← Акыда

Акыда · id 9923

شرح كشف الشبهات ويليه شرح الأصول الستة

ابن عثيمين

Полный текст (140 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقوله: (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله وأتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين، بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إلهي إن شاء وتنسون ما تشركون) (١) ﴿سورة الأنعام، الآيتان: ٤١. ٤٠﴾ . وقوله تعالى: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه) إلى قوله: (تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار) (٢) ﴿سورة الزمر، الآية: ٨﴾ وقوله تعالى: (وإذا غشيهم موج كالظل دعوا الله مخلصين له الدين) (٣) ﴿سورة لقمان، الآية: ٢٢﴾ . ــ (١) كما قال تعالى: (بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون) فهم في هذه الحال ينسون ما يشركون، ولا يدعون سوى الله . (٢) وهذه أيضاً كالآيتين اللتين قبلها، تدل على أن الإنسان إذا مسه الضر دعا ربه مبيناً إليه، ولكنه إذا خوله نعمة منه نسى ما كان إليه من قبل، وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله. . فيشرك في حال الرخاء ويخلص في حال الشدة. (٣) هذه أيضاً كالآيات السابقة تدل على أن هؤلاء المشركين إنما يشركون بالله في حال الرخاء، أما في حال الشدة فيلجأون لله وحده.

стр. 72

فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الله ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الضراء والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له وينسون سادتهم (١) . تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة هذه المسألة فهما راسخاً، والله المستعان (٢) . ــ (١) يبين ﵀ أن المشركين في زمانه أشد شركاً من مشركي زمان رسول الله ﷺ ، لأن مشركي زمانه يدعون غير الله في الرخاء وفي الشدة وأما المشركون في عهد الرسول ﷺ ، فإنهم يدعون الله ويدعون غيره في حال الرخاء، وأما في حال الشدة فلا يدعون إلا الله ، وهذا يدل على أن شرك المشركين في زمانه ﵀ أعظم من شرك المشركين في عهد رسول الله ﷺ . (٢) قوله: "تبين له الفرق. . . إلخ" هذا جواب قوله: "فمن فهم هذه المسألة. . . إلخ" أي تبين له الفرق، بين له الفرق، بين مشركي زمانه ﵀ والمشركين في عهد الرسول ﷺ ، وأن شرك الأولين أخف من شرك أهل زمانه، ولكن أين من يفهم قلبه ذلك، أكثر الناس في غفلة عن هذا وأكثر الناس يلبس عليهم الحق بالباطل فيظنون الباطل حقاً كما يظنون الحق باطلاً.

стр. 73

الأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناساً مقربين عند الله إما أنبياء، وإما أولياء وإما ملائكة، أو يدعون أشجاراً، أو أحجاراً مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسا ًمن أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك (١) . ــ (١) قوله: "الأمر الثاني" أي في بيان أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زمانه ﵀ أن المشركين في عهد الرسول ﷺ ، يدعون أناساً مقربين من أولياء الله أو يدعون أحجاراً أو أشجاراً مطيعة لله ذليلة له، أما هؤلاء أعني المشركين في زمانه فإنهم يدعون من يحكون عنهم الفجور والزنا والسرقة وغير ذلك من معاصي الله ومعلوم أن من يعتقد في الصالح، أو الجهاد الذي لا يعصي الله تعالى أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه ويشهد به وهذا ظاهر.

стр. 74

والذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به. إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ ، أصح عقولاً، وأخف شركاً من هؤلاء، فأعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا وهي من أعظم شبههم، فأصغ سمعك لجوابها وهي: أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذبون الرسول ﷺ ، وينكرون البعث ويكذبون القرآن ويجعلونه سحراً، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟ (١) . ــ (١) في هذه الجملة يبين ﵀ الله شبهة من أعظم شبههم ويجيب عنها فيقول: إذا تحققت أن المشركين في عهده ﵊ أصح عقولاً وأخف شركاً من هؤلاء فأعلم أنهم يوردون شبهة حيث يقولون إن المشركين في عهد الرسول ﷺ ، لا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان فكيف تجعلوننا مثلهم، وهذه شبهة عظيمة.

стр. 75

فالجواب: -أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله ﷺ ، في شيء وكذبه في شيء، أنه كافر لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن بعضه كمن أقر بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاء، أو أقر بهذا كله وجحد الصوم، أو أقر بهذا كله وجحد الحج، ولما لم ينقذ أناس في زمن النبي ﷺ ، للحج أنزل الله في حقهم) ولله على الناس حج البيت من أستطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) (١) ﴿سورة آل عمران، الآية: ٩٧﴾ . ــ (١) يقول ﵀: إنهم إذا قالوا هذا، يعني أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. . . إلخ، يعني فكيف يكونون كفاراً؟ . وجوابه أن يقال: إن العلماء أجمعوا على أن من كفر ببعض ما جاء به الرسول ﷺ وكذب به، فهو كمن كذب بالجميع وكفر به ومن كفر بنبي من الأنبياء فهو كمن كفر بجميع الأنبياء لقول الله تعالى) إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً أولئك هم الكافرون حقاً) ﴿سورة النساء الآيتان: ١٥٠، ١٥١﴾ وقوله تعالى في بني إسرائيل) أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) ﴿سورة البقرة، الآية ٨٥﴾ .

стр. 76

ومن أقر بهذا كله (١) وجحد البعث كفر بالإجماع، وحل دمه وماله، ــ ثم ضرب المؤلف لذلك أمثلة: المثال الأول: الصلاة فمن أقر بالتوحيد وأنكر وجوب الصلاة فهو كافر. قوله: "أو أقر بالتوحيد. . . .إلخ" هذا هو المثال الثاني وهو من أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة فإنه يكون كافراً. المثال الثالث: من أقر بوجوب ما سبق وجحد وجوب الصوم فإنه يكون كافراً. المثال الرابع: من أقر بذلك كله وجحد وجوب الحج فإنه كافر، واستدل المؤلف على ذلك بقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من أستطاع إليه سبيلا ومن كفر-يعني من كفر بكون الحج واجباً أو جبه الله على عباده-فإن الله غني عن العالمين) ﴿سورة آل عمران، الآية: ٩٧﴾ . قول المؤلف ﵀ "ولما لم ينقد. . . إلخ" ظاهره أن للآية سبب نزول هو هذا ولم أعلم لما ذكره الشيخ دليلاً. (١) قوله: "ومن أقر بهذا كله" أي بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، ووجوب الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، لكنه كذب بالبعث فإنه كافر بالله لقول الله تعالى: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير) ﴿سورة التغابن، الآية: ٧﴾ وقد حكى المؤلف ﵀ الإجماع على ذلك.

стр. 77

كما قال تعالى: (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً أولئك هم الكافرون حقاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً) (١) ﴿سورة النساء، الآيتان: ١٥٠، ١٥١﴾ . فإذا كان الله قد صرح في كتابه: أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقاً زالت هذه الشبهة، وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الإحساء في كتابه الذي أرسله إلينا (٢) . ويقال أيضاً (٣) إذا كنت تقر أن من صدق الرسول ﷺ في كل شيء وجحد وجوب الصلاة أنه كافر حلال الدم والمال بالإجماع، وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان وصدق بذلك كله لا تختلف المذاهب فيه، وقد نطق به القرآن كما قدمنا. ــ (١) قوله كما قال تعالى: (إن الذين يكفرون بالله ورسله (الآية، سبق الكلام على هذه الآية وقد ساقها المؤلف مستدلاً بها على أن الإيمان ببعض الحق دون بعض كفر بالجميع كما قرره بقوله. (٢) لا أعلم عن هذا الكتاب شيئاً فليبحث عنه. (٣) قوله: " ويقال أيضاً إذا كنت تقر أن من صدق الرسول. . . . إلخ" هذا جواب ثان فإن مضمونه أنك إذا عرفت وأقررت بأن من جحد الصلاة

стр. 78

فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﷺ وهو أعظم من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج فكيف إذا جحد الإنسان شيئاً من هذه الأمور كفر ولو عمل بكل ما جاء به الرسول ﷺ ؟ وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟ سبحان الله، ما أعجب هذا الجهل ــ والزكاة والصيام والحج والبعث كافر بالله العظيم، ولو أقر بكل ما جاء به الرسول ﷺ سوى ذلك فكيف تنكر أن يكون من جحد التوحيد وأشرك بالله تعالى كافراً؟ إن هذا لشيء عجيب، أن تجعل من جحد التوحيد مسلماً، ومن جحد وجوب هذه الأشياء كافراً، مع أن التوحيد هو أعظم ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام وهو أعم ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام وهو أعم ما جاءت به الرسل، فجميع الرسل قد أرسلت به، كما قال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فأعبدون) ﴿سورة الأنبياء، الآية: ٢٥﴾ وهو أصل هذه الواجبات التي يكفر من أنكر وجوبها إذ لا تصح إلا به كما قال الله تعالى: (ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) ، ﴿سورة الزمر، الآية: ٦٥﴾ . فإذا كان من أنكر وجوب الصلاة، أو الزكاة، أو الصوم، أو الحج، أو أنكر البعث كافراً، فمنكر التوحيد أشد كفراً وأبين وأظهر.

стр. 79

ويقال أيضاً: (١) هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي ﷺ الله عليه وسلم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ويؤذنون ويصلون. فإن قال إنهم يقولون: إن مسيلمة نبي. فقل: هذا هو المطلوب إذا كان من رفع رجلاً إلى رتبة النبي ﷺ كفر وحل ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف أو صحابياً أو نبياً إلى مرتبة جبار السموات والأرض؟ سبحان الله، ما أعظم شأنه) كذلك يطيع الله على قلوب الذين لا يعلمون) ﴿سورة الروم، الآية ٥٩﴾ ــ (١) قوله: "ويقال أيضاً هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ . . . . إلخ" هذا جواب ثالث ومضمونه أن الصحابة ﵃ قاتلوا مسيلمة وأصحابه (١) ، واستحلوا دماءهم وأموالهم مع أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ويؤذنون، ويصلون وهم إنما رفعوا رجلاً إلى مرتبة جبار السموات والأرض أفلا يكون أحق بالكفر ممن رفع مخلوقاً إلى منزلة مخلوق آخر؟ وهذا أمر واضح، ولكن كما قال الله تعالى: (كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون) ﴿سورة الروم، الآية: ٥٩﴾ .

стр. 80

ويقال أيضاً (١) الذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار كلهم يدعون الإسلام وهم من أصحاب علي ﵁ وتعلموا العلم من الصحابة ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وامثالهما، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ أم تظنون أن الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر والاعتقاد في علي بن أبي طالب ﵁ يكفر؟ ويقال أيضاً: بنو عبيد القداح (٢) الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويدعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى أستنفذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين. ــ (١) قوله: "ويقال أيضاً إن الذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار (١) . . . إلخ"، هذا جواب رابع فقد كان هؤلاء يدعون الإسلام، وتعلموا من الصحابة ومع ذلك لم يمنعهم هذا من الحكم بكفرهم، وتحريقهم بالنار لأنهم قالوا في علي ابن أبي طالب إنه إله، مثل ما يدعي هؤلاء بمن يؤلهونهم، كشمسان وغيره. فكيف أجمع الصحابة ﵃ على قتل هؤلاء، أتظنون أن الصحابة ﵃ يجمعون على قتل من لا يحل قتله، وتكفير من ليس بكافر؟! ذلك لا يمكن أم تظنون أن الاعتقاد في علي بن أبي طالب يضر. (٢) ... قوله: "ويقال أيضاً بنو عبيد القداح. . . إلخ" هذا جواب خامس وهو إجماع العلماء على كفر بني عبيد القداح الذين ملكوا مصر والمغرب وكانوا

стр. 81

ويقال أيضاً (١) إذا كان الأولون لم يكفروا إلا أنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول والقرآن، وإنكار البعث وغير ذلك فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب: (باب حكم المرتد) وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعاً كثيرة كل نوع منها يكفر ويحل دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب. ــ يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ويصلون الجمعة والجماعات ويدعون أنهم مسلمين، ولكن ذلك لم يمنعهم من حكم المسلمين عليهم بالردة حين أظهروا مخالفة المسلمين في أشياء دون التوحيد حتى قاتلوهم وأستنفذوا ما بأيديهم. (١) ... قوله: "ويقال أيضاً إذا كان الأؤلون لم يكفروا إلا أنهم. . . إلخ" هذا جواب سادس مضمونه أنه إذا كان الأؤلون لم يكفروا إلا حين جمعوا جميع أنواع الكفر من الشرك والتكذيب والاستكبار فما معنى ذكر أنواع من الكفر في (باب حكم المرتد) كل نوع منها يكفر حتى ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب، فلولا أن الكفر يحصل بفعل نوع منه وإن كان الفاعل مستقيماً في جانب آخر لم يكن لذكر الأنواع فائدة. يقول رحمه الله تعالى: ومما يدفع شبه هؤلاء، هم الفقهاء في كل مذهب ذكروا في كتبهم (باب حكم المرتد وذكروا أنواعاً كثيرة، حتى ذكروا الكلمة يذكرها الإنسان بلسانه ولا يعتقدها بقلبه، أو يذكرها الإنسان بلسانه ولا يعتقدها بقلبه، أو يذكرها على سبيل المزح، ومع ذلك كفروهم وأخرجوهم من الإسلام بها وسيأتي لذلك مزيد بيان وإيضاح.

стр. 82

ويقال أيضاً: الذين قال الله فيهم (١)) يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة كفر وكفروا بعد إسلامهم) ﴿سورة التوبة الآية: ٧٤﴾ أما سمعت الله كفرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله ﷺ ويجاهدون معه ويصلون، ويزكون، ويحجون، ويوحدون، وكذلك الذين قال الله فيهم: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن ولا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) ــ (١) قوله: "ويقال أيضاً الذين قال الله فيهم) يحلفون بالله ما قالوا (. . . إلخ" هذا جواب سابع مضمونه واقعتان: الأولى: أن الله تعالى حكم بكفر المنافقين الذين قالوا كلمة الكفر مع أنهم كانوا مع النبي ﷺ يصلون ويزكون ويحجون ويجاهدون ويوحدون. الثانية: أنه حكم بكفر المنافقين الذين أستهزؤا بالله وآياته ورسوله وقالوا "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء" (١) يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء فأنزل الله فيهم) ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن ولا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم (. فحكم بكفرهم بعد إيمانهم مع أنهم ذكروا أنهم كانوا

стр. 83

ومن الدليل على ذلك (١) أيضاً ما حكى الله عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: (أجعل لنا آلهاً كما لهم إلهة) ﴿سورة الأعراف، الآية: ١٣٨﴾ وقول أناس من الصحابة: "أجعل لنا ذات أنواط" فحلف النبي ﷺ ، أن هذا نظير قول بني إسرائيل أجعل لنا إلهاً. ولكن المشركين شبهة يدلون عند هذه القصة وهي أنهم يقولون: إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين قالوا للنبي ﷺ أجعل لنا ذات أنواط لم يكفروا. فالجواب: أن نقول إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ ، لم يفعلوا ذلك، ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا وهذا هو المطلوب. ــ يستهزؤن ولم يقولوا ذلك على سبيل الجد وكانوا يصلون ويتصدقون، ثم ذكر المؤلف ﵀ أن الجواب على هذه الشبهة من أنفع ما في هذه الأوراق. (١) قوله: "ومن الدليل على ذلك" أي على أن الإنسان قد يقول أو يفعل ما هو كفر من حيث لا يشعر قول بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم لموسى ﵊:

стр. 84

ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها فتفيد التعلم والتحرز ومعرفة أن قول الجاهل (التوحيد فهمناه) أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان (١) . ــ (أجعل لنا آلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون) ﴿سورة الأعراف، الآية: ١٣٨﴾ لتركبن سنن من كان قبلكم" (١) وهذا يدل على أن موسى ومحمداً عليهما الصلاة والسلام قد أنكرا ذلك غاية الإنكار وهذا هو المطلوب، فإن هذين النبيين الكريمين لم يقرا أقوامهما على هذا الطلب الذي طلبوه بل أنكراه. وقد شبه بعض المشركين في هذا الدليل فقال: إن الصحابة وبني إسرائيل لم يفعلوا ذلك حين لقوا من الرسولين الكريمين إنكار ذلك. (١) هذا شروع في بيان ما تفيده هذه القصة أعني قصة الأنواط وبني إسرائيل من الفوائد: الفائدة الأولى: أن الإنسان وإن كان عالماً قد يخفى عليه بعض أنواع الشرك، وهذا يوجب على الإنسان أن يتعلم ويعرف حتى لا يقع في الشرك وهو لا يدري، وأنه إذا قال أنا أعرف الشرك وهو لا يعرف كان ذلك من أخطر ما يكون على العبد، لأن هذا جهل مركب شر من الجهل البسيط، لأن الجاهل جهلاً مركباً فإنه يظن نفسه عالما وهو جاهل فيستمر فيما هو عليه من العمل المخالف للشريعة.

стр. 85

وتفيد أيضاً أن المسلم المجتهد (١) إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي ﷺ . وتفيد أنه لو لم يكفر (٢) فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظاً شديداً كما فعل رسول الله ﷺ . وللمشركين شبهة أخرى (٣) يقولون: إن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال " لا إله إلا الله"، وكذلك قوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا وأحاديث أخرى في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر، ولا يقتل ولو فعل ما فعل. ــ (١) قوله: "وتفيد أيضاً أنه لو لم يكفر. . . إلخ" هذه هي الفائدة الثانية، أن المسلم إذا قال ما يقتضي الكفر جاهلاً بذلك ثم نبه فأنتبه وتاب في الحال فإن ذلك لا يضره لأنه معذور بجهله ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أما لو إستمر على ما علمه من الكفر فإنه يحكم بما تقتضيه حاله. (٢) قوله: "وتفيد أيضاً لو لم يكفر. . . إلخ" هذه هي الفائدة الثالثة، أن الإنسان وإن كان لا يدري عن الشيء إذا طلب ما يكون به الكفر فإنه يغلظ عليه تغليظاً شديداً؛ لأن النبي ﷺ قال لأصحابه "الله أكبر إنها السنن لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة" وهذا إنكار ظاهر. (٣) قوله: "وللمشركين شبهة أخرى. . . إلخ" يعني للمشركين المشبهين شبهة أخرى مع ما سبق من الشبهات وهي: أن النبي صلى الله عليه

стр. 86

فيقال لهؤلاء المشركين الجهال: معلوم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون: لا إله إلا الله، وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون ويدعون الإسلام، وكذلك الذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار (١) . ــ وسلم أنكر على أسامة بن زيد ﵁ قتل الرجل بعد أن قال لا إله إلا الله فقال: "أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله" وما زال يكررها ﵊ على أسامة حتى قال أسامة: "تمنيت أني لم أكن أسلمت بعد" (١) وكذلك قوله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" (٢) وأمثال ذلك من الأحاديث التي يستدلون بها على أن من قال: "لا إله إلا الله" لا يكفر ولا يقتل وإن على الشرك من جهة أخرى، وهذا من الجهل العظيم، فليس قول "لا إله إلا الله" منجياً من عذاب النار ومخلصاً للإنسان من الشرك إذا كان يشرك من جهة أخرى. (١) قوله: "فيقال لهؤلاء المشركين الجهال. . . . إلخ" هذا جواب الشبهة التي أوردها هؤلاء الجهال فيما سبق وجوابها بما يلي: أولاً: أن النبي ﷺ قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون لا إله إلا الله. ثانياً: أن الصحابة قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله. وأن محمد رسول الله ويصلون ويدعون أنهم مسلمون. ثالثأ: أن الذين حرقهم علي بن أبي طالب كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله.

стр. 87

وهؤلاء الجهلة مقرون أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال لا إله إلا الله. وأن من جحد شيئاً من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها، فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعاً من الفروع، وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أصل دين الرسل ورأسه؟ (١) . ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث: فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلاً إدعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما أدعى. الإسلام إلا خوفاً على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك، وأنزل الله تعالى في ذلك) يا أيها الذين أمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) ﴿سورة النساء، الآية: ٩٤﴾ أي فتثبتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله تعالى: (فتبينوا (ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبيت معنى (٢) . ــ (١) قوله: "وهؤلاء الجهلة مقرون أن من أنكر البعث. . . . إلخ" هذا إلزام لهؤلاء الجهال واحتجاج عليهم بمثل ما قالوا به، فقد قالوا إن من أنكر البعث فإنه يقتل كافراً، ويقولون من جحد وجوب شيء من أركان الإسلام، فإنه يحكم بكفره ويقتل وإن قال لا إله إلا الله، فكيف لا يكفر ولا يقتل من يجحد التوحيد هو أساس الدين وإن قال لا إله إلا الله؟! أفلا يكون هذا أحق بالتكفير ممن جحد وجوب الصلاة، أو وجوب الزكاة؟! ، وهذا إلزام صحيح لا محيد عنه. (٢) قوله: "ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث. . . . إلخ" يعني الأحاديث التي شبهوا بها ثم أخذ ﵀ يبين معناها فقال:

стр. 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فأما حديث أسامة، يعني الحديث الذي قتل فيه أسامة ﵁ من قال لا إله إلا الله حين لحقه أسامة ليقتله وكان مشركاً، فقال: "لا إله إلا الله"، فقتله أسامة لظنه أنه لم يكن مخلصاً في قوله وإنما قاله تخلصاً فليس فيه دليل على أن كل من قال "لا إله إلا الله" فهو مسلم ومعصوم الدم، ولكن فيه دليل على أنه يجب الكف عمن قال "لا إله إلا الله"، ثم بعد ذلك ينظر في حاله حتى يتبين وأستدل المؤلف لذلك بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) ﴿سورة النساء، الآية: ٩٤﴾ . الآية، فأمر الله ﵎ بالتبين أي التثبت وهذا يدل على أنه إذا تبين أن الأمر كان خلاف ما كان عليه فإنه يجب أن يعامل بما يتبين من حاله، فإذا بان منه ما يخالف الإسلام قتل ولو كان لا يقتل مطلقاً إذا قالها لم يكن فائدة للأمر بالتثبت. وعلى كل حال فإن حديث أسامة ﵁ ليس فيه دليل على أن من قال "لا إله إلا الله" وهو مشرك يعبد الأصنام والملائكة والجن وغير ذلك يكون مسلماً.

стр. 89

وكذلك الحديث الآخر وأمثاله معناه ما ذكرناه أن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين ما يناقض ذلك والدليل على هذا أن رسول الله ﷺ ، قال: "أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله" وقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" هو الذي قال في الخوارج "أينما لقيتموهم فأقتلوهم لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عادٍ" مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلاً وتسبيحاً، حتى أن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم لا إله إلا الله، ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة (١) . ــ (١) قوله: "وكذلك الحديث الآخر وأمثاله" يريد بالحديث الآخر قوله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس. . . إلخ" فبين رحمه الله تعالى أن معنى الحديث أن من أظهر الإسلام. وجب الكف عنه حتى يتبين أمره، لقوله تعالى: (فتبينوا (لأن الأمر بالتبين يحتاج إليه إذا كنا في شك من ذلك، أما لو كان قوله "لا إله إلا الله" بمجرده عاصماً من القتل فإنه لا حاجة إلى التبين، ثم استدل المؤلف ﵀ لما ذهب إليه بأن الذي قال لأسامة "أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله" (١) وقال " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. . . " (٢) هو الذي أمر بقتال الخوارج وقال "إينما لقيتموهم فاقتلوهم" (٣) مع أن الخوارج يصلون ويذكرون الله ويقرؤون القرآن، وهم قد تعلموا من الصحابة ﵃ ومع ذلك لم ينفعهم ذلك شيئاً؛ لأن الإيمان لم يصل إلى قلوبهم كما قال النبي ﷺ "إنه لا يجاوز حناجرهم" (٤)

стр. 90

وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود، وقتال الصحابة بني حنيفة، وكذلك أراد النبي ﷺ أن يغزو بني المصطلق لما أخبره رجل أنهم منعوا الزكاة حتى أنزل الله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) ﴿سورة الحجرات، الآية: ٦﴾ . وكان الرجل كاذباً عليهم (١) ، وكل هذا يدل على أن مراد النبي ﷺ في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه (١) . ولهم شبهة أخرى: وهو ما ذكر ﷺ أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ قالوا: فهذا يدل على أن الإستغاثة بغير الله ليست شركاً. والجواب: أن نقول سبحان من طبع على قلوب أعدائه فإن الإستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه﴾ [سورة القصص، الآية: ١٥] . وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء، أو في غيبتهم في الأشياء التي لا عليها إلا الله (١) . ــ (١) وهو أن مجرد قول "لا إله إلا الله" ليس مانعاً من القتل بل يجوز قتال من قالها إذا وجد سبب يقتضي قتاله. (٢) قوله: "ولهم شبهة أخرى" يعني في أن الإستغاثة بغير الله ليست شركاً وقد أجاب عنها بجوابين:

стр. 91

إذا ثبت ذلك فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف وهذا جائز في الدنيا والآخرة، وذلك أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك فتقول له: أدع الله لي، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ ، يسألونه ذلك في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره، بل أنكر السلف الصالح على من قصد دعاء الله عند قبره فكيف بدعائه نفسه؟ (١) ــ الأول: أن هذه استغاثة بمخلوق فيما يقدر عليه وهذا لا ينكر لقوله تعالى في قصة موسى:﴾ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه ﴿. الجواب الثاني: أن الناس لم يستغيثوا بهؤلاء الأنبياء الكرام ليزيلوا عنهم الشدة، ولكنهم يستشفعون بهم عند الله ليزيل هذه الشدة، وهناك فرق بين من يستغيث بالمخلوق ليكشف عنه الضرر والسوء، ومن يستشفع بالمخلوق إلى الله عنه ذلك. (١) قوله: "إذا ثبت ذلك فاستغاثتهم بالأنبياء. . . .إلخ" هذا هو الجواب الثاني وهو أن استغاثتهم بالأنبياء من باب طلب دعائهم إلى الله أن يريح الخلق من هذا الموقف العظيم، وليس دعاء لهم، بل طلب دعائهم لربهم ، وهذا أمر جائز كما أن الصحابة ﵃ يسألون النبي ﷺ أن يدعو الله لهم، ففي الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة والنبي ﷺ الله عليه وسلم يخطب فقال: "يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، ولم يقل فأغثنا يا

стр. 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رسول الله، بل قال: "فادع الله يغيثنا" ثلاث مرات، فأنشأ الله سحابة فأمطرت، ولم يرو الشمس أسبوعاً كاملاً والمطر ينهمر، وفي الجمعة التالية دخل رجل أو الرجل الأول فقال: "يا رسول الله غرق المال، وتهدم البناء فادع الله تعالى يمسكها عنا" فدعا النبي ﷺ ربه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية، ومنابت الشجر"، (١) فانفجرت السماء وخرج الصحابة يمشون في الشمس. فهذا طلب دعاء من رسول الله ﷺ لله وليس دعاء لرسول الله ﷺ ولا استغاثة به، وبهذا يعرف أن هذه الشبهة التي لبس بها هؤلاء شبهة لا تنفعهم بل هي حجة داحضة عند الله . ثم ذكر المؤلف ﵀ أنه لا بأس أن تأتي لرجل صالح تعرفه وتعرف صلاحه فتسأله أن يدعو الله لك، وهذا حق إلا أنه لا ينبغي للإنسان أن يتخذ ذك ديدناً له كلما رأى رجلاً صالحاً قال أدع الله لي، فإن هذا ليس من عادة السلف ﵃، وفيه إتكال على دعاء الغير، ومن االمعلوم أن الإنسان إذا دعا ربه بنفسه كان خيراً له لأنه يفعل عبادة يتقرب بها إلى الله فإن الدعاء من العبادة كما قال الله تعالى ﴿أدعوني أستجب لكم﴾ [سورة غافر، الآية: ٦٠] . الآية، والإنسان إذا دعا ربه بنفسه فإنه ينال أجر العبادة ثم يعتمد على الله في حصول المنفعة ودفع المضرة، بخلاف ما إذا طلب من غيره أن يدعو الله له فإنه يعتمد على ذلك الغير وربما يكون تعلقه بهذا الغير أكثر من تعلقه

стр. 93

ولهم شبهة (١) أخرى وهي: قصة إبراهيم لما ألقي في النار اعترض له جبريل في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا، قالوا: فلو كانت الإستغاثة بجبريل شركاً لم يعرضها على إبراهيم؟ فالجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى: فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله تعالى فيه: ﴿شديد القوى﴾ [سورة النجم، الآية: ٥] فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره أن يضع إبراهيم في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل، وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلاً محتاجاً فيعرض عليه أن يقرضه، أو أن يهبه شيئاً يقضي به حاجته فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد. فأين هذا من إستغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟! ــ بالله ، وهذا الأمر فيه خطورة وقد قال شيخ الإسلام ﵀ "إذا طلب الإنسان من شخص أن يدعو له أن ينوي بذلك نفع ذلك الغير بدعائه له، فإنه يؤجر على هذا وربما ينال ما جاء به الحديث أن الرجل إذا دعا لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة آمين ولك بمثلها. (١) قوله: "ولهم شبهة أخرى وهي قصة إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار. . . إلخ". والجواب عن هذه الشبهة: أن جبريل إنما عرض عليه أمراً ممكناً يمكن أن يقوم به فلو أذن الله لجبريل لأنقذ إبراهيم بما أعطاه الله تعالى من القوة فإن جبريل كما وصفه الله تعالى ﴿شديد القوى﴾ [سورة النجم الآية: ٥] فلو أمره الله أن يأخذ نار إبراهيم وما

стр. 94

ولنختم الكلام (١) -إن شاء الله تعالى-بمسألة عظيمة مهمة جداً تفهم مما تقدم، ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها، ولكثرة الغلط فيها فنقول: لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن أختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما. ــ حولها ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل ولو أمره أن يحمل إبراهيم إلى مكان بعيد عنهم لفعل ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل. ثم ضرب المؤلف بهذا مثلاً رجل غني أتى إلى فقير فقال هل لك حاجة في المال؟ من قرض أو هبة أو غير ذلك؟ فإنما هذا مما يقدر عليه، ولا يعد هذا شركاً لو قال نعم لي حاجة أقرضني، أو هبني لم يكن مشركاً. (١) ختم المؤلف هذه الشبهات بمسألة عظيمة هي: أنه لابد أن يكون الإنسان موحداً بقلبه وقوله وعمله فإن كان موحداً بقلبه ولكنه لم يوحد بقوله أو بعمله فإنه غير صادق في دعواه، لأن توحيد القلب يتبعه توحيد القول والعمل لقول النبي ﷺ : "إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، إلا وهي القلب" (١) فإذا من جنس فرعون الذين كان مستيقناً بالحق عالماً به لكنه أصر وعاند وبقي على ما كان عليه من دعوى الربوبية، قال الله تعالى: ﴿وجحدوا بها وأستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً﴾ [سورة النمل، الآية: ١٤] وقال تعالى عن موسى أنه قال لفرعون ﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر﴾ ﴿سورة الإسراء، الآية: ١٠٢﴾ .

стр. 95

وهذا يغلط فيه كثير من الناس يقولون: هذا حق ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق، ولكنا لا نقدر أن نفعله ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، وغير ذلك من الأعذار (١) . ولم يدر المسكين (٢) أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار كما قال تعالى ﴿أشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً﴾ [سورة التوبة، الآية: ٩] . وغير ذلك من الآيات كقوله: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبنائهم﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٤٦] . ــ (١) ... قوله: "وهذا يغلط فيه كثير من الناس. . . إلخ" يعني أن كثيراً من الناس يعرف الحق في هذا ويقولون نحن نعرف أن هذا هو الحق ولكننا لا نقدر عليه لمخالفته أهل بلدنا ونحو ذلك من الأعذار، وهذا العذر لا ينفعهم عند الله ، لأن الواجب على المرء أن يلتمس رضا الله ولو سخط الناس، وأن لا يتبع رضا الناس بسخط الله ، وهذا يشبه من يحتجون بما كان عليه آباؤهم وهم الذين حكى الله عنهم ﴿وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾ [سورة الزخرف، الآية: ٢٣] . (٢) قوله: "ولم يدر المسكين" أي المعدم من الفقه والبصيرة أن غالب أئمة الكفر كانوا يعرفون الحق لكنهم كانوا يعرفون الحق لكنهم عائدوا فخالفوا الحق كما قال تعالى:﴾ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم ﴿وقال:﴾ أشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً ﴿فكانوا يعتذرون بأعذار لا تنفعهم كخوف بعضهم من فوات الرئاسة وتصدر المجالس ونحو ذلك. فكثير من أئمة الكفار يعرفون الحق ولكنهم يكرهونه ولا يتبعونه، ومعرفة الحق دون العمل به أشد من الجهل بالحق، لأن الجاهل بالحق

стр. 96

فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً (١) وهو لا يفهمه، أو لا يعتقده بقلبه فهو منافق، وهو شرمن الكافر الخالص لقوله تعالى: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ [سورة النساء، الآية: ١٤٥] . وهذه المسألة كبيرة طويلة (١) تتبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس ترى من يعرف الحق ويترك العمل به لخوف نقص دنيا، أو جاه، أو مداراة لأحد، وترى من يعم لبه ظاهراً لا باطناً فإذا سألته عما يعتقد بقلبه فإذا هو لا يعرفه ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله: ــ يعذر، وقد يعلم فيتنبه ويتعلم بخلاف المعاند المستكبر، ولهذا كان اليهود مغضوباً عليهم. (١) يقول ﵀: فإن عمل بالتوحيد ظاهراً أي باللسان والجوارح، ولكنه لم يعتقده بقلبه ولم يفهمه فإنه منافق، وهو شر من الكافر المصرح بكفره لقوله تعالى:﴾ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴿وهذا ظاهر فيمن كان معانداً يعلم الحق ولكنه كرهه بقلبه ولم يطمئن إليه، ولم يستقر به، ولكنه أظهر الإلتزام بالشريعة خداعاً الله ولرسوله وللمؤمنين، وأما من كان لا يفهمه بالكلية ولا يدري ولكنه يعمل كما يعمل الناس ولم يتبين له ذلك الشيء الذي يعملونه والمقصود منه، فإن الواجب أن يبلغ ويعلم، فإن أصر على ما هو عليه من إنكاره بقلبه فهو منافق. (١) بين ﵀-أن هذه المسألة مسألة كبيرة طويلة يعني أن تتبعها يطول بواسطة أن كثيراً من الناس قد يأبى الحق خوفاً من أن يلام عليه، أو رجاء لجاه أو دنيا، فيحتاج أن يتتبع أحوال الناس ويعرفها تماماً حتى

стр. 97

أولاهما (١) : قوله تعالى: ﴿لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ [سورة التوبة: الآية: ٩٦] ، فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله ﷺ كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح واللعب تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر، أو يعمل به خوفاً من نقص مال، أو جاه، أو مداراة لأحد أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها. والآية الثانية: (٢) : قوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة﴾ [سورة النحل، الآية: ١٠٦] . فلم يعذر الله ــ يعلم من هو منافق ومن هو مؤمن إيماناً خالصاً. (١) يحث المؤلف ﵀ على تدبر آيتين من كتاب الله : أولاهما قوله تعالى:﴾ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ﴿وهذه الآية نزلت في المنافقين الذين سبوا رسول الله ﷺ وأصحابه القراء. فالمؤلف ﵀ يقول إذا كان هؤلاء المنافقون الذين غزو مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك كفروا بكلمة قالوها على سبيل المزاح لا على سبيل الجد فما بالك بمن يكفر كفراً جدياً يريده بقلبه من أجل خوف فوات مركز، أو جاه، أو ما أشبه ذلك، فإنه يكون أعظم وأعظم، فالواقع أن كلهم كفروا بعد إيمانهم سواء فعلوا ذلك استهزاء أو فعلوه على سبيل الجد والكفر، خوفاً أو رجاء، فإن كل إنسان يظهر الإسلام ويبطن الكفر فهو منافق على أي وجه كان. (٢) هذه هي الآية الثانية التي حث المؤلف رحمه الله تعالى على تدبرها وهذه الآية تدل على أنه لا يعذر أحد كفر بعد إيمانه إلا من كان

стр. 98

من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفاً أو مداراة، أو مشحة بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله، أو فعله على وجه المزح أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره. فالآية تدل على هذا (١) من جهتين: الأولى: قوله:﴾ إلا من أكره ﴿فلم يستثن الله تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل وأما عقيدة القلب فلا يكره عليها أحد. والثانية: (٢) : قوله تعالى﴾ ذلك بأنهم أستحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ﴿فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل، أو البغض للدين، أو محبة الكفر وإنما سببه أن له في ذلك حظاً من حظوظ الدنيا فآثره على الدين. ــ مكرها، وأما من كفر على سبيل الأختيار لأي غرض من الأغراض سواء كان مزاحاً، أو مشحة في وظيفة، أو دفاعاً عن وطن، أو ما أشبه ذلك فإنه يكون كافراً، فالله لم يعذر من كفر إلا من كان مكرها بشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالأيمان. (١) أي أن الله تعالى لم يستثن في الآية من الكافرين إلا من أكره، والإكراه لا يكون إلا على القول أو الفعل، أما عقيدة القلب فلا يطلع عليها إلا الله، ولا يتصور فيها الإكراه لأنه لا يمكن لأحد أن يكره شخصاً فيقول: لا بد أن تعتقد كذا وكذا؛ لأنه أمر باطن لا يعلم به، وإنما الإكراه على ما ظهر فقط بالقول والفعل. (٢) الوجه الثاني: أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة فكان كفرهم سببه أنهم استحبوا الدنيا على الآخرة ويعني بالدنيا كل ما يتعلق بها من جاه،

стр. 99

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم (١) . ــ أو مال، أو رئاسة أو غير ذلك ممن آثر الدنيا بما فيها على الآخرة وكفره من أجل إيثار الدنيا فإنه يكون كافراً وإن لم يكن مستحباً للكفر ولكنه مستحب لحياة الدنيا فإنه يكفر، وذلك أن بعض الناس يكفر لأنه يحب الكفر ويعجبه، وبعض الناس يكفر لمال، أو جاه، أو رئاسة، وبعض الناس يكفر لينال بذلك شيئاً من السلطان وما أشبه ذلك فالأغراض كثيرة. نسأل الله تعالى أن يهدينا الصراط المستقيم وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا (١) ختم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى كتابه هذا برد العلم إلى الله والصلاة والسلام على نبيه محمد ﷺ وبهذا انتهى كتاب كشف الشبهات فنسأل الله تعالى أن يثيب مؤلفه أحسن ثواب وأن يجعل لنا نصيباً من أجره وثوابه وأن يجمعنا وإياه في دار كرامته إنه جواد كريم والحمد لله رب العالمين وصلي وسلم على نبينا محمد تم شرح كشف الشبهات * * *

стр. 100

شرح الأصول الستة

стр. 101

قال المؤلف شيخ الإسلام: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الشرح قوله"بسم الله" ابتدأ المؤلف رحمه الله تعالى -كتاب بالبسملة إقتداء بكتاب الله فإنه مبدوء بالبسملة، واقتداء برسول الله ﷺ فإنه يبدأ كتبه ورسائله بالبسملة. والجار والمجرور متعلق بفعل محذوف مؤخر مناسب للمقام تقديره هنا بسم الله أكتب. وقدرناه فعلاً لأن الأصل في العمل الأفعال. وقدرناه مؤخراً لفائدتين: الأولى: التبرك بالبداءة باسم الله تعالى. الثانية: إفادة الحصر لأن تقديم المتعلق به يفيد الحصر. وقدرناه مناسباً لأنه أدل على المراد فلو قلنا مثلاً عندما نريد أن نقرأ كتاباً باسم الله نبتدئ، ما يدري بماذا نبتدئ، لكن بسم الله نقرأ أدل على المراد. قوله: "الله" لفظ الجلالة علم على الباري جل وعلا وهو الاسم الذي تتبعه جميع الأسماء حتى إنه في قوله تعالى:﴾ كتاب أنزلناه إليك لتخرج

стр. 102

الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ﴿، ﴿سورة إبراهيم، الآيتان: ١، ٢﴾ . لا نقول إن لفظ الجلالة (الله) صفة بل نقول هي عطف بيان لئلا يكون لفظ الجلالة تابعاً تبعية النعت للمنعوت، ولهذا قال العلماء أعرف المعارف لفظ (الله) لأنه لا يدل على أحد سوى الله . قوله: "الرحمن" الرحمن: أسم من الأسماء المختصة بالله لا يطلق على غيره، ومعناه: المتصف بالرحمة الواسعة. قوله: "الرحيم" الرحيم: أسم يطلق على الله وعلى غيره. ومعناه: ذو الرحمة الواصلة، فالرحمن ذو الرحمة الواسعة، والرحيم ذو الرحمة الواصلة فإذا جمعا صار المراد بالرحيم الموصل رحمته إلى من يشاء من عباده كما قال الله تعالى: ﴿يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٢١] والمراد بالرحمن الواسع الرحمة.

стр. 103

من أعجب العجاب، وأكبر الآيات الدالة على قدرة المللك الغلاب ستة أصول بينها الله تعالى بياناً واضحاً للعوام فوق ما يظن الظانون، ثم بعد هذا غلط فيها كثير من أذكياء العالم وعقلاء بني آدم إلا أقل القليل. الشرح شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى له عناية بالرسائل المختصرة التي يفهمها العامي وطالب العلم، ومن هذه الرسائل هذه الرسالة (ستة أصول عظيمة) وهي: الأصل الأول: الإخلاص وبيان ضده وهو الشرك. الأصل الثاني: الاجتماع في الدين والنهي عن التفرق فيه. الأصل الثالث: السمع والطاعة لولاة الأمر. الأصل الرابع: بيان العلم والعلماء، والفقه والفقهاء، ومن تشبه بهم وليس منهم. الأصل الخامس: بيان من هم أولياء الله. الأصل السادس: رد الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة. وهذه الأصول أصول مهمة جديرة بالعناية، ونحن نستعين بالله تعالى في شرحها والتعليق عليها بما يسر الله.

стр. 104

الأصل الأول إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله، وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى بكلام يفهمه أبلد العامة، ثم لما صار على أكثر الأمة ما صار أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين والتقصير في حقوقهم، وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين وأتباعهم. الشرح قوله: "إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له. . . ." الإخلاص لله معناه: "أن يقصد المرء بعبادته التقرب إلى الله تعالى والتوصل إلى دار كرامته". بأن يكون العبد مخلصاً لله تعالى في قصده مخلصاً لله تعالى في محبته، مخلصاً لله تعالى في تعظيمه، مخلصاً لله تعالى في ظاهره وباطنه لا يبتغي بعبادته إلا وجه الله تعالى والوصول إلى دار كرامته كما قال تعالى:﴾ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ﴿. ﴿سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢، ١٦٣﴾ وقوله تعالى:﴾ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴿، ﴿سورة الزمر، الآية: ٥٤﴾ وقوله:﴾ وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ﴿، ﴿سورة البقرة، الآية: ١٦٣﴾ وقوله:﴾ فإلهكم إله واحد

стр. 105

فله أسلموا ﴿ ﴿سورة الحج، الآية: ٣٤ ﴿وقد أرسل الله تعالى جميع الرسل بذلك كما قال تعالى:﴾ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٢٥] . وكما وضح الله ذلك في كتابه كما قال المؤلف: "من وجوه شتى بكلام يفهمه أبلد العامة، فقد وضحه رسول الله ﷺ فقد جاء ﵊ بتحقيق التوحيد وإخلاصه وتخليصه من كل شائبة، وسد كل طريق يمكن أن يوصل إلى ثلم هذا التوحيد أو إضعافه، حتى إن رجلاً قال للنبي ﷺ "ما شاء الله وشئت" فقال النبي ﷺ "أجعلتني لله نداً بل ما شاء الله وحده" (١) فأنكر النبي ﷺ على هذا الرجل أن يقرن مشيئته بمشيئة الله تعالى بحرف يقتضي التسوية بينهما، وجعل ذلك من اتخاذ الند لله ، ومن ذلك أيضاً أن النبي ﷺ حرم الحلف بغير الله وجعل ذلك من الشرك بالله فقال ﷺ : "من حلف بغير الله فقد كفر أو

стр. 106

أشرك" (١) وذلك لأن الحلف بغير الله تعظيم للمحلوف به بما لا يستحقه إلا الله ، وحينما قدم عليه وفد فقالوا: "يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا" قال: "يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله " (٢) وقد عقد المصنف ﵀ لذلك باباً في كتاب التوحيد. فقال: "باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد وسده طرق المشرك". وكما بين الله تعالى الإخلاص وأظهره بين ضده وهو الشرك فقال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [سورة النساء، الآية: ١١٦] وقال تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً﴾ [سورة النساء، الآية: ٣٦] .

стр. 107

وقال:﴾ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ﴿، ﴿سورة النحل، الآية: ٣٦﴾ والآيات في ذلك كثيرة. ويقول النبي ﷺ : "من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار" (١) رواه مسلم من حديث جابر. والشرك على نوعين: النوع الأول: شرك أكبر مخرج عن الملة وهو: "كل شرك أطلقه الشارع وهو مناف للتوحيد منافاة مطلقة" مثل أن يصرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله بأن يصلي لغير الله أو يذبح لغير الله، أو ينذر لغير الله، أو أن يدعو غير الله تعالى مثل أن يدعو صاحب قبر، أو يدعو غائباً لإنقاذه من أمر لا يقدر عليه إلا الحاضر، وأنواع الشرك معلومة فيما كتبه أهل العلم. النوع الثاني: الشرك الأصغر وهو "كل عمل قولي أو فعلي أطلق عليه الشارع وصف الشرك لكنه لا ينافي التوحيد منافاة مطلقة" مثل الحلف بغير الله فالحالف بغير الله الذي لا يعتقد أن لغير الله تعالى من العظمة ما يماثل عظمة الله مشرك شركاً أصغر، ومثل الرياء وهو خطير قال فيه النبي ﷺ : "أخوف ما أخاف

стр. 108

عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه؟ فقال الرياء" (١) وقد يصل الرياء إلى الشرك الأكبر، وقد مثل ابن القيم ﵀ للشرك الأصغر بيسير الرياء وهذا يدل على أن كثير الرياء قد يصل إلى الشرك الأكبر، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ [سورة النساء، الآية: ١١٦] . يشمل كل شرك ولو كان أصغر، فالواجب الحذر من الشرك مطلقاً فإن عاقبته وخيمة قال الله تعالى:﴾ إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ﴿، ﴿سورة المائدة، الآية: ٧٢﴾ فإذا حرمت الجنة على المشرك لزم أن يكون خالداً في النار أبداً، فالمشرك بالله تعالى قد خسر الآخرة لا ريب لأنه في النار خالداً، وخسر الدنيا لأنه قامت عليه الحجة وجاءه النذير ولكنه خسر لم يستفد من الدنيا شيئاً قال الله تعالى: ﴿قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين﴾ [سورة الزمر، الآية: ١٥] . فخسر نفسه لأنه لم يستفد منها شيئاً وأوردها النار وبئس الورد المورود، وخسر أهله لأنهم إن كانوا مؤمنين فهم في الجنة فلا يتمتع بهم، وإن كانوا في النار فكذلك لأنه كلما دخلت أمة لعنت أختها.

стр. 109

واعلم أن الشرك خفي جداً وقد خافه خليل الرحمن وأمام الحنفاء كما حكي الله عنه: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٣٥] . وتأمل قوله:﴾ واجنبني ﴿ولم يقل: "وامنعني" لأن معنى اجنبني أي اجعلني في جانب عبادة والأصنام في جانب أي إجعلني في جانب عبادة والأصنام في جانب، وهذا أبلغ من أمنعني لأنه إذا كان في جانب وهي في جانب، كان أعد، وقال ابن أبي مليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه" (١) وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لحذيفة ابن اليمان: "أنشدك الله هل سماني لك رسول الله ﷺ مع من سمى من المنافقين" مع أن الرسول ﷺ بشره بالجنة ولكنه خاف أن يكون ذلك لما ظهر لرسول الله ﷺ من أفعاله في حياته، فلا يأمن النفاق إلا منافق، ولا يخاف النفاق إلا مؤمن، فعلى العبد أن يحرص على الإخلاص وأن يجاهد نفسه عليه قال بعض السلف "ما جاهدت على الإخلاص" فالشرك أمره صعب جداً ليس بالهين ولكن الله ييسر الإخلاص على العبد وذلك بأن يجعل الله نصب عينيه فيقصد بعمله وجه الله.

стр. 110

الأصل الثاني أمر الله بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرق فيه، فيبين الله هذا بياناً شافياً تفهمه العوام، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا قبلنا فهلكوا، وذكر أنه أمر المسلمين بالاجتماع في الدين ونهاهم عن التفرق فيه، ويزيده وضوحاً ما وردت به ألسنة من العجب العجاب في ذلك، ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم والفقه في الدين، وصار الاجتماع في الدين لا يقوله إلا زنديق أو مجنون. الشرح قوله: "أمر الله بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرق فيه. . إلخ" الأصل الثاني من الأصول التي ساقها الشيخ -رحمه الله تعالى- الاجتماع في الدين والنهي عن التفرق فيه، وهذا الأصل العظيم قد دل عليه كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وعمل الصحابة ﵃ والسلف الصالح رحمهم الله تعالى: أما كتاب الله تعالى: فقد قال الله :﴾ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كمنم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار
следующие страницы →