← Акыда

Акыда · id 9923

شرح كشف الشبهات ويليه شرح الأصول الستة

ابن عثيمين

Полный текст (140 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا هو المحذور الثاني أعني عود وصف الكفر ﵊ إن كان أخوه بريئاً منه، وهو محذور عظيم يوشك أن يقع به؛ لأن الغالب أن من تسرع بوصف المسلم بالكفر كان معجباً بعمله محتقراً لغيره فيكون جامعاً بين الإعجاب بعمله الذي قد يؤدي إلى حبوطه، وبين الكبر الموجب لعذاب الله - تعالى- في النار كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "قال الله الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار". (١) فالواجب قبل الحكم بالتكفير أن ينظر في أمرين: الأمر الأول: دلالة الكتاب، والسنة على أن هذا مكفر لئلا يفتري على الله الكذب. الثاني: انطباق الحكم على الشخص المعين بحيث تتم شروط التكفير في حقه، وتتنتفي الموانع. ومن أهم الشروط أن يكون عالماً بمخالفته التي أوجبت كفره لقوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) ﴿سورة النساء الآية: ١١٥﴾ فاشترط للعقوبة بالنار أن تكون المشاقة لرسول من بعد أن يتبين الهدى له. ولكن هل يشترط أن يكون عالماً بما يترتب على مخالفته من كفر أو غيره أو يكفي أن يكون عالماً بالمخالفة وإن كان جاهلاً بما يترتب عليها؟ الجواب: الثاني؛ أي أن مجرد علمه بالمخالفة كاف في الحكم بما

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تقتضيه لن النبي ﷺ أوجب الكفارة على المجامع في نهار رمضان لعمله بالمخالفة مع جهله بالكفارة؛ ولأن الزاني المحصن العالم بتحريم الزنا يرجم وإن كان جاهلاً بما يترتب على زناه، وربما لو كان عالماً ما زنا. ومن الموانع من التكفير أن يكره على المكفر لقوله تعالى -: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) ﴿سورة النحل، الآية: ١٠٦﴾ . ومن الموانع أن يغلق ﵊ فكره وقصده بحيث لا يدري ما يقول لشدة فرح، أو حزن، أو غضب، أو خوف ونحو ذلك، لقوله-تعالى-) وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمد قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً) ﴿سورة الأحزاب، الآية: ٥﴾ وفي صحيح مسلم ٢١٠٤ عن أنس بن مالك- ﵁ الله عنه- أن النبي ﷺ قال: " لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فأنفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة. الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح". ومن الموانع أيضاً أن يكون شبهة تأويل في الكفر بحيث يظن أنه على حق، لأن هذا لم يتعمد الإثم والمخالفة فيكون داخلاً في

стр. 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قوله -تعالى-: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) ﴿سورة الأحزاب، الآية: ٥﴾ . ولأن هذا غاية جهده فيكون داخلاً في قوله - تعالى-: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) ﴿سورة البقرة، الآية: ٢٨٦﴾ . قال في المغني ٨/١٣١: " وإن استحل قتل المعصومين وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل فكذلك - يعني يكون كافراً - وإن كان بتأويل كالخوارج فقد ذكرنا أن أكثر الفقهاء لم يحكموا بكفرهم مع أستحلالهم دماء المسلمين وأموالهم، وفعلهم ذلك متقربين به إلى الله تعالى" إلى أن قال "وقد عرف من مذهب الخوارج تكفير كثير من الصحابة ومن بعدهم وإستحلال دماءهم، وأموالهم، واعتقادهم التقرب بقتلهم إلى ربهم، ومع هذا لم يحكم الفقهاء بكفرهم لتأويلهم، وكذلك يخرج في كل محرم إستحل بتأويل مثل هذا". وفي فتاوى شيخ الإسلام. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ابن تيمية ١٣/٣٠ مجموع ابن قاسم: "وبدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه مالم يدل ﵊، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب" وفي ص ٢١٠ منه " فإن الخوارج خالفوا السنة التي أمر القرآن باتباعها، وكفروا المؤمنين الذين أمر القرآن بموالاتهم. . وصاروا يتبعون المتشابه من القرآن فيتأولونه على غير تأويله من غير معرفة منهم بمعناه ولا رسوخ في العلم، ولا إتباع للسنة، ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن، وقال أيضاً ٢٨/٥١٨ من المجموع المذكور: "فإن الأثمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين"، لكنه ذكر في ٧/٢١٧ "أنه لم يكن في الصحابة

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع". وفي ٢٨/٥١٨"أن هذا هو المنصوص عن الأثمة كأحمد وغيره". وفي ٣/٢٨٢ قال: "والخوارج المارقون الذين أمر النبي ﷺ بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أثمة الدين من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم ولم يكفرهم علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفار، ولهذا لم يسب حريمهم، ولم يغنم أموالهم، وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع، لم يكفروا مع أمر الله ورسوله ﷺ بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم، فلا يحل لأحد من هذه الطوائف أن يكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضاً، وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعاً جهال بحقائق ما يختلفون فيه". إلى أن قال: "وإذا كان المسلم متأولاً في القتال، أو التكفير لم يكفر بذلك". إلى أن قال في ص ٢٨٨: "وقد أختلف العلماء في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حقل العبيد قبل البلاغ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. . والصحيح ما دل عليه القرآن في

стр. 40

وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله كما كان يظن المشركون خصوصاً إن ألهمك الله تعالى ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين: (أجعل لنا إلها كما لهم آلهة) ﴿سورة الأعراف، الآية ١٣٨﴾ . فحينئذ يعظم خوفك وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله (١) . ــ قوله - تعالى-: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) ﴿سورة الإسراء الآية: ١٥﴾ . وقوله: (رسلاً مبشرين ومنرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (. سورة النساء، الآية ١٦٥﴾ . وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : "ما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين" (١) والحاصل أن الجاهل معذور بما يقوله أو يفعله مما يكون كفراً، كما يكون معذوراً بما يقوله أو يفعله مما يكون فسقاً، وذلك الأدلة من الكتاب والسنة، والإعتبار، وأقوال أهل العلم. (١) ... حينما حذر الشيخ ﵀ -من أمرين أحدهما خوف الإنسان على نفسه من أن يظن ما ظن هؤلاء في معنى التوحيد أنه هو إفراد الله تعالى بالخلق والرزق والتدبير بين ﵀ أن الواجب على الإنسان أن يكون على خوف دائماً، ثم يذكر حال القوم الذين قالوا لموسى: (أجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون) ﴿سورة الأعراف، الآيتان: ١٣٨، ١٣٩﴾ . فبين لهم أن سؤالهم أن يجعل لهم آلهة كما كان هؤلاء لهم آلهة من الجهل فهذا يؤدي إلى خوف الإنسان على نفسه من أن يتيه في الضلالات والجهالات حيث يظن أن معنى "لا إله إلا الله" أي لا خالق ولا رازق ولا مدبر إلا الله -وهذا الذي قاله الشيخ-﵀-وحذر منه وقع فيه عامة المتكلمين الذي تكلموا

стр. 41

وأعلم الناس أنه سبحانه من حكمته لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلاجعل له أعداء كما قال الله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعضٍ زخرف القولِ غروراً) (١) ﴿سورة الأنعام، الآية: ١١٢﴾ . ــ في التوحيد حيث قالوا إن معنى "لا إله إلا الله" أي لا مخترع ولا قادر على الإختراع إلا الله ففسروا هذه الكلمة العظيمة بتفسير باطل لم يفهمه أحد من المسلمين، بل ولا غير المسلمين حتى المشركون الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ كانوا يعرفون معنى هذه الكلمة أكثر مما يعرفها هؤلاء المتكلمون. (١) ... نبه المؤلف -رحمه الله تعالى- في هذه الجملة على فائدة عظيمة حيث بين أن من حكمة الله أنه لم يبعث نبياً إلا جعل له أعداء من الإنس والجن، وذلك أن وجود العدو يمحص الحق ويبينه فإنه لكما وجد المعارض قويت حجة الآخر، وهذا الذي جعله الله تعالى للأنبياء جعله أيضاً لأتباعهم فكل اتباع الأنبياء يحصل لهم مثل ما يحصل للأنبياء قال الله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً) وقال: (كذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين وكفى بربك هادياً ونصيراً) ﴿سورة الفرقان، الآية: ٣١﴾ فإن هؤلاء المجرمين يعتدون على الرسل واتباعهم وعلى ما جاءوا به بأمرين: الأول: التشكيك الثانية: العدوان. أما التشكيك فقال الله تعالى في مقابلته) كفى بربك هادياً (لمن أراد أن يضله أعداء الأنبياء.

стр. 42

وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال الله تعالى: (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم) (١) ﴿سورة غافر الآية: ٨٣﴾ ــ وأما العدوان فقال الله تعالى في مقابلته) ونصيراً (لمن أراد أن يردعه أعداء الأنبياء. فالله تعالى يهدي الرسل وأتباعهم وينصرهم على أعدائهم ولو كانوا من أقوى الأعداء، فعلينا أن لا نيأس لكثرة الأعداء وقوه منن يقاوم الحق فإن الحق كما قال ابن القيم-﵀: الحق منصور وممتحن فلا ... تعجب فهذي سنة الرحمن فلا يجوز لنا أن نيأس بل علينا أن نطيل النفس وأن ننتظر وستكون العاقبة للمتقين، فالأمل دافع قوي للمضي في الدعوة والسعي في إنجاحها، كما أن اليأس سبب للفشل والتأخر في الدعوة. (١) يعني أن أعداء الرسل الذين يجادلونهم ويكذبونهم قد يكون عندهم علوم كثيرة وكتب وشبهات يسمونها "حججاً" يلبسون بها على الناس فيلبسون الحق بالباطل كما قال تعالى: (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما ندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (وهذا الفرح مذموم؛ لأنه فرح بغير ما يرضي الله فيكون من الفرح المذموم. وأشار المؤلف -رحمه الله تعالى- بهذه الجملة إلى أنه ينبغي أن نعرف ما عند هؤلاء من العلوم والشبهات من أجل أن نرد عليهم بسلاحهم وهذا من هدي النبي ﷺ ولهذا لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قوماً أهل كتاب" (١) وذلك من أجل أن يستعد لهم ويعرف ما عندهم من الكتاب حتى يرد عليهم بما جاءوا به.

стр. 43

إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين ﵊، أهل فصاحة وعلم وحجج، فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير لك سلاحاً تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك ) لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) (١) ﴿سورة الأعراف، الآيتان: ١٦، ١٧﴾ ــ (١) إذا عرفت هذا أي أن لهؤلاء الأعداء كتباً وعلوماً وحججاً يلبسون بها الحق بالباطل فعليك أن تستعد لهم، والاستعداد لهم يكون بأمرين: - أحدهما: -ما أشار إليه المؤلف ﵀ بان يكون لديك من الحجج الشرعية والعقلية ما تدفع به حجج هؤلاء وباطلهم. الثاني: أن تعرف ما عندهم من الباطل حتى ترد عليهم به، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀-في كتابه درء تعارض النقل والعقل، قال: "إنه ما من إنسان يأتي بحجة يحتج بها على الباطل إلا كانت حجة ﵊ وليست حجة له". وهذا الأمر كما قال ﵀ فإن الحجة الصحيحة إذا إحتج بها المبطل على باطله فإنها تكون حجة ﵊ وليست له، فعلى من أراد أن يجادل هؤلاء يتأكد أن يلاحظ هذين الأمرين: - الأمر الأول: - أن يفهم ما عندهم من العلم حتى يرد عليهم به. والأمر الثاني: -أن يفهم الحجج الشرعية والعقلية التي يرد بها على هؤلاء.

стр. 44

ولكن إذا أقبلت على الله وأصغيت إلى حججه وبيناته فلا تخف ولا تحزن) إن كيد الشيطان كان ضعيفاً) (١) ﴿سورة النساء، الآية: ٧٦﴾ والعامي من الموحدين يغلب ألفا من علماء هؤلاء المشركين كما قال تعالى: (وإن جندنا لهم الغالبون) (١) ﴿سورة الصافات، الآية: ١٧٣﴾ . ــ (١) يريد المؤلف ﵀ أن يشجع من أقبل على الله تعالى وعرف الحق بأن لا يخاف من حجج أهل الباطل؛ لأنها حجج واهية وهي من كيد الشيطان وقد قال الله تعالى: (إن كيد الشيطان كان ضعيفاً (. وفي ذلك يقول القائل: حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقاً وكل كاسر ومكسور (١) قال الشيخ رحمه الله تعالى: "والعامي من الموحدين يغلب ألفاً من علماء هؤلاء المشركين" وأستدل بقوله تعالى) وإن جندنا لهم الغالبون (العامي من الموحدين يعني من الذين يقرون بالتوحيد بأنواعه الثلاثة (الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات) ، يغلب ألفاً من علماء المشركين؛ لأن علماء هؤلاء المشركين يوحدون الله -توحيداً ناقصاً حيث إنهم لا يوحدونه إلا بتوحيد الربوبية فقط، وهذا توحيد ناقص ليس هو توحيداً في الحقيقة بدليل أن النبي ﷺ قاتل المشركين الذي يوحدون الله هذا التوحيد، ولم ينفعهم هذا التوحيد ولم تعصم به دماءهم وأموالهم، والعامي من الموحدين يقر بأنواع التوحيد الثلاثة: - توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، فيكون خيراً من هؤلاء.

стр. 45

وجند الله لهم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان (١) ــ (١) ... أشار المؤلف ﵀ إلى أن جند الله وهم عباده المؤمنون الذين ينصرون الله ورسوله يجاهدون الناس بأمرين: الأول: الحجة والبيان وهذا بالنسبة للمنافقين الذين لا يظهرون عداوة المسلمين فهؤلاء يجاهدون بالحجة والبيان. الثاني: من يجاهد بالسيف والسنان وهم المظهرون للعداوة وهم الكفار الخلص المعلنون بكفرهم وفي هذا والذي قبله يقول الله ) يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (. ﴿سورة التحريم، الآية: ٩﴾ . والجهاد بالحجة والبيان يكون للكفار الخلص المعلنين لكفرهم أولاً، ثم يجاهدون بالسيف ثانياً، ولا يجاهدون بالسيف والسنان إلا بعد قيام الحجة عليهم. والواجب على الأمة الإسلامية أن تقابل كل سلاح يصوب نحو الإسلام بما يناسبه، فالذين يحاربون الإسلام بالأفكار والأقوال يجب أن يبين بطلان ما هم ﵊ بالأدلة النظرية العقلية إضافة إلى الأدلة الشرعية، والذين يحاربون الإسلام من الناحية الاقتصادية يجب أن يدافعوا، بل أن يهاجموا إذا أمكن، بمثل ما يحاربون به الإسلام، والذين يحاربون الإسلام بالأسلحة يجب أن يقاوموا بما يناسب تلك الأسلحة.

стр. 46

وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح (١) . وقد من الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله: (تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (٢) ﴿سورة النحل، الآية: ٨٩﴾ ــ (١) أي أن الخوف من أعداء الأنبياء إنما هو على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح؛ لأنه ليس له علم يتسلح به فيخشى أن يجادله أحد من هؤلاء المشركين فتضيع حجته فيهلك، فلابد أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات ويفحم به الخصم؛ لأن المجادل يحتاج إلى أمرين: الأول: إثبات دليل قوله. الثاني: إبطال دليل خصمه. ولا سبيل إلى ذلك إلا بمعرفة ما هو عليه من الحق، وما ﵊ خصمه من الباطل ليتمكن من دحض حجته. (٢) ... من الله علينا بكتابه العزيز الذي) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) ﴿سورة فصلت، الآية: ٤٢﴾ وجعله تبايناً أي مبيناً لكل شيء يحتاجه الناس في معاشهم ومعادهم ثم إن تباين القرآن للأشياء ينقسم إلى قسمين: - الأول: أن يبين الشيء بعينه مثل قوله ﵎: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) ﴿سورة المائدة، الآية: ٣﴾ وقوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من

стр. 47

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرضعة وأمهات نسآئكم وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفوراً رحيماً * والمحصنت من النسآء إلا ما ملكت أيمناكم كتب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم) ﴿سورة النساء الآيتان: ٢٣، ٢٤﴾ . الثاني: أن يكون التباين بالإشارة إلى موضع البيان مثل قوله تعالى: (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة) ﴿سورة النساء الآية: ١١٣﴾ . فأشار الله تعالى إلى الحكمة التي هي السنة، فإنها تبين القرآن وكذلك قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ﴿سورة الأنبياء، الآية: ٧﴾ . فهذا يبين أننا نرجع في كل شيء إلى أهله الذين هم أهل الذكر به ولهذا يذكر أن بعض أهل العلم أتاه رجل من النصارى يريد الطعن في القرآن الكريم وكان في مطعم فقال له هذا النصراني: أين بيان كيف يصنع هذا الطعام؟ فدعا الرجل صاحب المطعم وقاله له: صف لنا كيف تصنع هذا الطعام؟ فوصفه، فقال: هكذا جاء في القرآن فتعجب النصراني وقال: كيف ذلك؟ فقال: إن الله يقول: (فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ﴿سورة الأنبياء، الآية: ١٢﴾ . فيبين لنا مفتاح العلم بالأشياء بأن نسأل أهل الذكر بها أي أهل العلم به، وهذا من بيان القرآن بلا شك فالإحالة على من يحصل بهم العلم هي فتح للعلم.

стр. 48

فلا يأتي صاحب باطل إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها، كما قال تعالى: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً) (١) ﴿سورة الفرقان، الآية ٣٣﴾ . قال بعض المفسرين هذه الآية عامة في كل حجة ياتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة، وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جواباً لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا (٢) . ــ (١) ... لا يأتي مبطل بحجة على باطله إلا وفي القرآن ما يبين هذه الحجة الباطلة، بل إن كل صاحب باطل أستدل لباطله بدليل صحيح من الكتاب والسنة فهذا الدليل يكون دليلاً ﵊ كما ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه درء تعارض النقل والعقل أنه ما من صاحب بدعة وباطل يحتج لباطله بشيء من الكتاب أو من السنة الصحيحة إلا كان ذلك الدليل دليلاً عليه وليس دليلاً له. (٢) ... قال المؤلف ﵀ مستدلاً على أن الرجل الموحد ستكون له حجة أبلغ وأبين من حجة غير الموحد مهما بلغ من الفصاحة والبيان كما قال تعالى: (ولا يأتونك بمثل إلى جئناك بالحق وأحسن تفسيراً (أي لا يأتونك بمثل يجادلونك به ويلبسون الحق بالباطل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً ولهذا تجد في القرآن كثيراً ما يجيب الله تعالى عن أسئلة هؤلاء المشركين وغيرهم ليبين- -للناس الحق وسيكون الحق بيناً لكل أحد. ولكن هاهنا أمر يجب التفطن له وهو: أنه لا ينبغي للإنسان أن

стр. 49

فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل، ومفصل، أما المجمل: -فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها وذلك قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تاويله إلا الله) (١) ﴿سورة آل عمران، الآية: ٧﴾ . ــ يدخل في مجادلة أحد إلا بعد أن يعرف حجته ويكون مستعداً لدحرها والجواب عنها، لأنه إذا دخل في غير معرفة صارت العاقبة عليه، إلا أن يشاء الله كما أن الإنسان لا يدخل في ميدان المعركة مع العدو إلا بسلاح وشجاعة، ثم ذكر المؤلف ﵀ أنه سيذكر في كتابه هذا كل حجة أتى بها المشركون ليحتجوا بها على شيخ الإسلام ﵀ ويكشف هذه الشبهات لأنها في الحقيقة ليست حججاً، ولكنها تشبيه وتلبيس. (١) ... بين رحمه الله تعالى أنه سيجيب على هذه الشبهات بجوابين: - أحدهما: -مجمل عام صالح لكل شبهة. الثاني: -مفصل، وهكذا ينبغي لأهل العلم في باب المناظرة والمجادلة أن يأتوا بجواب مجمل حتى يشمل ما يحتمل أن يورده الملبسون المشبهون ويأتي بجواب مفصل لكل مسألة بعينها قال الله تعالى: (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) ﴿سورة هود، الآية: ١﴾ فذكر في الجواب المجمل ﵀: أن هؤلاء الذين يتبعون المتشابه هم الذين في قلوبهم زيغ كما صح ذلك عن النبي ﷺ في يقوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات

стр. 50

وقد صح (١) عن رسول الله ﵊ أنه قال: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم". مثال ذلك: إذا قال لك بعض المشركين: (إلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ، ﴿سورة يونس، الآية: ٦٢﴾ . وأن الشفاعة حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلاماً للنبي ﷺ ، يستدل به على شيء من باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره، فجاوبه بقولك: إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه. ــ محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون. . .) ﴿سورة آل عمران، الآية: ٧﴾ ولهذا تجد أهل الزيغ والعياذ بالله يأتون بالآيات المتشابهات ليلبسوا بها على باطلهم فيقولون مثلاً قال الله تعالى كذا وقال في موضع آخر كذا؟ فكيف يكون، وهذا مثل ما حصل لنافع ابن الأزرق مع ابن عباس ﵄ في مناظرته التي ذكرها السيوطي في الإتقان وربما يكون غيره ذكرها وهي مفيدة. (١) ... قال الشيخ ﵀ وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه. فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" (١) أستدل المؤلف ﵀ بهذا الحديث على أن الرجل الذي يتبع المتشابه من القرآن أو من السنة وصار يلبس به على باطله فهؤلاء هم الذين سماهم الله ووصفهم بقوله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ) ﴿سورة آل عمران، الآية: ٧﴾ الآية ثم أمر النبي ﷺ بالحذر منهم

стр. 51

وما ذكرته لك من أن الله تعالى ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) ﴿سورة يونس، الآية: ١٨﴾ هذا أم رمحكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه (١) . ــ فقال أحذروهم من أن يضلوكم عن سبيل الله باتباع هذا المتشابه واحذروا طريقهم أيضاً فالتحذير هنا يشمل التحذير عن طريقهم والتحذير منهم أيضاً، ثم ضرب المؤلف لهم مثلاً بأن يقول لك المشرك أليس الله يقول: (إلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (أوليس للأولياء جاه عند الله ؟ أو ليست الشفاعة ثابتة القرآن والسنة؟ وما أشبه ذلك من هذه الأشياء فقل: نعم كل هذا حق ولكنه ليس فيه دليل على أن تشرك بهؤلاء الأولياء، أو بهؤلاء الرسل، أو بهؤلاء الذين عندهم شفاعة عند الله -ودعواك أن هذا يدل على ذلك دعوى باطلة لا يحتج بها إلا مبطل وما أنت إلا من الذين قال الله فيهم: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه (ولو أنك رددت هذا المتشابه إلى المحكم لعلمت أن هذا لا دليل لك فيه. (١) ... ذكر المؤلف ﵀ كيف نرد المتشابه إلى المحكم أن المشركين كانوا مقرون بتوحيد الربوبية ويؤمنون بذلك إيماناً لا شك فيه عندهم ولكنهم يعبدون الملائكة وغيرهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ومع هذا كانوا مشركين استباح النبي ﷺ دماءهم وأموالهم وهذا نص محكم لا اشتباه فيه دال على أن الله لا شريك له في ألوهيته وفي عبادته كما أنه لا شريك له في ربوبيته وملكه، وأن من

стр. 52

وما ذكرت لي أيها المشرك من القرآن أو كلام النبي ﷺ ، لا أعرف معناه، ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله (١) . ــ أشرك بالله في ألوهيته فهو مشرك وإن وحده في الربوبية. (١) ... قوله ﵀ "ما ذكرت أيها المشرك من كلام الله تعالى وكلام رسوله لا أعرف معناه، ولكني أعلم أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله" يريد بقوله: "لا أعرف معناه" أي لا أعرف معناه الذي أنت تدعيه، وإنني أنكره ولا اقر به، لأنني أعلم أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله، قال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه أختلافاً كثيراً) ﴿سورة النساء، الآية: ٨٢﴾ ، وقال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) ﴿سورة النحل، الآية: ٨٩﴾ ، وقال تعالى: (لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) ﴿سورة النحل، الآية: ٤٤﴾ وكلام الرسول ﷺ لا يخالف كلام الله، وكذلك كلام الله لا يناقض بعضه بعضاً، وقد أخبر أنه لا شريك له، وقال النبي ﷺ : "بين الإسلام على خمس: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. . . . " (١) إلى آخر الحديث، وهذا كله يؤيد بعضه بعضاً، ويدل على أن الله تعالى ليس له شريك في الألوهية كما أنه ليس له شريك في الربوبية.

стр. 53

وهذا جواب جيد سديد (١) ولكن لا يفهمه (٢) إلا من وفقه الله فلا تستهن به، فإنه كما قال تعالى: (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاه إلا ذو حظ عظيم) ﴿سورة فصلت، الآية: ٣٥﴾ . وأما الجواب المفصل (٣) فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس عنه، منها: قولهم نحن لا نشرك بالله بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً ﷺ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً عن عبد القادر أو غيره. ــ (١) ... قوله ﵀: "وهذا جواب جيد سديد" يعني قول الإنسان لخصمه أن كلام الله تعالى لا يتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله، وأن الواجب رد المتشابه إلى المحكم، فهذا أجاب بجواب سديد أي ساد لمحله لا يمكن لأحد أن يناقضه، أو يرد ﵊ ما ينقضه لأنه كلام محكم مبني على الدليلين: السمعي، والعقلي وما كان كذلك فإنه جواب لا يمكن لأي مبطل أن ينقضه. (٢) ... قوله: "ولكن لا يفهمه. . . . إلخ" (٣) والجواب الأول كان مجملاً يرد به الإنسان على كل شبهة، ثم هناك جواب مفصل أي مميز بعضه عن بعض بحيث تدفع به شبهة كل واحد بعينها.

стр. 54

ولكن أنا مذنب، والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله بهم، فجاوبه بما تقدم وهو: أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بما ذكرت، ومقرون بأن أوثانهم لا تدبر شيئاً، وإنما أرادوا الجاه والشفاعة (١) ، واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه ووضحه (٢) ــ فإذا قال لك المشرك: أنا لا أشرك بالله، بل أشهد انه لا يخلق، ولا يرزق، ولا ينفع، ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً ﷺ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً عمن دونه ﷺ ، كعبد القادر يعني ابن موسى الجيلاني-على خلاف في اسم أبيه-كان من كبار الزهاد في والمتصوفين ولد سنة ٤٧١ بجيلان وتوفي سنة ٥٦١ في بغداد وكان حنبلي المذهب، وهذا هو التوحيد، فهذه شبهة يلبس بها ولكنها شبهة داحضة لا تفيده شيئاً. (١) قوله "ولكن أنا مذنب. . . .إلخ" هذا بقية كلام المشبه، فأجبه بأن ما ذكرت هو ما كان ﵊ المشركون الذين قاتلهم النبي ﷺ واستباح دماءهم ونساءهم وأموالهم، ولم يغنهم هذا التوحيد شيئاً. (٢) ... قوله: "واقرأ عليه ما ذكر الله تعالى في كتابه ووضحه"، يريد بذلك أن تقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه من توحيد الألوهية فإنه جل وعلا أبدأ فيه وأعاد وكرر من أجل تثبيته في قلوب الناس وإقامة الحجة عليهم فقال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فأعبدون) ﴿سورة الأنبياء، الآية: ٢٥﴾ ، وقال تعالى: (وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون) ﴿سورة الذاريات، الآية: ٥٦﴾ وقال تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط

стр. 55

فإن قال: هؤلاء (١) الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟ أم كيف تجعلون الأنبياء أصناماً فجاوبه بما تقدم. فإنه إذا (٢) أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، ولكن أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكره. ــ لا إله إلا هو العزيز الحكيم) ﴿سورة آل عمران، الآية: ١٨﴾ وقال تعالى) وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) ﴿سورة البقرة، الآية ١٦٣﴾ ، وقال تعالى: (فإيي فاعبدون) ﴿سورة العنكبوت، الآية: ٥٦﴾ إلى غيرها من الآيات الكثيرة الدالة على وجوب توحيد الله في عبادته، وأن لا يعبد أحد سواه، فإذا إقتنع بذلك فهذا هو المطلوب وإن لم يقتنع فهو مكابر معاند يصدق عليه قول الله تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً فأنظر كيف كان عاقبة المفسدين) ﴿سورة النمل، الآية ١٤﴾ . (١) ... قوله:: "فإن قال: هؤلاء" يعني أهل الشرك هذه الآيات نزلت في المشركين الذين يعبدون الأصنام وهؤلاء الأولياء ليسوا بأصنام. فجاوبه بما تقدم أي بأن كل من عبد غير الله فقد جعل معبوده وثناً فأي فرق بين من عبد الأصنام وعبد الأنبياء والأولياء؟ إذ أن الجميع لا يغني شيئاً عن عابديه. (٢) ... يقول: "فإنه" أي هذا القائل يعلم أن المشركين قد أقروا بالربوبية، وأن الله هو رب كل شيء وخالقه ومالكه، ولكنهم عبدوا هذه الأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله زلفى، وتشفع لهم فقد أقر

стр. 56

فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم) أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب) ﴿سورة الإسراء، الآية: ٥٧﴾ . ويدعون عيسى بن مريم وامه وقد قال الله تعالى: (ما المسيح ابن مريم إلا رسولاً قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم أنظر أنى يؤفكون قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً والله هو السميع العليم) (١) ﴿سورة المائدة، الآيتان: ٧٦. ٧٥﴾ . ــ بأن مقصودهم كمقصوده ومع ذلك لم ينفعهم هذا الاعتقاد كما سبق. (١) قوله: "فأذكر له أن هؤلاء المشركين منهم من يدعو الأصنام لطلب الشفاعة كما أنت كذلك موافق لهم في المقصود، ومنهم من يعبد الأولياء كما أنت كذلك موافق لهم في المقصود والمعبود، ودليل أنهم يدعوا الأولياء قوله تعالى: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب (وكذلك يعبدون الأنبياء كعبادة النصارى المسيح ابن مريم، وكذلك يعبدون الملائكة كقوله تعالى) ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون) ﴿سورة سبأ، الآية: ٤٠﴾ الآية، فتبين بذلك الجواب عن تلبيسه بكون المشركين يعبدون الأصنام وهو يعبد الأولياء والصالحين من وجهين: الوجه الأول: أنه لا صحة لتلبيسه لأن من أولئك المشركين من يعبد الأولياء والصالحين. الوجه الثاني: لو قدرنا أن أولئك المشركين لا يعبدون إلا الأصنام فلا فرق بينه وبينهم لأن الكل عبد من لا يغني عنه شيئاً.

стр. 57

وأذكر له قوله تعالى: (ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون) (١) ﴿سورة سبأ الآيتان: ٤٠: ٤١﴾ وقوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس أتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي (٢) ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب) (١) ﴿سورة المائدة، الآية: ١١٦﴾ فقل له: (٣) أعرفت أن الله كفر من قصد الأصنام، وكفر أيضاً من قصد الصالحين وقاتلهم رسول الله ﷺ ؟ . ــ (١) ... قوله: "وأذكر له قوله تعالى: (ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة (" الآيتين، هذه معطوفة على قوله سابقاً: "فأذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام. . . إلخ". والمقصود من هذا أن يتبين له أن من الكفار من يعبد الملائكة وهم من خيار خلق الله وأوليائه فيبطل تلبيسه بأن الفرق بينه وبين الكفار أنه هو يدعو الصالحين والأولياء، والكفار يعبدون الأصنام من الأحجار ونحوها. (٢) قوله: "وقوله تعالى: (وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم ("الآية، أي وأذكر له قوله تعالى: (وإذ قال الله يا عيسى. . . . . (لتلقمه حجرا في أن الكفار كانوا يعبدون الأولياء والصالحين، فلا فرق بينه وبين أولئك الكفار. (٣) قوله: "فقل له. . . ألخ" أي قل ذلك مبيناً له أن الله كفر

стр. 58

فإن قال: (١) الكفار يريدون منهم وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر لا أريد إلا منه، والصلاحون ليس لهم من الأمر شيء ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم. فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواء وأقرأ ﵊ قوله تعالى: (والذين أتخذوا من دونه أوليا ءما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) ﴿سورة الزمر، الآية: ٣﴾ وقوله تعالى: (ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) ﴿سورة يونس، الآية: ١٨﴾ . ــ من عبد الصالحين، ومن عبد الأصنام والنبي ﷺ الله قاتلهم على هذا الشرك ولم ينفعهم أن كانا المعبودون من أولياء الله وأنبيائه. (١) قوله: "فإن قال" يعني هذا المشرك، الكفار يريدون منهم أي يريدون أن ينفعوهم أو يضروهم وأنا لا أريد إلا من الله، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، وأنا لا أعتقد فيهم ولكن أتقرب بهم إلى الله ليكونوا شفعاء. فقل له: وكذلك المشركون الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ، هم لا يعبدون هؤلاء الأصنام لاعتقادهم أنها تنفع وتضر ولكنهم يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى كما قال تعالى عنهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وقال: (ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله (فتكون حالة كحال هؤلاء المشركين سواء بسواء.

стр. 59

وأعلم: أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضحها لنا في كتابه وفهمتها فهماً جيداً فما بعدها أيسر منها (١) . ــ (١) ... قوله رحمه الله تعالى: وهذه الشبه الثلاث: - الشبهة الأولى: - قولهم: "إننا لا نعبد الأصنام إنما نعبد الأولياء". الشبهة الثانية: -قولهم: "أننا ما قصدناهم وإنما قصدنا الله -في العبادة". الشبهة الثالثة: -قولهم: "أننا ما عبدناهم لينفعونا أو يضرونا، فإن النفع والضرر بيد الله ، ولكن ليقربونا إلى الله زلفى، فنحن قصدنا شفاعتهم بذلك، يعني فنحن لا نشرك بالله ". فإذا تبين لك إنكشاف هذه الشبه فانكشاف ما بعدها من الشبه أهو وأيسر لأن هذه من أقوى الشبه التي يلبسون بها.

стр. 60

فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله، وهذا الإلتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة. فقل له: أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة لله (١) وهو حقه عليك، فإذا قال نعم فقل له: يبين لي هذا الذي فرض عليك وهو إخلاص العبادة لله وحده وهو حقه، عليك فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها. فبينها له بقولك قال الله تعالى: (أدعوا ربكم تضرعاً وخفية، إنه لا يحب المعتدين) ﴿سورة الأعراف، الآية: ٥٥﴾ فإذا أعلمته بهذا، فقل له: هل علمت هذا عبادة لله فلا بد أن يقول نعم، والدعاء مخ العبادة (٢) . ــ (١) إذا قال هذا المشبه أنا لست أعبدهم كما أعبد الله -والإلتجاء إليهم ودعاؤهم ليس بعبادة فهذه شبهة. وجوابها أن تقول: إن الله فرض عليك إخلاص العبادة له وحده. فإذا قال: نعم، فاسأله ما معنى إخلاص العباده له؟ فإما أن يعرف ذلك، وإما أن لا يعرف، فإن كان لا يعرف فبين له ذلك ليعلم أن دعاءه للصالحين وتعلقه بهم عبادة. (٢) ... قوله: "فبينها له" أي بين له أنواع العبادة فقل له: إن الله يقول: (أدعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين (والدعاء عبادة، وإذا كان عبادة فإن دعاء غير الله يكون إشراكاً بالله وعلى هذا فالذي يستحق أن يدعى ويعبد ويرجى هو الله وحده لا شريك له.

стр. 61

فقل له (١) إذا أقررت أنها عبادة، ودعوت الله ليلاً ونهاراً، خوفاً وطمعاً، ثم دعوت في تلك الحاجة نبياً أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلابد أن يقول: نعم، فقل له: إذا علمت بقول الله تعالى: (فصل لربك وأنحر (وأطعت الله ونحرت له، هل هذا عبادة؟ فلابد أن يقول: نعم. فقل له إذا نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما هل أشركت في هذه العبادة غير الله فلابد أن يقر ويقول: نعم وقل له أيضا (٢) : المشركون الذين نزل فيهم القرآن، هل كانوا ــ (١) ... قوله: "فقل له. . . . . إلخ"، يعني إذا بينت أن الدعاء عبادة وأقر به فقل له: ألست تدعو الله تعالى في حاجة ثم تدعو في تلك الحاجة نفسها نبياً أو غيره فهل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلابد أن يقول: نعم لأن هذا لازم لا محالة، هذا بالنسبة للدعاء. ثم إنتقل المؤلف -رحمه الله تعالى- إلى نوع آخر من العبادة وهو النحر قال:، فقل له: إذا علمت بقول الله تعالى: (فصل لربك وأنحر (وأطعت الله ونحرت له أهذا عبادة؟ فلابد أن يقول نعم فقد إعترف أن النحر لله تعالى عبادة وعلى هذا يكون صرفه لغير الله شركاً، قال المؤلف-﵀ مقرراً ذلك: " فقل له إذا نحرت لمخلوق. . . . إلخ" وهذا إلزام واضح لا محيد عنه. (٢) قوله: "وقل له أيضاً: المشركون. . . .إلخ" إنتقل المؤلف إلى إلزام آخر سبقت الإشارة إليه وهو أن يسأل هذا المشبه هل كان المشركون يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك فلابد أن

стр. 62

يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والإلتجاء ونحو ذلك، وغلا فهم مقرون أهم عبيده وتحت قهره، وأن الله، هو الذي يدبر الأمر، ولكن دعوهم والتجأوا إليهم للجاه والشفاعة، وهذا ظاهر جداً. فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله ﷺ وتبرأ منها؟ فقال: لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع المشفع وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله، كما قال الله تعالى: (قل لله الشفاعة جميعاً) (١) ﴿سورة الزمر، الآية: ٤٤﴾ . ــ يقول: نعم فيسأل مرة أخرى: هل كانت عبادتهم إلا في الدعاء والذبح والإلتجاء ونحو ذلك مع إقرارهم بأنهم عبيد الله وتحت قهره وأن الله هو الذي يدبر الأمر لكن دعوهم والتجؤوا إليهم للجاه والشفاعة كما سبق وهذا ما وقع فيه المشبه تماماً (١) قوله: "فإن قال" يعني إذا قال لك المشرك المشبه هل تنكر شفاعة النبي ﷺ وهو يقول هذا من أجل أن يلزمك بجواز دعاء النبي ﷺ عسى أن يشفع لك عند الله إذا دعوته، فقل له: لا أنكر هذه الشفاعة ولا أتبرأ منها، ولكني أقول إن الشفاعة لله ومرجعها كلها إليه وهو الذي يأذن فيها إذا شاء ولمن شاء لقول الله تعالى: (قل لله الشفاعة جميعاً له ملك السموات والأرض) ﴿سورة الزمر، الآية: ٤٤﴾ .

стр. 63

ولا تكون إلا من بعد إذن الله كما قال ) من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) ﴿سورة البقرة، الآية: ٢٥٥﴾ ولا يشفع في أحدٍ إلا من بعد أن يأذن الله فيه (١) كما قال ) ولا يشفعون إلا لمن إرتضى) ﴿سورة الأنبياء، الآية: ٢٨﴾ . وهو لا يرضى إلا التوحيد كما قال : (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه) ﴿سورة آل عمران، الآية ٨٥﴾ فإذا كانت الشفاعة كلها لله (٢) ، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد تبين لك أن الشفاعة كلها لله فأطلبها منه، فأقول اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه في، وأمثال هذا. ــ (١) قوله: "ولا تكون إلا بعد إذن الله. . . إلخ". بين ﵀ أن الشفاعة لا تكون إلا بشرطين: الشرط الأول: - أن يأذن الله بها لقوله تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه (. الشرط الثاني: أن يرضى الله عن الشافع والمشفوع له، لقوله تعالى: (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولاً) ﴿سورة طه، الآية: ١٠٩﴾ ، ولقول الله تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن إرتضى وهم من خشيته مشفقون) ﴿سورة الأنبياء الآية: ٢٨﴾ ومن المعلوم أن الله لا يرضى إلا بالتوحيد ولا يمكن أن يرضى الكفر لقوله تعالى: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم) ﴿سورة الزمر، الآية: ٧﴾ ، فإذا كان لا يرضى الكفر فإنه لا يأذن بالشفاعة للكافر. (٢) قوله: "فإذا كانت الشفاعة كلها لله. . . . . إلخ" أراد المؤلف -رحمه الله تعالى-

стр. 64

فإن قال (١) النبي ﷺ أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله؟ فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا فقال﴾ فلا تدعو مع الله أحداً) ﴿سورة الجن، الآية: ١٨﴾ فإذا كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك فأطعه في قوله: (فلا تدعو مع الله أحداً (وأيضاً فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ ، فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون،، والأفراط يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟ فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت: لا. بطل قولك "أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله". ــ أنه إذا كانت الشفاعة لله، ولا تكون إلا بإذنه، ولا تكون إلا لمن أرتضى ولا يرضى إلا التوحيد لمن من ذلك أن لا تطلب الشفاعة إلا من الله تعال لا من النبي ﷺ فيقول اللهم شفع في نبيك اللهم لا تحرمني من شفاعته وأمثال ذلك. (١) ... قوله: "فإن قال" أي المشرك الذي يدعو رسول الله ﷺ إن الله أعطى محمداً ﷺ الشفاعة فأنا أطلبها منه. فالجواب: من ثلاثة أوجه: الأول: أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك أن تشرك به في دعائه فقال: (فلا تدعو مع الله أحداً (. الثاني: أن الله أعطاه الشفاعة ولكنه ﷺ لا يشفع إلا لمن إرتضاه الله، ومن كان

стр. 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مشركاً فإن الله لا يرتضيه فلا يأذن أن يشفع له كما قال تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن إرتضى) ﴿سورة الأنبياء، الآية: ٢٨﴾ . الثالث: إن الله تعالى أعطى الشفاعة غير محمد ﷺ فالملائكة يشفعون، والأفراط يشفعون والأولياء يشفعون، فقل: له: هل تطلب الشفاعة من كل هؤلاء؟ فإن قال: لا فقد خصم وبطل قوله وإن قال: نعم. رجع إلى القول بعبادة الصالحين، ثم إن هذا المشرك المشبه ليس يريد من رسول الله ﷺ أن يشفع له، ولو كان يريد ذلك لقال " اللهم شفع في نبيك محمداً رسول الله ﷺ " ولكنه يدعو الرسول ﷺ مباشرة ودعاء غير الله شرك أكبر مخرج من الملة، فكيف يريد هذا الرجل الذي يدعو مع الله غيره أن يشفع له أحد عند الله ؟ . ... وقال المؤلف "إن الملائكة يشفعون، والأولياء" سنده حديث أبي سعيد الخدري رضي الله ... عنه عن النبي ﷺ الذي رواه مسلم مطولاً وفيه فيقول الله " شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون" (١) الحديث. ... وقوله " والأفراط يشفعون" الأفراط هم الذين ماتوا قبل البلوغ وسنده حديث أبي هريرة ﵁ عن الرسول ﷺ قال: "لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا من تحلة القسم" أخرجه البخاري وله عنه وعن أبي سعيد من حديث آخر "لم يبلغوا الحنث".

стр. 66

فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئاً حاشا وكلا، ولكن الألتجاء إلى الصالحين ليس بشرك. فقل له: إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وتقر أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي حرمه الله وذكر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يدري (١) . فقل له: كيف تبرئ نفسك (٢) من الشرك وأنت لا تعرفه؟ أم كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه، أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا؟ ــ (١) ... إذا قال هذا المشرك أنا لا أشرك بالله شيئاً والألتجاء إلى الصالحين ليس بشرك. فجوابه أن يقال له: ألست تقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وان الله لا يغفره فما هذا الشرك؟ فإنه سوف لا يدري ولا يجيب بالصواب مادام يعتقد أن طلب الشفاعة من رسول الله ﷺ الله عليه وسلم ليس بشرك فهو دليل على أنه لا يعرف الشرك الذي عظمه الله تعالى وقال فيه: (إن الشرك لظلم عظيم) ﴿سورة لقمان، الآية: ١٣﴾ . (٢) قوله: "فقل له كيف تبرئ نفسك. . . إلخ" يعني إذا برأ نفسه من الشرك بلجوئه إلى الصالحين فجوابه من وجهين: الأول: أن يقال كيف تبرئ نفسك من الشك وأنت لا تعرفه، وهل الحكم على الشيء إلا بعد تصوره فحكمك براءة نفسك من الشرك وأنت لا تعلمه حكم بلا علم فيكون مردوداً. الوجه الثاني: أن يقال لماذا؟ لا تسال عن الشرك الذي حرمه الله تعالى

стр. 67

فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام، فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق، وترزق، وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن (١) . وإن قال (٢) : هو من قصد خشية، أو حجراً، أو بنية على قبر أو غيره، يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع الله عنا ببركته أو يعطينا ببركته. فقل: صدقت وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها، فهذا اقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام فهو المطلوب. ــ أعظم من تحريم قتل النفس والزنا وأوجب لفاعله النار وحرم عليه الجنة أتظن أن الله حرمه على عباده ولم يبينه لهم حاشاه من ذلك. (١) يعني إذا قال لك المشرك المشبه: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام فأجبه بجوابين: يعتقد أنها تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها فإن زعم ذلك فقد كذب القرآن. (٢) قوله: "وإن قال. . . إلخ هذا مقابل قولنا " إن زعم ذلك فقد كذب القرآن" يعني إن قال عبادة الأصنام أن يقصد خشبة أو حجراً أو بنية على قبر أو غيره يدعون ذلك ن ويذبحون له، ويقولون إنه يقربنا إلى الله زلفى قلنا: صدقت وهذا هو فعلك سواء بسواء وعليه فتكون مشركاً بإقرارك على نفسك وهذا هو المطلوب.

стр. 68

ويقال له أيضاً: قولك الشرك عبادة الأصنام، هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا وأن الإعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في ذلك؟ فهذا يرده ما ذكر الله في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين (١) . فلا بد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحدًا من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب. وسر المسألة (٢) : أنه إذا قال أنا لا أشرك بالله. فقل له: وما الشرك بالله؟ فسره لي؟ فإن قال (٣) : هو عبادة الأصنام. ــ (١) قوله " ويقال له أيضاً قولك: الشرك عبادة الأصنام" إلى قوله " وهذا هو المطلوب" هذا هو الجواب الثاني أن يقال: هل أشرك في عبادة الله أحداً من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب. (٢) قوله: "وسر المسألة" يعني لبها أنه إذا قال أنا لا أشرك بالله فاسأله ما معنى الشرك؟ فإن قال: هو عبادة الأصنام، فاسأله ما معنى عبادة الأصنام؟ ثم جادله على ما سبق بيانه. (٣) قوله: "فإن قال. . . إلخ" يعني إذا أدعى هذا المشرك أنه لا يعبد إلا الله وحده فاسأله: ما معنى عبادة الله وحده؟ وحينئذ لا يخلو من ثلاث حالات: الأولى: أن يفسرها بما دل عليه القرآن فهذا هو المطلوب والمقبول، وبه يتبين أنه لم يحقق عبادة الله وحده حيث أشرك به.

стр. 69

فقل: وما معنى عبادة الأصنام؟ فسرها لي (١) . فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله فقل: ما معنى عبادة الله فسرها لي؟ فإن فسرها بما بينه القرآن فهو المطلوب، وإن لم يعرفه فكيف يدعي شيئاً وهو لا يعرفه؟ وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان وأنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه. وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون علينا ويصيحون فيه كما صاح إخوانهم حيث قالوا: (أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب) ﴿سورة ص، الآية: ٥﴾ . ــ الثانية: أن لا يعرف معناها، فيقال: كيف تدعي شيئاً وأنت لا تعرفه؟ أم كيف تحكم به لنفسك والحكم على الشيء فرع عن تصوره؟ . الثالثة: أن يفسر عبادة الله بغير معناها، وحينئذ يبين له خطوه ببيان المعنى الشرعي للشرك وعبادة الأوثان وأنه الذي يفعلونه بعينه ويدعون أنهم موحدون غير مشركين. (١) يعني ويبين له أيضاً أن عبادة الله وحده هي التي ينكرونها علينا ويصرخون بها علينا كما فعل ذلك أسلافهم حين قالوا للرسول ﷺ أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب وانطلق الملأ منهم أن أمشوا وأصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء عجاب وأنطلق الملأ يراد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق) ﴿سورة ص، الآيات ٧٠٥﴾ .

стр. 70

فإذا عرفت (١) أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا "كبير الإعتقاد" هو الشرك الذي نزل فيه القرآن، وقاتل رسول الله ﷺ الناس عليه، فأعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما الشدة فيخلصون لله الدعاء كما قال تعالى: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفوراً) ﴿سورة الإسراء، الآية: ٦٧﴾ . ــ (١) قوله: "إذا عرفت" يعني علمت معنى العبادة وأن ما عليه أولئك المشركون في زمنه هو ما كان المشركون عليه في عهد النبي ﷺ عرفت أن شرك هؤلاء أعظم من شرك الذين قاتلهم النبي ﷺ من وجهين: - الوجه الأول: -أن شرك هؤلاء يشركون بالله في الشدة والرخاء، وأما أولئك المشركون الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ فإنما يشركون في الرخاء ويخلصون في حال الشدة، كما قال تعالى: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه. . . . (الآية فكانوا إذا ركبوا في الفلك دعوا لله مخلصين له الدين لا يدعون غيره ولا يسألون سواه، ثم إذا أنجاهم إلى البر إذا هم يشركون، أو فريق منهم بربهم يشركون، فهذا هو وجه".

стр. 71

وقوله: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله وأتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين، بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إلهي إن شاء وتنسون ما تشركون) (١) ﴿سورة الأنعام، الآيتان: ٤١. ٤٠﴾ . وقوله تعالى: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه) إلى قوله: (تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار) (٢) ﴿سورة الزمر، الآية: ٨﴾ وقوله تعالى: (وإذا غشيهم موج كالظل دعوا الله مخلصين له الدين) (٣) ﴿سورة لقمان، الآية: ٢٢﴾ . ــ (١) كما قال تعالى: (بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون) فهم في هذه الحال ينسون ما يشركون، ولا يدعون سوى الله . (٢) وهذه أيضاً كالآيتين اللتين قبلها، تدل على أن الإنسان إذا مسه الضر دعا ربه مبيناً إليه، ولكنه إذا خوله نعمة منه نسى ما كان إليه من قبل، وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله. . فيشرك في حال الرخاء ويخلص في حال الشدة. (٣) هذه أيضاً كالآيات السابقة تدل على أن هؤلاء المشركين إنما يشركون بالله في حال الرخاء، أما في حال الشدة فيلجأون لله وحده.

стр. 72

فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الله ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الضراء والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له وينسون سادتهم (١) . تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة هذه المسألة فهما راسخاً، والله المستعان (٢) . ــ (١) يبين ﵀ أن المشركين في زمانه أشد شركاً من مشركي زمان رسول الله ﷺ ، لأن مشركي زمانه يدعون غير الله في الرخاء وفي الشدة وأما المشركون في عهد الرسول ﷺ ، فإنهم يدعون الله ويدعون غيره في حال الرخاء، وأما في حال الشدة فلا يدعون إلا الله ، وهذا يدل على أن شرك المشركين في زمانه ﵀ أعظم من شرك المشركين في عهد رسول الله ﷺ . (٢) قوله: "تبين له الفرق. . . إلخ" هذا جواب قوله: "فمن فهم هذه المسألة. . . إلخ" أي تبين له الفرق، بين له الفرق، بين مشركي زمانه ﵀ والمشركين في عهد الرسول ﷺ ، وأن شرك الأولين أخف من شرك أهل زمانه، ولكن أين من يفهم قلبه ذلك، أكثر الناس في غفلة عن هذا وأكثر الناس يلبس عليهم الحق بالباطل فيظنون الباطل حقاً كما يظنون الحق باطلاً.

стр. 73

الأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناساً مقربين عند الله إما أنبياء، وإما أولياء وإما ملائكة، أو يدعون أشجاراً، أو أحجاراً مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسا ًمن أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك (١) . ــ (١) قوله: "الأمر الثاني" أي في بيان أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زمانه ﵀ أن المشركين في عهد الرسول ﷺ ، يدعون أناساً مقربين من أولياء الله أو يدعون أحجاراً أو أشجاراً مطيعة لله ذليلة له، أما هؤلاء أعني المشركين في زمانه فإنهم يدعون من يحكون عنهم الفجور والزنا والسرقة وغير ذلك من معاصي الله ومعلوم أن من يعتقد في الصالح، أو الجهاد الذي لا يعصي الله تعالى أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه ويشهد به وهذا ظاهر.

стр. 74

والذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به. إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ ، أصح عقولاً، وأخف شركاً من هؤلاء، فأعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا وهي من أعظم شبههم، فأصغ سمعك لجوابها وهي: أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذبون الرسول ﷺ ، وينكرون البعث ويكذبون القرآن ويجعلونه سحراً، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟ (١) . ــ (١) في هذه الجملة يبين ﵀ الله شبهة من أعظم شبههم ويجيب عنها فيقول: إذا تحققت أن المشركين في عهده ﵊ أصح عقولاً وأخف شركاً من هؤلاء فأعلم أنهم يوردون شبهة حيث يقولون إن المشركين في عهد الرسول ﷺ ، لا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان فكيف تجعلوننا مثلهم، وهذه شبهة عظيمة.

стр. 75

فالجواب: -أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله ﷺ ، في شيء وكذبه في شيء، أنه كافر لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن بعضه كمن أقر بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاء، أو أقر بهذا كله وجحد الصوم، أو أقر بهذا كله وجحد الحج، ولما لم ينقذ أناس في زمن النبي ﷺ ، للحج أنزل الله في حقهم) ولله على الناس حج البيت من أستطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) (١) ﴿سورة آل عمران، الآية: ٩٧﴾ . ــ (١) يقول ﵀: إنهم إذا قالوا هذا، يعني أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. . . إلخ، يعني فكيف يكونون كفاراً؟ . وجوابه أن يقال: إن العلماء أجمعوا على أن من كفر ببعض ما جاء به الرسول ﷺ وكذب به، فهو كمن كذب بالجميع وكفر به ومن كفر بنبي من الأنبياء فهو كمن كفر بجميع الأنبياء لقول الله تعالى) إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً أولئك هم الكافرون حقاً) ﴿سورة النساء الآيتان: ١٥٠، ١٥١﴾ وقوله تعالى في بني إسرائيل) أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) ﴿سورة البقرة، الآية ٨٥﴾ .
следующие страницы →