← Фатава

Фатава · id 9924

فتاوى أركان الإسلام

ابن عثيمين

Полный текст (561 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

س١٦٧: ما حكم بول الطفل الصغير إذا وقع على الثوب ؟ الجواب: الصحيح في هذه المسألة أن بول الذكر الذي يتغذى بالبن خفيف النجاسة، وأنه يكفي في تطهيره النضح، وهو أن يغمره بالماء، يصب عليه الماء حتى يشمله بدون فرك، وبدون عصر، وذلك أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه جيء بابن صغير فوضعه في حجره فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه إياه ولم يغسله (١) ، أما بالنسبة للأنثى فلا بد من غسل بولها، لأن الأصل أن البول نجس ويجب غسله لكن يستثنى الغلام الصغير لدلالة السنة عليه. *** س١٦٨: امرأة تجاوزت الخمسين يأتيها الدم على الصفة المعروفة، وأخرى تجاوزت الخمسين يأتيها الدم على غير الصفة المعروفة، وإنما صفرة أو كدرة ؟ الجواب: التي يأتيها دم على صفته المعروفة يكون دمها دم حيض صحيح على القول الراجح، إذ لا حد لأكثر سن الحيض وعلى هذا فيثبت لدمها أحكام دم الحيض المعروفة من اجتناب الصلاة، والصيام، والجماع، ولزوم الغسل، وقضاء الصوم ونحو ذلك. وأما التي يأتيها صفرة وكدرة فالصفرة والكدرة إن كانت في زمن العادة فحيض، وإن كانت في غير زمن العادة فليست بحيض، وأما إن كان دمها دم الحيض المعروف لكن تقدم أو تأخر فهذا لا

стр. 247

تأثير له، بل تجلس إذا أتاها الحيض وتغتسل إذا انقطع عنها. وهذا كله على القول الصحيح من أن سن الحيض لا حد له، أما على المذهب فلا حيض بعد خمسين سنة وإن كان دماً أسود عادياً، وعليه فتصوم وتصلي ولا تغتسل عند انقطاعه لكن هذا القول غير صحيح. *** س١٦٩: الدم الذي يخرج من الحامل هل هو حيض ؟ الجواب: الحامل لا تحيض، كما قال الإمام أحمد ﵀ إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الحيض. والحيض -كما قال أهل العلم- خلقه الله ﵎ لحكمة غذاء الجنين في بطن أمه، فإذا نشأ الحمل انقطع الحيض، لكن بعض النساء قد يستمر بها الحيض على عادته كما كان قبل الحمل، فهذه يحكم بأن حيضها حيض صحيح، لأنه استمر بها الحيض ولم يتأثر بالحمل، فيكون هذا الحيض مانعاً لكل ما يمنعه حيض غير الحامل، وموجباً لما يوجبه، ومسقطاً لما يسقطه، والحاصل أن الدم الذي يخرج من الحامل على نوعين: النوع الأول: نوع يحكم بأنه حيض، وهو الذي استمر بها كما كان قبل الحمل، لأن ذلك دليل على أن الحمل لم يؤثر عليه فيكون حيضاً. والنوع الثاني: دمٌ طرأ على الحامل طروءاً، إما بسبب حادث، أو حمل شيء، أو سقوط من شيء ونحوه، فهذا ليس بحيض وإنما هو دم عرق، وعلى هذا فلا يمنعها من الصلاة ولا من الصيام فهي في حكم الطاهرات. ***

стр. 248

س١٧٠: هل لأقل الحيض وأكثره حدٌ معلوم بالأيام ؟ الجواب: ليس لأقل الحيض ولا لأكثره حد بالأيام على الصحيح، لقول الله : (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) (البقرة: من الآية٢٢٢) فلم يجعل الله غاية المنع أياماً معلومة، بل جعل غاية المنع هي الطهر، فدل هذا على أن علة الحكم هي الحيض وجوداً وعدماً، فمتى وجد الحيض ثبت الحكم، ومتى طهرت منه، زالت أحكامه، ثم إن التحديد لا دليل عليه، مع أن الضرورة داعية إلى بيانه، فلو كان التحديد بسن أو زمن ثابتأً شرعاً لكان مبيناً في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فبناء عليه فكل ما رأته المرأة من الدم المعروف عند النساء بأنه حيض فهو دم حيض من غير تقدير ذلك بزمن معين، إلا أن يكون الدم مستمراً مع المرأة لا ينقطع أبداً، أو ينقطع مدة يسيرة كاليوم واليومين في الشهر، فإنه حينئذ يكون دم استحاضة. *** س١٧١: امرأة تسببت في نزول دم الحيض منها بالعلاج، وتركت الصلاة فهل تقضيها أم لا ؟ الجواب: لا تقضي المرأة الصلاة إذا تسببت لنزول الحيض فنزل، لأن الحيض دم متى وجد وجد حكمه، كما أنها لو تناولت ما يمنع الحيض ولم ينزل الحيض، فإنها تصلي وتصوم ولا تقضي الصوم، لأنها ليست بحائض، فالحكم يدور مع علته، قال الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذى) (البقرة: من الآية٢٢٢) فمتى وجد هذا الأذى ثبت حكمه، ومتى لم يوجد لم يثبت حكمه. ***

стр. 249

س١٧٢: هل يجوز للحائض أن تقرأ القرآن ؟ الجواب: يجوز للحائض أن تقرأ القرآن للحاجة، مثل أن تكون معلمة، فتقرأ القرآن للتعليم، أو أن تكون طالبة فتقرأ القرآن للتعلم، أو تكون تعلم أولادها الصغار أو الكبار، فترد عليهم وتقرأ الآية قبلهم. المهم إذا دعت الحاجة إلى قراءة القرآن للمرأة الحائض، فإنه يجوز ولا حرج عليها، وكذلك لو كانت تخشى أن تنساه فصارت تقرؤه تذكراً، فإنه لا حرج عليها ولو كانت حائضاً، على أن بعض أهل العلم قال: إنه يجوز للمرأة الحائض أن تقرأ القرآن مطلقاً بلا حاجة. وقال آخرون: إنه يحرم عليها أن تقرأ القرآن ولو كان لحاجة. فالأقوال ثلاثة، والذي ينبغي أن يقال هو: أنه إذا احتاجت إلى القراءة لتعليمه، أو تعلمه، أو خوف نسيانه، فإنه لا حرج عليها. *** س١٧٣: إذا اشتبه الدم على المرأة فلم تميز هل هو دم حيض أم دم استحاضة أم غيره فبماذا تعتبره ؟ الجواب: الأصل في الدم الخارج من المرأة أنه دم حيض حتى يتبين أنه دم استحاضة وعلى هذا فتعتبره دم حيض ما لم يتبين أنه دم استحاضة. *** س١٧٤: إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة فما الحكم؟ وهل تقضي الصلاة عن وقت الحيض ؟

стр. 250

الجواب: إذا حدث الحيض بعد دخول وقت الصلاة كأن حاضت بعد الزوال بنصف ساعة مثلاً فإنها بعد أن تتطهر من الحيض تقضي هذه الصلاة التي دخل وقتها وهي طاهرة لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: من الآية١٠٣) . ولا تقضي الصلاة عن وقت الحيض لقوله ﷺ في الحديث الطويل: ((أليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟)) (١) . وأجمع أهل العلم على أنها لا تقضي الصلاة التي فاتتها أثناء مدة الحيض. أما إذا طهرت وكان باقياً من الوقت مقدار ركعة فأكثر فإنها تصلي ذلك الوقت الذي طهرت فيه لقوله ﷺ : ((من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)) (٢) من وقت العصر، أو قبل طلوع الشمس، وكان باقياً على غروب الشمس، أو طلوعها مقدار ركعة فإنها تصلي العصر في المسألة الأولى، والفجر في المسألة الثانية. *** س١٧٥: امرأة كانت عادة حيضها ستة أيام، ثم زادت أياد عادتها ؟ الجواب: إذا كانت عادة هذه المرأة ستة أيام ثم طالت هذه المدة وصارت تسعة أو عشرة أو أحد عشر يوماً، فإنها تبقى لا تصلي حتى تطهر، وذلك لأن النبي ﷺ لم يحد حداً معيناً في الحيض، وقد قال الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ

стр. 251

أَذىً) (البقرة: من الآية٢٢٢) فمتى كان هذا الدم باقياً، فإن المرأة على حالها حتى تطهر وتغتسل ثم تصلي، فإذا كان جاءها في الشهر الثاني ناقصاً عن ذلك فإنها تغتسل إذا طهرت وإن كان لم يكن على المدة السابقة، والمهم أن المرأة متى كان الحيض معها موجوداً فإنها لا تصلي، سواء كان الحيض موافقاً للعادة السابقة، أو زائداً عنها، أو ناقصاً، وإذا طهرت تصلي. *** س١٧٦: المرأة إذا أتتها العادة الشهرية ثم طهرت واغتسلت وبعد أن صلت تسعة أيام أتاها دم وجلست ثلاثة أيام لم تصل ثم طهرت وصلت أحد عشر يوماً وعادت إليها العادة الشهرية المعتادة، فهل تعيد ما صلته في تلك الأيام الثلاثة أم تعتبرها من الحيض ؟ الجواب: الحيض متى جاء فهو حيض سواء طالت المدة بينه وبين الحيضة السابقة أم قصرت، فإذا حاضت وطهرت وبعد خمسة أيام، أو ستة، أو عشرة جاءتها العادة مرة ثانية فإنها تجلس لا تصلي، لأنه حيض وهكذا أبداً، كلما طهرت ثم جاء الحيض وجب عليها أن تجلس، أما إذا استمر عليها الدم دائماً، أو كان لا ينقطع إلا يسيراً فإنها تكون مستحاضة، وحينئذ لا تجلس غلا مدة عادتها فقط. *** س١٧٧: ما حكم السائل الأصفر الذي ينزل من المرأة قبل الحيض بيومين ؟

стр. 252

الجواب: إذا كان هذا السائل أصفر قبل أن يأتي الحيض فإنه ليس بشيء لقول أم عطية: ((كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً)) (١) . أخرجه البخاري، وفي رواية لأبي داود: ((كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً)) (٢) . فإذا كانت هذه الصفرة قبل الحيض ثم تنفصل بالحيض فإنها ليست بشيء، أما إذا علمت المرأة أن هذه الصفرة هي مقدمة الحيض فإنها تجلس حتى تطهر. *** س١٧٨: ما حكم الصفرة والكدرة التي تكون بعد الطهر ؟ الجواب: مشاكل النساء في الحيض بحر لا ساحل له، ومن أسبابه استعمال هذه الحبوب المانعة للحمل والمانعة للحيض، وما كان الناس يعرفون مثل هذه الإشكالات الكثيرة من قبل، صحيح أن الإشكال ما زال موجوداً منذ وجد النساء، لكن كثرته على هذا الوجه الذي يقف الإنسان حيران في حل مشاكله أمر يؤسف له، ولكن القاعدة العامة: أن المرأة إذا طهرت ورأت الطهر المتيقن في الحيض، وأعني بالطهر في الحيض خروج القصة البيضاء، وهو ماء أبيض تعرفه النساء، فما بعد الطهر من كدرة أو صفرة أو نقطة أو رطوبة فهذا كله ليس بحيض، فلا يمنع من الصلاة، ولا يمنع من الصيام، ولا يمنع من جماع الرجل لزوجته، لأنه ليس بحيض. قالت أم عطية: ((كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً)) . أخرجه البخاري وزاد أبو داود ((بعد الطهر)) ، وسنده صحيح.

стр. 253

وعلى هذا نقول: كل ما حدث بعد الطهر المتيقن من هذه الأشياء فإنها لا تضر المرأة، ولا تمنعها من صلاتها وصيامها وجماع زوجها إياها، ولكن يجب أن لا تتعجل حتى ترى الطهر، لأن بعض النساء إذا خف الدم عنها بادرت واغتسلت قبل أن ترى الطهر، ولهذا كان نساء الصحابة يبعثن إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ بالكرسف -يعني القطن- فيه الصفرة فتقول لهن: ((لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء)) (١) . *** س١٧٩: ما حكم استعمال حبوب منع الحيض ؟ الجواب: استعمل المرأة حبوب منع الحيض إذا لم يكن عليها ضرر من الناحية الصحية، فإنه لا بأس به، بشرط أن يأذن الزوج بذلك، ولكن حسب ما علمته أن هذه الحبوب تضر المرأة، ومن المعلوم أن خروج دم الحيض خروج طبيعي، والشيء الطبيعي إذا منع في وقته، فإنه لا بد أن يحصل من منعه ضرر على الجسم، وكذلك أيضاً من المحذور في هذه الحبوب أنها تخلط على المرأة عادتها، فتختلف عليها، وحينئذ تبقى في قلق وشك من صلاتها ومن مباشرة زوجها وغير ذلك، لهذا أنا لا أقول إنها حرام ولكني لا أحب للمرأة أن تستعملها خوفاً من الضرر عليها. وأقول: ينبغي للمرأة أن ترضى بما قدر الله لها، فالنبي ﷺ ، دخل عام حجة الوداع على أم المؤمنين عائشة ﵂ وهي تبكي وكانت قد أحرمت بالعمرة فقال: ((مالك لعلك

стр. 254

نفست؟)) قالت: نعم. قال: ((هذا شيء كتبه الله على بنات آدم)) (١) فالذي ينبغي للمرأة أن تصبر وتحتسب، وإذا تعذر عليها الصوم والصلاة من أجل الحيض، فإن باب الذكر مفتوح ولله الحمد، تذكر الله وتسبح الله ، وتتصدق، وتحسن إلى الناس بالقول والفعل، وهذا من أفضل الأعمال. *** س١٨٠: النفساء إذا اتصل الدم معها بعد الأربعين فهل تصلي وتصوم ؟ الجواب: المرأة النفساء إذا بقي الدم معها فوق الأربعين، وهو لم يتغير، فإن صادف ما زاد على الأربعين عادة حيضها السابقة جلسته، وإن لم يصادف عادة حيضها السابقة فقد اختلف العلماء في ذلك: فمنهم من قال: تغتسل وتصلي وتصوم ولو كان الدم يجري عليها، لأنها تكون حينئذٍ كالمستحاضة.

стр. 255

ومنهم من قال: إنها تبقى حتى تتم ستين يوماً، لأنه وجد من النساء من تبقى في النفاس ستين يوماً، وهذا أمر واقع، فإن بعض النساء كانت عادتها في النفاس ستين يوماً، وهذا أمر واقع، فإن بعض النساء كانت عادتها في النفاس ستين يوما. وبناءً على ذلك فإنها تنتظر حتى تتم ستين يوماً، ثم بعد ذلك ترجع إلى الحيض المعتاد فتجلس وقت عادتها ثم تغتسل وتصلي، لأنها حينئذٍ مستحاضة. *** س١٨١: إذا طهرت النفساء قبل تمام الأربعين فهل يجامعها زوجها؟ وإذا عاودها الدم بعد الأربعين. فما الحكم ؟ الجواب: النفساء لا يجوز لزوجها أن يجامعها، فإذا طهرت في أثناء الأربعين، فإنه يجب عليها أن تصلي، وصلاتها صحيحة، ويجوز لزوجها أن يجامعها في هذه الحال، لأن الله تعالى يقول في الحيض: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) (البقرة: من الآية٢٢٢) . فما دام الأذى موجوداً وهو الدم، فإنه لا يجوز الجماع، فإذا طهرت منه جاز الجماع، وكما أنه يجب عليها أن تصلي، ولها أن تفعل كل ما يمتنع عليها في النفاس إذا طهرت في أثناء الأربعين، فكذلك الجماع يجوز لزوجها، إلا أنه ينبغي أن يصبر لئلا يعود عليها الدم بسبب الجماع، حتى تتم الأربعين، ولكن لو جامعها قبل ذلك، فلا حرج عليه. وإذا رأت الدم بعد الأربعين وبعد أن طهرت، فإنه يعتبر دم حيض، وليس دم نفاس، ودم الحيض معلوم للنساء فمتى أحست به فهو دم حيض، فإذا استمر معها وصار لا ينقطع عنها إلا يسيراً من الدهر، فإنها تكون مستحاضة، وحينئذٍ ترجع إلى عادتها في الحيض، فتجلس وما زاد عن العادة فإنها تغتسل وتصلي. والله أعلم *** س١٨٢: المرأة إذا أسقطت في الشهر الثالث فهي تصلي أو تترك الصلاة ؟

стр. 256

الجواب: المعروف عند أهل العلم أن المرأة إذا أسقطت لثلاثة أشهر فإنها لا تصلي، لأن المرأة إذا أسقطت جنيناً قد تبين فيه خلق إنسان فإن الدم لا ذي يخرج منها يكن دم نفاس لا تصلي فيه. قال العلماء: ويمكن أن يتبين خلق الجنين إذا تم له واحد وثمانون يوماً وهذه أقل من ثلاثة أشهر، فإذا تيقنت أنه سقط الجنين لثلاثة أشهر فإن الذي أصابها يكون دم نفاس، أما إذا كان قبل الثمانين يوماً فإن هذا الدم الذي أصابها يكون دم فساد لا تترك الصلاة من أجله، وهذه السائلة عليها أن تتذكر في نفسها فإذا كان الجنين سقط قبل الثمانين يومأً فإنها تقضي الصلاة، وإذا كانت لا تدري كم تركت فإنها تقدر وتتحرى وتقضي على ما يغلب عليه ظنها أنها لم تصله. *** س١٨٣: من أصابها نزيف دم كيف تصلي؟ ومتى تصوم ؟ الجواب: مثل هذه المرأة التي أصابها نزيف الدم، حكمها أن تجلس عن الصلاة والصوم مدة عادتها السابقة قبل الحدث الذي أصابها، فإذا كان من عادتها أن الحيض يأتيها من أول كل شهر لمدة ستة أيام مثلاً، فإنها تجلس من أول كل شهر مدة ستة أيام لا تصلي ولا تصوم، فإذا انقضت اغتسلت وصلت وصامت. وكيفية الصلاة لهذه المرأة وأمثالها أنها تغسل فرجها غسلاً تاماً وتعصبه وتتوضأ وتفعل ذلك عند دخول وقت صلاة الفريضة لا تفعله قبل دخول الوقت، تفعله بعد دخول الوقت، ثم تصلي، وكذلك تفعله إذا أرادت أن تتنفل في غير أوقات الفرائض، وفي

стр. 257

هذا الحال ومن أجل المشقة عليها، يجوز لها أن تجمع صلاة الظهر مع العصر ((العكس)) وصلاة المغرب مع العشاء (أو العكس)) حتى يكون عملها هذا واحداً للصلاتين صلاة الظهر والعصر، وواحداً للصلاتين المغرب والعشاء، وواحداً لصلاة الفجر بدلاً من أن تعمل ذلك خمس مرات تعمله ثلاث مرات. والله الموفق. *** س١٨٤: ما حكم الصلاة وعلى من تجب ؟ الجواب: الصلاة من آكد أركان الإسلام، بل هي الركن الثاني بعد الشهادتين، وهي آكد أعمال الجوارح، وهي عمود الإسلام كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ أنه قال: ((عموده الصلاة)) (١) . يعني الإسلام، وقد فرضها الله على نبيه محمد ﷺ في أعلى مكان وصل إليه البشر، وفي أشرف ليلة لرسول الله ﷺ ، وبدون واسطة أحد، وفرضها الله على رسوله محمد ﷺ خمسين مرة في اليوم والليلة، ولكن الله خفف على عباده حتى صارت خمساً بالفعل وخمسين في الميزان، وهذا يدل على أهميتها ومحبة الله لها، وأنها جديرة بأن يصرف الإنسان شيئاً كثيراً من وقته فيها، وقد دل على فرضيتها الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين:

стр. 258

ففي الكتاب يقول الله : (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: من الآية١٠٣) معنى (كتاباً) أي مكتوباً أي مفروضاً. وقال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ حين بعثه إلى اليمن: (أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة)) (١) . وأجمع المسلمون على فرضيتها، ولهذا قال العلماء ﵏: إن الإنسان إذا جحد فرض الصلوات الخمس، أو فرض واحدة منها فهو كافر مرتد عن الإسلام يباح دمه وماله إلا أن يتوب إلى الله ما لم يكن حديث عهد بالإسلام لا يعرف من شعائر الإسلام شيئاً، فإنه يعذر بجهله في هذه الحال، ثم يعرف فإن أصر بعد علمه بوجوبها على إنكار فرضيتها فهو كافر. وتجب الصلاة على كل مسلم، بالغ، عاقل، من ذكر أو أنثى. فالمسلم ضده: الكافر، فالكافر لا تجب عليه الصلاة، بمعنى أنه لا يلزم بأدائها حال كفره ولا بقضائها إذا أسلم، لكنه يعاقب عليها يوم القيامة كما قال الله تعالى: (إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ) (٣٩)) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ) (٤٠) (عَنِ الْمُجْرِمِينَ) (٤١) (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (٤٢) (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (٤٣) (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) (٤٤) (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) (المدثر: ٢٩، ٤٥) (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) (٤٦) فقولهم: (قَالُوا لَمْ نَكُ

стр. 259

مِنَ الْمُصَلِّينَ) يدل على أنهم عوقبوا على ترك الصلاة مع كفرهم وتكذيبهم بيوم الدين. وأما البالغ فهو الذي حصل له واحدة من علامات البلوغ وهي ثلاث بالنسبة للرجل، وأربع بالنسبة للمرأة: أحدها: تمام الخمس عشرة سنة. والثانية: إنزال المني بلذة يقظة كان أم مناماً. والثالثة: إنبات العانة، وهي الشعر الخشن حول القبل، هذه الثلاث العلامات تكون للرجال والنساء، وتزيد المرأة علامة رابعة وهي: الحيض فإن الحيض من علامات البلوغ. وأما العاقل فضده: المجنون الذي لا عقل له، ومنه الرجل الكبير أو المرأة الكبيرة إذا بلغ به الكبر إلى حد فقد التمييز، وهو ما يعرف عندنا بالمهذري، فإنه لا تجب عليه الصلاة حينئذ، لعدم وجود العقل في حقه. وأما الحيض أو النفاس فهو مانع من وجوب الصلاة فإذا وجد الحيض أو النفاس فإن الصلاة لا تجب لقول النبي ﷺ في المرأة: ((أليس إذا حاضت لم تصل، ولم تصم)) (١) . *** س١٨٥: فاقد الذاكرة والمغمى عليه هل تلزمهما التكاليف الشرعية ؟ الجواب: إن الله أوجب على الإنسان العبادات إذا كان أهلاً للوجوب، بأن يكون ذا عقل يدرك به

стр. 260

الأشياء، وأما من لا عقل له فإنه لا تلزمه الشرائع، ولهذا لا تلزم المجنون، ولا تلزم الصغير الذي لم يميز، بل ولا الذي لم يبلغ أيضاً، وهذا من رحمة الله تعالى، ومثله أيضاً المعتوه الذي أصيب بعقله على وجه لم يبلغ حد الجنون، ومثله الكبير الذي بلغ فقدان الذاكرة فإنه لا يجب عليه صلاة ولا صوم، لأنه فاقد الذاكرة وهو بمنزلة الصبي الذي لم يميز فتسقط عنه التكاليف فلا يلزم بها. وأما الواجبات المالية فإنها تجب في ماله ولو كان فاقد الذاكرة. فالزكاة مثلاً تجب في ماله، ويجب على من تولى أمره أن يخرج الزكاة عنه، لأن وجوب الزكاة يتعلق بالمال كما قال الله تعالى: (خذ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ) (التوبة: من الآية١٠٣) فقال: (خذ من أموالهم) ولم يقل خذ منهم وقال النبي ﷺ لمعاذ عندما بعثه إلى اليمن: ((أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ عن أغنيائهم فترد على فقرائهم)) (١) . وعلى هذا فالواجبات المالية لا تسقط عن فاقد الذاكرة، أما العبادات البدنية كالصلاة، والطهارة، والصيام فإنها تسقط عن مثل هذا الرجل لأنه لا يعقل. وأما من زال عقله بإغماء من مرض ونحوه فإنه لا تجب عليه الصلاة على قول أكثر أهل العلم، فإذا أغمي على المريض لمدة يوم أو يومين فلا قضاء عليه، لأنه ليس له عقل، وليس كالنائم الذي قال

стр. 261

فيه الرسول ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها (١) لأن النائم معه إدراك بمعنى أنه يستطيع أن يستيقظ إذا أوقظ، وإما المغمى عليه فلا يستطيع أن يستيقظ إذا أوقظ، هذا إذا كان الإغماء بغير سبب، إما إذا كان الإغماء بسبب منه كالذي أغمي عليه من البنج ونحوه فإنه يقضي الصلاة التي مرت عليه وهو في حال الغيبوبة، والله أعلم. *** س١٨٦: رجل له مدة شهرين لم يشعر بشيء ولم يصل ولم يصم رمضان فماذا يجب عليه ؟ الجواب: لا يجب عليه شيء لفقد شعوره، ولكن إن قدر الله أن يفيق لزمه قضاء رمضان، وإن قضى الله عليه بالموت فلا شيء عليه إلا أن يكون من ذوي الأعذار المستمرة كالكبير ونحوه ففرضه أن يطعم وليه عنه عن كل يوم مسكيناً. أما الصلاة فللعلماء في قضائها قولان: أحدهما: وهو قول الجمهور لا قضاء عليه لأن ابن عمر ﵄ أغمي عليه يوماً وليلة فلم يقض ما فاته (٢) . والقول الثاني: عليه القضاء وهو المذهب عند المتأخرين من الحنابلة، قال في الإنصاف: وهو من مفردات المذهب وهو مروي

стр. 262

عن عمار بن ياسر أنه أغمي عليه ثلاثاً وقضى ما فاته. حرر في ٢٤/٢/١٣٩٤هـ. *** س١٨٧: هل يجوز للإنسان تأخير الصلاة لتحصيل شرط من شروطها كما لو اشتغل باستخراج الماء ؟ الجواب: الصواب أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها مطلقاً، وإذا خاف الإنسان خروج الوقت صلى على حسب حاله، وإن كان يمكن أن يحصل الشرط قريباً لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: من الآية١٠٣) وكذلك النبي ﷺ وقت أوقات الصلاة، وهذا يقتضي وجوبها في وقتها، ولأنه لو جاز انتظار الشروط ما صح أن يشرع التيمم، لأن بإمكانه أن يحصل الماء بعد الوقت، ولا فرق بين أن يؤخرها إلى وقت طويل، أو إلى وقت قصير، لأن كليهما إخراج للصلاة عن وقتها وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. *** س١٨٨: من يسهر ولا يستطيع أن يصلي الفجر إلا بعد خروج الوقت فهل تقبل منه؟ وما حكم بقية الصلوات التي يصليها في الوقت ؟ الجواب: أما صلاة الفجر التي يؤخرها عن وقتها وهو قادر على أن يصليها في الوقت لأن بإمكانه أن ينام مبكراً فإن صلاته هذه

стр. 263

لا تقبل منه، لأن الرجل إذا أخر الصلاة عن وقتها بدون عذر ثم صلاها فإنها لا تقبل منه لقول النبي ﷺ : ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (١) والذي يؤخر الصلاة عن وقتها عمداً بلا عذر قد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردوداً عليه. لكن قد يقول: إنني أنام، وقد قال النبي ﷺ : ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)) (٢) . فنقول: إذا كان بإمكانه أن ينام مبكراً ليستيقظ مبكراً، أو يجعل عنده ساعة تنبهه، أو يوصي من ينبهه فإن تأخيره الصلاة وعدم قيامه يعتبر تعمداً لتأخير الصلاة عن وقتها فلا تقبل منه. أما بقية الصلوات التي كان يصليها في وقتها فإنها مقبولة. وإنني بهذه المناسبة أوجه كلمة وهي: أنه يجب على المسلم أن يقوم بعبادة الله على الوجه الذي يرضي الله ، لأنه في هذه الحياة الدنيا إنما خلق لعبادة الله ولا يدري متى يفجؤه الموت فينتقل إلى عالم الآخرة إلى دار الجزاء التي ليس فيها عمل كما قال الرسول ﷺ : ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) (٣) . *** س١٨٩: من يؤخر صلاة الفجر حتى يخرج وقتها ؟ الجواب: هؤلاء الذين يؤخرون صلاة الفجر حتى يخرج

стр. 264

وقت الفجر إن كانوا يعتقدون حل ذلك فإن هذا كفر بالله ، لأن من اعتقد حل تأخير الصلاة عن وقتها بلا عذر فإنه كافر لمخالفته الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين. أما إذا كان لا يرى حل ذلك، ويرى أنه عاص بالتأخير لكن غلبته نفسه وغلبه النوم فعليه أن يتوب إلى الله ، وأن يقلع عما كان يفعله وباب التوبة مفتوح حتى لأكفر الكافرين، فإن الله يقول: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: ٥٣) وعلى من علم بهم أن ينصحهم ويوجههم إلى الخير، فإن تابوا وإلا فعليه أن يبلغ الجهات المسؤولية عن هذا الأمر حتى تبرأ ذمته، وحتى تقوم الجهات المسؤولية بتأديب هذا وأمثاله. والله الموفق. *** س١٩٠: رجل خطب من رجل ابنته، ولما سأل عنه فإذا هو لا يصلي، وأجاب المسئول عنه بقوله: يهديه الله، فهل يزوج هذا ؟ الجواب: إذا كان الخاطب لا يصلي مع الجماعة فهو فاسق عاص الله ورسوله مخالف لما أجمع المسلمون عليه من كون الصلاة جماعة من أفضل العبادات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- صلي الله عليه وسلم٢٢٢ ج٢٣ من مجموع الفتاوى: ((اتفق العلماء على أنها -أي صلاة الجماعة- من أوكد العبادات، وأجل الطاعات، وأعظم شعائر الإسلام)) أهـ كلامه رحمه الله تعالى، ولكن هذا الفسق لا يخرجه من الإسلام فيجوز أن يتزوج بمسلمة، لكن غيره من

стр. 265

ذوي الاستقامة على الدين والأخلاق أولى منه، وإن كانوا أقل مالاً وحسابً كما جاء في الحديث: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه)) قالوا يا رسول الله! وإن كان فيه؟ قال: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقة فانكحوه)) ثلاث مرات، أخرجه الترمذي (١) ، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)) (٢) ففي هذين الحديثين دليل على أنه ينبغي أن يكون أولى الأغراض بالعناية والاهتمام الدين والخلق من الرجل والمرأة، واللائق بالولي الذي يخاف الله تعالى ويرعى مسؤوليته أن يهتم ويعتني بما أرشد إليه النبي ﷺ ، لأنه مسؤول عن ذلك يوم القيامة قال الله تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) (القصص: ٦٥) وقال: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ) (لأعراف: ٦) (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) (الأعراف: ٧) . أما إذا كان الخاطب لا يصلي أبداً لا مع الجماعة ولا وحده فهذا كافر خارج عن الإسلام، يجب أن يستتاب، فإن تاب وصلى تاب الله عليه إذا كانت توبته نصوحاً خالصة لله، وإلا قتل كافراً

стр. 266

مرتداً، ودفن في غير مقابر المسلمين من غير تغسيل، ولا تكفين، ولا صلاة عليه، والدليل على كفره نصوص من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسول الله ﷺ : فمن الكتاب قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (مريم: ٥٩) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ) (مريم: من الآية٦٠) فقوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ) دليل على أنه حين إضاعة الصلاة وإتباع الشهوات ليس بمؤمن. وقال تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (التوبة: من الآية١١) فدل على أن الأخوة في الدين لا تكون إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولكن السنة دلت على أن تارك الزكاة لا يكفر إذا كان مقراً بوجوبها لكن بخل بها، فبقيت إقامة الصلاة شرطاً في ثبوت الأخوة الإيمانية، وهذا يقتضي أن يكون تركها كفراً تنتفي معه الأخوة الإيمانية، وليس فسقاً، أو كفراً دون كفر، لأن الفسق والكفر دون الكفر لا يخرج الفاعل من دائرة الأخوة الإيمانية كما قال الله تعالى في الإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات: من الآية١٠) فلم تخرج الطائفتان المقتتلتان من دائرة الأخوة الإيمانية مع أن قتال المؤمن من الكفر كما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره من ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)) (١) .

стр. 267

وأما الأدلة من السنة على كفر تارك الصلاة فمثل قوله ﷺ : ((إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) (١) رواه مسلم عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ ، وعن بريدة بن الحصيب قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر (٢) رواه الخمسة: الإمام أحمد وأصحاب السنن. وعن عبادة بن الصامت ﵁ أنهم بايعوا النبي ﷺ على أن لا ينازعوا الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان (٣) ، والمعنى أن لا ينازعوا ولاة الأمور فيما ولاّهم الله عليه إلا أن يروا كفراً صريحاً عندهم فيه دليل من الله تعالى، فإذا فهمت ذلك فانظر إلى ما رواه مسلم أيضاً من حديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ)) وفي لفظ: (من كره فقد برئ) ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع)) ، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: ((لا، ما صلوا)) (٤) . فعلم من هذا الحديث أنهم إذا لم يصلوا قوتلوا، وحديث عبادة قبله

стр. 268

يدل على أنهم لا ينازعون، ومن باب أولى أن لا يقاتلوا إلا بكفر صريح فيه من الله برهان، فمن هذين الحديثين يؤخذ أن ترك الصلاة كفر صريح فيه من الله برهان. فهذه أدلة من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ على أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة كما جاء ذلك صريحاً فيما رواه ابن أبي حاتم في سننه عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: أوصانا رسول الله ﷺ : ((لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تتركوا الصلاة عمداً فمن تركها عامداً متعمداً خرج من الملة)) (١) . وأما الآثار عن الصحابة ﵃ فقد قال عمر بن الخطاب ﵁ ((لا إسلام لمن ترك الصلاة)) (٢) . وقال عبد الله بن شقيق: ((كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة)) (٣) رواه الترمذي والحاكم وصححه على شرطهما. وإذا كان الدليل السمعي الأثري يدل على كفر تارك الصلاة فكذلك الدليل النظري، قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: ((كل مستخف بالصلاة مستهين بها فهو مستخف بالإسلام مستهين به، وإنما حظهم في الإسلام على قدر حظهم من الصلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة)) ، وقال ابن القيم ﵀

стр. 269

تعالى- في كتاب ((الصلاة)) له ص٤٠٠ من مجموعة الحديث: ((لا يصر على ترك الصلاة إصراراً مستمراً من يصدق بأن الله أمر بها أصلاً، فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقاً تصديقاً جازماً أن الله فرض عليه كل يوم وليلة خمس صلوات، وأنه يعاقبه على تركها أشد العقاب وهو مع ذلك مصر على تركها، هذا من المستحيل قطعاً، فلا يحافظ على تركها مصدق بفرضها أبداً، فإن الإيمان يأمر صاحبه بها، فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر بها فليس في قلبه شيء من الإيمان، ولا تصغ إلى قول من ليس له خبرة ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها" أهـ كلامه ﵀. ولقد صدق فيما قال، فإن من المستحيل أن يترك الصلاة مع يسرها وسهولتها وعظم ثوابها، وعقاب تركها وفي قلبه شيء من الإيمان. وحيث تبين من نصوص الكتاب والسنة أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن ملة الإسلام فإنه لا يحل أن يزوج بمسلمة بالنص والإجماع قال الله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) (البقرة: من الآية٢٢١) وقال تعالى في المهاجرات: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ) (الممتحنة: من الآية١٠) وأجمع المسلمون على ما دلت عليه هاتان الآيتان من تحريم المسلمة على الكافرون وعلى هذا فإذا زوج الرجل من له ولاية عليها بنته أو غيرها رجلاً لا يصلي لم يصح تزويجه، ولم تحل له المرأة بهذا العقد، لأنه عقد ليس عليه أمر الله تعالى ورسوله، وقد ثبت عن النبي ﷺ من حديث عائشة ﵂ أنه قال: ((من عمل عملاً ليس

стр. 270

عليه أمرنا فهو رد)) (١) أي مردود عليه. وإذا كان النكاح ينفسخ إذا ترك الزوج الصلاة إلا أن يتوب ويعود إلى الإسلام بفعل الصلاة فما بالك بمن يقدم على تزوجيه من جديد؟! وخلاصة الجواب: أن هذا الخاطب الذي لا يصلي إن كان لا يصلي مع الجماعة فهو فاسق لا يكفر بذلك ويجوز تزويجه في هذه الحال لكن غيره من ذوي الدين والخلق أولى منه. وإن كان لا يصلي أبداً لا مع الجماعة ولا وحده فهو كافر مرتد خارج عن الإسلام، لا يجوز أن يزوج مسلمة بأي حال من الأحوال، إلا أن يتوب توبة صادقة، ويصلي ويستقيم على دين الإسلام. وأما ما ذكره السائل من أن والد المخطوبة سأل عنه فقال المسؤول عنه: يهديه الله. فإن المستقبل علمه عند الله تعالى وتدبيره بيده، ولسنا مخاطبين إلا بما نعلمه في الحال الحاضرة، وحال الخاطب الحاضرة حال كفر لا يجوز أن يزوج بمسلمة، فنرجو الله تعالى له الهداية والرجوع إلى الإسلام حتى يتمكن من الزواج بنساء المسلمين وما ذلك على الله بعزيز. أجاب بهذا وحرره بيده الفقير إلى الله محمد الصالح العثيمين في ١٨ ذي الحجة سنة ١٤٠٠هـ أربعمائة وألف. ***

стр. 271

س١٩١: ماذا يفعل الرجل إذا أمر أهله بالصلاة ولكنهم لم يستمعوا إليه، هل يسكن معهم ويخالطهم أو يخرج من البيت ؟ الجواب: إذا كان هؤلاء الأهل لايصلون أبداً فإنهم كفار، مرتدون خارجون عن الإسلام، ولا يجوز أن يسكن معهم ولكن يجب عليه أن يدعوهم ويلح ويكرر لعل الله أن يهديهم، لأن تارك الصلاة كافر - العياذ بالله- بدليل الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة، والنظر الصحيح (١) . وقد تأملت الأدلة التي استدل بها من يقول إنه لا يكفر فوجدتها لا تخرج عن أحوال أربع: ١- إما أنها لا دليل فيها أصلاً. ٢- أو أنها قيدت بوصف يمتنع معه ترك الصلاة. ٣- أو أنها قيدت بحال يعذر فيها بترك هذه الصلاة. ٤- أو أنها عامة فتخص بأحاديث كفر تارك الصلاة. وليس في النصوص أن تارك الصلاة مؤمن، أو أنه يدخل الجنة، أو ينجو من النار ونحو ذلك مما يحوجنا إلي تأويل الكفر الذي حكم به على تارك الصلاة بأنه كفر نعمة، أو كفر دون كفر. وإذا تبين أن تارك الصلاة كافر كفر ردة فإنه يترتب على كفره أحكام المرتدين ومنها: أولاً: أنه لا يصح أن يزوج فإن عقد له وهو لا يصلي فالنكاح باطل ولا تحل له الزوجة به لقوله تعالى عن المهاجرات: (فَإِنْ

стр. 272

عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ) (الممتحنة: من الآية١٠) . ثانياً: أنه إذا ترك الصلاة بعد أن عقد له فإن نكاحه ينفسخ ولا تحل له الزوجة. للآية التي ذكرناها سابقاً على حسب التفصيل المعروف عند أهل العلم بين أن يكون ذلك قبل الدخول أو بعده. ثالثاً: أن هذا الرجل الذي لا يصلي إذا ذبح لا تؤكل ذبيحته، لماذا؟ لأنها حرام، ولو ذبح يهودي أو نصراني فذبيحته يحل لنا أن نأكلها، فيكون -والعياذ بالله -ذبحه أخبث من ذبح اليهود والنصارى. رابعاً: أنه لا يحل له أن يدخل مكة أو حدود حرمها لقوله تعالى: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) . (التوبة: من الآية٢٨) . خامساً: أنه لو مات أحد من أقاربه فلا حق له في الميراث منه، فلو مات رجل عن ابن له لا يصلي (الرجل مسلم يصلي والابن لا يصلي) وعن ابن عم له بعيد (عاصب) فالذي يرثه ابن عمه البعيد دون ابنه لقوله ﷺ في حديث أسامة: ((لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)) (١) متفق عليه. ولقوله ﷺ : ((ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر)) (٢) . متفق عليه، وهذا مثال ينطبق على جميع الورثة.

стр. 273

سادساً: أنه إذا مات لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، إذاً ماذا نصنع به؟؟ نخرج به إلى الصحراء ونحفر له وندفنه بثيابه، لأنه لا حرمة له. وعلى هذا فلا يحل لأحد مات عنده ميت وهو يعلم أنه لا يصلي أن يقدمه للمسلمين يصلون عليه. سابعاً: أنه يحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف (١) ، أئمة الكفر -والعياذ بالله- ولا يدخل الجنة، ولا يحل لأحد من أهله أن يدعو له بالرحمة والمغفرة، لأنه كافر لا يستحقها لقوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (التوبة: ١١٣) . فالمسألة خطيرة جداً، ومع الأسف فإن بعض الناس يتهاونون في هذا الأمر، ويقرون في البيت من لا يصلي وهذا لا يجوز. والله أعلم. حرر في ٦/٢/١٤١٠هـ. *** س١٩٢: ما حكم بقاء المرأة المتزوجة من زوج لا يصلي وله أولاد منها؟ وحكم تزويج من لا يصلي ؟ الجواب: إذا تزوجت امرأة بزوج لا يصلي مع الجماعة ولا في بيته فإن النكاح ليس بصحيح، لأن تارك الصلاة كافر، كما دل على ذلك الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، وأقوال الصحابة، كما

стр. 274

قال عبد الله بن شقيق، ((كان أصحاب النبي ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة)) (١) ، والكافر لا تحل له المرأة المسلمة لقوله تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ) (الممتحنة: من الآية١٠) . وإذا حدث له ترك الصلاة بعد عقد النكاح فإن النكاح ينفسخ إلا أن يتوب ويرجع إلى الإسلام، وبعض العلماء يقيد ذلك بانقضاء العدة فإذا انتقضت العدة لم يحل له الرجوع إذا أسلم إلا بعقد جديد، وعلى المرأة أن تفارقه ولا تمكنه من نفسها حتى يتوب ويصلي، ولو كان معها أولاد منه، لأن الأولاد في هذه الحال لا حضانة لأبيهم فيهم. وعلى هذا أحذر إخواني المسلمين من أن يزوجوا بناتهم ومن له ولاية عليهم بمن لا يصلي لعظم الخطر في ذلك، ولا يحابوا في هذا الأمر قريباً ولا صديقاً. وأسأل الله الهداية للجميع، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. حرر في ٩/١٠/١٤١٤هـ. *** س١٩٣: من ترك الصلاة عمداً ثم تاب هل يقضي ما ترك ؟ الجواب: من ترك الصلاة عمداً ثم تاب إلى الله ورجع إليه، فقد اختلف أهل العلم هل يجب عليه قضاء ما ترك من الصلوات، أو لا يجب: على قولين لأهل العلم. والذي يترجح عندي ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية

стр. 275

-﵀ أن من ترك الصلاة متعمداً حتى خرج وقتها فإنه لا ينفعه قضاؤها، وذلك لأن العبادة المؤقتة بوقت لا بد أن تكون في نفس الوقت المؤقت، فكما لا تصح قبله لا تصح كذلك بعده، لأن حدود الله يجب أن تكون معتبرة، فهذه الصلاة فرضها الشارع علينا من كذا إلى كذا هذا محلها، فكما لا تصح الصلاة في المكان الذي لم يجعل مكاناً للصلاة، كذلك لا تصح في الزمان الذي لم يجعل زماناً للصلاة، لكن على من ترك الصلاة أن يكثر من التوبة والاستغفار والعمل الصالح وبهذا نرجو أن الله تعالى يعفو عنه، ويغفر له ما ترك من صلاة، والله الموفق. *** س١٩٤: ما واجب الأسرة نحو الأبناء تاركي الصلاة ؟ الجواب: إذا كان عندهم أولاد لا يصلون، فالواجب عليهم أن يلزموهم بالصلاة، إما بالقول والأمر، وإما بالضرب لقوله ﷺ : ((واضربوهم عليها لعشر)) (١) ، فإن لم يفد معهم الضرب فإنه يرفع بهم إلى الجهات المسئولة في الدولة - وفقها الله- من أجل إلزامهم بأدائها، ولا يحل السكوت عنهم، فإن ذلك من باب الإقرار على المنكر، لأن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة، فتارك الصلاة كافر مخلد في النار، فلا يجوز إذا مات على ذلك أن يغسل، أو يصلي عليه، أو يدفن في مقابر المسلمين. نسأل الله السلامة. ***

стр. 276

س١٩٥: ما حكم الآذان في حق المسافرين ؟ الجواب: هذه المسألة محل خلاف، والصواب وجوب الأذان على المسافرين، وذلك أن النبي ﷺ قال لمالك بن الحويرث وصحبه: ((إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم)) (١) وهم وافدون على رسول الله ﷺ مسافرون إلى أهليهم، ولأن النبي ﷺ لم يدع الأذان ولا الإقامة حضراً ولا سفراً، فكان يؤذن في أسفاره ويأمر بلالاً ﵁ أن يؤذن. *** س١٩٦: ما حكم الأذان والإقامة للمنفرد ؟ الجواب: الأذان والإقامة للمنفرد سنة، وليسا بواجب، لأنه ليس لديه من يناديه بالأذان، ولكن نظراً لكون الأذان ذكراً لله ، وتعظيماً، ودعوة لنفسه إلى الصلاة وإلى الفلاح، وكذلك الإقامة كان سنة، ويدل على استحباب الأذان ما جاء في حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يعجب ربك من راعي غنم على رأس الشظية للجبل يؤذن للصلاة، فيقول الله: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم للصلاة، يخاف مني قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة)) (٢) . ***

стр. 277

س١٩٧: إذا جمع الإنسان الظهر والعصر فهل لكل واحدة منهما إقامة؟ وهل للنوافل إقامة ؟ الجواب: لكل واحدة إقامة، كما في حديث جابر ﵁ في صفة حج النبي ﷺ ، حيث ذكر جمعه في مزدلفة قال: ((أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء ولم يسبح بينهما)) (١) . وأما النوافل فليس لها إقامة. *** س١٩٨: كلمة (الصلاة خير من النوم) هل هي في الأذان الأول أو في الأذان الثاني ؟ الجواب: كلمة (الصلاة خير من النوم) في الأذان الأول كما جاء في الحديث: ((فإذا أذنت أذان الصبح الأول فقل: (الصلاة خير من النوم)) (٢) فهي في الأذان الأول، لا الثاني. ولكن يجب أن يعلم ما هو الأذان الأول في هذا الحديث؟ هو الأذان الذي يكون بعد دخول الوقت، والأذان الثاني هو الإقامة، لأن الإقامة تسمى (أذاناً) قال النبي ﷺ : ((بين كل أذانين صلاة)) (٣) . والمراد الأذان والإقامة.

стр. 278

وفي صحيح البخاري أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان زاد الأذان الثالث في الجمعة. إذن الأذان الأول الذي أمر فيه بلال أن يقول: (الصلاة خير من النوم) هو الأذان لصلاة الفجر. أما الأذان الذي قبل طلوع الفجر، فليس أذاناً للفجر، فالناس يسمون أذان آخر الليل الأذان الأول لصلاة الفجر، والحقيقة أنه ليس لصلاة الفجر، لأن النبي ﷺ قال: ((إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم)) (١) . أي لأجل النائم يقوم ويتسحر، والقائم يرجع ويتسحر. وقال النبي ﷺ أيضاً لمالك بن الحويرث: ((إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم)) (٢) ومعلوم أن الصلاة لا تحضر إلا بعد طلوع الفجر. إذن الأذان الذي قبل طلوع الفجر ليس أذاناً للفجر. وعليه فعمل الناس اليوم وقولهم (الصلاة خير من النوم) في الأذان الذي للفجر هذا هو الصواب. وأما من توهم بأن المراد بالأذان الأول في الحديث هو الأذان الذي قبل طلوع الفجر، فليس له حظ من النظر. قال بعض الناس: الدليل أن المراد به الأذان الذي يكون في آخر الليل لأجل صلاة النافلة أنه يقال: (الصلاة خير من النوم)

стр. 279

وكلمة (خير) تدل على الأفضل. فنقول: إن كلمة (خير) تكون في الشيء الواجب الذي هو من أوجب الواجبات، مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (١٠) (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الصف: ١٠، ١١) مع أنه إيمان. وقال تعالى في صلاة الجمعة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) (الجمعة: من الآية٩) فالخيرية تكون في الواجب وتكون في المستحب. *** س١٩٩: هل يصح الأذان بالمسجل ؟ الجواب: الأذان بالمسجل غير صحيح، لأن الأذان عبادة، والعبادة لا بد لها من نية. *** س٢٠٠: إذا دخل الإنسان المسجد والمؤذن يؤن فما الأفضل له ؟ الجواب: الأفضل أن يجيب المؤذن ثم يدعو بعد ذلك بما ورد، ثم يدخل في تحية المسجد، إلا أن بعض العلماء استثنوا من ذلك من دخل المسجد والمؤذن يؤذن يوم الجمعة الأذان الثاني فإنه يصلي تحية المسجد لأجل أن يستمع الخطبة، وعللوا ذلك بأن استماع الخطبة واجب وإجابة المؤذن ليست واجبة، والمحافظة على الواجب أولى من المحافظة على غير الواجب. ***

стр. 280

س٢٠١: ورد في الحديث أن الإنسان يقول عند متابعته للمؤذن ((رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً)) فمتى يقول هذا ؟ الجواب: ظاهر الحديث أن المؤذن إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله وأجبته تقول بعد ذلك: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، لأن الحديث جاء فيه: ((من قال حين يسمع النداء أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، رضيت بالله رباًن وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولًا)) (١) وفي رواية: ((من قال وأنا أشهد)) وفي قوله: ((وأنا أشهد")) دليل على أنه يقولها عقب قول المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله لأن الواو حرف عطف فيعطف قوله على قول المؤذن. *** س٢٠٢: زيادة ((إنك لا تخلف الميعاد)) في الذكر الذي بعد الأذان، هل هي صحيحة ؟ الجواب: هذه الزيادة محل خلاف بين علماء الحديث: فمنهم من قال: إنها غير ثابتة لشذوذها، لأن أكثر الذين رووا الحديث لم يرووا هذه الكلمة، والمقام يقتضي ألا تحذف، لأنه مقام دعاء وثناء وما كان على هذا السبيل فإنه لا يجوز حذفه لأنه متعبد به. ومن العلماء من قال: إن سندها صحيح وأنها تقال ولا تنافي غيرها، وممن ذهب إلى تصحيحها الشيخ عبد العزيز بن باز

стр. 281

وقال: إن سندها صحيح حيث أخرجها البيهقي سند صحيح (١) . *** س٢٠٣: هل يتابع الإنسان في الإقامة ؟ الجواب: المتابعة في الإقامة فيها حديث أخرجه أبو داود (٢) لكنه ضعيف لا تقوم به الحجة، والراجح أنه لا يتابع. *** س٢٠٤: نسمع من بعض الناس بعد إقامة الصلاة قولهم: أقامها الله وأدامها فما حكم ذلك ؟ الجواب: ورد في الحديث عن الرسول ﵊ أنه كان إذا قال المؤذن: ((قد قامت الصلاة)) قال: ((أقامها الله وأدامها)) (٣) ، لكن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة. *** س٢٠٥: ما أفضل وقت تؤدى فيه الصلاة؟ وهل أول الوقت هو الأفضل ؟ الجواب: الأكمل أن تكون على وقتها المطلوب شرعاً،

стр. 282

ولهذا قال النبي ﷺ في جواب من سأله أي العمل أحب إلى الله ؟ قال: ((الصلاة على وقتها)) (١) ولم يقل (الصلاة في أول وقتها) وذلك لأن الصلوات منها ما يسن تقديمه، ومنها ما يسن تأخيره، فصلاة العشاء مثلاً يسن تأخيرها إلى ثلث الليل، ولهذا لو كانت امرأة في البيت وقالت أيهما أفضل لي أن أصلي صلاة العشاء من حين أذان العشاء أو أؤخرها إلى ثلث الليل؟ قلنا: الأفضل أن تؤخرها إلى ثلث الليل، لأن النبي ﷺ تأخر ذات ليلة حتى قالوا: يا رسول الله رقد النساء والصبيان. فخرج وصلى بهم وقال: ((إن هذا لوقتها لولا أن أشق على أمتي)) (٢) . فالأفضل للمرأة إذا كانت في بيتها أن تؤخرها. وكذلك لو فرض أن رجالاً محصورين، يعني رجالاً معينين في سفر فقالوا: نؤخر الصلاة أو نقدم؟ فنقول: الأفضل أن تؤخروا. وكذلك لو أن جماعة خرجوا في نزهة وحان وقت العشاء فهل الأفضل أن يقدموا العشاء أو يؤخروها؟ نقول: الأفضل أن يؤخروها إلا إذا كان في ذلك مشقة. وبقية الصلوات الأفضل فيها التقديم إلا لسبب، فالفجر تقدم، والظهر تقدم، والعصر تقدم، والمغرب تقدم، إلا إذا كان هناك سبب.

стр. 283

فمن الأسباب: إذا اشتد الحر فإن الأفضل تأخير صلاة الظهر إلى أن يبرد الوقت، يعني إلى قرب صلاة العصر، لأنه يبرد الوقت إذا قرب وقت العصر، فإذا اشتد الحر فإن الأفضل الإبراد لقول النبي ﷺ : ((إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم)) (١) وكان ﷺ في سفر فقام بلال ليؤذن فقال: ((أبرد)) ثم قام ليؤذن، فقال: ((أبرد)) (٢) ثم قام ليؤذن، فأذن له. ومن الأسباب أيضاً أن يكون في آخر الوقت جماعة لا تحصل في أول الوقت، فهنا التأخير أفضل، كرجل أدركه الوقت وهو في البر وهو يعلم أنه سيصل إلى البلد ويدرك الجماعة في آخر الوقت، فهل الأفضل أن يصلي من حين أن يدركه الوقت، أو أن يؤخر حتى يدرك الجماعة؟ نقول: إن الأفضل أن تؤخر حتى تدرك الجماعة، بل قد نقول بوجوب التأخير هنا تحصيلاً للجماعة. *** س٢٠٦: إذا صلى الإنسان قبل الوقت جهلاً فما الحكم ؟ الجواب: صلاة الإنسان قبل الوقت لا تجزئه عن الفريضة لأن الله تعالى يقول: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: من الآية١٠٣) وبين النبي ﷺ هذه الأوقات في

стр. 284

قوله: ((وقت الظهر إذا زالت الشمس)) (١) الخ الحديث. وعلى هذا فمن صلى الصلاة قبل وقتها فإن صلاته لا تجزئه عن الفريضة لكنها تقع نفلاً بمعنى أنه يثاب عليها ثواب نفل، وعليه أن يعيد الصلاة بعد دخول الوقت. والله أعلم. *** س٢٠٧: هل يسقط الترتيب بين الصلوات المقضية بسبب النسيان والجهل ؟ الجواب: هذه المسألة محل خلاف، والصواب أنه يسقط والدليل عموم قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة: من الآية٢٨٦) . وقال ﵊: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (٢) . *** س٢٠٨: شخص دخل المسجد لصلاة العشاء ثم تذكر أنه لم يصل المغرب فماذا يعمل ؟ الجواب: إذا دخلت المسجد وصلاة العشاء مقامة ثم تذكرت أنك لم تصل المغرب فتدخل مع الجماعة بنية صلاة المغرب، وإذا قام الإمام إلى الركعة الرابعة فتجلس أنت في الثالثة، وتنتظر الإمام ثم تسلم معه، ولك أن تسلم ثم تدخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء، ولا يضر اختلاف النية بين الإمام والمأموم على الصحيح من أقوال أهل العلم، وإن صليت المغرب وحدك ثم

стр. 285

صليت مع الجماعة فيما أدركت من صلاة العشاء فلا بأس. *** س٢٠٩: إذا فاتني فرض أو أكثر لنوم أو نسيان، فكيف أقضي الصلاة الفائتة؟ هل أصليها أولاً ثم الصلاة الحاضرة أم العكس ؟ الجواب: تصليها أولاً، ثم تصلي الصلاة الحاضرة، ولا يجوز التأخير، وقد شاع عند الناس أن الإنسان إذا فاته فرض فإنه يقضيه مع الفرض الموافق له من اليوم الثاني، فمثلاً لو أنه لم يصل الفجر يوماً فإنه لا يصليه إلا مع الفجر في اليوم الثاني، وهذا غلط، وهو مخالف لهدي النبي ﷺ القولي والفعلي: أما القول: فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: ((من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها)) (١) . ولم يقل: فليصلها من اليوم الثاني إذا جاء وقتها، بل قال: ((فليصلها إذا ذكرها)) . وأما الفعلي: فحين فاتته الصلوات في يوم من أيام الخندق صلاها قبل الصلاة الحاضرة، فدل هذا على أن الإنسان يصلي الفائتة ثم يصلي الحاضرة، لكن لو نسي فقدم الحاضرة على الفائتة، أو كان جاهلاً لا يعلم فإن صلاته صحيحة، لأن هذا عذر له. وبهذه المناسبة أود أن أقول: إن الصلوات بالنسبة للقضاء على ثلاثة أقسام: القسم الأول: يقضى متى زال العذر، أي عذر التأخير وهي
следующие страницы →