وذكر قبره ومنبره) أي وشرف ما بينهما وقدره (وفضل سكنى المدينة ومكّة) أي سكانهما ومجاوري مكانهما وقدم المدينة بناء على معتقد مالك ومن وافقه على ذلك (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) [التوبة: ١٠٨] واختلف المفسرون في المراد به (روي أنّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ أَيُّ مَسْجِدٍ هُوَ قَالَ مسجدي هذا) رواه مسلم والترمذي وصححه والنسائي عن أبي سعيد وأحمد عن أبي بن كعب وسهل بن سعد وفي رواية لمسلم هو مسجدكم هذا مسجد المدينة فكان الأولى للمصنف أن يقول فقد ورد أو ثبت إذ روى بصيغة المجهول موضوعة للتمريض غالبا (وهو قول ابن المسيّب) بفتح الياء وكسرها وهو من أكابر التابعين فكان الأولى أن يؤخره عن قوله (وزيد بن ثابت وابن عمر) ثم يقول بعده (ومالك بن أنس وغيرهم) وأما ما ذكره الحلبي من أن اللائق تقديم ابن عمر على زيد بن ثابت فغير ثابت لأن زيدا من أكابر الصحابة وممن أخذ عنه ابن عباس وغيره وهو أجل كتبة الوحي وقد ورد في حقه أفرضكم زيد أي أعلمكم بالفرائض وهو إمام في علم القراءة والكتابة وغيرهما وابن عمر من صغار الصحابة والطبقة الثانية منهم رضي الله تعالى عنهم (وعن ابن عباس أنّه مسجد قباء) أي لأنه اسسه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وصلى فيه أيام إقامته بها من يوم الاثنين إلى يوم الجمعة وهو أوفق للقصة في سبب نزول الآية فقد روي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء سألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف فبنوا مسجدا فقالوا قد بنينا مسجدا لذي الحاجة والعلة فصل فيه حتى تتخذه مصلى فقال أنا على جناح سفر وإذا قدمنا إن شاء الله تعالى صلينا فيه فلما رجع كرروا عليه فنزلت ويؤيده أنه روى البخاري في تاريخه وجماعة عن محمد بن عبد الله بن سلام أنه قاله لما أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المسجد الذي أسس على التقوى مسجد قباء قال إن الله تعالى قد أثنى عليكم في الطهور خيرا أفلا تخبروني فقالوا يا رسول الله إنا لنجد مكتوبا علينا في التوراة الاستنجاء بالماء ونحن نفعله اليوم كذا ذكره شيخ مشايخنا الحافظ السيوطي في الدر المنثور في التفسير المأثور ويقويه ما رواه الترمذي وأبو داود أن هذه الآية نزلت في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا وكذا ما رواه ابن ماجه أن هذه الآية لما نزلت فيه رجال قال ﵊ واقفا على باب مسجد قباء يا معشر الأنصاري أن الله تعالى قد أثنى عليكم في الطهور فما طهوركم الحديث وعندي أن الجمع ممكن بأن يراد به جنس المسجد الذي أسس على التقوى وأن ما ذكر من الطهور لأهل قباء لا ينافي الحمل على أهل مسجده من الأنصار والله أعلم بحقائق الأخبار ودقائق الأسرار (حدّثنا هشام) وفي نسخة هاشم (بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا الحسين) بالتصغير والأصح كما في
стр. 922
نسخة الحسن (بن محمد الحافظ) أي حافظ عصره ومحدث دهره وهو الغساني (ثنا) أي قال حدثنا (أبو عمر النّمريّ) بفتح النون وكسر الميم وهو ابن عبد البر حافظ الغرب (حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ حَدَّثَنَا أبو بكر بن داسة حدثنا أبو داود) أي صاحب السنن (حدّثنا مسدّد) بفتح الدال الأولى مشددة (حدّثنا سفيان) أي ابن عيينة (عن الزّهريّ) وهو الإمام ابن شهاب (عن سعيد بن المسيّب) من قيل فيه أنه أفضل التابعين (عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال لا تشدّ الرّحال) جمع راحلة وهي الصالحة لأن ترحل أو يشد الرحل عليها والرحل للبعير كالسراج للفرس والمعنيان يحتملان هنا وفي النهاية الراحلة من الرحيل البعير القوي على الاسفار والاحمال للذكر والأنثى والهاء للمبالغة ومنه قوله ﵊ الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة والمعنى لا ينبغي أن تركب دابة لزيارة مسجد من المساجد (إلّا إلى ثلاثة مساجد) لفضلها على غيرها في كونها مشاهد (مسجد الحرام) بالجر يدل من الثلاثة وفي نسخة المسجد الحرام والمراد به المسجد الذي في بلد الله الحرام المحترم عند سائر الأنام وهو أفضلها كما يشير إليه تقديمه في هذا الحديث ومزيد المضاعفة فيها كما في أخبار كثيرة وآثار شهيرة (ومسجدي هذا) يعني مسجد المدينة احترازا من نحو مسجد قباء فلا يدل على حصر فضل مسجده على ما كان مشارا إليه في مشهده (والمسجد الأقصى) وهو الأبعد من المساجد بالنسبة إلى العرب وهو الذي بيت المقدس وهو مسجد كثير من الأنبياء وقد دخله ﵊ وصلى فيه في ليلة الإسراء وقد أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وفيه تنبيه نبيه على أنه ينبغي للعاقل أن لا يشتغل إلا بما فيه صلاح دنيوي وفلاح أخروي ولما كان ما عدا المساجد الثلاثة متساوي المرتبة في الشرف والفضيلة وكان التنقل والارتحال لأجله عبثا من غير المنفعة نهى الشارع عنه لأن لا تشد خبر وقع نفيا وأراد به نهيا (وقد تقدّمت الآثار في الصلاة والسلام) ويروى التسليم (على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عند دخول المسجد) أي مطلق المساجد فبالأولى مراعاتها في أفضل المساجد (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ الصواب ترك الياء في آخره كما بينا وجهه أولا (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا دخل المسجد) أي جنسه (قال أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم) أي ذاته (وسلطانه القديم من الشّيطان الرّجيم) رواه أبو داود (وقال مالك) أي فيما رواه البخاري والنسائي (سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه صوتا) أي عظيما (في المسجد) أي مسجد المدينة (فدعا بصاحبه) أي طلب صاحب الصوت (فقال ممّن أنت) يروى من أنت (قال رجل من ثقيف) أي من أهل الطائف (قال لو كنت من هاتين القريتين) أي مكة والمدينة أي لفعلت نكالا أو لعذبتك أو لعزرتك وفي نسخة صحيحة لأدبتك (إنّ مسجدنا) أي أهل المدينة خصوصا (لا يرفع فيه الصّوت) أي لما ورد من قوله تعالى لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وهو حي حاضر بعد مماته كما كان في حال حياته فيكون موجبا
стр. 923
لمراعاته وقد قال بعض علمائنا إن رفع الصوت في المساجد ولو بالذكر حرام لما يشوش على أهلها العبادة ويشغل خاطرهم عما تتعلق به الإرادة قال الدلجي وقد اتفق العلماء عليه بشهادة الحصر في حديث إنما بنيت المساجد للذكر والعبادة هذا وفي صحيح البخاري بسنده إلى السائب بن يزيد هو الكندي وله صحبة كنت قائما في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال اذهب فأتني بهذين فجئته بهما فقال ممن أنتما أو من أين أنتما قالا من أهل الطائف قال لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولعله سامحهما لكونهما قريبي العهد من الإيمان والإسلام وآدابهما أو لكونهما من الغرباء فأوجب مراعاة حالهما (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أن يعتمد) وفي نسخة صحيحة أن يتعمد أي يقصد (المسجد) أي فيه (برفع الصّوت ولا بشيء من الأذى) أي من دخوله فيه أو رميه من بصاق ونحوه (وأن ينزّه عمّا يكره) أي من بيعه وشرائه وحلاقة رأسه وقص ظفره وقتل قملة ونحوها فإن المساجد لم تبن لذلك وإنما بنيت لذكر الله ولما يناسب هنالك (قال القاضي) يعني المصنف (حَكَى ذَلِكَ كُلَّهُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ فِي مَبْسُوطِهِ) وهو الإمام شيخ الإسلام إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي مولاهم البصري ثم البغدادي المالكي الحافظ صاحب التصانيف ولد سنة ستع وتسعين ومائة وقرأ على قالون وتفقه وأخذ علم الحديث وقاله عن ابن المديني روى عنه جماعة وتفقه عليه طائفة قال الخطيب كان عالما متقنا فقيها شرح مذهب مالك واحتج له وصنف المسند وصنف في علوم القرآن وله كتاب أحكام القرآن لم يسبق إلى مثله وكتاب معاني القرآن وكتاب القراآت واستوطن بغداد وولى قضاءها إلى أن توفي وقال غيره صنف موطأ وصنف كتابا كبيرا نحو مائة جزء في الرد على محمد بن الحسن لم يتمه توفي إسماعيل فجأة في ذي الحجة سنة اثنين وثمانين ومائتين وروى النسائي في الكنى عن إبراهيم بن موسى عن إسماعيل القاضي عن ابن المديني والحاصل أنه ذكر فيه (فِي بَابِ فَضْلِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم والعلماء كلّهم متّفقون أنّ حكم سائر المساجد هذا الحكم) أقول لكن لا شبهة في تفاوت مراتب المساجد في هذا الحكم وغيره من المقاصد (قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ويكره في مسجد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم الجهر) أي رفع الصوت (على المصلّين فيما يخلّط) بتشديد اللام المكسورة أي يلبس ويشبه (عليهم صلاتهم) أي من جهة قراآتهم وعدد ركعاتهم (وَلَيْسَ مِمَّا يُخَصُّ بِهِ الْمَسَاجِدُ رَفْعُ الصَّوْتِ) أي بالكلام فرفع الصوت مرفوع على أنه اسم ليس ومما يخص محله النصب على الخبر والمساجد مرفوع على أنه نائب الفاعل (قد كره) بصيغة المفعول أي كره جماعة (رفع الصّوت بالتّلبية) أي مع كونها ذكرا وسنة (في مساجد الجماعات إلّا المسجد الحرام ومسجد منى) أقول هذا الاستثناء إنما هو على مقتضى مذهبه ومختار مشربه وإلا الصحيح من مذهبنا أنه يكره رفع الصوت مطلقا في جميع
стр. 924
المساجد لأنه لا فرق في العلة المانعة منه في كل المساجد وفي نسخة ومسجدنا قال الانطاكي كذا وقع في النسخ التي وقفت عليها والظاهر أنه تصحيف إنه لا معنى لإضافة المسجد إلى القائل هنا ولعل الصواب ومسجد منى فقد قال السروجي في شرح الهداية وقال مالك لا يرفع المحرم صوته بالتلبية في مساجد الجماعات لأنها لم تبن لها إلا في المسجد الحرام ومسجد منى قال وخالف الجماعة فيه وقد لبى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في مسجد ذي الحليفة دبر صلاته ورووا تلبيته صلى الله تعالى عليه وسلم ولو لم يرفع بها صوته لما حفظوها منه هذا لفظه بحروفه انتهى كلام الانطاكي وفيه أن تلبيته في مسجد ذي الحليفة ليس كسائر المساجد إذ هو ليس من مساجد الجماعات بل مسجد موضوع للاحرام وما يتعلق به من الصلاة والتلبية والحاصل أن مذهب الحنفية يستحب التلبية في المسجد الحرام ومنى وسائر المساجد التي في بقاع الحرم لأنها موضع النسك ولا يستحب إظهارها في مساجد الأمصار والحل لما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سمع رجلا يلبي فقال إن هذا المجنون إنما التلبية إذا برزت كذا في الكافي أحكام المساجد للشافعية يستحب التلبية في المسجد الحرام وفي مسجد منى وإبراهيم بعرفات وفي استحبابه في سائر المساجد قولان الجديد الأصح أنه يستحب والقديم لا لئلا يشوش انتهى وقد علم بما ذكرنا أن الخلاف في رفع الصوت المشوش وأما أمر الإضافة فسهل إذا كان القائل مثلا في مسجد نمرة أن مسجد الخيف والله تعالى أعلم (وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه) أي فيما رواه الشيخان (عنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلاة في مسجدي هذا) أي مسجد المدينة وقال النووي المضاعفة فيه مختصة بما كان في زمنه ﵊ وتحت نظره أصحابه الكرام (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا المسجد الحرام قال القاضي) يعني المصنف (اختلف النّاس) أي العلماء فإنهم هم الناس (في معنى هذا الاستثناء) يعني إلا المسجد الحرام هل يفيد الزيادة أو النقصان أو الأستواء (على اختلافهم) قال الدلجي أي مع احتلافهم والأظهر أن علي على بابها والمعنى اختلافا مبنيا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ (فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ) أي كون أيتهما أفضل في حق المجاورة (فذهب مالك في رواية أشهب) أي ابن عبد العزيز (عنه) أي عن مالك (وقاله ابن نافع صاحبه) أي صاحب أشهب أو صاحب مالك (وجماعة أصحابه) كذا بالإضافة وفي نسخة وجماعة من أصحابه أي من أصحاب مالك عنه (إلى أنّ معنى الحديث) أي مراده ومقتضاه بحسب مبناه ومفهوم معناه (أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ بِدُونِ الألف) يعني فالاستثناء لبيان النقص في الجملة وسيأتي ما يرد هذه المقولة (واحتجوا بما روي) أي في مسند الحميدي (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ صلاة فيما سواه) وفيه أنه يدل على أن صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ
стр. 925
من مائة صلاة في مسجد المدينة لأنه داخل فيما سواه من غير ذكر استثناء في مبناه فلا يتم قوله تبعا لهم (فتأتي فضيلة مسجد الرّسول صلى الله تعالى عليه وسلم بتسعمائة وعلى غيره بألف) وسيأتي ما يناقضه ويعارضه بما هو أصح في هذا الباب مما روي عن عمر بن الخطاب والله أعلم بالصواب (وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ) أقول بل تفضيل المدينة على مكة مبني على هذا إذ سبب تفضيل المكانين بموجب تشريف المسجدين وإلا فلا شك أن مكة لكونها من الحرم المحترم إجماعا أفضل من نفس المدينة ما عدا التربة السكينة فإنها أفضل من الكعبة بل من العرش على ما قاله جماعة على أنه لا فضيلة في العبادة بالمدينة خارج مسجدها لعدم تعلق المضاعفة في الحسنة بها بخلاف مكة وما حولها من الحرام المحترم والله تعالى أعلم والحاصل أنه إن ثبت افضلية مسجد المدينة يدل على أفضلية المجاورة بها لأن المقصود من السكون فيها إتيان العبادة بها (عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخطّاب رضي الله تعالى عنه) وفيه أن روايته الحديث السابق ليس لها دلالة على مذهبه اللاحق (ومالك وأكثر المدنيّين) أي علماء أهل المدينة وفقهائهم من التابعين (وذهب أهل مكّة والكوفة) ومنهم أبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وحماد وعلقمة وأصحاب الشافعي وغيرهم (إلى تفضيل مكّة) لحديث النسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه وصححه عن عبد الله بن الحمراء قال رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على الحرورة فقال والله إنك لخير أرض الله إلى الله تعالى ولولا أني أخرجت منك ما خرجت (وهو قول عطاء) وهو من أكابر التابعين (وَابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وحكاه الساجيّ) بالسين المهملة والجيم محدث البصرة وعنه أخذ الأشعري مقالة أهل الحديث وله كتاب جليل في علل الحديث ذكره الشيخ أبو إسحاق في طبقاته فقال أخذ عن الربيع والمزني وصنف كتاب اختلاف الفقهاء وكتاب علل الحديث وتوفي بالبصرة سنة سبع وثلاثمائة ذكره في الميزان وقال أحد الأثبات ما علمت فيه جرحا أصلا وقال أبو الحسن بن القطان مختلف فيه في الحديث وثقه قوم وضعفه آخرون (عن الشّافعيّ) أي نصا في هذا الباب (وحملوا الاستثناء في الحديث المتقدّم) أي عن أبي هريرة برواية الشيخين (على ظاهره) أي للزيادة (وأنّ الصّلاة في المسجد الحرام أفضل) أي منها في مسجده ﵊ (واحتجّوا) أي لتفضيل مكة على المدينة (بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم بمثل حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) أي صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام (وفيه) أي وزيد في حديث ابن الزبير (وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ في مسجدي هذا بمائة صلاة) فهذا منطوق وقع صريحا فلا يعارضه مفهوم ولو كان صحيحا والحديث هذا مما ثبت في مسند أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من حديث عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد
стр. 926
إلا المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا وقال النووي في شرح مسلم هذا حديث حسن رواه أحمد بن حنبل في مسنده والبيهقي وغيرهما بإسناد حسن انتهى وقد رواه ابن حبان في صحيحه هذا وقال الدلجي في قوله بمائة صلاة أسقط منه المضاف إلى صلاة أي بمائة ألف صلاة إذ قد ورد كذلك عند أحمد وابن ماجه عن جابر بإسنادين صحيحين بلفظ صلاة في مسجدي أفضل مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه فحديث ابن الزبير هذا روى أبو هريرة صدره وعمر آخره (وروى قتادة مثله) وفي نسخة وروي عن قتادة مثله أي مثل حديث ابن الزبير (فَيَأْتِي فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى هذا) أي القول المحتج المجتمع له بحديث ابن الزبير (على الصّلاة في سائر المساجد) أي ولو مسجد المدينة (بمائة ألف) قال الحجازي يروى بمائة وألف أقول الظاهر أنه تصحيف في المبنى وتحريف في المعنى ثم اعلم إن العلماء صرحوا بأن هذه المضاعفة فيما يرجع إلى الثواب فثواب صلاة فيه يزيد على ثواب مائة ألف فيما سواه ولا يتعدى ذلك إلى الأجزاء عن الفوائت حتى لو كان عليه صلاتان فصلى في مسجد المدينة أو المسجد الحرام أو المسجد الأقصي صلاة لم تجزئه عنهما وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء خلافا لما يغتر به بعض الجهلاء (ولا خلاف) أي بين علماء الامصار (أن موضع قبره أفضل بقاع الأرض) أي بشرف قدره وكرامه عند ربه (قال القاضي أبو الوليد الباجيّ) بالموحدة والجيم (لّذي يقتضيه الحديث) أي الوارد في فضل المسجدين (مخالفة حكم مسجد مكّة لسائر المساجد) ومن جملتها مسجده ﵊ بدليل حمل الاستثناء في حديث أبي هريرة على ظاهره وحديث عمر رضي الله تعالى عَنْهُ صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ مائة صلاة فيما سواه (ولا يعلم منه) أي من الحديث المذكور (حكمها) أي حكم مكة (مع المدينة) أي في أيتهما أفضل من الأخرى إلا أنه يدل على أن المجاورة بمكة والمداومة في مسجدها بالجماعة أفضل من المجاورة بالمدينة لما يترتب عليها من مزيد المضاعفة إلا أن حديث حسنات الحرم بمائة ألف إن ثبت صريح في أن نفس مكة أفضل من نفس المدينة ما عدا البقعة السكينة ومما يدل عليه أيضا ما تقدم من حديث ابن الحمراء فإنه حديث صحيح ودلالته على المدعي صريح (وذهب الطّحاويّ) وهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة العالم المشهور في المذهب الحنفي (إلى أنّ هذا التّفصيل) أي في المسجدين (إنّما هو في صلاة الفرض) أي لأن النافلة في البيوت أفضل (وذهب مطرّف) بضم ميم وكسر راء مشددة وهو اليساري المدني مولى ميمونة يروي عن خاله مالك ونافع القارىء وعنه البخاري وأبو زرعة (من أصحابنا) أي المالكية (إلى أنّ ذلك) أي التفضيل الوارد في الصلاة فيهما (في النّافلة أيضا) أي منضمة إلى الفريضة أخذا بظاهر عموم الحديث وكذا قاله أيضا أصحاب الشافعي على ما نقله الحلبي (قال) أي الطحاوي أو مطرف في تفضيل الصلاة والصوم فيهما (وجمعة خير من جمعة) أي
стр. 927
في غيرهما بما سبق في فضلهما (ورمضان خير من رمضان) أي كذلك (وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْضِيلِ رَمَضَانَ بالمدينة وغيرها) أي من البلاد والظاهر على غيرها (حديثا نحوه) أي نحو ما ذكر قبله رواه الطبراني عن بلال بن الحارث خير من رمضان وجمعة بها خير من جمعة بحذف المفضل عليه للعموم كذا ذكره الدلجي وفي الجامع الصغير رمضان بالمدينة رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها من البلدان وجمعة بالمدينة خير من ألف جمعة فيما سواها من البلدان رواه الطبراني والضياء عن بلال بن الحارث المزني وورد رمضان بمكة أفضل من ألف رمضان بغير مكة رواه البزار عن ابن عمر (وقال ﵊ مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجنّة) رواه أحمد والشيخان والنسائي عن عبد الله بن زيد المازني والترمذي عن أبي هريرة (ومثله) أي مثل هذا اللفظ (عن أبي هريرة وأبي سعيد) أي في الموطأ (وزادا) وفي نسخة صحيحة زاد أي أبو سعيد الخدري (منبري على حوضي) أي حقيقة أو مجازا كما سيأتي (وفي حديث آخر) وقد سبق مخرجه (ومنبري على ترعة من ترع الجنّة) بضم الفوقية وسكون الراء وقد تقدم معناها (قال الطّبريّ) الظاهر أنه محمد بن جرير (فيه) أي في الحديث الأول (مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيْتِ بَيْتٌ سُكْنَاهُ) أي مع عائشة في مبيته ومثواه (على الظّاهر) أي المتبادر من المعنى اللغوي للبيت (مع أنّه روي ما يبيّنه) أي هذا المعنى وهو قوله (بين حجرتي ومنبري والثّاني) أي ثانيهما (أنّ البيت هنا القبر) أي باعتبار مآله (وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي هَذَا الحديث كما روي) أي في بعض الروايات (بين قبري ومنبري، قال الطّبريّ) أي جمعا بين الروايات (وإذا كان قبره في بيته) أي في آخر أمره (اتَّفَقَتْ مَعَانِي الرِّوَايَاتِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهَا خِلَافٌ) في مباني الاعتبارات (لأنّ قبره في حجرته وهو) أي حجرته وذكره لتذكير خبره وهو (بيته، وقوله) أي في الحديث الآخر (ومنبري على حوضي قيل يحتمل أه منبره) أي موضعه (بِعَيْنِهِ الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ أَظْهَرُ) أي من غيره من الأقوال وذلك بأن تنقل تلك البقعة بعينها إلى أرض الآخرة فيقع من بقع أرض الحوض فيها (والثّاني أن يكون له هناك منبر) أي عند الكوثر (وَالثَّالِثُ أَنَّ قَصْدَ مِنْبَرِهِ وَالْحُضُورَ عِنْدَهُ لِمُلَازِمَةِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يُورِدُ الْحَوْضَ وَيُوجِبُ الشُّرْبَ مِنْهُ قَالَهُ الْبَاجِيُّ، وَقَوْلُهُ: رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ يحتمل معنيين أحدهما أنّه) أي أيضا (موجب لذلك) أي لما سبق هنالك كما بينه بقوله (وأنّ الدّعاء والصّلاة فيه) أي فيما بين بيته ومنبره (يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ كَمَا قِيلَ: الْجَنَّةُ تحت ظلال السّيوف) كان حقه أن يقول كما روي فإنه حديث رواه الحاكم في مستدركه عن أبي موسى وفي معناه الجنة تحت أقدام الأمهات رواه القضاعي والخطيب في الجامع عن أنس رضي الله تعالى عنه (وَالثَّانِي أَنَّ تِلْكَ الْبُقْعَةَ قَدْ يَنْقُلُهَا اللَّهُ فتكون في الجنّة بعينها، قاله الدّاوديّ) قيل هو الذي شرح البخاري (وروى ابن عمر) أي كما رواه مسلم (وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم قال في المدينة) أي في فضلها (لا يصبر على لأوائها) بفتح اللام وسكون الهمزة والمد أي ضيق
стр. 928
المدينة وعنائها (وشدّتها) أي شدة بلائها (أحد إلّا كنت له شهيدا) مبالغة شاهد أي أشهد له بما أعلم من صبره عليها (أو شفيعا) مبالغة شافع أي واشفع له (يوم القيامة) واو ههنا ليست للشك لأنه رواه جابر وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة وأسماء بنت عميس وصفية بنت أبي عبيدة وهي تابعية على الصحيح فحديثها مرسل عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بهذا اللفظ ويبعد اتفاقهم على الشك وكذا يستحيل اتفاق رواتهم على الشك فأوهنا بمعنى الواو أو للتقسيم كما صرح به النووي فيكون شهيدا لبعض شفيعا لباقيهم أو شهيدا لمطيعهم شفيعا لمذنبهم أو شهيدا لمن مات في حياته شفيعا لمن عاش بعد موته وهذه خصوصية زائدة على شهادته في القيامة على جميع الأمم أو على أصفياء هذه الأمة وزائدة على شفاعته الكبرى للخلق أجمعين والصغرى للمذنبين وقد رود شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم في قتلى أحد أنا شهيد على هؤلاء أي شهادة خاصة توجب مزيد الرفعة والعلاء والحاصل أنه ﵊ له شهادات متكاثرة وشفاعات متظاهرة في مواقف الآخرة (وقال) أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (فيمن تحمّل) أي رفع حمله وأمتعته ونقلها (عن المدينة) وتحول عنها إلى غيرها (المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون) رواه الشيخان عن سفيان بن أبي زهير والمعنى لو علموا خيريتها لما فارقوها أو لو كانوا من أهل العلم لعلموا خيريتها ولصبروا على بليتها (وقال) أي النبي ﵊ كما رواه الشيخان عن جابر (إنّما المدينة كالكير) بكسر الكاف وهو كير الحداد وهو المبني من الطين أو هو الزق الذي ينفخ به النار والمبنى الكور قاله ابن الأثير (تنفي) أي المدينة (خبثها) بفتحتين أو بضم فسكون وهو منصوب على المفعولية (وينصع) بنون ساكنة فصاد مفتوحة فعين مهملة أي ويخلص وقيل يبقى ويذر (طيبها) بفتح طاء مهملة وتحتية مشددة مكسورة أو بكسر فسكون وهو مرفوع على أنه فاعل ولو روي تنصح بالتأنيث وطيبها بالنصب لكان وجها وجيها قيل هذا القول صدر عنه ﵊ على وجه التمثيل فجعل المدينة وما يصيب ساكنها من الجهد والبلاء وقحط والغلاء كمثل الكير يتميز به الخبيث من الطيب فيذهب الوسخ ويبقى نحو الذهب أزكى ما كان وأخلص وقد روي في سبب ورود الحديث أن أعرابيا بايع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأصاب الأعرابي حمى بالمدينة فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقال يا محمد أقلني بيعتي فأبى ثم جاء فقال أقلني بيعتي فأبى فخرج الأعرابي فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الحديث وعن عمر بن عبد العزيز لما خرج من المدينة التفت إليها وبكى ثم قال نخشى أن نكون ممن نفته المدينة (وقال) أي في حديث آخر رواه مسلم عن جابر (لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنَ الْمَدِينَةِ رَغْبَةً عَنْهَا) أي للزاهد فيها والإعراض عنها وعدم الميل إليها (إلّا أبدلها الله خيرا منه) أي راغبا في سكناها صابرا على بلواها (وروي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم) كما في سنن البيهقي والدارقطني عن عائشة بسند ضعيف (مَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ
стр. 929
حاجّا أو معتمرا) أي قاصدا لأحداهما وهو أعم من قول الدلجي حال كونه محرما بهما (بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ ولا عذاب وفي طريق آخر) للبيهقي في الشعب عن عمر والطبراني عن جابر وسلمان (بعث من الآمنين يوم القيامة) وفي الجامع الكبير من مات في أحد الحرمين استوجب شفاعتي وكان يوم القيامة من الآمنين رواه الطبراني والبيهقي وضعفه عن سلمان (وعن ابن عمر) أي مرفوعا رواه الترمذي وصححه وابن ماجه وابن حبان (مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا) تحريض على لزومه لها وإقامته بها ليتأتى له أن يموت فيها إطلاقا للمسبب على سببه كما في قوله تعالى وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (فإنّي أشفع لمن يموت بها) أي قبل أن أشفع لمن مات في غيرها قال التلمساني وروي فإنها تشفع وقد أجمعوا على أن الموت بالمدينة أفضل مما عداها وقد ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه اللهم ارزقني شهادة في سبيلك وموتا في بلد رسولك وقد استجاب الله تعالى دعاء وجمع له بين ما تمناه وقال الله تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ أي جعله الله تعالى معبدا لهم وقبلة يعبدونه فيها ويستقبلون ويتوجهون في عباداتهم إليها (لَلَّذِي بِبَكَّةَ) وهي لغة في مكة من بكه إذا دقه لأنها تدق أعناق الجبابرة أو لأن الناس يزاحم بعضهم بعضا في الطواف وقد روي أنه ﵊ سئل عن أول بيت وضع للناس فقال المسجد الحرام ثم بيت المقدس فقيل كم بينهما فقال أربعون سنة (إلى قوله آمَنَّا) [آل عمران: ٩٦] تمامه مباركا أي كثير النفع خصوصا لمن حجه أو اعتمره وطاف حوله وشاهد حاله وهدى للعالمين أي مرشدا لهم لأنه قبلتهم ومتعبدهم فيه آيات بينات أي علامات واضحات على قدرته وعزته وعظم شأنه مقام إبراهيم أي منها مكان قيامه وأثر قدم من إقدامه في حجر صلد قام عليه لرفع الحجارة في البناء أو حين أذن بالنداء ومن دخله أي البيت أو حرمه كان آمنا من التعرض في الدنيا ومن العذاب في العقبى وأما ما يتوهمه بعض العوام من إرجاع الضمير إلى المقام فلا يصح في المرام لأنه لا يتصور الدخول في حقيقة المقام والمعنى حوله من حوادث الأيام (قال بعض المفسرين آمنا من النّار) ويدل عليه حديث يبعث الله من هذا الحرم سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر وحديث الحجون والبقيع مقبرتا مكة والمدينة يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة وقيل مبناه خبر ومعناه أمر أي آمنوه ولا تتعرضوا له وهذا توجيه قوله (وقيل كان) وفي نسخة بل كان (يأمن من الطلب) أي طلب الثار (من أحدث حدثا) أي جنى جناية من قتل نفس أو قطع جارحة (خارجا عن الحرم ولجأ) بالهمز أي التجأ وعاذ وأما قول التلمساني وروى أو لجأ بالتنويع فلا يصح في مقام التفريع (إليه في الجاهليّة) وكذا في الأحكام الإسلامية على مقتضى قواعد علمائنا الحنفية فإنه لا يتعرض إليه ما دام في الحرم المحترم إلا أنه لا يؤوي ولا يطعم ولا يسقى حتى يضطر إلى الخروج فإذا خرج منه ولعل عادة الجاهلية كانت على الإطلاق
стр. 930
وأما في الإسلام فمن أحدث حدثا في الحرم ولو دخل الكعبة يخرج منها ويقتص منه بالاتفاق (وهذا) أي قوله تعالى وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً (مثل قوله وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ) أي الكعبة وما حولها من أرض الحرم (مَثابَةً لِلنَّاسِ) أي مرجعا لهم أو مكان مثوبة لهم (وَأَمْناً) [البقرة: ١٢٥] (على قول بعضهم) أي من العلماء الحنفية على ما قدمنا عنهم أو معناه يأمن من حجه أو اعتمره أو دخله من عذاب الآخرة أو موضع آمن لا يتعرض لأهله كقوله أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً ويتخطف الناس من حولهم (وحكي أنّ قوما أتوا سعدون) بفتح السين وسكون العين وضم الدال والقياس صرف سعدون وحمدون ولكنهما وقعا غير مصروفين في كتب الحديث من الأصول المعتمدة (الخولانيّ) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو فنون قبل ياء النسبة (بالمنستير) بضم ميم وفتح نون ويكسر وسكون سين مهملة وفوقية مكسورة وتحتية ساكنة فراء مكان بالقيروان (فأعلموه أنّ كتامة) بضم الكاف ففوقية قبيلة من البربر (قتلوا رجلا وأضرموا) بالضاد المعجمة أي اشعلوا وأوقدوا (عليه النّار طول اللّيل فلم تعمل) أي لم تؤثر (فيه) أي شيئا كما في نسخة (وبقي) أي الرجل (أبيض اللون) أي زيادة على ما كان عليه أو تبدل سواده بياضا وهو الأظهر وفي نسخة أبيض البدن (فقال) أي سعدون (لعلّه) أي المقتول (حجّ ثلاث حجج) أي مقبولة وهي بكسر الحاء وفتح الجيم الأولى جمع حجة بفتح الحاء وكسرها (قالوا نعم) أي حج ثلاث حجج (قال حدّثت أنّ من حجّ حجّة) أي واحدة (أدّى فرضه) أي إن أقام بشرائطه وأركانه (ومن حجّ ثانية داين ربّه) أي أقرضه قرضا وفي أصل الدلجي دان ربه أي أطاعه وعبده والظاهر أنه تصحيف لما في نسخة من زيادة فينادي غدا ملك من عند الله من كان له عند الله دين فليقم (وَمَنْ حَجَّ ثَلَاثَ حِجَجٍ حَرَّمَ اللَّهُ شَعْرَهُ وبشره) أي ظاهر جلده من باهر جسده (على النّار) أي في الدنيا والآخرة (ولمّا نظر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الكعبة) أي يوم الفتح أو وقت هجرته إلى المدينة أو في حجة الوداع (قال مرحبا بك) يحتمل التأنيث والتذكير أي سهلا فضلا (من بيت ما أعظمك وأعظم حرمتك) أي قدرا رواه الطبراني في الأوسط عن جابر (وفي الحديث عنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْعُو اللَّهَ تعالى عند الرّكن الأسود) هو حيث فيه الحجر الأسود وفي الترمذي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم قال الترمذي حسن صحيح وقال المحب الطبري وقد اعترض بعض الملاحدة فقال كيف يسود الحجر خطايا أهل الشرك والكفران ولا يبيضه توحيد أهل المعرفة والإيمان وأجيب بأن بقاءه أسود إنما كان للاعتبار ليعلم أن الخطايا إذا أثرت في الحجر فتأثيرها في القلوب أعظم وأكثر وللحجر الأسود آيات بينات منها أنه يطفو على الماء ومنها أنه لا يسخن بالنار ومنها حفظ الله تعالى له من الضياع منذ اهبط إلى الأرض مع ما وقع من الأمور المقتضية لذهابه كالطوفان ومنها أنه يقال هلك تحته ثلاثمائة
стр. 931
بعير والله تعالى أعلم (إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْمِيزَابِ) لا يعرف مخرجه إلا إنا قد روينا في رسالة الحسن البصري إلى أهل مكة أن الدعاء يستجاب في حرمها وعند البيت والركن الأسود والملتزم وتحت الميزاب وهو الذي يقال له ميزاب الرحمة قال الحسن البصري وسمعت أن عثمان بن عفان أقبل ذات يوم فقال لأصحابه ألا تسألونني من أين جئت قالوا من أين جئت يا أمير المؤمنين قال ما زلت قائما على باب الجنة وكان رضي الله تعالى عنه قائما تحت الميزاب يدعو الله تعالى وذكر الأزرقي في تاريخه عن عطاء قال من قام تحت ميزاب الكعبة فدعا استجيب له وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه (وعنه ﵊ مَنْ صَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَحُشِرَ يوم القيامة من الآمنين) رواه الديلمي وابن النجار ولفظهما من طاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين وشرب من ماء زمزم غفر الله ذنوبه كلها بالغة ما بلغت لكن قال السخاوي لا يصح وقد ولع به العامة كثيرا لا سيما بمكة حيث كتب على بعض جدرها الملاصق لزمزم وتعلقوا في ثبوته بمنام وشبهه مما لا يثبت الأحاديث النبوية بمثله وقد ذكره المنوفي في مختصره وقال فيه أنه باطل لا أصل له والله تعالى أعلم ثم على تقدير ضحته فهو محمول على تكفير الصغائر لقوله تعالى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ (قال الفقيه القاضي أبو الفضل) يعني المصنف (قرأت على القاضي الحافظ أبي عليّ ﵀ هو ابن سكرة (حدّثك) وفي نسخة حدثنا (أبو العباس العذريّ) بضم العين وسكون الذال المعجمة (قال ثنا) أي حَدَّثَنَا (أَبُو أُسَامَةَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ محمد الهرويّ) بفتح الهاء والراء منسوب إلى هراة بكسر أولها مدينة عظيمة بخراسان (حدّثنا الحسن بن رشيق) بفتح الراء وكسر الشين المعجمة هو اليشكري مصري مشهور عالي السند لين الحفظ وثقه جماعة وانكر عليه الدارقطني أنه كان يصلح في أصله ويغيره (سمعت أبا الحسن) وفي نسخة أبا الحسين (محمد بن الحسن بن راشد) أي الأنصاري يروي عن وراق الحميدي (سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ سَمِعْتُ الحميديّ) بالتصغير وهو القرشي المكي الفقيه الإمام أحد الأعلام وهو من أصحاب الشافعي مات بمكة سنة تسع عشرة ومائتين وهو أول رجل أخرج له البخاري في صحيحه (قَالَ سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يقول سمعت رسول الله صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا دَعَا أَحَدٌ بِشَيْءٍ في هذا الملتزم) بضم الميم وفتح الزاء وهو ما بين الحجر الأسود وباب الكعبة قال الأزرقي ذرعه أربعة أذاع سمي بذلك لأن الناس يلتزمونه في الدعاء ويقال له المدعي والمتعوذ بفتح الواو (إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَا فما دعوت الله شيء في هذا الملتزم منذ) ويروى مذ هنا وما بعده (سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا اسْتُجِيبَ لِي، وَقَالَ عَمْرُو بن دينار) أي الراوي عن ابن عباس (وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ تَعَالَى بِشَيْءٍ فِي هذا الملتزم منذ سمعت هذا من ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لِي، وَقَالَ سُفْيَانُ) أي ابن عيينة الراوي
стр. 932
عن عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ (وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا من عمرو) أي ابن دينار (إلّا استجيب لي، قال الحميديّ) وهو الراوي عن ابن عيينة (وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الملتزم منذ سمعت هذا من سفيان) أي ابن عيينة (إِلَّا اسْتُجِيبَ لِي؛ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ) يعني الراوي عن الْحُمَيْدِيُّ (وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنَ الْحُمَيْدِيِّ إلّا استجيب لي؛ وقال أبو الحسن) وفي نسخة أبو الحسين (محمد بن الحسن) وهو الراوي عن ابن إِدْرِيسَ (وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ إِلَّا اسْتُجِيبَ لِي؛ قَالَ أَبُو أسامة وما أذكر الحسن بن رشيق) يعني شيخه (قال فيه شيئا) أي مثل ما سبق عن بقية مشايخ السلسلة وعلى هذا فالمسلسل هنا منقطع (وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنَ الْحَسَنِ بْنِ رَشِيقٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لِي مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا) أي مما طلبته (وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُسْتَجَابَ لِي مِنْ أَمْرِ الآخرة) أي مما دعوته (قال العذريّ) أي الراوي عن أبي أسامة (وَأَنَا فَمَا دَعَوْتُ اللَّهَ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ أَبِي أُسَامَةَ إلّا استجيب لي قال أبو عليّ) وهو تلميذ العذري وشيخ المصنف (وَأَنَا فَقَدَ دَعَوْتُ اللَّهَ فِيهِ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ استجيب لي بعضها وأنا أرجو من سعة فضله) بكسر السين وفتحها أي واسع كرمه (أن يستجيب لي بقيّتها) والأحاديث المسلسلة قلّ أن تكون متصلة وندر أن تكون صحيحة هذا وقد ذكر شيخ مشايخنا أبو الخير محمد بن الجزري في الحصن الحصين أنا قد روينا في استجابة الدعاء في الملتزم حديثا مسلسلا من طريق أهل مكة كذا ذكره مجملا من غير أن يبينه مفصلا وقد روى سعيد بن منصور والبيهقي في سننهما من طريق أبي الزبير عن ابن عباس الملتزم بين الركن والباب لا يسئل الله تعالى أحد فيه شيئا إلا أعطاه قال أبو الزبير وقد دعوت الله مرة هناك فاستجاب لي (قال القاضي أبو الفضل) لعله يعني المصنف نفسه (ذكرنا) وفي نسخة وقد ذكرنا (نبذا) بضم النون وفتح الموحدة فذال معجمة أي قدرا يسيرا (من هذه النّكت) بضم ففتح جمع النكتة وهي النقطة والمراد بها الفوائد بها الفوائد اللطيفة والعوائد المنيفة (في هذا الفصل) أي عظيم الفضل (وإن لم تكن) أي النبذ أو النكت (من الباب) أي باعتبار الأصل وإنما ذكرناها في أثناء الوصل (لِتَعَلُّقِهَا بِالْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ حِرْصًا عَلَى تَمَامِ الفائدة) أي وغاية منفعته (والله الموفّق للصّواب برحمته) وكرمه ولطفه.
стр. 933
الْقِسْمُ الثَّالِثُ [فِيمَا يَجِبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم وما يستحيل في حقه وما يمتنع]
(فيما يجب للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي يثبت له ولا بد له من وقوعه (وَمَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ أَوْ يَجُوزُ عَلَيْهِ وما يمتنع) أي مع إمكان وجوده (أَوْ يَصِحُّ مِنَ الْأَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ أَنْ يُضَافَ إليه قال تعالى وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ أي من جملة الرسل لا من الملائكة الذين لا يموتون إلا عند النفخة الأولى (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) أي مضوا وانقرضوا أو بعضهم ماتوا وبعضهم قتلوا واستمر دينهم في أممهم وسيخلو محمد كمن قبله (أَفَإِنْ ماتَ) أي محمد (أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ) [آل عمران: ١٤٤] وهمزة الإنكار التوبيخي منصبة على الانقلاب وفي الآية الإيماء إلى موت الناس حتى الأنبياء وتمام الآية من ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وإنما يضر نفسه حيث يجحد ربه وسيجزي الله الشاكرين أي الثابتين على دينهم والصابرين على يقينهم كأنس بن النضر عم أنس بن مالك فإنه لما قيل له في أحد إلا أن محمدا قد قتل يا قوم إن كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم قتل فإن ربه حي لا يموت وما تصنعون بالحياة بعده قاتلوا على ما قاتل عليه ثم قال اللهم إني أعتذر إليك مما يقولون وأبرأ منه ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل (وقال) أي الله سبحانه (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) أي لا ألوهية لها ولا نبوة وإنما هي كثيرة الصدق والتصديق بالحق (كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) [المائدة: ٧٥] وهو مما ينافي الربوبية ولذا قيل هو كناية عن يبولان ويغوطان فهما محتاجان إلى الله أولا ومفتقران إلى دفعه ثانيا (وقال (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ) أي أحدا (مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ) أي أن شأنهم (لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ) [الْفَرْقَانِ: ٢٠] (وَقَالَ تعالى قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) أي لا أدعي أني ملك وإنما أتميز عنكم بأني (يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فمحمّد صلى الله تعالى عليه وسلم وسائر الأنبياء) أي وباقيهم ﵈ (من البشر) أي من جنس بني آدم وهو أبو البشر وسموا بشرا لظهور جلودهم إذ البشرة ظاهر الجلد (أرسلوا إلى البشر) أي من نوعهم (ولولا ذلك) أي التناسب بأن كان أرسل إليهم الملائكة (لما أطلق النّاس مقاومتهم) أي لما استطاعوا مقابلتهم وملابستهم لضعف البنية البشرية وقوة القدرة الملكية فقد ورد أن جبريل قلع قرى قوم لوط من أصولها على جناحه ثم قلبها أي جعل عاليها سافلها وصاح بثمود صيحة فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ورأى إبليس يكلم عيسى
стр. 934
على عقبة بالأرض المقدسة فنفخه بجناحه نفخة فألقاه على أقصى جبل بالهند (والقبول) أي ولما أطاقوا قبول الأحكام وأخذ الإسلام (عنهم) أي في تبليغهم ما أرسلوا به إليهم إذ الجنسية علة الضم قال الحجازي ويروى عليهم أقول الظاهر إنه تصحيف (ومخاطبتهم) أي ولما أطاقوا حال مكالمتهم لهم ومخالطتهم معهم (قال الله تعالى) أي في جواب جمع اقترحوا وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (وَلَوْ جَعَلْناهُ) أي الرسول الذي اقترحوه (مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا) [الأنعام: ٩] أي لأرسلناه في صورة رجل وهذا معنى قوله (أَيْ لَمَا كَانَ إِلَّا فِي صُورَةِ الْبَشَرِ الّذي) أفرد نظرا إلى لفظ البشر وفي نسخة الذين نظرا إلى معناه (يمكنكم) يروى يمكنكم (مخالطتهم) كما كان جبرائيل يصور له ﵇ في صورة دحية وغيره وفي نسخة خالطتهم (إذ لا تطيقون) أي جنس البشر (مُقَاوَمَةَ الْمَلَكِ وَمُخَاطَبَتَهُ وَرُؤْيَتَهُ إِذَا كَانَ عَلَى صورته) أي وهو على حقيقة ذاته إلا نادرا على وجه خرق العادة كما وقع لنبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أنه رأى جبريل في صورته الأصلية مرتين وتتمة جواب المقترحين وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ أي ولو جعلناه في صورة رجل لخطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم فإنهم إذا رأوه في صورته قالوا ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فيكذبونه كما كذبوا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم (وقال) أي الله تعالى لنبيه (قالُوا) أي جوابا لقولهم أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا انكارا منهم أن يرسل الله بشرا وإقرارا بأن يصلح أن يكون الإله حجرا (لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ) أي ظاهرين كما يمشي بنو آدم فيها ساكنين (لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا أَيْ لَا يُمْكِنُ فِي سُنَّةِ اللَّهِ إِرْسَالُ الملك إلّا لمن هو من جنسه) أي لتمكنه من مخالطته وتلقنه من مخاطبته (أو من خصّه الله تعالى واصطفاه) أي بأن صفى مرآة روحه (وقوّاه على مقاومته) أي مقابلة الملك ومواجهته (كالأنبياء والرّسل) فيقومون بدعوة الخلق إلى طريق الحق وكأن المصنف ذهب في الفرق بين النبي والرسول إلى ما قاله بعضهم إن الرسول صاحب كتاب وشريعة مجددة والنبي بخلافه (فَالْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ ﵈ وَسَائِطُ بَيْنَ اللَّهِ تعالى) أي بواسطة ملائكته (وبين خلقه) أي المأمورين بطاعته وعبادته (يبلّغونهم أوامره) أي ليمتثلوها (ونواهيه) ليجتنبوها (ووعده) أي على طاعتهم (ووعيده) أي على معصيتهم (ويعرّفونهم بما لم يعلموه من أمره) أي من أمر ذاته وصفاته وأفعاله في مصنوعاته وقضائه من إيجاد وإمداد وإفناء وإبقاء وغفران ذنب وتفريج كرب ورفع قوم ووضع آخرين (وخلقه) أي وما لم يعلموه من أحوال خلقه ابتداء وانتهاء (وجلاله) وأي من بيان عظمته وهيبته وجماله من رأفته ورحمته وكماله من عنايته ورعايته (وسلطانه) أي علو شأنه وظهور برهانه (وجبروته) أي قهره وقدرته (وملكوته) أي عزته وغلبته وحاصل الكل بيان تصرفه في ملكه ومملكته لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه (فظواهرهم) أي الأنبياء (وأجسادهم وبنيتهم) أي أبدانهم المركبة
стр. 935
من أشباحهم وأرواحهم أو الممتزجة من العناصر الأربعة بالوجه المعتبر (متّصفة بأوصاف البشر طارىء عليها) أي هو جار وهو من طرأ مهموز الفاء (ما يطرأ على البشر من الأعراض) أي العوارض في الأجسام (والأسقام) كسائر الأنام (والموت والفناء) أي ولعله عطف تفسير وإلا فالفناء لا يطرأ على مطلق الأرواح وأما الأشباح فقد ورد أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء (ونعوت الإنسانيّة) وفي نسخة الآدمية أي من القوى الشهوية والغضبية (وأرواحهم وبواطنهم متّصفة بأعلى) أي بأوصاف أعلى (من أوصاف البشر متعلّقة بالملاء الأعلى) بل متوجهة بالكلية إلى المولى وهو الأولى (متشبّهة) يروى مشبه (بصفات الملائكة) أي في دوام الذكر والحضور من غير السآمة والفتور وفي القوة على الطاعة والعبادة من غير الملامة ففي البخاري أنه أعطي قوة ثلاثين رجلا (سليمة من التّغيّر) أي تغير العقل المورث لتغير النقل (والآفات) أي المنافية لأرباب النبوات وأصحاب الفتوات (لا يلحقها) أي أرواحهم وأشباحهم (غالبا عجز البشريّة ولا ضعف الإنسانيّة) بفتح الضاد وضمها أي فتورها وقصورها فهم أتم أفعالا وأصدق أقوالا وأكمل أحوالا إلا أنهم قد يغشاهم فترة لطبيعتهم على نعت العلة لكن لا تخرجهم عن كمال القوة وعلو المهمة (إذ لو كانت بواطنهم) أي أسرارهم العلية (خالصة للبشريّة) أي من دواعيها (كظواهرهم) أي من لزوم مراعيها (لما أطاقوا الأخذ) أي أخذ العلم وتلقي الوحي (عن الملائكة ورؤيتهم) بالنصب أي ولا أطاقوا ملاقاتهم (ومخاطبتهم) أي مكالمتهم (ومخالّتهم) بتشديد اللام أي مخالطتهم كما في نسخة مخاللتهم بالفك وهي موادتهم ومصاحبتهم (كما لا يطيقه) أي ما ذكر من الأخذ وما بعده (غيرهم) أي غير من الأنبياء (من البشر) أي ولو كانوا من الأولياء (ولو كانت أجسامهم) أي أجسادهم كما في نسخة (وظواهرهم) أي أبشارهم (متّسمة) أي متصفة (بِنُعُوتِ الْمَلَائِكَةِ وَبِخِلَافِ صِفَاتِ الْبَشَرِ لَمَا أَطَاقَ البشر) أي من غيرهم (ومن أرسلوا) بصيغة المجهول (إليه) أي من أممهم (مخالطتهم) وفي نسخة مخاطبتهم أي الأخذ منهم والانتفاع بأمرهم ونهيهم (كما تقدّم) أي مما يدل على هذا (من قول الله تعالى) أي ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا (فجعلوا) بصيغة المجهول أي خلقوا متوسطين بين الأرواح الملكية والأشباح البشرية جامعين بين الأنوار الباطنية والأسرار الظاهرية فجبلوا (من جهة الأجسام والظّواهر مع البشر) أي متشاركين (ومن جهة الأرواح والبواطن مع الملائكة) أي متناسبين (كما قال ﵊ أي فيما رواه البخاري وغيره (لو كنت متّخذا من أمّتي خليلا) أي حبيبا تتخلل محبته خلال قلبي (لا تخذت أبا بكر خليلا) إلا أن هذه المحبة الخالصة لقلبي مختصة بمودة ربي كما يشير إليه ما روي عنه ﵊ لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل والتحقيق أن المراد بالنبي المرسل ذاته الأكمل فإنه في مقام جمع الجمع يفنى عن
стр. 936
ذاته ومقاماته ويستغرق في مشاهدة ذات الله تعالى وصفاته (ولكن أخوّة الإسلام) أي حاصلة بيننا بنعت الدوام ووصف التمام (لكن صاحبكم) يعني نفسه الأنفس (خليل الرّحمن) لتخلل حبه في قلبه بحيث لا يسع فيه غير ربه (وكما قال) أي فيما رواه ابن سعد عن الحسن مرسلا (تنام عيناي ولا ينام قلبي وقال) أي فيما رواه الشيخان عن ابن عمر وأبي هريرة وأنس وعائشة جوابا لقولهم إنك تواصل فكيف تنهانا (إنّي لست كهيئتكم) أي على صفتكم وماهيتكم (إنّي أظلّ) بفتح الظاء المعجمة وتشديد اللام أي أصير أو أداوم نهارا (يطعمني ربّي ويسقيني) محلهما النصب على الخبرية لأظل إن كانت ناقصة أو على الحالية المتداخلة إن كانت تامة وفي رواية أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني إما بإفاضته سبحانه عليه ما يقوم مقام طعامه وشرابه يدفع عنه مس الجوع وألم العطش الناشىء لديه ويتقوى به على الطاعة وما يجب القيام إليه أي أو بإيصال رزق من الجنة له ليالي صيامه كما ورد أنه ﵊ كان يبيت يلتوي من الجوع ثم يصبح شبعان وهذا مبني على أن طعام الجنة لا يفطر على ما قاله ابن الملقن إن كان يظل على ظاهره الموضوع للنهار وقيل إطعام الله تعالى لا يفطر والصحيح الأول وهو أن المراد بالطعام وما يقوم مقامه من القوة لأنه لو أكل حقيقة لم يكن مواصلا ويمكن الجمع بأنه يتقوى في النهار ويأكل من طعام الجنة في الليل كما يشير إليه رواية أبيت فالوصال حاصل في الجملة له بخلاف غيره (فبواطنهم منزّهة عن الآفات) أي المخلة بنعوتهم الملكية (مطهّرة عن النّقائص والاعتلالات) أي المملة على الأجسام الحيوانية (وهذه) أي النبذة (جملة) أي قضية مجملة (لن يكتفي بمضمونها كلّ ذي همّة) أي علية (بل الأكثر) أي من ذوي الهمم الجالية (يحتاج) ويروى محتج (إلى بسط) أي للكلام في أحوالهم (وتفصيل) لما يتعلق بأفعالهم (على ما نأتي به) أي نبينه ونذكره (بعد هذا) أي البيان الإجمالي (في البابين) أي الموضوعين للمقام التفصيلي (بعون الله تعالى) أي بمعونته وتوفيق هدايته (وهو) أي الله ربي (حسبي) كافي أمري الجليل والقليل (ونعم الوكيل) أي هو أفضل من توكل إليه الأمور ويعتمد عليه وتطمئن إليه الصدور.
стр. 937
الْبَابُ الْأَوَّلُ (فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالْكَلَامُ فِي عِصْمَةِ نَبِيِّنَا ﵊ وَسَائِرِ الأنبياء صلوات الله عليهم
: قال القاضي أبو الفضل رضي الله تعالى عنه) يعني المصنف وهذا من ملحقات بعض تلاميذه كما تشير إليه الترضية عنه (اعلم أنّ الطّوارىء) بالهمزة جمع الطارىء وهو ما يطرأ ويحدث (من التّغيّرات) أي الموجبة للفتورات ويروي التغييرات بياءين والأولى هو الأولى كما لا يخفى (والآفات) أي الحاصلة بالعاهات (على آحاد البشر) أي عوامهم ويروى أجساد البشر أي أبدانهم (لا يخلوا أن تطرأ) أي من أن تعرض (على جسمه) أي جسم البشر (أو على حواسّه) أي الخمس وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس (بغير قصد واختيار) أي من البشر بل بخلق الله تعالى لها فيه (كالأمراض والأسقام) أي الأوجاع والآلام (أو بقصد واختيار) أي أو أن تطرأ بهما (وكلّه) أي وكل ما ذكر مما يطرأ بغير اختيار أو باختيار (في الحقيقة عمل وفعل) بل وعقد (ولكن جرى رسم المشايخ) أي دأبهم (بتفصيلة إلى ثلاثة أنواع) أي باعتبار مواردها (عقد) بالجر والرفع (بالقلب) أي جزم وقصد به وعزم (وقول باللّسان) أي يترجم عن الجنان (وعمل بالجوارح) أي الأعضاء والأركان (وجميع البشر) أي أفرادهم من خواصهم وعوامهم (تطرأ عليهم الآفات والتّغيّرات) بضم الياء التحتية المشددة أي الحالات المختلفة بالانتقال من حالة إلى حالة كنعمة ومحنة وملك وهلك ونصر وقهر وكسر وجبر (بِالِاخْتِيَارِ وَبِغَيْرِ الِاخْتِيَارِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا والنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي جنسه (وإن كان من البشر) أي من جملتهم وعلى طبيعتهم (ويجوز على جبلّته) بكسر جيم فموحدة وبلام مشددة أي خلقته (يجوز على جبلّة البشر) أي سائرهم (فقد قامت البراهين القاطعة) أي الأدلة اليقينية (وتمّت كلمة الإجماع) أي ثبتت (عَلَى خُرُوجِهِ عَنْهُمْ وَتَنْزِيهِهِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الآفات الّتي تقع على الاختيار) أي لعصمة الله تعالى لهم منها (وعلى غير الاختيار) أي لكرامتهم على الله سبحانه فيها (كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا نأتي به من التّفاصيل) أي تبيين كل منهما في فصل على حدة.
فصل (فِي حُكْمِ عَقْدِ قَلْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم)
وهو أحكامه ولزومه على الشيء
стр. 938
وحقيقته (مِنْ وَقْتِ نُبُوَّتِهِ اعْلَمْ مَنَحَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ توفيقه) أي اعطاناه بخلقه فينا جملة دعائية اعتراضية والخطاب عام والمعنى افهم (أنّ ما تعلّق) أي الذي تعلق به قلب النبي (منه) أي بعضه ما هو (بطريق التّوحيد) أي توحيد الذات وتفريد الصفات (والعلم بالله) أي بذاته العلية (وصفاته) الثبوتية والسلبية والفعلية والإضافية (والإيمان به) أي التصديق بوجوده والتحقيق بكرمه وجوده (وبما أوحي إليه) أي من الوحي الجلي أو الخفي ليبلغه أو يعمل به (فعلى غاية المعرفة) أي بجزئياته (ووضوح العلم واليقين) أي بكلياته (والانتفاء) أي وعلى غاية التنزه (عن الجهل شيء من ذلك) أي مما ذكر من العلم المتعلق به سبحانه (أو الشّكّ) أي مطلق التردد (أو الرّيب) أي الشبهة (فيه والعصمة) أي وعلى غاية الحفظ (من كلّ ما يضاد) بتشديد الدال أي ينافي (المعرفة بذلك واليقين) أي بما هناك (هذا) أي الذي ذكرناه إجمالا من نسبته إليه (مَا وَقَعَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ؛ وَلَا يَصِحُّ) وفي نسخة فلا يصح (بالبراهين الواضحة) أي الأدلة البينة (أن يكون في عقود الأنبياء سواه) أي غير ما تقدم (ولا يعترض على هذا) بصيغة المجهول أي وليس لأحد أن يعترض على قولنا هذا ويدفعه (بقول إبراهيم ﵇ أي حيث حكى عنه سبحانه إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ أي أما آمنت فالهمزة للتقرير ومعناه حمل المخاطب على الإقرار بإيجاب ما بعد النفي الموضوع له بلى (قال بلى) آمنت ولا شك في إيماني بإحيائك الناشىء عن قوتك وقدرتك (ولكن) سألت ما سألت (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي؛ إِذْ لَمْ يَشُكَّ إِبْرَاهِيمُ فِي إخبار الله تعالى له بإحياء الموتى) أي في الدنيا والآخرة إذ كان أثبت إيمانا وأتم إيقانا (ولكن أراد طمأنينة القلب) أي بمشاهدة فعل الرب إذ ليس الخبر كالمعاينة على ورد في الأثر (وترك المنازعة) أي بسكون النفس أو منازعة أهل المخاصمة (بمشاهدة الإحياء) وفي نسخة لمشاهدة الاحياء فاللام للعلة والباء للسببية (فحصل له العلم الأوّل) وهو علم اليقين (بوقوعه) أي بوقوع إحيائه تعالى (وأراد العلم الثّاني) وهو عين اليقين (بكيفيّته ومشاهدته) أي ملاحظة هيئته والحاصل أنه في مقام استزادة العلم إذ لا نهاية لمراتب تجليات الله وتعيناته ولذا قال لأعلم الخلق بالحق وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً وهذا الوجه الأول في دفع الاعتراض الوارد على الخليل الأكمل (الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ إِنَّمَا أراد اختبار منزلته) أي باعتبار مرتبته ورفعة مكانته (عند ربّه وعلم إجابته) أي وأراد علم إجابة الله له (دعوته) وفي نسخة إجابة دعوته وينسب إلى أصل المصنف (بسؤال ذلك من ربّه) أي بطلبه منه أن يريه كيفية الإحياء بإعادة التركيب والروح في الموتى (ويكون) وفي نسخة فيكون (قوله تعالى أَوَلَمْ تُؤْمِنْ أي تصدّق) وفي نسخة صحيحة أي ألم تصدق (بمنزلتك منّي وخلّتك) بضم الخاء وتشديد اللام أي وكونك خليلا عندي (واصطفائك) أي بالرسالة وغيرها لدي (الوجه الثالث أنه سأل زيادة يقين) أي معرفة لقبولها ضعفا (وقوّة طمأنينة) أي لأجل مشاهدة (وإن لم يكن في الأوّل) أي في المقام الأول من علم اليقين (شكّ) أي تردد وشبهة (إذ العلوم الضّروريّة) أي البديهية (والنّظريّة) أي الفكرية (قد تتفاضل
стр. 939
في قوّتها) أي وتتناقص في ضعفها إلا أنه لا بد من ثبوت أصولها من غير تردد في حصولها (وطريان الشّك) أي حدوثه ووقوعه (على الضّروريّات ممتنع) أي من حيث ذاتها (ومجوّز) بفتح الواو المشددة وفي نسخة ويجوز أي طريانها وجريانها (في النّظريّات) إذ قد يلم بها الوهم ويندفع عنها الفهم (فأراد) أي إبراهيم (الانتقال من النّظر) أي السابق (أو الخبر) أي الصادق (إلى المشاهدة) أي العينية المفيدة للزيادة اليقينية (والتّرقّي) أي الصعود (مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ فَلَيْسَ الخبر كالمعاينة) وهذا اقتباس من قوله ﵊ فيما رواه أحمد وابن حبان عن ابن عباس مرفوعا ليس الخبر كالمعاينة إن الله أخبر موسى ﵇ بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقاها فانكسرت ولا يبعد أن قوله إن الله يكون مدرجا من قول ابن عباس والله أعلم (ولهذا قال سهل بن عبد الله) أي التستري (سأل) أي إبراهيم (كَشْفَ غِطَاءِ الْعِيَانِ لِيَزْدَادَ بِنُورِ الْيَقِينِ تَمَكُّنًا في حاله) أي بصيرة في كماله (الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنَّهُ لَمَّا احْتَجَّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ) أي من قومه نمرود وسائر الجنود (بأنّ ربّه يحيي ويميت) كما قال تعالى حكاية عنه إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أي لا غيره بشهادة تعريف الجزأين أو بتقدير ضمير الفصل قبل الذي (طلب) جواب لما أي سأل (ذلك) أي إراءة كيفية إحياء الموتى (من ربه ليصحّ احتجاجه) أي عليهم (عيانا) ويلجئهم الحق بيانا وهذا متوقف على صحة كون هذه الواقعة عند نمرود وجنوده وظاهر الآية أنه انتقل من هذا الاستدلال وحصل له الزام لغيره في الحال (الوجه الخامس قول بعضهم) يروى قول بعضهم (هو) أي قوله رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى (سؤال) أي طلب من الرب وارد (على طريق الأدب:
المراد) أي المقصود به (أقدرني) بفتح الهمزة وكسر الدال أي قدرني وقوني (على إحياء الموتى وقوله ليطمئنّ قلبي) أي حينئذ يكون معناه ليسكن (عن هذه) ويروى من هذه (الأمنيّة) وهي التمني والتشهي (الوجه السادس أنه أرى) أي أظهر إبراهيم لغيره (من نفسه الشّكّ) أي صورة (ما شك) أي حقيقة (لكن) أي أرى ذلك تأدبا لما هنالك (ليجاوب) بفتح الواو وفي نسخة ليجاب أي ليجيبه ربه (فيزداد قربه) بالإضافة أي كمال قربه بمعرفة منزلته عند ربه وفي نسخة قربة أي عظيمة إذ المجاوبة تؤذن بالمقاربة (وقول نبيّنا ﵊ نحن أحقّ بالشّكّ من إبراهيم) ليس اعترافا منه بالشك لهما بل (نفي لأن يكون إبراهيم شكّ وإبعاد) أي زجر وطرد (للخواطر الضّعيفة أن تظنّ هذا بإبراهيم) إذ قد ورد أنه لما نزل وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى سمع قوم ذلك فقالوا شك إبراهيم ولم يشك نبينا (أي نحن) يعني معاشر الأنبياء أو جماعة المؤمنين (موقنون بالبعث وإحياء الله الموتى) أي ولم نشك في قدرته على ذلك وفي ظهور هذه الحالة هنالك (فلو شكّ إبراهيم) أي ولو جاز له (لكنّا أولى بالشّكّ منه) وهذا القول منه صلى الله تعالى عليه وسلم (إمّا على طريق الأدب) أي مع إبراهيم لأنه بمنزلة الأب (أو أن يريد) أي بنحن (أمّته الذين
стр. 940
يجوز عليهم الشّكّ) لفقد عصمتهم (أو على طريق التّواضع) أي هضم النفس (والإشفاق) أي الخوف من تزكيتها (أن حملت) بضم الحاء وكسر الميم المخففة (قصّة إبراهيم على اختبار حاله) بالموحدة أي امتحان كماله كما في الوجه الثاني ليعلم منزلة قربه من ربه (أو) أي وان حملت قصته على (زيادة يقينه) أي ليزداد حصول علم يقينه بوصول عين يقينه (فإن قلت فما معنى قوله) أي الله (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ) أي قلق واضطراب (مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ) أي من كتاب ربك (فَسْئَلِ) قرىء بالتخفيف والنقل (الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ) [يونس: ٩٤] فإنهم محيطون علما بصحة ما أنزلنا إليك من ربك (الآيتين) يعني لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ أي فيما أنت عليه من الجزم واليقين ولذا قال ﵊ ولا أشك ولا أسأل وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ فيه زيادة تنبيه وتهييج له على دوام ما هو عليه من اليقين وانتفاء الشك في أمر الدين (فاحذر) أي كل الحذر (ثبّت الله قلبك) لو قال قلبي وقلبك لكان أولى (أن يخطر ببالك) بضم الطاء أي أن يمر بخيالك (ما ذكره فيه بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ غَيْرِهِ) أي من المتقدمين أو المتأخرين (من إثبات شكّ للنّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فيما أوحي) أي الله كما في نسخة (إليه وأنّه من البشر) أي وإن الخاطرات ليس بها عبرة (فمثل هذا) أي الخاطر المذموم (لا يجوز عليه جملة) لثبوت عصمته من مثل هذا الأمر (بل قد قال ابن عبّاس وغيره) أي باسانيد صحيحة منها ما رواه ابن حاتم عنه (لم يشكّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يسأل) أي أحدا ممن قرأ الكتاب من قبله (ونحوه عن ابن جبير) وهو سعيد (والحسن) أي البصري (وحكى قتادة) أي فيما رواه ابن جرير (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي حين جمع الله له الرسل ليلة أسري به (قال ما أشكّ ولا أسأل) لنزاهته وبراءة ساحته عن الشك لعصمته (وعامّة المفسّرين على هذا؛ واختلفوا) أي المأولون (في معنى الآية) أي آية فإن كنت في شك (فقيل المراد) أي المفاد (بها قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلشَّاكِّ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ الآية) [يونس: ٩٤] أي فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك وفيه تنبيه نبيه لمن خالج قلبه شبهة أن يبادر إلى دفعها ويطلب معرفتها من أهل العلم بها إذ شفاء العي السؤال كما ورد في حديث وقد قال تعالى فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (قالوا) أي مؤولوا الآية بما ذكر (وفي السّورة) أي وفي سورة الآية المذكورة (نفسها ما دلّ) يروى ما يدل (على هذا التّأويل: قوله) أي وهو قوله تعالى وفي نسخة في قوله أي وهو في قوله تعالى (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي الآية) [يونس: ١٠٤] أي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (وقيل المراد بالخطاب) أي بقوله تعالى فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ هم (العرب وغير النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي ومن عداه من الأمة فالمعنى فإن كنت في شك أيها المخاطب مثل قوله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ولا
стр. 941
يشكل بقوله مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فان القرآن كما انزل الى النبي انزل الى امته قال تَعَالَى قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا (كما قال) أي الله (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ الآية الخطاب له والمراد غيره) [الزمر: ٦٥] كما في قولهم اسمعي يا جارة أو هو وارد على سبيل الفرض والتقدير كما تفرض المحال في مقام التقرير (ومثله فَلا تَكُ) وفي نسخة في فَلا تَكُ أي ومثل التأويل السابق في قوله فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ التأويل في قوله تعالى فَلا تَكُ (فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ونظيره) [هود: ١٠٩] أي مثل فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ الآية (كثير) أي في القرآن كقوله تعالى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (قال بكر بن العلاء) من القضاة المالكية (ألا تراه) أي الله تعالى (يَقُولُ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ الآية) [يونس: ٩٥] أي فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (وهو ﵊ كان) أي هو (المكذّب) بفتح الذال المعجمة المشددة وهو منصوب على أنه خبر كان (فيما يدعو إليه) أي من التوحيد (فكيف يكون ممّن كذّب به) يروى يكذب يعني فدل على أنه ليس المراد بالخطاب (فهذا) أي ما ذكر (كلّه) أي جميعه (يدلّ على أنّ المراد بالخطاب غيره) أي سواء قلنا الخطاب له أو لغيره أو لكل من يصلح للخطاب (ومثل هذه الآية) أي آية فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ في أن المراد بالخطاب فيها غيره مقصود في هذا الباب (قوله الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً المأمور هنا) [الفرقان: ٥٩] أي وبيانه أن المأمور في فاسئل له خبيرا (غير النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْأَلَ النَّبِيَّ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عليه وسلم هو الخبير) أي به ﵎ (المسؤول) أي الذي ينبغي أن يسأل منه لأنه المخبر عن الله تعالى (لا المستخبر السّائل) فإن هذا شأن آحاد الأمة أو الخبير المسؤول به غيره ﵊ أي اسئل عنه الله تعالى علما يخبرك بجلال ذاته وكمال صفاته فالباء صلة اسئل بمعنى فتش عنه وعدي بالباء لتضمنه معنى الاعتناء أو اسئل أحدا خبيرا به فالباء صلة خبيرا مبالغة في الفاعل بمعنى مخبر أو خابر (وقيل) وفي نسخة صحيحة وقال أبي بكر بن العلاء في آية فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ (إنّ هذا الشّكّ) وفي نسخة أن هذا الشاك (الّذي أمر) بصيغة المجهول وفي نسخة أمر به (غير النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بسؤال الّذين يقرؤون الكتاب إنّما هو فيما قصّه) أي الله كما في نسخة وفي أخرى بالنون بدل القاف يعني فيما حكاه الله تعالى لنبيه ﵊ في كتابه (من أخبار الأمم) أي السابقة (لَا فِيمَا دَعَا إِلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالشَّرِيعَةِ) وفيه أنه لا فرق في نفي الشك عنه صلى الله تعالى عليه وسلم في القصتين على السويتين (ومثل هذا) أي مثل ما أريد به غيره ﵊ من الخطاب وسؤال الذين يقرؤون الكتاب (قوله تعالى وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا الآية) [الزخرف: ٤٥] أي اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (المراد به) أي بالسؤال مجازا
стр. 942
(المشركون) أي الموجودون من أممهم لاستحالة سؤاله من مضى منهم اسئل من الفيت من أممهم اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون بالاستفهام الإنكاري التكذيبي (والخطاب مواجهة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم) أي مرادا به غيره (قاله القتيبي) بقاف مضمومة وفوقية مفتوحة فتحتية ساكنة فموحدة فياء نسبة وفي نسخة بضم القاف وسكون الفوقية وفتحها فموحدة فالمراد بهما أبو عبد الله عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري صاحب المصنفات وقد تقدم والأظهر أنه المراد والله أعلم وفي أخرى بعين مهملة ففوقية ساكنة فموحدة فالمراد به فقيه الأندلس محمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبي القرطبي مصنف العتبية ويقال لها المستخرجة أيضا من موالي عتبة بن أبي سفيان (وَقِيلَ مَعْنَاهُ سَلْنَا عَمَّنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فحذف الخافض) وهو عن ولم يتعرض لحذف المفعول في سلنا لوضوحه ولزومه (وتمّ الكلام ثمّ ابتدأ) أي الكلام كما في نسخة بقوله (أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إلى آخر الآية) [الزخرف: ٤٥] أي آلهة يعبدون كما في نسخة (على طريق الإنكار أي ما جعلنا) أي آلهة فلا عبادة لها (حكاه مكّيّ، وقيل أمر النبي) بصيغة المفعول وفي نسخة بلفظ الفاعل أي أمر الله تعالى (لنبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يسأل الأنبياء ليلة لإسراء عن ذلك) أي هذا الإنباء فقد روي أنه ﵊ ليلة أسري به بعث الله آدم وولده من الأنبياء والمرسلين فأذن جبريل ثم قال يا محمد صل بهم فلما فرغ قال له وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (فكان) أي النبي عليه الصلاة والصلام (أشدّ يقينا) أي في مراتب الكمال (من أن يحتاج إلى السّؤال) من غيره من الرجال ولو كانوا من الكمل في الأحوال (فروي أنه قال لا أسأل) أي من أحد (قد اكتفيت) أي بما أيقنت وعرفت (قاله ابن زيد) أي عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقد تقدم (وقيل سل أمم من أرسلنا) وفي نسخة سل أمم من أرسلنا يعني أنه على تقدير مضاف (هل جاؤوهم) أي الرسل (بغير التّوحيد) استفهام انكاري أي ما جاؤوا به بل اتفقوا على خلافه (وهو) أي هذا القيل (معنى قول مجاهد والسّدّيّ والضّحّاك وقتادة) وهم من أكابر التابعين وعمدة المفسرين (والمراد بهذا) أي بقوله وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا (والّذي قبله) أي من قوله فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ إلى هنا (إعلامه صلى الله تعالى عليه وسلم بما بعثت) بصيغة المجهول أي أرسلت (به الرّسل) أي من التوحيد إجماعا (وَأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَأْذَنْ فِي عِبَادَةِ غَيْرِهِ لأحد) أي من الأنبياء والأمم (رَدًّا عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ إنّما نعبدهم) كذا وقع في كثير من النسخ من الأصول لكن التلاوة إنما هي ما نَعْبُدُهُمْ (إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى) وكذا في قولهم هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ وكذا دعوى العرب أنهم على دين إسماعيل وأن إبراهيم كان مشركا كما كانت اليهود والنصارى مدعين أن إبراهيم على دينهم قال تعالى ردا عليهم ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (وكذلك) أي ومثل ما ذكر من الآيات (وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ)
стр. 943
أي القرآن (مُنَزَّلٌ) قرىء بالتشديد والتخفيف (مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ) ووصف جميعهم بأنهم يعلمون حقيقة مشعر بأن جحودهم عن عناد في كفرهم (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) [الأنعام: ١١٤] أي الشاكين (أي في علمهم بِأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ) أي بما ذكر من حقية ما لديك وحقية الكتاب المنزل عليك حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق (وليس المراد به) أي بقوله فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (شكّه فيما ذكر في أوّل الآية) أي آية فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ إذ المراد به هنا شكهم في كونه رسول الله وهناك الشك فيما أنزل الله تعالى ولم يقع شك منه صلى الله تعالى عليه وسلم (وقد يكون) أي قوله تعالى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ هنا (أيضا على مثل ما تقدّم) أي من أنه ﵊ أمر أن يقول للشاك فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ أو على أنه المخاطب والمراد غيره (أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمَنِ امْتَرَى فِي ذلك) أي شك فيما هنالك هذا حق (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَوَّلَ الْآيَةِ) وفي نسخة في أول الآية أي التي فيها وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وهو قوله (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً) [الأنعام: ١١٤] استفهام انكاري أي أطلب غيره تعالى يحكم بيني وبينكم ليظهر المحق منا والمبطل منكم لا يكون ذلك مني أبدا ولا ابتغي غيره أحدا (الآية) وهي قوله تعالى وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ أي القرآن مفصلا مبينا فيه الحق والباطل (وأنّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يخاطب) بكسر الطاء ويروى خاطب (بذلك غيره) أي غير نفسه (وقيل هو) أي أمره ﵊ بالسؤال (تقرير) أي لمشركي قريش يحملهم على الإقرار بما يعرفون من أن الله لم يجعل من دونه آلهة تعبد وتوبيخهم على عبادة الأصنام (كقوله) تعالى أي خطابا لعيسى ﵇ والمراد بالتوبيخ غيره (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي) بفتح الياء وسكونها (إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقد علم [المائدة: ١١٦] أي الله سبحانه (أنّه) أي عيسى (لم يقل) اتخذوني إلخ (وقيل معناه ما كنت في شكّ) أي على أن أن نافية بمعنى ما وأخطأ الدلجي خطأ فاحشا في قوله ما هنا مصدرية أي مدة كونك في شك (فاسأل) أي الذين يقرؤون الكتاب لعلهم بصحة ما أنزل إليك من ربك (تزدد) مجزوم على جواب الأمر الذي هو سل أي تزد (طمأنينة) أي إلى طمأنينتك (وعلما) أي برهانا ويقينا (إلى علمك ويقينك، وقيل) أي في معناه (إن كنت تشكّ فيما شرّفناك) من كرم النبوة التامة وشرف الرسالة العامة (وفضّلناك) ويروى وعظمناك (به) أي على غيرك بدلالة ما في التوراة أن لله تعالى قال لإبراهيم أن هاجر تلد ويكون من ولدها من يده فوق الجميع وأيديهم مبسوطة إليه بالخشوع (فاسألهم عن صفتك في الكتب) أي السالفة (ونشر فضائلك) أي بين الأمم السابقة ففي التوراة (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا ونذيرا وحرزا للأميين ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالاسواق ولا يجزي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ الله حتى يقيم به الملة العوجاء أي ملة إبراهيم الغراء) فإن العرب غيروا فيها كثيرا من الأشياء وفي الانجيل على لسان عيسى عليه السلام
стр. 944
أنا أطلب من ربي وربكم حتى يمنحكم فارقليط أي كاشفا للخفيات فيكون معكم إلى الأبد وفيه فارقليط روح القدس الذي يرسله ربي باسمي أي بالنبوة هو يعلمكم ويمنحكم جميع الأشياء ويذكركم ما قلت لكم وقد أخبرتكم بهذا قبل أن يكون فإذا كان فآمنوا به (وحكي عن أبي عبيدة) وهو معمر بن المثنى من أكابر أئمة اللغة وله كتب كثيرة في الصفات والغريب وأيام العرب ووقائعها وكان الغالب عليه الشعر والغريب وأخبار العرب توفي سنة عشر ومائتين وقد قارب المائة وله تفسير حديث في الزكاة وكان أبو عبيد القاسم بن سلام يوثقه ويكثر الرواية عنه في كتبه (أنّ المراد) أي المفاد من الآية (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ) أي حاصل آنسته (من غيرك) أي من جانب غيرك (فيما أنزلنا) إليك من الحق والصواب فاسأل الذين يقرؤون الكتاب يخبروك بحقيقة هذا الباب (فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ) أي يئسوا من إيمان أممهم أو من النصر في الدنيا عليهم (وَظَنُّوا) أي الرسل (أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) [يوسف: ١١٠] بصيغة المجهول (على قراءة التّخفيف) أي كما قرأ به الكوفيون لأن ظاهرها ظنهم أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله من النصر مع نزاهتهم من أن يظنون بربهم ذلك الأمر لأنه سبحانه لا يخلف وعده رسله (قُلْنَا الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ مَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ معاذ الله) أي حاشاه واستجير بالله (أن تظنّ ذلك) أي الظن المذكور (الرّسل بربّها) كان الأولى بربهم وكأنه أراد جماعة الرسل (وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ لَمَّا اسْتَيْأَسُوا) أي من النصر على مكذبيهم وطالت مدة إمهالهم (ظنّوا أنّ من وعدهم النّصر) أي به (من أتباعهم) بيان لمن (كذبوهم) بتخفيف الذال والضمير الأول للموعودين من أتباع الرسل وهم المؤمنون والضمير الثاني للرسل أي اخلفوهم ما وعدوهم من نصرهم على عدوهم وتوهموا من أن الله تعالى اخلف رسلهم (وعلى هذا) أي مقول عائشة (أكثر المفسّرين) فعلى هذا ضمير ظنوا راجع إلى الرسل (وقيل إن ضمير ظَنُّوا عَائِدٌ عَلَى الْأَتْبَاعِ وَالْأُمَمِ لَا عَلَى الرّسل) الواو بمعنى أو فالمعنى أن أتباعهم ظنوا إذ لم يروا لوعدهم النصر نتيجة وأثرا ظاهرا بسبب تراخيه عنهم انهم قد كذبوا فيها اخبروا به قومهم من انهم ينصرون عليهم أو المعنى أن أممهم المكذبين لهم ظنوا أنهم كذبوا أي كذبتهم رسلهم في قولهم إنهم منتصرون عليهم (وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالنَّخَعِيِّ وَابْنِ جُبَيْرٍ) أي من التابعين (وجماعة من العلماء) أي المتقدمين والمتأخرين (وبهذا المعنى قرأ مجاهد) أي شاذة (كذبوا بالفتح) أي بفتح الكاف والذال والتخفيف والمعنى أن الأمم ظنوا أن رسلهم كذبوا في قولهم بالنصر عليهم (فلا تشغل) بفتح التاء والغين وفي نسخة بضم أوله وكسر ثالثه إلا أنه لغة رديئة (بالك) أي قلبك (من شاذّ التّفسير بسواه) أي بغير ما ذكرناه من قول عائشة وابن عباس وأمثالهما ولا يتوهم أن الرسل ظنوا به سبحانه أنه أخلفهم ما وعدهم من نصرهم على عدوهم (ممّا لا يليق بمنصب العلماء) بكسر الصاد أي مقامهم ومرتبتهم (فكيف بالأنبياء) فما سبق من نسخة الظن المذموم بالاتباع إما أن يحمل على مجرد الخواطر التي لا تدخل
стр. 945
تحت التكليف أو على أن بعضهم كفروا بذلك وارتدوا عما هنالك (وكذلك) أي مثل آية حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وارد من الاشكال (ما ورد في حديث السّيرة) أي سيرة النبي ﵊ في ابتداء النبوة (ومبدإ الوحي) أي بالرسالة (من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم) أي على ما أخرجه البخاري وغيره (لخديجة) أي بعد ما أخبرها ما جرى له مع جبريل بحراء (لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي لَيْسَ مَعْنَاهُ الشَّكَّ فيما آتاه الله) أي من النبوة والرسالة والهداية والمعرفة ويروى فيما أتاه من الله تعالى (بعد رؤية الملك) أي وإخباره أنه رسول الله (ولكن لعلّه خشي أن لا تحتمل قوّته) لضعف القوة البشرية (مقاومة الملك) أي مصابرته فإنه في غاية القوة القوية (وأعباء الوحي) بالنصب أي لا يحتمل أثقال تحمل الوحي وتبليغه وهو جمع عبء بكسر العين مهموزا (لينخلع قلبه) كذا في نسخة مصححة فلعل اللام للعاقبة والأظهر ما في نسخة فينخلع بالفاء منصوبا أي فيزول حينئذ قلبه عن مكانه ويحصن له جنون في شأنه (أو تزهق نفسه) أي تخرج روحه (هذا) أي التأويل (على ما ورد في الصّحيح) أي صحيح البخاري وغيره (أنّه قاله) أي القول السابق ويروى أنه قال (بعد لقائه الملك أو يكون ذلك) أي المقول (وقبل لقياه الملك) ويرى قبل لقائه الملك ولعله تكرر منه ذلك (وإعلام الله تعالى له) أي وقبل إخباره له (بالنّبوّة لأوّل ما عرضت) بصيغة المجهول كذا في نسخة مصححة والأظهر أنه بصيغة الفاعل والمعنى في أول ما ظهرت أو لأجل أول ما برزت (عليه من العجائب) أي خوارق العادة من الأمور الغرائب كما بينه بالعطف التفسيري حيث قال (وسلّم عليه الحجر والشّجر) الظاهر أن المراد بهما الجنس فإنه روى الدولابي بسنده عن ابن عباس قال بعث الله محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم على رأس خمس سنين من بنيان الكعبة وفي آخره فلما قضى إليه الذي أمر به انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم منقلبا إلى أهله لا يأتي على حجر ولا شجر إلا سلم عليه الحديث ويحتمل أن يراد بالجمر الإفراد ففي صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث الحديث وقد ورد أنه الحجر الأسود على ما رواه السهيلي وقيل إن الحجر المعروف بالتكلم المركوز في جدار زقاق بيت خديجة (وبدأته المنامات) أي ابتدائه المقامات العاليات فكان لا يرى مناما إلا جاء مثل فلق الصبح (والتّباشير) أي المقدمات المؤذنة بالبشارات ومنه تباشير الصبح أي أوائله (كَمَا رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ) أي حديث مبدأ الوحي (أنّ ذلك) أي ما ذكر من التباشير (كان أوّلا في المنام ثمّ أري) بصيغة المجهول أي أراه الله (في اليقظة مثل ذلك) أي الذي رآه في المنام ويروى مثال ذلك (تأنيسا له ﵇ من الأنس بالضم ضد الوحشة تسكينا لقلبه (لئلّا يفجأه الأمر) بفتح الجيم والهمز أي لئلا يرد عليه أمر النبوة بغتة (مشاهدة) أي معاينة (ومشافهة) أي مخاطبة (فلا يحتمله) أي قلبه (لأوّل حالة) بالتنوين ويروى بالإضافة أي في أول وهلة من أحواله (بنية البشريّة) بكسر الموحدة
стр. 946
وسكون النون لضعفها عن القوة الملكية (وفي الصّحيح) أي البخاري ومسلم (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَوَّلُ مَا بدىء به) بصيغة المجهول أي ابتدىء به (رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من الوحي) بيان لما وأول مبتدأ خبره (الرّؤيا الصّادقة) وفي رواية الصالحة من النوم وإنما أخبرت بذلك بإخباره ﵊ أو بعض أصحابه لها بما هنالك وإلا فهي لم تكن ولدت قبل بدئه به فالحديث من مراسيل الصحابة وهي حجة بلا خلاف (قالت ثمّ حبّب إليه الخلاء) بالمد أي الخلوة والعزلة لفراغ القلب بالذكر والفكر وظهور النور وسرور الحضور والغيبة عما سواه ونفي الشعور وإليه أشار الشاعر حيث قال
* فصادف قلبا خاليا فتمكنا*
(وقالت إلى أن) ورواية الشيخين (جاءه الحقّ) أي الأمر المحقق (وهو في غار حراء) بكسر الحاء وتخفيف الراء جبل على ثلاثة أميال من مكة يمد ويقصر ويذكر باعتبار المكان فيصرف ويؤنث باعتبار البقعة فلا يصرف والغار الكهف والنقب بالجبل وكذا المغارة (وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) فيما روى ابن سعد عنه (مكث النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بضم الكاف وفتحها أي لبث (بمكّة خمس عشرة سنة) بسكون عشرة وبالكسر لغة تميم (يسمع الصّوت) أي صوت الملك (ويرى الضوء) أي نوره (سبع سنين ولا يرى شيئا) أي ظاهرا (وثمان سنين يوحى إليه) وهذا إنما يتمشى على القول بأنه ﵊ عاش خمسا وستين سنة والصحيح أن عمره ثلاث وستون سنة فبعد البعثة بمكة ثلاث عشرة على الصحيح وبالمدينة عشرا بلا خلاف وقيل المراد بثلاث وستين ما عدا سنة الولادة والوفاة فبهما يتم خمس وستون وفي المسألة قول آخر وهو أنه ﵊ عاش ستين سنة وهو محمول على إسقاط الكسر (وقد روى ابن إسحاق) أي صاحب المغازي (عن بعضهم) الظاهر أن المراد به بعض الصحابة فإن المطلق ينصرف إلى الأكمل (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال وذكر جواره) بكسر الجيم ويضم أي مجاورته وإقامته متعبدا (بغار حراء) وهو نقب فيه والجملة حالية معترضة بين القول ومقوله وكرر قوله (قال) للتأكيد مع وجود الفصل (فجاءني) يعني جبريل (وأنا نائم) أي حقيقة أو صورة أي مضطجع على هيئة النائم ولا يبعد أن يكون النوم كناية عن الغفلة أو الاستغراق في الفكرة (فقال اقرأ فقلت ما أقرأ) أي شيء أقرأ فما استفهامية ويؤيده رواية وما اقرأ أو ما نافية بدلالة دخول الباء في خبرها في رواية البخاري ما أنا بقارىء (وذكر) أي ابن إسحاق أو من روى عنه (نحو حديث عائشة في غطّه) بفتح معجمة وتشديد مهملة أي في ضم جبريل ﵇ ضما شديدا وفي نسخة إياه صلى الله تعالى عليه وسلم (وإقرائه له) وفي نسخة إياه (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) أي صدر هذه السورة قال القاضي في الإكمال حكمة هذا الغط له ﵊ دفع اشتغاله عن الالتفات إلى شيء من أمر الدنيا ليتفرغ لما أتاه به وفعله به ذلك ثلاثا وفيه دليل على
стр. 947
استحباب التكرار ثلاثا وقد استدل به بعضهم على جواز تأديب المعلم ثلاثا (قال) النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (فانصرف) أي جبريل ﵇ (عنّي وهببت) بفتح الموحدة الأولى أي استيقظت (من نومي) أي استنبهت من غفلتي أو استفقت من استغراقي (كأنّما صوّرت) أي مثلت ونقشت وشكلت سورة اقرأ (في قلبي ولم يكن) أي الشأن وخبرها (أبغض إليّ من شاعر أو مجنون) أي من قولهم له ذلك والجملة حالية أفادت شدة بغضه نسبة قريش له صلى الله تعالى عليه وسلم بواحد منهما فكيف بهما (قلت) أي في نفسي أكتم حالي (لا تحدّث) بفتح الفوقية على أنه حذف منه إحدى التاءين أي لا تتحدث (عنّي قريش بهذا أبدا) أي بقولهم له شاعر أو مجنون (لأعمدنّ) بفتح اللام والهمزة وكسر الميم ويفتح وتشديد النون أي لأقصدن (إلى حالق) بمهملة وكسر لام أي مكان عال (من الجبل فلأطرحنّ نفسي منه فلأقتلنّها) أي حذرا من أن يسموه بشاعر أو مجنون ولعل هذا بناء على أنه ظن ما تبين له من جانب الجن ولذا قال (فبينا أنا عامد لذلك) أي قاصدا لطرح النفس ومريد لما هنالك (إِذْ سَمِعْتُ مُنَادِيًا يُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ يَا محمّد أنت رسول الله وأنا جبريل) أي مبلغ عن الله تعالى (فرفعت رأسي فإذا) أي ففاجأني بغتة (جبريل على) ويروى في (صورة رجل) حال من جبريل أي ممثلا في صورة رجل أو التقدير فظهر لي على صورة رجل (وذكر الحديث) أي بتمامه واقتصرنا على محل مرامه (فقد بيّن) أي أظهر ﵊ ويروى بين لك (في هذا الحديث) أي حديث ابن إسحاق (أنّ قوله) أي النبي ﵊ (لما قال) لخديجة رضي الله تعالى عنها لقد خشيت على نفسي (وقصده لما قصد) أي من طرح نفسه من الجبل (إنّما كان قبل لقاء جبريل ﵇ أي في اليقظة أو في عالم الحضرة (وَقَبْلَ إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِالنُّبُوَّةِ وَإِظْهَارِهِ) أي الله تعالى (واصطفائه) أي اجتبائه وفي نسخة وإظهار اصطفائه أي إظهار شأنه بالرفعة (له بالرّسالة ومثله) أي شبيه حديث ابن إسحاق أن ما قاله لخديجة إنه خشي على نفسه إنما كان قبل لقاء جبريل (حديث عمرو بن شرحبيل) بضم معجمة وفتح راء وسكون مهملة وكسر موحدة فتحتية ساكنة وهو غير منصرف أبو ميسرة الهمداني يروي عن عمر وعلي وعائشة وكان فاضلا عابدا حجة صلى عليه شريح قال الحلبي وهذا الذي ذكره القاضي عياض هنا هو في رواية يونس عن ابن إسحاق بسند إلى أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل (أنه صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِخَدِيجَةَ إِنِّي إِذَا خَلَوْتُ وَحْدِي سَمِعْتُ نِدَاءً وَقَدْ خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ يكون هذا) أي ما سمعته من نداء الملك (لأمر) أي لم أحط به خبرا يرهقني من أمري عسرا قالت معاذ الله ما كان الله ليفعل ذلك بك إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث وقاله الدلجي الحديث رواه البيهقي عن عمرو بن شرحبيل (ومن رواية حمّاد بن سلمة) فيما رواه الطبراني وابن منيع في مسنده موصولا عن حماد عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أنّ النبيّ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِخَدِيجَةَ إِنِّي لَأَسْمَعُ صَوْتًا) أي عظيما (وأرى ضوءا) أي نورا كريما (وأخشى أن يكون بي جنون) ولم
стр. 948
يدر أن شأنه فيه فنون (وعلى هذا) أي على قوله لأسمع صوتا الحديث (يتأوّل) بصيغة المجهول (لَوْ صَحَّ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ) أي روايتها (إنّ الأبعد شاعر أو مجنون) مقول قوله الذي تنازعه الفعلان قبله واعمل الأول أي يتأول قوله بذلك لخديجة إن صح يحمله على أنه كان قبل لقاء الملك وإعلام الله تعالى له أنه رسول ولم يكن معناه الشك وعبر بالأبعد عن نفسه الأسعد تحاشيا من أن يقال له شاعر أو مجنون (وألفاظا) أي وإن في هذه الأحاديث ألفاظا ويروى وألفاظها (يُفْهَمُ مِنْهَا مَعَانِي الشَّكِّ فِي تَصْحِيحِ مَا رآه) أي من الضوء وسمعه من الصوت (وأنه) أي في قوله ذلك (كَانَ كُلُّهُ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ وَقَبْلَ لِقَاءِ الملك له وإعلام الله تعالى له أنه رسوله) أي مما ينفي عنه الشك فيما آتاه الله تعالى واختصه به من المنح الإلهية ما لم يؤته سواه (فكيف) أي لا يكون ذلك في ابتداء أمره (وبعض هذه الألفاظ) أي التي نسب صدورها إليه صلى الله تعالى عليه وسلم (لا تصحّ طرقها) أي أسانيدها لكون بعض من فيها متهما أو مجهولا (وأمّا بعد إعلام الله تعالى له) أي بأنه رسوله (ولقائه الملك) أي وبعد ملاقاته وتحقق مخاطباته (فلا يصحّ) أي بأن يصدر عنه ﵊ (فيه ريب) أي شبهة ومرية (ولا يجوز عليه شكّ) أي تردد (فيما ألقى إليه) من المعارف الربانية والعوارف السبحانية (وقد روى ابن إسحاق عن شيوخه) أي بأسانيدهم (أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يرقى) بصيغة المجهول أي يعوذ بالعوذ التي يرقى بها من ألمت به حمى ونحوها (من العين) أي من جهة إصابة العين (قبل أن ينزل عليه) أي الوحي أو القرآن وهو بصيغة الفاعل أو المفعول مخففا أو مشددا ويؤيد الثاني (فلما نزل عليه القرآن) ومنه قوله تعالى وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ (أصابه نحو ما كان يصيبه) أي قبل ذلك (فقالت له خديجة أوجّه) بتشديد الجيم المكسورة أي أرسل (إليك من يرقيك) بفتح الياء وكسر القاف (قال أمّا الآن) أي بعد نزول القرآن (فلا) أي فلا حاجة لي به اكتفاء بربه وكتابه إذ هو هدى وشفاء لقلبه واعلم أنه قد وردت أحاديث كثيرة بجواز الرقى وكذا في النهي عنها وجمع بينهما بأن الجائز منها ما كان بلسان عربي مما يعرف معناه كأسماء الله تعالى وصفاته وسور كلامه وآياته ومن ثمه قال ﵊ اعرضوا على رقاكم قال جابر فعرضناها عليه فقال لا بأس بها إنما هي من مواثيق الجن فكأنه ﵊ خشي أن يكون فيها مما يقال ويعتقد من الشرك في زمن الجاهلية وأن المنهي عنه منها ما لم يكن كذلك أو أن يعتقد أنها نافعة بنفسها كما أشار إليه صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله ما توكل من استرقى أو حق توكله والحاصل أن تركها مع التوكل أفضل لقوله ﵊ في حديث من يدخل الجنة بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون (وحديث خديجة رضي الله تعالى عنها) أي الذي رواه ابن إسحاق والبيهقي عن فاطمة بنت الحسين أي أبو نعيم في الدلائل موصولا من طريق أم سلمة عن خديجة (واختبارها) أي امتحان خديجة (أمر جبريل ﵇ أي تحقق أمره (بكشف
стр. 949
رأسها) أي من شعرها (الحديث) أي بطوله (إنّما ذلك) أي الاختبار والتردد (في حقّ خديجة) أي واقع وحاصل (لتتحقّق صحّة) وفي نسخة صدق (نبوّة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنّ الّذي يأتيه) أي بما يوحى إليه من ربه ويلقيه (ملك ويزول الشّكّ عنها) أي ويرتفع التردد لها الناشىء مما قال لها من نحو لقد خشيت على نفسي وأخشى أن يكون بي جنون (لأنّها) أي خديجة (فعلت ذلك) أي كشف رأسها (للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) أي لأجل أمره (وليختبر) أي هو كما في نسخة أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم (حاله بذلك) فيكون على بصيرة من أمره هنالك (بل) لانتقال من حال إلى حال أفاد أن ما فعلته خديجة من الاختبار لم يكن بأمر السيد المختار بل نشأ عن ابن عمها ورقة (إذ قَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ محمد بن يحيى بن عروة) قال أبو حيان يروي الموضوعات عن الثقات وقال أبو حاتم الرازي متروك الحديث (عن هشام) وهو أخو عبد الله الراوي وهشام أحد الأعلام يروي عنه شعبة ومالك قال أبو حاتم ثقة أمام (عن أبيه) أي عروة بن الزبير أي ابن العوام بن خويلد يروي عن أبويه وخالته وعلية وطائفة وعنه جماعة قال ابن سعد كان فقيها عالما كثير الحديث ثبتا مأمونا قال هشام صام إلى الدهر ومات وهو صائم (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) أم المؤمنين خالته (أنّ ورقة) وهو ابن نوفل بن أسد (أمر خديجة) وهي بنت خويلد بن أسد (أن تخبر الأمر) وفي نسخة تختبر بضم الموحدة أي تمتحن وتجرب (بذلك) أي الذي فعلته من كشف رأسها (وفي حديث إسماعيل بن أبي حكيم) أي فيما رواه ابن إسحاق وهو قرشي مدني يروي عن سعيد بن المسيب وغيره وعنه مالك ونحوه وثقه ابن معين وغيره قال ابن سعد كان كاتبا لعمر بن عبد العزيز في خلافته توفي سنة ثلاثين ومائة (أنها) أي خديجة (قالت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يا ابن عمّ) لاجتماعهما في قصي نسبا لأنه ﵊ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي وهي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي (هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك) أي تعلمني بمأتاه (إذا جاءك؟ قال نعم) أي أستطع وأخبرك به إذا جاءني (فلمّا جاءة جبريل) ويروى جاء جبريل أي بعد سؤالها هذا (أخبرها) بمجيئة إليه (فقالت له) أي للنبي ﵊ (اجلس إلى شقّي) بكسر الشين وتشديد القاف تريد أحد جنبيها (وذكر الحديث إلى آخره) وفيه فجلس إليه وكشفت رأسها فلم يدخل جبريل (وفيه فقالت مَا هَذَا بِشَيْطَانٍ هَذَا الْمَلَكُ يَا ابْنَ عمّ فاثبت) أي على ما أنت عليه (وأبشر) أي بكل خير مما لديه (وآمنت به) أي حينئذ أو آمنت قبل لكن اطمأنت به فحصل لها عين اليقين بعد علم اليقين فهي أول من آمن به مطلقا أو من النساء (فهذا) أي الدي قالته (يدلّ أنّها) أي على أنها كما في نسخة (مستثبتة) اسم فاعل من باب الاستفعال من الثبات أي طالبته للوثوق (لما) أي لأجل ما وفي نسخة بما أي بسبب ما (فعلته) أي من الإختبار (لنفسها) أي لإيقانها (ومستظهرة به) أي مستقوية بما فعلته (لإيمانها) أي به ﵊ (لا للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) تأكيد لقوله
стр. 950
لنفسها ولا سقطت من أصل الدلجي فقال عدي باللام لتضمنه معنى الانقياد (وقول معمر) بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة ابن راشد سكن اليمن (في فترة الوحي) بفتح الفاء أي انقطاعه عنه سنتين ونصف كذا ذكره الدلجي وقال الحلبي الحديث في صحيح البخاري في التعبير وقال الدلجي فيما رواه أحمد والبيهقي (فحزن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) بكسر الزاء أي صار ذا حزن بسبب فتور الوحي وتأخره عنه (فيما بلغنا عنه) أي وصل إلينا من مشايخنا (حزنا) أي عظيما (غدا) أي ذهب (منه) أي من أجله أو قصد فيه (مرارا) أي مرة بعد أخرى (كي يتردّى) أي يقصد السقوط ويروى كاد يتردى (من) رؤوس (شواهق الجبال) أي أعاليها وإنما جمع باعتبار تكرار ما قصده (لا يقدح) لا يخل أي قول معمر (في هذا الأصل) الذي قدمناه من أن ما قاله لخديجة من الخشية على نفسه لم يكن على الشك فيما منحه الله تعالى: (لقول معمر عنه) أي عن النبي ﵊ (فيما بلغنا) أي بطريق الإجمال (ولم يسنده) ليعلم حال الرجال من الانقطاع والاتصال (ولا ذكر رواته) ليعرف ثقاته (ولا من حدّث به) أي من المخرجين (ولا أنّ النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قاله) أي فيكون الحديث مرفوعا أو قاله صحابي فيكون موقوفا (ولا يعرف مثل هذا) أي والحال أنه لا يعرف حقية هذا المقال ولا حقيقة هذه الحال وهو أنه كاد يلقي نفسه من الجبال (إلّا من جهة النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم) ولعله ﵊ حدث عائشة رضي الله تعالى عنها خبر فترة الوحي وقال فيه فحزنت إلى آخره بلفظ التكلم فروته عنه بلفظ الغيبة فحزن إلى آخره فبلغ من لم يسمعه منها فقال حزن فيما بلغنا إلى آخره فلا يقدح فيما ذكر الحلبي ذكر أبو الفتح بن سيد الناس في سيرته ما لفظه ورويناه من طريق الدولابي حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس بن زيد عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها فذكر نحو ما تقدم وفي آخره ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما بلغنا حزنا إلى آخره فهذا لم يكن فيه معمر بالكلية وهذا الذي ذكره هو في البخاري في التعبير من قول معمر كما عزاه القاضي إليه وقد وقفت على أنه ساقه أبو الفتح من غير كلام معمر والذي يظهر أنه من كلام الزهري ويحتمل أن يكون من كلام غيره والله تعالى أعلم (مع أنه) أي ما بلغهم من أنه حزن (قَدْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ الْأَمْرِ كما ذكرناه) أي من أنه كان قبل أن يلقاه جبريل وفيه أنه يدفعه أنه وقع في زمن فترة الوحي ولا شك أنه كان بعد لقائه جبريل (أو أنّه فعل ذلك) أي ما ذكر من إرادة التردي (لما أخرجه) بالحاء المهملة أي من أجل ما ضيق عليه البال وأوقعه في حرج ضيق الحال (من تكذيب من بلّغه) أي أوصل ما أرسل به إليهم (كما قال تعالى: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) أي ذابحها ومهلكها غيظا والمعنى اشفق على نفسك أن تقتلها (عَلى آثارِهِمْ) أي من بعد اختبارهم (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ) أي القرآن الجديد الانزال (أَسَفاً [الكهف: ٦] أي من أجل الأسف وهو أشد الحزن أو متأسفا عليهم كما قال الله