← Фатава

Фатава · id 9924

فتاوى أركان الإسلام

ابن عثيمين

Полный текст (561 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

تعطي شخصاً ليحج عن أبيك المتوفى، أو أمك فعليك أن تختار من الناس من تثق به في علمه وفي دينه؛ وذلك لآن كثيراً من الناس عندهم جهل عظيم في أحكام الحج، فلا يؤدون الحج على ما ينبغي، وإن كانوا هم في أنفسهم أمناء، لكنهم يظنون أن هذا هو الواجب عليهم، وهم يخطئون كثيراً، ومثل هؤلاء لا ينبغي أن يعطوا إنابة في الحج لقصور علمهم، ومن الناس من يكون عنده علم لكن ليس لديه أمانة فتجده لا يهتم بما يقوله، أو يفعله في مناسك الحج لضعف أمانته ودينه، ومثل هذا أيضاً لا ينبغي أن يعطى أو أن يوكل إليه أداء الحج، فعلى من أراد أن ينيب شخصاً في الحج عنه أن يختار أفضل من يجده علماً وأمانة، حتى يؤدى ما طلب منه على الوجه الأكمل. وهذا الرجل الذي ذكر السائل أنه أعطاه ليحج عن والدته وسمع فيما بعد أنه أخذ حجات أخرى لغيره ينظر فلعل هذا الرجل أخذ الحجات عن غيره وأقام أناساً يؤدونها، وقام هو بأداء الحج عن الذي استنابه ولكن هل يجوز للإنسان أن يفعل هذا الفعل؟ أي: هل يجوز للإنسان أن يتوكل عن أشخاص متعددين في الحج أو في العمرة، ثم لا يباشر هو بنفسه ذلك، بل يكلها إلى ناس آخرين؟ فنقول في الجواب: إن ذلك لا يجوز ولا يحل، وهو من أكل المال بالباطل، فإن بعض الناس يتاجر في هذا الأمر تجده يأخذ عدة حجج، وعدة عمرات على أنه هو الذي سيقوم بها، ولكنه يكلها إلى فلان وفلان من الناس بأقل مما أخذ هو، فيكسب

стр. 492

أموالاً بالباطل، ويعطي أشخاصاً قد لا يرضونهم من أعطوه هذه الحجج أو العمرات، فعلى المرء أن يتقي الله في إخوانه، وفي نفسه؛ لأنه إذا أخذ مثل هذا المال فقد أخذه بغير حق، ولأنه إذا ائتمن من قبل إخوانه على أنه هو الذي يؤدي الحج، أو العمرة فإنه لا يجوز له أن يكل ذلك إلى غيره، لأن هذا الغير قد لا يرضاه من أعطاه هذه الحجج أو هذه العمرات. * * * س ٤٥٣: شخص كبير في السن أحرم بالعمرة ولما وصل إلى البيت عجز عن أداء العمرة فماذا يصنع ؟ الجواب: الجواب: أنه يبقى على إحرامه حتى ينشط إلا إذا كان قد اشترط عند الإحرام: ((إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)) ، فإنه يحل ولا شيء عليه، ولا عمرة، ولا طواف وداع، أما إذا لم يقل ذلك ولم يرجى زوال ما به فإنه يحتلل ويذبح فدية إذا كان واجداً لأن الله تعالى يقول: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) (البقرة: ١٩٦) والنبي ﵊ عندما أحصر عن إتمام عمرة الحديبية ذبح هديه وحل. * * * س ٤٥٤: إذا حج الإنسان عن غيره بأجرة فبقي منها شيء فهل يأخذه ؟ الجواب: إذا أخذ دراهم ليحج بها وزادت هذه الدراهم عن نفقة الحج فإنه لا يلزمه أن يردها إلى من أعطاه هذه الدراهم

стр. 493

كان الذي أعطاه قال له: ((حج منها)) ولم يقل: ((حج بها)) فإذا قال ((حج منها)) فإنه إذا زاد شيء عن النفقة يلزمه أن يرده إلى صاحبه، فإن شاء عفا عنه، وإن شاء أخذه، وأما إذا قال: ((حج بها)) فإنه لا يلزمه أن يرد شيئاً إذا بقي، اللهم إلا إذا يكون الذي أعطاه رجلاً لا يدري عن أمور الحج، ويظن أن الحج يكلف مصاريف كثيرة فأعطاه بناء على ظنه وعدم معرفته فحينئذ يجب عليه أن يبين له، وأن يقول: إني حججت بكذا وكذا، وإن الذي أعطيتني أكثر مما أستحق، وحينئذ إذا رخص له فيه وسمح له فلا حرج. * * * س ٤٥٥: إذا اعتمر الابن عن أبيه فهل يجوز له أن يدعو لنفسه ؟ الجواب: يجوز أن يدعو لنفسه في هذه العمرة، ولأبيه ولمن شاء من المسلمين، لأن المقصود أن يأتي بأفعال العمرة لمن أرادها له. أما مسألة الدعاء فإنه ليس بركن ولا بشرط في العمرة فيجوز أن يدعو لنفسه، ولمن كانت له هذه العمرة، ولجميع المسلمين. * * * س ٤٥٦: ما حكم الإستنابة في الحج أو العمرة ؟ الجواب: توكيل الإنسان من يحج عنه لا يخلو من حالين: الحالة الأولى: أن يكون ذلك في فريضة. الحالة الثانية: أن يكون ذلك في نافلة. فإن كان ذلك في فريضة فإنه لا يجوز أن يوكل غيره ليحج عنه ويعتمر، إلا إذا كان في حال لا يتمكن بنفسه من الوصول إلى

стр. 494

البيت، لمرض مستمر لا يُرجى زواله، أو لكبر ونحو ذلك فإن كان يرجى زوال هذا المرض فإنه ينتظر حتى يعافيه الله، ويؤدي الحج بنفسه، وإن لم يكن لديه مانع من الحج بل كان قادراً على أن يحج بنفسه، فإنه لا يحل له أن يوكل غيره في أداء النسك عنه؛ لأنه هو المطالب به شخصياً قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران: ٩٧) فالعبادات يقصد بها أن يقوم الإنسان بنفسه فيها ليتم له التعبد والتذلل لله ومن المعلوم أن من وكل غيره فإنه لا يحصل على هذا المعنى العظيم الذي من أجله شرعت العبادات. وأما إذا كان الموكل قد أدى الفريضة وأراد أن يوكل عنه من يحج أو يعتمر فإن في ذلك خلافاً بين أهل العلم: فمنهم من أجازه. ومنهم من منعه. والأقرب عندي: المنع، وأنه لا يجوز لأحد أن يوكل أحداً يحج عنه، أو يعتمر إذا كان ذلك نافلة، لأن الأصل في العبادات أن يقوم بها الإنسان بنفسه، وكما إنه لا يوكل الإنسان أحداً يصوم عنه مع أنه لو مات وعليه صيام فرض صام عن وليه، فكذلك في الحج والحج عبادة يقوم فيها الإنسان ببدنه، وليست عبادة مالية يقصد بها نفع الغير، وإذا كانت عبادة بدنية يقوم الإنسان فيها ببدنه فإنها لا تصح من غيره عنه إلا فيما وردت به السنة، ولم ترد السنة في حج الإنسان عن غيره حج نفل، وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ﵀ أعني أن الإنسان لا يصح أن يوكل غيره في نفل حج أو

стр. 495

عمرة، سواء كان قادراً أم غير قادر، ونحن إذا قلنا بهذا القول صار في ذلك حث على الأغنياء القادرين على الحج بأنفسهم، لأن بعض الناس تمضى عليه السنوات الكثيرة ما ذهب إلى مكة اعتماداً على أنه يوكل من يحج عنه كل عام، فيفوته المعنى الذي من أجله شرع الحج بناء على أنه يوكل من يحج عنه. * * * س ٤٥٧: هل يجوز الاعتمار عن الميت ؟ الجواب: يجوز الاعتمار عن الميت كما يجوز الحج عنه، وكذلك الطواف عنه يجوز، وكذلك جميع الأعمال الصالحة تجوز عن الميت، قال الإمام أحمد ﵀: كل قربة فعلها وجعل ثوابها لحي أو ميت مسلم نفعه، ولكن الدعاء للميت أفضل من ثوابها لحي أو ميت مسلم نفعه، ولكن الدعاء للميت أفضل من إهداء الثواب له، والدليل على هذا قول الرسول ﷺ : ((إذا مات إنسان أنقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) (١) ، ووجه الدلالة من الحديث أن النبي ﷺ لم يقل: ((أو ولد صالح يتعبد له، أو يقرأ، أو يصلي، أو يعتمر، أو يصوم)) أو ما أشبه ذلك، مع أن الحديث في سياق العمل، فهو يتحدث عن العمل الذي ينقطع بالموت، فلو كان المطلوب من الإنسان أن يعمل لأبيه وأمه لقال النبي ﷺ : ((وولد صالح يعمل له)) ، ولكن لو عمل الإنسان عملاً صالحاً وأهدى ثوابه لأحد من المسلمين فإن ذلك جائز. * * *

стр. 496

س ٤٥٨: إذا حجت المرأة بدون محرم فهل حجها صحيح؟ وهل الصبي المميز يعتبر محرماً؟ والذي يشترط في المحرم ؟ الجواب: حجها صحيح، لكن فعلها وسفرها بدون محرم محرَّم، ومعصية لرسول الله ﷺ ، فإنه ﵊ قال: ((لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم)) (١) والصغير الذي لم يبلغ ليس بمحرم؛ لأنه هو نفسه يحتاج إلى ولاية وإلى نظر، ومن كان كذلك فلا يمكن أن يكون ناظراً أو وليّاً لغيره. والذي يشترط في المحرم أن يكون مسلماً، ذكراً، بالغاً، عاقلاً فإذا لم يكن كذلك فإنه ليس بمحرم. وهاهنا أمر نأسف له كثيراً وهو: تهاون بعض النساء في السفر بالطائرة بدون محرم، فإنهن يتهاون بذلك تجد المرأة تسافر في الطائرة وحدها، وتعليلهم لهذا الأمر يقولون: إن محرمها يشيعها في المطار الذي أقلعت منه الطائرة، والمحرم الآخر يستقبلها في المطار الذي تهبط فيه الطائرة، وهى في الطائرة آمنة. وهذه العلة عليلة في الواقع، فإن محرمها الذي شيعها ليس يدخلها في الطائرة، وإنما يدخلها في صالة الانتظار. وربما تتأخر الطائرة عن الإقلاع فتبقى هذه المرأة ضائعة. وربما تطير الطائرة ولا تتمكن من الهبوط في المطار الذي

стр. 497

تقصده لسبب من الأسباب، وتهبط في مكان آخر، فتضيع هذه المرأة. وربما تهبط في المطار الذي قصدته، ولكن لا يأتي محرمها الذي يستقبلها لسبب من الأسباب لمرض، أو نوم، أو حادث في سيارته منعه من الوصول، أو غير ذلك. وإذا انتفت هذه الموانع كلها، ووصلت الطائرة في وقت وصولها، ووجد المحرم الذي يستقبلها، فإنه من الذي يكون إلى جانبها في الطائرة قد يكون إلى جانبها رجل لا يخشى الله- تعالي- ولا يرحم عباد الله فيغريها وتغتر به، ويحصل بذلك الفتنة والمحظور كما هو معلوم. فالواجب على المرأة أن تتقي الله ، وأن لا تسافر إلا مع ذي محرم، والواجب أيضاً على أولياء النساء من الرجال الذين جعلهم الله قوامين على النساء أن يتقوا الله ، وأن لا يفرطوا في محارمهم، وأن لا تذهب غيرتهم ودينهم، فإن الإنسان مسؤول عن أهله، لأن الله تعالى جعلهم أمانة عنده، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم: ٦) * * * س ٤٥٩: امرأة تقول: أنوي أن أؤدي العمرة في رمضان ولكن برفقة أختي وزوجها ووالدتي فهل يجوز لي أن أذهب للعمرة معهم ؟

стр. 498

الجواب: لا يجوز لك أن تذهبي للعمرة معهم؛ لأن زوج أختك ليس محرماً لك، وقد ثبت عن النبي ﷺ من حديث ابن عباس قال: سمعت النبي ﷺ يخطب يقول: ((لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم، ولا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم)) . فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال النبي ﷺ : ((انطلق فحج مع امرأتك)) (١) ، ولم يستفصل النبي ﷺ هل مع هذه المرأة نساء؟ وهل كانت شابة أم عجوزاً؟ وهل كانت آمنة أم غير آمنة؟ وهذه السائلة إذا تخلفت عن العمرة من أجل أنه لا محرم لها فإنه لا إثم عليها، حتى ولو كانت لم تعتمر من قبل، لأن من شروط وجوب العمرة والحج أن يكون للمرأة محرم. س٤٦٠: ما هي مواقيت الحج الزمانية ؟ الجواب مواقيت الحج الزمانية تبتدئ بدخول شهر شوال، وتنتهي إما بعشر ذي الحجة، أي بيوم العيد، أو بآخر يوم من شهر ذي الحجة، وهو القول الراجح لقول الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَات) (البقرة: ١٩٧) وأشهر جمع، والأصل في الجمع أن يراد به حقيقته، ومعنى هذا الزمن أن الحج يقع في خلال هذه الأشهر الثلاثة، وليس يُفعل في إي يوم منها، فإن الحج له أيام معلومة، إلا أن نسك الطواف والسعي إذا قلنا بأن شهر ذي الحجة كله وقت للحج، فإنه يجوز للإنسان أن يؤخر طواف الإفاضة وسعي الحج إلى

стр. 499

آخر يوم من شهر ذي الحجة، ولا يجوز له أن يؤخرهما عن ذلك، اللهم إلا لعذر، كما لو نفست المرأة قبل طواف الإفاضة، وبقي النفاس عليها حتى خرج ذي الحجة فهي معذورة في تأخير طواف الإفاضة. هذه هي المواقيت الزمنية في الحج. أما العمرة فليس لها ميقات زمني، تفعل في أي يوم من أيام السنة، لكنها في رمضان تعدل حجة، وفي أشهر الحج اعتمر النبي ﷺ كل عمره، فعمرة الحديبة كانت في ذي القعدة، وعمرة القضاء كانت أيضاً في ذي القعدة، وعمرة الجعرانة أيضا كانت في ذي القعدة، وعمرة الحج كانت أيضاً مع الحج في ذي القعدة، وهذا يدل على أن العمرة في أشهر الحج لها مزية وفضل، لاختيار النبي ﷺ هذه الأشهر لها. س ٤٦١: ما حكم الإحرام بالحج قبل دخول هذه المواقيت الزمانية ؟ الجواب: اختلف العلماء- ﵏ في الإحرام بالحج قبل دخول أشهر الحج. فمن العلماء من قال أن الحج قبل أشهره ينعقد ويبقى محرماً بالحج، إلا أن يكره أن يحرم بالحج قبل دخول أشهره. ومن العلماء من قالوا: أن من يحرم بالحج قبل أشهره، فإنه لا ينعقد ويكون عمرة، أي يتحول إلى عمرة، لأن العمرة كما قال النبي ﷺ : ((دخلت في الحج)) (١) وسماها النبي ﷺ الحج الأصغر.

стр. 500

كما في حديث عمرو بن حزم المرسل المشهور (١) ، الذي تلقاه الناس بالقبول. * * * س ٤٦٢: ما مواقيت الحج المكانية ؟ الجواب: المواقيت المكانية خمسة: وهي ذو الحليفة، والجحفة، ويلملم، وقرن المنازل، وذات عِرق. أما ذو الحليفة: فهي المكان المسمى الآن بأبيار علي، وهي قريبة من المدينة، وتبعد عن مكة بنحو عشر مراحل، وهي أبعد المواقيت عن مكة، وهي لأهل المدينة، ولمن مر به من غير أهل المدينة. وأما الجحفة: فهي قرية قديمة في طريق أهل الشام إلى مكة، وبينها وبين مكة نحو ثلاث مراحل، وقد خربت القرية، وصار الناس يحرمون بدلاً منها من رابغ. وأما يلملم: فهو جبل أو مكان في طريق أهل اليمن إلى مكة، ويسمى اليوم: السعدية، وبينه وبين مكة نحو مرحلتين. وأما قرن المنازل: فهو جبل أو مكان في طريق أهل اليمن إلى مكة، ويسمى الآن: السيل الكبير، وبينه وبين مكة نحو مرحلتين أيضاً. فأما الأربعة الأولى، وهي ذو الحليفة، والجحفة، ويلملم، وقرن المنازل، فقد وقَّتها النبي ﷺ ، وأما ذات عرق، فقد وقتها

стр. 501

النبي ﷺ كما رواه أهل السنن من حديث عائشة- رضى الله عنها- (١) وصح عن عمر - رضى الله عنه- أنه وقتها لأهل الكوفة والبصرة حين جاءوا إليه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن النبي ﷺ وقت لأهل نجد قرناً، وأنها جور عن طريقنا، فقال عمر رضى الله عنه -: انظروا إلى حذوها من طريقكم (٢) . وعلى كل حال، فإن ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ فالأمر ظاهر، وإن لم يثبت، فإن هذا ثبت بسنة عمر بن الخطاب- ﵁ وهو أحد الخلفاء الراشدين المهديين الذين أُمرنا باتباعهم، والذي جرت موافقاته لحكم الله في عدة مواضع، ومنها هذا إذا صح عن النبي ﷺ أنه وقتها، وهو أيضاً مقتضى القياس، فإن الإنسان إذا مر بميقات لزمه الإحرام منه، فإذا حاذاه صار كالمار به، وفي أثر عمر-﵁ فائدة عظيمة في وقتنا هذا، وهو أن الإنسان إذا كان قادماً إلى مكة بالطائرة يريد الحج، أو العمرة، فإنه يلزمه إذا حاذى الميقات من فوقه أن يحرم منه عند محاذاته، ولا يحل له تأخير الإحرام إلى أن يصل إلى جدة كما يفعله كثير من الناس، فإن المحاذاة لا فرق أن تكون في البر، أو في الجو، أو في البحر. ولهذا يُحرم أهل البواخر التي تمر من طريق البحر فتحاذي يلملم أو رابغأً، يحرمون إذا حاذوا هذين الميقاتين.

стр. 502

س ٤٦٣: ما حكم من تجاوز الميقات بدون إحرام ؟ الجواب: من تجاوز الميقات بدون إحرام فلا يخلو من حالين: إما أن يكون مريداً للحج أو العمرة، فحينئذ يلزمه أن يرجع إليه ليحرم منه بما أراد من النسك، والحج أو العمرة، فإن لم يفعل فقد ترك واجباً من واجبات النسك، وعليه عند أهل العلم فدية دم يذبحه في مكة، ويوزعه على الفقراء هناك. وأما إذا تجاوزه وهو لا يريد الحج ولا العمرة، فإنه لا شيء عليه، سواء طالت مدة غيابة عن مكة أم قصرت، وذلك لأننا لو ألزمناه بالإحرام من الميقات في مروره هذا، لكان الحج يجب عليه أكثر من مرة أو العمرة، وقد ثبت عن النبي صلى الله أن الحج لا يجب في العمرة إلا مرة، وأن ما زاد فهو تطوع، وهذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم في من تجاوز الميقات بغير إحرام، أي أنه إذا كان لا يريد الحج ولا العمرة، فليس عليه شيء، ولا يلزمه الإحرام من الميقات. * * * س٤٦٤: نية الدخول في النسك، هل هي التي يُتلفظ بها في التلبية ؟ الجواب: التلبية أن يقول: لبيك عمرة إذا كان في عمرة، ولبيك حجّاً إذا كان في حج، أما التلبية فلا يجوز التلفظ بها، فلا يقول مثلاً: اللهم إني أريد العمرة، أو أريد الحج، فهذا لم يرد عن النبي ﷺ .

стр. 503

س ٤٦٥: ما كيفية إحرام القادم إلى مكة جوّاً ؟ الجواب: إحرام القادم إلى مكة جوّاً يجب عليه إذا حاذي الميقات أن يحرم، وعلى هذا فيتأهب أولاً بالاغتسال في بيته، ثم يلبس الإحرام قبل أن يصل إلى الميقات، ومن حين أن يصل إلى الميقات ينوي الدخول في النسك، ولا يتأخر؛ لأن الطائرة مرها سريع، فالدقيقة يمكن أن تقطع بها مسافات كبيرة، وهذا أمر يغفل عنه بعض الناس، تجد بعض الناس لا يتأهب، فإذا أعلن موظف الطائرة بأنهم وصلوا الميقات، ذهب يخلع ثيابه ويلبس ثياب الإحرام، وهذا تقصير جدّاً، على أن الموظفين في الطائرة فيما يبدوا بدأوا ينبهون الناس قبل أن يصلوا إلى الميقات بربع ساعة أو نحوها، وهذا عمل يشكرونه عليه؛ لأنهم إذا نبهوهم قبل هذه المدة، جعلوا لهم فرصة في تغيير ثيابهم وتأهبهم، ولكن في هذه الحال ينبغي بل يجب على من أراد الإحرام أن ينتبه للوقت فإذا أعلن موظف الطائرة أنه قد بقي ربع ساعة، فلينظر على ساعته، حتى إذا مضى هذا الجزء الذي هو ربع الساعة أو قبله بدقيقتين أو ثلاث لبى بما يريد من النسك. * * * س ٤٦٦: ما الحكم فيمن تجاوز الميقات بدون إحرام وهو يريد العمرة ؟ الجواب: الواجب على من أراد الحج أو العمرة ومرّ بالميقات أن لا يتجاوز الميقات حتى يحرم منه، لأن النبي ﷺ قال ((يهل أهل

стр. 504

المدينة من ذي الحليفة ... .)) (١) إلخ وكلمة ((يهل)) خبر بمعنى الأمر، وعلى هذا فيجب على من أراد الحج أو العمرة إذا مر بالميقات أن يهل منه، ولا يتجاوزه، فإن فعل وتجاوز وجب عليه أن يرجع ليحرم منه، وإذا رجع وأحرم منه فلا فدية عليه، فإن أحرم من مكانه ولم يرجع فعليه عند أهل العلم فدية يذبحها ويوزعها على فقراء مكة.

стр. 505

رسالة كيف يصلي الإنسان ويحرم في الطائرة؟ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أولاً: كيف يصلي الإنسان في الطائرة؟ ١- يصلي النافلة في الطائرة وهو جالس على مقعده حيث كان اتجاه الطائرة، ويومئ بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض. ٢- لا يصلي الفريضة في الطائرة إلا إذا كان يتمكن من الاتجاه إلى القلبة في جميع الصلاة، ويتمكن أيضاً من الركوع، والسجود، والقيام، والقعود. ٣- إذا كان لا يتمكن من ذلك فإنه يؤخر الصلاة حتى يهبط في المطار فيصلى على الأرض، فإن خاف خروج الوقت قبل الهبوط أخرها إلى وقت الثانية إن كانت مما يُجمع إليها كالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء. فإن خاف خروج وقت الثانية صلاهما في الطائرة قبل أن يخرج الوقت، ويفعل ما يستطيع من شروط الصلاة وأركانها، وواجباتها. (مثلاً) لو أقلعت الطائرة قبيل غروب الشمس وغابت الشمس وهو في الجو فإنه لا يصلي المغرب حتى تهبط في المطار، وينزل فيصلي على الأرض، فإن خاف خروج وقت المغرب أخرها إلى وقت العشاء، فصلاهما جمع تأخير بعد نزوله، فإن خاف خروج

стр. 506

وقت العشاء وذلك عند منتصف الليل صلاهما قبل أن يخرج الوقت في الطائرة. ٤- وكيفية صلاة الفريضة في الطائرة أن يقف ويستقبل القبلة فيكبر، ويقرأ الفاتحة وما تسن قراءته قبلها من الاستفتاح، أو بعدها من القرآن، ثم يركع، ثم يرفع من الركوع ويطمئن قائماً، ثم يسجد، ثم يرفع من السجود ويطمئن جالساً، ثم يسجد الثانية ثم يفعل كذلك في بقية صلاته، فإن لم يتمكن من السجود جلس وأومأ بالسجود جالساً، وإن لم يعرف القبلة ولم يخبره أحد يثق به اجتهد وتحرى وصلى حيث كان اجتهاده. ٥- تكون صلاة المسافر في الطائرة قصراً فيصلى الرباعية ركعتين كغيره من المسافرين. ثانياً: كيف يحرم بالحج والعمرة من سافر في الطائرة؟ ١- يغتسل في بيته ويبقى في ثيابه المعتادة، وإن شاء لبس ثياب الإحرام. ٢- فإذا اقتربت الطائرة من محاذاة الميقات لبس ثياب الإحرام إن لم يكن لبسها من قبل. ٣- فإذا حاذت الطائرة الميقات نوى الدخول في النسك، ولبى بما نواه من حج أو عمرة. ٤- فإن أحرم قبل محاذاة الميقات احتياطاً خوفاً من الغفلة، أو النسيان فلا بأس. * * *

стр. 507

س ٤٦٧: من سافر من بلده إلى جدة ثم أراد العمرة فهل يحرم من جدة ؟ الجواب: لا يخلو الأمر من حالين: ١- أن يكون الإنسان قد سافر إلى جدة بدون نية العمرة ولكن طرأت له العمرة وهو في جدة، فإنه يحرم من جدة، ولا حرج في ذلك لحديث ابن عباس- ﵄ حين ذكر المواقيت قال: ((ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشئ، حتى أهل مكة من مكة)) (١) ٢- أن يكون سافر من بلده بنية العمرة عازماً عليها فإن يجب في هذه الحالة أن يحرم من الميقات الذي يمر به، ولا يجوز الإحرام من جدة، لأنها دون الميقات، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه وقت المواقيت فقال: ((هن لهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن لمن أراد الحج والعمرة)) (٢) فإن أحرم من جدة ونزل إلى مكة في هذه الحال فإن عليه عند أهل العلم فدية دماً يذبحه في مكة، ويتصدق به على الفقراء وعمرته صحيحة، فإن لم يحرم من جدة بعد وصوله إليها وهو ناوٍ العمرة قبل وصوله فإنه يرجع إلى الميقات ويحرم منه، ولا شيء عليه. * * *

стр. 508

س٤٦٨: ما حكم الاغتسال للمحرم بعد لبس الإحرام ؟ الجواب: الاغتسال للمحرم لا بأس به لثبوت ذلك عن النبي ﷺ سواء اغتسل مرة، أو مرتين، ولكنه يجب أن يغتسل إذا احتلم وهو محرم فيغتسل عن الجنابة، وأما الاغتسال للإحرام فهو سنة. * * * س ٤٦٩: ما حكم الحج عن المتوفى إذا كان جدّاً للإنسان وقد حج النائب عن نفسه ؟ الجواب: لا حرج أن يحج الإنسان عن جده الذي لم يحج لأن ذلك قد جاءت به بالسنة عن النبي ﷺ . * * * س ٤٧٠: هل للإحرام صلاة تخصه ؟ الجواب: ليس للإحرام صلاة تخصه، لكن إذا وصل الإنسان إلى الميقات، وهو قريب من وقت الفريضة فالأفضل أن يؤجل الإحرام حتى يصلي الفريضة ثم يحرم، أما إذا وصل إلى الميقات في غير وقت فريضة فإنه كما هو معلوم يغتسل كما يغتسل من الجنابة، ويتطيب، ويلبس ثياب الإحرام، ثم إن أراد أن يصلي صلاة الضحى فيما إذا كان في وقت الضحى، أو أن يصلى سنة الوضوء فيما إذا لم يكن وقت الضحى وأحرم بعد ذلك فحسن، وأما أن يكون هناك صلاة خاصة للإحرام فإن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ . * * *

стр. 509

س ٤٧١: من اعتمر في أشهر الحج ثم سافر إلى المدينة وأحرم بالحج من أبيار علي فهل يكون متمتعاً ؟ الجواب: ما دام هذا الرجل حين أتى بالعمرة في أشهر الحج قد عزم أن يحج من عامه فإنه يكون متمتعاً، لأن سفره بين العمرة والحج لا يبطل التمتع إلا إذا رجع إلى بلده، وأنشأ السفر من بلده إلى الحج فحينئذ ينقطع تمتعه؛ لأنه أفرد كل نسك بسفر مستقل فهذا الرجل الذي ذهب إلى المدينة بعد أن أدى العمرة ثم أحرم بالحج من أبيار علي يلزمه هدي التمتع لعموم قوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (البقرة: ١٩٦) . * * * س ٤٧٢: من احرم بالعمرة في شوال وأتمها وهو لم يرد الحج ثم تيسر له الحج فهل يكون متمتعاً ؟ الجواب: ليس بمتمتع فلا يجب عليه هدي. * * * س ٤٧٣: ما هي التلبية التي صحت عن النبي ﷺ ؟ ومتى تقطع التلبية في العمرة والحج ؟ الجواب: التلبية التي صحت عن النبي ﷺ قوله: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك (١) . وروى الإمام أحمد- ﵀ زيادة:

стр. 510

لبيك إله الحق (١) . وإسناده حسن. وتقطع التلبية في العمرة إذا شرع في الطواف، وفي الحج إذا شرع في رمي جمرة العقبة يوم العيد، لما روى الترمذي من حديث ابن عباس رضى الله عنهما يرفع الحديث ((أنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر)) (٢) ، صححه الترمذي لكن فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعفه الأكثرون، وعن ابن عباس- ﵄ أن أسامة كان ردف النبي ﷺ من عرفة إلى مزدلفة ثم أردف الفضل من مزدلفة إلى منى فكلاهما قال: ((لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة)) (٣) ، أخرجاه في الصحيحين، وعند مالك يقطع التلبية في العمرة إذا وصل الحرم، وقيل: يقطعها إذا وصل البيت أو رآه. ومعنى لبيك: إقامة على طاعتك وإجابة لدعواتك، ولفظه لفظ المثنى ومعناه الكثرة. * * * س ٤٧٤: هل يجوز للمحرم تمشيط شعره ؟ الجواب: تمشيط المحرم شعره لا ينبغي، لأن الذي ينبغي للمحرم أن يكون أشعث أغبر، ولا حرج عليه أن يغسله، وأما تمشيطه فإنه عرضة لتساقط الشعر، ولكن إذا سقط شعر من المحرم بدون قصد إما لحك رأسه أو لفركه وما أشبه ذلك فإنه لا حرج عليه

стр. 511

في هذا، لأنه غير معتمد إزالته، وليعلم أن جميع محظورات الإحرام إذا لم يتعمدها الإنسان ووقعت منه على سبيل الخطأ، أو على سبيل النسيان فإنه لا حرج عليه فيها؛ لأن الله قال في كتابه: (ْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الأحزاب: ٥) . وقال : (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة: ٢٨٦) . فقال الله تعالى: قد فعلت. وفي خصوص الصيد وهو من محظورات الإحرام قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) (المائدة: من الآية٩٥) وهذا القيد وهو قوله تعالى (مُتَعَمِّداً) يفيد أن من قتله غير متعمد فليس عليه جزاء وهذا القيد قيد احترازي؛ لأنه قيد مناسب للحكم وذلك أن المتعمد هو الذي يناسبه إيجاب الجزاء، وأما غير المعتمد فلا يناسبه إيجاب الجزاء لما علم من هذا الدين الإسلامي من أنه دين السماحة والسهولة واليسر وعلى هذا فنقول: جميع محظورات الإحرام بدون استثناء إذا فعلها الإنسان جاهلاً، أو ناسياً فإنه لا يترتب عليه شيء من أحكامها، لا من وجوب الفدية، ولا من فساد النسك فيما يفسد النسك كالجماع وغير ذلك. هذا هو الذي تقتضيه الأدلة الشرعية التي أشرنا إليها. * * * س ٤٧٥: حاج قصَّر من بعض شعره جهلاً منه وتحلل فما يلزمه ؟ الجواب: هذا الحاج الذي قصر من بعض شعره جاهلاً بذلك

стр. 512

ثم تحلل لا شيء عليه في هذا التحلل؛ لأنه جاهل، ولكن بقى عليه إتمام التقصير لشعر رأسه. وإنني بهذه المناسبة أنصح إخواني إذا أرادوا شيئاً من العبادات أن لا يدخلوا فيها حتى يعرفوا حدود الله فيها لئلا يتلبسوا بأمر يخل بهذه العبادة، لقوله تعالى لنبيه ﷺ (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف: ١٠٨) وقوله تعالى (ِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر: من الآية٩) . فكون الإنسان يعبد الله على بصيرة عالماً بحدوده في هذه العبادة خير بكثير من كونه يعبد الله على جهل، بل مجرد تقليد لقوم يعلمون أو لا يعلمون. * * * س ٤٧٦: إذا دخل الآفاقي مكة بدون إحرام من أجل أن يتحايل على ولاة الأمر بعدم إرادة الحج، ثم أحرم من مكة فهل حجه صحيح؟ أفتونا جزاكم الله عنا وعن المسلمين خيراً . الجواب: أما حجه فصحيح، وأما فعله فحرام، حرام من وجهين: أحدهما: تعدي حدود الله بترك الإحرام من الميقات. والثاني: مخالفة أمر ولاة الأمور الذين أمرنا بطاعتهم في غير معصية الله، وعلى هذا يلزمه أن يتوب إلى الله، ويستغفره مما وقع، وعليه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء لتركه الإحرام من الميقات

стр. 513

على ما قاله أهل العلم من وجوب الفدية على من ترك واجباً من واجبات الحج أو العمرة. * * * س ٤٧٧: إذا رجع المتمتع إلى بلده ثم أنشأ سفراً للحج من بلده فهل يعتبر مفرداً ؟ الجواب: نعم إذا رجع المتمتع إلى بلده ثم أنشأ سفراً للحج من بلده فهو مفرد، وذلك لانقطاع ما بين العمرة والحج برجوعه إلى أهله، فإنشاؤه السفر معناه أنه أنشأ سفراً جديداً للحج وحينئذ يكون حجه إفراداًَ، فلا يجب عليه هدي التمتع حيئنذ، لكن لو فعل ذلك تحيلاً على إسقاط الهدي فإنه لا يسقط عنه؛ لأن التحيل على إسقاط الواجب لا يقتضي إسقاطه، كما أن التحيل على المحرم لا يقتضي حله. * * * س ٤٧٨: ما حكم استعمال المظلة للمحرم؟ وكذلك الحزام مع العلم أنه مخيط ؟ الجواب: حمل المظلة على الرأس وقاية من حر الشمس لا بأس به، ولا حرج فيه، ولا يدخل هذا في نهي النبي ﷺ عن تغطية الرأس - رأس الرجل- لأن هذا ليس تغطية، بل هو تظليل من الشمس والحر، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان معه أسامة بن زيد، وبلال أحدهما أخذ بخطام ناقة النبي ﷺ والآخر

стр. 514

رافع ثوباً يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة (١) ، وفي رواية: والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله ﷺ من الشمس، وهذا دليل على أن النبي ﷺ قد استظل بهذا الثوب وهو محرم قبل أن يتحلل. أما وضع الحزام على إزاره فإنه لا بأس به، ولا حرج فيه، وقول السائل: ((مع أنه مخيط)) هذا القول مبني على فهم خاطىء من بعض العامة، حيث ظنوا أن معنى قول العلماء: ((يحرم على المحرم لبس المخيط)) ظنوا أن المراد به ما كان فيه خياطة، وليس كذلك بل مراد أهل العلم بلبس المخيط ما كان مصنوعاً على قدر العضو، ولبس على هيئته المعتادة كالقميص والسراويل، والفنيلة وما أشبه ذلك، وليس مراد أهل العلم ما كان به خياطة، ولهذا لو أن الإنسان أحرم برداء مرقع أو بإزار مرقع لم يكن عليه في ذلك بأس، وإن كان قد خيط بعضه ببعض. * * * س ٤٧٩: شخص معاق لا يستطيع أن يلبس ثياب الإحرام فكيف يصنع ؟ الجواب: إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يلبس ثياب الإحرام فإنه يلبس ما يقدر عليه من اللباس الآخر، وعليه عند أهل العلم أما أن يذبح في مكة شاة يفرقها على الفقراء، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم ثلاثة أيام، هكذا قال أهل العلم قياساً على ما جاء في حلق شعر الرأس حيث قال الله تعالى

стр. 515

(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (البقرة: ١٩٦) وقد فصل النبي ﷺ الصيام والصدقة بما ذكرناه. * * * س ٤٨٠: ما حكم من جامع وهو محرم بالحج جاهلاً تحريم الجماع ؟ الجواب: من المعلوم أن الجماع من محظورات الإحرام، قال الله تعالى (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ) (البقرة: ١٩٧) والرفث والجماع ومقدماته، فالجماع أعظم محظورات الإحرام، إذا جامع الإنسان وهو محرم بالحج فإما أن يكون قبل التحلل الأول، أو بعد التحلل الأول، فإن كان قبل التحلل الأول ترتب على جماعه أمور: أولاً: فساد النسك بحيث لا يجزئه عن نافلة ولا عن فريضة. ثانياً: الإثم. ثالثاً: وجوب المضي فيه، أي أنه مع فساده يستمر ويكمله ويبقى هذا النسك الفاسد كالنسك الصحيح في جميع أحكامه. رابعاً: وجوب القضاء من العام القادم، سواء كان ذلك الحج فريضة أم نافلة، أما إذا كان فريضة فوجوب القضاء ظاهر لأن الحج الذي جامع فيه لم تبرأ به ذمته، وأما إذا كان نافلة فلأن نافلة الحج يجب المضى فيها لقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه) (البقرة: ١٩٦) وقد سمى الله تعالى التلبس بالحج فرضاً فقال: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَج) (البقرة: ١٩٧) فلهذا

стр. 516

قلنا إنه يجب عليه قضاء هذا الحج الفاسد سواء كان فرضاً أم نفلاً. الأمر الخامس مما يترتب عليه: أنه يذبح بدنه، كفارة عن فعله يوزعها على الفقراء، وإن ذبح عنها سبعاً من الغنم فلا بأس. هذا حكم الجماع قبل التحلل الأول. أما إذا كان الجماع بعد التحلل الأول فإنه يترتب عليه الإثم وفساد الإحرام فقط، وعليه شاة يذبحها ويوزعها على الفقراء، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من البر أو غيره، أو يصوم ثلاثة أيام، فيخير بين هذه الثلاثة، ويجدد الإحرام فيذهب إلى أدنى الحل ويحرم منه ليطوف طواف الإفاضة محرماً، هكذا قال فقهاؤنا. فإن قيل: متى يحصل التحلل الأول؟ قلنا: التحلل الأول يكون برمي جمرة العقبة يوم العيد، والحلق، أو التقصير، فإذا رمى الإنسان جمرة العقبة يوم العيد، وحلق أو قصر فقد حل التحلل الأول وحل من كل المحظورات إلا النساء، قالت عائشة - رضى الله عنها- ((كنت أطيب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت)) (١) . وهذا الحديث دليل على أن الإحلال يليه الطواف بالبيت، وهو يقتضي أن يكون الحلق سابقاً على الإحلال كما قررناه آنفاً بأن التحلل الأول يكون برمي جمرة العقبة يوم العيد مع الحلق أو التقصير، فالجماع الذي قبل ذلك يترتب عليه الأمور الخمسة التي ذكرناها آنفاً،

стр. 517

والذي بعد ذلك يترتب عليه ما ذكرناه من الإثم وفساد الإحرام دون النسك، ووجوب فدية، أو إطعام، أو صيام سواء في مكة أو في غيره، وسواء كان متتابعاً أو متفرقاً، وإذا كان هذا الإنسان داخلاً بمعنى أنه لا يدري أن هذا الشيء حرام فإنه لا شيء عليه سواء كان ذلك قبل التحلل الأول، أو بعده، لأن الله يقول: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة: ٢٨٦) فقال الله قد فعلت، ويقول تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الأحزاب: ٥) . فإن قيل: إذا كان هذا الرجل عالماً بأن الجماع حرام في حال الإحرام لكنه لم يظن أنه يترتب عليه كل هذه الأمور، ولو ظن أنه يترتب عليه كل هذه الأمور ما فعله فهل هذا عذر؟ فالجواب: أن هذا ليس بعذر؛ لأن العذر أن يكون الإنسان جاهلاً بالحكم لا يدري أن هذا الشيء حرام، وأما الجهل بما يترتب على الفعل فليس بعذر، ولذلك لو أن رجلاً محسناً يعلم أن الزنا حرام، وهو بالغ عاقل، وقد تمت شروط الإحصان في حقه لوجب عليه الرجم، ولو قال أنا لم أعلم أن الحد هو الرجم، ولو قال أنا لم أعلم أن الحد هو الرجم، ولو علمت أن الحد هو الرجم ما فعلت، قلنا له: هذا ليس بعذر فعليك الرجم، وإن كنت لا تدري ما عقوبة الزنا، ولهذا لما جاء الرجل الذي جامع في نهار رمضان يستفتي النبي ﷺ ماذا يجب عليه ألزامه النبي ﷺ بالكفارة مع انه كان حين جماعه جاهلاً بما يجب عليه، فدل ذلك على أن الإنسان إذا تجرأ على المعصية وانتهك حرمات الله

стр. 518

- ترتب عليه آثار تلك المعصية، وإن كان لا يعلم بآثارها حين فعلها. * * * س ٤٨١: كيف تتحجب المرأة المحرمة؟ وهل يشترط أن لا يمس الغطاء وجهها ؟ الجواب: المرأة المحرمة إذا مرت من عند الرجال، أو مر الرجال من عندها وهم من غير محارمها يجب عليها أن تغطي وجهها كما كانت نساء الصحابة ﵃ على هذا، وفي هذه الحال لا فدية عليها، لأن هذا أمر مأمور به، والمأمور به لا ينقلب محظوراً. ولا يشترط أن لا يمس الغطاء ووجهها، بل لو مس الغطاء وجهها فلا حرج عليها، فيجب عليها أن تغطي وجهها ما دامت عند الرجال، وإذا دخلت الخيمة، أو كانت في بيتها كشفت الوجه؛ لأن المشروع في حق المحرمة أن تكشف وجهها. * * * س ٤٨٢: امرأة حاجة وحاضت قبل طواف الوداع فما الحكم ؟ الجواب: الحكم في هذا أن المرأة إذا طافت طواف الإفاضة وأتاها الحيض بعد أن أتمت مناسك الحج ولم يبق عليها إلا طواف الوداع فإن طواف الوداع يسقط عنها في هذه الحال؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: ((أمر الناس أن يكون آخر عهدهم

стр. 519

بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض)) (١) ، ولما قيل للنبي ﷺ : " إن صفية بنت حيي حاضت وكانت قد طافت- ﵂ طواف الإفاضة قال ((فانفروا إذن)) (٢) وأسقط عنها طواف الوداع. أما طواف الإفاضة فإنه لا يسقط بالحيض، فإما أن تبقى المرأة في مكة حتى تطهر وتطوف طواف الإفاضة، وإما أن تذهب إلى بلدها على ما بقي من إحرامها، فإذا طهرت عادت فأتت بطواف الإفاضة وهنا يحسن إذا عادت أن تأتي أولاً بمعرة فتطوف وتسعي وتقصر، ثم تطوف طواف الإفاضة، وإذا كانت لا يمكنها ذلك بأي حال من الأحول فإنها تضع على محل الحيض ما يمنع نزول الحيض، وتلوث المسجد به، ثم تطوف للضرورة على القول الراحج.. * * * س ٤٨٣: امرأة أحرمت مع زوجها وهي حائض، وعندما طهرت اعتمرت بدون محرم ثم إنها رأت الدم بعد ذلك فما الحكم؟ أفتونا جزاكم الله عنا وعن المسلمين خيراً الجواب: نقول إن هذه المرأة فيما يبدو قدمت إلى مكة هي ومحرمها، وقد كانت أحرمت من الميقات وهي حائض، وإحرامها من الميقات وهي حائض إحرام صحيح؛ لأن النبي ﷺ لما استفتته أسماء بنت عميس وهو في ذي الحليفة قالت: يا رسول الله إني

стр. 520

نفست، قال ((اغتسلي واستثفري بثوب، واحرمي)) (١) . وإذا قدمت مكة وطهرت وأدت العمرة بدون محرم فلا حرج عليها؛ لأنها في وسط البلد، لكن رجوع الدم إليها بعد قد يورث إشكالاً في هذه الطهارة التي رأتها فنقول لها: إذا كنت قد رأيت الطهر يقيناً فإن عمرتك صحيحة، وإن كنت في شك من هذا الطهر فأعيدى العمرة من جديد، لكن ليس معنى إعادة العمرة من جديد أن تذهبي إلى الميقات فتحرمي من جديد، وإنما نريد أن تعيدي الطواف والسعي والتقصير. * * * س ٤٨٤: امرأة حاضت ولم تطف طواف الإفاضة وتسكن خارج المملكة وحان وقت مغادرتها ولا تستطيع التأخر ويستحيل عودتها للمملكة مرة أخرى فكيف تصنع؟ أفتونا جزاكم الله خيراً الجواب: إذا كان الأمر كما ذكر امرأة لم تطف طواف الإفاضة وحاضت، ويتعذر أن تبقى في مكة، أو أن ترجع إليها لو سافرت قبل أن تطوف ففي هذه الحال يجوز لها أن تفعل واحداً من أمرين: ١- إما أن تستعمل إبراً توقف هذا الدم وتطوف إذا لم يكن عليها ضرر في هذه الإبر. ٢- وإما أن تتلجم بلجام يمنع من سيلان الدم إلى المسجد وتطوف للضرورة، وهذا القول هو القول الراجح الذي اختاره

стр. 521

شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. وخلاف ذلك واحد من أمرين: ١- إما أن تبقي على ما بقي من إحرامها بحيث لا يحل لزوجها مباشرتها، ولا أن يعقد عيها إن كانت غير متزوجة. ٢- وإما أن تعتبر محصرة تذبح هدياً، وتحل من إحرامها، وفي هذه الحال لا تعتبر هذه الحجة لها. وكلا الأمرين أمر صعب، الأمر الأول وهو بقاؤها على ما بقي من إحرامها، والأمر الثاني الذي يفوت عليها حجها فكان القول الراجح هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيميه- ﵀ في مثل هذه الحال للضرورة وقد قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: ٧٨) وقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥) . أما إذا كانت المرأة يمكنها أن تسافر، ثم ترجع إذا طهرت فلا حرج عليها أن تسافر، فإذا طهرت رجعت فطافت طواف الحج، وفي هذه المدة لا تحل للأزواج، لأنها لم تحل التحلل الثاني. * * * س ٤٨٥: امرأة أحرمت بالعمرة ثم حاضت فخرجت من مكة بدون عمرة فماذا عليها ؟ الجواب: إذا أحرمت المرأة بالعمرة وأتاها الحيض فإن إحرامها لا يبطل بل تبقى على إحرامها، وهذه المرأة التي أحرمت بالعمرة وخرجت من مكة، ولم تطف، ولم تسع، لا تزال في عمرتها وعليها أن ترجع إلى مكة، وأن تطوف، وتسعى، وتقصر حتى تحل

стр. 522

من إحرامها، ويجب عليها أن تتجنب جميع محظورات الإحرام من الطيب وأخذ الشعر، أو الظفر، وعدم قربها من زوجها إن كانت ذات زوج حتى تقضي عمرتها، اللهم إلا أن تكون قد خافت من مجيء الحيض فاشترطت عند إحرامها، أن محلها حيث حبست، فإنها لا شئ عليها إذا تحللت من إحرامها حينئذ. * * * س ٤٨٦: هل يجوز للمحرمة أن تغير الثياب التي أحرمت فيها؟ وهل للإحرام ثياب تخصه ؟ الجواب: يجوز للمرأة المحرمة أن تغير ثيابها إلى ثياب أخرى، سواء كان ذلك لحاجة أم لغير حاجة، لكن بشرط أن تكون الثياب الأخرى ليست ثياب تبرج وجمال أمام الرجال، وعلى هذا فإذا أرادت أن تغير شيئاً من ثيابها التي أحرمت بها فلا حرج عليها. وليس للإحرام ثياب تخصه بالنسبة للمرأة بل تلبس ما شاءت إلا أنها لا تلبس النقاب، ولا تلبس القفازين، والنقاب هو الذي يوضع على الوجه ويكون فيه نقب للعين، وأما القفازان فهما اللذان يلبسان في اليد، ويسميان شراب اليدين. وأما الرجل فإن له لباساً خاصّاً في الإحرام، وهو الإزار والرداء، فلا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا العمائم، ولا البرانس ولا الخفاف. س ٤٨٧: هل يجوز للمحرمة أن تلبس القفازين والجورب ؟ الجواب: أما لبس المرأة الجورب فلا بأس به.

стр. 523

وأما لباسها القفازين فإن النبي ﷺ نهى عن ذلك فقال في المحرمة: ((لا تلبس القفازين)) (١) س ٤٨٨: امرأة مرت بالميقات وهي حائض فأحرمت منه ونزلت إلى مكة وأخّرت العمرة حتى طهرت فما حكم عمرتها ؟ الجواب: العمرة صحيحة ولو أخرتها إلى يوم أو يومين ولكن بشرط أن يكون ذلك بعد طهارتها من الحيض؛ لأن المرأة الحائض لا يحل لها أن تطوف بالبيت، ولهذا لما حاضت عائشة- ﵂ وهي قد أقبلت إلى مكة محرمة بالعمرة قال لها النبي ﷺ ((أحرمي بالحج وافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت)) (٢) ، ولما حاضت صفية قال ﷺ : ((أحابستنا هي)) ؟ ظن أنها لم تطف طواف الإفاضة، فقالوا إنها قد أفاضت فقال: ((انفروا)) (٣) فالمرأة الحائض لا يحل لها أن تطوف بالبيت، فإذا قدمت إلى مكة وهي حائض وجب عليها الانتظار حتى تطهر، ثم تطوف بالبيت، أما إذا حصل الحيض بعد طواف العمرة وقبل السعي فلتكمل عمرتها ولا شيء عليها؛ وإذا أتاها الحيض بعد السعي فلا يجب عليها طواف الوداع حينئذ؛ لأن طواف الوداع يسقط عن الحائض. * * * س ٤٨٩: امرأة أحرمت من الميقات وهي حائض ثم طهرت في مكة وخلعت ملابسها فما الحكم ؟

стр. 524

الجواب: المرأة إذا أحرمت من الميقات وهي حائض، ثم وصلت مكة وطهرت فإن لها أن تغير ما شاءت من الثياب، وتلبس ما شاءت من الثياب ما دامت الثياب من الثياب المباحة، وكذلك الرجل يجوز أن يغير ثياب الإحرام بثياب إحرام أخرى، ولا حرج عليه. * * * س ٤٩٠: ما حكم تغطية الوجه بالنقاب في الحج، فقد كنت قرأت حديثاً بما معناه ((لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين)) ، وقرأت قولاً آخراً لعائشة ﵂ وهم في الحج تقول: ((كنا إذا ساوى بنا الرجال أسدلنا على وجوهنا وإذا سبقناهم كشفنا وجوهنا)) فكيف نجمع بين القولين ؟ الجواب: الصواب في هذا ما دل عليه الحديث وهو نهي النبي ﷺ أن تنتقب المحرمة، فالمرأة المحرمة منهية عن النقاب مطلقاً سواء مرّ بها الرجال الأجانب أم لم يمروا بها، وعلى هذا فيحرم على المرأة المحرمة أن تنتقب سواء كانت في حج، أو في عمرة، والنقاب معروف عند النساء وهو أن تغطي وجهها بغطاء يكون فيه فتحة لكل واحدة من عينيها، وأما حديث عائشة فلا يعارض النهي عن الانتقاب؛ وذلك لأن حديث عائشة ليس فيه أن النساء ينتقبن، وإنما يغطين الوجه بدون نقاب، وهذا أمر لا بد منه إذا مر الرجال بالنساء، فإنه يجب عليهن أن يسترن وجوههن؛ لأن ستر الوجه عن الرجال الأجانب واجب، وعلى هذا فنقول لبس النقاب للمحرمة حرام عليها مطلقاً، وأما ستر وجهها فالأفضل لها كشف الوجه،

стр. 525

ولكن إذا مر الرجال قريباً منها فإنه يجب عليها أن تغطيه، ولكن تغطيه بغير النقاب. * * * س ٤٩١: من فعل شيئاً من محظورات الإحرام ناسياً أو جاهلاً فما الحكم ؟ الجواب: إذا فعل شيئاً من محظورات الإحرام بعد أن لبس إحرامه وهو لم يعقد النية بعد فلا شيء عليه؛ لأن العبرة بالنية لا بلبس ثوب الإحرام، ولكن إذا كان قد نوى ودخل في النسك فإنه إذا فعل شيئاً من المحظورات ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه، ولكن يجب عليه بمجرد ما يزول العذر فيذكر إن كان ناسياً، ويعلم إن كان جاهلاً يجب عليه أن يتخلى من ذلك المحظور. مثال هذا: لو أن رجلاً نسي فلبس ثوباً وهو محرم فلا شيء عليه، ولكن من حين ما يذكر يجب عليه أن يخلع هذا الثوب وكذلك لو نسي فأبقى سرواله عليه، ثم ذكر بعد أن عقد النية ولبى، فإنه يجب عليه أن يخلع سرواله فوراً ولا شيء عليه، وكذلك لو كان جاهلاً فإنه لا شيء عليه مثل أن يلبس فنيلة ليس فيها خياط بل منسوجة نسجاً يظن أن المحرم لبس ما فيه خياطة فإنه لا شيء عليه، ولكن إذا تبين له أن الفنيلة وإن لم يكن بها توصيل فإنها من اللباس الممنوع فإنه يجب عليه أن يخلعها. والقاعدة العامة في هذا أن جميع محظورات الإحرام إذا فعلها الإنسان ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه لقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة: ٢٨٦) فقال الله

стр. 526

تعالى: قد فعلت، ولقوله تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الأحزاب: ٥) ولقوله تعالى في خصوص الصيد هو من محظورات الإحرام: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً) (المائدة: ٩٥) . ولا فرق في ذلك بين أن يكون محظور الإحرام من اللباس، والطيب ونحوهما، أو من قتل الصيد، وحلق شعر الرأس ونحوهما، وإن كان بعض العلماء فرق بين هذا وهذا، ولكن الصحيح عدم التفريق، لأن هذا من المحظور الذي يعذر فيه الإنسان بالجهل، والنسيان، والإكراه. * * * س ٤٩٢: حاج وقع في بعض الأخطاء في أداء نسكه ولم يكن معه ما يكفر به وسافر إلى بلده فهل يخرج ما وجب عليه في بلده أم يلزمه أن يكون في مكة؟ وإذا كان يلزم في مكة فهل يجوز التوكيل ؟ الجواب: لا بد أن نعرف ما هو هذا الشيء الذي حصل: إن كان ترك واجب ففيه فدية يذبحها في مكة؛ لأنها تتعلق بالنسك، ولا يجزئ في غير مكة. وإن كان فعل محظور فإنه يجزى فيه واحد من ثلاث أمور: إما إطعام ستة مساكين، ويكون في مكة أو في مكان فعل المحظور. وإما صيام ثلاثة أيام، وفي هذه الحال يصوم ثلاثة أيام في مكة أو غيرها. إلا أن يكون هذا المحظور جماعاً قبل التحلل الأول في الحج، فإن الواجب فيه بدنه يذبحها في مكان فعل المحظور، وفي مكة

стр. 527

ويفرقها على الفقراء، أو أن يكون جزاء صيد فإن الواجب مثله، أو إطعام، أو صيام فإن كان صوماً ففي أي مكان، وإن كان إطعاماً أو ذبحاً فإن الله تعالى يقول: (هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ) (المائدة: ٩٥) . فلا بد أن يكون في الحرم، وله أن يوكل فيه، لأن النبي ﷺ وكل عليّاً ﵁ في ذبح ما بقي من هديه. * * * س ٤٩٣: هل يجوز تقديم السعي على الطواف ؟ الجواب: أما بالنسبة لتقديم سعي الحج على طواف الإفاضة فهذا جائز، لأن النبي ﷺ وقف يوم النحر وجعل الناس يسألونه وقيل له سعيت قبل أن أطوف فقال: ((لا حرج)) (١) . فمن كان متمتعاً فقدم السعي في الحج على الطواف، أو مفرداً، أو قارناً ولم يكن سعى مع طواف القدوم فقدم السعي علي الطواف فهذا لا بأس به لقول النبي ﷺ " لا حرج". * * * س ٤٩٤: ما حكم تكرار العمرة في رمضان؟ وهل هناك مدة معينة بين العمرتين ؟ الجواب: تكرار العمرة في شهر رمضان من البدع، لأن تكرارها في شهر واحد خلاف ما كان عليه السف حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ذكر في الفتاوى أنه يكره تكرار العمرة والإكثار منها باتفاق السلف، ولا سيما من يكررها في

стр. 528

رمضان وهذا لو كان من الأمور المحبوبة لكان السلف أحرص منا على ذلك، ولكرروا العمر، وهذا النبي ﵊ أتقى الناس لله ، وأشد الناس حبّاً للخير بقي في مكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة، ولم يأت بعمرة، وهذه عائشة ﵂ حين ألحت على النبي ﷺ أن تعتمر، أمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بها من الحرم إلى الحل لتأتي بعمرة، ولم يرشد النبي ﷺ عبد الرحمن أن يأتي بعمرة، ولو كان هذا مشروعاً لأرشده النبي ﷺ ، ولو كان هذا معلوم المشروعية عند الصحابة لفعله عبد الرحمن بن أبي بكر لأنه خرج إلى الحل. والمدة المعنية لما بين العمرتين قال الإمام أحمد ﵀: (ينتظر حتى يحمم رأسه)) بمعنى يسود كالحممة، والحممة هي العيدان المحترقة. * * * س ٤٩٥: ما الحكم إذا أقيمت الصلاة أثناء الطواف؟ وهل يستأنف الطواف؟ وإذا لم يستأنف فيمن أين يكمل ؟ الجواب: إذا أقيمت الصلاة والإنسان يطوف سواء طواف عمرة، أو طواف حج، أو طواف تطوع فإنه ينصرف من طوافه ويصلي، ثم يرجع ويكمل الطواف، ولا يستأنفه من جديد ويكمل الطواف من الموضع الذي انتهى إليه من قبل، ولا حاجة إلى إعادة الشوط من جديد؛ لأن ما سبق بني على أساس صحيح وبمقتضى إذن شرعي فلا يمكن أن يكون باطلاً إلا بدليل شرعي. * * *

стр. 529

س ٤٩٦: إذا سعى المعتمر قبل الطواف ثم طاف فماذا يلزمه ؟ الجواب: إذا سعى المعتمر قبل أن يطوف ثم طاف فإنه لا يعيد إلا السعي فقط، وذلك لأن الترتيب بين الطواف والسعي واجب فإن رسول الله ﷺ رتب بينهما وقال: ((لتأخذوا عني مناسككم)) (١) وإذا أخذنا عنه ﷺ مناسكه بدأنا بالطواف أولاً، ثم بالسعي ثانياً، ولكن لو قال أنا تعبت في السعي الأول، قلنا إنه يؤجر على تعبه، ولكن لا يقر على الخطأ. وذهب بعض التابعين وبعض العلماء إلى أنه سعى قبل الطواف من العمرة ناسياً، أو جاهلاً فلا شيء عليه، كما لو كان ذلك في الحج. * * * س ٤٩٧: ما المراد بالاضطباع؟ ومتى يُشرع ؟ الجواب: الاضطباع أن يكشف الإنسان كتفه الأيمن ويجعل طرفي الرداء على الكتف الأيسر. وهو مشروع في طواف القدوم، وأما في غيره فإنه ليس بمشروع. * * * س ٤٩٨: هل يجوز التطوع بالسعي ؟ الجواب: لا يجوز التطوع بالسعي، لأن السعي إنما يشرع في

стр. 530

النسك، الحج أو العمرة لقول الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ١٥٨) س ٤٩٩: من ترك طواف الإفاضة جهلاً ماذا يلزمه ؟ الجواب: طواف الإفاضة ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به، فإذا تركه الإنسان فإن حجه لم يتم، ولا بد أن يأتي به فيرجع ولو من بلده فيطوف طواف الإفاضة، وفي هذه الحال ما دام لم يطف لا يجوز أن يستمتع بزوجته؛ لأنه لم يتحلل التحلل الثاني إلا بعد طواف الإفاضة، والسعي إن كان متمتعاً، أو كان قارناً، أو مفرداً، ولم يكن سعى مع طواف القدوم. * * * س ٥٠٠: رأيت بعض الطائفين يدفع نساءه لتقبيل الحجر فأيهما أفضل تقبيل الحجر، أو البعد عن مزاحمة الرجال ؟ الجواب: إذا كان هذا السائل رأى هذا الأمر العجيب فأنا رأيت أمراً أعجب منه، رأيت من يقوم قبل أن يسلم من الفريضة ليسعى بشدة إلى تقبيل الحجر فيبطل صلاته الفريضة المفروضة التي هي أحد أركان الإسلام لأجل أن يفعل هذا الأمر، الذي ليس بواجب، وليس بمشروع أيضاً إلا إذا قرن بالطواف، وهذا من جهل الناس، الجهل المطبق الذي يأسف الإنسان له، فتقبيل الحجر واستلام الحجر ليس بسنة إلا في الطواف، لأني لا أعلم أن استلامه مستقلاً عن الطواف من السنة، وأنا أقول في هذا المكان لا أعلم،
следующие страницы →