ترجمة المؤلف - شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب
· ... نسبه:
هو الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن مشرف بن عمر من أوهبة بني تميم.
· ... مولده:
ولد هذا العالم ١١١٥ هجرية في بيت علم وشرف ودين، فأبوه عالم كبير وجده سليمان عالم نجد في زمانه.
· ... نشأته:
حفظ القرآن قبل بلوغ عشر سنين، ودرس في الفقه حتى نال حظاً وافراً، وكان موضع الإعجاب من والده لقوة حفظة، وكان كثير المطالعة في كتب التفاسير والحديث، وجد في طلب العلم ليلاً ونهاراً فكان يحفظ المتون العلمية في شتى الفنون، ورحل في طلب العلم في ضواحي نجد وفي مكة وقرأ على علمائها، ثم رحل إلى المدينة النبوية فقرأ على علمائها ومنهم العلامة الشيخ إبراهيم الشمري مؤلف العذب الفائض في شرح الفية الفرائض وعرفاه بالمحدث الشهير
محمد حياة السندي فقرأ عليه في علم الحديث ورجاله وأجازه بالأمهات، وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله تعالى - قد وهبه الله فهماً ثاقباً وذكاء مفرطاً، وأكب على المطالعة والبحث والتأليف، وكان يثبت ما يمر عليه من الفوائد أثناء القراءة والبحث وكان لا يسأم من الكتابة، وقد خط كتباً كثيرة من مؤلفات ابن تيمية وابن القيم - رحمها الله - ولا تزال بعض المخطوطات الثمينة بقلمه السيال موجودة بالمتاحف.
стр. 2
ولما توفي والده أخذ يعلن جهراً بالدعوة السلفية إلى توحيد الله وإنكار المنكر ويهاجم المبتدعة وغيرهم من المشركين، وقد شد أزره الولاء من آل سعود وقويت شوكته وذاع خبره.
· ... مؤلفاته:
له - رحمه الله تعالى - مؤلفات نافعة نذكر منها:
١- ... الكتاب الجليل المفيد المسمى "كتاب التوحيد".
٢- ... كشف الشبهات.
٣- ... الكبائر.
٤- ... مختصر الإنصاف والشرح الكبير.
٥- ... مختصر زاد المعاد.
٦- ... فتاوى ورسائل جمعت بإسم مجموعة مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب تحت إشراف جامعة الإمام محمد بن سعود.
· ... وفاته:
وقد توفي رحمه الله تعالى عام ١٢٠٦ هـ فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بقلم
فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان
عفا الله عنه
стр. 3
ترجمة الشارح - الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ محمد بن صالح العثيمين
· ... نسبه:
هو أبو عبد الله محمد بن صالح بن محمد بن عثيمين الوهيبي التميمي.
· ... مولده:
ولد في مدينة عنيزة في ٢٧ رمضان المبارك ١٣٤٧هـ.
· ... نشأته:
قرأ القرآن الكريم على جده من جهة أمه عبد الرحمن بن سليمان آل دامغ-﵀-فحفظه ثم أتجه إلى طلب العلم فتعلم الخط والحساب وبعض فنون الأداب، وكان الشيخ عبد الرحمن السعدي-﵀-قرأ عليه مختصر العقيدة الواسطية للشيخ عبد الرحمن السعدي ومنهاج السالكين في الفقه للشيخ عبد الرحمن أيضاً، والآجرومية والألفية.
وقرأ على الشيخ عبد الرحمن بن علي بن عودان في الفرائض والفقه وقرأ على الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي الذي يعتبر شيخه الأول حيث لازمه وقرأ عليه التوحيد والتفسير والحديث والفقه وأصول الفقه والفرائض ومصطلح الحديث والنحو والصرف.
وكانت لفضيلة الشيخ منزلة عظيمة عند شيخه-﵀-فعندما أنتقل والد الشيخ محمد-﵀-إلى الرياض إبان أول تطوره رغب
стр. 4
في أن ينتقل معه فضيلة ولده الشيخ حفظه الله فكتب له الشيخ عبد الرحمن السعدي-﵀ (إن هذا لا يمكن نريد محمداً أن يمكث هنا حتى يستفيد) .
ويقول فضيلة الشيخ-حفظه الله-"إنني تأثرت به كثيراً في طريقة التدريس وعرض العلم وتقريبه للطلبة بالأمثلة والمعاني وكذلك أيضاً تأثرت به من ناحية الأخلاق لأن الشيخ عبد الرحمن-﵀ كان على جانب كبير من الأخلاق الفاضلة وكان ﵀-على قدر كبير في العلم والعبادة، وكان يمازح الصغير ويضحك إلى الكبير وهو من أحسن من رأيت ... أخلاقاً".
قرأ على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حيث يعتبر شيخه الثاني فإبتدأ عليه قراءة صحيح البخاري وبعض رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وبعض الكتب الفقهية.
يقول الشيخ "تأثرت بالشيخ عبد العزيز بن باز-حفظه الله-
من جهة العناية بالحديث وتأثرت به من جهة الأخلاق أيضاً وبسط نفسه للناس".
وفي عام ١٣٧١هـ جلس لتدريس في الجامع، ولما فتحت المعاهد العلمية في الرياض التحق بها في عام ١٣٧٢ هـ يقول الشيخ -حفظه الله-:
ودخلت المعهد العلمي من السنة الثانية، والتحقت به بمشورة من الشيخ علي الصالحي، بعد أن إستأذنت من الشيخ عبد الرحمن السعدي عليه رحمة الله، وكان المعهد العلمي في ذلك الوقت ينقسم إلى قسمين خاص وعام، فكنت في القسم الخاص، وكان في ذلك الوقت أيضاً من شاء أن يقفز-كما يعبرون-بمعنى أنه يدرس السنة المستقبلة له في اثناء الأجازة ثم يختبرها في أول العام الثاني، فإذا نجح إنتقل إلى السنة المستقبلة له في أثناء الأجازة ثم يختبرها في أول العام الثاني، فإذا نجح أنتقل إلى السنة التي بعدها وبهذا إختصرت الزمن". اهـ.
стр. 5
وبعد سنتين تخرج وعين مدرساً في معهد عنيزة العلمي مع مواصلة الدراسة إنتساباً في كلية الشريعة ومواصلة طلب العلم على يد الشيخ عبد الرحمن السعدي.
ولما توفى فضيلة الشيخ عبد الرحمن السعدي-﵀-تولى إمامة الجامع الكبير بعنيزة والتدريس في مكتبة عنيزة الوطنية بالإضافة إلى التدريس في المعهد العلمي ثم أنتقل إلى التدريس في كليتي الشريعة وأصول الدين بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود.
الإسلامية بالقصيم حتى الأن، بالإضافة إلى عضوية هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، ولفضيلة الشيخ حفظه الله نشاط كبير في الدعوة إلى الله وتبصير الدعاة في كل مكان وله جهود مشكورة في هذا المجال.
والجدير بالذكر أن سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم-﵀ قد عرض بل ألح على فضيلة الشيخ في تولي القضاء، بل اصدر قراره بتعيينه حفظه الله تعالى رئيساً للمحكمة الشرعية بالأحساء فطلب منه الإعفاء، وبعد مراجعات وإتصال شخصي من فضيلة الشيخ سمح رحمه الله تعالى بإعفائه من منصب القضاء.
· ... مؤلفاته:
له حفظه الله تعالى مؤلفات كثيرة تبلغ ٤٠ ما بين كتاب ورسالة وسوف تجمع إن شاء الله تعالى في مجموع الفتاوى والرسائل.
стр. 6
المقدمة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فهذا شرح يسير على كتاب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب المسمى "كشف الشبهات" والذي أورد فيه المؤلف بضع عشرة شبهة لأهل الشرك وأجاب عنها بأحسن إجابة مدعمة بالدليل مع سهولة المعنى ووضوح العبارة أسأل الله تعالى أن يثيبه على ذلك وأن ينفع بذلك العباد إنه على كل شيء قدير.
محمد بن صالح العثيمين
стр. 7
شرح كشف الشبهات
بسم (١) الله (٢) الرحمن (٣) الرحيم (٤) . . . . . . . . . .
ــ
(١) أبتدأ المؤلف - رحمه الله تعالى - كتابه بالبسملة إقتداء بكتاب الله فإنه مبدوء بالبسملة، وإقتداء برسول الله ﷺ ، فإنه يبدأ كتبه ورسائله بالبسملة.
والجار والمجرور متعلق بفعل محذوف مؤخر مناسب للمقام
تقديره: بسم الله أكتب.
وقدرناه فعلاً لأن الأصل في العمل الأفعال.
وقدرناه مؤخراً لفائدتين:
الأولى: التبرك بالبداءة باسم الله تعالى.
الثانية: إفادة الحصر لأن تقديم المتعلق يفيد الحصر.
وقدرناه مناسباً لأنه أدل على المراد فلو قلنا مثلاً عندما نريد أن نقرأ كتاباً بأسم الله نبتدئ، لكن بسم الله نقرأ أدل على المراد.
(٢) لفظ الجلالة علم على الباري جل وعلا وهو الأسم الذي تتبعه جميع الأسماء حتى إنه في قوله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض) سورة إبراهيم، الآيتان: ١، ٢ لا نقول إن لفظ الجلالة (الله) صفة بل نقول هي عطف بيان لئلا يكون لفظ الجلالة تبعاً تبعية النعت للمنعوت، ولهذا قال العلماء أعرف المعارف لفظ (الله) لأنه لا يدل على أحد سوى الله- .
(٣) الرحمن أسم من الأسماء المختصة بالله لا يطلق على غيره ومعناه: المتصف بالرحمة الواسعة.
(٤) الرحيم أسم يطلق على الله- وعلى غيره.
стр. 8
أعلم (١) . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومعناه: ذو الرحمة الواصلة، فالرحمن ذو الرحمة الواسعة، والرحيم ذو الرحمة الواصلة، فإذا جمعا صار المراد بالرحيم الموصل رحمته إلى من يشاء من عباده كما قال الله تعالى: (يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون)
(١) العلم هو "إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً ".
ومراتب الإدراك ست: -
الأولى: العلم وتقدم تعريفه.
الثانية: الجهل البسيط وهو "عدم الإدراك بالكلية".
الثالثة: الجهل المركب وهو "إدراك الشيء على وجه يخالف ما هو عليه" وسمي مركباً لأنه جهلان: جهل الإنسان بالواقع، وجهله بحاله حيث ظن أنه عالم وليس بعالم
الرابعة: الوهم وهو "إدراك الشيء مع إحتمال ضد راجح".
الخامسة: الشك وهو "إدراك الشيء مع احتمال ضد مساو".
السادسة: الظن وهو "إدراك الشيء مع إحتمال ضد مرجوح".
والعلم ينقسم إلى قسمين: ضروري ونظري:
فالضروري ما يكون إدراك المعلوم فيه ضرورياً بحيث يضطر إليه من غير نظر ولا إستدلال كالعلم بأن النار حارة مثلاً.
والنظري ما يحتاج إلى نظر وإستدلال كالعلم بوجوب النية في الوضوء.
стр. 9
رحمك الله (١) أن التوحيد هو إفراد الله -سبحانه-بالعبادة (٢) . . . .
ــ
(١) أي أفاض الله عليك من رحمته التي تحصل بها على مطلوبك وتنجو من محذورك، فالمعنى غفر الله لك ما مضى من ذنوبك، ووفقك وعصمك فيما يستقبل منها، هذا إذ١ أفردت الرحمة، أما إذا قرنت بالمغفرة فالمغفرة لما مضى من الذنوب، والرحمة التوفيق للخير والسلامة من الذنوب في المستقبل. وصنيع المؤلف ﵀ يدل على شفقته وعنايته بالمخاطب.
(٢) التوحيد لغة: مصدر وحد يوحد، أي جعل الشيء واحداً، وهذا لا يتحقق إلا بنفي وإثبات، نفي الحكم عما سوى الموحد، وإثباته له لأن النفي وحده ت عطيل، والإثبات وحده لا يمنع المشاركة، فمثلاً لا يتم للإنسان التوحيد حتى يشهد أن لا إله إلا الله فينفي الألوهية عما سوى الله تعالى ويثبتها لله وحده.
وفي الاصطلاح عرف المؤلف -رحمه الله تعالى- التوحيد بقوله "التوحيد هو إفراد الله بالعبادة" أي أن تعبد الله وحده ولا تشرك بل تفرده وحده بالعبادة محبة وتعظيماً ورغبة، ورهبة.
ومراد الشيخ -رحمه الله تعالى- التوحيد الذي بعثت الرسل" لتحقيقه لأنه هو الذي حصل الإخلال به والخلاف بين الرسل وأممهم.
وهناك تعريف أعم للتوحيد وهو: "إفراد الله بما يختص به" وأنواعه ثلاثة:
الأول: توحيد الربوبية وهو " إفراد الله تعالى بالخلق، والملك، والتدبير" قال الله ﴿الله خالق كل شيء﴾ [سورة الزمر، الآية: ٦٢] . وقال تعالى: ﴿هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو﴾ [سورة فاطر، الآية: ٣] .
стр. 10
وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده (١) ،
ــ
وقال تعالى: ﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير﴾ ﴿سورة الملك، الآية: ١﴾ ، وقال تعالى ﴿إلا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ . ﴿سورة الأعراف، الآية: ٥٤﴾ .
الثاني: توحيد الألوهية وهو "إفراد الله تعالى بالعبادة بأن لا يتخذ الإنسان مع الله أحداً يعبده كما يعبد الله أو يتقرب إليه كما يتقرب إلى الله تعالى".
الثالث: توحيد الأسماء والصفات وهو "إفراد الله بأسمائه وصفاته الواردة في كتاب وسنة رسوله ﷺ ، وذلك بإثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل".
(١) ... مراد الشيخ -رحمه الله تعالى- هنا توحيد الألوهية فهو دين الرسل فكلهم أرسلوا بهذا الاصل الذي هو التوحيد كما قال الله تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) ﴿سورة النحل، الآية: ٣٦﴾ وقال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) ﴿سورة الأنبياء، الآية: ٢٥﴾ وهذا النوع هو الذي ضل فيه المشركون الذين قاتلهم النبي ﷺ ، واستباح دماءهم وأموالهم، وأرضهم وديارهم وسبى نساءهم وذريتهم.
ومن أخل بهذا التوحيد فهو مشرك كافر وإن أقر بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات.
فإفراد الله وحده بالعبادة هو دين الرسل الذين أرسلهم الله به إلى عباده كما قال الشيخ-﵀-فها هو أول الرسل نوح ﵇ يقول كما حكى الله عنه: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إني لكم نذير
стр. 11
فأولهم نوح ﵇ (١) ، أرسله الله إلى قومه لما غلوا (٢) ،. . . . . .
ــ
مبين أن لا تعبدوا إلا الله) ﴿سورة هود، الآيتان: ٢٥: ٢٦﴾ وقال تعالى: (وإلى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا اله مالكم من إله غيره) ﴿سورة هود، الآيتان: ٥٠﴾ وقال تعالى: (وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) ﴿سورة هود، الآية: ٦١﴾ وقال تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره) ﴿سورة هود، الآية: ٨٤﴾ .
(١) هذا حق فإنه لم يبعث قبل نوح ﵊ رسول وبهذا نعلم خطأ المؤرخين الذين قالوا إن إدريس ﵊ كان قبل نوح لأن الله تعالى يقول: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) ﴿سورة النساء، الآية: ١٦٣﴾ وفي الحديث الصحيح في قصة الشفاعة "أن الناس يأتون إلى نوح فيقولون له أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض" (١)
فلا رسول قبل نوح بإجماع العلماء.
فنوح أول الرسل بالكتاب، والسنة، والإجماع.
ونوح ﵊ أحد الرسل الخمسة الذين هم أولوا العزم وهم: محمد ﷺ ، وإبراهيم، وموسى، ونوح، وعيسى عليهم الصلاة والسلام وقد ذكرهم الله في موضعين من كتابه في سورة الأحزاب وسورة الشورى.
(٢) يعني أن الله أرسل نوحاً ﵊ إلى قومه لما وقع فيهم الغلو في الصالحين، وقد بوب المؤلف-﵀-في كتاب التوحيد على هذه المسألة فقال: "باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين". والغلو هو: "مجاوزة الحد في التعبد والعمل والثناء قدحاً مدحاً" والغلو ينقسم إلى أربعة أقسام:
стр. 12
في الصالحين (١) :. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القسم الأول: الغلو في العبادات كغلو الخوارج الذين يرون كفر فاعل الكبيرة وغلو المعتزلة حيث قالوا إن فاعل الكبيرة بمنزلة بين المنزلتين وهذا التشدد قابله تساهل المرجئة حيث قالوا لا يضر مع الإيمان ذنب. والوسط مذهب أهل السنة والجماعة أن فاعل المعصية ناقص الإيمان بقدر المعصية.
القسم الثالث: الغلو في المعاملات وهو التشدد بتحريم كل شيء وقابل هذا التشدد تساهل من قال بحل كل شيء ينمي المال والاقتصاد حتى الربا والغش وغير ذلك.
والوسط أن يقال تحل المعاملات المبنية على العدل وهي ما وافق ما جاءت به النصوص من الكتاب والسنة.
القسم الرابع: الغلو في العادات وهو التشدد في التمسك بالعادات القديمة وعدم التحول إلى ما هو خير منها. أما أن كانت العادات متساوية في المصالح فإن كون الإنسان يبقى على ما هو عليه خير من تلقي العادات الوافدة.
(١) ... الصالح هو الذي قام بحق الله وبحق عباد الله.
стр. 13
ودا، وسواعاً، ويغوث، ويعوق، ونسرا (١) وآخر الرسل محمد، ﷺ (٢) ،. . . . . . . . . .
ــ
(١) ... هذه أصنام في قوم نوح ﵇ كانوا رج إلا صالحين، وقد جاء في صحيح البخاري عن أبن عباس ﵄ أنه قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد حتى إذ هلك أولئك ونسي العلم عبدت". (١)
وهذا التفسير فيه إشكال حيث يقول ﵁ "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، وظاهر القرآن أنها قبل نوح قال الله تعالى: (وقال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ومكروا مكراً كباراً وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً (. ﴿سورة نوح، الآيات: ٢١-٢٣﴾ فظاهر الآية يدل على ما ذكره ابن عباس. إلا أن ظاهر السياق أن هؤلاء القوم الصالحين كانوا قبل نوح ﵇ والله أعلم.
(٢) ... دليل هذا قوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) ﴿سورة الأحزاب، الآية: ٤٠﴾ . فلا نبي بعد النبي محمد ﷺ .
فإن قيل: إن عيسى بن مريم ﵊ ينزل آخر الزمان وهو رسول.
فنقول: هذا حق ولكنه لا ينزل على أنه رسول مجدد بل ينزل على أنه حاكم بشريعة النبي محمد ﵊ لأن الواجب على
стр. 14
وهو كسر صور هؤلاء الصالحين (١) أرسله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيراً (٢) ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون نريد منهم التقرب إلى الله ونريد شفاعتهم عنده مثل الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين (٣) . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عيسى وعلى غيره من الأنبياء الإيمان بمحمد ﷺ ، وإتباعه ونصره كما قال الله تعالى: ﷺ ، وإتباعه ونصره كما قال الله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فأشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) ﴿سورة آل عمران، الآية: ٨١﴾ . وهذا الرسول المصدق لما معهم وهو محمد ﷺ كما صح ذلك عن الصحابي الجليل ابن عباس ﵁، وغيره
(١) ... أي أن النبي ﷺ ، كسر صور الأصنام وذلك يوم الفتح حين دخل الكعبة فوجد حولها وفيها ثلثمائة وستين صنماً وجعل يطعنها ﵊ بالحربة وهو يتلو قوله تعالى: (جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقاً) (١) . (١) ﴿سورة الإسراء الآية: ٨١﴾
(٢) ... أي أن الله بعث رسوله محمداً ﵊ إلى قوم يتعبدون لكنها عبادة باطلة ما أنزل بها من سلطان، ويتصدقون ويفعلون كثيراً من أمور الخير لكنها لا تنفعهم، لأنهم كفار، ومن شرط التقرب إلى الله تعالى أن يكون المتقرب إلى الله مسلماً وهؤلاء غير مسلمين.
(٣) ... أي أنهم يعبدون هذه الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى فهم مقرون بأنها دون الله، وأنها لا تملك لهم نفعاً ولا ضراً، وأنهم شفعاء لهم عند
стр. 15
فبعث الله محمداً ﷺ يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم ﵊ السلام ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله تعالى ولا يصلح منه شيء لغير الله، لا لملك مقربٍ ولا لنبي مرسلٍ فضلاً عن غيرهما (١) .
ــ
الله-وأنهم شفعاء لهم عند الله ولكن هذه الشفاعة شفاعة باطلة لا تنفع أصحابها لأن الله يقول: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) ﴿سورة المدثر الآية: ٤٨﴾ . وذلك لن الله تعالى لا يرضى لهؤلاء المشركين شركهم، ولا يمكن أن يأذن بالشفاعة لهم؛ لأنه لا شفاعة إلا لمن ارتضاه الله والله لا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد، فتعلق المشركين بآلهتهم يعبدونها ويقولون: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) ﴿سورة يونس، الآية ١٨﴾ تعلق باطل غير نافع بل هذا لا يزيدهم من الله تعالى إلا بعداً، على أن المشركين يرجون شفاعة أصنامهم بوسيلة باطلة وهي عبادة هذه الأصنام، وهذا من جهلهم وسفههم أن يحاولوا التقرب إلى الله تعالى لا يزيدهم منه إلا بعداً.
(١) ... يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- إنهم ما زالوا على هذا الكفر وهو عبادة هذه الأصنام لتقربهم بزعمهم إلى الله تعالى حتى بعث الله رسوله وخاتم أنبيائه محمداً ﷺ بعثه الله تعالى بالتوحيد الخالص يدعو الناس إلى عبادة الله الواحد ويحذرهم من الشرك قال الله تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) ﴿سورة المائدة، الآية: ٧٢﴾ ويبين لهم أن العبادة حق لله وحده، وأنه لا يجوز صرف شيء منها لغيره لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل فضلاً عن غيرهما فقال تعالى) ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (. ﴿سورة يس، الآيتان: ٦٠-٦١﴾ .
стр. 16
وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وانه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيهن؛ كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره (١) .
ــ
وقوله: "يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم كأنه يشير إلى قوله تعالى: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين) ﴿سورة النحل، الآية ١٢٣﴾ . وقوله: "محض حق الله". أي خالص حقه.
(١) ... يقول -رحمه الله تعالى- إن هؤلاء المشركين الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ يقرون بأن الله وحده هو الخالق، وأنه هو الذي خلق السماوات والأرض، وأنه هو الذي خلقهم، وأنه هو المدبر للأمور كما ذكر الله عنهم في آيات عديدة من القرآن الكريم قال الله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) ﴿سورة الزخرف، الآية: ٩ ﴿. وقوله تعالى﴾ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ [سورة الزخرف. آية ٨٧] والآيات في هذا المعنى كثيرة، لكن هذا لا ينفعهم؛ لأن هذا إقرار بالربوبية فقط، ولا ينفع الإقرار بالربوبية حتى يكون معه الإقرار بالألوهية وعبادة الله وحده. واعلم أن الإقرار بالربوبية يستلزم الإقرار بالألوهية، وأن الإقرار بالألوهية متضمن الإقرار بالربوبية
أما الأول: فهو دليل ملزم أي أن الإقرار دليل ملزم لمن أقر به أن يقر بالألوهية لأنه إذا كان الله وحده هو الخالق وهو المدبر للأمور وهو الذي بيده ملكوت كل شيء فالواجب أن تكون العبادة له وحده لا لغيره.
стр. 17
فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء الذين قاتلهم رسول الله، ﷺ ، يشهدون بهذا (١) فاقرأ قوله تعالى: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون) (٢) . (١) ﴿سورة يونس، الآية: ٣١﴾
وقوله (قل لمن الأرض (٣) ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون له قل أفلا تتقون. قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير
ــ
والثاني: متضمن للأول يعني أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية لنه لا يتأله إلا للرب الذي يعتقد أنه هو الخالق وحده وهو المدبر لجميع الأمور .
(١) ... ذكر المؤلف-﵀-هنا دليل ما قرر أن هؤلاء يقرون بتوحيد الربوبية ولكنه أتى به على سبيل السؤال والجواب ليكون هذا أمكن وأثبت وأتم في الاستدلال فقال: "فإذا أردت الدليل. . . . . . فاقرأ قوله تعالى: (قل من يرزقكم من السماء والأرض (الآية.
(٢) ... ) فقل أفلا تتقون (يعني إذا كنتم تقرون بهذا أفلا تتقون الله الذي أقررتم له بتمام الملك وتمام التدبير وأنه وحده الخالق الرازق المالك للسمع والأبصار، المخرج للحي من الميت، وللميت من الحي المدبر لجميع الأمور، وهذا الاستفهام للتوبيخ والإلزام، أي أنكم إذا أقررتم بذلك لزمكم أن تتقوا الله وتعبدوه وحده لا شريك له.
(٣) ... وقوله يعني واقرأ قوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها (إلى آخر الآيات وهذه الآيات مما يدل على أن المشركين الذين بعث فيهم
стр. 18
ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون) ﴿سورة المؤمنون، الآيات: ٨٤-٨٩﴾ وغير ذلك من الآيات.
فإذا تحققت أنهم (١) مقرون بهذا (٢) ولم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ (٣) وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا: "الاعتقاد" (٤) .
ــ
النبي ﷺ يقرون بتوحيد الربوبية فإنهم يقرون بأن الأرض ومن فيها لله لا شريك له، ويقرون بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض، وأنه رب العرش العظيم، ويقرون بأن بيده ملكوت كل شيء، وأنه هو الذي يجير ولا يجار ﵊، وكل هذا ملزم لهم بأن يعبدوا الله وحده ويفردوه بالعبادة، ولهذا جاء توبيخهم بصيغة الاستفهام في ختام كل آية من الآيات الثلاث.
والآيات الدالة على أن المشركين الذين بعث فيهم النبي ﷺ يقرون بتوحيد الربوبية كثيرة.
(١) ... أي الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ من المشركين
(٢) ... يعني توحيد الربوبية وهو اعتقاد أن الله وحده هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور.
(٣) ... أي أن إيمانهم بأن الله هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور لم يدخلهم في توحيد العبادة الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ وعلى آله وسلم ولم يعصم دماءهم وأموالهم.
(٤) ... أي إذا عرفت أن الذي أنكروه هو توحيد العبادة الذي يسميه كما قال الشيخ-﵀ مشركوا زماننا "الاعتقاد" تبين لك أن هذا الذي
стр. 19
كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلاً ونهاراً، ثم منهم من يدعوا الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا له، أو يدعو رجلاً صالحاً مثل: اللات، أو نبياً مثل عيسى (١) .
ــ
أقروا به لا يكفي في التوحيد بل ولا يكفي في الإسلام كله فإن من لم يقر بتوحيد العبادة فإنه ليس بمسلم حتى ولو أقر بتوحيد الربوبية ولهذا قاتل النبي ﷺ .
المشركين مع أنهم يقرون بتوحيد الربوبية كما تقدم.
(١) ... يعني أن هؤلاء المشركين في عبادة الله كانوا يدعون الله تعالى إذا اضطروا إلى ذلك، ومنهم من يدعوا الملائكة لقربهم من الله ، ويزعمون أن من قرب من الله فهو مستحق للعبادة وهذا من جهلهم فإن العبادة حق الله وحده لا يشركه فيها أحد.
وأن منهم من يدعو اللات، واللات بالتشديد أسم فاع من اللت، وأصله رجل كان يلت السويق للحجاج، أي جعل فيه السمن ويطعمه الحجاج فلما مات عكفوا على قبره ثم عبدوه، وأن منهم من يعبد المسيح ﵊ السلام لكونه آية من آيات الله، وأن منهم من يعبد الأولياء لقربهم من الله ، وكل هذا تزيين الشيطان لهم أعمالهم التي ضلوا بها عن الصراط المستقيم قال الله تعالى: (قل هل ننبئكم بالاخسرين أعم إلا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعاً أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً) ﴿سورة الكهف، الآيات: ١٠٣-١٠٥﴾ .
стр. 20
وعرفت (١) أن رسول الله ﷺ ، قاتلهم على هذا الشرك (٢) ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده (٣) كما قال الله تعالى: (فلا تدعو مع الله أحداً (وكما قال تعالى: (له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشي) (٤) ﴿سورة الرعد، الآية: ١٤﴾
وتحققت (٥) أن رسول الله، ﷺ ، قاتلهم ليكون
ــ
(١) ... هذه معطوفة على قوله "فإذا تحققت".
(٢) ... أي الشرك في العبادة حيث كانوا يعبدون غير الله معه وليس المراد الشرك في الربوبية؛ لأن المشركين الذين بعث فيهم النبي ﷺ كانوا يؤمنون بان الله وحده هو الرب وأنه مجيب دعوة المضطرين وأنه هو الذي يكشف السوء إلى غير ذلك مما ذكر الله عنهم من إقرارهم بربوبية الله وحده.
فالنبي ﷺ قاتل هؤلاء المشركين الذين لم يقروا بتوحيد العبادة بل أستحل دماءهم وأموالهم وإن كانوا يقرون بأن الله وحده هو الخالق لأنهم لم يعبدوه ولم يخلصوا له العبادة.
(٣) ... الإخلاص لله معناه: "أن يقصد المرء بعبادته التقرب إلى الله والوصول إلى دار كرامته".
(٤) ... يعني أن هذه الأصنام التي يدعونها من دون الله لا تستجيب لهم بشيء كما قال تعالى: (ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين) ﴿سورة الأحقاف، الآية: ٥﴾ .
(٥) ... قوله: "وتحققت" معطوف على قوله فإذا تحققت.
стр. 21
الدعاء كله لله (١) ، والذبح كله لله (٢) ،. . . . . .
ــ
(١) ... الدعاء على نوعين:
الأول: دعاء عبادة بأن يتعبد للمدعو طلباً لثوابه وخوفاً من عقابه، وهذا لا يصح لغير الله وصرفه لغير الله شرك أكبر مخرج من الملة، وعليه يقع الوعيد في قوله تعالى: (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (. ﴿سورة النمل الآية: ٨٧﴾ .
النوع الثاني: دعاء المسألة وهو دعاء الطلب أي طلب الحاجات وينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: دعاء الله بما لا يقدر ﵊ إلا هو وهو عبادة لله تعالى لأنه يتضمن الأفتقار إلى الله تعالى واللجوة إليه، واعتقاد أنه قادر كريم واسع الفضل والرحمة، فمن دعا غير الله بشيء لا يقدر ﵊ إلا اله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حياً أو ميتاً.
القسم الثاني: دعاء الحي بما يقدر ﵊ مثل يا فلان اسقني فلا شيء فيه.
القسم الثالث: دعاء الميت أو الغائب بمثل هذا فإنه شرك لأن الميت أو الغائب لا يمكن أن يقوم بمثل هذا فدعاؤه إياه يدل على أنه يعتقد أن له تصرفاً في الكون فيكون بذلك مشركاً.
(٢) ... الذبح: "إزهاق الروح بإراقة الدم على وجه مخصوص".
ويقع على وجوه:
الأول: أن يقصد به تعظيم المذبوح له والتذلل له والتقرب إليه فهذا عبادة لا يكون إلا لله تعالى على الوجه الذي شرعه الله تعالى،
стр. 22
والنذر كله لله (١) والاستغاثة كلها بالله (٢) . . . . .
ــ
وصرفه لغير الله شرك أكبر لقوله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له)
﴿سورة الأنعام، الآية: ١٦٢﴾ .
الثاني: أن يقصد به إكرام الضيف، أو وليمة لعرس ونحو ذلك فهذا مأمور به إما وجوباً أو إستجاباً لقوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" (١)(١)
وقوله لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج " أولم ولو بشاة" (١)
الثالث: أن يقصد به التمتع بالأكل أو الاتجار به ونحو ذلك فهذا من قسم المباح فالأصل فيه الإباحه لقوله تعالى: (أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون) ﴿سورة يس، الآيتان: ٧١، ٧٢﴾ وقد يكون مطلوباً أو منهياً عنه حسبما يكون وسيلة له.
(١) ... النذر يطلق على العبادات المفروضة عموماً، ويطلق على النذر الخاص وهو إلزام الإنسان نفسه بشيء لله والمراد به هنا الأول فالعبادات كلها لله تعالى لقوله تعالى: (وقضى ربك إلا تعبدوا إلا إياه) ﴿سورة الإسراء الآية: ٢٣﴾ .
(٢) ... الإستغاثة: طلب الغوث والإنقاذ من الشدة والهلاك.
وهو أقسام:
الأول: الإستغاثة بالله وهذا من أفضل الأعمال وأكملها وهو دأب الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم
ودليله قوله تعالى: (إذ تستغيثون ربكم فإستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين (. ﴿سورة الأنفال الآية: ٩﴾ .
стр. 23
وجميع أنواع العبادات كلها لله. وعرفت (١) أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة، والأنبياء الأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى اله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون (٢)
ــ
الثاني: الإستغاثة بالأموات أو بالأحياء غير الحاضرين القادرين على الإغاثة فهذا شرك، لأنه لا يفعله إلا من يعتقد أن لهؤلاء تصرفاً خفياً في الكون فيجعل لهم حظاً من الربوبية، قال الله تعالى: (أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلاً مما تذكرون (. ﴿سورة النمل، الآية: ٦٢﴾ .
الثالث: الإستغاثة بالأحياء العالمين القادرين على الإغاثة فهذا جائز كالاستعانة بهم، قال الله تعالى في قصة موسى ﵇: (فاستغاثة الذي من شيعته على الذي من) عدوه فوكزه موسى فقضى عليه) ﴿سورة القصص، الآية: ١٥﴾ .
الرابع: الإستغاثة بحي غير قادر من غير أن يعتقد أن له قوة خفية مثل أن يستغيث بمشلول على دفع عدو صائل. فهذا لغو وسخرية بالمستغاث به، فيمنع لهذه العلة ولعلة أخرى وهي أنه ربما أغتر بذلك غيره فتوهم أن لهذا المستغاث به وهو عاجز أن له قوة خفية ينقذ بها من الشدة.
(١) ... قوله "وعرفت" معطوف على "تحققت" الأولى.
وقوله "عرفت جواب " فإذا تحققت" وما عطف عليها.
(٢) ... قرر المؤلف ﵀ أن التوحيد الذي جاءت به الرسل من الله هو توحيد الألوهية لأن هؤلاء المشركين الذين بعث فيهم رسول الله صلى
стр. 24
وهذا التوحيد هو معنى قولك: "لا إله إلا الله" (١) فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكاً، أو نبياً أو ولياً، أو شجرة أو قبراً، أو جنياً لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك، وإنما يعنون
ــ
الله عليه وسلم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ومع هذا إستباح النبي ﷺ دماءهم وأموالهم على أنهم يعبدون الملائكة وغيرهم مما يعبدونهم من الأولياء والصالحين يريدون بذلك أن يقربوهم إلى الله وهي كما قال تعالى: (والذين إتخذوا من دونه أولياء ما تعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) ﴿سورة الزمر، الآية: ٣﴾ فهم مقرون بأن اللهو هو المقصود ولكنهم يقصدون الملائكة وغيرهم ليقربوهم إلى الله ومع ذلك لم يدخلهم في التوحيد.
(١) ... قوله: وهذا التوحيد هو معنى قولك "لا إله إلا الله" أي أن
التوحيد هو الذي دعا إليه النبي ﷺ هو معنى (لا إله إلا الله) أي: لا معبود حق إلا الله فهم يعلمون أن معناها لا معبود حق إلا الله ، وليس معناها لا خالق، أو لا رازق، أو لا مدبر إلا الله، أو لا قادر على الإختراع إلا الله كما يقوله كثير من المتكلمين فإن هذا المعنى لا ينكره المشركون ولا يردونه، وإنما يردون معنى "لا إله إلا الله" أي لا معبود حق إلا الله كما قال تعالى عنهم: (أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب وإنطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا إختلاق (. ﴿سورة ص، الآيات: ٥-٧﴾ .
стр. 25
بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ (السيد) فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي "لا إله إلا الله" (١) .
والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها (٢) والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق به، والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه فإنه لما قال لهم قولوا: "لا إله إلا الله" قالوا: (أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب) (٣) ﴿سورة ص، الآية: ٥﴾ .
فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك (٤) فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار (٥)
ــ
(١) ... يريد ﵀ بيان أن المشركين لا يريدون بقول لا إله إلا الله، لأنهم يعرفون أن ذلك حق وإنما ينكرون معناها لا معبود حق إلا الله، وهذا الذي بدأ به المؤلف وأعاد، إنما قاله للتأكيد والرد على من يقول: إننا لا نعبد الملائكة أو غيرهم إلا من أجل أن يقربونا إلى الله زلفى، ولسنا نعتقد أنهم يخلقون أو يرزقون.
(٢) ... قوله: "من هذه الكلمة" أي قول: (لا إله إلا الله) .
(٣) ... هذه الجملة كالتي قبلها يبين فيها ﵀ -أن معنى لا إله إلا الله لا معبود حق إلا الله، وأن المشركين قد فهموا هذا منها، وعلموا أنه ليس المراد بها مجرد لفظها، وأن المراد بها لا معبود حق إلا الله، ولهذا أنكروه مع أنهم لا ينكرون أن الله وحده هو الخالق الرازق.
(٤) ... أي يعرفون أن معنى لا إله إلا الله، لا معبود حق إلا الله.
(٥) ... يريد المؤلف ﵀ -أن يبين أن من الناس من يدعي الإسلام ولا
стр. 26
بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير إعتقاد القلب لشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن أن معناها "لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر الأمر إلا الله" فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى "لا إله إلا الله".
إذا عرفت ما ذكرت لك معرفة قلب (١) ، وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن
ــ
يعرفون معنى كلمة "لا إله إلا الله" حيث يظنون أن المقصود هو التلفظ بحروفها دون معرفة معناها وإعتقاده. ومن الناس من يظن أن المراد بها توحيد الربوبية أي لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله.
ومن الناس من يفسرها بأن المراد بها "إخراج اليقين الصادق عن ذات الأشياء، وإدخال اليقين الصادق على ذات الله" وهذا التفسير باطل لم يعرفه السلف الصالح، وليس المراد به أن تتيقن بالله وتخرج اليقين من غيره لأن هذا لا يمكن فإن اليقين ثابت في غير الله) لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين) ﴿سورة التكاثر، الآيتان ٦، ٧﴾ . وتيقن الأشياء الواقعة الحسية المعلومة لا ينافي التوحيد.
ومن الناس من يفسرها بأنه "لا معبود إلا الله" وهذا التعريف لا يصح على ظاهرة لأن هناك أشياء عبدت من دون الله .
فيكون هؤلاء أجهل من الجهال الذين بعث فيهم رسول الله، ﷺ ، فإنهم كانوا يعرفون من معناها ما لا يعرفه هؤلاء.
(١) ... أي عرفت معنى لا إله إلا الله الحقيقي وأن معناها "لا معبود حق إلا الله".
стр. 27
يشاء) (١) ﴿سورة النساء، الآية: ٤٨﴾ وعرفت دين الله الذي أرسل به الرسل من أولهم إلى آخرهم الذي لا يقبل الله من أحد ديناً سواه (٢) وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا (٣) .
ــ
(١) ... أختلف أهل العلم-رحمهم الله تعالى-في هذه الآية هل تشمل كل الشرك أم أنها خاصة بالشرك الأكبر.
فمنهم من قال: تشمل كل شرك ولو كان اصغر كالحلف بغير الله فإن الله لا يغفره.
ومنهم من قال: إنها خاصة بالشرك الأكبر فهو الذي يغفره الله.
وشيخ الإسلام ابن تيمية-﵀ -أختلف كلامه فمرة قال بالقول الأول ومرة قال بالقول الثاني.
وعلى كل حال يجب الحذر من الشرك مطلقاً، لأن العموم يحتمل أن يكون داخلاً فيه الأصغر لأن قوله: (أن يشرك به) (أن) وما بعدها في تأويل مصدر تقديره "إشراكاً به" فهو نكرة في سياق النفي فتفيد العموم.
(٢) ... وهو عبادة الله وحده كما قال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (. ﴿سورة الأنبياء، الآية: ٢٥﴾ . وهذا هو الإسلام الذي قال الله فيه: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه) ﴿سورة آل عمران، الآية: ٨٥﴾
(٣) ... أي بمعنى هذه الكلمة مما تقدم ذكره عند قول المؤلف ﵀ "فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة. . إلخ"
стр. 28
أفادك (١) فائدتين (٢) : الأولى الفرح بفضل الله ورحمته كما قال الله تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) ﴿سورة يونس، الآية: ٥٨﴾ وأفادك أيضاً الخوف العظيم (٣) .
ــ
(١) ... قوله "أفادك" جواب قوله: "إذا عرفت ما ذكرت لك. . إلخ"
(٢) ... يحصل ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن الله تعالى فتح عليك حتى عرفت المعنى الصحيح لهذه الكلمة العظيمة "لا إله إلا الله". وهذا فضل عظيم من الله ورحمة، والفرح بمثل هذا مما أمر الله به ودليله ما ذكره المؤلف ﵀: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (وفرح العبد بما أنعم الله ﵊ من العلم والعبادة من الأمور المحمودة كما جاء في الحديث: "للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه" (١)(٣) ... أي من ان تقع في مثل ما وقع فيه هؤلاء من الجهل بمعناها والخطر العظيم في ذلك.
стр. 29
فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل (١) .
ــ
(١) ... تعليقنا على هذه الجملة من كلام المؤلف ﵀:
أولاً: لا أظن الشيخ ﵀ لا يرى العذر بالجهل اللهم إلا أن يكون منه تفريط بترك التعلم مثل أن يسمع بالحق فلا يلتفت إليه ولا يتعلم، فهذا لا يعذر بالجهل وإنما لا أظن ذلك من الشيخ لأن له كلاماً أخر يدل على العذر بالجهل فقد سئل -رحمه الله تعالى- عما يقاتل عليه؟ فأجاب:
أركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة؛ فالأربعة: إذا أقر بها، وتركها تهاوناً، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها؛ والعلماء أختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود؛ ولا نكفر إلا ما أجمع ﵊ الصلاة والسلام العلماء كلهم، وهو: الشهادتان.
وأيضاً: نكفره بعد التعريف إذا عرف وأنكر، فنقول: أعداؤنا معنا على أنواع:
النوع الأول: من عرف أن التوحيد دين الله ورسوله، الذي أظهرناه للناس؛ واقر أيضاً: أن هذه الإعتقادات في الحجر، والشجر والبشر، الذي هو دين غالب الناس: أنه الشرك بالله الذين بعث الله رسوله ﷺ ينهى عنه، ويقاتل أهله، ليكون الدين كله لله، ومع ذلك لم يلتفت إلى التوحيد، ولا تعلمه، ولا دخل فيه، ولا ترك الشرك، فهو كافر، نقاتله بكفره، لأنه عرف دين الرسول، فلم يتبعه، وعرف الشرك فلم يتركه، مع أنه لا يبغض دين الرسول، ولا من دخل فيه ولا يمدح الشرك، ولا يزينه للناس.
стр. 30
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النوع الثاني: من عرف ذلك، ولكنه تبين في سب دين الرسول، مع إدعائه أنه عامل به، وتبين في مدح من عبد يوسف، والأشقر، ومن عبد أبا علي، والخضر من أهل الكويت، وفضلهم على من وحد الله، وترك الشرك، فهذا أعظم من الأول، وفيه قوله تعالى: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) ﴿سورة البقرة، الآية: ٨٩﴾ وهو ممن قال الله فيه: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أثمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) ﴿سورة التوبة، الآية: ١٢.﴾
النوع الثالث: من عرف التوحيد، وأحبه، واتبعه، وعرف الشرك، وتركه ولكن يكره من دخل في التوحيد، ويحب من بقي على الشرك، فهذا أيضاً كافر، فيه قوله تعالى: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) ﴿سورة محمد، الآية ٩﴾
النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد، وإتباع أهل الشرك، وساعين في قتالهم، ويتعذر بأن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده، ويجاهد بماله ونفسه، فهذا أيضاً كافر؛ فإنهم لو يأمرونه بترك صوم، ولا يمكنه الصيام إلا بفراقهم فعل؛ ول يأمرونه بتزوج إمرأة أبيه ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم فعل؛ وموافقتهم على الجهاد معهم بنفسه وماله مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله أكبر من ذلك بكثير، كثير؛ فهذا أيضاً كافر، وهو ممن قال الله فيهم: (ستجدون
стр. 31
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم (-إلى قوله _: (سلطاناً مبيناً) ﴿سورة النساء، الآية: ٩١﴾ فهذا الذي نقول.
وأما الكذب والبهتان فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر، ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه؛
فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله.
وإذا كنا: لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر ويقاتل؟ ) سبحانك هذا بهتان عظيم) ﴿سورة النور، الآية: ١٦﴾
بلك نكفر تلك الأنواع الأربعة، لأجل محادتهم لله ورسوله، فرحم الله إمرءاً نظر نفسه، وعرف أنه ملاق الله، الذي عنده الجنة والنار؛ وصلى الله على محمد وآله وصحبه، وسلم.
(*) تتمه:
الاختلاف في مسألة العذر بالجهل كغيره من الاختلافات الفقهية الاجتهادية، وربما يكون اختلافاً لفظيا في بعض الأحيان من أجل تطبيق الحكم على الشخص المعين، أي أن الجميع يتفقون على أن هذا القول كفر، أو هذا الفعل كفر، أو هذا الترك كفر، ولكن هل يصدق الحكم على هذا الشخص المعين لقيام المقتضى في حقه وانتفاء المانع أو لا ينطبق لفوات بعض المقتضيات، أو وجود بعض الموانع. وذلك أن الجهل بالمكفر على نوعين:
стр. 32
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأول: أن يكون من شخص يدين بغير الإسلام أو لا يدين بشيء ولم يكن يخطر بباله أن ديناً يخالف ما هو ﵊ فهذا تجري ﵊ أحكام الظاهر في الدنيا، وأما في الآخرة فأمره إلى الله -تعالى- والقول الراجح أنه يمتحن في الآخرة بما يشاء الله -والله أعلم بما كانوا عاملين، لكننا نعلم أنه لن يدخل النار إلا بذنب لقوله-تعالى-: (ولا يظلم ربك أحداً (. ﴿سورة الكهف، الآية: ٤٩﴾ .
وإنما قلنا تجرى ﵊ أحكام الظاهر في الدنيا وهي أحكام الكفر؛ لأنه لا يدين بالإسلام فلا يمكن أن يعطي حكمه، وإنما قلنا بأن الراجح أنه يمتحن في الآخرة لنه جاء في ذلك آثار كثيرة ذكرها ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "طريق الهجرتين" عند كلامه على المذهب الثامن في أطفال المشركين تحت الكلام على الطبقة الرابعة عشرة.
النوع الثاني: أن يكون من شخص يدين بالإسلام ولكنه عاش على هذا المكفر ولم يكن يخطر بباله أنه مخالف للإسلام، ولا نبهه أحد على ذلك فهذا تجري ﵊ أحكام الإسلام ظاهراً، أما في الآخرة فأمره إلى الله -وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وأقوال أهل العلم:
فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) ﴿سورة الإسراء، الآية: ١٥﴾ وقوله: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) ﴿سورة القصص،، الآية ٥٩﴾
وقوله: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد
стр. 33
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرسل) ، ﴿سورة النساء، الآية: ١٦٥﴾ . وقوله (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) ﴿سورة إبراهيم، الآية: ٤﴾ . وقوله: (وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) ﴿سورة التوبة، الآية: ١١٥﴾ وقوله: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة) ﴿سورة الأنعام، الآية: ١٥٥-١٥٧﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الحجة لا تقوم إلا بعد العلم والبيان.
وأما السنة: ففي صحيح مسلم ١/١٣٤ عن أبي هريرة-﵁-أن النبي ﷺ قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة-يعني أمة الدعوة-يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار".
وأما كلام أهل العلم: فقال في المغني ٨/١٣١ "فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث الإسلام، بغير دار الإسلام، أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم لم يحكم بكفره". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوي ٣/٢٢٩ مجموع ابن قاسم: "إني دائماً-ومن جالسني يعلم ذلك مني-من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معين إلى تكفير، وتفسيق، ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى، وعاصياً أخرى، وأني أقرر أن الله-تعالى-قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخيرية القولية، والمسائل العملية، وما زال
стр. 34
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر، ولا بفسق، ولا بمعصية-إلى أن قال-وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأثمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضاً حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين-إلى أن قال-والتكفير هو من الوعيد فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول ﷺ لكن الرجل قد يكون حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئاً" أ. هـ. وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ١/٥٦ من الدرر السنية: "وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول، ثم بعدما عرفه سبه، ونهى الناس عنه، وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفره". وفي ص٦٦ "وأما الكذب والبهتان فقولهم إنا نكفر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله، وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر والصنم الذي على أحمد البدوي وأمثالهم لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل" ا. هـ.
إذا كان هذا مقتضى نصوص الكتاب، والسنة، وكلام أهل العلم فهو مقتضى حكمة الله تعالى، ولطفه ورأفته، فلن يعذب
стр. 35
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحداً حتى يعذر إليه، ولطفه ورأفته، فلن يعذب أحداً حتى يعذر إليه، والعقول لا تستقل بمعرفة ما يجب لله تعالى من الحقوق، ولو كانت تستقل بذلك لم تتوقف الحجة على إرسال الرسل.
فالأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاء إسلامه حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره لأن في ذلك محذورين عظيمين:
أحدهما: افتراء الكذب على الله تعالى في الحكم، وعلى المحكوم عليه في الوصف الذي نبزه به.
أما الأول فواضح حيث حكم بالكفر على من لم يكفره الله تعالى فهو كمن حرم ما أحل الله؛ لأن الحكم بالتكفير أو عدمه إلى الله وحده كالحكم بالتحريم أو عدمه.
وأما الثاني فلأنه وصف المسلم بوصف مضاد، فقال: إنه كافر، مع أنه بريء من ذلك، وحري به أن يعود وصف الكفر عليه لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر-﵁ الله عنهما-أن النبي ﷺ قال: "إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما" (١) وفي رواية: "إن كان كما قال وإلا رجعت عليه" (٢) وله من حديث أبي ذر-﵁ أن النبي ﷺ قال: "ومن دعا رجلاً بالكفر، أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه". (٣) يعني رجع عليه. وقوله في حديث ابن عمر: "إن كان كما قال" يعني في حكم الله - تعالى-
стр. 36
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا هو المحذور الثاني أعني عود وصف الكفر ﵊ إن كان أخوه بريئاً منه، وهو محذور عظيم يوشك أن يقع به؛ لأن الغالب أن من تسرع بوصف المسلم بالكفر كان معجباً بعمله محتقراً لغيره فيكون جامعاً بين الإعجاب بعمله الذي قد يؤدي إلى حبوطه، وبين الكبر الموجب لعذاب الله - تعالى- في النار كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "قال الله الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار". (١)
فالواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين:
الأمر الأول: دلالة الكتاب، والسنة على أن هذا مكفر لئلا يفتري على الله الكذب.
الثاني: انطباق الحكم على الشخص المعين بحيث تتم شروط التكفير في حقه، وتتنتفي الموانع.
ومن أهم الشروط أن يكون عالماً بمخالفته التي أوجبت كفره لقوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) ﴿سورة النساء الآية: ١١٥﴾ فاشترط للعقوبة بالنار أن تكون المشاقة لرسول من بعد أن يتبين الهدى له. ولكن هل يشترط أن يكون عالماً بما يترتب على مخالفته من كفر أو غيره أو يكفي أن يكون عالماً بالمخالفة وإن كان جاهلاً بما يترتب عليها؟
الجواب: الثاني؛ أي أن مجرد علمه بالمخالفة كاف في الحكم بما
стр. 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تقتضيه لن النبي ﷺ أوجب الكفارة على المجامع في نهار رمضان لعمله بالمخالفة مع جهله بالكفارة؛ ولأن الزاني المحصن العالم بتحريم الزنا يرجم وإن كان جاهلاً بما يترتب على زناه، وربما لو كان عالماً ما زنا.
ومن الموانع من التكفير أن يكره على المكفر لقوله تعالى -: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) ﴿سورة النحل، الآية: ١٠٦﴾ .
ومن الموانع أن يغلق ﵊ فكره وقصده بحيث لا يدري ما يقول لشدة فرح، أو حزن، أو غضب، أو خوف ونحو ذلك، لقوله-تعالى-) وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمد قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً) ﴿سورة الأحزاب، الآية: ٥﴾ وفي صحيح مسلم ٢١٠٤ عن أنس بن مالك- ﵁ الله عنه- أن النبي ﷺ قال: " لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فأنفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة.
الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح".
ومن الموانع أيضاً أن يكون شبهة تأويل في الكفر بحيث يظن أنه على حق، لأن هذا لم يتعمد الإثم والمخالفة فيكون داخلاً في
стр. 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله -تعالى-: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) ﴿سورة الأحزاب، الآية: ٥﴾ . ولأن هذا غاية جهده فيكون داخلاً في قوله - تعالى-: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) ﴿سورة البقرة، الآية: ٢٨٦﴾ . قال في المغني ٨/١٣١: " وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك - يعني يكون كافراً - وإن كان بتأويل كالخوارج فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم مع أستحلالهم دماء المسلمين وأموالهم، وفعلهم ذلك متقربين به إلى الله تعالى" إلى أن قال "وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم وإستحلال دماءهم، وأموالهم، واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم، ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم لتأويلهم، وكذلك يخرج في كل محرم إستحل بتأويل مثل هذا". وفي فتاوى شيخ الإسلام.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابن تيمية ١٣/٣٠ مجموع ابن قاسم: "وبدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه مالم يدل ﵊، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب" وفي ص ٢١٠ منه " فإن الخوارج خالفوا السنة التي أمر القرآن باتباعها، وكفروا المؤمنين الذين أمر القرآن بموالاتهم. . وصاروا يتبعون المتشابه من القرآن فيتأولونه على غير تأويله من غير معرفة منهم بمعناه ولا رسوخ في العلم، ولا إتباع للسنة، ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن، وقال أيضاً ٢٨/٥١٨ من المجموع المذكور: "فإن الأثمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين"، لكنه ذكر في ٧/٢١٧ "أنه لم يكن في الصحابة
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع". وفي ٢٨/٥١٨"أن هذا هو المنصوص عن الأثمة كأحمد وغيره". وفي ٣/٢٨٢ قال: "والخوارج المارقون الذين أمر النبي ﷺ بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أثمة الدين من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم ولم يكفرهم علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفار، ولهذا لم يسب حريمهم، ولم يغنم أموالهم، وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع، لم يكفروا مع أمر الله ورسوله ﷺ بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم، فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن يكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضاً، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعاً جهال بحقائق ما يختلفون فيه". إلى أن قال: "وإذا كان المسلم متأولاً في القتال، أو التكفير لم يكفر بذلك". إلى أن قال في ص ٢٨٨: "وقد أختلف العلماء في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حقل العبيد قبل البلاغ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. . والصحيح ما دل عليه القرآن في
стр. 40
وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله كما كان يظن المشركون خصوصاً إن ألهمك الله تعالى ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين: (أجعل لنا إلها كما لهم آلهة) ﴿سورة الأعراف، الآية ١٣٨﴾ . فحينئذ يعظم خوفك وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله (١) .
ــ
قوله - تعالى-: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) ﴿سورة الإسراء الآية: ١٥﴾ . وقوله: (رسلاً مبشرين ومنرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (. سورة النساء، الآية ١٦٥﴾ .
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : "ما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين" (١)
والحاصل أن الجاهل معذور بما يقوله أو يفعله مما يكون كفراً، كما يكون معذوراً بما يقوله أو يفعله مما يكون فسقاً، وذلك الأدلة من الكتاب والسنة، والإعتبار، وأقوال أهل العلم.
(١) ... حينما حذر الشيخ ﵀ -من أمرين أحدهما خوف الإنسان على نفسه من أن يظن ما ظن هؤلاء في معنى التوحيد أنه هو إفراد الله تعالى بالخلق والرزق والتدبير بين ﵀ أن الواجب على الإنسان أن يكون على خوف دائماً، ثم يذكر حال القوم الذين قالوا لموسى: (أجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون) ﴿سورة الأعراف، الآيتان: ١٣٨، ١٣٩﴾ .
فبين لهم أن سؤالهم أن يجعل لهم آلهة كما كان هؤلاء لهم آلهة من الجهل فهذا يؤدي إلى خوف الإنسان على نفسه من أن يتيه في الضلالات والجهالات حيث يظن أن معنى "لا إله إلا الله" أي لا خالق ولا رازق ولا مدبر إلا الله -وهذا الذي قاله الشيخ-﵀-وحذر منه وقع فيه عامة المتكلمين الذي تكلموا