← Фатава

Фатава · id 9924

فتاوى أركان الإسلام

ابن عثيمين

Полный текст (561 стр.). Показаны 526–561 · переход к 531.

стр. 526

تعالى: قد فعلت، ولقوله تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الأحزاب: ٥) ولقوله تعالى في خصوص الصيد هو من محظورات الإحرام: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً) (المائدة: ٩٥) . ولا فرق في ذلك بين أن يكون محظور الإحرام من اللباس، والطيب ونحوهما، أو من قتل الصيد، وحلق شعر الرأس ونحوهما، وإن كان بعض العلماء فرق بين هذا وهذا، ولكن الصحيح عدم التفريق، لأن هذا من المحظور الذي يعذر فيه الإنسان بالجهل، والنسيان، والإكراه. * * * س ٤٩٢: حاج وقع في بعض الأخطاء في أداء نسكه ولم يكن معه ما يكفر به وسافر إلى بلده فهل يخرج ما وجب عليه في بلده أم يلزمه أن يكون في مكة؟ وإذا كان يلزم في مكة فهل يجوز التوكيل ؟ الجواب: لا بد أن نعرف ما هو هذا الشيء الذي حصل: إن كان ترك واجب ففيه فدية يذبحها في مكة؛ لأنها تتعلق بالنسك، ولا يجزئ في غير مكة. وإن كان فعل محظور فإنه يجزى فيه واحد من ثلاث أمور: إما إطعام ستة مساكين، ويكون في مكة أو في مكان فعل المحظور. وإما صيام ثلاثة أيام، وفي هذه الحال يصوم ثلاثة أيام في مكة أو غيرها. إلا أن يكون هذا المحظور جماعاً قبل التحلل الأول في الحج، فإن الواجب فيه بدنه يذبحها في مكان فعل المحظور، وفي مكة

стр. 527

ويفرقها على الفقراء، أو أن يكون جزاء صيد فإن الواجب مثله، أو إطعام، أو صيام فإن كان صوماً ففي أي مكان، وإن كان إطعاماً أو ذبحاً فإن الله تعالى يقول: (هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ) (المائدة: ٩٥) . فلا بد أن يكون في الحرم، وله أن يوكل فيه، لأن النبي ﷺ وكل عليّاً ﵁ في ذبح ما بقي من هديه. * * * س ٤٩٣: هل يجوز تقديم السعي على الطواف ؟ الجواب: أما بالنسبة لتقديم سعي الحج على طواف الإفاضة فهذا جائز، لأن النبي ﷺ وقف يوم النحر وجعل الناس يسألونه وقيل له سعيت قبل أن أطوف فقال: ((لا حرج)) (١) . فمن كان متمتعاً فقدم السعي في الحج على الطواف، أو مفرداً، أو قارناً ولم يكن سعى مع طواف القدوم فقدم السعي علي الطواف فهذا لا بأس به لقول النبي ﷺ " لا حرج". * * * س ٤٩٤: ما حكم تكرار العمرة في رمضان؟ وهل هناك مدة معينة بين العمرتين ؟ الجواب: تكرار العمرة في شهر رمضان من البدع، لأن تكرارها في شهر واحد خلاف ما كان عليه السف حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ذكر في الفتاوى أنه يكره تكرار العمرة والإكثار منها باتفاق السلف، ولا سيما من يكررها في

стр. 528

رمضان وهذا لو كان من الأمور المحبوبة لكان السلف أحرص منا على ذلك، ولكرروا العمر، وهذا النبي ﵊ أتقى الناس لله ، وأشد الناس حبّاً للخير بقي في مكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة، ولم يأت بعمرة، وهذه عائشة ﵂ حين ألحت على النبي ﷺ أن تعتمر، أمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بها من الحرم إلى الحل لتأتي بعمرة، ولم يرشد النبي ﷺ عبد الرحمن أن يأتي بعمرة، ولو كان هذا مشروعاً لأرشده النبي ﷺ ، ولو كان هذا معلوم المشروعية عند الصحابة لفعله عبد الرحمن بن أبي بكر لأنه خرج إلى الحل. والمدة المعنية لما بين العمرتين قال الإمام أحمد ﵀: (ينتظر حتى يحمم رأسه)) بمعنى يسود كالحممة، والحممة هي العيدان المحترقة. * * * س ٤٩٥: ما الحكم إذا أقيمت الصلاة أثناء الطواف؟ وهل يستأنف الطواف؟ وإذا لم يستأنف فيمن أين يكمل ؟ الجواب: إذا أقيمت الصلاة والإنسان يطوف سواء طواف عمرة، أو طواف حج، أو طواف تطوع فإنه ينصرف من طوافه ويصلي، ثم يرجع ويكمل الطواف، ولا يستأنفه من جديد ويكمل الطواف من الموضع الذي انتهى إليه من قبل، ولا حاجة إلى إعادة الشوط من جديد؛ لأن ما سبق بني على أساس صحيح وبمقتضى إذن شرعي فلا يمكن أن يكون باطلاً إلا بدليل شرعي. * * *

стр. 529

س ٤٩٦: إذا سعى المعتمر قبل الطواف ثم طاف فماذا يلزمه ؟ الجواب: إذا سعى المعتمر قبل أن يطوف ثم طاف فإنه لا يعيد إلا السعي فقط، وذلك لأن الترتيب بين الطواف والسعي واجب فإن رسول الله ﷺ رتب بينهما وقال: ((لتأخذوا عني مناسككم)) (١) وإذا أخذنا عنه ﷺ مناسكه بدأنا بالطواف أولاً، ثم بالسعي ثانياً، ولكن لو قال أنا تعبت في السعي الأول، قلنا إنه يؤجر على تعبه، ولكن لا يقر على الخطأ. وذهب بعض التابعين وبعض العلماء إلى أنه سعى قبل الطواف من العمرة ناسياً، أو جاهلاً فلا شيء عليه، كما لو كان ذلك في الحج. * * * س ٤٩٧: ما المراد بالاضطباع؟ ومتى يُشرع ؟ الجواب: الاضطباع أن يكشف الإنسان كتفه الأيمن ويجعل طرفي الرداء على الكتف الأيسر. وهو مشروع في طواف القدوم، وأما في غيره فإنه ليس بمشروع. * * * س ٤٩٨: هل يجوز التطوع بالسعي ؟ الجواب: لا يجوز التطوع بالسعي، لأن السعي إنما يشرع في

стр. 530

النسك، الحج أو العمرة لقول الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ١٥٨) س ٤٩٩: من ترك طواف الإفاضة جهلاً ماذا يلزمه ؟ الجواب: طواف الإفاضة ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به، فإذا تركه الإنسان فإن حجه لم يتم، ولا بد أن يأتي به فيرجع ولو من بلده فيطوف طواف الإفاضة، وفي هذه الحال ما دام لم يطف لا يجوز أن يستمتع بزوجته؛ لأنه لم يتحلل التحلل الثاني إلا بعد طواف الإفاضة، والسعي إن كان متمتعاً، أو كان قارناً، أو مفرداً، ولم يكن سعى مع طواف القدوم. * * * س ٥٠٠: رأيت بعض الطائفين يدفع نساءه لتقبيل الحجر فأيهما أفضل تقبيل الحجر، أو البعد عن مزاحمة الرجال ؟ الجواب: إذا كان هذا السائل رأى هذا الأمر العجيب فأنا رأيت أمراً أعجب منه، رأيت من يقوم قبل أن يسلم من الفريضة ليسعى بشدة إلى تقبيل الحجر فيبطل صلاته الفريضة المفروضة التي هي أحد أركان الإسلام لأجل أن يفعل هذا الأمر، الذي ليس بواجب، وليس بمشروع أيضاً إلا إذا قرن بالطواف، وهذا من جهل الناس، الجهل المطبق الذي يأسف الإنسان له، فتقبيل الحجر واستلام الحجر ليس بسنة إلا في الطواف، لأني لا أعلم أن استلامه مستقلاً عن الطواف من السنة، وأنا أقول في هذا المكان لا أعلم،

стр. 531

وأرجو ممن عنده علم خلاف ما أعلم أن يبلغنا به جزاه الله خيراً. إذا فهو من مسنونات الطواف، ثم إنه ليس بمسنون إلا حيث لا يكون بذلك أذية لا على الطائف، ولا على غيره؟، فإن كان في ذلك أذية على الطائف، أو على غيره فإننا ننتقل إلى المرتبة الثانية التي شرعها لنا رسول الله ﷺ بحيث أن الإنسان يستلم الحجر بيده ويقبل يده، فإن كانت هذه المرتبة لا تمكن أيضاً إلا بأذى أو مشقة فإننا ننتقل إلى المرتبة الثالثة التي شرعها لنا رسول الله ﷺ وهي الإشارة إليه، فنشير إليه بيدنا، لا بيدينا الاثنين، ولكن بيدنا الواحدة اليمنى نشير إليه ولا نقبلها هكذا كانت سنة رسول الله ﷺ . وإذا كان الأمر أفظع وأشد كما يذكر السائل أن الإنسان يدفع بنساءه ربما تكون المرأة حاملاً، أو عجوزاً، أو فتاة لا تطيق، أو صبيًّا يرفعه بيده ليقبل الحجر كل هذا من الأمر المنكر، لأنه يحصل بذلك ضرر على الأهل، ومضايقة ومزاحمة للرجال، وكل هذا مما يكون دائراً بين التحريم، أو الكراهة، فعلى المرء أن لا يفعل ذلك ما دام الأمر، ولله الحمد واسعاً - فأوسع على نفسك، ولا تشدد فيشدد الله عليك. * * * س ٥٠١: امرأة حجت مع زوجها حج تمتع وفي الشوط السادس من طواف العمرة قال زوجها: إنه السابع وأصر على رأيه فهل عليها شئ ؟ الجواب: إذا كانت هي تتيقن أنها في الشوط السادس وأنها لم

стр. 532

تكمل الطواف فإن عمرتها لم تتم حتى الآن، لأن الطواف ركن من أركان العمرة لا يمكن أن تتم العمرة إلا به، فإذا أحرمت بالحج بعد صارت قارنه؛ لأنها أدخلت الحج على العمرة قبل انتهائها وإن حصل عندها شك حين رأت زوجها مصمماً على أن هذا هو الشوط السابع فإنه لا شيء عليها؛ لأنه إذا حصل عندها شك، وعند زوجها اليقين، فإنها ترجع إلى قول زوجها لترجحه، الله أعلم. * * * س ٥٠٢: إذا كان المعتمر أو الحاج لا يعرف إلا القليل من الأدعية فهل يقرأ من كتب الأدعية في طوافه وسعيه وغير ذلك من المناسك ؟ الجواب: إن الحاج أو المعتمر يكفيه من الأدعية ما يعرفه، لأن الأدعية التي يعرفها يدعو بها وهو يعرف معناها، ويسأل الله حاجته فيها، وأما إذا أخذ كتاباً أو مطوفاً يلقنه ما لا يدري عنه فإن ذلك لا ينفعه، وكثير من الناس يتبعون المطوف بما يقول وهم لا يدرون معنى ما يقول، وكثير من الناس يأخذ هذه الكتيبات ويقرؤها وهو لا يدري ما معناها، وهذه الكتيبات التي فيها لكل شوط دعاء معين هي من البدع، التي لا يجوز للمسلم أن يستعملها، لأنها ضلالة، والنبي ﷺ لم يوقت لأمته دعاء لكل شوط،: ((إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله)) (١) ، وإذا كان كذلك فإن الواجب على المؤمن الحذر من هذه الكتيبات، وأن يسأل الله حاجته

стр. 533

التي يريدها، وأن يذكر الله بما يستطيع وبما يعرف فذلك خير له من أن يستعمل هذه الكتيبات التي قد لا يعرف معناها، بل قد لا يعرف لفظها فضلاً عن معناها. * * * س ٥٠٣: هل هناك دعاء خاص لمناسك الحج والعمرة من طواف وسعي وغيرهما ؟ الجواب: ليس هناك دعاء خاص بالحج والعمرة، بل يقول الإنسان ما شاء من دعاء، ولكن إذا أخذ بما ورد عن النبي ﷺ فهو أكمل مثل الدعاء بين الركن اليماني والحجر الأسود ((ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)) . وكذلك ما ورد من الدعاء في يوم عرفة، وما ورد من الذكر على الصفا والمرة وما أشبه ذلك، فالشيء الذي يعلمه من السنة ينبغي أن يقوله، والشيء الذي لا يعلمه يكفي عنه ما كان في ذهنه مما يعلمه، وهذا ليس على سبيل الوجوب أيضاً بل هو على سبيل الاستحباب. وبهذه المناسبة أود أن أقول: إنما يكتب في المناسك الصغيرة التي تقع في أيدي الحجاج والعمار من الأدعية المخصصة لكل شوط أقول: إن هذا من البدع، وفيها من المفاسد ما هو معلوم، فإن هؤلاء الذين يقرؤنها يظنون أنها أمر وارد عن النبي ﵊، ثم يعتقدون التعبد بتلك الألفاظ المعينة، ثم إنهم يقرؤونها ولا يعلمون المراد بها، ثم إنهم يخصون هذا الدعاء بكل شوط، فإذا انتهى الدعاء قبل تمام الشوط كما يكون في الزحام سكتوا في بقية الشوط، وإذا انتهى الشوط قبل انتهاء هذا الدعاء قطعوا الدعاء

стр. 534

وتركوه، حتى لو أنه قد وقف على قوله ((اللهم)) ولم يأتي بما يريد قطعه وتركه، وكل هذا من الأضرار التي تترتب على هذه البدعة، وكذلك ما يوجد في هذه المناسك من الدعاء عند مقام إبراهيم، فإن هذا لم يرد عن النبي ﵊ أنه دعا عند مقام إبراهيم، وإنما قرأ حين أقبل عليه (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) (البقرة: ١٢٥) وصلى خلفه ركعتين، وأما هذا الدعاء الذي يدعون به، ويشوشون به على المصلين عند المقام فإنه منكر من جهتين: إنه لم يرد عن النبي ﵊ فهو بدعة. أنهم يؤذون به هؤلاء المصلين الذين يصلون خلف المقام. وغالب ما يوجد في هذه المناسك غالبه مبتدع، إما في كيفيته وإما في وقته، وإما في موضعه. نسأل الله الهداية. * * * س ٥٠٤: رجل بعد الفراغ من عمرته وجد في ثياب إحرامه نجاسة فما الحكم ؟ الجواب: إذا طاف الإنسان للعمرة وسعى، وبعد ذلك وجد في ثوب إحرامه نجاسة فإن طوافه صحيح، وسعيه صحيح وعمرته صحيحة؛ وذلك لأن الإنسان إذا كان على ثوبه نجاسة لم يعلم بها، أو كان عالماً بها ولكن نسي أن يغسلها، وصلي في ذلك الثوب فإن صلاته صحيحة، وكذلك لو طاف بهذا الثوب فإن طوافه صحيح والدليل لذلك قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة: ٢٨٦) وهذا دليل عام يعتبر قاعدة عظيمة من قواعد الشرع، وهناك دليل خاص في المسألة وهو أن الرسول ﷺ صلى ذات يوم

стр. 535

بأصحابه وكان من سنته ﵊ أن يصلي في نعليه، فخلع نعاله، فخلع الناس نعالهم، فلما أتم صلاته قال: ((ما شأنكم)) ؟ قالوا: رأيناك يا رسول الله خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: ((إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما خبثاً)) (١) - يعني نجاسة- ولم يستأنف النبي صلى الله عيه وسلم الصلاة، مع أن أول صلاته كان قد لبس حذاءً نجساً، فدل هذا على أن من صلى بثوب نجس ناسياً، أو جاهلاً فإن صلاته صحيحة. وهنا مسألة: إذا أكل الإنسان لحم جزور وقام يصلى ولم يتوضأ بناء على أنه أكل لحم غنم فهل يعيد الصلاة إذا علم؟ فنقول: إنه يعيد الصلاة بعد أن يتوضأ فإذا قال قائل: لماذا قلتم في من صلى بثوب نجس جهلاً لا يعيد، وفيمن أكل لحم إبل جاهلاً إنه يعيد؟ قلنا: لأن لدينا قاعدة مفيدة مهمة وهي ((المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان، والمنهيات تسقط بالجهل والنسيان)) ، ودليل هذه القاعدة قول النبي صلى الله عيه وسلم: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)) (٢) . ولما سلم من ركعتين في إحدى صلاتي العشي ونسي بقية الصلاة أتمها لما ذكر، فهذا دليل على أن المأمورات لا تسقط بالنسيان، لأنه ﷺ أمر من نسي صلاة أن يصليها: إذا ذكر، ولم تسقط عنه بالنسيان، وكذلك أتم الصلاة ولم يسقط بقيتها بالنسيان، والدليل على أن المأمورات لا تسقط بالجهل أن رجلاً جاء

стр. 536

فصلى صلاة لا يطمئن فيها ثم جاء إلى النبي ﷺ فسلم عليه فقال له ((ارجع فإنك لم تصل)) ، وردده ثلاث مرات، وهو يصلي ويأتي فيقول: ((ارجع فصل فإنك لم تصلّ)) (١) ، حتى علمه النبي ﷺ وصلى صلاة صحيحة، فهذا الرجل ترك واجباً جاهلاً لأن الرجل قال: ((والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني)) ، ولو كان الواجب يسقط بالجهل لعذره النبي صلى الله عليه، وهذه القاعدة مهمة مفيدة لطالب العلم. * * * س ٥٠٥: هل الأثر الذي في مقام إبراهيم هو أثر قدمي إبراهيم ﵊ أم لا ؟ الجواب: لا شك أن مقام إبراهيم ثابت، وأن هذا الذي بني عليه الزجاج هو مقام إبراهيم، لكن الحفر الذي فيه لا يظهر أنها أثر القدمين، لأن المعروف من الناحية التاريخية أن أثر القدمين قد زال منذ أزمنة متطاولة، ولكن حفرت هذه أو صنعت للعلامة فقط، ولا يمكن أن نجزم بأن هذا الحفر هو موضع قدمي إبراهيم ﵊. وبالمناسبة أحب أن أنبه على مسألة وهي أن بعض المعتمرين والحجاج يقف عند مقام إبراهيم، ويدعو بدعاء لم يرد عن النبي ﵊، وربما يدعو بدعاء بصوت مرتفع، فيشوش على الذين يصلون ركعتي الطواف خلف المقام، وليس للمقام دعاء

стр. 537

بل السنة تخفيف الركعتين خلفه، ثم يقوم بعد التسليم مباشرة ليترك المكان لمن هو أحق به منه من الذين يريدون صلاة ركعتي الطواف. * * * س ٥٠٦: هل يجوز التمسح بثوب الكعبة ؟ الجواب: التبرك بثوب الكعبة والتمسح به من البدع؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ، ولما طاف معاوية بن أبي سفيان ﵁ بالكعبة وجعل يمسح جميع أركان البيت، أنكر عليه عبد الله بن عباس - رضى الله عنهما- فأجاب معاوية ((ليس شيء من البيت مهجوراً)) ، فرد عليه ابن عباس بقوله: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)) وقد رأيت النبي ﷺ يمسح الركنين اليمانيين)) يعني الحجر الأسود والركن اليماني وهذا دليل على أننا نتوقف في مسح الكعبة وأركانها على ما جاءت به السنة، لأن هذه هي الأسوة الحسنة في رسول الله ﷺ وأما الملتزم الذي بين الحجر الأسود والباب فإن هذا قد ورد عن الصحابة ﵃ أنهم قاموا به فالتزموه يدعون، والله أعلم. * * * س ٥٠٧: ما حكم الحلق أو التقصير في العمرة؟ وأيهما أفضل ؟ الجواب: الحلق أو التقصير بالنسبة للعمرة واجب، لأن النبي ﷺ لما قدم مكة في حجة الوداع وطاف وسعي أمر كل من لم يسق الهدي أن يقصر ثم يحل، فلما أمرهم أن يقصروا - والأصل في الأمر الوجوب دل على أنه لابد من التقصير، ويدل لذلك أن النبي ﷺ أمرهم حين أحصروا في غزوة الحديبية أن يحلقوا حتى إنه

стр. 538

صلى الله عليه وسلم غضب حين توانوا في ذلك. وأما هل الأفضل في العمرة التقصير أو الحلق؟ فالأفضل الحلق إلا للمتمتع الذي قدم متأخراً فإن الأفضل في حقه التقصير من أجل أن يوفر الحلق للحج. * * * س ٥٠٨: حاج متمتع طاف وسعى للعمرة ولبس ملابسه العادية ولم يقصر ولم يحلق وسأل بعد الحج فأخبر أنه أخطأ فماذا يفعل ؟ الجواب: هذا الرجل يعتبر تاركاً لواجب من واجبات العمرة وهو الحلق أو التقصير، وعليه عند أهل العلم أن يذبح فدية في مكة، ويوزعها على فقراء مكة، وهو باق على تمتعه وعمرته صحيحة. * * * س ٥٠٩: من أحرم متمتعاً ولم يقصر أو يحلق لعمرته وأكمل مناسك الحج ماذا عليه ؟ الجواب بقوله: هذا الحاج ترك التقصير في عمرته، والتقصير من واجبات العمرة، وفي ترك الواجب عند أهل العلم دم يذبحه الإنسان في مكة ويوزعه على الفقراء، وعلى هذا فنقول لهذا الحاج يجب عليك على ما قاله أهل العلم أن تذبح فدية بمكة ويوزعها على الفقراء، وبهذا تتم عمرتك وحجك، وإن كان خارج مكة فإنه يوصي من يذبح له الفدية بمكة. والله الموفق. * * *

стр. 539

س ٥١٠: متمتع لم يجد الهدي فصام ثلاثة أيام في الحج ولم يصم السبعة الباقية، ومضى علي ذلك ثلاث سنوات فماذا يفعل ؟ الجواب: يلزمه أن يصوم بقية الأيام العشرة وهي سبعة أيام، ونسأل الله له العون. س ٥١١: شخص يحلق شعره للعمرة في بلده فما حكم عمرته ؟ الجواب: يقول أهل العلم إن حلق الرأس لا يختص بمكان فإذا حلق في مكة، أو في غير مكة فلا بأس، لكن الحلق في العمرة يتوقف عليه الحل، وأيضاً سيكون بعد الحلق طواف وداع فالعمرة هكذا ترتيبها إحرام، وطواف، وسعي، وحلق، أو تقصير، وطواف وداع إذا أقام الإنسان بعد أداء العمرة، وأما إذا سافر من حين أن أتى بأفعال العمرة فلا وداع عليه، إذاً معناه لابد أن يحلق رأسه أو يقصره وهو في مكة إذا كان يريد الإقامة؛ لأنه سيأتي بعده طواف الوداع، وأما إذا طاف وسعى وخرج إلى بلده فوراً فإنه لا حرج عليه أن يقصر، أو يحلق في بلده، لكنه سيبقى على إحرامه حتى يقصر أو يحلق. * * * س ٥١٢: من أحرم بالعمرة متمتعاً ثم بد له أن لا يحج فهل عليه شيء ؟ الجواب: لا شيء عليه، لأن المتمتع إذا أحرم بالعمرة فأتمها ثم بد له أن لا يحج قبل أن يحرم بالحج فلا شيء عليه، إلا أن ينذر

стр. 540

فإذا نذر أن يحج هذا العام وجب عليه الوفاء بنذره، فإن كان بدون نذر فإنه لا حرج عليه إذا ترك الحج بعد أداء العمرة، والله الموفق. * * * س ٥١٣: من أحرم بالحج متمتعاً واعتمر ولم يتحلل من إحرامه إلى أن ذبح الهدي جاهلاً فماذا عليه؟ وهل حجه صحيح ؟ الجواب: يجب أن يعرف أن الإنسان إذا أحرم متمتعاً فإنه إذا طاف وسعى، قصر من شعره من جميع الرأس، وحل من إحرامه، هذا هو الواجب، فإذا استمر في إحرامه فإن كان قد نوى الحج قبل أن يشرع في الطواف- إي طواف العمرة- فهذا لا حرج عليه؛ لأنه في هذه الحال يكون قارناً، ويكون ما أدى من الهدي عن القرآن. وإن كان قد بقي على نية العمرة حتى طاف وسعى فإن كثيراً من أهل العلم يقولون إن إحرامه بالحج غير صحيح؛ لأنه لا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الشروع في طوافها. ويرى بعض أهل العلم أنه لا بأس به، وحيث إنه جاهل فالذي أرى أنه لا شيء عليه وأن حجه صحيح إن شاء الله تعالى والله الموفق. * * * س ٥١٤: قوم ضلوا الطريق إلى مزدلفة فلما أقبلوا عليها توقفوا وصلوا المغرب والعشاء الساعة الواحدة ليلاً ثم دخلوا مزدلفة أذان الفجر وصلوا فيها فهل عليهم شيء؟ أفتونا جزاكم الله عنا خيراً .

стр. 541

الجواب: هؤلاء لا شيء عليهم؛ لأنهم أدركوا صلاة الفجر في مزدلفة حين دخلوها وقت أذان الفجر، وصلوا الفجر فيها بغلس، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجة وقضى تفثه)) (١) ، لكن هؤلاء أخطأوا حين أخروا الصلاة إلى ما بعد منتصف الليل، لأن وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ . * * * س ٥١٥: امرأة دفعت من مزدلفة آخر الليل، ووكلت ابنها في رمي الجمرة عنها مع أنها قادرة، فما الحكم؟ أفتونا مأجورين . الجواب: رمي الجمرات من مناسك الحج لأن النبي ﷺ أمر به وفعله بنفسه، وقال ﷺ : ((إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله)) (٢) فهو عبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه، وهو عبادة لأن الإنسان يقوم برمي هذه الحصيات في هذا المكان تعبداً لله- وإقامة لذكره، فهي مبنية على مجرد التعبد لله - سبحانه وتعالي- لهذا ينبغي للإنسان أن يكون حين رميه للجمرات خاشعاً خاضعاً لله مهما كان ذلك وإذا

стр. 542

دار الأمر بين أن يبادر برمي هذه الجمرات في أول الوقت، أو يؤخره في آخر الوقت لكنه إذا أخره رمى بطمأنينة وخشوع وحضور قلب كان تأخيره أفضل، لأن هذه المزية مزية تتعلق بنفس العبادة، وما تعلق بنفس العبادة فإنه مقدم على ما يتعلق بزمن العبادة أو مكانها، ولهذا قال النبي ﷺ : ((لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثان)) (١) فيؤخر الإنسان الصلاة عن أول وقتها من أجل قضاء الحاجة، أو دفع الشهوة الشديدة التي حضر مقتضيها وهو الطعام، إذن إذا دار الأمر بين أن يرمي الجمرات في أول الوقت، لكن بمشقة وزحام شديد، وانشغال بإبقاء الحياة، وبين أن يؤخرها في آخر الوقت ولو في الليل لكن بطمأنينة وحضور قلب كان تأخيره أفضل، ولهذا رخص النبي ﷺ للضعفة من أهله أن يدفعوا من مزدلفة في آخر الليل، حتى لا يتأذوا بالزحام الذي يحصل إذا حضر الناس جميعاً بعد طلوع الفجر، إذا تبين ذلك فإنه لا يجوز لإنسان أن يوكل أحداً في رمي الجمار عنه لقوله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (البقرة: ١٩٦) ولا فرق في ذلك بين الرجال والنساء، فإذا تبين ذلك أيضاً وأن رمي الجمرات من العبادات، وأنه لا يجوز للقادر رجلاً أو امرأة أن ينيب عنه فيها، فإنه يجب أن يرمي بنفسه إلا رجلاً، أو امرأة مريضة، أو حاملاً تخشي على حملها فلها أن توكل. وأما المسألة التي وقعت لهذه المرأة التي ذكر أنها لم ترم مع قدرتها فالذي أرى أن من الأحوط لها أن تذبح فدية في مكة توزعها على الفقراء عن ترك هذا الواجب. * * *

стр. 543

س ٥١٦: حاج رمى جمرة العقبة من جهة الشرق ولم يسقط الحجر في الحوض وهو في اليوم الثالث عشر هل يلزمه إعادة الرمي كله ؟ الجواب: لا يلزمه إعادة الرمي كله وإنما يلزمه إعادة الرمي الذي أخطأ فيه فقط، وعلى هذا يعيد رمي جمرة العقبة فقط، ويرميها على الصواب، ولا يجزئه الرمي الذي رماه من جهة الشرق إذا لم يسقط الحصى في الحوض، الذي هو موضع الرمي، ولهذا لو رماها من الحسر من الناحية الشرقية أجزأ لأنه يسقط في الحوض. * * * س ٥١٧: إذا لم تصب جمرة أو جمرتان من الجمار السبع المرمى ومضى يوم أو يومان فهل يعيد رمي هذه الجمرة؟ وإذا لزمه فهل يعيد ما بعدها من الرمي ؟ الجواب: إذا بقي عليه رمي جمرة أو جمرتين من الجمرات، أو على الأوضح حصاة أو حصاتين من إحدى الجمرات فإن الفقهاء يقولون إذا كان من آخر جمرة فإنه يكملها أي يكمل هذا النقص فقط، ولا يلزمه رمي ما قبلها، وإن كان من غير آخر جمرة فإنه يكمل الناقص ويرمي ما بعده. والصواب عندي: أنه يكمل النقص مطلقاً، ولا يلزمه إعادة رمي ما بعدها، وذلك لأن الترتيب يسقط بالجهل، أو بالنسيان، وهذا الرجل قد رمى الثانية وهو لا يعتقد أن عليه شيئاً مما قبلها فهو بين الجهل والنسيان، وحينئذ نقول له: ما نقص من الحصا فارمه، ولا يجب عليه رمي ما بعدها.

стр. 544

وقبل إنهاء الجواب أحب أن أنبه على أن المرمى مجتمع الحصا وليس العمود المنصوب للدلالة عليه، فلو رمى في الحوض ولم يصب العمود بشيء من الحصيات فرميه صحيح. والله أعلم. * * * س ٥١٨: يقال إنه لا يجوز الرمي بالحصاة التي قد رمي بها فهل هذا صحيح؟ وما الدليل عليه؟ وجزاكم الله عن المسلمين خيراً ؟ الجواب: هذا ليس بصحيح، لأن الذين استدلوا بأنه لا يرمى بحصاة قد رمي بها عللوا ذلك بعلل ثلاث: ١- قالوا: أنها- أي الحصاة- التي رمي بها كالماء المستعمل في طهارة واجبة، والماء المستعمل في الطهارة الواجبة يكون طاهراً غير مطهر. ٢- أنها كالعبد إذا أعتق، فإنه لا يعتق بعد ذلك في كفارة، أو غيرها. ٣- أنه يلزم من القول بالجواز أن يرمي جميع الحجيج بحجر واحد، فترمي أنت هذا الحجر، ثم تأخذه وترمي، ثم تأخذه وترمي حتى تكمل السبع، ثم يجيء الثاني فيأخذه فيرمي حتى يكمل السبع فهذه ثلاث علل وكلها عند التأمل عليلة جداً. أما التعليل الأول: فإننا نقول بمنع الحكم في الأصل، وهو أن الماء المستعمل في طهارة واجبة يكون طاهراً غير مطهر؛ لأنه لا دليل على ذلك، ولا يمكن نقل الماء عن وصفه الأصلي وهو

стр. 545

الطهورية إلا بدليل، وعلى هذا فالماء المستعمل في طهارة واجبة طهور مطهر، فإذا انتفى حكم الأصل المقيس عليه أنتفي حكم الفرع. وأما التعليل الثاني وهو قياس الحصاة المرمي بها على العبد المعتق، فهو قياس مع الفارق، فإن العبد إذا أعتق حراً لا عبداً فلم يكن محلاً للعتق، بخلاف الحجر إذا رمي به فإنه يبقي حجراً بعد الرمي به، فلم ينتف المعنى الذي كان من أجله صالحاً للرمي به، ولهذا لو أن هذا العبد الذي أعتق استرق مرة أخرى بسبب شرعي جاز أن يعتق مرة ثانية. وأما التعليل الثالث: وهو أن يلزم من ذلك أن يقتصر الحجاج على حصاة واحدة فنقول إن أمكن ذلك فليكن، ولكن هذا غير ممكن، ولن يعدل إليه أحد مع توفر الحصا. وبناء على ذلك فإنه إذا سقطت من يدك حصاة أو أكثر حول الجمرات فخذ بدلها مما عندك، وارم به سواء غلب على ظنك أنه قد رمي بها أم لا. * * * س ٥١٩: هل يجوز للحاج أن يقدم سعي الحج على طواف الإفاضة ؟ الجواب: إن كان الحاج مفرداً أو قارناً فإنه يجوز أن يقدم السعي على طواف الإفاضة، فيأتي به بعد طواف القدوم كما فعل النبي ﷺ وأصحابه الذين ساقوا الهدي. أما إذا كان متمتعاً فإن عليه سعيين، الأول عند قدومه إلى

стр. 546

مكة وهو للعمرة فيطوف، ويسعى، ويقصر، والثاني في الحج والأفضل أن يكون بعد طواف الإفاضة؛ لأن السعي تابع للطواف فإن قدمه على الطواف فلا حرج على القول الراجح؛ لأن النبي ﷺ فقيل له: سعيت قبل أن أطوف قال: ((لا حرج)) (١) . فالحاج يفعل يوم العيد خمسة أنساك مرتبة: رمي جمرة العقبة، ثم النحر ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف بالبيت، ثم السعي بين الصفا والمروة، إلا أن يكون قارناً أو مفرداً سعى بعد طواف القدوم فلا سعي عليه مرة أخرى، والأفضل أن يرتبها على ما ذكرنا، وإن قدم بعضها على بعض لا سيما مع الحاجة فلا حرج وهذا من رحمة الله وتيسيره فلله الحمد رب العالمين. * * * س ٥٢٠: متى ينتهي رمي جمرة العقبة أداء؟ ومتى ينتهي قضاءً ؟ الجواب: أما رمي جمرة العقبة يوم العيد فإنه ينتهي بطلوع الفطر من اليوم الحادي عشر، ويبتدئ من آخر الليل من ليلة النحر للضعفاء ونحوهم من الذين لا يستطيعون مزاحمة الناس، وأما رميها في أيام التشريق فهي كرمي الجمرتين اللتين معها يبتدئ الرمي من الزوال، وينتهي بطلوع الفجر من الليلة التي تلي اليوم، إذا كان في آخر أيام التشريق فإن الليل لا رمي فيه وهو ليلة الرابع عشر، لأن أيام التشريق انتهت بغروب شمسها، ومع ذلك فالرمي في النهار أفضل إلا أنه في هذه الأوقات مع كثرة الحجيج وغشمهم، وعدم مبالاة بعضهم ببعض إذا خاف على نفسه من

стр. 547

الهلاك، أو الضرر، أو المشقة الشديدة فإنه يرمي ليلاً ولا حرج عليه، كما أنه لو رمى ليلاً بدون أن يخاف هذا فلا حرج عليه، ولكن الأفضل أن يراعي الاحتياط في هذه المسألة ولا يرمي ليلاً إلا عند الحاجة إليه, وأما قوله: ((قضاء)) فإنها تكون قضاء إذا طلع الفجر من اليوم التالي. * * * س ٥٢١: هل جواز تقديم السعي قبل الطواف خاص بيوم العيد ؟ الجواب: الصواب أنه لا فرق بين يوم العيد وغيره في أنه يجوز تقديم السعي على الطواف حتى لو كان بعد يوم العيد لعموم الحديث حيث قال رجل للنبي ﷺ : سعيت قبل أن أطوف، قال ((لا حرج)) (١) وإذا كان الحديث عاماًّ فإنه لا فرق بين أن يأتي ذلك في يوم العيد أو فيما بعده. * * * س ٥٢٢: إذا طاف من عليه سعي ثم خرج ولم يسع وأخبر بعد ذلك بأن عليه سعياً فهل يسعى فقط أم يلزمه أن يعيد الطواف ؟ الجواب: إذا طاف الإنسان معتقداً أن لا سعي عليه، ثم بعد ذلك أُخبر بأن عليه سعياً فإنه يأتي بالسعي فقط، ولا حاجة إلى إعادة الطواف، وذلك لأنه لا يشترط الموالاة بين الطواف والسعي. حتى لو فرض أن الرجل ترك ذلك عمداً- أي أخر السعي

стр. 548

عن الطواف عمداً - فلا حرج عليه، ولكن الأفضل أن يكون السعي موالياً للطواف. * * * س ٥٢٣: ما رأي فضيلتكم فيمن يقصر للعمرة من بعض الرأس فقط ؟ الجواب: الذي أرى في هذا أنه لم يتم تقصيره، وأن الواجب عليه أن يخلع ثيابه ويلبس ثياب الإحرام ويقصر تقصيراً صحيحاً ثم بعد ذلك يتحلل. وإنني بهذه المناسبة أود أن أنبه إلى أنه يجب على كل مؤمن أراد أن يتعبد لله بعبادة يجب عليه أن يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله فيها، ليعبد الله على بصيرة، لا على جهل، قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) ولو أن إنساناً أراد أن يسافر من مكة إلى المدينة وليس هناك خطوط مزفلتة، فإنه لا يخرج حتى يسأل عن الطريق، فإذا كان هذا في الطرق الحسية فلماذا لا يكون في الطرق المعنوية التي هي الطرق الموصلة إلى الله؟! والتقصير هو الأخذ من الشعر جميعه، وأفضل ما يكون في التقصير أن يستعمل المكينة لأنها تعم الرأس كله، وإن كان يجوز أن يقصر بالمقص، لكن بشرط أن يمر على جميع الرأس، كما أنه في الوضوء يمر على جميع الرأس فكذلك في التقصير، والله أعلم. * * *

стр. 549

س ٥٢٤: ما وقت رمي الجمار ؟ الجواب: وقت الرمي بالنسبة لجمرة العقبة يوم العيد يكون لأهل القدرة والنشاط من طلوع الشمس يوم العيد، ولغيرهم من الضعفاء ومن لا يستطيع مزاحمة الناس من الصغار والنساء يكون وقت الرمي في حقهم من آخر الليل، وكانت أسماء بنت أبي بكر ﵄ ترتقب غروب القمر ليلة العيد فإذا غاب دفعت من مزدلفة إلى منى ورمت الجمرة، أما آخره فإنه إلى غروب الشمس من يوم العيد، وإذا كان زحام أو كان بعيداً عن الجمرات وأحب أن يؤخره إلى الليل فلا حرج عليه في ذلك، ولكنه لا يؤخره إلى طلوع الفجر من اليوم الحادي عشر. وأما بالنسبة لرمي الجمار في أيام التشريق وهي اليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر، واليوم الثالث عشر فإن ابتداء الرمي يكون من زوال الشمس أي من انتصاف النهار عند دخول وقت الظهر ويستمر إلى الليل، وإذا كان هناك مشقة من زحام وغيره فلا بأس أن يرمي بالليل إلى طلوع الفجر، ولا يحل الرمي في اليوم الحادي عشر والثاني عشر، والثالث عشر قبل الزوال، لأن الرسول ﷺ لم يرم إلا بعد الزوال، وقال للناس: ((خذوا عني مناسككم)) (١) وكون الرسول ﷺ يؤخر الرمي- إلى هذا الوقت - مع أنه في شدة الحر، ويدع أول النهار مع أنه أبرد وأيسر، ودليل على أنه لا يحل الرمي قبل هذا الوقت، ويدل لذلك أيضاً أن الرسول ﷺ كان يرمي من حين أن تزول الشمس قبل أن يصلي الظهر، وهذا دليل على أنه

стр. 550

لا يحل أن يرمي قبل الزوال، وإلا لكان الرمي قبل الزوال أفضل لأجل أن يصلي الصلاة- صلاة الظهر- في أول وقتها؛ لأن الصلاة في أول وقتها أفضل، والحاصل أن الأدلة تدل على أن الرمي في أيام التشريق لا يجوز قبل الزوال. * * * س ٥٢٥: رجل أصابه المرض يوم عرفه ولم يبت في منى ولم يرم الجمار ولم يطف طواف الإفاضة فماذا يلزمه ؟ الجواب: إذا كان هذا الرجل الذي مرض في يوم عرفة مرض مرضاً لا يتمكن معه من إتمام النسك، وقد اشترط في ابتداء إحرامه " إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" فإنه يحل ولا شيء عليه، ولكن إن كان هذا الحج فريضة فإنه يؤديه في سنة أخرى، وإن كان لم يشترط فإنه على القول الراجح إذا لم يتمكن من إكمال حجه له أن يتحلل ولكن يجب عليه هدي لقوله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) فقوله (أُحْصِرْتُمْ) الصحيح أنه يشمل حصر العدو، وحصر غيره، ومعنى الإحصار: أن يمنع الإنسان مانع من إتمام نسكه. وعلى هذا فيتحلل ويذبح هدياً، ولا شيء عليه سوى ذلك، إلا إذا كان لم يؤد فريضة الحج فإنه يحج من العام القادم. أما إذا كان هذا المريض واحل المسير في حجه ووقف بمزدلفة ولكنه في منى لم يبيت، ولم يرم الجمرات فإنه في هذه الحال يكون حجه صحيحاً ومجزئ، ولكن عليه دم لكل واجب تركه فيلزمه على هذا دماً أحدهما: للمبيت بمنى، والثاني: لرمي الجمرات.

стр. 551

وأما طواف الإفاضة فيبقي ويطوف إذا عافاه الله؛ لأن طواف الإفاضة حده على القول الراجح إلى منتهى شهر ذي الحجة فإن كان لعذر فحتى ينتهي العذر. * * * س ٥٢٦: من بات خارج مزدلفة جهلاً بالحدود فماذا عليه ؟ الجواب: عليه عند أهل العلم فدية شاة يذبحها ويوزعها على فقراء مكة؛ لأنه ترك واجباً من واجبات الحج. وبهذه المناسبة أود أن أذكر إخواني الحجاج إلى أن ينتبهوا للحدود حدود المشاعر في عرفة وفي مزدلفة، فإن كثيراً من الناس في عرفة ينزلون خارج حدود عرفه، ويبقون هناك إلى أن تغرب الشمس، ثم ينصرفون ولا يدخلون إلى عرفة، وهؤلاء إذا انصرفوا بدون دخول عرفة فإنهم ينصرفون بدون حج. ولهذا يجب على الإنسان أن يتحرى حدود عرفة ويتعرف إليها وهي أميال قائمة ولله الحمد. * * * س ٥٢٧: من حج مفرداً وسعى بعد طواف القدوم فهل عليه سعي بعد طواف الإفاضة ؟ الجواب: ليس عليه سعي بعد طواف الإفاضة، فالمفرد إذا طاف للقدوم وسعى بعد طواف القدوم، فإن هذا السعي هو سعي الحج فلا يعيده مرة أخرى بعد طواف الإفاضة. * * *

стр. 552

س ٥٢٨: هل يكفي طواف واحد وسعي واحد للقارن ؟ الجواب: إذا حج الإنسان قارناً فإنه يجزئه طواف الحج وسعي الحج عن العمرة والحج جميعاً، ويكون طواف القدوم طواف سنة، وإن شاء قدم السعي بعد طواف القدوم كما فعل النبي ﷺ . وإن شاء أخره إلى يوم العيد بعد طواف الإفاضة، ولكن تقديمه أفضل لفعل النبي ﷺ ، فإذا كان يوم العيد فإنه يطوف طواف الإفاضة فقط. ولا يسعى لأنه سعى من قبل، والدليل على أن الطواف والسعي يكفيان للعمرة والحج جميعاً قول الرسول ﷺ لعائشة-﵂ وكانت قارنة: ((طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعكِ لحجكِ وعمرتك)) (١) . فبين النبي ﵊ أن طواف القارن وسعي القارن يكفي للحج والعمرة جميعاً. * * * س ٥٢٩: ما حكم من بات في منى إلى الساعة الثانية عشرة ليلاً ثم دخل مكة ولم يعد حتى طلوع الفجر ؟ الجواب: إذا كانت الساعة الثانية عشرة ليلاً هي منتصف الليل في منى فإنه لا بأس أن يخرج منها بعدها، وإن كان الأفضل أن يبقى في منى ليلاً ونهاراً، وإن كانت الثانية عشرة قبل منتصف الليل فإنه لا يخرج؛ لأن المبيت في منى يشترط أن يكون معظم الليل على ما ذكره فقهاؤنا- رحمهم الله تعالى -. * * *

стр. 553

س ٥٣٠: إذا خرج الحاج من منى قبل غروب الشمس يوم الثاني عشر بنية التعجل ولديه عمل في منى سيعود له بعد الغروب فهل يعتبر متعجلاً ؟ الجواب: نعم يعتبر متعجلاً، لأنه أنهى الحج، ونية رجوعه إلى منى لعمله فيها لا يمنع التعجل؛ لأنه إنما نوى الرجوع للعمل المنوط به لا النسك. * * * س ٥٣١: حاج من خارج المملكة موعد سفره الساعة الرابعة عصراً من اليوم الثالث عشر من شهر ذي الحجة ولم يخرج من منى بعد الرمي من اليوم الثاني عشر وأدركه المبيت ليلة الثالث عشر، فهل يجوز له أن يرمي صباحاً ثم ينفر علماً أنه لو تأخر بعد الزوال فات السفر وترتبت عليه مشقة كبيرة؟ وإذا كان الجواب بعدم الجواز أليس هناك رأي يجيز الرمي قبل الزوال؟ أفيدونا جزاكم الله عنا وعن المسلمين خيراً . الجواب: لا يجوز له أن يرمي قبل الزوال، ولكن يمكن أن نسقط عنه الرمي في هذه الحال للضرورة، ونقول له: يلزمك فدية تذبحها في منى أو مكة، أو توكل من يذبحها عنك، وتوزع على الفقراء، وتطوف طواف الوداع وتمشي. ونقول: أما قولك ((إذا كان الجواب بعدم الجواز أليس هناك رأي يجيز الرمي قبل الزوال)) ؟ الجواب: هناك رأي يجيز الرمي قبل الزوال، لكنه ليس بصحيح، الصواب أن الرمي قبل الزوال في الأيام التي بعد العيد

стр. 554

لا يجوز، وذلك لأن النبي ﷺ قال: ((خذوا عني مناسككم)) (١) ولم يرم ﷺ في هذه الأيام إلا بعد الزوال. فإن قال قائل: رمي النبي ﷺ بعد الزوال مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب. قلنا: هذا صحيح إنه مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب، أما كونه مجرد فعل فلأن النبي ﷺ رمى بعد الزوال، ولم يأمر بأن يكون الرمي بعد الزوال، ولا نهى عن الرمي قبل الزوال، وأما كون الفعل لا يدل على الوجوب فلأن الوجوب لا يكون إلا بأمر بالفعل، أو نهي عن الترك، ولكن نقول هذا الفعل دلت القرينة على أنه للوجوب، ووجه ذلك أن يكون الرسول ﷺ يؤخر الرمي حتى تزول الشمس يدل على الوجوب، إذ لو كان الرمي قبل الزوال جائزاً لكان النبي ﷺ يفعله؛ لأنه أيسر على العباد وأسهل والنبي ﵊ ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فكونه لم يختر الأيسر هنا وهو الرمي قبل الزوال يدل على أنه إثم. والوجه الثاني مما يدل على أن هذا الفعل للوجوب كون الرسول ﵊ يرمي فور زوال الشمس قبل أن يصلي الظهر فكأنه يترقب الزوال بفارغ الصبر ليبادر بالرمي، ولهذا أخر صلاة الظهر، مع أن الأفضل تقديمها أول الوقت، كل ذلك من أجل أن يرمي بعد الزوال. * * *

стр. 555

س ٥٣٢: من ترك الرمي في اليوم الثاني عشر ظنّاً منه أن هذا هو التعجل وغادر ولم يطف للوداع فما حكم حجه ؟ الجواب: حجه صحيح؛ لأنه لم يترك فيه ركناً من أركان الحج، ولكنه ترك فيه ثلاث واجبات إن كان لم يبت ليلة الثاني عشر بمنى. الواجب الأول: المبيت بمنى ليلة الثاني عشر. الواجب الثاني: رمي الجمار في اليوم الثاني عشر. والواجب الثالث: طواف الوداع. ويجب عليه لكل واحد منها دم يذبحه في مكة ويوزعه على الفقراء، لأن الواجب في الحج عند أهل العلم إذا تركه الإنسان وجب عليه دم يذبحه في مكة ويفرقه على الفقراء. وبهذه المناسبة أود أن أنبه إخواننا الحجاج على هذا الخطأ الذي أرتكبه السائل فإن كثيراً من الحجاج يفهمون مثل ما فهم، يفهمون أن معنى قوله تعالى: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْن) أي خرج في اليوم الحادي عشر فيعتبرون اليومين يوم العيد، واليوم الحادي عشر، والأمر ليس كذلك بل هذا خطأ في الفهم لأن الله تعالى قال: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) والأيام المعدودات هي أيام التشريق، وأيام التشريق أولها الحادي عشر، وعلى هذا يكون قوله: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْن) أي من أيام التشريق وهو اليوم الثاني عشر فينبغي للإنسان أن يصحح مفهومه حول هذه المسألة حتى لا يخطئ. * * *

стр. 556

س ٥٣٣: من لم يجد مكاناً في منى فيأتي إليها في الليل ويبقى بها إلى ما بعد نصف الليل ثم يذهب إلى الحرم بقية يومه فما الحكم ؟ الجواب: الحكم في هذا العمل مجزئ ولكن الذي ينبغي خلاف ذلك؛ لأن الذي ينبغي أن يبقى الحاج بمنى ليلاً ونهاراً في أيام التشريق، فإن لم يجد مكاناً فيبقى حيث انتهى الناس أي عند آخر خيمة، ولو خارج منى إذا لم يجد مكاناً إذا بحث أتم البحث ولم يجد مكاناً في منى، وقد ذهب بعض أهل العلم في زمننا هذا إلى أنه إذا لم يجد الإنسان مكاناً في منى فإنه يسقط عنه المبيت ويجوز له أن يبيت في أي مكان في مكة أو في غيرها، وقاس ذلك على ما إذا فقد عضواً من أعضاء الوضوء، فإنه يسقط غسله، ولكن في هذا نظر؛ لأن العضو يتعلق حكم الطهارة به ولم يوجد، أما هذا فإن المقصود من المبيت أن يكون الناس مجتمعين أمة واحدة، فالواجب أن يكون الإنسان عند آخر خيمة حتى يكون مع الحجيج، ونظير ذلك إذا امتلأ المسجد وصار الناس يصلون حول المسجد فلا بد أن تتواصل الصفوف حتى يكون جماعة واحدة، والمبيت نظير هذا وليس نظير العضو المقطوع. * * * س ٥٣٤: رجل طاف طواف الوداع في الصباح ثم نام وأراد أن يسافر بعد العصر فهل يلزمه شيء ؟ الجواب: عليه أن يعيد طواف الوداع في العمرة والحج، لأن النبي ﷺ قال: ((لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده

стр. 557

بالبيت)) (١) قال ذلك في حجة الوداع فابتداء وجوب طواف الوداع من ذلك الوقت فلا يرد علينا أن الرسول ﷺ اعتمر قبل ذلك ولم ينقل عنه أنه ودع؛ لأن طواف الوداع إنما وجب في حجة الوداع، وقد قال النبي ﷺ : ((اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك)) (٢) . وهذا عام يستثنى منه الوقوف، والمبيت، والرمي، لأن هذا خاص بالحج بالاتفاق، ويبقى ما عداه على العموم، ولأن النبي ﷺ سمى العمرة حجاً أصغر (٣) ، كما في حديث عمرو بن حزم الطويل المشهور الذي تلقاه العلماء بالقبول، وهو حديث مرسل، لكنه صحيح لتلقي العلماء له بالقبول. ولأن الله تعالى قال: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) وإذا كان طواف الوداع من إتمام الحج فهو أيضاً من إتمام العمرة. ولأن هذا الرجل المعتمر دخل المسجد الحرام بتحية فلا ينبغي أن يخرج منه إلا بتحية. وعلى هذا فإن طواف الوداع يكون واجباً في العمرة كالحج، وهناك حديث أخرجه الترمذي: ((إذا حج الرجل أو أعتمر فلا يخرج حتى يكون آخر عهده بالبيت)) (٤) . وهذا الحديث فيه ضعف؛ لأنه من رواية الحجاج بن أرطأة ولولا ضعف هذا الحديث لكان نصّاً في

стр. 558

المسألة وقاطعاً للنزاع، ولكن لضعفه لم يقو على الاحتجاج به، إلا أن الأصول التي ذكرناها قبل قليل تدل على وجوب طواف الوداع للعمرة. ولأنه إذا طاف للعمرة فهو أحوط وأبرأ للذمة؛ لأنك إذا طفت للوداع في العمرة لم يقل أحد إنك أخطأت، لكن إذا لم تطف قال لك من يوجب ذلك: أنك أخطأت، وحينئذ يكون الطائف مصيباً بكل حال، ومن لم يطف فإنه على خطر ومخطئ على قول بعض أهل العلم. * * * س ٥٣٥: ما حكم طواف الوداع للمعتمر ؟ الجواب: طواف الوداع للمعتمر إذا كان من نيته حين قدم مكة أن يطوف ويسعى ويحلق أو يقصر، ويرجع فلا طواف عليه، لأن طواف القدوم صار في حقه بمنزلة طواف الوداع، أما إذا بقي في مكة فالراجح أنه يجب عليه أن يطوف للوداع وذلك للأدلة التالية: أولاً: عموم قول النبي ﷺ : ((لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت)) (١) و (أحد) نكرة في سياق النهي فتعم كل من خرج. ثانياً: أن العمرة كالحج بل سماها النبي ﷺ حجّاً كما في حديث عمرو بن حزم المشهور (٢) ، الذي تلقته الأمة بالقبول قال النبي ﷺ : ((والعمرة هي الحج الأصغر)) .

стр. 559

ثالثاً: أن النبي ﷺ قال: ((دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)) (١) . رابعاً: أن النبي ﷺ قال ليعلى بن أمية: ((اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك)) فإذا كنت تصنع طواف الوداع في حجك فاصنعه في عمرتك، ولا يخرج من ذلك إلا ما أجمع العلماء على خروجه مثل الوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى، ورمي الجمار، فإن هذا بالإجماع ليس مشروعاً في العمرة. ولأن الإنسان إذا طاف صار أبرأ لذمته وأحوط. والله الموفق. * * * س ٥٣٦: رجل أحرم بالحج من الميقات ولما وصل إلى مكة منعه مركز التفتيش لأنه لم يحمل بطاقة الحج فما الحكم ؟ الجواب: الحكم في هذه الحال أنه يكون محصراً حين تعذر عليه الدخول إلى مكة، فيذبح هدياً في مكان الإحصار ويحل، ثم إن كانت هذه الحجة هي الفريضة أداها فيما بعد بالخطاب الأول لا قضاء، وإن كانت غير الفريضة فإنه لا شيء عليه على القول الراجح، لأن النبي ﷺ لم يأمر الذين أحصروا في غزوة الحديبية أن يقضوا تلك العمرة التي أحصروا عنها، فليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ وجوب القضاء على من أحصر، قال الله تعالى (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (البقرة: ١٩٦) ولم يذكر شيئاً سوى ذلك، وعمرة القضاء سميت بذلك لأن النبي ﷺ قاضى قريشاً أي

стр. 560

عاهدهم عليها، وليس من القضاء الذي هو استدراك ما فات، والله أعلم. * * * س ٥٣٧: من قصد الحج ثم منع منه فماذا يلزمه ؟ الجواب: إذا لم يتلبس بالإحرام فلا يلزمه شيء في هذه الحال؛ لأن الإنسان إذا لم يتلبس بالإحرام فإن شاء مضى في سبيله وإن شاء رجع إلى أهله، إلا إذا كان الحج فرضاً فإنه يجب عليه أن يبادر به، ولكن إذا حصل مانع فإنه لا شيء عليه. أما إذا كان هذا المنع بعد التلبس بالإحرام فإن كان قد اشترط عند إحرامه ((إن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني)) فإنه يحل من إحرامه ولا شيء عليه، وإن لم يكن اشترط فإن كان يرجو زوال المانع عن قرب، انتظر حتى يزول المانع ثم أتم الحج، فإن كان قبل الوقوف بعرفة وقف بعرفة وأتم حجه، وإن كان بعد الوقوف بعرفة ولم يقف بها فقد فاته الحج، فيتحلل بعمرة، ويقضي الحج من العام القادم إن كان حجه فريضة، وإن كان لا يرجو زوال المانع عن قرب تحلل من إحرامه، وذبح هدياً لعموم قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) . * * * س ٥٣٨: هل ما يفعله الحاج من المعاصي تنقص من أجر الحج ؟ الجواب: المعصية مطلقاً تنقص من ثواب الحج، لقول الله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَج) . بل إن بعض أهل العلم قال: إن المعصية في الحج تفسد

стр. 561

الحج؛ لأنه منهي عنها في الحج، ولكن جمهور أهل العلم على قاعدتهم المعروفة أن التحريم إذا لم يكن خاصّاً بالعبادة فإنه لا يبطلها، والمعاصي ليست خاصة بالإحرام، إذ المعاصي حرام في الإحرام وغير الإحرام، وهذا هو الصواب، وأن هذه المعاصي لا تبطل الحج ولكنها تنقص الحج. * * * س ٥٣٩: من حج بجواز سفر مزور فما حكم حجه ؟ الجواب: حجه صحيح؛ لأن تزوير الجواز لا يؤثر في صحة الحج، ولكن عليه الإثم، وعليه أن يتوب إلى الله- وأن يعدل اسمه إلى الاسم الصحيح حتى لا يحصل تلاعب لدى المسؤولين، ولئلا تسقط الحقوق التي وجبت عليه بالاسم الأول لاختلاف اسمه الثاني عن الاسم الأول، فيكون بذلك آكلاً للمال بالباطل مع الكذب في تغيير الاسم. وبهذه المناسبة أود أن أنصح إخواني بأن الأمر ليس بالهين بالنسبة لأولئك الذين يزورون الأسماء، ويستعيرون أسماءً لغيرهم من أجل أن يستفيدوا من إعانة الحكومة، أو من أمور أخرى، فإن ذلك تلاعب في المعاملات، وكذب وغش، وخداع للمسؤولين والحكام، وليعلموا أن من اتقى الله جعل له مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب، وأن من أتقى الله جعل الله له من أمره يسراً، وأن من اتقى الله وقال قولاً سديداً أصلح الله له عمله وغفر له ذنبه. تم بحمد الله تعالى وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين